المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ( 10 ) مفاتيح لتحقيق التدبر الأمثل للقرآن .


المسيطير
04-10-05, 06:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع مختصر من كتاب الشيخ الدكتور خالد اللاحم وفقه الله تعالى ، ولأهميته -خاصة في شهر رمضان المبارك حيث إقبال القلوب على كتاب الله تعالى - فقد أعدت كتابته :

الكتاب من تأليف الشيخ الدكتور / خالد بن عبد الكريم اللاحم
أستاذ القرآن وعلومه المساعد
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
--------------------
سبب تأليف الكتاب
بعد إحدى المحاضرات سألني أحدهم :
كيف يكون النجاح بالقرآن ؟
فقلت له : هذا سؤال كبير ، وخاصة هذه الأيام التي فتن الناس فيها بهذا الفن مستندين في معظم طرحهم على كتب حضارات غير إسلامية ، وصار المتسيد للحديث فيه لا يملكه إلا من حصل على شهادات أو دروات هناك ، قلت له : هذا سؤال كبير وأخشى إن أجبت عنه إجابة سريعة أن أسئ إلى القرآن فلا بد من البيان المتكامل الواضح الذي يربط المفاهيم والمصطلحات بالواقع ، ويوضح أن الأصل في تحقيق النجاح هو القرآن الكريم كلام رب العالمين ، وما عداه : فإما أن يكون تابعا له وإلا فهو مرفوض ، كان هذا السؤال هو سبب تأليف هذا الكتاب الذي حاولت فيه أن أبين كيفية تحقيق القوة والنجاح بمفهومه الشامل المتكامل لكل طبقات المجتمع ولجميع جوانب حياتهم .
----------------------------------
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد :
فإن الوسيلة الأولى لإصلاح النفس وتزكية القلب والوقاية من المشكلات وعلاجها هو العلم ، وعليه فمن أراد النجاح وأراد الزكاة والصلاح فلا طريق له سوى الوحيين الكتاب والسنة : قراءة وحفظا وتعلما.
ولو تأملنا في حال سلفنا الصالح بدءاً من النبي صلى الله عليه وسلم وانتهاءً بالمعاصرين من الصالحين لوجدنا أن القاسم المشترك بينهم هو قراءة القرآن في الصلاة عامة وفي صلاة الليل خاصة ، والعمل المتفق عليه عندهم الذي لا يرون الإخلال به ، ولا التفريط فيه حضراً ولا سفراً ، صحة ولاسقماً ؛ هو الحزب من القرآن ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل" رواه مسلم .
إن قراءة القرآن في صلاة الليل هي أقوى وسيلة لبقاء التوحيد والإيمان غضا طريا نديا في القلب،إنه المنطلق لكل عمل صالح آخر من صيام أو صدقة أو جهاد وبر وصلة. لما أراد الله سبحانه وتعالى تكليف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بواجب التبليغ والدعوة وهو حمل ثقيل جدا ؛ وجهه إلى ما يعينه عليه وهو القيام بالقرآن : {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً } [1-7 سورة المزمل] .
لقد كثر في زماننا هذا الحديث عن النجاح والسعادة والتفوق والقوة ، وكثرت فيه المؤلفات وكل يدعي أن في كتابه أو برنامجه الدواء الشافي والعلاج الناجع وأنه الكتاب الذي لا تحتاج معه إلى غيره ، والحق أن هذا الوصف لا يجوز أن يوصف به إلا كتاب واحد هو القرآن الكريم.
ولعلاج هذه المشكلة أعني انصراف الناس عن القرآن الكريم واشتغال بعضهم بتلك المؤلفات بحثا عن السعادة والنجاح يجئ هذا البحث ليسهم في تبيين الحقائق وتوضيح الدقائق ، و رسم الطريق الصحيح للمنهج السليم الذي ينبغي أن يتبعه المسلم في حياته.
إن العبد إذا تعلق قلبه بكتاب ربه فتيقن أن نجاحه و نجاته ، سعادته وقوته في قراءته وتدبره تكون هذه البداية للانطلاق في مراقي النجاح وسلم الفلاح في الدنيا والآخرة.
هذا البحث يتحدث عن الوسائل العملية التي تمكن بعون الله تعالى من الانتفاع بالقرآن الكريم ، وهذه القواعد هي التي كان يسلكها سلفنا الصالح في تعاملهم مع القرآن الكريم ، التي بسبب غفلة الكثيرين عنها أو بعضها أصبحوا لا يتأثرون ولا ينتفعون بما فيه من الآيات والعظات، والأمثال والحكم.
ومن أخذ بهذه الوسائل فإنه سيجد بإذن الله تعالى أن معاني القرآن تتدفق عليه ، حتى ربما يمضى عليه وقت طويل لا يستطيع تجاوز آية واحدة من كثرة المعاني التي تفتح عليه ، وقد حصل هذا للسلف من قبلنا والأخبار في هذا كثيرة مشهورة .

قال سهل بن عبد الله التستري : " لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه لأنه كلام الله وكلامه صفته وكما أنه ليس لله نهاية فكذلك لا نهاية لفهم كلامه .. وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله على قلبه وكلام الله غير مخلوق ولا يبلغ إلى نهاية فهمه فهوم محدثة مخلوقة " اهـ (مقدمة تفسير البسيط للواحدي (رسالة دكتوراه)وهذا كلام صحيح والتجربة والواقع يشهد بذلك فإن الناس يتفاوتون في فهمهم وإداركهم لآيات القرآن الكريم وتنزيلها على أمور حياتهم ، وأيضا فإن الشخص نفسه قد ينفتح له فهم لبعض الآيات ويتأثر بها ويأتي في وقت آخر يقف أمام الآية وقد أغلقت دونه ، يقف أمامها ويقول لقد تأثرت بهذه الآية يوما من الأيام فأين ذاك التأثر أين ذاك الفهم ؟
إن فهم القرآن وتدبره مواهب من الكريم الوهاب يعطيها لمن صدق في طلبها وسلك الأسباب الموصلة إليها بجد واجتهاد أما المتكئ على أريكته المشتغل بشهوات الدنيا ويريد فهم القرآن فهيهات هيهات ولو تمنى على الله الأماني.
مادة هذا البحث ليست مجموعة نظريات أو فرضيات توضع كحلول للمشكلة المراد علاجها ، إنما هو خطوات عملية ، تحتاج إلى تدرج وتكرار حتى يصل المتعلم فيها إلى ما وصف من نتائج وثمار ، قال ثابت البناني : " كابدت القرآن عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة " اهـ وما قاله ثابت البناني حق ، فقف عند الباب حتى يفتح لك إن كنت تدرك عظمة ما تطلب فإنه متى فتح لك ستدخل إلى عالم لا تستطيع الكلمات أن تصفه ولا العبارات أن تصور حقيقته ، أما إن استعجلت وانصرفت فستحرم نفسك من كنز عظيم وفرصة قد لا تدركها فيما تبقى من عمرك .

المسيطير
04-10-05, 06:48 AM
قال حفظه الله :
رحلتي مع الكتاب
بدأت رحلتي مع هذا الكتاب منذ أن عقلت وأدركت أن الحياة مجاهدة ومصابرة وصراع بين الحق والباطل والخير والشر ، وأن الثبات على الحق وتحصيل الخير لا بد له من جهد ومن عمل ، كانت البداية مع :
كتاب الجواب الكافي أقرؤه كلما أحسست بضعف السيطرة على النفس وضعف الإرادة والوقوع في النقائص فكنت أجد فيه العلاج وانتفع به حينا من الدهر ، ثم انتقلت إلى كتب المثقفين والمفكرين المعاصرين أمثال :
قوارب النجاة ، وحديث الشيخ ، وتربيتنا الروحية ، جدد حياتك ، وغيرها من كتب جعلتها قريبة مني أقرؤها لآخذ منها الزاد الروحي - على حد تعبير أولئك الكتَّاب - .
ثم جاءت فترة تعلقت بكتاب :
إحياء علوم الدين للغزالي ومختصر منهاج القاصدين لابن قدامه .
وفي المرحلة الجامعية كان التوجه نحو كتب الغرب والتي بدأت تغزو الأسواق من ذلك :
كيف تكسب الأصدقاء ، دع القلق وابدأ الحياة ، سيطر على نفسك ، سلطان الإرادة وغيرها فكنت أرجع إليها كلما حصلت مشكلة أو احتجت لعلاج مسألة ، وكنت قرأتها أكثر من مرة ولخصت ما فيها على شكل قواعد وأصول .
وفي حينها كان يتردد على خاطري سؤال محير : كيف يكون العلاج في مثل هذه الكتب ولا يكون في القرآن ؟ .
ثم تلتها مرحلة أخرى تعلقت بكتاب مدارج السالكين وخاصة بعدما طبع تهذيبه في مجلد واحد فكان رفيقي في السفر والحضر أقرأ فيه بهدف تقوية العزيمة ومجاهدة النفس .
ثم جاءت مرحلة لم يمض عليها سوى سنوات اتجهت إلى كتب وأشرطة القوة وتطوير الذات والتي بدأت تتنافس في جذب الناس فاشتغلت في الكثير منها طلبا للتطوير والترقية من ذلك :
كتاب العادات السبع ، أيقظ قواك الخفية ، إدارة الأولويات ، القراءة السريعة ، كيف تضاعف ذكائك ، المفاتيح العشرة للنجاح ، البرمجة اللغوية العصبية ، كيف تقوي ذاكرتك ..كن مطمئنا ، السعادة في ثلاثة شهور ، كيف تصبح متفائلا ، أيقظ العملاق الخ من قائمة لا تنتهي كنت أقرؤها أو أسمعها بكل دقة وأناة باحثا فيها عما عساه يغير من الواقع شيئا ويحصل به الانطلاق والتخلص من نقاط الضعف ولكن دون جدوى ، وأحمد الله تعالى أنها كانت دون جدوى وأني نجوت من الفتنة بهذه المصادر البشرية للنجاح فكيف سيكون حالي لو كنت حصلت على النجاح من تلك الكتب ونسيت كتاب ربي إلى أن فارقت الحياة ؟
إن السؤال المحير والذي يدعو للعجب والاستغراب : هل كان مثل هذا التخبط حصل من شخص يعيش في مجاهل أفريقيا أو أدغال آسيا ولم يبلغه القرآن ؟ أو أنه حصل من شخص يحفظ القرآن وهو في المرحلة المتوسطة ومع هذا لم ينتفع به لأنه نسي هذه المفاتح .هذا هو السؤال المحير الذي كنت أبحث عن إجابته ؟

فوجدتها والحمد لله وضمنتها هذا الكتاب فإياك أخي المسلم أن ترحل من هذه الدنيا ولم تذق ألذ وأطيب ما فيها إنه القرآن كلام الله الذي لا يشبه التنعم به أي نعيم على الإطلاق وهو حاصل بإذن الله تعالى لمن أخذ بهذه المفاتح التي هدي إليها سلفنا الصالح ففتحت لهم كنوز القرآن وبها فتحت لهم كنوز الأرض وخيراتها فكانوا خير أمة أخرجت للناس .

المسيطير
04-10-05, 06:52 AM
محور البحث ومشكلته

نحن نؤمن ونصدق بقول الله تعالى : {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [(21) سورة الحشر]، ونقرأ قول الله تعالى : {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [(23) سورة الزمر] وقوله تعالى : {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } [(124) سورة التوبة]
فهذا هو القرآن ، ونحن نقرؤه ، ولكن ما أخبر الله تعالى عنه من تأثير فإننا لا نجده !! فلماذا ؟
القرآن هو القرآن وقد وصل والحمد الله إلينا محفوظا تاما مصونا من الزيادة والنقص .
أين الخلل ؟ وأين المشكلة ؟
في كل تأثير عندنا ثلاثة أركان : المؤثر ، والمتأثر ، والموصل .
فالموثر - وهو القرآن - أثره ثابت لا نشك فيه .
بقي الاحتمال في الأمرين الأخيرين : الموصل ، والمتأثر.
المتأثر : هو قلب المتلقي القارئ . والموصل : هو القراءة والتدبر .
والبحث يحاول استكشاف الخلل في الجهتين . ويقترح الحلول المبنية على تجارب الناجحين في تحصيل الأثر والتأثير.
أيضا : حالة الفتح والفهم في وقت وإغلاقه في وقت آخر - وقد سمعت الشكوى من هذه الحال عند عدد من الأشخاص - تقرأ الآية في وقت فتتأثر بها وتنفتح لك فيها معان ، ثم تعود إليها بعد فترة فتقف أمامها لا تذكر شيئا من تلك المعاني ولا تحس بذلك الاثر الذي حصل سابقا !! فما السر ،وما هي الأسباب ؟؟

هذا ما تحاول هذه الدراسة أن تجيب عنه وتشخصه وتصف له العلاج المناسب بإذن الله تعالى .

المسيطير
04-10-05, 06:59 AM
خلاصة أخرى للبحث لتسهيل حفظ مضمونه

مفاتح تدبر القرآن عشرة مجموعة في قولك :
( لإصلاح ترتج )

(ل) قلب :
والمعنى أن القلب هو آلة فهم القرآن ، والقلب بيد الله تعالى يقلبه كيف شاء ، والعبد مفتقر إلى ربه ليفتح قلبه للقرآن فيطلع على خزائنه وكنوزه
(أ) أهداف أو أهمية :
أي استحضار أهداف قراءة القرآن ؟ أي لماذا تقرأ القرآن .
(ص) صلاة :
أن تكون القراءة في صلاة .
(ل) ليل:
أن تكون القراءة والصلاة في ليل .أي وقت الصفاء والتركيز .
(أ) أسبوع :
أن يكرر ما يقرؤه من القرآن كل أسبوع .حتى لو لجزء منه .
(ح) حفظا :
أن تكون القراءة حفظا عن ظهر قلب بحيث يحصل التركيز التام وانطباع الآيات عند القراءة .
(ت) تكرار :
تكرار الآيات وترديدها .
(ر) ربط :
ربط الآيات بواقعك اليومي وبنظرتك للحياة .
(ت) ترتيل وترسل :
الترتيل والترسل في القراءة . وعدم العجلة إذ المقصود هو الفهم وليس الكم وهذه مشكلة الكثيرين وهم بهذا الاستعجال يفوتون على أنفسهم خيرا عظيما.
(ج) جهرا :
الجهر بالقراءة . ليقوى التركيز ويكون التوصيل بجهتين بدلا من واحدة أي الصورة والصوت.

فهذه وسائل وأدوات يكمل بعضها بعضا في تحقيق وتحصيل مستوى أعلى وأرفع في تدبر آيات القرآن الكريم والانتفاع والتأثر بها .
وإن مما يتأكد التنبيه عليه عدم قصر وحصر النجاح في تدبر القرآن على هذه المفاتح ، فما هي إلا أسباب والنتائج بيد الله تعالى يعطيها من شاء ويمنعها من شاء .
فلا يعني - مثلا - إذا قلنا : من مفاتح تدبر القرآن أن تكون القراءة في ليل ، أن قراءة النهار لا تفيد وملغاة .
وإذا قلنا : أن تكون القراءة في صلاة ، أن القراءة خارج الصلاة لا تحقق التدبر .فالحصر والقصر غير صحيح بل القرآن كله مؤثر يؤثر في كل وقت وعلى أي حال متى شاء الله ذلك .
وما أقوله إن هي إلا وسائل بحسب الاستقراء من النصوص وحال السلف وهي أسباب يسلكها كل مريد للانتفاع بالقرآن بشكل أكبر وأعمق وأشمل .وهي أسباب نذكر بها من حرم من تدبر القرآن وهو يريده ، نقول له اسلك هذه الأسباب لعل الله إذا رأى مجاهدتك في هذا الأمر وعلم منك صدقك أن يفتح لك خزائن كتابه تتنعم فيها في الدنيا قبل الآخرة .
إن التلذذ بالقرآن لمن فتحت له أبوابه لا يعادله أي لذة أو متعة في هذه الحياة ولكن أكثرالناس لا يعلمون.

المسيطير
05-10-05, 06:50 AM
تمهيد :
في معنى التدبر وعلاماته

أولا معنى التدبر :
قال :" الميداني : "التدبر هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة " اهـ(قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عزوجل 10) ، ومعنى تدبر القرآن: هو التفكر والتأمل لآيات القرآن من أجل فهمه وإدارك معانيه وحكمه والمراد منه .

ثانيا: علامات التدبر :
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم علامات وصفات تصف حقيقة تدبر القرآن وتوضحه بجلاء من ذلك :
{وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } [(83) سورة المائدة] ،
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [ (2) سورة الأنفال ] ،
{وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } [ (124) سورة التوبة] ،
{ قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [107-109 : سورة الإسراء] ،
{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [(73) سورة الفرقان] ،
{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [(53) سورة القصص ] ،
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [ (23) سورة الزمر]

فتحصل من الآيات السابقة سبع علامات هي :
1- اجتماع القلب والفكر حين القراءة .
2- البكاء من خشية الله .
3- زيادة الخشوع .
4- زيادة الإيمان .
5- الفرح والاستبشار .
6- القشعريرة خوفا من الله تعالى ثم غلبة الرجاء والسكينة .
7- السجود تعظيما لله عز وجل .

فمن وجد واحدة من هذه الصفات أو أكثر فقد وصل إلى حالة التدبر والتفكر ، أما من لم يحصل أيا من هذه العلامات فهو محروم من تدبر القرآن ولم يصل بعد إلى شئ من كنوزه وذخائره .
قال إبراهيم التيمي : من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علما لأن الله نعت العلماء .. ثم تلا قول الله تعالى : {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [(107-109) سورة الإسراء] ، وعن أسماء بنت أبي بكر _ما قالت : كان أصحاب النبي ‘ إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم "(تفسير الطبري 15/149) .

المسيطير
05-10-05, 07:04 AM
ثالثا : مفهوم خاطئ لمعنى التدبر :
إن مما يصرف كثيرا من المسلمين عن تدبر القرآن والتفكر فيه وتذكر ما فيه من المعاني العظيمة اعتقادهم صعوبة فهم القرآن وهذا خطأ لمفهوم تدبر القرآن وانصراف عن الغاية التي من أجلها أنزل ، فالقرآن أولا كتاب تربية وتعليم ، وكتاب هداية وبصائر لكل الناس ، كتاب هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين ، كتاب قد يسر الله تعالى فهمه وتدبره كما قال تعالى : {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }[ (17) سورة القمر] ،
قال ابن هبيرة : " ومن مكايد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر فيقول هذه مخاطرة حتى يقول الإنسان أنا لا أتكلم في القرآن تورعا " (ذيل طبقات الحنابلة 3/273) ،
قال الشاطبي :" فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله فذلك لا يخرجه عن كونه عربيا جاريا على أساليب كلام العرب ميسرا للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى " اهـ .(الموافقات3/805)
قال ابن القيم : " من قال إن له تأولا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج " اهـ (التبيان في أقسام القرآن 144 )،
ويقول الصنعاني : " فإن من قرع سمعه قوله تعالى : { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [(20) سورة المزمل] يفهم معناه دون أن يعرف أن ( ما ) كلمة شرط ، و ( تقدموا ) مجزوم بها لأنه شرطها ، و ( تجدوه ) مجزوم بها لأنه جزاؤها ، ومثلها كثير ... فياليت شعري ! ما الذي خص الكتاب والسنة بالمنع عن معرفة معانيها وفهم تراكيبها ومبانيها.. حتى جعلت كالمقصورات في الخيام .. ولم يبق لنا إلاترديد ألفاظها وحروفها ... " اهـ (إرشاد النقاد إلى تيسير الإجتهاد 36)
إن الصحيح والحق في هذه المسألة أن القرآن معظمه واضح وبين وظاهر لكل الناس ، كما قال ابن عباس : التفسير على أربعة أوجه :
- وجه تعرفه العرب من كلامها .
- وتفسير لا يعذر احد بجهالته .
- وتفسير يعلمه العلماء .
- وتفسير لا يعلمه إلا الله "
(تفسير الطبري 1/75 ، مقدمة ابن تيمية 115 )
ومعظم القرآن من القسمين الأولين . إن عدد آيات الاحكام في القرآن 500 آية ، وعدد آيات القرآن 6236 آية .
إن فهم الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والعلم بالله واليوم الآخر لا يشترط له فهم المصطلحات العلمية الدقيقة من نحوية وبلاغية وأصولية وفقهية . فمعظم القرآن بين واضح ظاهر يدرك معناه الصغير والكبير ، والعالم والأمي ، فحينما سمع الأعرابي قول الله تعالى : {فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [(23) سورة الذاريات] قال : من ذا الذي أغضب الجليل حتى أقسم . وحينما أخطأ إمام في قراءة آية النحل { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [(26) سورة النحل ] قرأها من تحتهم صوب له خطأه امرأة عجوز لا تقرأ ولا تكتب ، إن القرآن بين واضح ظاهر وفهمه وفقهه وتدبره ليس صعبا بحيث نغلق عقولنا ونعلق فهمه كله بالرجوع إلى كتب التفسير ، فنعمم حكم الأقل على الكل فهذا مفهوم خاطئ وهو نوع من التسويف في تدبر القرآن وفهمه .
إن إغلاق عقولنا عن تدبر القرآن بحجة عدم معرفة تفسيره ، والاكتفاء بقراءة ألفاظه مدخل من مداخل الشيطان على العبد ليصرفه عن الاهتداء به .
وإذا سلمنا بهذه الحجة فإن العقل والمنطق والحزم والحكمة أنك إذا أشكل عليك معنى آية أن تبادر وتسارع للبحث عن معناها والمراد بها لا أن تغلق عقلك فتقرأ دون تدبر أو تترك القراءة .

المسيطير
12-10-05, 12:11 AM
ملحوظة :
لن أتطرق للحواشي ، وهي موجودة على رابط الكتاب .
-----------------
المفاتيح العشرة : لإصلاح ترتج

الأول : (ل) القــــــــلــــــب

المبحث الأول: القرآن والقلب

المطلب الأول: القلب آلة فهم القرآن
الكلام في هذا المطلب - بإيجاز - من وجهين :
الأو ل: أن آلة فهم القرآن هو القلب .
الثاني : أن القلب بيد الله وحده لا شريك له .

فأما الوجه الأول :
فقد دل على ذلك نصوص كثيرة ، الآيات القرآنية منها تزيد على مائة آية ، وسأكتفي في هذا المبحث بذكر ثلاث منها مما هي صريحة الدلالة على المسألة ، من ذلك قول الله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } [(57) سورة الكهف] ، وقوله تعالى : {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [(46) سورة الحـج ] ، وقوله تعالى : {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } [(4) سورة الأحزاب]
وليس هذا مقام بسط هذه المسألة وتأصيلها وإنما المقصود التذكير بأن آلة تدبر القرآن وفهمه هو القلب وما يترتب على ذلك من أحكام مما يأتي الحديث عنه .
وأما الوجه الثاني: القلب بيد الله وحده لا شريك له يفتحه متى شاء ويغلقه متى شاء بحكمته وعلمه سبحانه {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهَِ}(24) سورة الأنفال] ، وقد جعل لذلك أسبابا ووسائل من سلكها وفق ومن تخلف عنها خذل ويأتي بيان ذلك في المطلب التالي .
فتذكر وأنت تحاول فهم القرآن أن القلوب بيد الله تعالى ، وأن الله يحول بين المرء وقلبه فليست العبرة بالطريقة والكيفية بل الفتح من الله وحده ، وما يحصل لك من التدبر فهو نعمة عظيمة من الله تعالى تستوجب الشكر لا الفخر فمتى أعطاك الله فهم القرآن وفتح لك معانيه فاحمد الله تعالى وأساله المزيد ، وانسب هذه النعمة إليه وحده ، اعترف بها ظاهرا وباطنا .

المسيطير
12-10-05, 12:12 AM
المطلب الثاني :حب القلب للقرآن :
وفيه ثلاث مسائل :

المسألة الأولى : علاقة حب القرآن بالتدبرمن المعلوم أن القلب إذا أحب شيئا تعلق به ، واشتاق إليه ، وشغف به . وانقطع عما سواه .
والقلب إذا أحب القرآن تلذذ بقراءته ، واجتمع على فهمه ووعيه فيحصل بذلك التدبر المكين ، والفهم العميق
وبالعكس إذا لم يوجد الحب فإن إقبال القلب على القرآن يكون صعبا ، وانقياده إليه يكون شاقا لا يحصل إلا بمجاهدة ومغالبة ، وعليه فتحصيل حب القرآن من أنفع الأسباب لحصول أقوى وأعلى مستويات التدبر .
والواقع يشهد لصحة ماذكرت فإننا مثلا نجد أن الطالب الذي لديه حماس ورغبة وحب لدراسته يستوعب ما يقال له بسرعة فائقة وبقوة ، وينهي متطلباته وواجباته في وقت وجيز ، بينما الآخر لا يكاد يعي ما يقال له إلا بتكرار وإعادة ، وتجده يذهب معظم وقته ولم ينجز شيئا من واجباته .

المسألة الثانية : علامات حب القلب للقرآن
حب القلب للقرآن له علامات منها :
1-الفرح بلقائه والجلوس معه أوقاتا طويلة دون ملل .
2-الشوق إلى لقائه متى بعد العهد عنه وحال دون ذلك بعض لموانع ، وتمني ذلك والتطلع إليه ومحاولة إزالة العقبات التي تحول دونه .
3-كثرة مشاورته والثقة بتوجيهاته والرجوع إليه فيما يشكل من أمور الحياة صغيرها وكبيرها .
4-طاعته ، أمرا ونهيا .
هذه أهم علامات حب القرآن ، فمتى وجدت فإن الحب موجود ، ومتى تخلفت فحب القرآن مفقود ، ومتى تخلف شئ منها نقص حب القرآن بقدر ذلك التخلف .
إنه ينبغي لكل مسلم أن يسأل نفسه هذا السؤال:هل أنا أحب القرآن؟
إنه سؤال مهم وخطير ، وإجابته أشد خطرا ،إنها إجابة تحمل معان كثيرة.
وقبل أن تجيب على هذا السؤال ارجع إلى العلامات التي سبق ذكرها لتقيس بها إجابتك وتعرف بها الصواب من الخطأ .

إن بعض المسلمين لو سئل هل تحب القرآن ؟ يجيب : نعم أحب القرآن ، وكيف لا أحبه ؟ لكن هل هو صادق في هذا لجواب ؟
كيف يحب القرآن وهو لا يطيق الجلوس معه دقائق ، بينما تراه يجلس الساعات مع ما تهواه نفسه وتحبه من متع الحياة .
قال أبو عبيد : "لا يسأل عبد عن نفسه إلا بالقرآن فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله" .
إننا ينبغي أن نعترف أولا أن الجواب : لا إذا لم توجد فينا العلامات السابقة . ثم نسعى في الحصول على الجواب : نعم . وهو ما سيتم بيانه في المسألة التالية.

المسيطير
12-10-05, 12:14 AM
المسألة الثالثة وسائل تحقيقه

لتحصيل حب القلب للقرآن وسيلتان:

الوسيلة الأولى: التوكل على الله تعالى والاستعانة به

الاستعانة بالله تعالى وسؤاله سبحانه أن يرزقك (حب القرآن) ، ومن ذلك الدعاء العظيم عن ابن مسعود _ قال : قال رسول الله ‘ : " ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحا قالوا يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات قال أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن.
فيكرره كل يوم ثلاثا خمسا سبعا ويتحرى مواطن الإجابة ويجتهد أن يكون سؤاله بصدق وبتضرع وإلحاف وشفقة وحرص شديد أن يجاب وأن يعطى ، إن بعض الناس لا يعرف الإلحاف في المسألة إلا في مطالبه الدنيوية المادية ، أما الأمور الدينية فتجد سؤاله لها باردا باهتا هذا إن دعا وسأل .
ومن الاستعانة بالله في حصول تدبر القرآن ما شرع لقارئ القرآن من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم ، ومن البسملة في أوائل السور ففيها طلب العون من الله تعالى على تدبر القرآن عامة والسورة التي يريد قراءتها خاصة .

الوسيلة الثانية: فعل الأسباب :
وخير الأسباب وأنفعها في هذا المقام العلم ووسيلته : القراءة أو السماع:
أي القراءة عن عظمة القرآن مما ورد في القرآن والسنة ، وأقوال السلف في تعظيمهم للقرآن وحبهم له . وأقترح على كل راغب في تحصيل حب القرآن أن يضع له برنامجا يتضمن نصوصا من القرآن والسنة واقوال السلف ، فيها بيان لعظمة القرآن ومكانته ، ويرتبها على مستويين : متن ، وشرح ، فالمتن يحفظ ويكرر ، والشرح يقرأ ويفهم ، ويتم ربط المعاني التي تضمنها الشرح بألفاظ المتن .
ويرجى بإذن الله تعالى لمن طبق هذا البرنامج أن يرزقه الله حب القرآن وتعظيمه والذي هو المفتاح الرئيس لتدبر القرآن وفهمه ، وكل كلام يقال في هذا الموضوع فهو متوقف عليه ، وهذا السر في أن الكثير منا يقرأ في هذا الموضوع ولا يخرج بأي نتائج إيجابية .فأكثر من القراءة عن القرآن ، اقرأ باستمرار عن حال السلف مع القرآن وقصصهم في ذلك وأخبارهم .
ينبغي أن نعلم أن عدم حبنا للقرآن وتعظيمنا له سببه الجهل بقيمته ، مثل الطفل تعطيه خمسائة ريال فيرفض ويطلب ريالا واحدا .فكذلك من لا يعرف قيمة القرآن يزهد فيه ويهجره ويشتغل بما هو أدنى منه .
لو أعلن عن كتاب من يختبر فيه وينجح يمنح عشرة مليارات ؟ فكيف يكون حرص الناس وتعلقهم بهذا الكتاب وكيف يكون الطلب عليه والاشتغال بمذاكرته .

إن القرآن كتاب من ينجح فيه يمنح ملكا لا حدود له .

المسيطير
12-10-05, 01:01 AM
المفاتيح العشرة : ( لإصلاح ترتج )

الثاني : ( أ ) أهــــــــــــداف أو أهمــــــية

تمهيد: في التنبيه إلى استحضار أهداف قراءة القرآن
معظم الناس إذا سالته لماذا تقرأ القرآن ؟ يجيبك لأن تلاوته أفضل الأعمال ولأن الحرف بعشر حسنات والحسنة بعشر أمثالها ، فيقصر نفسه على هدف ومقصد الثواب فحسب أما المقاصد والأهداف الأخرى فيغفل عنها .
والمشتغل بحفظ القرآن تجده يقرأ القرآن ليثبت الحفظ ، الهدف تثبيت الحروف وصور الكلمات فتجده تمر به المعاني العظيمة المؤثرة فلا ينتبه لها ولا يحس ولا يشعر بها لأنه قصر همته وركز ذهنه على الحروف وانصرف عن المعاني . فهذا السبب في أنك قد تجد حافظا للقرآن غير عامل ولا متخلق به .وجمع الذهن بين اتجاهات ومقاصد متعددة في وقت واحد عملية تحتاج إلى انتباه وقصد وتركيز .
وفي أي عمل نعمله كلما تعددت النيات وكثرت كلما كان العمل أعظم أجرا وأكبر تأثيرا على العامل ، مثل الصدقة على ذي الرحم : صدقة وصلة ، ومثل النفقة على الأهل : نفقة وصدقة .
وقراءة القرآن يجتمع فيها خمس مقاصد ونيات كلها عظيمة وكل واحدة منها كافية لأن تدقع المسلم أن يسارع لقراءة القرآن ويكثر الاشتغال به وصحبته ، وأهداف قراءة القرآن مجموعة في قولك :
( ثم شع )
الثاء : ثواب .
الميم : مناجاة ، مسألة
الشين : شفاء .
العين : علم
العين : عمل
فمتى قرأ المسلم القرآن مستحضرا المقاصد الخمسة معا كان انتفاعه بالقرآن أعظم ، وأجره أكبر ، قال النبي ‘ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " . فمن قرأ القرآن يريد العلم رزقه الله العلم ، ومن قرأه يريد الثواب فقط أعطي الثواب .قال ابن تيمية رحمه الله : " من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له طريق الحق " ، وقال القرطبي : " فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ‘ بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يجب ، وجعل في قلبه نورا"هـ

المسيطير
12-10-05, 01:07 AM
المطلب الأول : قراءة القرآن لأجل العلم
هذا هو المقصد المهم ، والمقصود الأعظم من إنزال القرآن والأمر بقراءته ، بل ومن ترتيب الثواب على القراءة :قال الله عزوجل : {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [(29) سورة ص ] ، {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [(82) سورة النساء] ، {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الأَوَّلِينَ} [(68) سورة المؤمنون] . {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [(37) سورة ق ]
قال ابن مسعود _ : " إذا أردتم العلم فانثروا هذا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين " اهـ ،
وقال الحسن بن علي _ : " إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار " اهـ ، وقال مسروق بن الأجدع - وهو من كبار تابعي الكوفة وأجمعهم لعلم الصحابة - : " ما نسأل أصحاب محمد صصص عن شئ إلا وعلمه في القرآن ولكن قصر علمنا عنه " ، وقال عبد الله بن عمر : " لقد عشنا دهرا طويلا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صصص فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه ينثره نثر الدقل "اهـ
وقال الحسن البصري : " ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت وما أراد بها "
وعن عبد الله بن عمر ررر قال : " عليكم بالقرآن فتعلموه وعلموه أبناءكم فإنكم عنه تسألون ، وبه تجزون ، وكفى به واعظا لمن عقل " اهـ
وقال الحسن : " قراء القرآن ثلاثة أصناف :
- صنف اتخذوه بضاعة يأكلون به ،
- وصنف أقاموا حروفه ، وضيعوا حدوده واستطالوا به على أهل بلادهم واستدروا به الولاة كثر هذا الضرب من حملة القرآن لا كثرهم الله ،
- وصنف عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم فركدوا به في محاريبهم وحنوا به في برانسهم واستشعروا الخوف فارتدوا الحزن فأولئك الذين يسقي الله بهم الغيث وينصر بهم علىالأعداء والله لهؤلاء الضرب في حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر " اهـ

قال أحمد بن أبي الحواري : "إني لأقرأ القرآن وانظر في آيه فيحير عقلي بها واعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشئ من الدنيا وهم يتلون كلام الله أما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه فتلذذوا به واستحلوا المناجاة لذهب عنهم النوم فرحا بما قد رزقوا " .

المسيطير
12-10-05, 01:13 AM
المسألة الثانية : العلم الذي نريده من القرآن :

ما العلم الذي نريده من القرآن ؟أهو علم الصناعة ؟ أو الزراعة ؟ الإدارة ؟ علم الدين ؟ علم الدنيا ؟
يجيب ابن القيم على هذه المسألة المهمة بأبيات جميلة يقول فيها :
والعلم أقسام ثلاث ما لهـــــــــــــا *** من رابع والحق ذو تبيـــــــــان
علم بأوصاف الإله وفعلــــــــــــه *** وكذلك الأسماء للرحمـــــــــــــن
والأمر والنهي الذي هو دينــه *** وجزاؤه يوم المعاد الثــــــــــــاني
والكل في القـرآن والسنن التي *** جاءت عن المبعوث بالقرآن
إننا نريد العلم الذي يحقق لنا النجاح في الحياة ، يحقق لنا السعادة والحياة الطيبة ، والنفس المطمئنة . والرزق الحلال الواسع ، ويحقق لنا الأمن في الدنيا والآخرة ، نريد العلم الذي يولد الإرادة والعزيمة ، ويقضي على كل مظاهر الفشل والإخفاق في جميع مجالات الحياة إنه : العلم بالله تعالى والعلم باليوم الآخر، وعلم الأمر والنهي ؛ هذه الأقسام الثلاثة التي ذكرها ابن القيم .
العلم بالله تعالى وأوله العلم المقتضي للا ستغفار قال الله تعالى : {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} . فالعلم الذي يورث الاستغفار ويدفع إليه هو العلم المؤدي للنجاح ، وكل علم لا يبعث على الاستغفار فليس هو المراد . وهذا العلم هو : علم لا إله الا الله ، على وجه يحقق المقصود لفظا ومعنى ، أما اللفظ دون المعنى فلا يحقق المراد والله أعلم .
قال ابن عباس في تفسير قول الله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [(28) سورة فاطر ] : هم الذين يعلمون أن الله على كل شئ قدير .
ولفظ العلم لفظ واسع جدا وإطلاقاته كثيرة ، وهو لفظ جذاب ، وكل يصطفيه لنفسه ويعتبر ما عداه ليس بعلم ، ومن ذلك : أهل العلوم التجريبية يسمون معارفهم علما ، ويسمون العلوم الأخرى - بما فيها علوم الدين- : أدبا ...الخ .
وكل ذلك يعتبر علما فكل معرفة علما ... لكن مجالاته متعددة ، ويقيد فيقال علم كذا أما إذا أطلق العلم عند المسلمين وفي الكتاب والسنة خاصة فيراد به ماذكره ابن القيم .
وأيضا ساد عند الناس قصر العلم على قسم واحد منه وهو العلم بالحلال والحرام ، وهذا خطأ شائع ، فيقصرون كل فضل وارد في العلم على علم الفروع أي الفقه ، أو المسائل الخلافية من علم الاعتقاد ، أما الأصول المتفق عليها فيصرف اللفظ عنها ، وقد تجد من يجادل في هذه الحقيقة .
لكن الصحيح أن العالم حقا هو من يخشى الله تعالى وإن كان لا يعرف كتابة اسمه، كما قيل :
ورأس العلم تقوى الله حقا *** وليس بأن يقال لقد رئستا
وقال ابن مسعود :"كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا .

المسيطير
20-09-06, 10:24 PM
للفائدة ..............يسر الله إكماله ممن بدأه .......أو من غيره .

أبو عبد الله الدرعمي
21-09-06, 01:52 AM
جزاكم الله خيرا
قرأت الكتاب قبلا و هو كتاب قيم جدا
أنصح الناس به..

أبو عبدالرحمن الغريب
30-11-06, 05:16 PM
الكتاب كاملا هنا
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?p=506138#post506138
ولعلك أخي تكمل هذه النقولات فإن فيها تشجيع لمن لا يقرأ وتعاون على البر والتقوى .

المسيطير
08-09-08, 12:44 AM
جزاكم الله خيرا .

أسأل الله أن يصلح فلوبنا ، وأن يردنا إليه ردا جميلا .

أ.د.عبد الفتاح خضر
08-09-08, 06:28 AM
نفع الله بما كتبتم أخي المسيطر ومن تلاكم الإسلام والمسلمين وجهدكم يذكر فيشكر

سلطان المطيري
08-09-08, 02:03 PM
جزاكم الله خيرا ونفع بكم

قيس بن سعد
09-09-08, 12:04 AM
جزاكم الله خيرا
و أنا أقرأ الكتاب و ادعوا الله لك من كل قلبي بالتوفيق

المسيطير
20-09-08, 01:31 AM
المشايخ الأفاضل /
أ.د. عبدالفتاح خضر
سلطان المطيري
قيس بن سعد

جزاكم الله خير الجزاء ، وأجزله ، وأوفاه .

حمد القحيصان
02-10-08, 12:03 AM
مِثْلَ هذا يَسْتَحِقُّ التَّثْبيتُ ، فَوائِدٌ جَمَّةٌ عَظيمَةٌ.
اسْتَفَدْنا مِنْهُ أيُّما اسْتِفادَةٍ وَحُقَّ لِهذا المَوضوعِ أنْ يَبقى شامِخاً حَتى يَطولَ النَّفعُ القاصِيَ وَالدَّانِيَ
جَعَلَكَ اللهُ مِمَّنْْ كُتِبَ عِنْدَ إسْمِهِ مَعتوقٌ مِنَ النَّارِ.

المسيطير
06-08-10, 01:09 PM
للفائدة .

يسر الله إكماله ممن بدأه ... أو من غيره .

جمال العاتري
07-08-10, 04:44 PM
أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها ...الآية } اللهم ارزقنا تدبر القرآن ...جزاكم الله خيرا شيخنا المسيطير وكتب أجركم ...
متابعون ان شاء الله ...

أبوالفداء المصري
09-08-10, 07:47 PM
جزاكم الله خيرا

" ألم يعلم بأن الله يرى "
آية تهز الوجدان ، وتفعل في النفس ما لا تفعله سلطات الدنيا كلها ، إنها تضبط النوازع ، وتكبح الجماح ، وتدعو إلى إحسان العمل ، وكمال المراقبة ، فما أجمل أن يستحضر كل أحد هذه الاية إذا امتدت عينه إلى خيانة ، أو يده إلى حرام ، أو سارت قدمه إلى سوء ، وما أروع أن تكون هذه الاية نصب أعيننا إذا أردنا القيام بما أيط بنا من عمل "

قاله د محمد الحمد من رسائل تدبر

أبو محمد الأنصاري
11-08-10, 12:49 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا المسيطير - حفظك الله وبارك في علمك وجهدك وعمرك
شيخنا الكريم لقد ضلعت في كتابة تلك الحلقات التي عنونت لها بعنوان الدكتور / خالد اللاحم " مفاتيح تدبر القرآن" وكتبت نحواً من سبع حلقات، مزحت فيها بين كلام الدكتور خالد - حفظه الله- وبين آخرين تكلموا في التدبر ، ولم أعلم أني قد كفيت ، فإن رأيت مشكوراً غير مأمور أن تراجع ما كتبته في هذا بالعنوان المشار إليه آنفاً، فإن رأيت أن أتم وإلا توقفت، أو أكمل على الموضوع الذي طرحتموه أنتم جزاكم الله خيرا.
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.

المسيطير
11-08-10, 10:28 PM
أخي الكريم ابن الكرام / أبامحمد الأنصاري

جزاك الله خير الجزاء ، وأجزله ، وأوفاه .. سنمضي أنا وأنت ويبقى ما كُتب .. فإن رأيتَ فيه فائدة - وهو كذلك - فاكتبه ..
وإن ميزتَ كلام الشيخ خالد عن غيره فهو أنسب .. لأجل الشيخ خالد اللاحم فقط .

وفقك الله وبارك فيك .