المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أريد تفسير آيات الصيام من سورة البقرة من تفسير القرطبي


فلسطينية مسلمة
07-10-05, 08:02 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لو تكرمتم اخوتي اريد تفسير ايات الصيام(سورة البقرة) من تفسير الجامع للامام للقرطبي
وجزاكم الله خيرا

عصام البشير
07-10-05, 08:47 PM
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183)
فيه ست مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } لما ذكر ما كتب على المكلفين من القصاص والوصية ذكر أيضا أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم ولا خلاف فيه قال صلى الله عليه وسلم :
[ بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج ] رواه ابن عمر ومعناه في اللغة : الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال ويقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام قال الله تعالى مخبرا عن مريم : { إني نذرت للرحمن صوما } أي سكوتا عن الكلام والصوم : ركود الريح وهو إمساكها عن الهبوب وصامت الدابة على آريها : قامت وثبتت فلم تعتلف وصام النهار : اعتدل ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار ومنه قول النابغة :
( خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما )
أي خيل ثابتة ممسة عن الجري والحركة كما قال :
( كأن الثريا علقت في مصامها )
أي هي ثابتى في مواضعها فلا تنتقل وقوله :
( والبكرات شرهن الصائمة )
يعني التي لا تدور
وقال امرؤ القيس :
( فدعها وسل الهم ... عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجرا )
أي أبطأت الشمس عن الانتقال والسير فصارت بالإبطاء كالممسكة
وقال آخر :
( حتى إذا صام النهار واعتدل ... وسال للشمس لعاب فنزل )
وقال آخر :
( نعاما بوجرة صفر الخدو ... د ما تطعم النوم إلا صياما )
أي قائمة والشعر في هذا المعنى كثير
والصوم في الشرع : الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وتمامه وكماله باجتنابه المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات لقوله عليه السلام :
[ من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ]
الثانية : فضل الصوم عظيم وثوابه جسيم جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح وحسان ذكرها الأئمة في مسانيدهم وسيأتي بعضها ويكفيك الآن منها في فضل الصوم أن خصه الله بالإضافة إليه كمت ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه :
[ يقول الله تبارك وتعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ] الحديث وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له الأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات
أحدهما : أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات
الثاني : أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له فلذلك صار مختصا به وما سواه من العبادات ظاهر ربما فعله تصنعا ورياء فلهذا صار أخص بالصوم من غيره وقيل غير هذا
الثالثة : : قوله تعالى : { كما كتب } الكافي موضع نصب على النعت التقدير كتابا كما أو صوما كما أو على الحال من الصيام أي كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم وقال بعض النحاة : الكاف في موضع رفع نعتا للصيام إذ ليس تعريفه بمحض لمكان الإجمال الذي فيه بما فسرته الشريعة فلذلك جاز نعته بـ كما إذ لا ينعت بها إلا النكرات فهو بمنزلة كتب عليكم صيام وقد ضعف هذا القول و ما في موضع خفض وصلتها : { كتب على الذين من قبلكم } والضمير في كتب يعود على ما واختلف أهل التأويل في موضع التشبيه وهي :
الرابعة : فقال الشعبي و قتادة وغيرهما : التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر الصوم فإن الله تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا وزاد أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم مرض بعض احبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد في صومهم عشرة أيام ففعل فصار النصارى خمسين يوما فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع واختار هذا القول النحاس وقال : وهو الأشبه بما في الآية وفيه حديث يدل على صحته أسنده عن دغفل بن حنظلة [ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا لئن شفاه الله لنزيدن عشرة ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه فقالوا لئن شفاه الله لنزيدن سبعة ثم كان ملك آخر فقالو لنتمن هذه السبعة الأيام ونجعل صومنا في الربيع قال فصار خسمين ] وقال مجاهد : كتب الله عز وجل صوم شهر رمضان على كل أمة وقيل : أخذوا بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما قرنا بعد قرن حتى بلغ صومهم خمسين يوما فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي قال النقاش : وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري و السدي
قلت ولهذا ـ والله أعلم ـ كره الآن صوم يوم الشك والستة من شوال بإثر يوم الفطر متصلا به قال الشعبي : لو صمت السنة كلها لأفطرت يوم الشك وذلك أن النصارى فرض عليهم صوم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل الشمسي لأنه قد كان يوافق القيظ فعدوا ثلاثين يوما ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالوثيقة لأنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ثم لم يزل الآخر يستن بسنة من كان قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله تعالى : { كما كتب على الذين من قبلكم } وقيل : التشبيه راجع إلى أصل وجوبه على من تقدم لا في الوقت والكيفية وقيل : التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح فإذا حان الأفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام وكذلك كان في النصارى أولا وكان في أول الإسلام ثم نسخه الله تعالى بقوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } على ما يأتي بيانه قاله السدي وأبو العالية و الربيع وقال معاذ بن جبل و عطاء : التشبيه واقع على الصوم لا على الصفة ولا على العدة وإن اختلف الصيامان بالزيادة والنقصان المعنى : { كتب عليكم الصيام } أي في أول الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء { كما كتب على الذين من قبلكم } وهم اليهود ـ في قول ابن عباس ـ ثلاثة أيام وعاشوراء ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان وقال معاذ بن جبل : نسخ ذلك بـ { أياما معدودات } ثم نسخت الأيام برمضان
الخامسة : { لعلكم تتقون } لعل ترج في حقهم كما تقدم و تتقون قيل : معناه هنا تضعفون فإنه لما قل الأكل ضعفت الشهوة وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن وقيل : لتتقوا المعاصي وقيل : هو على العموم لأن الصيام كما قال عليه السلام :
[ الصيام جنة ووجاء ] وسبب تقوى لأنه يميت الشهوات
السادسة : قوله تعالى : { أياما معدودات } اياما مفعول ثان بـ كتب قاله الفراء وقيل : نصب على الظرف لـ كتب أي كتب عليكم الصيام في أيام والأيام المعدودات : شهر رمضان وهذا يدل على خلاف ما روي عن معاذ والله أعلم
قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } فيه ست عشرة مسألة
الأولى : قوله تعالى : { مريضا } للمريض حالتان : إحداهما ـ ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبا الثانية : أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل قال ابن سيرين : متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض فصح افطر قياسا على المسافر لعله السفر وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة قال طريف بن تمام العطاردي : دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل فلما فرغ قال : إنه وجعت أصبعي هذ ه وقال جمهور من العلماء : إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر قال ابن عطية : وهذا مذهب حذاق اصحاب مالك وبه يناظرون وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به وقال ابن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر قال مرة : هو خوف التلف من الصيام وقال مرة : شدة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر لأنه لم يخص مرضا من مرض فهو مباح في كل مرض إلا ما خصه الدليل من الصداع والحمى والمرض اليسير الذي لا كلفه معه في الصيام وقال الحسن : إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر وقال النخعي وقالت فرقة : لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر وهذا قول الشافعي رحمه الله تعالى
قلت : قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى قال البخاري : اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان فعادني إسحاق بن راهوية في نفر من أصحابه فقال لي : أفطرت يا أبا عبد الله ؟ فقلت نعم : خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة قلت : حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال قلت لـ عطاء : من رأى المرض أفطر ؟ قال : من أي مرض كان كما قال الله تعالى : { فمن كان منكم مريضا } قال البخاري : وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق وقال أبو حنيفة : إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم إن لم يفطر أن تزداد عينه ودعا او حماه شدة أفطر
الثانية : قوله تعالى : { أو على سفر } اختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري أما سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه بالمنع والإجازة والقول بالجواز أرجح وأما سفر العاصي فيختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح قاله ابن عطية ومسافة الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة واختلف العلماء في قدر ذلك فقال مالك : يوم وليلة ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلا قال ابن خويز منداد : وهو ظاهر مذهبه وقال مرة : اثنان وأربعون ميلا وقال مرة ستة وثلاثون ميلا وقال مرة : مسيرة يوم وليلة وروي عنه يومان وهو قول الشافعي وفصل مرة بين البر والبحر فقال في البحر مسيرة يوم وليلة وفي البر ثمانية وأربعون ميلا وفي المذهب ثلاثون ميلا وفي غير المذهب ثلاثة اميال وقال ابن عمرو وابن عباس و الثوري : الفطر في سفر ثلاثة أيام حكاه ابن عطية
الثالثة : اتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية بخلاف المقيم وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض والمقيم لا يفتقر إلى عمل لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين لأن الإقامة لا تفتقر إلىعمل فافترقا ولا خلاف بينهم أيضا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج فإن أفطر فقال ابن حبيب : إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في أسباب الحركة فلا شيء عليه وحكي ذلك عن أصبغ و ابن الماجشون فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة وحسبه أن ينجو إن سافر وروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم لأنه متأول في فطره وقال أشهب : ليس عليه شيء من الكفارة سافر أو لم يسافر وقال سحنون : عليه الكفارة سافر أو لم يسافر وهو بمنزلة المرأة تقول : غدا تأتيني حيضتي فتفطر لذلك ثم رجع إلى قول عبد الملك وأصبغ وقال : ليس مثل المرأة لأن الرجل يحدث السفر إذا شاء والمرأة لا تحدث الحيضة
قلت : قول ابن القاسم وأشهب في نفي الكفارة حسن لأنه ما يجوز له فعله والذمة بريئة فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف ثم إنه مقتضى قوله تعالى : { أو على سفر } وقال أبو عمر : هذا أصح أقاويلهم في هذه المسالة لأنه غير منتهك لحرمة الصوم بقصد إلى ذلك وإنما هو متأول ولو كان الأكل مع نية السفر يوجب عليه الكفارة لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه فتأمل ذلك تجده كذلك إن شاء الله تعالى وقد روى الدار قطني : حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل بمصر قال حدثنا ابن ابي مريم حدثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن اسلم قال : أخبرني محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب أنه قال : أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت دابته ولبس ثياب السفر وقد تقارب غروب الشمس فدعا بطعام فأكل منه ثم ركب فقلت له : سنة ؟ قال نعم وروي عن أنس أيضا قال : قال لي أبو موسى : ألم أنبئنك إذا خرجت خرجت صائما وإذا دخلت دخلت صائما فإذا خرجت فاخرج مفطرا وإذا دخلت فادخل مفطرا وقال الحسن البصري : يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج وقال أحمد : يفطر إذا برز عن البيوت وقال إسحاق : لا بل حين يضع رجله في الرحل قال ابن المنذر : قول أحمد صحيح لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحا ثم اعتل : إنه يفطر بقية يومه وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر وقالت طائفة : لا يفطر يومه ذلك وإن نهض في سفره كذلك قال الزهري و مكحول و يحيى الأنصاري و مالك و الأوزاعي و الشافعي و أبو ثور وأصحاب الرأي واختلفوا إن فعل فكلهم قال يقضي ولا يكفر قال مالك : لأن السفر عذر طارىء فكان كالمرض يطرأ عليه ورو عن بعض أصحاب مالك أنه يقضي ويكفر وهو قول ابن كنانة والمخزومي وحكاه الباجي عن الشافعي واختاره ابن العربي وقال به قال : لأن السفر عذر طرأ بعد لزوم العبادة ويخالف المرض والحيض لأن المرض يبيح له الفطر والحيض يحرم عليها الصوم والسفر لا يبيح له ذلك فوجبت عليه الكفارة لهتك حرمته قال أبو عمر : وليس هذا بشيء لأن الله سبحانه قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة وأما قولهم لا يفطر فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء وأما الكفارة فلا وجه لها ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وقد روي عن ابن عمر في هذه المسألة : يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرا وهو قول الشعبي و أحمد و إسحاق
قلت : وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة باب من أفطر في السفر ليراه الناس وساق الحديث [ عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فافطر حتى قدم مكة ذلك في رمضان ] وأخرجه مسلم ايضا عن ابن عباس وقال فيه : ثم دعا بإناء فيه شراب شربه نهارا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة وهذا نص في الباب فسقط ما خالفه وبالله التوفيق وفيه أيضا حجة على من يقول : إن الصوم لا ينعقد في السفر روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وابن عمر قال ابن عمر : من صام في السفر قضى في الحضر وعن عبد الرحمن بن عوف : الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وقال به قوم من أهل الظاهر واحتجوا بقوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } على ما يأتي بيانه وبما روى كعب بن عاصم قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
[ ليس من البر الصيام في السفر ] وفيه أيضا حجة على من يقول : إن من بيت الصوم في السفر فله أن يفطر وإن لم يكن له عذر وإليه ذهب مطرف وهو أحد قولي الشافعي وعليه جماعة من أهل الحديث وكان مالك يوجب عيه القضاء والكفارة لأنه كان مخيرا في الصوم والفطر فلما اختار الصوم وبيته لزمه ولم لكن له الفطر فإن أفطر عامدا من غير عذر كان عليه القضاء والكفارة وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك فإنه قال : إن أفطر بجماع كفر لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له لأن المسافر إنما أبيح له الفطر ليقوى بذلك على سفره وقال سائر الفقهاء بالعراق والحجاز : إنه لا كفارة عليه منهم الثوري و الأوزاعي و الشافعي و أبو حنيفة و سائر فقهاء الكوفة قاله أبو عمر
الرابعة : واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر فقال مالك و الشافعي في بعض ما روي عنهما : الصوم أفضل من قوي عليه وجل مذهب مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي قال الشافعي ومن اتبعه : هو مخير ولم يفصل وكذلك ابن علية لحديث أنس قال :
[ سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ] خرجه مالك و البخاري و مسلم وروي عن عثمان بن ابي العاص الثقفي وأنس بن مالك صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما قالا : الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وروي عن ابن عمر وابن عباس : الرخصة أفضل وقال به سعيد بن المسيب و الشعبي و عمر بن عبد العزيز و مجاهد و قتادة و الأوزاعي و أحمد و إسحاق كل هؤلاء يقولون الفطر أفضل لقول الله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }
الخامسة : قوله تعالى : { فعدة من أيام } في الكلام حذف أي من يكن منكم مريض أو مسافرا فأفطر فليقض والجمهور من العلماء على أن أهل البلد إذا صاموا تسعة وعشرين يوما وفي البلد رجل مريض لم يصح فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما وقال قوم منهم الحسن بن صالح بن حي : إنه يقضي شهرا من غير مراعاة عدد الأيام قال الكيا الطبري : وهذا بعيد لقوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } ولم يقل فشهر من أيام أخر وقوله : فعدة يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه ولا شك أنه لو أفطر بعض رمضان وجب قضاء ما أفطر بعده بعدده وكذلك يجب أن يكون حكم إفطاره جميعه في اعتبار عدده
السادسة : قوله تعالى : { فعدة } ارتفع عدة على خبر الابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب عدة ويصح فعليه عدة وقال الكسائي : ويجوز فعدة أي فليصم عدة من أيام وقيل : المعنى صيام عدة فحذف المضاف وأقيمت العدة مقامه والعدة فعلة من العد وهي بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون تقول : أسمع جعجعة ولا أرى طحنا ومنه عدة المرأة { من أيام أخر } لم ينصرف أخر عند سيبويه لأنها معدولة عن الألف واللام لأن سبيل فعل من هذا الباب أن يأتي بالألف واللام نحو الكبر والفضل وقال الكسائي : هي معدولة عن آخر كما تقول : حمراء وحمر فلذلك لم تنصرف وقيل : منعت من الصرف لأنها على وزن جمع وهي صفة لأيام ولم تجىء أخرى لئلا يشكل بأنها صفة للعدة وقيل : إن { أخر } جمع أخرى كأنه أيام ثم كثرت فقيل : ايام أخر وقيل : إن نعت الأيام يكون مؤنثا فلذلك نعتت بأخر
السابعة : اختلف الناس في وجوب تتابعها على قولين ذكرهما الدار قطني في سننه فروى عن عائشة رضي الله عنها قالت :
نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات فسقطت متتابعات قال هذا إسناد صحيح وروي عن ابي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه ] في إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف الحديث وأسنده عن ابن عباس في قضاء رمضان صمه كيف شئت وقال ابن عمر صمه كما أفطرته واسند عن ابي عبيدة بن الجراح وابن عباس وابي هريرة ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص و [ عن محمد بن المنكدر قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع صيام رمضان فقال : ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاه فالله أحق أن يعفو ويغفر ] إسناده حسن إلا أنه مرسل ولا يثبت متصلا وفي موطأ مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : يصوم رمضان متتابعا من أفطره متتابعا من مرض أو في سفر قال الباجي في المنتقى يحتمل أن يريد الإخبار عن الوجوب ويحتمل أن يريد الإخبار عن الاستحباب وعلى الاستحباب جمهور الفقهاء وإن فرقه أجزأه وبذلك قال مالك و الشافعي والدليل على صحة هذا قوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } ولم يخص متفرقة من متتابعة وإذا أتى بها متفرقة فقد صام عدة من أيام أخر فوجب أن يجزيه ابن العربي : إنما وجب التتابع في الشهر لكونه معينا وقد عدم التعيين في القضاء فجاز التفريق
الثامنة : لما قال تعالى : { فعدة من أيام أخر } دل ذلك وجوب القضاء من غير تعيين لزمان لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت :
يكون علي الصوم من رمضان فما استطيع أن أقضيه إلا في شعبان الشغل من رسول الله أو برسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية : وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا نص وزيادة بيان للآية وذلك يرد على داود قوله : إنه يجب عليه قضاءه ثاني شوال ومن لم يصمه ثم مات فهو آثم عنده وبنى عليه أنه لو وجب عليه عتق رقبة فوجد رقبة تباع بثمن فليس له أن يتعداها ويشتري غيرها لأن الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فلا يجزيه غيرها ولو كانت عنده رقبة فلا يجوز له أن يشتري غيرها ولو مات الذي عنده فلا يبطل العتق كما يبطل فيمن نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره وذلك يفسد قوله وقال بعض الأصوليين : إذا مات بعد مضي اليوم الثامي من شوال لا يعصي على شرط العزم والصحيح أنه غير آثم ولا مفرط وهو قول الجمهور غير أنه يستحب له تعجيل القضاء لئلا تدركه المنية فيبقى عليه الفرض
التاسعة : من كان عليه قضاء أيام من رمضان فمضت عليه عدتها من الأيام بعد الفطر أمكنه فيها صيامه فأخر ذلك ثم جاءه مانع منعه من القضاء إلى رمضان آخر فلا إطعام عليه لأنه ليس بمفطر حين فعل ما يجوز له من التأخير هذا قول البغداديين من المالكيين ويرونه قول ابن القاسم في المدونة
العاشرة : فإن أخر قضاءه عن شعبان الذي هو غاية الزمان الذي يقضي فيه رمضان فهل يلزمه لذلك كفارة أو لا فقال مالك و الشافعي و أحمد و إسحاق : نعم وقال أبو حنيفة و الحسن و النخعي و داود : لا
قلت : وإلى هذا ذهب البخاري لقوله ويذكر عن ابي هريرة مرسلا وابن عباس أنه يطعم ولم يذكر الله الإطعام إنما قال : { فعدة من أيام أخر }
قلت : قد جاء عن ابي هريرة مسندا فيمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر قال : يصوم هذا مع الناس ويصوم الذي فرط فيه ويطعم لكل يوم مسكينا خرجه الدار قطني وقال : إسناد صحيح وروي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم :
[ في رجل أفطر في شهر رمضان من مرض ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر قال : يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم لكل يوم مسكينا ] في إسناده ابن نافع وابن وجيه ضعيفان
الحادية عشرة : فإن تمادى به المرض فلم يصح حتى جاء رمضان آخر فروى الدار قطني عن ابن عمر أنه يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة ثم ليس عليه قضاء وروي أيضا عن ابي هريرة قال : إذا لم يصح بين الرمضانين صام عن هذا وأطعم عن الثاني ولا قضاء عليه وإذا صح فلم يصم حتى إذا أدركه رمضان آخر صام عن هذا وأطعم عن الماضي فإذا أفطر قضاه إسناد صحيح قال علماؤنا : وأقوال الصحابة على خلاف القياس قد يحتج بها وروي عن ابن عباس أن رجلا جاء إليه فقال : مرضت رمضانين ؟ فقال له ابن عباس : استمر بك مرضك أو صححت بينهما ؟ فقال : بل صححت قال : صم رمضانين وأطعم ستين مسكينا وهذا بدل من قوله : إنه لو تمادى به مرضه لا قضاء عليه وهذا يشبه مذهبهم في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما على ما يأتي
الثانية عشرة : واختلف من أوجب عليه الإطعام في قدر ما يجب أن يطعم فكان أبو هريرة والقاسم بن محمد و مالك و الشافعي يقولون : يطعم عن كل يوم مدا وقال الثوري : يطعم نصف صاع عن كل يوم
الثالثة عشرة : واختلفوا فيمن أفطر أو جامع في قضاء رمضان ماذا يجب عليه فقال مالك : من أفطر يوما من قضاء رمضان ناسيا لم يكن عليه شيء غير قضائه ويستحب له أن يتمادى فيه للاختلاف ثم يقضيه ولو أفطره عامدا أثم ولم يكن عليه غير قضاء ذلك اليوم ولا يتمادى لأنه لا معنى لكفه عما يكف الصائم ها هنا إذ هو غير صائم عند جماعة العلماء لإفطاره عامدا وأما الكفارة فلا خلاف عند مالك وأصحابه أنها لا تجب في ذلك وهو قول جمهور العلماء قال مالك : ليس على من أفطر يوما من قضاء رمضان بإصابة أهله أو غير ذلك كفارة وإنما عليه قضاء ذلك اليوم وقال قتادة : على من جامع في قضاء رمضان القضاء والكفارة وروى ابن القاسم عن مالك أن من أفطر في قضاء رمضان فعليه يومان وكان ابن القاسم يفتي به ثم رجع عنه ثم قال : إن أفطر عمدا في قضاء القضاء كان عليه مكانه صايم يومين كمن أفسد حجة بإصابة أهله وحج قابلا فافسد حجة أيضا بإصابة أهله كان عليه حجتان قال أبو عمر : قد خالفه في الحج ابن وهب وعبد الملك وليس يجب القياس على اصل مختلف فيه والصواب عندي ـ والله أعلم ـ أنه ليس عليه في الوجهين إلا قضاء يوم واحد لأنه يوم واحد أفسده مرتين
قلت : وهو مقتضى قوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } فمتى أتى بيوم تام بدلا عما أفطره في قضاء رمضان فقد أتى بالواجب عليه ولا يجب عليه غير ذلك والله اعلم
الرابعة عشرة : والجمهور على أن من أفطر في رمضان لعلة فمات من علته تلك أو سافر فمات في سفره ذلك أنه لا شيء عليه وقال طاوس و قتادة في المريض يموت قبل أن يصح : يطعم عنه
الخامسة عشرة : واختلفوا فيمن مات وعليه صوم من رمضان لم يقضه فقال مالك و الشافعي و الثوري : لا يصوم أحد وقال أحمد و إسحاق و أبو ثور و الليث و أبو عبيد وأهل الظاهر : يصام عنه إلا أنهم خصصوه بالنذر وروي مثله عن الشافعي وقال أحمد و إسحاق في قضاء رمضان : يطعم عنه احتج من قال بالصوم بمارواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
[ من مات وعليه صيام صام عنه وليه ] إلا أن هذا عام في الصوم يخصصه ما رواه مسلم أيضا عن ابن عباس قال :
[ جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر ـ وفي رواية صوم شهر ـ أفأصوم عنها ؟ قال : أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدى ذلك عنها قالت : نعم قال : فصومي عن أمك ] احتج مالك ومن وافقه بقوله سبحانه : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وقوله : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } وقوله : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } وبما خرجه النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
[ لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة ]
قلت : وهذا الحديث عام فيحتمل أن يكون المراد بقوله : [ لا يصوم أحد عن أحد ] صوم رمضان فأما صوم النذر فيجوز بدليل حديث ابن عباس وغيره فقد جاء في صحيح مسلم أيضا من حديث بريدة نحو حديث ابن عباس وفي بعض طرقه :
[ صوم شهرين أفأصوم عنها ؟ قال : صومي عنها قالت : إنها لم تحج قط افأحج عنها ؟ قال : حجي عنها ] فقولها : شهرين يبعد أن يكون رمضان والله أعلم وأقوى ما يحتج به لـ مالك أنه عمل أهل المدينة ويعضده القياس الجلي وهو أنه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها فلا تفعل عمن وجبت عليه كالصلاة ولا ينقض هذا بالحج لأن للمال فيه مدخلا
السادسة عشرة : استدل بهذه الآية من قال : إن الصوم لا ينعقد في السفر وعليه القضاء أبدا فإن الله تعالى يقول : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } أي فعليه عدة ولا حذف في الكلام ولا إضمار وبقوله عليه الصلاة والسلام :
[ ليس من البر الصيام في السفر ] قال : ما لم يكن من البر فهو من الإثم فيدل ذلك على أن صوم رمضان لا يجوز في السفر والجمهور يقولون : فيه محذوف فأفطر كما تقدم وهو الصحيح لحديث أنس قال :
[ سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ] رواه مالك عن حميد الطويل عن أنس وأخرجه مسلم عن ابي سعيد الخدري قال :
غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم
قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون } فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه } قرأ الجمهور بكسر الطاء وسكون الياء وأصله يطوقونه نقلت الكسرة إلى الطاء وانقلبت الواو ياء لإنكسار ما قبلها وقرأ حميد على الأصل من غير اعتلال والقياس الاعتلال ومشهور قراءة ابن عباس يطوقونه بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو بمعنى يكلفونه وقد روى مجاهد يطيقونه بالياء بعد الطاء على لفظ يكيلونه وهي باطلة ومحال لأن الفعل مأخوذ من الطوق فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للياء في هذا المثال قال أبو بكر الأنباري : وأنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ذؤيب :
( فقيل تحمل فوق طاقك إنها ... مطبعة من يأتها لا يضيرها )
فأظهر الواو في الطوق وصح بذلك أن واضع الياء مكانها يفارق الصواب وروى ابن الأنباري عن ابن عباس يطيقونه بفتح الياء وتشديد الطاء والياء مفتوحتين بمعنى يطيقونه يقال : طاق وأطاق وأطيق بمعنى وعن ابن عباس أيضا وعائشة و طاوس وعمرو بن دينار يطوقونه بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة وهي صواب في اللغة لأن الأصل يتطوقونه فأسكنت التاء وأدغمت في الطاء فصارت طاء مشددة وليست من القرآن خلافا لمن أثبتها قرآنا وإنما هي قراءة على التفسير وقرأ أهل المدينة والشام فدية طعام مضافا مساكين جمعا وقرأ ابن عباس طعام مسكين بالإفراد فيما ذكر البخاري و أبو داود و النسائي عن عطاء عنه وهي قراءة حسنة لأنها بينت الحكم في اليوم واختارها أبو عبيد وهي قراءة ابي عمرو وحمزة و الكسائي قال أبو عبيد : فبينت أن لكل يوم إطعام واحد فالواحد مترجم عن الجميع وليس الجميع بمترجم عن واحد وجمع المساكين لا يدرى كم منهم في اليوم إلا من غير الآية وتخرج قراءة الجمع في مساكين لما كان الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فجمع لفظة كما قال تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } أي أجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد ثمانون قال معناه أبو علي واختار قراءة الجمع النحاس قال : وما اختاره أبو عبيد مردود لأن هذا إنما يعرف بالدلالة فقد علم أن معنى وعلى الذين يطقيونه فدية طعام مساكين أن لكل يوم مسكينا فاختيار هذه القراءة لترد جمعا على جمع قال النحاس : واختار أبو عبيد أن يقرأ فدية طعام قال : لأن الطعام هو الفدية ولا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل وابين منه أن يقرأ فدية طعام بالإضافة لأن فدية مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك : هذا ثوب خز
الثانية : واختلف العلماء في المراد بالآية فقيل : هي منسوخة روى البخاري : وقال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن ابي ليلى حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها { وأن تصوموا خير لكم } وعلى هذا قراءة الجمهور يطيقونه أي يقدرون عليه لأن فرض الصيام هكذا : من أراد صام ومن أراد أطعم مسكينا وقال ابن عباس : نزلت هذه الاية رخصة للشيوخ والعجزة خاصة إذا أفطروا وهم يطيقونه الصوم ثم نسخت بقوله { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم قال الفراء : الضمير في يطيقونه يجوز أن يعود على الصيام أي وعلى الذين يطيقونه الصيام أن يطعموا إذا أفطروا ثم نسخ بقوله : { وأن تصوموا } ويجوز أن يعود على الفداء أي وعلى الذين يطيقون الفداء فدية وأما قراءة يطوقونه على معنى يكلفونه مع المشقة اللاحقة لهم كالمريض والحامل فإنهما يقدران عليه لكن بمشقة تلحقهم في أنفسهم فإن صاموا أجزأهم وإن افتدوا فلهم ذلك ففسر ابن عباس ـ إن كان الإسناد عنه صحيحا ـ يطيقونه بـ يطوقونه ويتكلفونه فأدخله بعض النقلة في القرآن روى أبو داود عن ابن عباس وعلى الذين يطيقونه قال : أثبتت للحبلى والمرضع وروى عنه { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } قال : كانت رخصة للشيخ الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا وخرج الدار قطني عنه أيضا قال : رخص للشيه الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه هذا إسناد صحيح وروي عنه أيضا أنه قال : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعما مكان كل يوم مسكنيا وهذا صحيح وروي عنه أيضا أنه قال لأم الولد له حبلى أو مرضع : أنت من الذين لا يطيقون الصيام عليك الجزاء ولا عليك القضاء وهذا إسناد صحيح وفي رواية : كانت له أم ولد ترضع ـ من غير شك ـ فأجهدت فأمرها أن تفطر ولا تقضي هذا صحيح
قلت : فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس أن الآية ليست بمنسوخة وأنها محكمة في حق من ذكر والقول الأول صحيح أيضا إلا أنه يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص فكثيرا ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه والله أعلم وقال الحسن البصري و عطاء بن أبي رباح والضحاك و النخعي و الزهري و ربيعة و الأوزاعي وأصحاب الرأي : الحامل والمرضع يفطران ولا إطعام عليهما بمنزلة المريض يفطر ويقضي وبه قال أبو عبيد و أبو ثور وحكى ذلك أبو عبيد عن أبي ثور واختاره ابن المنذر وهو قول مالك في الحبلى إن أفطرت فأما المرضع إن أفطرت فعليها القضاء والإطعام وقال الشافعي و أحمد : يفطران ويطعمان ويقضيان وأجمعوا على أن المشايخ والعجائز الذين لا يطقيون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة أن يفطروا واختلفوا فيما عليهم فقال ربيعة و مالك : لا شيء عليهم غير أن مالكا قال : لو أطعموا عن كل يوم مسكينا كان أحب إلي وقال أنس وابن عباس وقيس بن السائب وأبو هريرة : عليهم الفدية وهو قول الشافعي واصحاب الرأي و أحمد و إسحاق اتباعا لقول الصحابة رضي الله عن جميعهم وقوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ثم قال : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } وهؤلاء ليسوا بمرضى ولا مسافرين فوجبت عليهم الفدية والدليل لقول مالك : أن هذا مفطر لعذر موجود فيه وهو الشيخوخة والكبر فلم يلزمه إطعام كالمسافر والمريض وروي هذا عن الثوري و مكحول واختاره ابن المنذر
الثالثة : واختلف من أوجب الفدية على من ذكر في مقدارها فقال مالك : مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يوم أفطره وبه قال الشافعي وقال أب حنيفة : كفارة كل يوم صاع تمر أو نصف صاع بر وروي عن ابن عباس نصف صاع من حنطة ذكره الدار قطني وروي عن ابي هريرة قال : من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم فعليه لكل يوم مد من قمح وروي عن أنس بن مالك أنه ضعف عن الصوم عاما فصنع جفنة من طعام ثم دعا بثلاثين مسكينا فأشبعهم
الرابعة : قوله تعالى : { فمن تطوع خيرا فهو خير له } قال ابن شهاب : من أراد الإطعام مع الصوم وقال مجاهد : من زاد في الإطعام على المد ابن عباس : فمن تطوع خيرا قال : مسكينا آخر فهو خير له ذكره الدار قطني وقال : إسناد صحيح ثابت و خير الثاني صفة تفضيل وكذلك الثالث و خير الأول وقرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة و الكسائي يطوع خيرا مشددا وجزم العين على معنى يتطوع الباقون تطوع بالتاء وتخفيف الطاء وفتح العين على الماضي
الخاسمة : قوله تعالى : { وأن تصوموا خير لكم } أي والصيام خير لكم وكذا قرأ أبي أي من الإفطار مع الفدية وكان هذا قبل النسخ وقيل : : وأن تصوموا في السفر والمرض غير الشاق والله أعلم وعلى الجملة فإنه يقتضي الحض على الصوم أي فاعلموا ذلك وصوموا

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185)
قوله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون }
فيه إحدى وعشرون مسألة :
الأولى : قوله تعالى : { شهر رمضان } قال أهل التاريخ : أول من صام رمضان نوح عليه السلام لما خرج من السفينة وقد تقدم قول مجاهد : كتب الله رمضان على كل أمة ومعلوم أنه كان نوح أمم والله أعلم والشهر مشتق من الإشهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده ومنه يقال : شهرت السيف إذا سللته ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء ( ممدودة ) : شدة الحر ومنه الحديث :
[ صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال ] خرجه مسلم ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء فتبرك من شدة حرها فرمضان ـ فيما ذكروا ـ وافق شدة الحر فهو مأخوذ من الرمضاء قال الجوهري : وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك وقيل : إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة من الإرماض وهو الإحراق ومنه رمضت قدمه من الرمضاء أي احترقت وأرمضتني الرمضاء أي أحرقتني ومنه قيل : أرمضني الأمر وقيل : لأن القلوب تأخذ فيه من حرار الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس والرمضاء : الحجارة المحماة وقيل : هو من رمضت النصل أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق ومنه نصل رميض ومرموض ـ عن ابن السكيت ـ وسمي الشهر به لأنهم كانو يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم وحكى الماوردي أن اسمه في الجاهلية ناتق وأنشد للمفضل :
( وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغى ... وولت على الأدبار فرسان خثعما )
و { شهر } بالرفع قراءة الجماعة على الابتداء والخبر { الذي أنزل فيه القرآن } أو يرتفع على إضمار مبتدأ المعنى : المفروض عليكم صومه شهر رمضان أو فيما كتب عليكم شهر رمضان ويجوز أن يكون شهر مبتدأ و { الذي أنزل فيه القرآن } صفة والخبر { فمن شهد منكم الشهر } وأعيد ذكر الشهر تعظيما كقوله تعالى : { الحاقة * ما الحاقة } وجاز أن يدخله معنى الجزاء لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل قاله أبو علي : وروي عن مجاهد و شهر بن حوشب نصب شهر ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو ومعناه : الزموا شهر رمضان أو صوموا و { الذي أنزل فيه القرآن } نعت له ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو خير لكم الرماني : يجوز نصبه على البدل من قوله { أياما معدودات }
الثانية : واختلف هل يقال رمضان دون أن يضاف إلى شهر فكره ذلك مجاهد وقال : يقال كما قال الله تعالى وفي الخبر :
ولا تقولوا رمضان بل انسبوه كما نسبه الله في القرآن فقال شهر رمضان وكان يقول : بلغني أنه اسم من أسماء الله وكان يكره أن يجمع لفظه لهذا المعنى ويحتج بما روي : رمضان اسم من أسماء الله تعالى وهذا ليس بصحيح فإنه من حديث ابي معشر نجيح وهو ضعيف والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها روى مسلم عن ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
[ إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ] وفي صحيح البستي عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ إذا كان رمضان فتحت له أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين ] وروي عن ابن شهاب عن انس بن ابي انس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول فذكره قال البستي : أنس بن ابي أنس هذا هو والد مالك بن أنس واسم أبي أنس مالك بن ابي عامر من ثقات أهل المدينة وهو مالك ابن ابي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن خثيل بن عمرو من ذي أصبح من أقيال اليمن وروى النسائي عن ابي هريرة قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم ] وأخرجه أبو حاتم البستي ايضا وقال : فقوله : [ مردة الشياطين ] تقييد لقوله : [ صفدت الشياطين وسلسلت ] وروى السنائي أيضا عن ابن عباس قال [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار : إذا كان رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة ] وروى النسائي أيضا عن عبد الرحمن بن عوف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ إن الله تعالى فرض صيام رمضان عليكم وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ] والآثار في هذا كثيرة كلها بإسقاط شهر وربما أسقطت العرب ذكر الشهر من رمضان
قال الشاعر :
( جارية في درعها الفضفاض ... أبيض من أخت بني إباض )
( جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض )
وفضل رمضان عظيم وثوابه جسيم يدل على ذلك معنى الاشتقاق من كونه محرقا للذنوب وما كتبناه من الأحاديث
الثالثة : فرض الله صيام رمضان أي مدة هلاله وبه سمي الشهر كما جاء في الحديث :
[ فإن غمي عليكم الشهر ] أي الهلال وسيأتي وقال الشاعر :
( أخوان من نجد على ثقة ... والشهر مثل قلامة الظفر )
( حتى تكامل في استدارته ... في أربع زادت على عشر )
وفرض علينا عند غمة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما وإكمال عدة رمضان ثلاثين يوما حتى ندخل في العبادة بيقين ونخرج عنها بيقين فقال في كتابه { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } وروى الأئمة الإثبات عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
[ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدد ] في رواية [ فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين ] وقد ذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين و ابن قتيبة من اللغوين فقالا : يعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان حتى أنه لو كان صحوا لرؤي لقوله عليه السلام : [ فإن أغمي عليكم فاقدروا له ] أي استدلوا عليه بمنازلة وقدروا إتمام الشهر بحسابه وقال الجمهور : معنى فاقدروا له فأكملوا المقدار يفسره حديث أبي هريرة [ فأكملوا العدة ] وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله [ فاقدروا له ] : أي قدروا المنازل وهذا لا نعلم أحدا قال به ألا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين والإجماع حجة عليهم وقد روي ابن نافع عن مالك في الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته وإنما يصوم ويفطر على الحساب : إنه لا يقتدى به ولا يتبع قال ابن العربي : وقد زل بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال : يعول على الحساب وهي عثرة لا لعا لها
الرابعة : واختلف مالك و الشافعي هل يثبت هلال رمضان بشهادة واحد أو شاهدين فقال مالك : لا يقبل فيه شهادة الواحد لأنها شهادة على هلال فلا يقبل فيها اقل من اثنين أصله الشهادة على هلال شوال وذي الحجة وقال الشافعي و أبو حنيفة : يقبل الواحد لما رواه أبو داود [ عن ابن عمر قال : تراءى الناس الهلال فأخبرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه ] وأخرجه الدار قطني وقال : تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة روى الدار قطني : أن رجلا شهد عند علي بن ابي طالب على رؤية هلال رمضان فصام أحسبه قال : وأمر الناس أن يصوموا وقال : أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان قال الشافعي : فإن لم تر العامة هلال شهر رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط وقال الشافعي : بعد : لا يجوز على رمضان إلا شاهدان قال الشافعي : وقال بعض أصحابنا : لا أقبل عليه إلا شاهدين وهو القياس على كل مغيب
الخامسة : واختلفوا فيمن رأى هلال رمضان وحده أو هلال شوال فروى الربيع عن الشافعي : من رأى هلال رمضان وحده فليصمه ومن رأى هلال شوال وحده فليفطر وليخف ذلك وروى ابن وهب عن مالك في الذي يرى هلال رمضان وحده أنه يصوم لأنه لا ينبغي له أن يفطر وهو يعلم أن ذلك اليوم من شهر رمضان ومن رأى هلال شوال وحده فلا يفطر لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس مأمونا ثم يقول أولئك إذا ظهر عليهم : قد رأينا الهلال قال ابن المنذر : وبهذا قال الليث بن سعد و أحمد بن حنبل وقال عطاء و إسحاق : لا يصوم ولا يفطر قال ابن المنذر : يصوم ويفطر
السادسة : واختلفوا إذا أخبر عن رؤية بلد فلا يخلو أن يقرب أو يبعد فإن قرب فالحكم واحد وإن بعد فلأهل كل بلد رؤيتهم روي هذا عن عكرمة و القاسم وسالم وروي عن ابن عباس وبه قال إسحاق وإليه أشار البخاري حيث بوب لأهل كل بلد رؤيتهم وقال آخرون إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد قد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا هكذا قال الليث بن سعد و الشافعي قال ابن المنذر : ولا أعلمه إلا قول المزني والكوفي
قلت : ذكر الكيا الطبري في كتاب أحكام القرآن له : وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية وأهل بلد تسعة وعشرين يوما أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم وأصحاب الشافعي لا يرون ذلك إذ كانت المطالع في البلدان يجوز أن تختلف وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى : { ولتكملوا العدة } وثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون فوجب على هؤلاء إكمالها ومخالفتهم يحتج بقوله صلى الله عليه وسلم :
[ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ] الحديث وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في بلدهم وحكى أبو عمر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان قال : ولكل بلد رؤيتهم إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين روى مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال :
فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ثم ذكر الهلال فقال : متي رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة فقال : أنت رأيته ؟ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت :
نكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال علماؤنا قول ابن عباس هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة تصريح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته بدون رؤية غيره وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم ما لم يحمل الناس على ذلك فإن حمل فلا تجوز مخالفته وقال الكيا الطبري : قوله هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون تأول فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ] وقال ابن العربي : واختلفت في تأويل قول ابن عباس هذا فقيل : رده لأنه خبر واحد وقيل : رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع وهو الصحيح لأن كريبا لم يشهد وإنما أخبر عن حكم ثبت بالشهادة ولا خلاف في الحكم الثابت أنه يجزىء فيه خبر الواحد ونظيره ما لو ثبت أنه أهل ليلة الجمعة بأغمات وأهل بأشبيلية ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم لأن سهيلا يكشف من أغمات ولا يكشف من أشبيلية وهذا يدل على اختلاف المطالع
قلت : وأما مذهب مالك رحمه الله في هذه المسألة فروى ابن وهب وابن القاسم عنه في المجموعة أن أهل البصرة إذا رأوا هلال رمضان ثم بلغ ذلك إلى أهل الكوفة والمدينة واليمن أنه يلزمهم الصيام أو القضاء إن فات الأداء وروى القاضي أبو إسحاق عن ابن الماجشون أنه إن كان ثبت بالبصرة بأمر شائع ذائع يستغنى عن الشهادة والتعديل له فإنه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضاء وإن كان إنما ثبت عند حاكمهم بشهادة شاهدين لم يلزم ذلك من البلاد إلا من كان يلزمه حكم ذلك الحاكم ممن هو في ولايته أو يكون ثبت ذلك عند أمير المؤمنين فيلزم القضاء جماعة المسلمين قال : وهذا قول مالك
السابعة : قرأ جمهور الناس شهر بالرفع على أنه خبر ابتداء مضمر أي ذلكم شهر أو المفترض عليكم صيامه شهر رمضان أو الصوم أو الأيام وقيل : ارتفع على أنه مفعول لم يسم فاعله بـ كتب أي عليكم شهر رمضان و رمضان لا ينصرف لأن النون فيه زائدة ويجوز أن يكون مرفوعا على الابتداء وخبره { الذي أنزل فيه القرآن } وقيل : خبره فمن شهد و الذي أنزل نعت له وقيل : ارتفع على البدل من الصيام فمن قال : إن الصيام في قوله { كتب عليكم الصيام } هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هنا بالابتداء ومن قال : إن الصام هناك رمضان قال هنا بالابتداء أو بالبدل من الصيام أي كتب عليكم شهر رمضان وقرأ مجاهد و شهر بن حوشب شهر بالنصب قال الكسائي : المعنى كتب عليكم الصيام وأن تصوموا شهر رمضان وقال الفراء : أي كتب عيكم الصيام أي أن تصوموا شهر رمضان قال النحاس : لا يجوز أن ينتصب { شهر رمضان } بتصوموا لأنه يدخل في الصلة ثم يفرق بين الصلة والموصول وكذلك إن نصبته بالصيام ولكن يجوز أن تنصبه على الإغراء أي الزموا شهر رمضان وصوموا شهر رمضان وهذا بعيد أيضا لأنه لم يتقدم ذكر الشهر فيغرى به
قلت : قوله { كتب عليكم الصيام } يدل على الشهر فجاز الإغراء وهو اختيار أبي عبيد وقال الأخفش : انتصب على الظرف وحكي عن الحسن و ابي عمرو إدغام الراء في الراء وهذا لا يجوز لئلا يجتمع ساكنان ويجوز أن تقلب حركة الراء على الهاء فتضم الهاء ثم تدغم وهو قول الكوفيين
الثامنة : قوله تعالى : { الذي أنزل فيه القرآن } نص في أن القرآن نزل في شهر رمضان وهو يبين قوله عز وجل : { حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة } يعني ليلة القدر ولقوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان لا في غيره ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر ـ على مابيناه ـ جملة واحدة فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجما نجما في الأوامر والنواهي والأسباب وذلك في عشرين سنة وقال ابن عباس : أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا ثم نزل به جبريل عليه السلام نجوما ـ يعني الآية والآيتين ـ في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة وقال مقاتل في قوله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } قال أنزل من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا ثم نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا ونزل به جبريل في عشرين سنة
قلت : وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع أن القرآن انزل جملة واحدة والله أعلم وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
[ أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوارة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين ]
قلت : وفي هذا الحديث دلالة على ما يقوله الحسن إن ليلة القدر تكون ليلة أربع وعشرين وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان هذا
التاسعة : قوله تعالى : { القرآن } القرآن : اسم لكلام الله تعالى وهو بمعنى المقروء كالمشروب يسمى شرابا والمكتوب يسمى كتابا وعلى هذا قيل : هو مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا بمعنى قال الشاعر :
( ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا )
أي قراءة وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا أي قراءة وفي التنزيل : { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } أي قراءة الفجر ويسمى المقروء قرآنا على عادة العرب في تسميتها المفعول باسم المصدر كتسميتهم للمعلوم علما وللمضروب ضربا وللمشروب شربا كما ذكرنا ثم اشتهر الاستعمال في هذا واقترن به العرف الشرعي فصار القرآن اسما لكلام الله حتى إذا قيل : القرآن غير مخلوق يراد به المقروء لا القراءة لذلك وقد يسمى المصحف الذي يكتب فيه كلام الله قرآنا توسعا وقد قال صلى الله عليه وسلم :
[ لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ] أراد به المصحف وهو مشتق من من قرأت الشيء جمعته وقيل : هو اسم علم لكتاب الله غير مشتق كالتوارة والإنجيل وهذا يحكى عن الشافعي والصحيح الاشتقاق في الجميع وسيأتي
العاشرة : قوله تعالى : { هدى للناس } هدى في موضع نصب على الحال من القرآن أي هاديا لهم { وبينات } عطف عليه و { الهدى } الإرشاد والبيان كما تقدم أي بيانا لهم وإرشادا والمراد القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه يعني الحلال والحرام والمواعظ والأحكام وبينات جمع بينة من بان الشيء يبين إذا وضح { والفرقان } ما فرق بين الحق والباطل أي فصل وقد تقدم
الحادية عشرة : قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } قراءة العامة بجزم اللام وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام وهي لام الأمر وحقها الكسر إذا أفردت فإذا وصلت بشيء ففيها وجهان : الجزم والكسر وإنما توصل بثلاثة أحرف : بالفاء كقوله { فليصمه ومن } { فليعبدوا } والواو كقوله : { وليوفوا } وثم كقوله : { ثم ليقضوا } و شهد بمعنى حضر وفيه إضمار أي من شهد منكم المصر في الشهر عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه وهو يقال عام فيخصص بقوله : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر } الآية وليس الشهر بمفعول وإنما هو ظرف زمان وقد اختلف العلماء في تأويل هذا فقال علي ابن ابي طالب وابن عباس وسويد بن غفلة وعائشة ـ أربعة من الصحابة ـ وابو مجلز لاحق بن حميد وعبيدة السلماني : من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله في بلده وأهله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر والمعنى عندهم : من أدركه رمضان مسافرا أفطر وعليه عدة من أيام أخر ومن أدركه حاضرا فليصمه وقال جمهور الأمة : من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما فإن سافر أفطر وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار الثابتة وقد ترجم البخاري رحمه الله ردا على القول الأول باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر حدثنا عبد الله بن يوسف قال أنبأنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس :
[ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس ] قال أبو عبد الله : والكديد ما بين عسفان وقديد
قلت : قد يحتمل أن يحمل قول علي رضي الله عنه ومن وافقه على السفر المندوب كزيارة الإخوان من الفضلاء والصالحين أو المباح في طلب الرزق الزائد على الكفاية واما السفر الواجب في طلب القوت الضروري أو فتح بلد إذا تحقق ذلك أو دفع عدو فالمرء فيه مخير ولا يجب عليه الإمساك بل الفطر فيه أفضل للتقوي وإن كان شهد الشهر في بلده وصام بعضه فيه لحديث ابن عباس وغيره ولا يكون في هذا خلاف إن شاء الله والله اعلم وقال أبو حنيفة وأصحابه : من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام ومن جن أول الشهر وآخره فإنه يقضي أيام جنونه ونصب الشهر على هذا التأويل هو على المفعول الصريح بـ شهد
الثانية عشرة : قد تقرر أن فرض الصوم مستحق بالإسلام والبلوغ والعلم بالشهر فإذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم وإن كان بعد الفجر استحب لهما الإمساك وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر ولا اليوم الذي بلغ فيه أو أسلم وقد اختلف العلماء في الكافر يسلم في آخر يوم من رمضان هل يجب عليه قضاء رمضان كله أو لا ؟ وهل يجب عليه قضاء اليوم الذي اسلم فيه ؟ فقال الإمام مالك والجمهور : ليس عليه قضاء ما مضى لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه قال مالك : وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه وقال عطاء و الحسن : يصوم ما بقي ويقضي ما مضى وقال عبد الملك بن الماجشون : يكف عن الأكل في ذلك اليوم ويقضيه وقال أحمد و إسحاق مثله وقال ابن المنذر : ليس عليه أن يقضي ما مضى من الشهر ولا ذلك اليوم وقال الباجي : من قال من أصحابنا إن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام ـ وهو مقتضى قول مالك و أكثر أصحابه ـ أوجب عليه الإمساك في بقية يومه ورواه في المدونة بن نافع عن مالك وقاله الشيخ أبو القاسم ومن قال من أصحابنا ليسوا مخاطبين قال : لا يلزمه الإمساك في بقية يومه وهو مقتضى قول أشهب وعبد الملك بن الماجشون وقاله بان القاسم
قلت : وهو الصحيح لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } فخاطب المؤمنين دون غيرهم وهذا واضح فلا يجب عليه الإمساك في بقية اليوم ولا قضاء ما مضى وتقدم الكلام في معنى قوله : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } والحمد لله
الثالثة عشرة : قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر } قراءة جماعة اليسر بضم السين لغتان وكذلك العسر قال مجاهد و الضحاك : اليسر الفطر في السفر و العسر الصوم في السفر والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين كما قال تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم :
[ دين الله يسر ] وقال صلى الله عليه وسلم :
[ يسروا ولا تعسروا ] واليسر من السهولة ومنه اليسار للغنى وسميت اليد اليسرى تفاؤلا أو لأنه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى قولان وقوله : { ولا يريد بكم العسر } وهو بمعنى قوله : { يريد الله بكم اليسر } فكرر تأكيدا
الرابعة عشرة : دلت الآية على أن الله سبحانه مريد بإرادة قديمة أزلية زائدة على الذات هذا مذهب أهل السنة كما أنه عالم لعلم قادر بقدرة حي بحياة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام وهذه كلها معان وجودية أزلية زائدة على الذات وذهب الفلاسفة والشيعة إلى نفيها تعالى الله عن قول الزائغين وإبطال المبطلين والذي يقطع دابر اهل التعطيل أن يقال : لو لم يصدق كونه ذا إرادة لصدق أنه ليس بذي إرادة ولو صح ذلك لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة فإن من كانت له الصفات الإرادية فله أن يخصص الشيء وله ألا يخصصه فالعقل السليم يقضي بأن ذلك كمال له وليس بنقصان حتى إنه لو قدر بالوهم سلب ذلك الأمر عنه لقد كان حاله اولا أكمل بالنسبة إلى حاله ثانيا فلم يبق إلا أن يكون ما لم يتصف أنقص مما هو متصف به ولا يخفى ما فيه من المحال فإنه كيف يتصور أن يكون المخلوق أكمل من الخالق والخالق أنقص منه والبديهة تقضي برده وإبطاله وقد وصف نفسه جل وجلاله وتقدست أسماؤه بأنه مريد فقال تعالى : { فعال لما يريد } وقال سبحانه : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وقال : { يريد الله أن يخفف عنكم } إذا أراد امرا فإنما يقول له كن فيكون ثم إن هذا العالم على غاية من الحكمة والإتقان والانتظام والإحكام وهو مع ذلك جائز وجوده وجائز عدمه فالذي خصصه بالوجود يجب أن يكون مريدا له قادرا عليه عالما به فإن لم يكن عالما قادرا لا يصح منه صدور شيء ومن لم يكن عالما وإن كان قادرا لم يكن له ما صدر منه على نظام الحكمة والأتقان ومن لم يكن مريدا لم يكن تخصيص بعض الجائزات بأحوال وأوقات دون البعض بأولى من العكس إذ نسبتها إليه نسبة واحدة قالوا : وإذ ثبت كونه قادرا مريدا وجب أن يكون حيا إذ الحياة شرط هذه الصفات ويلزم من كونه حيا أن يكون سميعا بصيرا متكلما فإن لم تثتب له هذه الصفات فإنه لا محالة متصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على ما عرف في الشاهد والبارىء سبحانه وتعالى يتقدس عن أن يتصف بما يوجب في ذاته نقصا
الخامسة عشرة : قوله تعالى : { ولتكملوا العدة } فيه تأويلان : أحدهما : إكمال عدة الأداء لمن أفطر في سفره أو مرضه الثاني : عدة الهلال سواء كانت تسعا وعشرين أو ثلاثين قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم :
[ إن الشهر يكون تسعا وعشرين ] وفي هذ رد لتأويل من تأول قوله صلى الله عليه وسلم :
شهرا عيد لا ينقصان ورمضان ذو الحجة أنهما لا ينقصان عن ثلاثين يوما أخرجه أبو داود وتأوله جمهور العلماء على معنى أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفير الخطايا سواء كانا من تسع وعشرين أو ثلاثين
السادسة عشرة : ولا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهارا بل هو لليلة التي تأتي هذا هو الصحيح وقد اختلف الرواة عن عمر في هذه المسألة فروى الدار قطني عن شقيق قال : جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين قال في كتابه : إن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس وذكره أبو عمر من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن ابي وائل قال : كتب إلينا عمر فذكره قال أبو عمر : وروي عن علي بن أبي طالب مثل ما ذكره عبد الرزاق أيضا وهو قول ابن مسعود و ابن عمر وأنس بن مالك وبه قال مالك و الشافعي و أبو حنيفة و محمد بن الحسن و الليث و الأوزاعي وبه قال أحمد و إسحاق وقال سفيان الثوري و أبو يوسف : إن رؤي بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي وإن رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية وروي مثل ذلك عن عمر ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال : كتب عمر إلى عتبة بن فرقد إذا رايتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فافطروا وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تمسوا وروي عن علي مثله ولا يصح في هذه المسألة شيء من جهة الإسناد عن علي وروي عن سليمان بن ربيعة مثل قول الثوري وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب وبه كان يفتى بقرطبة واختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة قال أبو عمر : والحديث عن عمر بمعنى ما ذهب إليه مالك و الشافعي و أبو حنيفة متصل والحديث الذي روي عنه بمذهب الثوري منقطع والمصير إلى المتصل أولى وقد احتج من ذهب مذهب الثوري بأن قال : حديث الأعمش مجمل لم يخص فيه قبل الزوال ولا بعده وحديث إبراهيم مفسر فهو أولى أن يقال به
قلت : قد روي مرفوعا معنى ما روي عن عمر متصلا موقوفا روته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :
[ أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما صبح ثلاثين يوما فرأى هلال شوال نهارا فلم يفطر حتى أمسى ] أخرجه الدار قطني من حديث الواقدي قال : قال الواقدي حدثنا معاذ بن محمد الأنصاري قال : سألت الزهري عن هلال شوال إذا رؤي باكرا قال سمعت سعيد بن المسيب يقول : إن رؤي هلال شوال بعد أن طلع الفجر إلى العصر او إلى أن تغرب الشمس فهو من الليلة التي تجيء قال أبو عبد الله : وهذا مجمع عليه
السابعة عشرة : روى الدار قطني عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
[ اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقد أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالله لأهلا الهلال أمس عشية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلاهم ] قال الدار قطني : هذا إسناد حسن ثابت قال أبو عمر : لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه لا تصلى العيد في غير يوم العيد ولا في يوم العيد بعد الزوال وحكي عن أبي حنيفة واختلف قول الشافعي في هذه المسألة فمرة قال بقول مالك واختاره المزني وقال : إذا لم يجز أن تصلى في يوم العيد بعد الزوال فاليوم الثاني أبعد من وقتها وأحرى ألا تصلى فيه وعن الشافعي رواية أخرى أنها تصلى في اليوم الثاني ضحى وقال البويطي : لا تصلى إلا أن يثبت في ذلك حديث قال أبو عمر : لو قضيت صلاة العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض وقد أجمعوا في سائر السنن أنها لا تقضى فهذه مثلها وقال الثوري و الأوزاعي و أحمد بن حنبل : يخرجون من الغد وقاله أبو يوسف في الإملاء وقال الحسن بن صالح بن حي : لا يخرجون في الفطر ويخرجون في الأضحى قال ابو يوسف : وأما في الأضحى فيصليها بهم في اليوم الثالث قال أبو عمر : لأن الأضحى أيام عيد وهي صلاة عيد وليس الفطر يوم عيد إلا يوم واحد فإذا لم تصل فيه لم تقض في غيره لأنها ليست بفريضة فتقضى وقال الليث بن سعد : يخرجون في الفطر والأضحى من الغد
قلت : والقول بالخروج إن شاء الله أصح للسنة الثابتة في ذلك ولا يمتنع أن يستثنى الشارع من السنن ما شاء فيأمر بقضائه بعد خروج وقته وقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس ] صحح أبو محمد قال الترمذي : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري و الشافعي و أحمد بن حنبل و إسحاق و ابن المبارك وروي عن عمر أنه فعله
قلت : وقد قال علماؤنا : من ضاق عليه الوقت وصلى الصبح وترك ركعتي الفجر فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء الله وقيل : لا يصليهما حينئذ ثم إذا قلنا : يصليهما فهل ما يفعله قضاء أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر قال الشيخ أبو بكر : وهذا الجاري على أصل المذهب وذكر القضاء تجوز
قلت : ولا يبعد أن يكون حكم صلاة الفطر في اليوم الثاني على هذا الأصل لا سيما مع كونها مرة واحدة في السنة مع ما ثبت من السنة روى النسائي قال : اخبرني عمرو بن علي قال حدثنا يحيى قال حدثنا شعبة قال حدثني أبو بشر عن ابي عمير بن أنس عن عمومة له :
أن قوما رأوا الهلال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفطروا بعدما ارتفع النهار وأن يخرجوا إلى العيد من الغد وفي رواية : ويخرجوا لمصلاهم من الغد
الثامنة عشرة : قرأ ابو بكر عن عاصم وأبو عمرو ـ في بعض ما روي عنه ـ و الحسن و قتادة و الأعرج { ولتكملوا العدة } بالتشديد والباقون بالتخفيف واختار الكسائي التخفيف كقوله عز وجل : { اليوم أكملت لكم دينكم } قال النحاس : وهما لغتان بمعنى واحد كما قال عز وجل : { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ولا يجوز ولتكملوا بإسكان اللام والفرق بين هذا وبين ما تقدم أن التقدير : ويريد لأن تكملوا ولا يجوز حذف أن والكسرة وهذا قول البصرين ونحوه قول كثير أبو صخر :
( اريد لأنسى ذكرها )
أي لأن أنسى وهذه اللام هي الداخلة على المفعول كالتي في قولك : ضربت لزيد المعنى ويريد إكمال العدة وقيل : هي متعلقة بفعل مضمر بعد تقديره : ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة وهذا قول الكوفيين وحكاه النحاس عن الفراء قال النحاس : وهذا قول حسن ومثله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك وقيل : الواو مقحمة وقيل : يحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري : هو محمول على المعنى والتقدير : فعل الله ذلك ليسهل عليكم ولتكملوا العدة قال : ومثله ما أنشده سيبويه :
( بادت وغير آيهن مع البلى ... إلا رواكد جمرهن هباء )
( ومشجج أما سواء قذاله ... فبدا وغيب ساره المعزاء )
شادة يشيده شيدا جصصه لأن معناه بادت إلارواكد بها رواكد فكأنه قال : وبها مشجج أو ثم مشجج
التاسعة عشرة : قوله تعالى : { ولتكبروا الله } عطف عليه ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل واختلف الناس في حده فقال الشافعي : روي عن سعيد بن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويحمدون قال : وتشبه ليلة النحر بها وقال ابن عباس : حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا وروي عنه : يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره وقال قوم : يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام للصلاة وقال سفيان : هو التكبير يوم الفطر زيد بن اسلم : يكبرون إذا خرجوا إلى المصلى فإذا انقضت الصلاة انقضى العبد وهذا مذهب مالك قال مالك : هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام وروى ابن القاسم وعلي بن زياد : أنه إن خرج قبل طلوع الشمس فلا يكبر في طريقه ولا جلوسه حتى تطلع الشمس وإن غدا بعد الطلوع فليكبر في طريقه إلى المصلى وإذا جلس حتى يخرج الإمام والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر والدليل عليه قوله تعالى : { ولتكبروا الله } ولأن هذا يوم عيد لا يتكرر في العام فسن التكبير في الخروج إليه كالأضحى وروى الدار قطني عن ابي عبد الرحمن السلمي قال كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى وروي عن ابن عمر :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى وروي عن ابن عمر : أنه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم فيما ذكر ابن المنذر قال : وحكى ذلك الأوزاعي عن إلياس وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال : احببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى وحين يخرج الإمام إلى الصلاة وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج وسيأتي حكم صلاة العيدين والتكبير فيهما في { سبح اسم ربك الأعلى } و الكوثر إن شاء الله تعالى
الموفية عشرين : ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا وروي عن جابر بن عبد الله ومن العلماء من يكبر ويهلل ويسبح أثناء التكبير ومنهم من يقول : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وكان ابن المبارك يقول إذا خرج من يوم الفطر : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا قال ابن المنذر : وكان مالك لا يحد فيه حدا وقال أحمد : هو واسع قال ابن العربي : واختار علماؤنا التكبير المطلق وهو ظاهر القرآن وإليه أميل
الحادية والعشرون : قوله تعالى : { على ما هداكم } قيل : لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم وقيل : بدلا عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب وتعديد المناقب وقيل : لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع فهو عام وتقدم معنى { ولعلكم تشكرون }

حسام الدين الكيلاني
07-10-05, 09:15 PM
جزاك الله خيراً ، لقد كفيت ووفيت .

الأحمدي
07-10-05, 11:10 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هذه أختي في الله
تفسير آيات الصيام من الجامع للقرطبي .

فلسطينية مسلمة
08-10-05, 04:03 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..... ومبارك عليكم الشهر الكريم
الحمد لله الذي يسركم لي ولكني والله اخاف ان اثقل عليكم بطلباتي المتكررة
لا استطيع ان اقدم لكم شيئا الا الدعاء
فجزاكم الله خيرا وفرج كروبكم ويسر اموركم
امين
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنس السلمي
19-07-11, 01:22 PM
وفقك الله