المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ترجمة العلامة/ عبد الله بن قعود رحمه الله


صُهيب
15-10-05, 12:48 PM
الشيخ عبد الله بن بن حسن بن محمد بن حسن بن عبد الله بن قعود رحمه الله، ولد ليلة 17 رمضان 1343هـ في بلدة الحريق جنوب الرياض في بيت محافظ ثري بين والديه .
أدخله والده الكتّاب فتعلم مبادئ وقراءة القرآن لدى الشيخ محمد بن سعد آل سليمان، وذلك في أواخر العقد الأول من عمره وأول الثاني . ثم حفظ القرآن وبعض مختصرات شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله على يد قاضي البلد آنذاك الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم آل عبد اللطيف (من أهالي شقراء) رحمه الله .

بعد أن شب تاقت نفسه لطلب العلم فذهب إلى (الدلم) قبلة العلم في تلك المنطقة حيث كان الشيخ العلامة الجليل عبد العزيز بن باز رحمه الله فلازمه أربع سنين من صفر 1367 هـ فحفظ عليه أمهات المتون كالواسطية والتوحيد وبلوغ المرام والآجرومية وكثيرا من ألفية ابن مالك ونخبة الفكر وغيرها .

لما افتتح المعهد العلمي عام 1371 هـ التحق به وتخرج من كلية الشريعة عام 1377 هـ، وكان من مشايخه في الدراسة النظامية الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي الذي توثقت صلته به بعد الدراسة فاستفاد من آراءه وزامله في اللجنة الدائمة للإفتاء وهيئة كبار العلماء . ومن مشايخه في هذه الفترة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ عبد الرحمن الإفريقي كلاهما من أساتذته في المعهد) وتتلمذ في التجويد على يد الشيخ سعد وقاص البخاري في مكة المكرمة بعد حج عام 1370 هـ رحمهم الله جميعا .

أعماله : - في 4/5/1375 هـ ين مدرسا بالمعاهد العلمية .

- 9/5/1379 هـ مفتشا في وزارة المعارف للمواد الشرعية في المرحة الثانوية .

- 8/11/1380 هـ انتقل إلى ديوان المظالم عضواَ قضائياَ شرعياَ .

- 1/4/1397 هـ الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء وعمل بها عضواَ في اللجنة الدائمة للإفتاء المنبثقة من هيئة كبار العلماء بجانب عضويته في الهيئة .

- 1/1/1406 هـ أحيل إلى التقاعد .

- كان للشيخ رحمه الله جهود مشكورة في مجال الدعوة إلى الله عبر إلقاء الخطب والمحاضرات، فقد عمل متعاونا مع جامعة الملك سعود في إلقاء المحاضرات لطلاب الدراسات العليا بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية .

- أما مجاله الخصب والمتميز في الخطابة فقد مكث فيه سنوات طويلة، حيث عين إماماَ وخطيباَ لمسجد الشقيق بالرياض في 20/8/1378 هـ .

- وفي مطلع عام 1391 هـ في الأول من محرم عين خطيباَ لجامع المربع وبقي فيه ثمانية وعشرين عاماً .إلى أواخر عام 1418 هـ حيث توقف مع بداية أعمال الترميم في الجامع، وقد كانت خطبه متميزة جداَ وكان يقصده الكثيرون من أطراف الرياض ويحرصون على حضور خطبه التي سجل منها الكثير .

- لقد جمع الشيخ رحمه الله من الخصال الحميدة ما لا يتوفر إلا للقلائل من أهل العلم، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداَ . فهو يتصف بأخلاق عالية وتواضع جم يصغي لمحدثه مهما كان، كريم، اجتماعي قريب من الشباب . من صفاته المعروفة صراحته وشجاعته وأخيراَ وليس آخراَ رقته وبكاؤه فقلما تمر خطبة دون بكاء وتأثر .

- كما أن للشيخ عناية بالأدب وتذوق الشعر .

- دروس الشيخ: تتلمذ على يديه كثير من شباب الصحوة الإسلامية، وكان له دروس علمية ثلاثة أيام أسبوعيا : السبت والاثنين بعد صلاة المغرب وبعد صلاة الجمعة في كثير من الكتب ومن أبرزها : تيسير العزيز الحميد، الدين الخالص، مختصر الصواعق المرسلة، بلوغ المرام وشرحه سبل السلام، صحيح مسلم، اقتضاء الصراط المستقيم … كما قريء عليه كثير من الكتب .

- أبرز تلاميذه المشايخ :

الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، د. حبيب زين العابدين وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان .

والمشايخ د. عبد الله بن عبد المحسن التويجري (كلية أصول الدين بجامعة الإمام)،

د. حمد بن عبد المحسن التويجري – أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية جامعة الإمام،

د. عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر،

الشيخ سلطان بن عبد المحسن الخميس،

د. بدر بن ناصر البدر،

الشيخ سعد بن محمد المهنا (قاضي)،

علي بن إبراهيم اليحيى (مشرف على مناهج المواد الشرعية بوزارة المعارف)،

عبد الله بن سليمان المهنا،

ناصر بن عبد المحسن العنيق،

ماجد بن محمد الحربي

وغيرهم كثير .

رسائل الشيخ وكتبه :

= أحاديث الجمعة، وهو مجلد يحوي طائفة من خطب الشيخ القديمة .

= رسالة أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة (رسالة صغيرة)

= وصايا للدعاة (رسالة صغيرة أصلها محاضرة)

= الوسط المطلوب

= إلى خطباء الجمعة

= رسالة في تحرير مسألة رفع الإزار إلى نصف الساق .

= رسالة في صفة قنوت النوازل

= رسالة إلى العلماء بعنوان : إلى الموقعين عن رب العالمين .

= الدعوات الإصلاحية وأثرها في المجتمع .

فضلا عن مشاركاته في مئات من فتاوى اللجنة الدائمة .

وأخيرا هناك كتاب لطيف بعنوان : = مجموع رسائل ومقالات الشيخ عبد الله بن قعود، جمعها ورتبها أحد تلاميذ الشيخ : عبد الله بن سليمان المهنا، جزاه الله خيرا .. وقد استفدت منه أكثر الترجمة بتصرف وبعض الإضافات، وهناك بعض الأمور الأخرى عن الشيخ .. ولكني أكتب الآن بصورة عجلى . وناشر الكتاب : دار المعراج بالرياض هاتف 4080804 فاكس 4080796 . بقي الشيخ رحمه الله مريضا منذ بضع سنوات نسأل الله تعالى له المغفرة والرحمة.

هذه الترجمة عن الشيخ كتبتها في بعض منتديات شبكة الإنترنت كموقع الفوائد، منذ أكثر من خمس سنوات عند مرض الشيخ رحمه الله تعالى ..

ولا تزال خطب الشيخ المؤثرة صداها في الأذن ويتذكرها محبوه رحمه الله .

أرجو ممن لديه المزيد عن ترجمة الشيخ أن يكتبها هنا، جزاكم الله خيراً .

-----------------------------------------------------------

اللهم ياحي يا قيوم، ياذا الجلال والإكرام، يامن بيده مقاليد السموات والأرض، يا من قلت وقولك الحق : أدعوني أستجب لكم، اللهم إنا نسألك في هذا الشهر العظيم بإسمك الأعظم الذي إذا دعيت به اجبته وإذا ُسئلت به أعطيت، يا ذا الجلال والإكرام .. اللهم إنا نسألك أن ترحم العلامة الشيخ عبدالله بن قعود وتغفر له وأن توسّع له في قبره وتجعله قبره روضة من رياض الجنة، وأن تكتبه عندك من أهل الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا ... اللهم اجزه عنا خير الجزاء . اللهم آمين .

منقول من الساحات

ابو سعد الحميّد
16-10-05, 06:15 AM
آمين ، جزاك الله خير على هذا النقل المفيد .

صُهيب
22-10-05, 12:46 PM
وإياك أخينا الفاضل

عبدالرحمن بن قعود
26-10-08, 01:11 PM
رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جناته وأحيلك أخي إلى سيرته والذي جمعتها في هذا الملتقى المبارك تحت اسم المسك والعود في سيرة ابن قعود رحمه الله

أبو مهند الشمري
09-11-08, 08:40 PM
- اللهم أغفر له و ارحمه و اعفو عنه و أكرمه
- اللهم وسع مدخله و ادخله الجنة و غسله بالثلج و الماء والبرد
- اللهم يمن كتابه و هون حسابه و لين ترابه و ثبت أقدامه و ألهمه حسن الجواب
- اللهم طيب ثراه و اكرم مثواه واجعل الجنة مستقره و مأواه
- اللهم نور مرقده و عطر مشهده و طيب مضجعه
- اللهم آنس وحشته و ارحم غربته و قه عذاب القبر و عذاب النار
- اللهم نقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس
- اللهم فسح له في قبره و اجعله روضة من رياض الجنة و لا تجعله حفرة من حفر النار
- اللهم انقله من ضيق اللحود و القبور إلى سعة الدور و القصور مع الذين أنعمت عليهم من الصديقين و الصالحين والشهداء
- اللهم اجعل له من فوقه و من تحته و من أمامه و من خلفه و عن يمينه و عن يساره نورا من نورك يا نور السماوات و الأرض
- اللهم أبدله دارا خيرا من داره و أهلا خيرا من أهله و أزواجا خيرا من أزواجه واسكنه فسيح جناتك في الدراجات العلي آمين
- اللهم إن كان قد أحسن فزد في إحسانه و إن كان قد أساء فتجاوز عن إساءته
- يا أكرم من سئل و يا أوسع من جاد بالعطايا … خفف أحماله و حط من أوزاره واجعله في مقام من قام لك بالقرآن أناء الليل و أطراف النهار
- اللهم كن له بعد الحبيب حبيبا و لدعاء من دعا له سامعا و مجيبا و اجعل له من فضلك و رحمتك و جنتك حظا و نصيبا
- اللهم من أحييته منا فأحييه على الإيمان و من توفيته منا فتوفه على الإسلام
- اللهم إنا نسألك توبة قبل الموت و راحة عند الموت و مغفرة بعد الموت
- اللهم اجعل لنا عملا يؤنسنا في قبرنا إذا أوحشنا المكان و لفظتنا الأوطان و فارقنا الأهل و الجيران
- اللهم هب لنا نفوسا مطمئنة تؤمن بلقائك و ترضى بقضائك تقنع بعطائك
- اللهم أغفر لحيينا و ميتنا و شاهدنا و غائبنا و صغيرينا و كبيرنا و جميع موتى المسلمين و المسلمات الذين شهدوا لك بالوحدانية و لنبيك بالرسالة و ماتوا على ذلك
- اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها و اجعل خير أيامنا يوم لقائك
- سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين
و صلي الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم" .

أبو طلحة العتيبي
16-11-08, 11:42 PM
رحم الله الشيخ العلامة الخطيب المفوه عبد الله بن قعود

وأظن أن من أبرز تلاميذه أو ممن درسوا عليه

1- الشيخ محمد حسين يعقوب

2- سعد بن مطر المرشدي العتيبي وله في الشيخ ترجمة جميلة جدا

العلامة ابن قعود : العالم الداعية المحتسب
الشيخ سعد بن مطر العتيبي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والاه .. أما بعد ..

فكم في حياة الكبار من خفيات مفيدة ، من حقنا أن نعرفها ، ومن الإحسان إلينا أن يدونوها هم لنا إن استطاعوا ، أو يحدثونا بها لندونها عنهم إن استطعنا ، فكتابة المذكرات من مثلهم أو ممن حولهم لهم ، تورِّث علماً وتجربة يُنيرها العلم الذي يحملون .. فهي ليست ( ماركة تجارية ) تظهر في تخبطات قومية ، أو تهورات ناصرية ، أو إيديلوجية حرباوية في قوالب انحنائية تتنازعها شيوعية بائدة ولبرالية خادعة ، ولا حتى في تعجلات شبابية ، أو تعالمات تكفيرية ، أو تلبيس شيطاني يتخذ من قَدْح أهل العلم قُربة ! ..

كلا إن حياة الكبار لها طعم آخر ، إنَّها لون أصيل ثابت ، وتلك ألوان صناعية باهتة متقلبة ..

إنَّها الدروس العملية النافعة .. فكم في سير أعلام النبلاء من حكاية واقعة عملت في قلوب القارئين ما لم تعمله أسفار العلم التي حوتها مكتباتهم ، ومرت عليها أعينهم .. وكم في المذكرات من تاريخ لم يؤرّخ في سواها ، كما في مذكرات العلّامة الأديب الأريب الشيخ / علي الطنطاوي رحمه الله تعالى .. فكم فيها من نزهة للقلوب وراحة للنفوس وعبرة للمتعظ ، مع ما حوته من الفوائد المشار إليها ..

نقول إنا لله وإنّا إليه راجعون ، رحم الله شيخنا العلامة الجليل / عبد الله بن حسن بن محمد بن حسن بن عبد الله بن قعود .. العالم الفقيه الداعية المحتسب ، هكذا نحسبه ولا نزكي على ربنا أحدا ..

وهنا أُبيِّن : لا أريد أن أتحدث عن حياتنا شيخنا العلمية والعملية العامرة ، كلا ، فذاك شيء يطول الحديث عنه ، فلا يناسب مثل هذا المقام [1] .. وإنَّما أريد أن أسجل شيئاً من وفاء تلميذٍ لشيخه ، بذكر بعض الدروس المستفادة من حياته – مما يخطر الآن على البال - على سبيل الإيجاز الشديد .. لعلّ درساً منها يعلق بنفس أبيّة طاهرة ، فترث عن الشيخ شيئاً من الإرث العملي المنحوت من منهاج النبوّة .. فهكذا ينبغي أن تكون مراثي العلماء ..

لعل بعض شبابنا لم يتيسر له الجلوس بين يدي هذا الشيخ الجليل ، ومهما قلت لأقرِّب لهم صورةً من حياته ومعنى للجلوس بين يديه ، فسيقصر الوصف عن حقيقة مذاق جلسة من تلك الجلسات التي كنّا نستكثر الزمن بينها وبين تاليتها - وإن لم يفصل سوى ساعات في بعض الأحايين - ونحن نُقَبِّل جبينه تقربا إلى الله عز وجل بتوقير ورثة الأنبياء - وهو يشيعنا عند باب داره ، وحتى يصل إلى باب سيارة أحدنا رغما عنّا ، أو وهو يتقهقر إلى مظلة باب الدار ويلوح لنا بيديه ، ووجه إلينا حتى ننصرف ! إذْ لم تُجْد محاولاتنا في إقناعه بالاكتفاء بالتوديع عند الباب حتى صرنا نقرِّب له حذاءه – دون علمه - لعلمنا بعزمه على السير معنا – ولو حافياً - حتى ننصرف !

كانت بداية صلتي بالشيخ رحمه الله في حضور خُطَبه وصلاة الجمعة خلفه في جامع الملك عبد العزيز رحمه الله الواقع بحي المربع من مدينة الرياض ، إذْ كنت أحضر في معية والدي – رحمه الله وجعل قبره روضة من رياض الجنة و أسكنه فسيح جنته - .. وكنا نخرج من خطبه بموعظة ممزوجة بالفقه والتأصيل والتربية مزجا عجيبا ترسِّخه نغمة الصوت الصادقة ، والعبرة الخاشعة ، والبكاء الذي لا تجدي محاولات الشيخ في كبته ! ومن يقرأ كتابه ( أحاديث الجمعة ) يجد فيها شيئا مما ذكرت ، ومن يستمع بعض تسجيلات خطبه يدرك كثيراً مما وصفت ، ومن حضر تلك الجُمع تذكّر أكثر مما أحاول استذكاره .. كان روّاد خُطبه نُخَبٌ مُتميِّزة من العلماء ، وأذكر منهم العلامة الجليل شيخ الحنابلة الشيخ / عبد الله بن عقيل ، والشيخ الجليل العلامة عبد الرحمن البراك حفظهما الله ، وأمَّا من يحضرها من طلبة العلم فقد لا أكون مبالغاً لو قلت : إنَّهم جلّ المصلين خلفه !

ثم شاء الله عز وجل أن نقترب من الشيخ أكثر ، إذ كنت أتصل به كثيراً لأعرض عليه بعض ما يشكل عليَّ من المسائل أثناء الدراسة ، ولا سيما فيما يتعلق بالتخصص ( السياسة الشرعية ) ، والشيخ على علم بهذا الفنّ ، بل قد مارس بعض مجالاته عملياً أثناء عمله في ديوان المظالم ، وكنت أجد أجوبة تدلّ على عمق علمي ، يستند فيها الشيخ إلى النصّ ويرعى فيها المقصد .. ولمّا رأيت من الشيخ انشراحاً ، عزمت وبعض زملائي على أنّ نتقدم إلى الشيخ بطلب دروس خاصّة في فنّ السياسة الشرعية ، فوجدنا منه ترحيباً عجيباً ، ولم نلبث أن حدّدنا الوقت والكتب ، وبدأنا القراءة على الشيخ .. فأنهينا عليه - بحمد الله – كتاب السياسة الشرعية ، للإمام أبي العبّاس ابن تيمية ، وكتاب : مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ، لأبي عبد الله البعلي ، والاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، لأبي الحسن البعلي ، وكتاب : الطرق الحكمية ، للعلامة ابن قيم الجوزية ، وكتباً أخرى موسمية ، وبعض البحوث العلمية ، إضافة إلى بعض الكتب التي بدأناها ولم ننهها ، بسبب اشتداد المرض عليه رحمه الله ، ورفع الله درجته وأجزل الله مثوبته ..

كان هذا الدرس خاصّاً ، فلم يكن يحضره سوى بعض الزملاء – ومنهم الآن القضاة والأساتذة الأكاديميون ، و والله لقد كنّا نجد الشيخ – أحياناً - واقفاً الباب ينتظرنا ! ويصرح لنا بمدى اهتمامه وحبه لهذا الدرس ! .. ومع ما يستفاد منه من التواضع والسمت الحسن ، كان مما يميز درس الشيخ – رحمه الله ورفع درجته وأجزل الله مثوبته – استحضاره السوابقَ القضائية والتاريخية ، مما له صلة بموضوع كثير من الدروس .. وهذا في حد ذاته ، مطلب أندر من الكبريت الأحمر كما يقال ..

وفي ظلال هذه الجلسات العلمية التي تعقد في مكتبة الشيخ المنزلية ، كان المجال خصباً للتعرّف على منهج الشيخ في البحث والترجيح ، والتطبيق الفقهي على الوقائع ..

فكان مما استفدناه منه في هذه الجلسات : أنَّ الشيخ - رحمه الله – لا يأبه بأي قول ليس له مستند من الكتاب والسنّة ، مهما كان قائله . وهذا من آثار تتلمذه على الشيخ ابن باز رحمه الله ! و كان يرى أنَّ ابن باز رحمه الله هو مجدِّد فقه الحديث في الجزيرة العربية ..

وحكى لنا – رحمه الله - بدايات اعتماده للأخذ بفقه أهل الحديث ، قائلاً : كنت أتردد على ورّاق بحي البطحاء بالرياض ، فوقع نظري ذات مرّة على كتاب : نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ، للعلامة الشوكاني ، فلمّا تصفحته ، أُعجبت به كثيراً ، فاشتريته واقتنيته ، ومن ثمّ تأثرت بمنهجه في الاستدلال . وكان رحمه الله يحتفظ بنسخة من ( بلوغ المرام ، للحافظ ابن حجر رحمه الله ) عليها تعليقات الشيخ ابن باز رحمه الله ، وتصحيحاته وتعقيباته ، وبعضها بخط الشيخ ابن باز رحمه الله ، وكان يخرجه لنا إذا ما عرض لنا حديث للشيخ ابن باز تعقيب عليه .. فقد كان يستذكر تلك الأحاديث من بين بقية الأحاديث ..

ومما استفدناه منه رحمه الله : أنَّ على طالب العلم أنّ لا يكون متذبذبا ، تتجاذبه الأقوال والآراء ، بل عليه أن لا يقبل قولاً إلا بحجة ، وإذا ثبت لديه القول بالحجة ، فلا ينتقل عنه إلا أن يتيقن حجة أقوى من حجته السابقة .. وكم في هذه الفائدة من فقه وعلم ..

ومما استفدناه من سيرته العطرة ، أنَّ على طالب العلم أن يلزم غرز العلماء الكبار ، ليعرف ما يأتي وما يذر ، فيحيى عن بيِّنة ، ولا يقع فريسة لكاتب هالك ، أو متعالم جاهل .. لقد كان الشيخ على صلة قوية بمشايخه ، وكان يلجأ بعد الله عز وجل إليهم .. ومنهم على سبيل المثال ، العلامة الجليل الفقيه الأصولي الكبير الشيخ : عبد الرزاق عفيفي رحمه الله .. فكان يشكو إليه بعض ما يعتب عليه أقرانه مما لم يدركوه من أمور الواقع ، فيجد من الشيخ عبد الرزاق رحمه الله عوناً له على الثبات وردّ الشبهات ..

ومما استفدناه منه رحمه الله : ما نصّه : " الأوامر التي تأتي على خلاف القاعدة ، لا تؤخذ على أنَّها قاعدة ، وإنَّما تؤخذ كما جاءت نادرة ، مثلاً : قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للطور والمرسلات والأعراف في المغرب ، التي الغالب فيها القراءة بقصار المفصّل ، فلا يؤخذ بالسنّة التي وردت على خلاف الغالب ، في الغالب ؛ أنّنا نكون عكسنا القاعدة " . قلت : كم أجرى بعض النّاس النادر مجرى الغالب ، فوجدنا من يقرأ الزلزلة في ركعتي الفجر في الأسبوع عدة مرات زاعماً اتَّباع السنّة ! ..

ومما يزيدك حباً للشيخ ، اهتمامه بالعلم الأصيل ، دون التعلق بالتوابع والاستكثار من الإجازات ، وما إليها ، وهي قاعدة قديمة عنده ، بل إنَّ من تطبيقاتها القديمة لديه – وقد ناقشته فيها لعدم تسليمي له بها - : أنَّه ختم القرآن على أحد القراء في المسجد النبوي ، فلما انتهى طلب منه المقريء أنّ يتبعه لداره ، ليكتب له الإجازة في قراءة حفص عن عاصم ، فأبى شيخنا ذلك ، وقد دُهش المقريء لمَّا قال له الشيخ : ما جئت للإجازة ، إنَّما جئتك لأضبط القراءة ! وإنَّما لم أسلِّم لشيخي بالامتناع عن الإجازة ، لأنَّ إجازات القرآن والقراءات ، لا زالت بعافية ولله الحمد ، فلا تُعطى إلا لمن يستحقها ، بخلاف غيرها ، وكتاب الله عز وجل ، لا يُتقنه من لم يأخذه من أفواه القراء المتقنين ..

قلت : وأمَّا ما وافقت شيخي فيه بهذا الشأن ، فهو مقت اللهث وراء الإجازات ، والانشغال بها عن العلم ، حتى رأيت من الطلبة من لا همّ له إلا هي ، يرحل ويضعن من أجلها ، ورأيت من يحضر بعض مجالس العرض في آخر جلسة ، ليسمع حديثاً واحداً أو لا يسمع شيئاً ، حتى يدوَّن اسمه فيمن حضر ! والله المستعان !

وأمَّا سعة أفق الشيخ وعنايته بشؤون الأمّة ، وحبِّه لجمع الشمل ، وتوحيد الكلمة ، وقدراته الدبلوماسية في هذا الشأن ، فشيء قد لا يخطر على البال ! ولو تركت لقلمي المجال ، لربما طال المقام وفاتت المناسبة دون أقدم لمحبيه عنه شيئاً ..

ولكن أكتفي بذكر طرفٍ - حرّج علينا الشيخ نشره في حياته – ليكشف لنا شيئاً من جهوده العملية في متابعة شؤون الأمّة التي لا تحدّها الأقاليم ..

مرّة كان الحديث في الدرس عن الشفاعة - فيما أظن – وأثناء القراءة ، ضحك الشيخ فلفت انتباهنا ، ثم سكت مبتسماً برهة ، ونحن نبادله الابتسامة نتحيّن ما بعدها ، وحينها أدرك الشيخ مبتغانا ، وكاد يعود بنا حيث وقفنا ، ولكن النّفوس قد تهيئت لأمر تردّد فيه الشيخ ، فلم ندعه حتى نطق ، فقصَّ علينا القصّة التالية ( أسوقها كما أتذكرها قدر المستطاع ) قال :

ذات مرّة اتصل بي الشيخ عبد العزيز ( يعني ابن باز - رحمه الله – وكان ابن باز حياً حين إخبارنا بالقصة ) بعد صلاة العصر ، وقال : يا شيخ عبد الله ! أريد أن تأتيني الآن ! فاتجهت إليه وأنا أُفكِّر : ماذا يريد الشيخ في هذا الوقت الذي هو وقت راحته في العادة .. ولما وصلت داره ، وجدته في انتظاري ، يترقب مجيئي إليه وبيده ظرف مغلق .. فرحب بي ثم سارَّني قائلاً : يا شيخ عبد الله ، تذْكِرتُك إلى باكستان جاهزة ، وأريد أن تسلِّم هذا الخطاب لأخينا ضياء الحق بنفسك ! .. وحكى لي قصة الظرف باختصار .. فحاولت أن أعتذر لبعض الأشغال الخاصة ، فلم يترك لي الشيخ مجالا ، وقال : استعن بالله ، وستجد الإخوة في انتظارك هناك ! .. قال : فجهزت نفسي وسافرت إلى هناك ، ولما وصلت مطار إسلام آباد ، وجدت جمعاً من الإخوة في استقبالي ، وسرنا إلى حيث كان الرئيس ضياء الحق رحمه الله ، ووجدنا ضياء الحق عند مدخل المبنى ، فاستقبلنا ورحب بنا ترحيبا قوياً ، ثم جلسنا وسلمته الخطاب ، فنظر فيه ، ثم قال : إن شاء الله .. إن شاء الله .. ولمَّا هممنا بالانصراف ، قال : بلّغ سلامنا للشيخ ابن باز .. وإن شاء الله يسمع ما يسره ( أو كلاماً نحو هذا ) . قال : وكان الشيخ قد قال لي : هذا الخطاب فيه شفاعة خاصّة في أخينا نجم الدين أربكان ، لعلّ الله ييسر له الخروج من السجن .. وكان نجم الدين أربكان – وفقه الله - قد سُجن حينها بأمر من الرئيس التركي الجنرال الهالك كنعان إيفرين - عليه من الله ما يستحق ..

قلنا : يا شيخ عبد الله ! وما علاقة ضياء الحق بالموضوع ؟ لماذا اختاره الشيخ ووجه له الرسالة ؟! قال : سألت الشيخ – يعني ابن باز - فقال : له به علاقة صداقة قديمة ! لعلّ الله ينفع به .. لعلّ الله ينفع به ..

ثم سألنا الشيخ جميعاً بصوت متقارب : هل كان لهذه الشفاعة أثر ؟ قال الشيخ : نعم لم نلبث حتى سمعنا خبر إطلاق سراح نجم الدين أربكان ، وما إن خرج حتى بدأ في تأسيس حزبه الإسلامي باسم جديد .

قلت : وأمَّا ما لم يذكره شيخنا عبد الله ابن قعود - رحمه الله - لنا أثناء سرده لهذه القصّة ، فهو : لماذا اختار شيخنا ابن باز شيخَنا ابن قعود لهذه المهمّة ؟ بل لماذا كان يختاره ممثلاً عنه في عدد من المهام الدقيقة ، والاستجابة للدعوات الخارجية الموجهة إليه من عدد من المؤتمرات الإسلامية ! بل لماذا أرسله لمناقشة مدعي النبوة في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهي قصة أخرى عجيبة !

ولعلَّ مما يمكن اندراجه في الجواب : أنَّ شيخنا ابن قعود – رحمه الله ورفع درجته وأجزل الله مثوبته – سلفي حقيقة ، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، علم ، وفهم ، ومرونة شرعية على نهج المرسلين ، ذلَّة على المؤمنين وعزّة على الكافرين ..

لقد كان له عناية بالحركة الإسلامية في تركيا ، ذكر بعضها في محاضرة ألقاها في جامعة الملك سعود في حشد كبير من الأساتذة والطلاب والمهتمين تحت عنوان : ( الدعوات الإصلاحية وأثرها في المجتمع ) ، وله رحلات أجنبية عديدة حضر خلالها مؤتمرات دولية ولقاءات عامّة ، ووقف فيها على كثير من المواقف التي تتطلب مرونة شرعية يتقنها أيَّما إتقان ، مع ما وهبه الله عز وجل من خلق و معرفة بذوقيات التعامل الخارجي ورسمياته . حتى في طريقة أداء العبادة في بعض الأحوال : ومن ذلك أنَّه كان بصحبة أحد المبتعثين في الولايات المتحدة الأمريكية ، فحان وقت صلاة العصر ، وكانوا في أحد المطارات الأمريكية الدولية ، فسارّه الطالب المبتعث : يا شيخ حان وقت الصلاة ، وأريد أن أرفع صوتي بالأذان ؟ فردًَّ الشيخ : لا .. ثم بدأ الشيخ مباشرة يؤذن بصوت عادي - كأنما يحدثني - ونحن نسير ، نحو الصالة الأخرى لنطير منها إلى المطار المحلي ، ثم قال لي : لا ضرورة لرفع الصوت .. الحمد لله الدين يسر .. هذا قد يضرّ ، ونحن اثنان .. أو كلاماً نحو هذا ..

أتذكر هذه القصّة ، ونحوها من قصص علمائنا الذين نشأوا في طاعة الله بالعبادة وطلب العلم ، و ابيضّت لحاهم في ذلك غير محرِّفين ولا منْحرفين ولا مغَيِّرين .. وأتذاكرها أحياناً مع الزملاء الذين أشرت إليهم ، فلا ينتهي عجبُنا من الشيخ ، ومعرفته بدقائق من الواقع العالمي ، لا يعرفها كثيرون من أصحاب الشأن ، وقد سألت عددا من الأكاديميين العسكريين عن علاقة ضياء الحق بكنعان إيفرين من الناحية التاريخية ، فقال لي بعضهم : كان الضبّاط الباكستانيون يَتَخَرَّجون في الكليات العسكرية التركية ! .. وهل في هذا جواب يُفسِّر الواقعة ، أو أنَّ جوابها في غيره ؟! الله أعلم ..

كما لا ينتهي عجبُنا من نابتة لا تعرف قدر علمائنا الكبار ، وتظنّ أنَّهم لا يدركون من أمر الواقع إلا دون ما هم يدركون ..

ولا ينتهي عجبنا كذلك من فئة تظنّ أنَّ علماء الأمة لا حقَّ لهم في الاهتمام بأمر المسلمين ، فما شأن أهل الآخرة بأهل الدنيا ، وكأنَّ علماءنا لم يبطلوا العلمانية من جذورها ، ويُفنَّدوا مقالات دعاتها من أساسها ..

ثم عجبنا ممن يزعمون الثقافة ويتزعمونها – رغماً عنها – ثم هم يحاولون التنقّص من كبار العلماء مباشرة أو من خلال النيل من المؤسسات الشرعية التي ولَّاهم عليها ولاة أمرنا - وفقهم الله لما يرضيه – وكأنَّهم أوصياء حتى على الشريعة التي لم يتخصصوا فيها ! فتجدهم ينقدون الفتاوى ، ويسيؤون فهم النصوص ، بل إنَّهم لا يحسنون قراءة بيانات أهل العلم في الأمور العامة التي يرون وجوب بيانها للنّاس ، نصحاً للأمَّة ، وحذراً من كتم العلم ، ودرءاً لما يُتَوَقَّع من الفتن .

وترد على خاطري خواطر من المشهد الإعلامي - الذي يفتقد الشرعية النظامية بمخالفة كثير من مواد السياسة الإعلامية - حول هذا المعنى ، منها :

هل هذا التحصيل العلمي ، والفقه الشرعي ، والوعي الدعوي ، ووقار المشيخة ، وتجربة السنين ، هل هذا كلّه هو الألم الذي يستنطق الأعداء بالخوف والتخوف والتنادي لحصار الخير الذي بلغ الآفاق ؟ وهل جيل الصحوة الذي ينقاد للعلماء - امتثالاً لأمر الله عز وجل - أشدّ رهبة في صدورهم من الله ؟ وهل هؤلاء قوم يفقهون ! لنجد أي سندٍ لما يتقوّلون ؟ .. وأنا في خضم هذه الأفكار .. أتذكر بعض آي الكتاب ، فأجدني أردَّد قول الله عز وجل : {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ }الحشر13 .

كتبه تلميذه / سعد بن مطر العتيبي
8/9/1426
الرياض

إسماعيل أبوحليقه العشيبى
06-02-16, 03:12 AM
رحمه الله رحمة واسعة .