المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث في حجية قول الصحابي


أشرف
20-03-02, 11:06 PM
حجية قول الصحابي عند السلف




د. ترحيب بن ربيعان بن هادي الدوسري
أستاذ مساعد في قسم أصول الفقه كلية الشريعة
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة


ملخص البحث
فكرة البحث ونتائجه :

ذكرت فيه : أن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن جليل القدر كبير الفائدة فهو علم يجمع في أدلته بين صحيح المنقول وصريح المعقول .

عرفت الصحابي لغة واصطلاحاً ، وذكرت بعضاً من فضائل الصحابة من الكتاب والسنة .

بينت أن قول الصحابي حجة عند السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سار على طريقتهم ، وقد حكى بعض العلماء الإجماع في ذلك .

وإنما نشأ الخلاف في الاحتجاج بقول الصحابي فيما بعد ، كالخلاف الذي حصل في الاحتجاج بالقياس بعد أن لم يكن فيه خلاف بين أهل العلم من الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة الأربعة حتى تبنى ذلك الظاهرية ومن سلك سبيلهم .

وقد توصلت إلى نتائج هامة جداً أهمها :

1-أن الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة كانوا يرون حجية قول الصحابي ، حتى أن بعض أهل العلم حينما رأى كثرة ما نقل عنهم في ذلك حكى الإجماع فيها .

2-أن من نسب إلى الأئمة الأربعة أو أحدهم عدم القول بحجية قول الصحابي لم يحرر أقوالهم تحريراً صحيحاً .

3-أن الصحابي إذا قال قولاً ولم يعلم له مخالف فإن ذلك القول هو فهم الصحابة . وأنه الحق .

4-أكمل البحوث فيها بحث الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم إعلام الموقعين (4/118-153) ، و العلائي الشافعي في كتابه إجمال الإصابة في أقوال الصحابة ، إلا أن بحث ابن القيم أشمل منه وأكمل.



المقدمة :
أهمية الموضوع :-
الحمد لله ، خلق الإنسان ، علمه البيان ، والصلاة والسلام على النبي المختار محمد بن عبدالله ، وعلى آله الطيبين الأطهار ، وصحابته المصطفين الأخيار ، وبعد :-

فإن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن خطيره ، وعظمته تكمن في أنه القواعد الكلية التي يتوصل بها المجتهد إلى ضبط فقهه الشرعي .

وأما خطورته فتكمن فيما أُدخل فيه من المباحث الكلامية العقائدية المنحرفة ، والفلسفية السفسطية التي حرفته عن طريق من سلف من أئمة الهدى والحق.

وقد جمع فضيلة الدكتور محمد العروسي عبدالقادر –حفظه الله ووفقه –في كتابه النافع الماتع الفريد في بابه والذي عنونه بـ(المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين)([1]) كثيراً مما أُدخل في علم الأصول وليس منه ، فقال :-
( والمقصود من هذا الكتاب ليس تجريد المسائل التي ليست من أصول الفقه فحسب بل وأيضاً لأزيل الغطاء – إن شاء الله – عن أقوال ومفاهيم قررها المتكلمون والمصنفون في مسائل هذا العلم –أصول الفقه - ، أو ذكروها عرضاً ضمن تلك المسائل ، وهي أقوال مخالفة لما استقر عليه الأمر الأول ويحسبها قراء هذا العلم أنها من الحقائق المسلمة المفروغ منها ، وكثير من المسائل الكلامية التي ذكرت في أصول الفقه لم تقرر على وجهها الصحيح ، أو ذكرت على الوجه الصحيح لكنها بنيت على أصل مخالف للأصل الذي دل عليه القرآن والذي مضى عليه الصحابة وأئمة السلف ....

ومن أمثلة هذه الاستدلالات والتقريرات المحيرة في كتب الأصول ، الاستدلال على أن العبد مجبور على فعله بوقوع التكليف بما لا يطاق ، واستدلوا بتكليف أبي لهب وغيره بالإيمان مع أن القرآن أخبر أنه لا يؤمن ، فكان من ذلك أن بعض المصنفات في الأصول انتحلت مذهب نفي الأفعال الاختيارية للإنسان ، وخلطوا ببعض أقوال المرجئة كالوقف في ألفاظ العموم في آيات الوعيد والتوقف في دلالات الأمر التي فيها دخول النار للعصاة كما يقرر الباقلاني وغيره .

وسبقهم في ذلك الوعيدية من المعتزلة فأدخلوا في الأصول تأثيم المجتهد المخطئ وضموا إلى ذلك اعتقاداً محرماً من تكفير وتفسيق وتخليد في النار .

وهذه المسائل الكلامية الواردة في كتب أصول الفقه لا يدرك ما تؤدي إليه من التزامات باطلة إلا قليل من طلبة العلم …) انتهى كلامه باختصار .

طرق التأليف في علم أصول الفقه :-

لقد ظهرت ثلاث مدارس أصولية وطرائق للتأليف في علم أصول الفقه ، هي :-

أولاً :- طريقة الشافعية أو المتكلمين([2]) :- وهذه الطريقة اعتنت بتحرير القواعد والمسائل الأصولية وتحقيقها تحقيقاً منطقياً نظرياً دون تعصب لمذهب بعينه . وهي تميل ميلاً شديداً إلى الاستدلال العقلي والجدلي ؛ فيثبت أصحابها ما أثبته الدليل – في نظرهم - وينفون ما نفاه بغية الوصول إلى أقوى القواعد وأضبطها .

وهذه الطريقة لم تقصر بحثها على ما سبق بل أدخلت فيه كثيراً من المسائل الكلامية العقائدية المنحرفة والمباحث المنطقية والفلسفية ؛ذلكم أن جلّ من كتب في هذه الطريقة هم من علماء الكلام من أشاعرة ومعتزلة ، وهؤلاء لهم مؤلفات كثيرة في العقائد ، فقاموا بنقل تلك المباحث العقدية إلى المسائل الأصولية ؛ لأن أغلى ما يملكه الشخص عقيدته ، كما أن جزءاً من علم أصول الفقه إنما هو مستمد من العقيدة كما هو مقرر في كتب أصول الفقه .

وممن كتب على هذه الطريقة في أصول الفقه وله مؤلفات عقدية ما يأتي :-

1-عبدالجبار بن أحمد الهمذاني المعتزلي ( ت415هـ) ألف في الأصول كتابه العمد ، وفي العقيدة المغني في أبواب التوحيد والعدل ([3]) .

2-محمدبن الطيب بن محمد بن جعفر المعروف بالباقلاني الأشعري المالكي (ت403هـ) ألف في أصول الفقه التمهيد وفي العقيدة المقدمات في أصول الديانات وحقائق الكلام([4]) .

3-محمد بن علي الطيب أبو الحسين المعتزلي الشافعي (ت 436هـ) ألف في الأصول كتابه المعتمد وألف في العقيدة كتابه شرح الأصول الخمسة([5]) .

4-عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني الأشعري الشافعي (ت478هـ) ألف في أصول الفقه كتابه البرهان وألف في العقيدة كتباً منها الإرشاد في أصول الدين ، والشامل ، والرسالة النظامية([6]) .

5-محمد بن محمد بن محمد الغزالي الأشعري الشافعي (ت505هـ)ألف في أصول الفقه المستصفى وفي العقيدة كتباً منها الاقتصاد في الاعتقاد ، وإحياء علوم الدين ، والأربعين في أصول الدين([7]) .

6-محمد بن عمر بن الحسين الرازي الأشعري الشافعي (ت606) ألف في أصول الفقه كتابه المحصول وفي العقيدة أساس التقديس واللوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات وكتاب التوحيد([8]) .

7-علي بن أبي على سيف الدين الآمدي الأشعري الشافعي (ت631) ألف في أصول الفقه الإحكام وفي العقيدة كتابه أبكار الأفكار([9]) .

8-أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن الصنهاجي القرافي المالكي الأشعري ( ت684) ألف في أصول الفقه التنقيح ، وفي العقيدة شرح الأربعين للرازي في أصول الدين ، وكتاب الانتقاد في الاعتقاد([10]) .

9-عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي الأشعري الشافعي (ت685) ألف في أصول الفقه منهاج الوصول إلى علم الأصول وفي العقيدة طوالع الأنوار،والإيضاح في أصول الدين([11]) .

10-محمد بن عبدالرحيم بن محمد صفي الدين الهندي الأشعري الشافعي ( ت715) ألف في أصول الفقه كتابه نهاية الوصول إلى علم الأصول وفي العقيدة الفائق في التوحيد([12]) .

ثانياً :- طريقة الفقهاء أو الحنفية([13]) :- وهذه الطريقة تولى تأسيسها علماء الحنفية حيث وجهوا عنايتهم إلى تقرير القواعد الأصولية وتحقيقها على ضوء ما ورثوه عن أئمتهم من مسائل فقهية حيث قاموا باستخلاص قواعدهم الأصولية منها ؛ فقواعدهم الأصولية تبع لمسائلهم الفقهية وهي تتطور وتتحور تبعاً لها .

وقد نشأ عن ذلكم التأصيل اصطدام في كثير من الأحيان بين ما قعدوه وبين ما نقل من الأحاديث النبوية مما جعلهم يختلفون في طريقة تخريجها على تلك القواعد الأصولية .

وقد مثَّل ابن القيم -رحمه الله – لمخالفتهم للسنة النبوية بسبب قاعدتهم الأصولية التي تقول : (الزيادة على النص نسخ ) فقال([14]) :- ( ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخاً له لبطلت أكثر سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودفع في صدورها وأعجازها ، وقال القائل : هذه زيادة على ما في كتاب الله فلا تقبل ولا يُعمل بها....

ولا يمكن أحد طرد ذلك ولا الذين أصلوا هذا الأصل بل قد نقضوه في أكثر من ثلاثمائة موضع ، منها ما هو مجمع عليه ،ومنها ما هو مختلف فيه ) انتهى باختصار .

وقد ناقش ابن القيم – في كتابه آنف الذكر- هذه القاعدة وغيرها من القواعد الموهومة مناقشة علمية لا مثيل لها ، فمن أراد الدر المكنون فليرجع إليه .

أقول : إن جلَّ المنتسبين إلى هذه الطريقة هم - أيضاً – ماتريدية أو أشاعرة أو معتزلة ، وقد جمعوا في التأليف بين التأليف في علم أصول الفقه وعلم الكلام ( العقيدة ) فكانت النتيجة كالنتيجة التي حصلت في المدرسة الأولى .

وممن جمع من علماء هذه الطريقة بين الكتابة في العلمين ما يأتي :-

1-محمد بن محمد بن محمود أبومنصور الماتريدي الحنفي ( ت 333هـ) ألف في الأصول كتابه مآخذ الشريعة وكتاب الجدل ، وفي العقيدة كتاب التوحيد([15]) .

2-عبدالله بن عمر بن عيسى أبو زيد الدبوسي الماتريدي الحنفي (ت430هـ) ألف في أصول الفقه كتابه تقويم الأدلة وفي العقيدة الأمد الأقصى([16]) .

3-عبدالله بن أحمد بن محمود النسفي الماتريدي الحنفي (ت710هـ) ألف في أصول الفقه منار الأنوار وشرحه كشف الأسرار وفي العقيدة ألف كتابه عمدة عقيدة أهل السنة والجماعة ، وشرح العقائد النسفية([17]) .

4-عمر بن اسحاق الغزنوي سراج الدين أبوحفص الماتريدي الحنفي (ت773هـ) ألف في الأصول شرح البديع وشرح المغني للخبازي وفي العقيدة شرح تائية ابن الفارض([18]) .

5-محمد بن محمد بن محمود البابرتي الماتريدي الحنفي ( ت786هـ) ألف في أصول الفقه شرح أصول البزدوي وفي العقيدة كتابه المسمى بـ ( العقيدة في التوحيد ) وشرح تجريد النصير الطوسي ([19]) .

ثالثاً :- طريقة المتأخرين([20]) :- وهذه الطريقة جمعت بين الطريقتين السابقتين ، فاهتمت بتنقيح القواعد الأصولية وتحقيقها وإقامة البراهين على صحتها ، كما أنها اهتمت بتطبيق هذه القواعد على المسائل الفقهية وربطها بها .

والذين كتبوا في هذه الطريقة هم –أيضاً-مزيج من العلماء السابقين وغيرهم.

وممن كتب فيها جامعاً معها الكتابة في العقائد –أيضاً - ما يأتي :-

1-محمد بن عبدالواحد المشهور بابن الهمام الماتريدي الحنفي ( ت861هـ)ألف في أصول الفقه التحرير وفي العقيدة كتابه المسايرة([21]) .

2-محمد أمين بن محمود البخاري المعروف بأمير باد شاه الماتريدي الحنفي ( ت987هـ ) ألف في أصول الفقه كتابه تيسير التحرير وفي العقيدة شرح تائية ابن الفارض([22]) .

3-محب الله بن عبدالشكور الماتريدي الحنفي (ت1119هـ) ألف في الأصول كتابه مسلم الثبوت .

وما ذكرته من مؤلفين ومؤلفات في إحدى طرق التأليف السابقة إنما هو على سبيل المثال لا الحصر .
أول من صنف في علم أصول الفقه([23]) :-
إن أول من صنف في علم أصول الفقه الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت204هـ) – عليه رحمة الله – حيث ألف رسالتين ؛ الأولى في بغداد تلبية لطلب إمام الحديث فيها في وقته عبدالرحمن بن مهدي – رحمه الله - ، والثانية بعد استقراره في مصر .

والتي تناقلها العلماء جيلاً بعد جيلٍ حتى وصلت إلينا هي الرسالة الأخيرة والتي اشتهرت باسم ( الرسالة ) ، وهي رسالة أصولية سنية سلفية جديرة بالاهتمام والعناية قراءة وتدريساً وشرحاً يُبَيِّنٌ غامضها .

و لم يقتصر الشافعي – رحمه الله – على الرسالة بل ألف كتباً أخرى في مسائل من أصول الفقه منها :-

أ-كتاب جماع العلم .

ب-اختلاف الحديث .

ج-صفة نهي النبي صلى الله عليه وسلم .

د-إبطال الاستحسان .

فجعل من نفسه –رحمه الله- قدوةً حسنةً لمن جاء من بعده من أئمة السلف لا سيما ممن كتب منهم في علم أصول الفقه . فساروا سيرته وسلكوا طريقته ، فكتب بعضهم كتباً مفردة في أصول الفقه شملت كل مسائل العلم أو جلها ،
و البعض الآخر كتب في بعضها سواء أفردها بمؤلف أو ضمنها بعض مؤلفاته الأخرى . فكانوا بمجموعهم يمثلون طريقة أو مدرسة الشافعي بحق.

وممن كتب من العلماء الأعلام على هذه السيرة وهذه الطريقة ، أعني الطريقة الشافعية السنية السلفية كل من :-


تابع==

أشرف
20-03-02, 11:09 PM
تابع ==
1-إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ) – رحمه الله – كتب كتاباً في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وآخر في أخبار الآحاد .

2-أمير المؤمنين في الحديث الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) –رحمه الله – ضمن كتابه الصحيح مباحث في أخبار الآحاد ، والاعتصام بالكتاب والسنة .

3-خطيب أهل السنة الإمام عبدالله بن مسلم بن قتيبة ( ت276هـ)– رحمه الله – ألف كتابه تأويل مشكل القرآن ، وكتابه تأويل مختلف الحديث.

4-إمام أهل السنة في المشرق وحافظها الإمام أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب (ت463هـ) – رحمه الله – ألف كتابه الفقيه والمتفقه حيث ضمنه كثيراً من المباحث الأصولية .

5-حافظ أهل السنة في المغرب الإمام يوسف بن عبدالبر النمري القرطبي( ت463هـ) –رحمه الله – صنف كتابه جامع بيان العلم وفضله وضمنه – أيضاً – كثيراً من المباحث الأصولية الهامة لاسيما الجزء الثاني منه .

6-الإمام الأصولي الفقيه منصور بن محمد بن عبدالجبار أبو المظفر السمعاني ( ت489هـ) – رحمه الله - حيث ألف كتابه قواطع الأدلة للرد على أبي زيد الدبوسي الحنفي في كتابه تقويم الأدلة .

7-الإمام موفق الدين عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي ( ت620هـ) – رحمه الله - حيث ألف كتاباً في أصول الفقه سماه : ( روضة الناظر وجنة المناظر ) .

8-الإمام المجاهد شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحراني تقي الدين أبو العباس ابن تيمية (ت728هـ) – رحمه الله – حيث تطرق في كثير مما كتبه – في رسائله التي كان يبعث بها إلى من سأله أو استفتاه - لمسائل كثيرة ومختلفة من أصول الفقه فحررها أحسن تحرير وأدقه . ومن نظر في مجموع الفتاوى له علم ذلك علم اليقين .

9-الإمام المجاهد العابد محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي شمس الدين أبو عبدالله ابن قيم الجوزية (ت751هـ) –رحمه الله – حيث ألف في أصول الفقه كتابه الفذ أعلام الموقعين ، كما ضمن بعض كتبه بعض المسائل الأصولية والتي بحثها من جميع جوانبها كما في كتابه الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة .

10-الإمام القـدوة مفتي الأمة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله آل سعدي التميمي (ت1376هـ) – رحمـه الله – حيث ألف رسالة في أصول الفقه طبعت ضمن مجموعة من كتبه .

11-الإمام الحافظ اللغوي الفقيه المفسر الأصولي الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ( ت1393هـ) - رحمه الله – حيث أملى شرحاً على روضة الناظر لابن قدامة أصبح فيما بعد يعرف بـ( مذكرة أصول الفقه ) ونثر علماً جماً من علم أصول الفقه في كتابة أضواء البيان .

والناظر في تلك المؤلفات يجدها قد قامت ببيان الأصول الفقهية السنية ونصرتها ، وزيفت في الوقت نفسه الأصول الفاسدة الكاسدة ، وناقشتها مناقشة إنصاف وعدل فبان عَوَرُ تلك الأصول وزيفها لكل ذي نظر .



سبب اختيار الموضوع :-

لقد رأيت من المناسب – لا سيما في هذا الوقت – أن أتناول مسألةً مهمةً من المسائل الأصولية بالكتابة فيها لكونها مَعْلَمَاً كبيراً من معالم أصول فقه السلف كاد أن يندرس وسط كثرة الكتابات مختلفة المشارب والمناهل .

وهذه المسألة هي : حجية قول الصحابي .

والبحث فيها من حيث هي أي من غير بحث في علاقتها بالأدلة الشرعية الأخرى كتخصيص العام أو تقييد المطلق أو تبيين المجمل ونحوها .

وقد حدا بي للكتابة فيها – غير ما سبق – أمور منها :-

1-إبراز مكانة الصحابة في فهم مراد الله وفهم مراد رسوله وبيان أنهم أعلم الناس بذلك وبالقواعد الأصولية بلا منازع .فهم المصطفون الأخيار والقدوة الحسنة والأنموذج الفذ في امتثال الشرع قولاً وعملاً ظاهراً وباطناً سراً وعلانية في المنشط والمكره وفي اليسر والعسر وفي جميع الأحوال.

2-بيان أن السلف الصالح ومن تبعهم من الأئمة الأربعة كانوا يحتجون بقول الصحابي مطلقاً وهو أصل من أصولهم الفقهية خلافاً لمن انتسب إليهم وخالفهم فيه ، بل ونسب إليهم مذهبه هذا .

3-بعض من كتب في علم أصول الفقه حين تطرق للمسائل الأصولية – ومنها ما نحن بصدد بيانه - تطرق إليها وهو غافل عن منزلة الصحابة في سائر فنون العلم ، كاللغة والفصاحة والبيان والنثر والشعر…الخ حيث كان علمهم في ذلك كله سليقة، وفطرة ، أما علم هؤلاء فمكتسب.

كما أن من خاض فيها خاض بما يحمله من علم كلام وفلسفة ومنطق مع فرضه للمسائل والأغلوطات فيها.

كما جَهِل - أيضاً – عدم حاجة الصحابة – رضي الله عنهم - إلى معرفة رجال الإسناد والبحث في السند وما يتعلق به كما هو مقرر في علم المصطلح ؛ لأنهم عدول بتعديل الله ورسوله ، كما لا يحتاجون –أيضاً – إلى ما احتاجه غيرهم من علوم الآلة كما يقال .

لذا فإن من توفيق المرء وحسن علمه و عمله أنه إذا تطرق لأقوال الصحابة رضي الله عنهم أو بحث فيما يتعلق بهم استحضر في ذهنه أنهم صفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين ، وأن الله قد اصطفاهم لحمل رسالته ، وأنهم تلقوا العلم من فيّ رسول صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره ومشاهدة جميع أحواله ؛ ففهموا –حق الفهم – مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعملوا بما علموا .

وليستحضر أن الطعن فيهم -ولو بالإشارة - طعن في الدين .

قال أبو زرعة([24]) – رحمه الله -:- ( إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم فأعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلـوا الكتاب والسنة ، والجـرح بهــم أولى ، وهم زنادقة ) .

وقال الإمام البربهاري([25]) –رحمه الله - :- ( واعلم أن من تناول أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلم أنه إنما أراد محمداً وقد آذاه في قبره ) .

4-إن من أراد الحق والعمل به فلن يجد طريقاً يوصله إلى ذلك إلا عن طريق الصحابة – رضي الله عنهم – لقوله عليه الصلاة والسلام حينما سئل عن الفرقة الناجية – بعد ذكره للفرق الهالكة – من هي يا رسول الله قال : ( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) ([26]) لذا فإن ضلال الناس –قديماً وحديثاً – عن الصراط المستقيم سببه الأعظم ترك ما كان عليه الصحابة –رضي الله عنهم – وعدم الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم .

و إن انحراف كثير من دعاة الصحوة الإسلامية – كما يقولون – في هذا العصر إنما سببه عدم العودة بالمدعوين إلى الحق المبين المقطوع به بيقين ، و عدم تعليقهم بالناجين المقطوع بنجاتهم في سيرهم ، وأقوالهم ، وأعمالهم ، وجميع ما أثر عنهم .

فإن الحق هو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وهم الناجون بيقين ، فقد بُشر بعضهم بالجنة وهم يمشون على الأرض ، ورضي الله عن الجميع بقوله جل وعلا :- { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم } [ التوبة 100] فبدلاً من توجيه الدعاة المدعوين إلى الاقتداء بأولئك الكرام المشهود لهم بالخيرية في الدنيا والآخرة واتباعهم ، قاموا بتوجيههم إلى الاقتداء واتباع أناس لم تكن لهم هذه الميزة ، مع العلم بأن ما أُثر عن هؤلاء الأشخاص من علمٍ ففيه حقٌ ، وفيه باطلٌ كثير ، بل فيه صد عن الهدي القويم –بقصد أو من غير قصد-؛ فنشأت جماعات دعوية كثيرة ضمت بين جنباتها – إلا من رحم الله – أكثر الفرق الإسلامية من جهمية ومعتزلة وأشاعرة وماتريدية وخوارج وروافض ومتصوفة وغير ذلك فَغُيِّرت الأسماء ، والحقائق كما هي .

فأردت - بهذا البحث - النصح للجميع ، وبيان ضرورة الاهتداء والاقتداء بسيرة سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من الأئمة المهديين .

5-بيان أن الأئمة الأربعة – رحمهم الله تعالى –إنما هم متبعون لأقوال الصحابة مقتفون لآثارهم لا مخالفون لها . وبيان غلط من نسب إليهم أو إلى أحدهم خلاف ذلك .

6-تشجيع طلاب العلم لمراجعة ما كُتب في علم أصول الفقه وتمييز ما علق به مما ليس منه ، والتنبيه على المسائل والأصول والأدلة المخالفة للكتاب أو السنة وما كان عليه سلف الأمة ، مسترشدين في ذلك بما كتبه العلماء
الربانيون .


خطة البحث :
قمت بتقسيم البحث إلى مقدمة وستة مباحث وخاتمة .

أما المقدمة فقد اشتملت على أهمية الموضوع،وسبب اختياره ، وخطة البحث.

وأما المباحث فهي على النحو التالي :





المبحث الأول :- في تعريف الصحابي لغة واصطلاحاً .

المبحث الثاني :- في فضل الصحابة في القرآن إجمالاً .

المبحث الثالث :- في فضل الصحابة في السنة النبوية إجمالاً .

المبحث الرابع :- في حجية قول الصحابي .

المبحث الخامس :- في الآراء الحادثة في المسألة .

المبحث السادس :- في أدلة العلماء على حجية قول الصحابي .

وأما الخاتمة فقد ضمنتها أهم نتائج البحث .

أشرف
20-03-02, 11:15 PM
تابع==
منهجي في الدراسة :

سرت في هذا البحث على النهج التالي :-

1-قمت بتعريف الصحابي لغة واصطلاحاً معتمداً في الاصطلاح على أئمة السنة والحديث لكونهم هم أهل الشأن والاختصاص .

2-حررت موطن النـزاع ناسباً الآراء إلى قائليها من كتبهم أنفسهم فإن لم يكن ثمة كتاب فبواسطة النقل عن شيوخ المذهب .

3-ذكرت موطن الآيات من كتاب الله وذلك بذكر السورة ورقم الآية فيها .

4-خرجت الأحاديث والآثار الواردة في البحث من مظانها من غير استقصاء لشهرتها.

5- ميزت أقوال الأئمة الأربعة عن سائر أقوال من انتسب إليهم ممن خالفهم ولم أذكر من وافقهم من اتباعهم إلا ما ندر ؛ لأن العبرة بالأئمة .

6-بدأت حين ذكر الأدلة على حجية قول الصحابي بالأدلة من الكتاب ثم السنة ثم النقول السلفية القولية والعملية التي تدل على إجماعهم على الاحتجاج به وأخيراً الأدلة العقلية .

7-لم أذكر شبهات المخالفين في المسألة في هذا البحث ؛ لأن الغرض منه إنما هو عرض مذهب السلف وأدلتهم ليتبع وتتبع .

8-لم أترجم للأعلام الواردة أسماؤهم في البحث لشهرتهم ، ولعدم الحاجة إلى ذلك ، ولئلا يُثقل البحث بما يمكن الاستغناء عنه .

9-استفدت في بحثي استفادةً كبيرةً جداً مما كتبه ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه القيم إعلام الموقعين فقد رأيته – حسب علمي – أشمل ما كُتب في الموضوع وأكمله ، فقمتُ بترتيب أدلته واختصار ما يمكن اختصاره منها وحذف ما رأيته مكرراً مع زيادة على ما ذكره مما ظهر لي حين القراءة في الموضوع .


الدراسات المعاصرة في الموضوع :
لا تكاد تخلو كتب أصول الفقه من ذكر هذه المسألة إلا أن بعض الكتب الأصولية تختلف فيما بينها في طريقة عرض المسألة وتناولها لها وذكر الأدلة والمناقشات التي دارت فيها بين الإيجاز والإطناب في بعض دون بعض ، وقد وجدت بعض المؤلفات قد أفردتها بالتأليف المستقل لأهميتها في نظر مؤلفيها.

وقد اطلعت على الكثير و الكثير مما كتب فيها في كتب الأصول على وجه العموم أو في الكتب التي أفردتها بالبحث .



ومن المؤلفات العصرية التي تناولت مسألتنا بالبحث ولو في ناحية منه ما يأتي :-

أولاً :- كتاب الصحابة وجهودهم في حفظ السنة للدكتور عمر يوسف حمزة .

ثانياً :- إجمال الإصابة في أقوال الصحابة للحافظ خليل بن كيكلندي العلائي الشافعي.

ثالثاً :- قول الصحابي في التفسير الأندلسي حتى القرن السادس للأستاذ الدكتور فهد بن عبدالرحمن الرومي .

رابعاً :- الصحابة وجهودهم في خدمة الحديث النبوي للدكتور السيد محمد نوح .

خامساً :- الصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله للدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الدرويش .

سادساً :- قول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية .تأليف / بابكر محمد الشيخ الفاني .

سابعاً :- مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف للدكتور عبدالكريم بن علي النملة .

ثامناً :- قول الصحابي وأثره في الفقه الإسلامي للدكتور شعبان محمد إسماعيل.

تاسعاً :- حجية مذهب الصحابي دراسة أصولية لعبدالرحمن حللي .

عاشراً :-مناهج وآداب الصحابة في التعلم والتعليم للدكتور عبدالرحمن البر.

حادي عشر :- الصحابة ومكانتهم في الإسلام لنور عالم خليل الأميني .

ثاني عشر :- حجية قول الصحابي لفضل الله الأمين فضل الله .

وجميع هذه المؤلفات تطرقت لتعريف الصحابي في اللغة والاصطلاح مع تفاوت في بعضها حسب الغاية من الكتابة في الموضوع فبعضها أوسع في العرض والمناقشة من البعض الآخر.

وممن توسع في ذكر التعريفات الاصطلاحية ومناقشة جمعيها الأستاذ الدكتور عبدالكريم النملة في كتابه مخالفة الصحابي للحديث ، حيث تكلم عليها في ستين صفحة تقريباً . والدكتور السيد محمد نوح تكلم عليها في عشر صفحات من القطع المتوسط في كتابه الصحابة وجهودهم في خدمة الحديث النبوي .

أما بالنسبة لحجية قول الصحابي فبعض المؤلفين السابق ذكرهم لم يتطرق للمسألة البتة مثل الدكتور عمر يوسف حمزه في كتابه الصحابة وجهودهم في حفظ السنة ، والدكتور عبدالكريم بن علي النملة في كتابه مخالفة الصحابي للحديث ، والدكتور عبدالرحمن البر في كتابه مناهج وآداب الصحابة ، ونور عالم في كتابه الصحابة ومكانتهم في الإسلام .

وبعضهم تكلم عنها باختصار شديد مثل الدكتور السيد محمد نوح في كتابه الصحابة وجهودهم في خدمة الحديث النبوي حيث ذكرها في ثلاث صفحات ، والأستاذ الدكتور فهد بن عبدالرحمن الرومي في كتابه قول الصحابي في التفسير الأندلسي تكلم عليها في خمس عشرة صفحة . وأما الدكتور شعبان محمد إسماعيل فقد تكلم عليها في خمسين صفحة من القطع الصغير في كتابه قول الصحابي وأثره في الفقه الإسلامي.

وأما الذين تطرقوا إلى هذه المسألة بنوع من التفصيل وذكر للآراء والأدلة ومناقشتها وترجيح ما رأوه صواباً فهم :-

1-العلائي في كتابه إجمال الإصابة في أقوال الصحابة .

2-الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الدرويش في كتابه الصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله .

3-بابكرمحمد الشيخ الفاني في كتابه قول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية

4-عبدالرحمن حللي في كتابه حجية مذهب الصحابي دراسة أصولية.

5-فضل الله الأمين فضل الله في رسالته حجية قول الصحابي .

إلا أن كلاً منهم قد تطرق لها من منظوره ، ورجح ما يراه صواباً ، وقد يتفق البعض في الترجيح إلا أنهم – أحياناً – قد اختلفوا في طريقة الترجيح .

وبعضهم قد أطال في مناقشة الأدلة وذكر الاعتراضات عليها،والبعض الآخر ذكرها باختصار .

وجميعهم قد ضم إلى هذه المسألة – أعني حجية قول الصحابي – مسائل رأوا وثيق صلتها بالموضوع كتخصيص الحديث بقول الصحابي وتقييده به ، وحمل الصحابي الحديث على أحد محمليه ، وحمل الصحابي الحديث على خلاف ظاهره ، ومخالفة الصحابي الحديث بالكلية ، وحكم تفسير الصحابي ، وذكر أثر الاختلاف في حجية قول الصحابي في الفقه الإسلامي في بعض المسائل الفقهية ، وذكر أسماء المفتين من الصحابة وطبقاتهم ، ونحو ذلك .

وكما قلت – آنفاً – لقد استفدت كثيراً مما كتبه هؤلاء -جزاهم الله خير الجزاء - إلا أني تطرقت لحجية قول الصحابي من منظور معين - وهو ما حاولت إبرازه – ألا وهو حجية قول الصحابي عند السلف –رضي الله عنهم – من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة – رحمهم الله تعالى – مع الاجتهاد في توثيق نسبة أقوالهم إليهم ، وبيان زيف ما لم يثبت عنهم ، أو ما نسب إليهم مما أشتهر عنهم خلافه . ثم ذكرت أقوال من جاء بعدهم فيها .

كما أني استقصيت –حسب ظني - أدلة أئمة السلف في هذه المسألة ، فهدفي وغايتي بيان قول السلف والأئمة الأعلام ، وذكر أدلتهم ، مع عدم إلتزامي ذكر أدلة المخالفين لهم ممن جاء من بعدهم . فليس الدافع لي في الكتابة في الموضوع هو نصب الخلاف بين السلف وغيرهم ، و إنما – كما قلت – الدافع الرئيس للكتابة فيه هو : بيان وإيضاح قول السلف فيها ، وتمييزه عن غيره ، وذكر أدلتهم وحججهم فيما ذهبوا إليه ، ولم أتطرق - كما ذكرت سابقاً - إلى علاقة قول الصحابي بالأدلة الشرعية الأخرى كتقييده للمطلق وتخصيصه للعام وحمل المجمل على أحد محامله وغيرها من المسائل لهذا السبب ، ولعل الله أن ييسر لي فيما بعد بحث هذه المسائل بحثاً أصولياً دقيقاً .

هذا ...

وقد سميت هذا البحث :- بـ ( حجية قول الصحابي عند السلف ) .

سائلاً المولى جل في علاه أن ينفعني به في الدنيا والآخرة وينفع به كذلك كل من قرأه أونظر فيه .

تابع

محمد الأمين
22-03-02, 09:34 AM
الصواب أن الأئمة الأربعة يصرحون (إلا مالك كما يبدو) بحجية قول الصحابي

لكن كل هذا كلام نظري

لأنهم كثيرا ما يخالفون ما اتفق عليه الصحابة

ومثال بسيط هو قضية تكفير تارك الصلاة

فقد نقل ابن حزم أقوالاً كثيرة للصحابة في ذلك وقال لايعرف لها مخالف. بل نقل إجماعهم أكثر من واحد. وقد خالفهم أبو حنيفة ومالك والشافعي!

عصام البشير
22-03-02, 12:53 PM
الأخ محمد الأمين

في حدود علمي، لم يثبت عن الإمامين مالك والشافعي نقل صحيح صريح في عدم تكفير تارك الصلاة، إنما هو أمر اشتهر في مذهبيهما.

أما أبو حنيفة رحمه الله فخلافه في هذه القضية لسبب عقدي لا فقهي، كما هو معروف.

ليتك تذكر مثالا لمسألة فقهية فيها قول صحابي لم يخالَف، وتذكر من خالفه من الأئمة المتبوعين مع إثبات علمهم بهذا النقل عن الصحابي..

أشرف
22-03-02, 08:11 PM
تابع ==
المبحث الأول : في تعريف الصحابي

الصحابي لغة([27]) :- منسوب إلى الصحابة - كالأنصاري منسوب إلى الأنصار -، وهي مصدر صحبَ يَصحُبُ صُّحبَةً بمعنى لازم ملازمةً و رافق مرافقةً وعاشر معاشرة .

وفي الاصطلاح :- قال الإمام البخاري([28]) رحمه الله تعالى في تعريفه :- بأنه من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين .

وقال الإمام علي بن المديني([29]) - رحمه الله - في تعريفه :- بأنه من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار.

وقال الإمام أحمد رحمه الله في تعريفه للصحابي([30]) : بأنه كل من صحبه سنةً أو شهراً أو يوماً أو ساعةً أو رآه .له من الصحبة على قدر ما صحبه وكانت سابقته معه ،وسمع منه، ونظر إليه .

والملاحظ من تعريف هؤلاء الأئمة الأعلام – أئمة الحديث والسنة في وقتهم والقدوة لمن بعدهم – اتفاقهم في تعريفهم للصحابي ، وعلى هذا جرى جل أئمة الحديث من بعدهم وبعض الأصوليين([31]).

بل حكى أبو الحسن الأشعري إجماع السلف على ذلك حيث قال في كتابه ( رسالةٌ إلى أهل الثغر بباب الأبواب ) ([32]) :- ( الإجماع السابع والأربعون : وأجمعوا على أن الخيار بعد العشرة في أهل بدر من المهاجرين والأنصار على قدر الهجرة والسابقة ، وعلى أن كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة ، أو رآه ولو مرةً مع إيمانه به وبما دعا إليه أفضل من التابعين بذلك ) .

قال أبو زرعة الرازي([33]) – رحمه الله - : ( قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مئة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه ) وفي رواية : ( ممن رآه وسمع منه ) قاله لما قيل له – رضي الله عنه - : أليس يقال : حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث ؟ قال : ( ومن قال ذا ؟ قلقل الله أنيابه ، هذا قول الزنادقة ، ومن يحصي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قبض رسول الله …) فذكره ، فقيل له : هؤلاء أين كانوا ؟ وأين سمعوا منه ؟ فقال : ( أهل المدينة ، وأهل مكة ، ومن بينهما ، والأعراب ، ومن شهد معه حجة الوداع ، كل رآه وسمع منه بعرفة )

وذهب جمهور الأصوليين من معتزلة ومتكلمين وفقهاء إلى اشتراط طول الصحبة ، وكثرة اللقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، على سبيل التبع له ، والأخذ عنه . ولهذا قالوا : إن الرجل لا يوصف ولو أطال مجالسة العالم بأنه من أصحابه إذا لم يكن على طريق التبع له والأخذ عنه([34]).

ومما لا شك فيه أن المعول عليه في تعريف الصحابي إنما هم أئمة الحديث والسنة ؛ لأنهم هم أهل الشأن والاختصاص([35])،كما أن المعول عليه في المباحث اللغوية هم علماء اللغة وأربابها. فعلماء الحديث -مثلاً- يقومون بتعريف الصحابي ، وعلماء الأصول يبحثون ما يتعلق بحجية قوله من عدمه ، كما أن الأصولي يقرر القواعد الأصولية ليأتي الفقيه فيأخذها مسلمةً ويبني عليها فقهه .

وقد بَيّن بدران أبو العينين بدران ([36]) الصلة بين الفقيه والأصولي فقال :( وهذه القواعد الأصولية التي وضعها الأصولي ، يعمد إليها الفقيه ويستخدمها – كقواعد مسلم بها – في استنباط الحكم الشرعي العملي الجزئي من الدليل ، فهو إذا أراد التوصل إلى الحكم الشرعي الوارد في قوله تعالى :{ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق }[الأنعام 151] ينظر في هذا النص فيجده من النواهي ؛ فيقصد إلى قاعدة الأصولي في النواهي وهي " النهي يفيد التحريم فيتوصل بهذه القاعدة إلى حكم القتل وأنه التحريم … وهكذا يتضح مدى استعانة الفقيه بالقواعد الأصولية في استدلاله وتوصيله إلى الحكم .

وبهذا تكون :

مهمة الأصولي البحث عن القواعد الكلية ، والأدلة الإجمالية من حيث دلالتها على الأحكام ، ومهمة الفقيه البحث في الأدلة الجزئية ، بواسطة استخدام القواعد الأصولية لأجل التوصل إلى الأحكام الشرعية العملية من الأدلة الجزئية التي تتعلق بمسألة بخصوصها وتدل على حكم معين ) انتهى باختصار .

ومما يدل على صحة تعريف أهل الحديث للصحابي ، وأنه الحق الواجب اتباعه دون ما عداه وأنه حقيقة شرعية مطابقة للحقيقة اللغوية خلافاً لما زعمه جمهور الأصوليين ما رواه مسلم في صحيحه ([37]) من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : ( يأتي على الناس زمان . يغزو فئام من الناس فيقال لهم : فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم . فيفتح لهم . ثم يغزو فئام من الناس . فيقال لهم : فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم . فيفتح لهم . ثم يغزو فئام من الناس . فيقال لهم : هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم . فيفتح لهم ) .

وفي لفظ آخر : ( يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون : انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فيوجد الرجل . فيفتح لهم به . ثم يبعث البعث الثاني فيقولون : هل فيهم من رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فيفتح لهم به . ثم يبعث البعث الثالث فيقال : انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال : انظروا هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أحداً رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فيوجد الرجل . فيفتح لهم به ) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية([38]) – رحمه الله - : - ( وحديث أبي سعيد هذا يدل على شيئين : على أن صاحب النبي صلى الله عليه وسلم : هو من رآه مؤمناً به وإن قلت صحبته ؛ كما قد نص على ذلك الأئمة أحمد وغيره . وقال مالك : من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو شهراً أو يوماً أو رآه مؤمناً به فهو من أصحابه ، له من الصحبة بقدر ذلك. وذلك أن لفظ الصحبة جنس تحته أنواع ، يقال : صحبه شهراً ؛ وساعة .

وقد تبين في هذا الحديث أن حكم الصحبة يتعلق بمن رآه مؤمناً به ؛ فإنه لا بد من هذا .)

وقال([39]) –أيضاً - : ( ...والصحبة اسم جنس تقع على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم سنةً أو شهراً أو يوماً أو ساعةً أو رآه مؤمناً ، فله من الصحبة بقدر ذلك ....

فقد علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بصحبته وعلق برؤيته ، وجعل فتح الله على المسلمين بسبب من رآه مؤمناً به .

وهذه الخاصية لا تثبت لأحدٍ غير الصحابة ؛ ولو كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم ) انتهى كلامه .



المبحث الثاني : في فضل الصحابة – رضي الله عنهم - في القرآن الكريم إجمالاً
قال تعالى :- { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم } [ التوبة 100]

وقال تعالى :- { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم }[ التوبة 117]

قال تعالى :-{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً }[ الفتح 18،19]

وقال تعالى :- { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهـم مغفـرةً وأجراً عظيماً }[ الفتح 29]

وقال – أيضاً – { لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } [آل عمران 164]

وقال – أيضاً – { لقد جاءكم رســــول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة 128]

وقال سبحانه { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } [الشعراء 215]



المبحث الثالث : في فضل الصحابة - رضي الله عنهم - في السنة النبوية إجمالاً
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال :- لمـا نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لله ما في السمـــوات و ما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شي قدير }[ البقرة 284]

قال : فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بركوا على الركب . فقالوا :- أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق ؛ الصلاة ، والصيام ، والجهاد ، والصدقة ، وقد أَنزلت هذه الآية ، ولا نطيقها .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :- ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) قالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير . فلما اقترأها القوم ، وذلت بها ألسنتهم ، فأنزل الله في إثرها { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير }[البقرة 285]

فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى ، فأنزل عز و جل : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } قال : نعم .

{ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا } . قال : نعم.

{ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال : نعم .

{واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال : نعم .([40])

عن عويم بن ساعدة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تبارك وتعالى اختارني، واختار لي أصحاباً ، فجعل لي منهم وزراء ، وأنصاراً ، وأصهاراً ، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل ) ([41])

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : جلست في عصابة من فقراء المهاجرين … الحديث ، وفيه : فقال رسول الله صلى عليه وسلم : ( أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم ، وذاك خمسمائة عام ) ([42])

عن سهل بن سعد رضي الله عنهما قال : جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نحفر الخندق ، وننقل التــراب على أكتادنا([43]) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم . لا عيش إلا عيش الآخرة ، فاغفر للمهاجـــرين والأنصار ) ([44])



وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( قريش و الأنصار وجهينة ومزينة و أسلــم وغفار وأشجع ، موالي ليس لهم مولىً دون الله ورسوله ) ([45])

وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه ، أن رســول الله صلى الله علــيه وسلم قال : ( عشرة في الجنة : أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، وعبدالرحمن بن عوف في الجنة ، وسعيد بن مالك في الجنة ، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ) وسكت عن العاشـر ، قالوا : ومن هو العاشر ؟ فقال : (( سعيد بن زيد )) – يعني نفسه -.

ثم قال : لموقف أحدهم مع رســـول الله صلى الله علــيه سلم يَغبَرُّ فيه وجهه خير من عمل أحدكم ، ولو عُمِّر عُمُرَ نوح ) ([46])

تابع==

أشرف
22-03-02, 08:13 PM
تابع==
المبحث الرابع : في حجية قول الصحابي

من المستحسن قبل الشروع في ذكر الخلاف في حجية قول الصحابي ، وتحرير موطن النـزاع فيه أن أُبَيِّن ما المراد بقول الصحابي .

فأقول - وبالله التوفيق - إن المراد بقول الصحابي([47]) :- هو ما ثبت عن أحد من الصحابة - ولم تكن فيه مخالفة صريحة لدليل شرعي - من رأي أو فتوى أو فعل أو عمل اجتهادي في أمر من أمور الدين .

وتسمى هذه المسألة عند الأصوليين بأسماء منها :- قول الصحابي أو فتواه أو تقليد الصحابي أو مذهب الصحابي .



بل ذهب الشاطبي([48]) - رحمه الله - إلى أن السنة تطلق على ما عمل عليه الصحابة ، وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد ، لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا ، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم ، فإن إجماعهم إجماع ، وعمل خلفائهم راجع - أيضاً - إلى حقيقة الإجماع .

وبناء على ما سبق فإن الصحابي إذا قال قولاً :-

- فلا يخلو من أن يشتهر قوله و يوافقه سائر الصحابة على ذلك .

- أو يخالفوه .

- أو لا يشتهر أو لا يعلم اشتهر أم لم يشتهر .

فإن اشتهر قوله ووافقه الصحابة فهو إجماع ([49]) .

وإن اشتهر فخالفوه فالحجة مع من سعد بالدليل .

وحينئذٍ الحجة فيه لا في كونه قول صحابي .

وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا ؟ . فهذا هو موطن النـزاع .

والذي عليه العلماء السابقون و الأئمة المتبوعون أبوحنيفة ومالك والشافعي وأحمد – رحمهم الله تعالى – و جمهور أصحابهم أنه حجة .

قال أبوحنيفة([50]) – رحمه الله - : إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته ، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات عن الثقات ، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه من شئت وأدع قول من شئت ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم ، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب … فلي أن أجتهد كما اجتهدوا . انتهى



وقال([51]) – أيضاً - :- ( ما بلغني عن صحابي أنه أفتى به فأقلده ولا أستجيز خلافه ) .

وقال([52]) – أيضاً- :- ( عليك بالأثر وطريقة السلف ، وإياك وكل محدثة ؛ فإنها بدعة ) .

بل قال فيمن هو دونهم :- ( من كان من أئمة التابعين وأفتى في زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى و سوغوا له الاجتهاد ، فأنا أقلده ، مثل شريح ، و الحسن ، ومسروق بن الأجدع ، وعلقمة ) ([53]) .

وعن أبي يوسف قال([54]) : سمعت أبا حنيفة يقول : إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الثقات أخذنا به ، فإذا جاء عن أصحابه لم نخرج عن أقاويلهم ، فإذا جاء عن التابعين زاحمتهم .

قال محمد بن حمدان بن الصباح([55]) :- ( ... وكان إذا وردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتبعه ، و إن كان عن الصحابة والتابعين ، وإلا قاس وأحسن القياس ) .

وقال الحسن بن صالح([56]) : كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه .

و قد اتضح تمسكه بهذا الأصل في تطبيقاته الفقهية حيث قال([57]) : من رغب عن سيرة علي رضي الله عنه في أهل القبلة فقد خاب وخسر .

وقال([58]) – أيضاً – : ما ملكت أكثر من أربعة آلاف درهم منذ أكثر من أربعين سنة إلا أخرجته ، وإنما أمسكها لقول علي رضي الله عنه : ( أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ؛ ولولا أني أخاف أن ألجأ إلى هؤلاء ما تركت منها درهماً واحداً )

قال نعيم بن حماد ثنا ابن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول ([59]) :- إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين . وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم . وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم .

وأما جمهور الحنفية([60]) فهم على قول إمامهم .

وأما الإمام مالك([61]) –رحمه الله - فتصرفه في "موطئه " دليل على أنه يرى أن قول الصحابي حجة([62]) .

قال الشاطبي –رحمه الله – في الموافقات([63]) :- ( ولما بالغ مالك في هذا المعنى –أي اتخاذ الصحابة قدوة وسيرتهم قبلة – بالنسبة إلى الصحابة أو من اهتدى بهديهم واستن بسنتهم جعله الله تعالى قدوة لغيره في ذلك ، فقد كان المعاصرون لمالك يتبعون آثاره ويقتدون بأفعاله ، ببركة اتباعه لمن أثنى الله ورسوله عليهم وجعلهم قدوة ) .

قال العلامة الفقيه حسن بن محمد المشاط المالكي في كتابه ( الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة ) ([64]) : وهذا هو المشهور عن مالك .

وأما الإمام الشافعي –رحمه الله – فمنصوص قوله قديماً وحديثاً هو أن قول الصحابي حجة([65]) .

فقد قال رحمه الله في كتابه الأم([66]) –و هو من الكتب الجديدة -:-ما كان الكتاب أو السنة موجودين ، فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا بإتباعهما . فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو واحد منهم . ثم كان قول الأئمة :- أبي بكر أو عمر أو عثمان - رضي الله عنهم - إذا صرنا فيه إلى التقليد ، أحب إلينا ، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة ، فنتبع القول الذي معه الدلالة ؛ لأن قول الإمام مشهور بأنه يلزمه الناس ، ومن لزم قوله الناس كان أشهر ممن يفتي الرجل أو النفر ، وقد يأخذ بفتياه ويدعها ، وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ، ولا يعتني العامة بما قالوا عنايتهم بما قال الإمام ، وقد وجدنا الأئمة ينتدبون، فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا و أن يقولوا فيه ، ويقولون ، فيخبرون بخلاف قولهم ، فيقبلون من المخبر ، ولا يستنكفون عن أن يرجعوا لتقواهم الله ، وفضلهم في حالاتهم ، فإذا لم يوجد عن الأئمة ، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين في موضع الأمانة ، أخذنا بقولهم ، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم .

ثم قال :- والعلم طبقات .

الأولى :- الكتاب والسنة ، إذا ثبتت السنة .

الثانية :- الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة

الثالثة :- أن يقول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا نعلم له مخالفاً منهم .

الرابعة :- اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم .

الخامسة :- القياس على بعض هذه الطبقات ) انتهى كلامه([67]) .

قال ابن القيم([68]) رحمه الله تعالى :- ( هذا كله كلامه في الجديد .

ثم قال : قال البيهقي([69]) - بعد أن ذكر الكلام السابق ، وفي الرسالة القديمة للشافعي بعد ذكر الصحابة وتعظيمهم - قال :- وهم فوقنا في كل علمٍ واجتهادٍ وورعٍ وعقلٍ أمر استدرك فيه علم أو استنبط وآراؤهم لنا أجمل و أولى بنا من رأينا ومن أدركنا ممن نرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا . وكذا نقول ولم نخرج من أقوالهم كلهم .

قال البيهقى([70]) :- وقال في موضع آخر :- فإن لم يكن على القول دلالة من كتابٍ ولا سنةٍ كان قول أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أحب إليّ أن أقول به ؛ من قول غيرهم إن خالفهم من قبل أنهم أهل علم ، وحكام ....فإن اختلفوا صرنا إلى القول الذي عليه دلالة وقلّ ما يخلو اختلافهم من ذلك . وإن اختلفوا بلا دلالة نظرنا إلى الأكثر. فإن تكافؤا نظرنا إلى أحسن أقاويلهم مخرجاً عندنا . وإن وجدنا للمفتين في زماننا أو قبله اجتماعاً في شيء لا يختلفون فيه تبعناه . وكان أحد طرق الأخبار الأربعة ، وهي كتاب الله ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ثم القول لبعض أصحابه ،ثم اجتماع الفقهاء.

فإذا نزلت نازلةٌ لم نجد فيها واحدةً من هذه الأمور فليس في الكلام في النازلة إلا اجتهاد الرأي.فهذا كلام الشافعي رحمه الله ورضي عنه بنصه).

قال ابن القيم([71]) –رحمه الله - :- ونحن نشهد بالله أنه لم يرجع عنه بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له .

و قال([72]) – أيضاً -:- ( أما القديم فأصحابه مقرون به وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة .

وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جداً ؛ فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة وغاية ما يتعلق به من نقل ذلك أنه يحكي أقوالاً للصحابة في الجديد ثم يخالفها ؛ ولو كانت عنده حجة لم يخالفها .

وهذا تعلق ضعيف جداً ؛ فإن مخالفة المجتهد الدليل المعين لما هو أقوى في نظره منه لا يدل على أنه لا يراه دليلا من حيث الجملة . بل خالف دليلاً لدليلٍ أرجح عنده منه .



وقد تعلق بعضهم بأنه يراه في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة موافقاً لها لا يعتمد عليها وحدها كما يفعل بالنصوص بل يعضدها بضروب من الأقيسة فهو تارة يذكرها ويصرح بخلافها وتارة يوافقها ولا يعتمد عليها بل يعضدها بدليل آخر.

وهذا - أيضاً - تعلق أضعف من الذي قبله . فإن تظاهر الأدلة وتعاضدها وتناصرها من عادة أهل العلم قديماً وحديثاً ولا يدل ذكرهم دليلاً ثانياً وثالثاً على أن ما ذكروه قبله ليس بدليل ). انتهى كلامه رحمه الله .

قال الربيع بن سليمان([73]) :- ( قال الشافعي : لا يكون أن تقول إلا عن أصل ، أو قياس على أصل .

والأصل : كتاب أو سنة ، أو قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو إجماع الناس ) .

قال يونس بن عبدالأعلى([74]) :- ( قال لي محمد بن إدريس الشافعي : لا يقال للأصل : لم ولا كيف ).

وقد أطلت النقل عن الإمام الشافعي في تقرير مذهبه لأني قد رأيت جلّ من كتب في علم أصول الفقه ينسب إليه قولاً جديداً وهو عدم قوله بحجية قول الصحابي بناء على بعض تخريجات بعض المنتسبين إلى مذهبه أخذاً من تصرفات الإمام نفسه مع بعض الأدلة .

ولأن نسبة القول إلى أحد الأئمة – لا سيما وقد اشتهر عنه ما يخالفه صريحاً من قوله - قضية هي في غاية الخطورة ، مع ما تورثه من كثرة في الأخذ والرد في تصحيح أو تزييف ما نسب إليه([75]).



وأما كون الإمام أحمد - رحمه الله تعالى – من القائلين بحجية قول الصحابي فهذا القول أشهر من علم في رأسه نار ؛ ذلك أنه – رحمه الله – قد جعل الاعتماد على قول الصحابي هو الأصل الثاني من أصول مذهبه([76]) . بل إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل([77]) .

قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله([78]) :- قلت لأبي عبدالله : حديث عن رسول الله مرسل برجال ثبت أحبُّ إليك ، أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت ؟

قال أبو عبدالله – رحمه الله - : ( عن الصحابة أعجب إليّ ) .

ومما يدل على احتجاجه بقول الصحابة –رضي الله عنهم – قوله في كتابه ( السنة ) ([79]) :- ( بل حبهم سنة ، والدعاء لهم قربة ، والاقتداء بهم وسيلة ، والأخذ بآثارهم فضيلة ).

وقال عبدوس بن مالك العطار([80]) :- سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-يقول : ( أصول السنة عندنا : التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم ، وترك البدع ، وكل بدعة فهي ضلالة ، وترك الخصومات ، وترك الجلوس مع أصحاب الأهواء ، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين …..)

قال ابن القيم([81]) -رحمه الله-:- وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي.



المبحث الخامس : في الآراء الحادثة في المسألة

لقد اختلف الناس بعد أئمتهم في حجية قول الصحابي إلى مذاهب مختلفة ، أهمها ما يأتي :-

1-عدم حجيته مطلقاً ، وبه قالت الأشاعرة ([82]) ، وأكثر المتكلمين([83]) ، والمعتزلة ([84]) .

2-عدم حجيته إلا فيما لا يدرك بالقياس ، وبه قال الكرخي([85]) ، وأبو زيد([86]) .

3-عدم حجيته إلا إذا خالف قوله القياس ، وبه قال بعض الحنفية ، وابن برهان ، والغزالي في المنخول([87]) .

4-عدم حجيته إلا إذا كان الصحابي من أهل الفتوى ، وبه قال بعض الحنفية ([88
تابع=-=