المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث في حجية قول الصحابي(2)


أشرف
23-03-02, 05:13 PM
المبحث السادس : في أدلة علماء الأمة في حجية قول الصحابي([89])

لقد تنوعت أدلة علماء الأمة وأئمتها وتعددت في إثبات حجية قول الصحابي ، فدارت أدلتهم بين آي الكتاب،وأحاديث نبوية ، واتفاق سلف الأمة قولاً وعملاً على الاحتجاج به، وصريح المعقول .

وإليك – أخي القارئ – ذكرها مفصلة من غير إطنابٍ مُمِلٍّ ولا إيجازٍ مُخِلٍّ .

أولاً :- الكتاب :- لقد وردت في هذا الشأن آيات كثيرات استدل بها أئمة الهدى على حجية قول الصحابي ، من ذلك ما يأتي :-

1-قوله تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم } [التوبة 100]

وجه الدلالة([90]) :- أن الله أثنى على من اتبعهم فإذا قالوا قولاً فاتبعهم متبع عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم فيجب أن يكون محموداً على ذلك وأن يستحق الرضوان . ولو كان اتباعهم تقليداً محضاً كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عامياً . فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذٍ .

وقد أُعترض على وجه الدلالة بما يأتي :-

الاعتراض الأول :- إن المراد باتباعهم :- هو أن يقول ما قالوا بالدليل وهو سلوك سبيل الاجتهاد لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد .

والدليل عليه : قوله {بإحسان }. ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان ؛ لأنه لو كان مطلق الاتباع محموداً لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان .

وقد أجيب عن هذا الاعتراض بما يأتي :-

إن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد. لوجوه :-

أحدها :- أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله:- { فاتبعوني يحببكم الله }[آل عمران 31] {واتبعوه لعلكم تهتدون }[الأعراف 158] { ويتبع غير سبيل المؤمنين } [النساء 115]

ونحوه لا يتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل .

الثاني :- أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال والاجتهاد لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق ؛ لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبع فيه كل أحد . فمن قال قولاً بدليل صحيح وجب موافقته فيه .

الثالث :-أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا تجوز . فإن لم تجز فهو المطلوب . وإن جازت مخالفتهم فقد خولفوا في خصوص الحكم واتبعوا في أحسن الاستدلال . فليس جعل من فعل ذلك متبعاً لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفاً لمخالفته لهم في عين الحكم .

الرابع :- أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعاً لهم أصلا . بدليل أن من خالف مجتهداً من المجتهدين في مسألة بعد اجتهادٍ لا يصح أن يقال اتبعه ،وإن أطلق ذلك فلا بد من تقييده . بأن يقال اتبعه في الاستدلال أو الاجتهاد.

الخامس :- أن الاتباع :- افتعال من اتبع . وكون الإنسان تابعا لغيره نوع افتقار إليه ومشي خلفه . وكل واحد من المجتهدين المستدلين ليس تبعاً للآخر ولا مفتقراً إليه بمجرد ذلك حتى يستشعر موافقته ، والانقياد له ؛ ولهذا لا يصح أن يقال لمن وافق رجلاً في اجتهاده أو فتواه اتفاقاً أنه متبع له .

السادس :- أن الآية قصد بها مدح السابقين ، والثناء عليهم ، وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين . وبتقدير ألا يكون قولهم موجباً للموافقة ولا مانعاً من المخالفة بل إنما يتبع القياس – مثلاً - لا يكون لهم هذا المنصب ، ولا يستحقون هذا المدح ، والثناء .

السابع :- أن من خالفهم في خصوص الحكم فلم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلوا به على ذلك الحكم فلا يكون متبعاً لهم بمجرد مشاركتهم في صفةٍ عامةٍ وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد ، ولا سيما وتلك الصفة العامة لا اختصاص لها به ؛ لأن ما ينفي الاتباع أخص مما يثبته . وإذا وجد الفارق الأخص والجامع الأعم – وكلاهما مؤثرٌ – كان التفريق رعايةً للفارق أولى من الجمع رعايةً للجامع .

الاعتراض الثاني :- لم لا يجوز أن يراد بالاتباع اتباعهم في أصول الدين .

والجواب عن هذا الاعتراض :- بأن يقال :- إن تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه لا يصح ؛ لأن الاتباع عام ولا مخصص ؛ ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعاً لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتاب ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها .

ولو أقر المخالف بوجوب اتباعهم في أصول الدين ، فلئن يجب اتباعهم في فروعه من باب أولى .

و- أيضاً - فإنه إذا قيل :- فلان يتبع فلاناً . واتبع فلاناً . وأنا متبع فلاناً . ولم يقيد ذلك بقرينة لفظيةٍ ولا حاليةٍ فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يتأتى فيها الاتباع ؛ لأن من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع أولى من وصفه بأنه مخالف. ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم ؛ فيكون الاتباع سبباً له ؛ لأن الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضي أن ما منه الاشتقاق سببٌ([91]) . وإذا كان اتباعهم سبباً للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده ولا اختصاص للاتباع بحال دون حال .

الاعتراض الثالث :- لم لا يكون المراد من قوله جل وعلا { بإحسان } أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم .

ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان وإن أساءوا لقوله صلى الله عليه وسلم :- ( وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال :- اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ([92]) .

والجواب عن هذا الاعتراض بأن يقال :- إن قوله تعالى :- { بإحسان } ليس المراد به أن يجتهد وافق أو خالف ؛ لأنه إذا خالف لم يتبعهم فضلاً عن أن يكون بإحسان .

ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم . لكن الاتباع لهم :- اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول . فلا بد مع ذلك أن يكون المتبع محسناً بأداء الفرائض واجتناب المحارم لئلا يقع الاغترار بمجرد الموافقة قولاً .

-وأيضاً - فلا بد أن يحسن المتبع لهم القول فيهم - ولا يقدح فيهم اشتراط الله ذلك لعلمه بأن سيكون أقوام ينالون منهم - وهذا مثل قوله تعالى بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار{ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفرلنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا } [الحشر 10]

الاعتراض الرابع :-لم لا يجوز أن يكون المراد بالثناء على من اتبعهم كلهم. وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه .

والجواب عن هذا الاعتراض من وجوه :-

الأول :- إن الآية اقتضت الثناء على من اتبع كل واحد منهم .

كما أن قوله :- { والسابقون الأولون ...... والذين اتبعوهم } [التوبة 100] يقتضي حصول الرضوان لكل واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله :- { رضي الله عنهم ورضوا عنه و أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم } [التوبة 100] ، وكذلك في قوله :- { اتبعوهم } ؛ لأنه حكم علق عليهم في هذه الآية فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين .

الثاني :- إن الأصل في الأحكام المعلقة بأسماء عامة ثبوتها لكل فردٍ فردٍ من تلك المسميات([93]) . كقوله :- { أقيموا الصلاة } [البقرة 43]

وقوله :- { لقد رضي الله عن المؤمنين } [الفتح 18]

وقوله تعالى :- { اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } [التوبة 119]

الثالث :-إن الأحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد كقوله :- { وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً } [البقرة 143]
وقوله :- { كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس } [آل عمران 110] وقوله :-

{ ويتبع غير سبيل المؤمنين } [النساء 115] ؛ فإن لفظ الأمة ، ولفظ سبيل المؤمنـين لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة، و أفراد المؤمنين ، بخلاف لفظ السابقين :- فإنه يتناول كل فرد من السابقين .

الرابع :- الآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن . فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا ، واتبع آحادهم فيما وجد عنهم - مما لم يخالفه فيه غيره منهم - فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين.

أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال اتبع السابقين ؛ لوجود مخالفته لبعضهم لا سيما إذا خالف هذا مرةً وهذا مرةً .

وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا فإن اتباعهم هناك قول بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال إذ هم مجتمعون على تسوية كل واحد من تلك الأقوال لمن أدى اجتهاده إليه فقد قصد اتباعهم أيضاً .

أما إذا قال الرجل قولاً ولم يخالفه غيره فلا يعلم أن السابقين سوغوا خلاف ذلك القول.

الخامس :- إن الآية تقتضي-أيضاً - اتباعهم مطلقاً .

فلو فرضنا أن الطالب وقف على نص يخالف قول الواحد منهم فقد علمنا أنه لو ظفر بذلك النص لم يعدل عنه .

أما إذا رأينا رأياً فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي .

السادس :- لو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه كلهم لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد علم أنه من دين الإسلام بالاضطرار ؛ لأن السابقين الأولين خلق عظيم ولم يعلم أنهم أجمعوا إلا على ذلك ؛ فيكون هذا الوجه هو الذي قبله وقد تقدم بطلانه . إذ الاتباع في ذلك غير مؤثر .

-وأيضاً - فجميع السابقين قد مات منهم أناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وحينئذٍ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم لو فرضنا أحداً يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين ؛ فحاصله أن التابعين لا يمكنهم اتباع جميع السابقين .

-وأيضاً - فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذر فكيف يتبعون كلهم في شئ لا يكاد يعلم .

السابع :- إن الصحابة - رضي الله عنهم - ما استحقوا منصب الإمامة والاقتداء بهم إلا لكونهم هم السابقين ، وهذه صفةٌ موجودة في كل واحدٍ منهم فوجب أن يكون كل منهم إماماً للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة.

الاعتراض الخامس :-إن الثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه وإنما يدل على جواز تقليدهم وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء أو تقليد الأعلم كقول طائفة أخرى . أما أنه دليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه .

والجواب عن هذا الاعتراض من وجوه :-

الأول :- إن الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان . وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام ؛ فلا يكون اتباعهم قولاً بغير علم بل قولاً بعلم ، وهذا هو المقصود وحينئذٍ فسواء يسمى تقليداً أو اجتهاداً .

الثاني :- إن كان تقليد العالم للعالم حراماً - كما هو قول الشافعية والحنابلة – فاتباعهم ليس بتقليد ؛ لأنه مرضي . وإن كان تقليدهم جائزاً أو كان تقليدهم مستثنى من التقليد المحرم فلم يقل أحد إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان . فعلم أن تقليدهم خارجٌ عن هذا ؛ لأن تقليد العالم إن كان جائزاً فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد جائز – أيضاً - بالاتفاق . والشيء المباح لا يستحق به الرضوان .

الثالث :- إن رضوان الله هو غاية المطالب التي لا تنال إلا بأفضل الأعمال . ومعلوم أن التقليد الذي يجوز خلافه ليس بأفضل الأعمال . بل الاجتهاد أفضل منه . فعلم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم ، وأن اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان الله . فلا ريب أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه .وقولهم أرجح بلا شك . ومسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين .

الرابع :- إن الله سبحانه وتعالى قد أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان . والتقليد وظيفة العامة . فأما العلماء فإما أن يكون مباحاً لهم أو محرماً . إذ الاجتهاد أفضل منه لهم بغير خلاف . وهو واجب عليهم . فلو أريد باتباعهم التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة ذلك النصيب الأوفى وكان حظ علماء الأمة من هذه الآية أبخس الحظوظ . ومعلوم أن هذا فاسد .

الخامس :-رضوان الله عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ ؛ فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يعفى له عنه . فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يرضى عنه . وإذا كان صواباً وجب إتباعه لأن خلاف الصواب خطأ . والخطأ يحرم إتباعه إذا علم أنه خطأ . وقد علم أنه خطأ فيكون الصواب خلافه .



تابع==

أشرف
23-03-02, 05:16 PM
السادس :- إذا كان اتباعهم موجباً للرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجباً للرضوان . لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده وعدمه . لأنه يبقى عديم الأثر في ذلك الجزاء . وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق ما يوجبه . وهذا هو المطلوب .

السابع :- إن طلب رضوان الله واجب ؛ لأنه إذا لم يوجب رضوانه . فإما سخطه أو عفوه . والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة ، وذلك لا تُباح مباشرته إلا بالنص . وإذا كان رضوانه إنما هو في اتباعهم واتباع رضوانه
واجب . كان اتباعهم واجباً .

الثامن :- إن الله - سبحانه وتعالى - إنما أثنى على المتبع بالرضوان ولم يصرح بالوجوب ؛ لأن إيجاب الاتباع يدخل فيه الاتباع في الأفعال ، ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقاً . فيقتضي ذم المخطئ ، وليس كذلك ، أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعد ما ثبت أن فيها رضا الله تعالى .

-وأيضاً - فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا الله لم يكن رضا الله في ضده ، بخلاف الأفعال فقد يكون رضا الله في الأفعال المختلفة ، وفي الفعل والترك بحسب قصدين وحالين .

أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك . فإذا ثبت أن في قولهم رضوان الله تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو . فوجب إتباعه .

الاعتراض السادس :- لم لا يكون المراد بقوله تعالى { السابقون } : - هم الذين صلوا إلى القبلتين ، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم . فما الدليل على اتباع من أسلم بعد ذلك ؟

فالجواب عنه بأن يقال:-إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود على أنه لا قائل بالفرق .

وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم .

الاعتراض السابع :- إن قوله تعالى : { والذين اتبعوهم بإحسان } يدخل فيه بعض الصحابة وهم من عدا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، من الذين اسلموا ولم يهاجروا والذين اسلموا بعد فتح مكة فكل هؤلاء من الصحابة بالاتفاق ومع هذا فهم مأمورون بالاتباع بإحسان أو داخلون فيمن أمر بالاتباع بإحسان ، والآية أمرت باتباع السابقين من المهاجرين والأنصار فقط .

فالجواب عن هذا بأن يقال : إذا ثبت وجوب اتباع هؤلاء للسابقين من المهاجرين والأنصار فغيرهم من باب أولى .

و- أيضاً - الآية شهادة من الله بأن جميع الصحابة مرضي عنهم ، ولهم الجنة سواء كانوا من المهاجرين أو الأنصار أو من لم يهاجر أو أسلم بعد الفتح .

فَمَنْ أراد رضى الله ، والجنة فعليه باتباعهم بإحسان .

2- قوله تعالى :- { اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون } [يس 20]

هذا قصه الله سبحانه وتعالى عن صاحب ياسين على سبيل الرضاء بهذه المقالة والثناء على قائلها والإقرار له عليها .

وكل واحد من الصحابة لم يسألنا أجراً وهم مهتدون . بدليل قوله تعالى خطاباً لهم {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران 103] ولعلَّ : من الله واجب .

وقوله تعالى :-{ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } [محمد 47]

وقوله تعالى :- { والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم .سيهديهم } [محمد 4،5]

وقوله تعالى :-{ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } [العنكبوت 69].

وكل منهم قاتل في سبيل الله وجاهد إما بيده أو بلسانه فيكون الله قد هداهم .

وكل من هداه فهو مهتد . فيجب اتباعه بالآية .

3- قوله تعالى :- { واتبع سبيل من أناب إلي } [لقمان 15] وأول المنيبين إلى الله هو الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مأمور صلوات ربي وسلامه عليه باتباع سبيل المنيبين من الأنبياء والمؤمنين السابقين ، والأمر له أمر لأمته ، وأول أمته هم صحابته رضوان الله عليهم أجمعين ، فكل من الصحابة منيب إلى الله . فيجب اتباع سبيله. وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله.

والدليل على أنهم منيبون إلى الله تعالى أن الله تعالى قد هداهم وقد قال :- { ويهدي إليه من ينيب } [الشورى 13]

4- قوله تعالى :- { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } [يوسف 108] فأخبر تعالى أن الرسول يدعو إلى الله على بصيرة ، و من اتبعه يدعو إلى الله على بصيرة . ومن دعا إلى الله على بصيرة ، وجب اتباعه ؛ لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه { يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به } [الأحقاف 31]

ولأن من دعا إلى الله على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالماً به . والدعاء إلى أحكام الله دعاء إلى الله ؛ لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى .

هذا وإن كان يدخل فيه غير الصحابة إلا أن دخول الصحابة في هذه الآية دخول أولي .

فإذا أثر عن أحدٍ من الصحابة قول أو فعل ولم تكن فيه مخالفة صريحة لنص شرعي ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه فالواجب حينئذٍ اتباعه ؛ لأنه دعاء إلى طاعة الله ؛ وإلا خلا ذلك العصر من ذلك الحق ، وهو باطل .

5- قوله تعالى :-{ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى }[النمل 59] قال ابن عباس([94]) :- هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .

والدليل عليه قوله تعالى:-{ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } [فاطر 32]

وحقيقة الاصطفاء : افتعال من التصفية . فيكون قد صفاهم من الأكدار . والخطأ من الأكدار . فيكونون مصفين منه . فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة فيفتي فيها بعضهم بالخطأ ولا يفتي فيها غيره بالصواب ويظفر فيها بالهدى من بعدهم .

ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا لأن الحق لم يَعدُهُم فلا يكون قول بعضهم كدراً ؛ لأن مخالفته الكدر . وبيانه يزيل كونه كدراً ، بخلاف ما إذا قال بعضهم قولاً ولم يخالف فيه . فلو كان باطلاً ولم يَرُدَّهُ رادٌّ لكان حقيقة الكدر .

وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أموره فإنها لا تخرجه عن حقيقة الاصطفاء .

6- أن الله تعالى شهد لهم بأنهــم أوتــوا العلــم بقوله :- { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق } [سبأ 6].

وقولـه :-{حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتـوا العلم مـاذا قـال آنفاً}[محمد 47]

وقوله :- { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } [المجادلة 11] .

واللام في العلم ليست للاستغراق وإنما هي للعهد :- أي العلم الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم .

وإذا كانوا قد أوتوا هذا العلم كان اتباعهم واجباً ؛ ولأن من بعدهم تبع لهم في ذلك .

ولأن من المحال أن يجهل الصحابة الحق والهدى ويهتدي إليه المتأخرون .

ولأن للصحابة خاصية لا يشركهم فيها أحد فهم قد تعلموا العلم والعمل في مدرسة النبوة تحت رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته ، بعد أن وقفوا على أسرار التشريع ومقاصده وحكمه ، فكانوا يجتهدون بين يديه فيقر المصيب ويصوب المخطيئ ، وكانوا يسألونه عما أشكل عليهم وخفي ويحاورونه ويشاركونه الرأي ؛ لذا فإنهم قد فهموا منه الكثير ووقفوا على أمور لا تدرك بالنقل والرواية عنه صلى الله عليه وسلم([95]) ، فكانت لهم تلك الميزة والخاصية فكانت أقوالهم ليست كأقوال غيرهم .

7-قوله تعالى :- { كنــتم خير أمة أخرجــت للناس تأمـــرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [آل عمران 110].

شهد لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر . إذ الصواب معروف بلا شك والخطأ منكر من بعض الوجوه .

ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة . وإذا كان هذا باطلاً . علم أن خطأ من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع . وذلك يقتضي أن قوله حجة([96]) ، ولما سبق ذكره في الدليل السابق .

8-قوله تعالى :-{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } [التوبة 119]

قال غير واحد من السلف([97]) :- هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

ولا ريب أنهم أئمة الصادقين . وكل صادق بعدهم بهم يأتم في صدقه . بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم .ومعلوم أن من خالفهم في شئ وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه ، وحينئذٍ فيصدق عليه أنه ليس معهم فتنتفي عنه المعية المطلقة ، وإن ثبت له قسط من المعية فيما وافقهم فيه .

فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط . وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق و المنتهب([98]) بحيث لا يستحق اسم المؤمن وإن لم ينتف عنه مطلق الاسم الذي يستحق لأجله أن يقال معه شئ من الإيمان .

وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان من فقه وعلم ، وإن قيل معه شئ من العلم . ففرق بين المعية المطلقة ومطلق المعية.

ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني . فإن الله تعالى لم يرد منا أن نكون معهم في شئ من الأشياء وأن نحصل من المعية ما يطلق عليه الاسم . ومن فهم أن الله أراد منا ذلك فقد غلط غلطاً عظيماً في فهم مراد الرب تعالى من أوامره .

فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم وهو مطلق الماهية المأمور بها بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك .

وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء .

9-قوله تعالى :-{وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليــكم شهيداً } [البقرة 143].

ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمةً خياراً عدولاً .

هذا حقيقة الوسط . فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإراداتهم و نياتهم . وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة .

والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم . فهم شهداؤه ؛ ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم و أثنى عليهم . لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء وأمر ملائكته أن تصلى عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم .

والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق . فيخبر بالحق مستنداً إلى علمه به .كما قال تعالى :-{ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف 86].

فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقاً من غير علمه به . وقد يعلمه ولا يخبر به .

فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم .

فلو كان علمهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالفةً لحكم الله ورسوله ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله إما مع اشتهار فتوى الأول أو بدون اشتهارها كانت هذه الأمة العدل الخيار قد أطبقت على خلاف الحق بل انقسموا قسمين :- قسماً أفتى بالباطل ، وقسماً سكت عن الحق . وهذا من المستحيل ؛ فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى من بعدهم قطعاً.ونحن نقول لمن خالف أقوالهم لو كان خيراً ما سبقونا إليه .

10-أن قوله تعالى :-{ وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس }[الحج 78] .

فأخبر تعالى أنه اجتباهم .

والاجتباء :- كالاصطفاء - وهو افتعال. من اجتبى الشيء يجتبيه . إذا ضمه إليه وحازه إلى نفسه([99]).

ه .

تابع==

أشرف
23-03-02, 05:19 PM
فهم المجتبون الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين . ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حق جهاده . فيبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحبة والعبودية ويختاروه وحده إلهاً محبوباً على كل ما سواه ، كما اختارهم على من سواهم . فيتخذونه وحده إلههم و معبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم . فيؤثرونه في كل حال على من سواه كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحباءه وآثرهم بذلك على من سواهم

ثم أخبرهم تعالى أنه يسر عليهم دينه غاية التيسير ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتة لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم . ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام . فيكون تعلق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره .

ثم أخبر تعالى أنه نوه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم وسماهم عباده المسلمين قبل أن يظهرهم ثم نوه بهم وسماهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناءً بهم ورفعةً لشأنهم وإعلاءً لقدرهم . ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس . فيكونون مشهوداً لهم بشهادة الرسول ، شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم . فكان هذا التنويه وإشارة الذكر لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين الحكمتين العظيمتين .

والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة فيفتي فيها بعضهم بالخطأ ولا يفتي فيها غيره بالصواب ويظفر فيها بالهدى من بعدهم . - والله المستعان - .

11- قوله تعالى:-{ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} [آل عمران 101]

فنقول الصحابة رضوان الله عليهم معتصمون بالله . فهم مهتدون . فاتباعهم واجب .

أما المقدمة الأولى فتقريرها في قوله تعالى :- { واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } [الحج 78] – ونحوها من الآيات - ومعلوم كمال تولى الله تعالى ونصره إياهم أتم نصره . وهذا يدل على أنهم اعتصموا به أتم اعتصام فهم مهديون بشهادة الرب لهم بلا شك . واتباع المهدي واجب شرعاً وعقلاً وفطرةً بلا شك .

وما يرد على هذا الوجه من أن المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه .

12- قوله تعالى :- عن أصحاب موسى – {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } [السجدة 24].

فأخبر تعالى أنه جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم ؛ إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين . فإن الداعي إلى الله تعالى لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه وبصيرته به ، وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة وكف النفس عما يوهن عزمه ويضعف إرادته . فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى .

ومن المعلوم أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى . فهم أكمل يقيناً وأعظم صبراً من جميع الأمم . فهم أولى بمنصب هذه الإمامة . وهذا أمر ثابت بلا شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم وشهادة الرسول لهم بأنهم خير القرون وأنهم خيرة الله وصفوته . ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق ويظفر به المتأخرون . ولو كان هذا ممكناً لانقلبت الحقائق . وكان المتأخرون أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم وهذا كما أنه محالٌ حساً وعقلاً فهو محال شرعاً .- وبالله التوفيق -.

13- قوله تعالى :-{ والذين يقولــون ربنا هـب لنـا من أزواجـنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً } [الفرقان 74].

وإمام بمعنى : قدوة([100]) . وهو يصلح للواحد والجمع كالأمة والأسوة .

وقد قيل :هوجمع آمم([101])كصاحب وصحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار.

وقيل : هو مصدر([102]) كقتال وضراب أي ذوي إمام .

والصواب :- الوجه الأول . فكل من كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم ؛ لأنهم قدوة القدوة بعد رسولهم صلى الله عليه وسلم ، ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق ويظفر به المتأخرون .

والتقوى واجبة ، و الائتمام بهم واجب . ومخالفتهم فيما أفتوا به مخالف للائتمام بهم .

وإن قيل :- نحن نأتم بهم في الاستدلال وأصول الدين .

فقد تقدم من جواب هذا ما فيه كفاية .

ثانياً :- الأحاديث النبوية ([103]) :

لقد وردت أحاديث كثيرة تحض على الاقتداء بالصحابة على وجه العموم و على وجه الخصوص أيضاً ، إلا أنه ينبغي التنبيه على أن القول بحجية قول الصحابي لا يعني أبداً القول بعصمتهم بل هم بشر يصيبون ويخطئون ، إلا أن خطأهم أقل من خطأ غيرهم بكثير ، كما أن إصابتهم للحق أكثر من إصابة غيرهم ممن جاء من بعدهم .

وينبغي – أيضاً – أن يستحضر القارئ حين قراءته لهذا المبحث أن المراد بحجية قول الصحابي : هو ما أثر عن الصحابة أو أحدهم من قول أو فعل أو فتيا ولم يعلم له مخالف في ذلك بل لم ينقل إلينا إلا قوله أو فعله أو فتياه .

ومما ينبغي استحضاره – أيضاً – أن الحجة في قول الصحابي ليست في قوله لذاته ؛ بل لأن الشارع ضمن حفظ الحق أبداً إلى أن تقوم الساعة ، وأنه لا يخلي عصراً من العصور منه ، كما قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [الحجر 9]. فلو قال الصحابي قولاً ولم يكن صواباً بل الصواب في غيره ولم ينكره عليه أو يخالفه فيه أحد ممن عاصره حتى انقضى ذلك العصر ، ثم جاء من بعده فقال بخلاف قوله لكان ذلك العصر قد خلا من ناطق بالحق ، بل كانوا مطبقين على الباطل ، فهذا هو الذي ينكر .

وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز لمن جاء بعدهم مخالفتهم أو مخالفة أحدهم إذا لم ينقل عن أحد ممن عاصره خلافه ، كما لو اختلفوا – أعني الصحابة – على قولين لم يجز لمن جاء بعدهم إحداث قول ثالث خارجٍ عن القولين .

وكما قلت : الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جداً منها ما يأتي :-

1- ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من وجوه متعددة أنه قال :- (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ([104]) .

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خير القرون قرنه مطلقاً . وذلك يقتضي تقديمهم في كل بابٍ من أبواب الخير . و إلا لو كانوا خيراً من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقاً . فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم و سائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم و أخطأوا هم لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن . ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولاً ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة . ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء فكيف يكونون خيراً ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما أخطأوا فيه . ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها .

فياسبحان الله أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت و أضرابهم - رضي الله عنهم - قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة وأخطأ في ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى تبع من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة ، وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة .-سبحانك هذا بهتان عظيم-.

2- ما روى مسـلم في صحيحه([105]) من حديث أبـي موسى الأشعري قال :- صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا . فخـرج علينا . فقال :- (ما زلتم ههنا ). فقلنا :- يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء . قـال :- ( أحسنتم وأصبتم )-ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء - . فقال :- ( النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد . وأنا أمنة لأصحابي . فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون . وأصحابي أمنة لأمتي . فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) .

ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء .

ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم صلى الله عليه وسلم ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم .

–وأيضاً - فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزاً من الشر وأسبابه . فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحرزاً لهم. وهذا من المحال .

3- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم - ( إن مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح ) ([106]) .

قال الحسن([107]) :- قد ذهب ملحنا فكيف نصلح .

ووجه الاستدلال أنه شبه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاح الطعام به. فلو جاز أن يفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من يفتي بالصواب ويظفر به من بعدهم لكان من بعدهم ملحاً لهم . وهذا محال .

يوضحه أن الملح كما أن به صلاح الطعام ، فالصواب به صلاح الأنام . فلو أخطأوا فيما أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملح يصلحه . فإذا أفتى من بعدهم بالحق كان قد أصلح خطأهم فكان ملحاً لهم .

4- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :- ( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه )وفي لفظ :- ( فو الذي نفسي بيده ) ([108]). وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبية والفتح فإذا كان مد أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند الله من مثل أحد ذهباً من مثل خالد و أضرابه من أصحابه – مع أنه رضي الله عنه هو منهم - فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب في الفتاوى ويظفر به من بعدهم ؟ هذا من أبين المحال .

5- قول النبي صلى الله عليه وسلم :- ( إن الله اختارني واختار لي أصحاباً . فجعل لي منهم وزراء و أنصاراً وأصهاراً …) الحديث([109]) . ومن المحال أن يحرم الله الصواب من اختارهم لرسوله وجعلهم وزراءه وأنصاره وأصهاره ويعطيه من بعدهم في شئ من الأشياء .

6- حديث العرباض بن سارية قال :- وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة . ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . فقال قائل :- يا رسول الله كأنها موعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟

فقال :- ( عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة . وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ . وإياكم ومحدثات الأمور . فإن كل محدثة بدعة . وكل بدعة ضلالة ) ([110]) .

قال ابن القيم([111]) :- ( وهذا حديث حسن إسناده لا بأس به . فقرن سنة خلفائه بسنته . وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته . وبـالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ . وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للأمة وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شئ وإلا كان ذلك سنته . ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم ؛ لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون . ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين ) .

كما يؤخذ من الحديث أنه إذا قال الصحابة قولاً أو أحدهم ثم خالفهم من لم يعاصرهم كان مبتدئاً لذلك القول ومبتدعاً له ، فهو من محدثات الأمور فلا يجوز أتباعهم فيه .

7- حديث حذيفة قال :- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :- ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر . واهتدوا بهدي عمار . وتمسكوا بعهد ابن أم عبد ) ([112]) .

قال الترمذي :- هذا حديث حسن غريب([113]) .

ووجه الاستدلال به ما تقدم في تقرير المتابعة([114]) .

8-حديث أبى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :- ( إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا ) الحديث([115]) .

فجعل الرشد معلقاً بطاعتهما فلو أفتوا بالخطأ في حكم وأصابه من بعدهم لكان الرشد في خلافهما




تابع===

أشرف
23-03-02, 05:20 PM
- أن النــبي صلى الله عليه وسلـــم قـال لأبـي بكر وعمر رضي الله عنهما :- ( لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما ) ([116]).

وفي لفظ ( لو اجتمعتما ما عصيناكما ) ([117]) .

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر أنه لا يخالفهما ولا يعصيهما لو اتفقا . ومن يقول :- قولهما ليس بحجة . يجوز مخالفتهما وعصيانهما .

10- أن النبي صلى الله عليه وسلم نـظر إلى أبـي بـكر وعـمر فـقال :- ( هذان السمع والبصر ) ([118]) .

أي هما مني منزلة السمع والبصر ، أوهما من الدين بمنزلة السمع والبصر .

ومن المحال أن يحرم سمع الدين وبصره الصواب ويظفر به من بعدهما ، وأيضا لخلا ذلك العصر من الحق بل كان أهله على الباطل ، وهذا باطل .

11- ما رواه مسلم في صحيحه([119]) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت :- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :- ( قد كان فيمن خلا من الأمم أناس مُحَدثَّون . فإن يكن في أمتي أحد . فهو عمر ) .

والمـُحدَّث([120]) :هو المتكلم الذي يلقي الله في روعه الصواب . يحدثه به الملك عن الله .

ومن المحال أن يختلف هذا ومن بعده – أي من لم يعاصره - في مسألة ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه ؛ فإن ذلك يستلزم أن يكون ذلك الغير هو المُحدَثُ بالنسبة إلى هذا الحكم دون أمير المؤمنين رضي الله عنه . وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق . إما على لسان عمر ، وإما على لسان غيره منهم . وإنما المحال أن يفتي أمير المؤمنين المُحدث بفتوى أو يحكم بحكم ولا يقول أحد من الصحابة غيره ويكون خطأ ثم يوفق له من بعدهم فيصيب الحق ويخطئه الصحابة .

12-حديث عقبة بن عامر حيث قال :-سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :- ( لو كان بعدي نبي لكان عمر - وفي لفظ - لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ) ([121]) .

قال الترمذي([122]) :- حديث حسن .

ومن المحال أن يختلف من هذا شأنه ومن بعده من المتأخرين في حكم من أحكام الدين ويكون حظ عمر منه الخطأ وحظ ذلك المتأخر منه الصواب .

13- قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود :- ( اقرأ عليَّ ) قال :- أقرأ وعليك أنزل . قال :- ( إني أحب أن أسمعه من غيري ) فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكف عبد الله بن مسعود . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم فحمد الله وأثنى عليه في أول كلامه وأثنى على الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم وشهد شهادة الحق وقال :- ( رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ورضيت لكم ما رضي لكم ابن أم عبد ) ([123]) .

ومن قال ليس قوله بحجة وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف له لم يرض للأمة ما رضيه لهم ابن أم عبد ولا ما رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

14- ما قاله عبادة بن الصامت وغيره:-( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم ) ([124]) .

ونحن نشهد بالله أنهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئاً منه مخافة سوط ولا عصاً ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم .

فمن المحال أن يوفق هؤلاء للصواب ويحرمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

15- ما ثبت في الصحيــح([125]) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقى المنبر فقال :- ( إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله ).فبكى أبو بكر.وقال:- بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا . فعجبنا لبكائه أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل خير.فكان المخير رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر أعلمنا به.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :- ( إن أَمَنَّ الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام ومودته . لا يبقى في المســــجد باب إلا ســـد إلا باب أبى بكر ) ([126])

ومن المعلوم أن فوت الصواب في الفتوى لأعلم الأمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وظفر فلان وفلان من المتأخرين بهذا من أمحل المحال .

ومن لم يجعل قوله حجة يجوز ذلك . بل يحكم بوقوعه .- والله المستعان -.

16-حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :- ( بينما أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن . فقيل لي :- اشرب فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلتي عمر . قالوا :- فما أولت ذلك . قـال :- العلــم ) ([127]) .

ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يعلم أن أحداً من الصحابة خالفه فيه وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الشهادة .

17-حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه وضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءاً . فقال :- ( من وضع هذا ؟ قالوا :- ابن عباس . فقال :- ( اللهم فقهه في الدين ) ([128]) .

وقال عكرمة :- قال ابن عباس :- ضمني إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :- ( اللهم علمه الحكمة ) ([129]) ومن المستبعد جداً بل الممتنع أن يفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة مستجابة قطعاً أن يفقهه في الدين ويعلمه الحكمة ، ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على خطأ ، ويفتى واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه ويكون الصواب معه فيظفر به هو ومقلدوه ويحرمه ابن عباس والصحابة .

18- أنهم إذا قالوا قولاً أو بعضهم ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتدئاً لذلك القول ومبتدعاً له . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :-(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، و إياكم ومحدثات الأمور . فإن كل بدعة ضلالة ) ([130]).

وقول من جاء بعدهم يخالفهم فهو من محدثات الأمور ، فلا يجوز أتباعه .

ثالثاً : الآثار السلفية([131]) :-

لقد نُقلت عن أئمة السلف من الصحابة وتابعيهم نقول قولية وعملية كثيرة ، دالة على تعظيم الصحابة و تعظيم أقوالهم وأفعالهم وسيرهم وتحض في الوقت نفسه على اقتفاء جميع ما أُثر عنهم .

أ-الآثار المروية عن الصحابة في ذلك :-

لقد جاءت آثار كثيرة عن الصحابة –رضي الله عنهم - تدل على شهرة الاحتجاج بأقوال الصحابة السابقين في المسائل التي ليس فيها دليل من الكتاب أو السنة أو اتفاق سابق .

بل في هذه الآثار حض للتابعين لهم للعمل بذلك .

وإليك – أخي القارئ – بعضاً منها :-

1- ما كتبه عمر رضى الله عنه إلى أهل الكوفة جاء فيه:-(قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي ) ([132]) .

فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود ويسمعوا قولهما.

ومن لم يجعل قولهما حجة يقول لا يجب الإقتداء بهما ولا سماع أقوالهما إلا فيما أجمعت عليه الأمة ومعلوم أن ذلك لا اختصاص لهما به بل لا فرق فيه بينهما وبين غيرها من سائر الأمة .

2- ما قاله عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيدالله -رضي الله عنهما- حينما رآه لابساً ثوباً مصبوغاً وهو محرم:-( إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ...)([133])

3- قول علي – رضي الله عنه – :- ( ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر )([134]) .

ومن المحال أن يكون من بعده من المتأخرين أسعد بالصواب منه في أحكام الله تعالى .

4- قول ابن مسعود رضى الله عنه :- ( إن الله عز وجل نظر في قلوب العباد . فاختار محمداً ؛ فبعثه برسالته ، وانتخبه بعلمه . ثم نظر في قلوب الناس بعده . فاختار له أصحابه ، فجعلهم أنصار دينه ، ووزراء نبيه صلى الله عليه وسلم . فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن . وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح ) ([135]).

ومن المحال أن يخطئ الحق في حكم الله خير قلوب العباد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظفر به من بعدهم .

و -أيضاً - فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون كلهم ، فإما أن يكونوا قد رأوه حسناً أو يكونوا قد رأوه قبيحاً . فإن كانوا قد رأوه حسناً ، فهو حسن عند الله . وإن كانوا قد رأوه قبيحاً ولم ينكروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد ، وكان من أنكره بعدهم خيراً منهم وأعلم . وهذا من أبين المحال .

5- وقوله – أيضاً - :- " من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، وأقومها هدياً ، وأحسنها حالاً. قوم اختارهم الله لصحبه نبيه . وإقامة دينه . فاعرفوا لهم فضلهم . واتبعوا آثارهم ؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"([136]).

ومن المحال أن يحرم الله أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً وأقومها هدياً الصواب في أحكامه ويوفق له من بعدهم .

6- وقوله :- ( ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكا يسدده ) ([137]) .

ومعلوم قطعاً أن من كانت هذه حاله فهو أولى بالصواب ممن ليس كذلك .

7-وقوله([138]):-اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. فإن كل محدثة بدعة. وكل بدعة ضلالة .

8-وقوله([139]) :- أيضاً - إنا نقتدي ولا نبتدي . ونتبع ولا نبتدع . ولن نضل ما تمسكنا بالأثر.

9-وقوله([140]) :- أيضاً - إياكم و التبدع . وإياكم والتنطع . وإياكم والتعمق . وعليكم بالدين العتيق .

10- وقوله ([141]) :- أيضاً - أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال ؛ أمور تكون من كبرائكم فأيما مُرَيَّةٌ أو رُجَيِّلٌ أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول فالسمت الأول . فأنا اليوم على السنة .

11- قول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه :- " اتقوا الله يا معشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً .

ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً "([142]) .

ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق من سبق إلى كل خير على الإطلاق .

12- ما قاله جندب بن عبد الله لفرقه دخلت عليه من الخوارج فقالوا :- ندعوك إلى كتاب الله . فقال :- أنتم . قالوا :- نحن . قال :- أنتم . قالوا :- نحن . فقال :- يا أخابيث خلق الله . في اتباعنا تختارون الضلالة أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى . أخرجوا عني ([143]).

ومن المعلوم أن من جوز أن تكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمن بعدهم وخالفهم فيها فقد اتبع الحق في غير سنتهم . وقد دعاهم إلى كتاب الله ؛ فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق . وكفى ذلك إزراء على نفوسهم وعلى الصحابة .

تابع===

أشرف
23-03-02, 05:23 PM
- حديث أبى ذر –رضي الله عنه - حيث قال :- مر فتى على عمر - رضي الله عنه - فقال عمر :- نعم الفتى . قال :- فتـبعه أبو ذر . فقال :- يا فتى استغفر لي . فقال :- يا أبا ذر استغفر لك ، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال :- استغفر لي قال :- لا أو تخبرني. قال :- إنك مررت على عمر فقال :- نعم الفتى . وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :- ( إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه )([144])

ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألة أفتى بها من جعل الله الحق على لسانه وقلبه حظه ولا ينكره عليه أحد من الصحابة ويكون الصواب فيها حظ من بعده .

هذا من أبين المحال .

14- ما رواه الأعمش عن شقيق قال :- ( قال عبد الله :- والله لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر ) . فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي . فقال :- ( قال عبد الله :- والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم )([145]) .

ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شئ من الأشياء .

15- ما رواه زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال :- ( لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :- الأنصار منا أمير ومنكم أمير . فأتاهم عمر قال :- ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم الناس . قالوا :- بلى . فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر . فقالوا :- نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ) ([146]) .

قال ابن القيم([147]) – رحمة الله عليه - :-( ونحن نقول لجميع المفتين أيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلدتموه بغيرها ، ولا سيما من قال من زعمائكم إنه يجب تقليد من قلدناه ديننا ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق رضى الله عنه .

اللهم إنا نشهدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك ونعوذ بك أن نطيب به نفساً ) انتهىكلامه .

16- قول علي([148]) :-رضي الله عنه - لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته .

فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم ؛ لأنهم بين ساكت ومخطئ . ولم يكن في الأرض قائم لله بحجة في ذلك الأمر . ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر حتى نبغت نابغة فقامت بالحجة و أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر .

وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع .

17- ما رواه ابن عيينة عن عبد الله بن أبى يزيد قال :- كان ابن عباس إذا سئل عن شئ وكان في القرآن أو السنة قال به . و إلا قال بما قال به أبو بكر وعمر . فإن لم يكن قال برأيه([149]) .

فهذا ابن عباس واتباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف حتى إنه يخالف لما قام عنده من الدليل أكابر الصحابة يجعل قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول الله ورسوله ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة .

18-وقال ابن عباس([150]) :- عليك بالاستقامة ، اتبع ولا تبتدع ، اتبع الأثر الأول ولا تبتدع.

وما نقل عن واحد من الصحابة من قول أو فعل – ولم يكن ثمة غيره - أثر يجب اتباعه .

19-قيل لعلي رضي الله عنه حينما دخل الكوفة :- أنزل بالقصر الأبيض . فقال([151]) : ( لا إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله فأنا أكرهه لذلك ) فنـزل في الرحبة .

20-قال ابن عباس([152]) للخوارج حين ناظرهم :- (جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم وليس فيكم منهم أحد ، ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله ) .

ب - الآثار المنقولة عن التابعين في ذلك :-

لقد كثرت النقول عن التابعين كثرة يصعب حصرها في الحض على اتباع الصحابة في جميع شؤونهم وذلك بالرجوع إلى أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وسيرهم للاهتداء و الاقتداء بها ، معتبرةً قول الواحد من الصحابة حجةً يصار إليها .

ولكثرتها – كما قلت – حكى بعض العلماء الإجماع على أن التابعين يرون حجية قول الصحابي كما سيأتي-إن شاء الله -.وسأقتصر على أوضحها دلالة ،فمن ذلك :-

1-قول شريح([153]) :- إنما اقتفي الأثر ، فما وجدت في الأثر حدثتكم به .

2-قول إبراهيم النخعي([154]) :- لو بلغني أنهم - يعنى الصحابة - لم يجاوزوا بالوضوء ظفراً لما جاوزته به . وكفى بنا على قوم إزراءً أن نخالف أعمالهم .

3-وقوله([155]) – أيضاً - : لو أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مسحوا على ظفر لما غسلته التماس الفضل في اتباعهم .

4-ما كتبه عمر بن عبد العزيز([156]) إلى بعض عماله حيث قال :- أوصيك بتقوى الله ، والاقتصاد في أمره ، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وترك ما أحدث المحدثون بعده فيما قد جرت به سنته ، وكفوا مؤونته ، واعلم أنه لم يبتدع إنسان بدعة إلا قدم قبلها ما هو دليل عليها وعبرة فيها . فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة ، وأعلم أن من سن السنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والتعمق والحمق .فإن السابقين عن علم وقفوا وببصر نافذ قد كفوا وكانوا هم أقوى على البحث ولم يبحثوا .

5-وقوله([157]) :- أيضاً - قف حيث وقف القوم . وقل كما قالوا . واسكت كما سكتوا ؛ فإنهم عن علم وقفوا . وببصر ناقد كفوا . وهم على كشفها كانوا أقوى . وبالفضل لو كان فيها أحرى . فإنهم السابقون و لئن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه ولئن قلتم حدث بعدهم حدث فما أحدثه إلا من خالف سبيلهم ورغب بنفسه عنهم ولقد تكلموا منه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفى فما دونهم مَقصر ولا فوقهم محسر . ولقد قصر عنهم أقوام فجفوا ، وطمح عنهم آخرون فغلوا . وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم .

6-وقوله([158]) - أيضاً – :- سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لولاة الأمر بعده سننا . الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعته ، وقوة على دينه .ليس لأحد تغييرها ،ولا تبديلها ، ولا النظر في رأي من خالفها . فمن اقتدى بما سنوا اهتدى . ومن استنصر بها نصر . ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.

قال الشاطبي([159]) عن هذا القول : - ( و من كلامه الذي عني به ويحفظه العلماء وكان يعجب مالكاً جداً ….. وبحق وكان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولاً حسنة من السنة ) .

7-قول الأوزاعي([160]) :- عليك بآثار من سلف ، وإن رفضك الناس ، وإياك ورأي الرجال ، وإن زخرفوه لك بالقول ، فإن الأمر ينجلي ، وأنت منه على طريق مستقيم .

8-وقوله ([161])–أيضاً -:- اصبر نفسك على السنة . وقف حيث وقف القوم . وقل بما قالوا وكف عما كفوا ، واسلك سبيل سلفك الصالح ؛ فإنه يسعك ما وسعهم … ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم ؛ و إنه لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم ، وهم أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اختارهم الله وبعثه فيهم ، ووصفهم بما وصفهم به . فقال :- { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } الآية [الفتح 29]

9-قول الشعبي([162]) :- ما حدثوك به عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فخذه. وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش .

أقول :- مما سبق نقله من آثار وغيرها حكى العلائي إجماع التابعين على الاحتجاج بقول الصحابي فقال([163]) : - ( والوجه السادس : وهوالمعتمد : أن التابعين أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم ، والأخذ بقولهم ، والفتيا
به ، من غير نكير من أحد . وكانوا من أهل الاجتهاد أيضاً .

قال مسروق:وجدت علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى ستة : عمر وعلي وأُبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وعبدالله بن مسعود وقال -أيضاً - : كان أصحاب القضاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ستة : عمر وعلي وعبدالله وأُبيّ وزيد وأبو موسى رضي الله عنهم .

قال الشعبي : كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وكان عمر وعلي وعبدالله وزيد بن ثابت يشبه بعضهم بعضاً ، وكان يقتبس بعضهم من بعض .

وكان علي وأبو موسى وأُبيّ بن كعب يشبه علم بعضهم بعضاً ، وكان يقتبس بعضهم من بعض .

وقال علي بن المديني : لم يكن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد له أصحاب يقومون بقوله في الفقه إلا ثلاثة : عبدالله بن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم. ثم ذكر أصحاب كل واحد منهم من التابعين الذين كانوا يفتون الناس بقول ذلك الصحابي .

ومن أمعن النظر في كتب الآثار وجد التابعين لا يختلفون في الرجوع إلى أقوال الصحابي فيما ليس فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع .

ثم هذا مشهور –أيضاً– في كل عصر لا يخلو عنه مستدل بها،أو ذاكر لأقوالهم في كتبه ) انتهى بحروفه .

ويؤيد ما ذكره العلائي ما قاله ابن القيم رحمه الله في كتابه أعلام الموقعين([164]) حيث قال : ( إنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله في فتاوى الصحابة وأقوالهم ولا ينكره منكر منهم . وتصانيف العلماء شاهدة بذلك ومناظرتهم ناطقة به .

قال بعض علماء المالكية :- أهل الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله . وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاتهم ويمتنع والحالة هذه إطباق هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاج به ولا نصبه دليلاً للأمة فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة ووجدت ذلك طرازها وزينتها . ولم تجد فيها قط ليس قول أبي بكر وعمر حجة .ولا يحتج بأقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و فتاويهم ولا ما يدل على ذلك .

وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظاً ومعنىً قول متأخر بعده ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها وكيف يظن أحد أن الظن المستفاد من فتاوى السابقين الأولين الذين شاهدوا الوحي والتنـزيل ، وعرفوا التأويل ، وكان الوحي ينـزل خلال بيوتهم وينـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم .

قال جابر :- كنا نعزل والقرآن ينـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرف تأويله فما عمل به من شئ عملنا به . في حديث حجة الوداع ؛ فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه الذي هو يفصل القرآن ويفسره .

فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء ؟ هذا عين المحال ) انتهى كلامه .

ويؤيد مـا سبق – أيضاً- ما ذكره الشاطـبي ([165]) حيث قال :- ( وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة ، ويتكثرون بموافقتهم ، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة . وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم ، وقوة مآخذهم دون غيرهم ، وكبر شأنهم في الشريعة ، وأنهم مما تجب متابعتهم وتقليدهم فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه ) .

رابعاً :- المعقول([166]) :- وذلك بأن يقال :

إن الصحابي إذا قال قولاً أو حكم بحكم أو أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنا ومدارك نشاركه فيها .

فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم شفاها أومن صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع . وأين ما سمعه الصديق رضي الله عنه والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى ما رووه ؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث([167]) وهو لم يغب عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيْ من مشاهده بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي وكان أعلم الأمة به صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله وهديه وسيرته ، وكذلك أَجِلَّة الصحابة روايتهم قليلة جداً بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافاً مضاعفةً ([168]) فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين([169]) وقد روى عنه الكثير([170]) .



تابع===