المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آيات أشكلت على بعض المفسرين(1) تفسير الذرية للشيخ السعدي


عبدالرحمن الفقيه.
27-03-02, 12:24 PM
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
فقد وقفت خلال مروري وتصفحي لعدد من التفاسير على بعض آيات أشكلت على المفسرين
فتجد مثلا الشيخ السعدي يقول وهذه الآية أشكل آية على في التفسير وكذلك الشنقيطي في أضواء البيان وكذلك ابن العربي والزمخشري وغيرهم
وقد جمع الأمام ابن تيمية رحمه الله في ذلك مصنفا سمي(تفسير آيات أشكلت )
وقد طبع في مجلدين
وكان قصد ابن تيمية رحمه الله من هذا التصنيف كما قال (1/135) }في تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لايوجد فيها الا ماهو خطأ)
ثم بدأ بذكر الآيات وبيان وجه الصواب فيها
فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة
والأمر الذي اريده في كتابة هذا الأمر يختلف عما ذهب اليه ابن تيمية رحمه الله
فأذكر ان شاء الله قول المفسر في الآية التي أشكلت عليه وأذكر أقوال أهل التفسير الاخرى مع محاولة بيان الراجح بحول الله وقدرته

الحلقة الأولى:

قال الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لسورة يس الآية(41)
وهي قوله تعالى(وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون)
قال الشيخ("وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ "
" وَخَلَقْنَا لَهُمْ " أي: للموجودين من بعدهم " مِنْ مِثْلِهِ " أي: من مثل ذلك, أي: جنسه " مَا يَرْكَبُونَ " به. فذكر نعمته على الآباء, بحملهم في السفن, لأن النعمة عليهم, نعمة على الذرية.((( وهذا الموضع من أشكل المواضع عليَّ في التفسير)))0
فإن ما ذكره كثير من المفسرين, من أن المراد بالذرية الآباء, مما لا يعهد في القرآن, إطلاق الذرية على الآباء.؟؟؟
بل فيه من الإبهام, وإخراج الكلام عن موضوعه, ما يأباه كلام رب العالمين, وإرادته البيان والتوضيح لعباده. وثَمَّ احتمال أحسن من هذا, وهو أن المراد بالذرية, الجنس, وأنهم هم بأنفسهم, لأنهم هم, من ذرية بني آدم. ولكن ينقض هذا المعنى قوله " وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ " إن أريد: وخلقنا من مثل ذلك الفلك, أي لهؤلاء المخاطبين, ما يركبون من أنواع الفلك, فيكون ذلك تكريرا للمعنى, تأباه فصاحة القرآن. فإن أريد بقوله " وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ " الإبل, التي هي سفن البر, استقام المعنى واتضح. إلا أنه يبقى أيضا, أن يكون الكلام فيه تشويش, فإنه لو أريد هذا المعنى, لقال: " وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ". فإما أن يقال في الأول: حملنا ذريتهم, وفي الثاني: حملناهم, فإنه لا يظهر المعنى. إلا أن يقال: الضمير عائد إلى الذرية, واللّه أعلم بحقيقة الحال. فلما وصلت في الكتابة إلى هذا الموضع, ظهر لي معنى ليس ببعيد من مراد اللّه تعالى. وذلك أن من عرف جلالة كتاب اللّه, وبيانه التام من كل وجه, للأمور الحاضرة والماضية, والمستقبلة, وأنه يذكر من كل معنى أعلاه وأكمل ما يكون من أحواله, وكانت الفلك من آياته تعالى, ونعمه على عباده, من حين أنعم عليهم بتعلمها إلى يوم القيامة, ولم تزل موجودة في كل زمان, إلى زمان المواجهين بالقرآن. فلما خاطبهم اللّه تعالى بالقرآن, وذكر حالة الفلك, وعلم تعالى أنه سيكون أعظم آيات الفلك, في غير وقتهم, وفي غير زمانهم, حين يعلمهم صنعة الفلك البحرية, الشراعية منها والبخارية, والجوية السابحة في الجو, كالطيور ونحوها, والمراكب البرية, مما كانت الآية العظمى فيه لا توجد إلا في الذرية, نبَّه في الكتاب على أعلى نوع من أنواع آياتها فقال: " وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ " أي المملوء ركبانا وأمتعة. فحملهم اللّه تعالى, ونجاهم بالأسباب التي علمهم اللّه إياها, من الغرق.)

انتهى كلام الشيخ رحمه الله

التعليق على كلام الشيخ رحمه الله

لاشك أن ماذهب اليه الجمهور هو الأقوى وذلك لوجود أدلة من الآيات تدل عليه وكذلك من اللغة
فقول الشيخ هذا مما لايعهد في القرآن استعمال الذرية بالآباء فيه نظر
قال ابن منظور في اللسان((و الذرية الخلق وقيل الذرو و الذرا عدد الذرية الليث ((الذرية تقع على الآباء والأبناء والأولاد والنساء)) قال الله تعالى( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون)
أراد آباءهم الذين حملوا مع نوح في السفينة وقوله ورأى في بعض غزواته امرأة مقتولة فقال (ما كانت هذه لتقاتل) ثم قال للرجل (الحق خالدا فقل له لا تقتل ذرية) ولا عسيفا فسمى النساء ذرية
ومنه حديث عمر رضي الله عنه حجوا بالذرية لا تأكلوا أرزاقها وتذروا أرباقها في أعناقها
قال أبو عبيد أراد بالذرية ههنا النساء قال وذهب جماعة من أهل العربية إلى أن الذرية أصلها الهمز روى ذلك أبو عبيد عن أصحابه منهم أبو عبيدة وغيره من البصريين قال وذهب غيرهم إلى أن أصل الذرية فعلية من الذر وكل مذكور في موضعه وقوله عز وجل( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآلإبراهيم وآل عمران على العالمين) ثم قال( ذرية بعضها من بعض) قال أبو إسحق نصب ذرية على البدل المعنى أن الله اصطفى ذرية بعضها من بعض قال الأزهري(( فقد دخل فيها الآباء والأبناء))
قال أبو إسحق وجائز أن تنصب ذرية على الحال المعنى اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض وقوله عز وجل ألحقنا بهم ذرياتهم يريد أولادهم الصغار )
وقال الطبري( القول في تأويل قوله تعالى وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين يقول تعالى ذكره ودليل لهم أيضا وعلامة على قدرتنا على كل ما نشاء حملنا ذريتهم يعني من نجا من ولد آدم في سفينة نوح وإياها عنى جل ثناؤه بالفلك المشحون والفلك هي السفينة والمشحون المملوء الموقر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل )

وقال البغوي((وآية لهم أنا حملنا ذريتهم) قرأ أهل المدينة والشام ويعقوب ذرياتهم بجمع وقرأ الآخرون ذريتهم على التوحيد فمن جمع كسر التاء ومن لم يجمع نصبها والمراد بالذرية الآباء والاجداد (((واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد))) في الفلك المشحون أي المملوء وأراد سفينة نوح وهؤلاء من نسل من حمل مع نوح وكانوا في أصلابهم)


وذكر السيوطي في الدر المنثور(خرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون قال سفينة نوح عليه السلام حمل فيها من كل زوجين اثنين وخلقنا لهم من مثله ما يركبون قال السفن التي في البحور والأنهار التي يركب الناس فيها )


وقال ابن الجوزي في زاد المسير(وآية لهم أنا حملنا ذريتهم قرأ نافع وابن عامر ذرياتهم على الجمع وقرأ الباقون من السبعة ذريتهم على التوحيد قال المفسرون أراد في سفينة نوح فنسب الذرية إلى المخاطبين لأنهم من جنسهم كأنه قال ذرية الناس وقال الفراء أي ذرية من هو منهم فجعلها ذرية لهم وقد سبقتهم وقال غيره هو حمل الأنبياء في أصلاب الآباء حين ركبوا السفينة ومنه قول العباس بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسرا وأهله الغرق قال المفضل بن سلمة الذرية النسل لأنهم من ذرأهم الله منهم والذريةأيضا الآباء لأن الذر وقع منهم فهو من الأضداء ومنه هذه الآية وقد شرحنا هذا في قوله ذرية بعضها من بعض )

فتبين لنا من أقوال أهل اللغة والتفسير أن الذرية تطلق على الآباء أيضا
فبهذا يزول الإشكال الذي ذكره الشيخ رحمه الله وأسبغ عليه مغفرته

والله تعالى أعلم