المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مزالق في التحقيق - الحلقة الخامسة


محمد الأمين فضيل
31-10-02, 10:43 AM
مزالق في التحقيق - الحلقة الخامسة

بقلم: عبدالله بن محمد الشمراني


المزلق الثامن: «المشاغبة في التعليق، والتعقيب»:

وأعني بذلك المزلق: ان يأتي الباحث فيعلق على كلام احد العلماء، او يتعقبه فيأتي بجملة اعتراضية خارجة عن ادب الحوار العلمي، وليس فيها فائدة، وهذا ما اسميه «المشاغبة».
ف:« المشاغبة»: إدراج مالا مناسبة له، ولا فائدة فيه، او ما من شأنه الاثارة.
فالكتب العلمية، وكذلك التحقيق العلمي، ينبغي ان تتسم بالجدية، والبعد عن الاساليب الصحفية، والمهاترات الكلامية، فهي لا تصلح لكتاب جاد يعتمد على الصياغة العلمية الحرة.
فيجب على المؤلف، او المحقق ان يصب جهده في الموضوع الذي يتولاه، ويحاول قدر استطاعته تقليل التساؤلات وعلامات التعجب، والكلام غير العلمي، الذي لا يخدم البحث، دون التعرض لشخص المصنف.
فلو أردت تحقيق مخطوط ووجدت وهماً او خطأً من المؤلف فلا تسيء الادب في الحاشية، ولا تطيل بما لا يخدم البحث، بل التزم بيان الحق بأقصر عبارة، فأنت هنا محقق لا مؤلف، فتسود الصفحات.
فلو قال المصنف:« اخرجه الشيخان». وهو عند أحدهما، قل في حاشيتك:
«بعد البحث، وجدت ان الحديث عند مسلم فقط». ثم اذكر الجزء والصفحة، ولا تكتب اكثر من ذلك، والقارئ سيعرف تبعاً ان المؤلف قد وهم.
ولو صحح المؤلف ضعيفاً عندك، فلك ان تبرز رأيك بقولك:
«والحديث ضعيف، لوجود «فلان»، ومدلس وقد عنعن».
ثم وثق كلامك، ولا تكتب أكثر من هذا.
وأقصد بقولي:« لا تكتب اكثر من هذا». اي: مما يضرك، وينقص من تحقيقك امام النقاد.
«مثال ذلك»:
«1» قال ابن القيم - رحمه الله - في:«مفتاح دار السعادة» «3/228» عن اسناد حديث عند ابن ماجة: «وهؤلاء كلهم: رجال ثقات، حُفَّاظٌ».
فقال المحقق - وهو: الشيخ الحلبي وفقه الله - في ح«1»:
«نعم، ولكن ماذا تفعل - ايها الامام - بالانقطاع بين ابي قلابة والنعمان، وقد اعله به البيهقي؟!»أ.هـ
والاولى أن يقول:
«نعم رجاله ثقات، ولكن فيه انقطاع بين ابي قلابة والنعمان، وقد اعلّه به البيهقي».
فيحذف التساؤل، وعلامتي: الاستفهام، والتعجب.
وقد يؤخذ من التساؤل بهذه الصيغة ازدراء امامة ابن القيم، الامر الذي قد يأباه المحقق.
بل ذكر المحقق منهجا سليماً في هذا الكتاب، حيث علق على عبارة المصنف «3/308»:
«وذكر ابن وهب قال: اخبرنا اسامة..».
فقال المحقق في ح «1»:
«لم أره فيما عندي من «جامعه» وقد رواه - البيهقي في «الدعوات الكبير» «501» بسند فيه جهالة» أ.هـ
وهذه عبارة ادت الى المقصود من التحقيق.
«2»ومثال التأليف، كتاب:«نهي الصحبة عن النزول بالركبة»، للشيخ الفاضل: ابي اسحاق الحويني فقد قال المصَنِّف وفقه الله «ص11»:
«قال شيخ الاسلام رضي الله عنه:« وحديث أبي هريرة لعل متنه انقلب..الخ».
قلت: أصاب شيخ الاسلام اجراً واحداً. فما قاله أقرب الى الرجم بالغيب! منه الى التحقيق العلمي..» أ.هـ فما فائدة هذا الكلام؟ ويغني عنه ما نقله عن العلامة علي القاري - رحمه الله - بعد ذلك. مما يرد به على قول ابن القيم، دون المشاغبة بهذه العبارة، التي لا دخل لها في البحث العلمي.
ومثله ما ذكره «ص 22»، متعقباً لما أورده ابن الجوزي في المسألة، فقال:
«وهذا جواب هزيل! بل أوهى من بيت العنكبوت! وقد تعجبت أن يجيب حافظ كابن الجوزي بمثل هذا» أ.هـ تأمل أخي، مع انه تعقب ابن الجوزي بكلام قوي لابن عبدالهادي، ولو اكتفى به لكان حسناً.
اخي الباحث محققاً كنت او مؤلفاً:
اكتب بحوثك وتحقيقاتك لوجه الله تعالى، و لكي يستفيد الناس، واستفادتهم مما تخط يدك على وجهين:
الوجه الاول: الاستفادة العلمية من المسائل المطروحة في البحث تحقيقاً كان المكتوب، او تأليفاً.
الوجه الثاني: التربية العلمية والادبية لطلاب العلم ولاسيما الناشئة منهم.
ونحن بحاجة الى تربية هؤلاء الناشئة من طلاب العلم على الجادة، ومثل هذه العبارات لا تخدم التربية الصحيحة العلمية، كما انها تعطي القارئ صورة سيئة عن الكاتب، وضعف اسلوبه في تحرير المسائل.
وقد اطلعت على احد كتب الردود، فرأيت منها ما يهول العقل، من السب، والشتم، والطعن، والتنابز بالالقاب، والسخرية بالمردود عليه، واحتقاره، وازدراء علمه.
وفي المقابل وجدت ان كتب المردود عليه لا تحتوي على هذه النقائص.
فكسب صاحب الرد فضل بيان الخطأ، والتنبيه عليه، ولكنه خسر جمهوراً غفيراً من القراء، وما استطاع ان يصل اليهم بقلمه، لشدته على مخالفه، وهو ذو شعبية كبيرة.
وبسبب قسوته في الرد، وبعده عن ادب الحوار العلمي، انحصرت فوائد كتابه على جماعة قليلة من محبيه، ومن عشاق هذا اللون من الردود الغليظة.
وهذه - للاسف الشديدة - ظاهرة لها شعبية لا بأس بها في البلاد الاسلامية، لذا نجد ان كتب الردود تحظى برواج كبير، لم تحظ به الكتب العلمية.
أسأل الله لنا ولهم التوفيق والسداد.
«مثال لطريقة السلف في التعقيب»:
قال ابن مفلح في:« الفروع» «4/468» على احد الاقوال في احدى مسائل الرجعة:
«قطع به: الخرقي، وابو الفرج ابن الجوزي».
وتعقبه المرداوي في «الانصاف» «23/115» بقوله:
«قال في «الفروع»:« جزم به ابن الجوزي». الذي رأيته في«المذهب»، و «مسبوك الذهب»، ما ذكرته اولاً، فلعلَّه اطلع على غير ذلك»أ.هـ
«ومن مساوئ هذا المزلق»:
انتقاص الائمة، وإساءة الظن بالباحث، وانا لا أتحدث عن مقصد الباحث، هل يريد انتقاص العالم، او لا، ولكن يهمني هنا التنبيه علي هذا المزلق، وما فيه.
«تذييل»:
ومما يمكن ادراجه تحت هذا المزلق، ما يصنعه بعض الافاضل - فقههم الله - من احتقار غيرهم في الردود، والاستخفاف بعلمهم، ورميهم بالجهل، والتعصب لمذهبهم او لرأيهم، والتقليد الاعمى لغيرهم، والانتصار لقولهم، يرمونهم بذلك بأسلوب حاد، وإلصاق علامات التعجب في نهاية كل فقرة.
واشد من ذلك رميهم بفساد النيات، كقول احدهم:« انه ذكر هذا الطريق وترك الآخر لمقصد خبيث يعلمه هو!!».
بل منهم من يلزم الناس بقوله، فإن حكم بضعف حديث، علق بعد حكمه بقوله:« وقد صححه بعض الجهلة»، او «وقد صححه من لا علم له بهذا الفن».
يقول هذا وهو يعلم بأن المحدثين وان اتفقوا على علوم الحديث النظرية، الا انهم اختلفوا في التطبيق، فصار حكم المحدثين على الحديث صحة وضعفاً من باب الاجتهاد، واحتمال الصواب والخطأ فيها وارد، والكل مأجور.
فمن ملك الاهلية في علم الحديث بصفة عامة، والتصحيح والتضعيف بصفة خاصة، فله الحكم على الحديث، ولمن خالفه ان يرد عليه ويناقشه، ولكن بأدب ودون ان يلزمه بقوله.

المزلق التاسع:« جحود فضل الرسالة العلمية(1)»

واعني بهذا المزلق: ما يفعله بعض الافاضل عندما يقومون بتحقيق مخطوط، ويتقدمون به لنيل درجة علمية، وبعد الحصول على الدرجة، لا يهتمون بهذا الكتاب الذي بذلوا فيه من اوقاتهم سنوات، وبذلوا فيه الكثير من الجهد، والمال.
نعم، لا يهتمون بهذا الكتاب الذي كان سبباً - بعد الله - في النعمة التي هم فيها من المنصب، والجاه، والمال، وتبقى هذه الكتب المحققة مخزونة في مكتبات الجامعات لسنوات طويلة، لا يطبعونه، ولا يفكرون في طبعه، ولا تطولها ايدي طلاب العلم، والباحثين بسهولة. ولا شك ان في طبع هذه الرسائل فوائد، منها:
«1» نفع الامة بالعلم الموجود فيها.
«2» استفادة طلاب العلم والباحثين من القسم الدراسي الذي يحتوي -احياناً - على بعض الفوائد العزيزة، القائمة على استقراء فكر المصنف، ومنهجه في كتابه، وترجمة حافلة للمصنف مع ذكر مصنفاته، واماكن وجود نسخها الخطية، ولا نرى لهذه الدراسة - بهذا التوسع - عناية عند من يقومون بتحقيق الكتب تجارياً.
«3» في طبع هذه الرسائل تفويت الفرصة على مرتزقة الكتب، الذين يتاجرون بالتحقيق.
وهذا المزلق لا يحتاج الى مثال، لتواتره، لكني اذكر بعض الامثلة، تمشياً مع المنهج الذي سرت عليه في التمثيل على كل مزلق.
«1» «الاسماء المبهمة في الانباء المحكمة» للخطيب البغدادي رحمه الله.
«2» «المسند» لأبي يعلى الموصلي رحمه الله.
هذان الكتابان حققا في رسائل علمية، منذ اكثر من «خمس عشرة» سنة، ولم نر هذا التحقيق الى اليوم، ثم طبعا بتحقيق آخر، ولا شك ان في طبع هذين الكتابين من حين الانتهاء من تحقيقهما فائدة، حرمنا منها سنوات.

المزلق العاشر:« عدم مراجعة الرسائل العلمية القديمة عند طبعها»:

واعني بهذا المزلق: قيام بعض الباحثين بطبع هذه الرسائل بعد سنوات طويلة من نسخها، وتحقيقها، والتعليق عليها، علماً بأن بعضهم اعتمد - حين اعدادها - على كتب مخطوطة، وعلى مصادر قديمة مليئة بالسقط، والتصحيف - والتحريف ، وفاته الاستفادة من بعض الكتب - ولاسيما كتب المصنف الذي يحقق كتابه - لانها لم تكن في متناول يده حين إعداد الرسالة، اما لانها مخطوطة وبعيدة عنه، او انها في عداد المفقود، فعثر عليها.
وبعد هذه السنوات يبادر بطبع الكتاب محققا كما هو، دون مراجعته، ودون الاستفادة مما طبع حديثاً.
ويحدث في هذه الطبعة ما يأتي:
«أ» الاحالة الى كتب مخطوطة، ويحيل الى رقم اللوحات، وهذه الكتب قد طبعت، و اصبحت في متناول ايدي طلبة العلم، والباحثين، بخلاف المخطوطات، التي يصعب الرجوع اليها عند كل أحد.
فتجد مثلاً في بعض هذه الكتب احالات الى كتب مخطوطة، ك:
«الإبانة» لابن بطة، و «معرفة الصحابة» لأبي نعيم، و«المطالب العالية» «النسخة المسندة» للحافظ، «تهذيب الكمال» للمزي، و «الواضح في اصول الفقه» لابن عقيل، و «التحبير شرح التحبير» للمرداوي..
وهذه الكتب قد طبعت حديثاً، وخدمت خدمة طيبة، فتبديل الإحالة الى صفحات المطبوع، اولى وأجود من ابقاء الاحالة الى المخطوط، وهي ليست في متناول الايدي.
«ب» الاحالة الى كتب بطبعات قديمة، فيها من التصحيف، والتحريف، والسقط، ما كان يشتكي منه اثناء إعداد الرسالة، والتعليق عليها، وكان يذكر هذه الاشكالات، ويعالجها في الحاشية، وتجده احياناً يخرج الحديث في الحاشية بقوله:« لم اجده في المطبوع». او «اخرجه فلان في كتابه، ولكن بدون اسناد». ويكون في المطبوع سقط، عرف بعد جمع نسخه الخطية، ومقابلتها، وطبعه محققاً من جديد.
ومن امثلة الكتب التي طبعت طبعة جديدة نسخت الطبعات السابقة:
«الشريعة» للآجري، بتحقيق الدكتور الدميجي، نسخت طبعة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله.
و «العلو للعلي العظيم» للذهبي، بتحقيق البراك، نسخت الطبعات السابقة: الهندية، والمصريتين، والمدنية، وكلها مأخوذة عن الطبعة الهندية.
و« الجواب الصحيح» لشيخ الاسلام، بتحقيق الدكتور علي بن ناصر ورفاقه، نسخت طبعتي النيل، والمدني.
و «مسند الطيالسي» بتحقيق الدكتور محمد التركي، نسخت الطبعة الهندية.
وهذا من باب التمثيل والا غيرها كثير جداً بفضل الله، وبعد صدور هذه الطبعات المحققة، اصبح الرجوع اليها لازماً ، وكذا الاحالة اليها، واصبح الرجوع الى الطبعات القديمة، والاحالة اليها لا فائدة منه.
«ج» نقص بعض المعلومات عن المصنف ك: تاريخ مولده، او تاريخ وفاته، او بعض شيوخه، او معرفة بعض مصادره التي ذكرها في كتابه، ولم تظهر له بوضوح، وهذه المعلومات قد يعثر عليها في كتبه الاخرى، التي عثر عليها وطبعت، وقد تذكر بعض هذه المعلومات فيها، ولو في بعض السماعات الموجودة على نسخها.
اي: بعد «سبع عشرة» سنة من الانتهاء من تحقيقه، وقد احال فيه الى الكثير من الكتب المخطوطة، التي طبعت بعد انتهائه من العمل على فترات، وأصبحت في متناول ايدي طلاب العلم، والباحثين، قبل ان يطبع رسالته، مثل:
«أصول الفقه» لابن مفلح المقدسي، و «التحرير في اصول الفقه» للمرداوي، و «التمهيد في اصول الفقه» لابي الخطاب الكلوذاني، و «تهذيب الاجوبة» لابي عبدالله بن حامد، والروايتين والوجهين «للقاضي ابي يعلى، و «شرح»:«مختصر الروضة» لنجم الدين الطوفي، والواضح في اصول الفقه» لابي الوفاء بن عقيل.
فهذه قائمة ب «سبعة» كتب في اصول الفقه الحنبلي، طبعت قبل طبع رسالته، ومع ذلك نجده يحيل في تحقيقه الى نسخها الخطية، وقد وقفت على ضعف هذا العدد، ولكني اكتفيت بذكر كتب اصول الفقه الحنبلي، فقط، وهي الكتب التي يهمه امرها.
سوى بعض الطبعات التي احال إليها، وفيها سقط كبير جداً، وتحريف كثير، كـ:« شرح الكوكب المنير» لابن النجار، طبعة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله، وقد طبع كاملاً، ومحققاً ولله الحمد.
نعم، ترك الاحالات القديمة للنسخ الخطية، او المطبوعة طبعة سيئة، وتعديل الاحالة الى المطبوعة الجيدة، يتطلب جهداً آخر، ولكن لا بأس به، اذا كان في ذلك مصلحة للكتاب وللقارئ.
وفي «1/23-32»، عقد المحقق فصلاً تكلم فيه عن مصادر الكتاب، وذكر الكثير منها، وقال عن كثير منها:
إنها مخطوطة، ووصف هذه النسخ، وذكر اماكن وجودها..
يفعل هذا، وهذه الكتب اصبحت الآن مطبوعة، وفي متناول ايدي طلاب العلم، والباحثين، واصبح كلامه في هذا الفصل بحاجة الى مراجعة وتغيير.
ويعلم الله، بأني لم ارد الحط من هذه الطبعة، وفيها جهد علمي مميز، ولكني ذكرتها كنموذج للرسائل التي تترك سنوات طويلة، ثم تطبع كما هي، دون ادنى مراجعة.

المزلق الحادي عشر:« إهمال جهود المحققين السابقين»:

واعني بهذا المزلق: قيام احد الباحثين بتحقيق كتاب قد طبع قديماً، ولا يشير الى ذلك، او يشير اليها وينتقدها بشدة، مهدراً جهداً علمياً - ولو متواضعاً - للسابقين، الذين لم تخدمهم وسائل البحث العلمي الحديثة.
«مثال ذلك»:
قام احد الباحثين بتحقيق كتاب مسند في العقيدة، وكان هذا الكتاب قد طبع من قبل اكثر من طبعتين، وتداول الناس الطبعات القديمة، واستفادوا منها، ولكن هذا الباحث -وفقه الله - اشار الى طبعتين، وترك الثالثة، ولم يشر اليها، ولا اعلم هل اطلع عليها، او لا؟
وحسن الظن يقتضي القول الثاني.
وقد أطلعني احد الناشرين على تحقيق جديد للكتاب نفسه، ولم يشر محققه - عفا الله عنه - الى تحقيق الاخير، وقال: لانه ترك طبعة فلان، وتجاهلها، فأنا أترك طبعته، وأتجاهلها.
اخي طالب العلم: أسألك بالله: هل هذا كلام علمي، يصدر من طالب علم؟
انا لا اطالب المحقق بذكر الطبعات السابقة للثناء عليها، او لتجريحها، بل يذكرها من باب احاطة القارئ بها، ولا سيما ان بعض الطبعات يكون لها شهرة علمية كبيرة، ويكون اعتماد طلاب العلم والباحثين عليها لسنوات، يصعب معها تجاهلها، وان فعل ظن الناس به الظنون.

المزلقُ الثاني عشر:« تحقيق كتب اهل البدع والاهواء»

وأعني بهذا المزلق: قيام بعض المحققين بايعاز من بعض المؤسسات او من عند انفسهم بتحقيق كتب الزنادقة، واهل البدع، والاهواء، ونشرها بين المسلمين، بعذر نشر التراث العلمي للعرب والمسلمين.
ومن ذلك تحقيق كتب المعتزلة، والحلولية، والزنادقة، وغلاة الصوفية، ك:
«شرح الاصول الخمسة» للقاضي عبدالجبار بن احمد المعتزلي ت «415هـ».
وازالة الشبهات عن الآيات والاحاديث المتشابهات لابن اللبان الدمشقي الهالك بالطاعون سنة:«749هـ».
و «فصوص الحكم»، و «الفتوحات المكية» كلاهما للزنديق ابن عربي ت «638هـ».
وغيرها كثير..
ولا شك ان في نشر هذه الكتب ترويجاً للباطل، ودعوة الى مذاهب: الاعتزال، والتصوف، والحلول، والاتحاد. والاصل في كتب هؤلاء ان تحرق ولا كرامة، ومن يقوم بتحقيقها، ونشرها بين المسلمين يساهم في الدعوة الى ما دعت اليه هذه الكتب، وان لم يقصد ذلك.
أما من أرادها من اهل الحق للاطلاع عليها والتوثق من نقولها، او الرد على بعض شبهها، فيمكنه الرجوع الى نسخها الخطية، وهي متوفرة - وللاسف الشديد - في المكتبات الخطية.
ونشر هذه الكتب مع الرد عليها، ليس عذراً مقبولا لاستحضار هذه المصيبة من عالم المخطوطات، الى عالم المطبوعات، لتباع بعد ذلك في المكتبات، وتشترى من قبل بعض الطلبة، ولا يدرون ما فيها، وان عرفوا، فهم لا يميزون ما فيها من حق وباطل، وان ميزوا الحق عن غيره، فقد تنطلي عليهم احدى الشبه، ويكون رد المحقق عليها هزيلاً، فترسخ الشبهة، ويميع الرد، والله المستعان.
«مثال ذلك»:
حقق الدكتور: فريد مصطفى - غفر الله له - كتاب «ازالة الشبهات عن الآيات والاحاديث المتشابهات» لابن اللبان الدمشقي ت «749هـ»، وقال في مقدمة تحقيقه «ص 1-2»:
«موضوع هذا الكتاب هو آيات الصفات وفق طريقة المؤوّلة، والمعطلة.
بل فيه إشارات الى غايات ابعد من ذلك، وفق طريقة المتصوفة، ومنهجهم(2).
وهذا الكتاب من الكتب النوادر، التي تحتل مكانة متميزة في موضوعها، اشار اليه اكثر من امام من الائمة الاعلام، كابن حجر العسقلاني، وابن السبكي، وابن العماد الحنبلي، وغيرهم(3).
ويتميز الكتاب بدقة ألفاظه، وجمال اسلوبه، وقوة حجته، فكان من الواجب اظهار هذا الكتاب مع الرد عليه، وبيان وجه الحق في هذه القضايا الاساسية، المتصلة بعقيدة الامة. ومواجهة الخصم من خلال اقواله، ونصوصه، مع الرد عليها، اقوى، واعظم فائدة، من تجاهلها، وغض الطرف عنها..»أ.هـ.
اقول: إن كان الباحث - اي باحث - يريد خدمة الامة بالرد على اهل البدع والاهواء، ليسلك طريق الائمة، في الرد عليهم، وهو نقض اصولهم من خلال ما يكتبونه من الكتب والرسائل، الصغيرة والكبيرة، التي يبينون فيها مذهب اهل السنة والجماعة، ثم يذكرون مذهب اهل البدع والاهواء، والرد عليه من الكتاب والسنة.
هذا هو منهج الائمة والاعلام.
أما القيام بخدمة كتبهم، ونسخها، وطبعها محققة، ونشرها بين عامة المسلمين، بحجة تعريف الناس بمذاهب هؤلاء ، ومن ثم الرد عليهم، فمزلق خطير، لا تسلم لمن قال به، او دعا اليه.
ويكفي في طرح هذا الكتاب - «ازالة الشبهات» - قول الحافظ ابن حجر رحمه الله في:« الدرر الكامنة» «3/421»:
«كتاب على لسان الصوفية، وفيه من اشارات اهل الوحدة، وهو في غاية الحلاوة لفظاً، وفي المعنى سم ناقع» أ.هـ.
وقد ذكر السبكي في « طبقات الشافعية الكبرى» «9/94»، وابن العماد في:« شذرات الذهب» «8/279».
انه بنى كتابه هذا على طريقة الصوفية.
وأستودعكم الله - تعالى - الى لقاء آخر في الحلقات القادمة - ان شاء الله - عن مزالق التحقيق..


--------------------------------------------------------
1 الكلام هنا مقتصر على الرسائل « المحققة » لا البحوث الموضوعية فهي على شرطي
2 لعله يقصد الاشارة الى القول بوحدة الوجود كما سيأتي في كلام الحافظ
3 نعم أشاروا إليه عند ترجمتهم للمؤلف، ولكن ما أشادوا به كما يظن من كلام المحقق وفقه الله
أما حسن العبارة وحلاوة اللفظ، فنعم أثنوا عليه في هذا الباب، أما من حيث المعنى وهو الأساس فينظر كلام الحافظ الآتي.

عصام البشير
31-10-02, 01:34 PM
ليتك تتفضل بجمع هذه الحلقات على ملف وورد لإفادة الجميع..

صلاح
31-10-02, 02:31 PM
جزى الله الشيخ المحقق عبدالله الشمراني خيرا.

عجبا من بعض كتاب زماننا حينما لا يرى لائمتنا شيئا:

كتب احدهم رادا على ابن المديني:

1- ماهكذا تعل الاخبار يابن المديني؟!!!.


2- وقال مرة: ابن حزم يخدش في الرخام!!!!!!!!!!!













هل يرعوي هؤلاء؟، لابد ان يؤدبوا بالاخذ على ايديهم بكي النقد العلني

محمد الأمين فضيل
01-11-02, 12:30 PM
أخي عصام عند انتهاء الحلقات سأجمعها في ملف واحد وسأضعها إن شاء الله في مكتبة الموقع .

وإليكم رابط الحلقة الرابعة :

http://64.246.11.80/~baljurashi.com/vb/showthread.php?s=&threadid=4152&highlight=%E3%D2%C7%E1%DE

راضي عبد المنعم
28-12-04, 07:22 PM
جزاكم الله خيرًا

أبو عبدالله طارق بن عبدالله
18-03-15, 06:50 PM
الحلقات على هيئة ملف وورد مع الخط