المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فتح ربِّ البريَّة في شرح الحديث المُسلْسَل بالأوَّلية (المجلس الخامس عشر)


يحيى العدل
25-07-02, 06:13 AM
في يوم الخميس الخامس عشر من جمادى الأولى لسنة ثلاث وعشرين وأربعمئة وألف للهجرة الشريفة.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد فنستأنف مجالس التحديث بعون الله تعالى:

المسألةُ الثَّانية والثَّلاثُون: معرفةُ ما في الحديث من صُور التفرُّد.
وهذه المسألةُ داخلةٌ في النَّوع السَّابع عشر ((معرفةُ الأفراد)).

الأفراد هي جمعُ فردٍ، والتفرُّد لا أثر له على الحديث من حيث الصِّحة والضَّعف، فمنهُ الصَّحيحُ والضَّعيفُ. فما تفرَّد به الثِّقةُ كان صحيحًا، وما تفرَّد به الضَّعيفُ كان ضعيفًا. فالعبرةُ إذًا بحال المُتفرِّد لا بمُطلق التَّفرُّد.

وهو على قسمين: مُطلقٌ ومُقيدٌ.

فالقسمُ الأوَّل المُطلق: هُو ما ينفردُ به واحدٌ عن واحدٍ في جميع طبقاتِ السَّندِ أو في بعضِهَا.
والحكمُ فيه يتعلَّقُ بحال المُتفرِّد.

ويدخلُ في هذا لباب : ((معرفةُ زيادات الثِّقات)) وهي النَّوع السَّادس عشر.

والقسمُ الثَّاني المُقيَّد: وهُو ما كان التفرُّدُ فيه نسبيًّا.

وهُو أنواعٌ:

1 ـ تفرُّد الثِّقة برواية حديثٍ قد رواه غيره لكن ليس من الثَّقات.

2 ـ تفرُّد الرَّاوي برواية الحديث عن شيخه.

وهذا يأتي على ضربين:

أ ـ تفرُّدٌ مُطلقٌ.

ب ـ تفرُّد مُقيدٌ ببلدٍ، أونحوه كـ(الزَّمن) ومنه قولُهُم ((آخر من روى عن فُلانٍ فُلانٌ) فإنَّ هذا تفرُّدٌ.

3 ـ تفرُّد أهلِ بلدٍ مُعينٍ بحديثٍ أو سُنَّةٍ.

4 ـ تفرُّد أهلِ بلدٍ عن أهلِ بلدٍ آخَرَ.

وأكثرُ ما يُستعملُ إِطلاقُ الفَرديَّةِ على الفرد المُطلقِ.

أما النِّسبي فيُسمُّونه غريبًا هذا من حيث الاصطلاح لا من حيث الاستعمال .

والحديثُ الذي بين أيدينا يدخُل في باب الفرد النِّسبِيِّ.

قال ابن ناصرالدِّين : ((الحديثُ على شُهرته فردٌ، لم يروه عن أبي قابُوسَ غيرُ عَمرو بن دينار، ولا عن عمرٍو سوى سُفيان بن عُيينة فيما نعلم. فهذا هُو من الأفراد، والأفرادُ في الحديث على أقسامٍ ترجِعُ إلى قسمين: مُطلقٌ ومُقيدٌ، فمن أقسامه: تفرُّد أهل بلدةٍ بحديثٍ أو بسُنَّةٍ، وهذا قد صنَّف فيه أبو داود سُليمان بن الأشعث السِّجستانيُّ صاحبُ ((السُّنن)) مُصنَّفًا، وتعرَّض في سُننه إلى أحاديث من هذا الضَّرب، كأن يُقال: هذا حديثٌ تفرَّد به أهل مكة، وهذه سُنَّةٌ تفرَّد بها أهلُ البصرة.
ومن الأفراد: زياداتُ الثِّقات، وهو ما ينفردُ بالزِّيادة ثقةٌ عن غيره.
منها ما ليس له إلاَّ إسنادٌ واحدٌ، وقد صنَّف فيه أبو الحسن الدَّارقُطني مُصنَّفًا حافِلاً، وجعل له أبو عبداللَّه مُحمَّد بن طاهر المقدسيُّ أطرافًا، و((مُعجم الطَّبرانيُّ الأوسَطُ)) في الأفراد.
ويدخُلُ فيها الشَّاذُ ، والمُنكرُ، والغريبُ.
فإن انفرد به ثقةٌ مُتقنٌ غيرُ مُخالفٍ لغيره فهذا حديثهُ الذي انفرد به صحيحٌ أو حسنٌ يُحتجُّ به.
ومنهُ أفرادُ الصِّحاح، ويُسمَّى غرائب الصِّحاح، كحديث النَّهي عن بيع الولاء وهبتِهِ.
تفرَّد به عبداللَّه بن دينار، عن ابن عُمر (رضي اللَّه عنهُما) وقد استفاض ممَّن دون عبداللَّه بن دينار إلينا.
ومن هذا القسم: هذا الحديثُ؛ فإنَّه مرويٌّ من طريق سُفيان بن عُيينة، وقد انفرد به عن عَمرٍو، كما انفرد عمرٌو عن أبي قابوسَ.
وهذا التفرُّد لا يقدحُ في الحديثِ؛ لأنَّ سُفيان وشيخَهُ عمرًا ثقتان مُتقنان جبلان في الحفْظِ والثِّقةِ والإتقان، ولأبي قابُوسَ مُتابِعٌ على حديثه...)).

وقال في ترجمته لسُفيان : ((وهذا الحديثُ معروفٌ به، وهُو من أفراده عن عَمرو بن دينار)).

وقال في موضعٍ آخر (كذلك): ((ومن فوائد سند الحديث (أيضًا): أنه فردٌ من وجهين هُما قسمان من أقسام التَّفرُّد، فتارةً يأتي الحديث بسندٍ لم يروه عن فُلانٍ إلا فُلانٌ، وهذا على صفاتٍ، و((معجمُ أبي القاسم الطَّبراني الأوسط)) من هذا ، وكذلك ((الأفراد)) لأبي الحسن الدَّارقُطني، وهُو في مئة جُزءٍ، جمع لها أبو عبداللَّه مُحمَّد بن طاهر المقدسِيُّ أطرافًا.
وتارةً يأتي الحديث، فيُقال مثلاًك تفرَّد به أهلُ البصرة، أو أهلُ الكوفة، أو يُقال: هذه سُنَّة تفرَّد بها أهلُ بلد كذا ، ولأبي داود صاحب ((السُّنن)) مُصنَّف مُفرد في ذلك سمَّاه ((كتاب التَّفرُّد)) وذكر في ((سُننه)) شيئًا يسيرًا من ذلك.
وتارةً يأتي التفرُّد في إسنادٍ فيه راوٍ عن آخر، فيُقال عنهُما: فلانٌ عن فلانٍ، وتفرَّد عنه.
أي: لم يبقْ من يروي عن ذلِكَ الرُّجلِ من الموجُودين أحدٌ غيرُ ذلك الرَّاوي.
فتارةً يأتي مُطلقًا، وتارةً يأتي مُقيدًا ببلدٍ ونحوه.
وهذا القسم قد وقع من زمن الصَّحابة (رضي اللَّه عنهم) وهلُمَّ جرا، كأبي الطُّفيل عامر بن واثلة بن عبداللَّه بن عُمير الكنانيِّ اللَّيثيِّ (رضي اللَّه عنه) آخرِ من بقي على وجه الأرض من الصَّحابة (رضي اللَّه عنهُم) وأبوه واثلة صحابيٌّ (أيضًا) ولا يُلتفت إلى من ادَّعى الصُّحبة بعد ذلك أو ادُّعيت له.
ومنه ما روى الخطيب البغداديُّ في ((تاريخه)) عن أبي إسحاق المُستمليِّ عن مُحمَّد بن يوسف الفِربْري أنه كان يقولُ: سمع كتاب ((الصَّحيح)) لمُحمَّد بن إسماعيل تسعُون ألف رجُلٍ، فما بقي أحدٌ يروي عنه غيري.
وفي هذا نظرٌ، فقد ذكر أبو العباس المُستغفري جعفر بن مُحمَّد المُستغفري في ((تاريخ نسف)) والأمير أبو نصر عليُّ بن هبة اللَّه بن علي بن جعفر بن ماكُولا ، وغيرَهُما: أنَّ آخر من روى عن البُخاريِّ ((صحيحَهُ)) أبو طلحة منصُور بن مُحمَّد بن علي البزْدويُّ النسفيُّ الدِّهقان المُتوفَّى سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وهو ثقةٌ، لكن ضُعِّفت روايته من جهة صغره.

والوجهان من التَّفرُّد: في سند هذا الحديث :

أحدُهُما: أنَّ سُفيان تفرَّد برواية هذا الحديث عن شيخه عَمرو، ولم يروه عن عَمرٍو غير سُفيان، ولا عن أبي قابُوسَ غير عَمرٍو.

والوجهُ الآخر: أنَّ سُفيان تفرَّد مُدَّةً في عصره بالرِّواية عن عَمرو بن دينار، والزُّهري وغيرهما. لم يبق على وجه الأرض من يروي عنهُم غيرُهُ.

وإذا كان في الإسناد مثلُ ذلك يقع عاليًا في الغالب.

وأكثرُ ما يقعُ في الإسناد من هذا النَّوع راوٍ أو اثنان.

وقد وقع لنا (بحمد اللَّه تعالى) حديثٌ منَّا إلى الصَّحابي تفرَّد كلٌّ من رواته عمَّن فوقهُ بالرِّواية عنه ويُسمَّى المُسلسلُ بالآخرية... .

ولمَّا حدَّث سُفيان بهذا الحديث حين سمعه منه عبدالرَّحمن بن بشر كان قد تفرَّد بالرِّواية عن عَمرو بن دينار، وغيره.

وعبدالرَّحمن بشر بن الحكم بن حبيب العبديُّ النَّيسابُوريُّ مات في ثامن عشر شهر ربيعٍ الآخر سنة ستين ومئتين.
بعد وفاة شيخه سُفيان بن عُيينة باثنتين وستين سنة، فكأنَّهُ (واللَّه أعلم) آخر من روى عن سُفيان، وقد سمع هو وأبوهُ وجدُّهُ من سُفيان)).

تم هذا المجلس وإلى اللقاء في المجلس القادم (بإذن الله تعالى).

وكتبه / محبكم يحيى العدل.