المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مراد المتقدمين النقاد بالتساهل في الإسناد : دعوة لإثراء الموضوع


المقري
05-09-02, 09:08 PM
مراد المتقدمين النقاد بالتساهل في الإسناد :
دعوة لإثراء الموضوع .
الحمد لله رب العالمين و صل اللهم و سلم على خاتم النبيين نبينا محمد و على آله وبعد :
إخواني رواد المنتدى الطيب المبارك بإذنه تعالى ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
هذه دعوة لإخواني طلبة العلم – نفعهم الله تعالى و نفع بهم - لإثراء موضوع مراد النقاد الجهابذة من المتقدمين بالتساهل في الأسانيد و الرجال إذا كان في الفضائل و المغازي و غير ذلك .
و ها أنذا أستميح إخواني عذرا بأن أرمي بدلوي في هذا المقام ، و أنقل لكم من بحثنا " معالم السبيل من تقدمة الجرح و التعديل " يسر الله إتمامه بخير و عافية ، ما كنت كتبته تعليقا على الأثر (153) بترقيمي ، مع التنبيه أن النقل لم يرتب :
153-حدثنا عبد الرحمن نا أبي و علي بن الحسن الهسنجاني قالا سمعنا يحيى بن المغيرة قال سمعت بن عيينة يقول : ( لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة و اسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره ).
قلت : إسناده صحيح و الله أعلم .
و قول بن عيينة أخرجه الخطيب أيضا من طريق المصنف في ( الكفاية في علم الرواية ) (162) .
و جاء نحوه من كلام عبد الرحمن بن مهدي :
أخرج الحاكم في المستدرك (1/666) قال : ( وأنا بمشيئة الله أجري الأخبار التي سقطت على الشيخين في كتاب الدعوات على مذهب أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي في قبولها فإني سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول سمعت أبا الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول كان أبي يحكي عن عبد الرحمن بن مهدي يقول : إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد ) و إسناده حسن و الله أعلم .
و أخرجه من طريقه البيهقي في دلائل النبوة (1/34) : ( سمعت أبا عبد الله الحافظ ، يقول : سمعت أبا زكريا : يحى بن محمد العنبري ، يقول :سمعت أبا الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول : كان أبي يحكي عن عبد الرحمن بن مهدي : إذا روينا في الثواب والعقاب و فضائل الأعمال تساهلنا في الأسانيد و تسامحنا في الرجال ، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد و انتقدنا الرجال ) .
و أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع (2/91) : ( أنا محمد بن أحمد بن يعقوب أنا محمد بن نعيم قال سمعت يحيى ابن محمد العنبري يقول نا محمد بن اسحق بن راهويه قال كان أبي يحكي عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يقول إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال تساهلنا في الأسانيد والرجال وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الرجال ) .
و جاء نحوه من كلام الإمام أحمد :
أخرج المصنف في الجرح و التعديل (7/193) : ( نا عبد الرحمن نا عباس بن محمد الدوري قال سمعت احمد بن حنبل وذكر محمد بن إسحاق فقال أما في المغازي واشباهه فيكتب واما في الحلال والحرام فيحتاج الى مثل هذا ومد يده وضم أصابعه ) .و هذا إسناد صحيح و الله أعلم .
و أخرج نحوه العقيلي في الضعفاء (4/25) : ( حدثنا محمد بن عيسى حدثنا العباس بن محمد قال سمعت أحمد بن حنبل وقيل له ما تقول في موسى بن عبيدة وفي محمد بن إسحاق قال أما محمد بن إسحاق فهو رجل يكتب عنه هذه الأحاديث كأنه يعني المغازي وما أشبهها أما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس ) .
و أخرج الدوري في تاريخ بن معين (3/60) و (3/247) : ( سمعت العباس يقول سمعت أحمد بن حنبل وسئل وهو على باب أبى النضر هاشم بن القاسم فقيل له يا أبا عبد الله ما تقول في موسى بن عبيدة الربذي وفى محمد بن إسحاق فقال أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث كأنه يعنى المغازي و نحوها وأما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس ولكنه حدث بأحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا وقبض أبو الفضل على أصابع يديه الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام وأرانا أبو الفضل يديه وأرانا أبو العباس ) .
و أخرج نحوه الخطيب في الكفاية (134) من طريق عباس الدوري .
و جاء نحوه من كلام سفيان الثوري :
أخرج الخطيب في الكفاية (133-134) : ( أخبرنا أبو سعد الماليني قال انا عبد الله بن عدي قال ثنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل الغزي قال ثنا أبي قال حدثنا رواد بن الجراح قال سمعت سفيان الثوري يقول : لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان فلا بأس بما سوى ذلك من المشايخ ) . إسناده ضعيف .
و أخرج نحوه الخطيب في الجامع (2/91) : ( أنا ابو طالب عمر بن محمد بن عبيد الله المؤدب أنا عمر بن ابراهيم المقرئ نا أحمد بن ابراهيم نا محمد بن عوف الطائي نا محمد بن عمرو الغزي نا رواد قال سمعت سفيان الثوري يقول خذوا هذه الرغائب وهذه الفضائل من المشيخة فأما الحلال والحرام فلا تأخذوه إلا عمن يعرف الزيادة فيه من النقص)
و أخرج نحوه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (406) : ( حدثنا عمر بن اسحاق الشيرازي ثنا أبو هارون اسماعيل بن محمد الثقفي ثنا رواد بن الجراح قال قال سفيان الثوري : خذ الحلال والحرام من المشهورين في العلم وما سوى ذلك فمن المشيخة ) .
قلت : و قول بن عيينة يحتاج إلى شيء من التحرير ، لأن بعضهم قد أخذ من هذا القول و ما شابهه من أقوال أئمة السلف دليلا على جواز العمل بالحديث الضعيف .
قال الشيخ العلامة المحدث أحمد محمد شاكر رحمه الله في الباعث الحثيث (1/279) ( بتعليق العلامة الألباني ) :
( و أما ما قاله أحمد بن حنبل و عبد الرحمن بن مهدي و عبد الله بمن المبارك : " إذا روينا في الحلال و
الحرام شددنا و إذا روينا في الفضائل و نحوها تساهلنا " ، فإنما يريدون به – فيما أرجح و الله أعلم – أن التساهل إنما
هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة ، فإن الإصطلاح في التفرقة بين الصحيح و الحسن لو يكن في عصرهم مستقرا واضحا ، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط ) .
و علق على هذا العلامة الألباني في مقدمة ( صحيح الجامع الصغير و زيادته ) (1/52) قائلا : ( و عندي وجه آخر في ذلك : و هو أن يحمل تساهلهم المذكور على روايتهم إياها مقرونة بأسانيدها – كما هي عادتهم – هذه الأسانيد التي بها يمكن معرفة ضعف أحاديثها ، فيكون ذكر السند مغنيا عن التصريح بالضعف ، و أما أن يرووها بدون أسانيدها ، كما هي طريقة الخلف ، و دون بيان ضعفها ، كما هو صنيع جمهورهم ، فهم أجل و أتقى لله عز و جل من أن يفعلوا ذلك ، و الله تعالى أعلم .) انتهى .
قلت : و مما يؤكد ما رجحه العلامة أحمد شاكر رحمه الله أن الرواة الذين ذكراهم الإمامان سفيان و أحمد ، كبقية بن الوليد ( كما نقله المصنف و غيره عن بن عيينة ) و محمد بن إسحاق ( كما نقل عن الإمام أحمد ) و عمرو بن شعيب
( كما نقله شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله عن الإمام أحمد ) ، هم من الرواة الذين يصنفون في الصدوقين الذين يحسن حديثهم كما استقر الأمر و ترجح الحال عند النقاد.فبقية بن الوليد مشهور بالتدليس كما تقدم ، حديثه حسن فيما صرح فيه بالتحديث كما هو العمل عليه عند المتأخرين .
و كذلك الأمر بالنسبة لعمرو بن شعيب فجمهور النقاد يحسنون حديثه بل إن بعض المتأخرين رجح تصحيح حديثه كالعلامة أحمد شاكر. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في المجموع (18/8) : ( و أما أئمة الأعلام و جمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا صح النقل إليه ، مثل مالك بن أنس و سفيان بن عيينة و نحوهما ، و مثل الشافعي و أحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه و غيرهم ) انتهى .
و قال أيضا رحمه الله (18/65) : ( قول أحمد بن حنبل : إذا جاء الحلال والحرام شددنا فى الأسانيد وإذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا فى الأسانيد وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف فى فضائل الأعمال :
ليس معناه إثبات الإستحباب بالحديث الذى لا يحتج به فإن الإستحباب حكم شرعى فلا يثبت إلا بدليل شرعى ومن أخبر عن الله أنه يحب عملا من الأعمال من غير دليل شرعى فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله كما لو أثبت
الإيجاب أو التحريم ولهذا يختلف العلماء فى الإستحباب كما يختلفون فى غيره بل هو أصل الدين المشروع وإنما مرادهم بذلك : أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله أومما يكرهه الله بنص أو إجماع كتلاوة القرآن والتسبيح والدعاء والصدقة والعتق والإحسان إلى الناس وكراهة الكذب والخيانة ونحو ذلك فإذا روى حديث فى فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها وكراهة بعض الأعمال وعقابها : فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه وأنواعه إذا روى فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به بمعنى : أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب كرجل يعلم أن التجارة تربح لكن بلغه أنها تربح ربحاً كثيراً فهذا إن صدق نفعه وإن كذب لم يضره ومثال ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات وكلمات السلف والعلماء ووقائع العلماء ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعى لا إستحباب ولا غيره ولكن يجوز أن يذكر فى الترغيب والترهيب والترجية والتخويف فما علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع فإن ذلك ينفع ولا يضر وسواء كان فى نفس الأمر حقا أو باطلا فما علم أنه باطل موضوع لم يجز الإلتفات إليه فإن الكذب لا يفيد شيئا وإذا ثبت أنه صحيح أثبتت به الأحكام وإذا إحتمل الأمرين روى لإمكان صدقه ولعدم المضرة فى كذبه وأحمد إنما قال : إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا فى الأسانيد ومعناه : أنا نروى فى ذلك بالأسانيد وإن لم يكن محدثوها من الثقات الذين يحتج بهم وكذلك قول من قال : يعمل بها فى فضائل الأعمال وإنما العمل بها العمل بما فيها من لأعمال الصالحة مثل التلاوة والذكر والإجتناب لما كره فيها من الأعمال السيئة ونظير هذا قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه البخارى عن عبد الله بن عمرو : (بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) مع قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح : (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) فإنه رخص فى الحديث عنهم ومع هذا نهى عن تصديقهم وتكذيبهم فلو لم يكن فى التحديث المطلق عنهم فائدة لم رخص فيه وأمر به ولو جاز تصديقهم بمجرد الأخبار لما نهى عن تصديقهم فالنفوس تنتفع بما تظن صدقه فى مواضع فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرا وتحديدا مثل صلاة فى وقت معين بقراءة معينة أو على صفة معينة لم يجز ذلك لأن إستحباب هذا الوصف المعين لم يثبت بدليل شرعى بخلاف ما لو يروى فيه من دخل السوق فقال : لا إله إلا الله كان له كذا وكذا ! فإن ذكرالله فى السوق مستحب لما فيه من ذكر الله بين الغافلين كما جاء فى الحديث المعروف : ( ذاكر الله فى الغافلين كالشجرة الخضراء بين الشجر اليابس فأما تقدير الثواب المروى فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته وفى مثله جاء الحديث رواه الترمذى : (من بلغه عن الله شىء فيه فضل فعمل
به جاء ذلك الفضل أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك) فالحاصل : أن هذا الباب يروى ويعمل به فى الترغيب والترهيب لا فى الإستحباب ثم إعتقاد موجبه وهو مقادير والعقاب يتوقف على الدليل الشرعى ) انتهى كلام شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله و قد نقلناه إتماما للفائدة .
و الذي ترجح لدينا و الله أعلم هو ما ذهب إليه جملة من المحققين ملخصا في قولهم : ( في الصحيح و الحسن غنية عن الضعيف ) .و راجع غير مأمور المباحث التي ذكرها العلامة الألباني في مقدمات بعض مصنفاته كصحيح الجامع الصغير و زيادته و صحيح الترغيب و الترهيب لزيادة الفائدة فهي مهمة و الله أعلم .
قال الحافظ الخطيب في الجامع (2/91) : ( وينبغي للمحدث أن يتشدد في أحاديث الأحكام التي يفصل بها بين الحلال والحرام فلا يرويها إلا عن أهل المعرفة والحفظ وذوي الاتقان والضبط وأما الاحاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال وما في معناها فيحتمل روايتها عن عامة الشيوخ ) .
قلت : تأمل رحمني الله و إياك في قوله " عن أهل المعرفة والحفظ وذوي الاتقان والضبط " في رواية أحاديث الحلال و الحرام ، و هو شرط مهم جدا ، يفهم منه أن مقصودهم من المشايخ في رواية أحاديث الفضائل و المغازي هم من هم دونهم في المعرفة والحفظ والاتقان والضبط ، بل هم دون ذلك ، و لا يفهم من كلامهم أنهم قصدوا الضعفاء و المجاهيل و المتروكين إلخ .
فالشاهد أن الأئمة المتقدمين تساهلوا في شرطهم ، فنزلوا من مرتبة " أهل المعرفة والحفظ وذوي الاتقان والضبط " إلى من دونهم كبقية بن الوليد و عمرو بن شعيب و محمد بن إسحاق و غيرهم ، و لا يخفى عليك أن هؤلاء ممن ينظر في حديثهم و يحتج به في أغلبه إلا ما بان للنقاد أن فيه شيئا . فأين هؤلاء من الضعفاء و المجاهيل ؟ فليتنبه .
و ليعلم أن النقاد المتقدمين قد قسموا الرواة إلى ثلاث طبقات ، كما مر معك في بداية الكتاب . فرجال المغازي و الفضائل من الطبقة الثانية ، و هي التي تعنى بالرواة الذين لم يصلوا إلى حد الإتقان و الضبط ، و حديثهم ممن يكتب و ينظر فيه فهو متوسط يجكم عليه بما اقتضاه الحال و ما ترجح من القرائن المحتفة به .
و لعله من المفيد ، بل و من المهم غاية أن ننقل ما ذكره المصنف في مقدمة هذه التقدمة في طبقات الرواة ، ليعلم موقع رواة الفضائل و غيرهم عند المتقدمين :
قال رحمه الله : ( و لما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله  و عن رسوله  بنقل الرواة ، حق علينا معرفتهم
و وجب الفحص عن الناقلة و البحث عن أحوالهم و إثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة و الثبت في الرواية مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته بأن يكونوا أمناء في أنفسهم علماء بدينهم أهل ورع وتقوى و حفظ للحديث و إتقان به و تثبت فيه و أن يكونوا أهل تمييز وتحصيل لا يشوبهم كثير من الغفلات و لا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه و وعوه ولا يشبه عليهم بالأغلوطات .
و أن يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة و كشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم وما كان يعتريهم من غالب الغفلة و سوء الحفظ كثرة الغلط و السهو و الإشتباه ليعرف به أدلة هذا الدين و أعلامه و أمناء الله في أرضه على كتابه و سنة رسوله  و هم هؤلاء أهل العدالة ، فيتمسك بالذي رووه و يعتمد عليه و يحكم به وتجري أمور الدين عليه .
و ليعرف أهل الكذب تخرصا و أهل الكذب وهما و أهل الغفلة و النسيان و الغلط ورداءة الحفظ ، فيكشف عن حالهم و ينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها إن كذب فكذب و إن وهم فوهم و إن غلط فغلط ، و هؤلاء هم أهل الجرح فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يعبأ به و لا يعمل عليه .
و يكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار و من حديث بعضهم الآداب الجميلة و المواعظ الحسنة و الرقائق و الترغيب و الترهيب هذا أو نحوه ) انتهى كلامه .
قلت : و لعله بان يالنقل عن هذا الجهبذ الهمام أن المتقدمين يقسمون الرواة إلى ثلاث دوائر :
- الأولى أهل الإتقان و الحفظ .
- الثانية أهل الكذب و الغفلة الشديدة ممن يطرح حديثه و لا يكتب إلا على سبيل التعجب و التحذير .
- الثالثة و هي المرتبة بين المرتبتين : و هي من يكتب حديثه و ينظر فيه . و هي الطبقة التي فرسانها أهل النقد الجهابذة ، إذالحكم على رواية هذه الطبقة يقتضي التبحر و الفهم و اليقظة ، و المعرفة بالقرائن و حسن الترجيح .
و تأمل رحمني الله و إياك كيف جعل المصنف ، رواة " الآداب الجميلة و المواعظ و الرقائق و الترغيب و الترهيب "
من هذه الطبقة .
و ها هو العلامة بن جماعة و هو من المتأخرين يفهم تقسيم بن أبي حاتم على هذا النحو ، فيقول في المنهل الروي (65) : ( الألفاظ المستعملة في الجرح والتعديل : قد رتبها عبد الرحمن بن أبي حاتم فأجاد :
فألفاظ التعديل مراتب : الأولى أعلاها ثقة أو متقن أو ثبت أو حجة وفي العدل حافظ أو ضابط فهذا حجة الثانية صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به فهذا يكتب حديثه وينظر فيه لأن هذه العبارات لا تشعر بالضبط فينظر ليعتبر ضبطه وقد تقدم الاعتبار .
وعن ابن مهدي قال حدثنا أبو خلدة فقيل:كان ثقة ، قال : كان صدوقا وكان مأمونا وكان خيرا. الثقة شعبة وسفيان وقال ابن معين : إذا قلت لا بأس به فثقة . وهذا خبر عن نفسه .
ونقل ابن أبي حاتم عنهم أرجح الثالثة : شيخ فهذا يكتب حديثه وينظر فيه كما تقدم .
قلت ومثله أو قريب منه روى عنه الناس أو لا أعلم به بأسا الرابعة صالح الحديث فهذا يكتب حديثه للاعتبار قلت : ومثله وسط ) .
و الشاهد أنه جعل كل هذه الألفاظ من ألفاظ التعديل ، و هذا مهم جدا في مسألتنا .
و على كل فالنظر في أحوال رواة هذه الطبقة و مروياتهم ، كما أسلفنا ، من أصعب و أدق و أخفى الأمور في هذه الصناعة .بل إن الأئمة أصحاب مصنفات الحديث المشهورة ، كانوا يلتزمون الإعتبار ، على نحو ما يعرفونه و يمارسونه ، على كثير من الرواة حتى الثقات في عرف غيرهم ، من المتأخرين مثلا .
قال العلامة الحازمي [ نقلا عن فضائل الكتاب الجامع (34) للإسعردي ] : ( اعلم أنه لهولاء الأئمة ، يعني البخاري ومسلم و أبا داود و الترمذي والنسائي مذهبا في كيفية استنباط مخارج الحديث نشير إليها على سبيل الإيجاز ، و ذلك أن مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضا وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمهم إخراجه وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات وهذا باب فيه غموض ) .
قلت : بعد كتب هذا وقفت على كلام للحافظ بن رجب الحنبلي رحمه الله في شرحه لعلل الترمذي يبين فيه مراد النقاد من مصطلح الشيوخ . قال :
( و الشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة و الحفاظ و قد يكون فيهم الثقة و غيره ) .
ثم أستدرك هنا و أقول أني وقفت على كلام للعلامة محدث الديار اليمنية الشيخ مقبل بن هادي الوادعي في كتابه " إجابة السائل على أهم المسائل " جاء فيه ( صفحة 448 ) مجيبا على أحد الأسئلة ( يلاحظ أن إجابة الشيخ أفرغت من أشرطة بإذنه ، فلا يعرج على الأسلوب بل يغتفر لضرورة إفهام الحضور من العامة ) . قال : ( الناس في هذا الباب توسعوا أي توسع ، رخص عبد الله بن المبارك و عبد الرحمن بن مهدي و جماعة من العلماء منهم البيهقي ، رخصوا في التحديث بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال ، و لكنهم يقصدون بالأحاديث الضعيفة ، و هكذا الإمام أحمد بن حنبل رخص ، يقصدون به لأنهم مثلوا ، قالوا مثل ، محمد بن عمرو بن علقمة و محمد بن عجلان ، و ذكروا جماعة ممن يحسن أهل العلم أحاديثهم ، فعلم أنهم يقصدون بالضعيف الحسن ، ما قصدوا الضعيف الذي اشتد ضعفه ) انتهى المراد من كلام الشيخ ، و لكلامه بقية حول أحاديث الفضائل ينظر هناك ن و إنما اقتصرنا في هذا المقام بمل الشاهد ، و هو ما أثبتناه قبل ، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

عبدالله بن عبدالرحمن
11-01-03, 05:27 AM
بحث جيد ومتقن

هيثم حمدان.
11-01-03, 07:39 PM
للرفع.

وجزاك الله خيراً.