المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضغط العامة على المفتي


أبو عبدالله النجدي
27-10-02, 09:07 AM
ضغط العامة على المفتي



قضية للنقاش




( مقدمة ) :

يعتقد كثير من طلبة العلم أن ضغط العامة على المفتي ، وتوارد استفتاءاتهم على قضية معينة ، أنه ظاهرة سلبية ، بل يعتبرها بعضهم من أسباب انحراف الفتوى . ولاشك أن لهذه الظاهرة ـ في بعض جوانبها ـ أثر سلبي على عملية الإفتاء ، غير أن هذا لا يطرد في جميع مواردها وتطبيقاتها . وفي ظني أن ظاهرة ضغط العامة على الفقيه لاستصدار فتوى بإباحة أمر من الأمور التي تهم المجتمع ، أو شريحة واسعة منه ، يمكن تقسيمه إلى قسمين :

1 ) قسم مذموم .

2 ) قسم ممدوح .

ويهمنا هنا القسم الممدوح منه ، إذ إن الآخر معلوم لدى الكثيرين ، فلا حاجة إلى الكلام في تأصيله .


تعريف :

ويمكن ضبط ( الضغط ) الممدوح بأنه : ( توارد أسئلة الناس واستفتاءاتهم على الفقيه ، في مسألة يقعون بسبب منعها في حرج لا تأتي الشريعة السمحة بمثله ، مما يؤدي إلى عدوله من العزيمة إلى الرخصة ) .

وذلك أن هذه الشريعة المباركة إنما جاءت على مقتضى العدل والإحسان ، نابذة عن العالم الإصر والأغلال التي كانت عليهم ، قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) . وأولى الناس بهذه الرحمة هم أتباع نبي الرحمة ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهذا الأمر من أصول الإسلام ، وقطعيات الشريعة .

فإذا ترتب على حكم ( شرعي ) حرج ومشقة ظاهرة ، جاء التيسير بالتخفيف تارة كإسقاط الجمعة ، وبالتنقيص تارة كالقصر ، وبالإبدال تارة كالتيمم ، وبالتأخير تارة كالجمع ، وبالترخيص بتناول المحرم كالخمر عند الغصة .


والأصل في ذلك قوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ، ولا يريد بكم العسر ) ، وهذه قاعدة محكمة عامة ، يمكن الاستدلال بها عند كل حكم يوقع بالناس مشقة خارجة عن المعتاد .


تقدير المشقة :

معلوم أن تقدير ( المشقة ) وضبطها يتفاوت فيه العلماء ، كسائر بني آدم ، فما يراه زيد مشقة شديدة ، لا يراه عمرو كذلك ، بل ربما تلذذ به ، والعكس .

فهو أمر نسبي تقديري ، أو فلنعبر بتعبيرهم فنقول هو أمر اجتهادي ، يسوغ فيه الخلاف . والذي يحصل هو أن بعض المفتين إذا تواردت عليهم الاتصالات والاستفتاءات من كل حدب وصوب ، تسأل وتستفتي عن حكم شرعي معين ، وتتلمس فيه رخصة ومخرجا ، عندئذ ( يشعر ) ذلك العالم أن عامة الناس ( أو الأمة ) محتاجة إلى التيسير في ذلك الحكم ، وأنهم واقعون بسبب منعه في مشقة ظاهرة ، والدليل هذا الكم الهائل من الاتصالات .


أمثلة :

وهاهنا أمثلة كثيرة على ذلك ، منها أن بعض العلماء كان يرى في مسألة التورق شبهة قوية تقتضي المنع ، ومع الاستفتاءات الكثيرة المتنوعة الجهات والظروف ، رأى أن الناس قد اشتدت حاجتهم لهذه المعاملة ، فأفتى بجوازها .

ومن ذلك مسألة الرمي بالليل في أيام منى ، فقد كانت الفتوى بالمنع في هذه البلاد ، أما اليوم فقد يأخذك العجب حين تعلم أن بعض ( كبار ) علمائنا لا يرمي إلا ليلا .

ومنه أيضا زراعة الأعضاء ، فقد كان ممنوعا ، ولا زال المفتي العام ( بالمملكة ) مترددا ـ فيما أعلم ـ ولم يصدر فتوى بالجواز ، وقد أكثروا عليه في ذلك ، كما حدثني بعض من سمع منه ، والله أعلم .

ومنه التصوير الفوتوغرافي ، فقد كانت الفتوى على التشديد فيه إلى وقت قريب ، ومع التطور الإعلامي الهائل ، واشتداد حاجة الناس لذلك ، عدل الكثيرون عن الفتيا السابقة .

في أمثلة كثيرة معلومة ، يطول سردها ، مما يخرجنا عن المقصود .


والله تعالى أعلى وأعلم

هيثم حمدان.
27-10-02, 04:50 PM
أحسن الله إليك وبارك فيك.

لذلك كان من أهم شروط المفتي أن يكون قوي الشخصيّة بالإضافة إلى قوّة بصيرته، فيعرف متى يغيّر فتواه لسبب من الأسباب ومتى يثبت على رأيه.

بو الوليد
28-10-02, 12:50 AM
موضوع جيد ومهم ..
لكن هل الباب مفتوح في هذا لكل من ارتفع ضغطه !! أقصد كل من كثرت عليه الضغوط ؟؟!!

وهل هو عام في كل حكم ؟!

أم هو خاص بما لم يرد فيه نص صريح ..

وهل قال بذلك أعني تغيير الفتوى لهذا السبب أحد من السابقين ؟؟

أما الصور الفوتوغرافية ؛ فقد يقال إن سبب تحريمهم لها سابقاً أصبح اليوم مستبعداً ، مع عموم البلوى بها .. هذا لمن كان يرى حرمتها .

فكذلك ما زال سبب تحريمه أو أمنت علته ، فإنه يصير مباحاً .

في الحقيقة هذه القضية لم أستطع الاقتناع بها ، كيف يصير المحرم حلالاً مع بقاء علته ؟!!!

يعني يأتينا غداً أحد يفتي بجواز الربا مثلاً !! هذا لا يقبل أبداً .
أو بجواز الاختلاط للحاجة إليه !!
أو التأمين الذي يطبق الآن ولا حول ولا قوة إلا بالله .

فالحكم لا يتغير ما وجدت علته ، وكما قيل في القاعدة الفقهية الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً .

أرجو من الأخوة التفاعل ،، فالموضوع جد مهم .
وبارك الله فيكم .

سابق1
28-10-02, 03:26 AM
أخي دراسات عليا ..

أثابك الله .. الموضوع مهمٌّ جدًّا ، وتنبيهك إلى التفريق بين محمود الضغط ومذمومه لطيف نفيس ، وكان بإمكانك التعبير عنه بغير ما ذكرت ،

وخصوصًا متى أخرجته من "قضيّة للنقاش" إلى أن يكون بحثًا نافعًا بإذن الله..

لأنَّ الضوابط .. تحتاج إلى تحرير وتدقيق..


أخي بو الوليد..

نعم قد يتخلّف الحكم .. مع وجود علّته لورود [مانع] ..

ومن الموانع .. وجود حرج لا تأتي الشريعة بمثله ..

.................................................. ...................

ولو روعي في المسألة:

1- ضابط الحرج الذي يُعذر بمثله.

2- النظر في الحرج بمراعاة الحكم الذي ورد الحرج عليه .. لأن من الأحكام .. ما بُني على قدرٍ من الحرج ..

فالحرج الذي في الجهاد ، والألم الذي يصل إلى القتل في سبيل الله.. لو وقع مثله .. في الحجِّ لسقط .. وهكذا دواليك ..

أبو عبدالله النجدي
28-10-02, 09:21 AM
أخي الكريم هيثم : وزادك الله إحسانا وإيمانا ،،،



لا شك أن قوة البصيرة من الخصال اللازمة للمفتي ، وهي منصرفة إلى أمرين :
1 ) البصيرة في الدليل الشرعي ، وفهم دلالاته .
2) البصيرة في الواقعة محل الفتوى .
وبهذين يتمكن من حسن تنزيل الحكم على الواقعة . وإنما أتي كثير من المفتين ، من تخلف واحد منهما ، أو كلاهما ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .



أخي أبو الوليد : بورك في علمك وحلمك :

قولك : ( لكن هل الباب مفتوح في هذا لكل من ارتفع ضغطه !! ) ..


بالطبع لا ، فليست المسألة مرسلة هكذا بلا لجام ...

وليس الكلام في جميع مسائل الشريعة ، إنما الكلام في منطقة ( الاجتهاديات ) ...

فيما تختلف فيه أنظار أهل العلم ، من المسائل الظنية ، ويسوغ فيه الخلاف ...

فهذه المسائل ليس فيها نص ولا إجماع قاطع ، وإنما ظواهر من الأدلة ، و ظني من الدلالات ...

أما المسائل القطعية كتحريم الربا ونحوه فلا يدخل هنا ...

ولذا لما كثر شرب الخمر في عهد الفاروق ـ رضي الله عنه ـ وتتايع الناس فيه ، لم يتساهل في ذلك ، بل ضاعف عقوبة الشارب ثمانين جلدة ...

فلو جاء إليك في اليوم الواحد ( 1000000) اتصال تسأل عن حكم الربا أو الخمر أو السرقة ، فالجواب معلوم .



وإنما قصدت بالموضوع المسائل التي تختلف فيها الأنظار ، فمثلا : سفر المرأة بلا محرم غير جائز ، لكن لو سألت المرأة عن حكم سفرها مع ابنها البالغ من العمر (11 ) إحدى عشرة سنة ( مثلا ) ، وسوف يستقبلها محرمها في المطار الآخر ، هنا للاجتهاد مجال ، ومع تتابع الاتصالات من النساء على أهل العلم ، سمعنا فتاوي تجيز ذلك ، بل إن بعضهم لا يشترط المرافق في الصورة المذكورة . وهذه يظهر الحرج الشديد فيها لدى الجاليات الإسلامية في الغرب ، ثبتنا الله وإياهم على دينه .


أما قولك : ( وهل قال بذلك أعني تغيير الفتوى لهذا السبب أحد من السابقين ؟؟ ) ...

فنعم ، هذه المسألة تحدثوا عنها ، وتوسع فيها ابن القيم في الإعلام ، والقرافي في الفروق ، وغيرهم .

وقد قال عمر ابن عبد العزيز : تحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور ، ونقلها الزرقاني عن الإمام مالك أيضا .

وقد قرر الإمام أحمد أن من شروط المفتي ( معرفة الناس ) .

وهاهنا لطيفة : وهي أن الإمام ابن أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة ) المشهورة في الفقه المالكي : كان يقتني كلبا للحراسة في داره ، ويبدو أن داره كانت في أطراف البلد ، فقيل له : كيف تقتني كلبا ، وأنت تعلم أن مالكا كان يكره ذلك ؟ فقال : لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسدا ضاريا .


الفاضل : أخو من طاع الله ، أحسنت ، وبارك الله في علمك ، حبذا لو أطلت النفس قليلا ، فأنا أقدر آراءك ...

وما ذكرت من أمثلة حسن طيب....



ولعل باقي الإخوة يفيدون ....



ولعلي أعود إلى الموضوع ـ بإذن الله ـ .

سابق1
31-10-02, 02:16 AM
أخي الموفّق بإذن الله "دراسات عليا".

لو أنَّا في هذه المسألة نراعي أمورًا ثلاثة ، لإخراجها عن صفة المقال ، إلى مشروع بحث علمي..

* الأمر الأول .. تسمية المسألة ، وتخصيصُها بضغط العامّة فيه ما فيه ، من جهة أن المفتي يأخذ أحوال الناس والحرج الذي يقعون فيه عن العامّيِّ وغيره.

ومن الأولى ، أن لا يخصَّ تأثيرهم بالضغط ، فلو قيل في العنوان مثلاً:

" أثر المستفتي على المفتي " أو " تأثير المستفتي في الفتوى "

والثاني يبعد عن توهم أنَّ استجابة المفتي للأثر شخصيَّة.


* الأمر الثاني .. الموضوعات المتعلّقة بهذه المسألة ، لتكون مرجعًا ورافدًا للباحث..

فهذ النوع من الضغط ، يتعلّق بمبحثين مهمَّين في علم الأصول:

الأول: تغير الفتوى بتغير الأحوال (وفي إطلاق تغيرها بتغير الزمان نظر من جهة أن تغيرها حاصل مع تغير الزمان بتغير أحواله).

الثاني: عموم البلوى.

وضغط العامَّة على المفتي ، ليس من الأحوال التي تتغير بها الفتوى ، ولا من البلوى التي تعمُّ ، وإنَّما هو وسيلة لعلم الأحوال التي تتغير بها الفتوى ، وإدراك قدر البلوى ، وصحَّة عمومها للناس.

* الثالث : تحرير محلِّ النزاع.

فلا نزاع أن ضغط العامّة ، ليس مما يغيّر الحكم بنفسه.

ولا نزاع أن المفتي ليس له أن يغيّر الفتوى استجابة للضغط من حيثُ هو.

ولا نزاع في أنَّ الأحكام القطعية غير الاجتهادية (كما عبّرتم ولعلّه يحرّر) غير داخلة فيما يتغيّر بهذا الضغط.

والبحثُ في ضغط العامّة ، الذي يدلُّ على مناط للحكم ، أو سبب لإسقاطه.

وعلى وجه أخصّ (إن كان الموضوع مخصوصًا بالضغط دون سائر التأثير).

يكون البحث في ضغط العامّة ، الذي يدلُّ على وقوع حرجٍ لا تُقرِّ الشَّريعة مثله في مثل هذا الحكم.

بو الوليد
31-10-02, 07:53 AM
الأخوين العزيزين دراسات عليا وأخو من طاع الله .. بارك الله فيهما ..


أرجو أن تحلموا عن جهلي ، وقلة علمي إن رأيتم ذلك ..

لكن أود أن أفهم ما الضابط الذي به تنضبط الأحكام التي يمكن تغيرها بارتفاع ضغط المفتي أقصد ارتفاع الضغط عليه ؟؟

وفي الحقيقة استفدت كثيراً من نقلكم عن العلماء جزاكم الله خيراً .

قلت أخي الكريم دراسات عليا :
((((وليس الكلام في جميع مسائل الشريعة ، إنما الكلام في منطقة ( الاجتهاديات ) ...

فيما تختلف فيه أنظار أهل العلم ، من المسائل الظنية ، ويسوغ فيه الخلاف ...

فهذه المسائل ليس فيها نص ولا إجماع قاطع ، وإنما ظواهر من الأدلة ، و ظني من الدلالات ...

أما المسائل القطعية كتحريم الربا ونحوه فلا يدخل هنا ... )))

أقول :
هل هذا هو الجواب المعتمد لسؤالي ؟؟

بو الوليد
04-11-02, 06:49 AM
للإجابة ؟؟

أبو عبدالله النجدي
04-11-02, 11:06 PM
أخي أخو من طاع الله ...........شكر الله لك هذه المشاركة الثمينة ، وقد نقلتها للتأمل فيها ، فجزاك الله خيرا ...


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ



أخي الفاضل / أبا الوليـــــــــــــــــــد .......................سدده مولاه العزيز الحميد....

أستميحك عذرا على التأخير ، إذ لم أجد الوقت للجواب ، فهو انشغال لا إهمال ، والله المستعان .


أما بالنسبة إلى سؤالك عن الضوابط فأقول :

يمكن أن نعرِف ضابط ما يستطيع المفتي تغييره من الفتاوي ، وما لا يمكن ، بالرجوع إلى ما حرره علماء الأصول والقواعد ، في الأبواب التي أشار إليها الأخ لمن طاع الله ـ بورك في عمره ـ ، وكتبهم مطبوعة مبثوثة ، هذا لمن أراد التوسع ، ومن لم يرد فما سأذكره هنا يبلّ الغلّة .

ولعل أول من اعتنى بالمسألة الفقيه المالكي القرافي (664هـ ) في فروقه ، وفي كتابه " الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام ، وتصرفات القاضي والإمام " . ثم جاء بعده العلامة ابن القيم ( 751هـ ) في إعلامه ، ثم الشاطبي (790هـ ) في موافقاته ، في مسألة اختلاف العوائد .

وهنالك جماعة من المعاصرين عنوا بهذه القضية ، وأفردوها بالبحث ، وأولوها مزيد عناية ، غير أنهم متفاوتون ، ما بين مفرِط ومفَرِّط ، ومن أوسع ما كتب في ذلك حسب اطلاعي كتاب " تغير الأحكام في الشريعة الإسلامية " ، للدكتور إسماعيل كوكسال ، ط مؤسسة الرسالة ، وهي رسالة دكتوراه تقدم بها إلى جامعة الزيتونة . كما يحسن الرجوع إلى ما كتب حول نظرية المصلحة والضرورة ، مثل " ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ، للبوطي ، و" نظرية الضورة الشرعية " للزحيلي .
وقد قمت باستخلاص ضوابط ذلك التغيير ، بحيث تكون كالمعيار لطالب العلم ، يقيس بها ما لم يذكر على ما ذكر ، على أنني أنبّه إلى أنها قابلة للتنقيح والزيادة والمناقشة ، وهذه هي :

ضوابط تغيير المفتي فتواه بناء على ضغط العامة ، الذي هو أمارة على تحقق الحرج المنافي للشريعة :


الضابط الأول : ألا يعارض هذا التغييرَ نصٌّ أو إجماع قطعيّي الثبوت والدلالة ، وإلا لم يحل للمفتي تغيير فتواه ، فمن أباح اليسير من الربا ، بحجة ظروف العصر ، وحاجة الناس ، لم يقبل قوله ، وقد حذر الله سبحانه نبيه من الخضوع لمن أراده على ترك شيء من شريعته ، قال تعالى " وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم ، و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك " المائدة 49.

وتحسن الإشارة هنا إلى قصة هلال بن أمية عندما قذف امرأته بشريك بن سحماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أبصروها ، فإن جاءت به أكحل العينين ، سابغ الأليتين ، خديج الساقين فهو لشريك بن سحماء ..." ، فجاءت به على هذا الوصف ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم " لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " خرجه البخاري بمعناه ، والمقصود أنه هم بإقامة الحد عليها ، لولا أن كتاب الله يشترط البينة .
فالحديث دال على أنه يجب على الفقيه أن يطّرِح ما توهمه من مصلحة ، إذا كانت القضية مشغولة بنصٍ قطعي .


الضابط الثاني : مراعاة مقاصد الشريعة : وهي الكليات الخمس " الدين والنفس والعقل والعرض والمال " ، فهذه الأصول الخمسة لابد من اعتبارها عند تغيير الفتوى ، فلا يجوز انتهاك حرمة الدين مثلا لتحصيل ما دونه من المصالح .

مثال : ينادي البعض اليوم بإعطاء كل إنسان حرية شخصية في التعبير والتأليف وغيرها ، ويضغط الناس على أهل الغيرة من العلماء والحكام لإتاحة المزيد في هذا الباب ، وهذا حسن بضوابطه ، و لكن إذا ترتب على إطلاق الحرية لشخص معين ضرر بدين العامة ، كمن ينظم القصيد ، أو ينسج القصص والروايات المفسدة للعقول والأخلاق ، فهذا لا مناص من الحجر عليه لدين الناس ؛ كما يحجر على المفلس حماية لأموالهم ، بل ذاك أولى .


الضابط الثالث : مراعاة القواعد والضوابط الفرعية ، التي قررها الفقهاء في كتبهم ، وهي كثيرة يراعى في كل مسألة ما يخصها من تلك القواعد ، وأشير إلى مثال واحد :
ـ قولهم : يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد ، ومنه ما يفتي به البعض ـ اليوم ـ من جواز طواف الحائض بعد أن تستثفر ، في حال خشيت فوات رفقتها ، وكانت من الآفاقيين . وذلك بالنظر إلى أن الوضوء وسيلة ، والمقصود الطواف ، وإباحة دخولها إلى المسجد للضرورة ، كما نبيح لها دخوله إذا خافت من عدو ولا ملجأ لها إلا المسجد ، وهذا له سلف من السلف.

فهذه إلماعة مختصرة إلى ضوابط تغير الفتوى بسبب ضغط العامة ...وقد اكتفيت من القلادة بما أحاط بالعنق .


وللحديث بقية بإذن الله ....

بو الوليد
05-11-02, 11:29 PM
الأخ العزيز دراسات عليا ..
بلغني الله وإياك المنازل العليا في الآخرة ، والقارئَ الكريم ..ومن نحب ومن له حق علينا .. آمين .

شكر الله لك إيضاحك وبيانك .
فقد أفدتني بهذا الموضوع المهم .


وعندي استفسار إذا لم تثقلك الإجابة عليه بارك الله فيك ؟؟

ما ترتيب الضروريات الخمس حسب الأولوية ؟؟


وجزيت خيراً على تحملك ..

أبو عبدالله النجدي
08-11-02, 05:09 PM
اللهم آميــــــــــــــــــــــــــــــن .........أثابك الله

أما ترتيب الضروريات الخمس فهو اجتهادي ، و الذي يترجح لي ترتيب من رتبها كما يلي : الدين ، ثم النفس ، ثم العقل ، ثم العرض ، ثم المال .

والله تعالى أعلم .......

المسيطير
13-12-04, 08:10 PM
جزاك الله خير الجزاء شيخنا النجدي على هذه الفوائد والضوابط .
اللهم أسعد قلب شيخنا النجدي ، وأجب دعاءه ، وأرح باله ، وفك ضيقه ، وأزل همه ، وأذهب ألمه ، وأعلي درجته ، وبارك عمله ، واشرح صدره ، وأكشف ضره ، ويسر أمره ، وسخر له ، ويمّن كتابه ، ويسر حسابه ، وأجمعني معه ووالدينا وعلماءنا وإخواننا مع نبيك محمد صلى الله عليه وسلم

أبو عبدالله النجدي
14-12-04, 08:24 PM
أخي الحبيب: المسيطير،،، آمين، وجزاكم الله بمثل ذلك


""""""""""""""""""""""""""""

ويمكن ضبط ( الضغط ) الممدوح بأنه : ( توارد أسئلة الناس واستفتاءاتهم على الفقيه ، في مسألة يقعون بسبب منعها في حرج لا تأتي الشريعة السمحة بمثله ، مما يؤدي إلى عدوله من العزيمة إلى الرخصة ) .


السؤال هنا: كيف يفضي " ضغط " الأسئلة بالمفتي إلى أن يَعدِلَ عن فتياه ؟

هذا معتركٌ صعبٌ جداً، نظراً إلى نسبية الأحكام الاجتهادية، وتفاوت الأنظار في تقدير النِّسَب والإضافات المحيطة بالواقعة.

وللمسألة اتصالٌ بمسألةٍ حيرت الأوائل، من الفلاسفة وغيرهم.

حيث خاضوا في مسألة الانفعالات الإنسانية، وكيف تحصل، ولهم في ذلك نظريات، وخلاصة مذاهبهم: أن انفعالنا بما حولنا تتداخل فيه عوامل عدة، جسدية، واجتماعية، وفكرية.

وهذا الضرب من العلم ـ أي المضمَّن في السؤال المذكور ـ مفيدٌ لطالب العلم، من جهة أنه مما يفسِّر له اختلاف العلماء في الفتيا، وتفاوتهم في تقدير الظروف المحيطة بالواقعة، فيعلم أن هذا ليس براجعٍ إلى تناقضٍ في الشرع، وحاشاه من ذلك، بل هو راجع إلى تفاوت التكوين العلمي والنفسي والاجتماعي للمتكلمين في الشرعيات.

وهذا الاختلاف آيةٌ من آيات الله، كما في اختلاف الألسنة والألوان، وقد سئل أعرابي: كيف عرفتَ ربك ؟، فقال: بنقض الهمم والعزائم.


والعلم عند الله تعالى ...

ثمة بقية ...بإذن الله تعالى.

أبو عبدالله النجدي
15-12-04, 09:24 PM
ومن الدلائل على أن الشرع المطهر لا يقف سداً أمام حاجات الناس، ولو بالتغاضي عن بعض ما نهى عنه، ترويضاً للنفوس، وإبقاءً على القلوب، وإيلافاً لها:

ما جاء في البخاري أنه لما مات جعفر ررر بكت نساؤه حتى غلبن الرجال، فشكوا إلى النبي صصص ، فكأنه تغاضى عن ذلك، حين قالوا: ( والله لقد غلبننا ).

وعند أحمد: أنه أذن لأسماء بنت عميس ـ رضي الله عنها ـ في التسلُّب، وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب على زوجها جعفر ررر ، وتفسير هذا الحرف مستفادٌ من ابن كثير ـ رحمه الله ـ.

ففيه أن المفتي يراعي أحوال الناس، ولا يعسفهم على ما لا يطيقون.

ومما فيه عبرة ما يأتي:

روي أنه لما توفي جعفر رثته زوجته أسماء بنت عميس ـ رضي الله عنها ـ بقصيدة تقول فيها:

فــآليت لا تنفــك نفسـي حزينـة...........عليــك ولا ينفــك جـلدي أغـبرا
فللــه عينـا مـن رأى مثلـه فتـى ..............أكـر وأحـمى فـي الهيـاج وأصبرا

ثم لم تنشب أن انقضت عدتها، فخطبها أبو بكر الصديق ررر ، فتزوجها، فأولم وجاء الناس للوليمة، فكان فيهم علي بن أبي طالب ررر ، فلما ذهب الناس استأذن على أبي بكر في أن يكلم أسماء من وراء الستر، فأذن له، فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها، فقال لها علي ـ ممازحاً ـ: من القائلة في شعرها:


فآليت لا تنفك نفسي حزينةً ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا

قالت: دعنا منك يا أبا الحسن، فإنك امرؤٌ فيك دعابة. ذكر القصة بطولها ابن كثير في البداية.

وذلك أن الإنسان تعتريه في حزنه وفرحه حالٌ لا يستطيع معها التحكم في انفعالاته، فربما ـ أقول: ربما ـ كان ذلك من أسباب التخفيف والترخيص، والتغاضي من قِبَل الفقيه، إذا كان حمله على العزيمة مُضِرٌّ به.

وإذا كان هذا الأصلُ مراعىً في حق الأفراد، فإن مراعاته في حاجات الناس العامة أولى وآكد.

وهذا وشَلٌ من تنزُّلات قوله تعالى: ( يريد الله بكم اليسر )الآية.

والله تعالى أعلم....

...................

أبو عبدالله النجدي
20-12-04, 01:06 AM
قال سعيد بن منصور ـ رحمه الله ـ في سننه: نا هشيم، قال: أنا يونس، عن الحسن أنه كان يقول ـ في المعتَق عن دبر ـ: ( أنه لا يباع، فقيل له: فإن احتاج صاحبُه، ولم يكن له شيءٌ غيره، فلم يزالوا به حتى رخَّص لهم، وكان قوله: أن لا يباع )اهـ.





قلت: فكأن عدوله من المنع من بيع المدبَّر إلى الجواز لمحلِّ الحاجة، فإن أحوال الناس في المعاش تتفاوت، فربَّ زمانٍ أخصبُ من زمان، وربَّ سنةٍ أشد من سنة، والمسألة من مواقع الخلاف قديماً.

فلعله لما سألوه، وأكثروا عليه، ظهرَ له احتياج الناس إلى الترخيص، فأفتى به، والله تعالى أعلم.

ابن وهب
20-12-04, 01:31 AM
شيخنا الحبيب الفقيه
بارك الله فيك
ولكن ينبغي التفطن للبطانة فقد وجدت علماء و قراء ولكنهم ابتلوا ببطانة سوء
وهذه البطانة تنقل للعالم خلاف الحقيقة
ولنضرب مثال على ذلك
رجل من بلاد الغرب يتصل على الشيخ ويقول ونحن لانستطيع أن نفعل كذا لايمكن أن نفعل كذا
ويجتمع معه أناس آخرين من أصحابه يتصلون على الشيخ في اوقات مختلفة
حتى يظن الشيخ أن الأمر كما ذكر هولاء
وفي الحقيقة الأمر بخلاف ماذكروا

فعلى العالم أن يتابع الأمور بواسطة الثقات ويتجنب هولاء

الغواص
20-12-04, 09:15 PM
جزاك الله ألف ألف خير على هذا الموضوع الدقيق الرائع والذي يستحق اعتناء العلماء به فضلا عن طلبة العلم ومن دونهم ...

ولقد شغل بالي فترة من الزمن مسألة:
( التأثير السلبي من بعض طلبة العلم لشيخهم حتى يغير فتواه من الخير للشر )

ولأن الشريعة ما تركت شيئا فلعل هذا يندرج تحت موضوع ( الصحبة )

والله أعلم

أبو عبدالله النجدي
20-12-04, 09:44 PM
أخي المسدد ــــــــــــــ ابن وهب،،، حفظه الله


فعلى العالم أن يتابع الأمور بواسطة الثقات ويتجنب هولاء

شكر الله لكم هذا التقييد المهم على الموضوع، وقد نبه على مثله السلف في مصنفاتهم، واشترط الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في المفتي: " معرفة الناس "، وهو معنى ما تفضلتم بالإشارة إليه، وأكد ابن القيم على ضرورة الحذر من تحيلات المستفتين.

ويتأكد هذا في عصرنا الحاضر، حيث خُصصت جهاتٌ للتأثير على الرأي العام، وتوجيهه إلى حيث ألقت رحلها !

وقد نصوا على أنه ينبغي للمفتي أن يستشير من حوله من طلبة العلم، وقد أدركتُ بعض كبار علمائنا يستشيرنا فيما يُسألُ عنه، وهذا من تواضعه، عفا الله عنا وعنه.

وقد رأيتُ في شرح عقود رسم المفتي أن محمد بن الحسن ـ رحمه الله ـ كان ينزل إلى سوق الصباغين، فيسألهم عما يريد معرفته بنفسه.

بل قد كان الفاروق ررر يكثر من استشارة العلماء والقراء، كابن عباس ررر ، ويقول: غُصْ غوَاص.



"""""""""""""""""""""""

أخي الفاضل: الغواص،،، بارك الله فيك، وجزاك ألفي ألف.

أبو عبدالله النجدي
07-01-05, 07:02 PM
قال ابن حزم: " ومن طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: أنه كره بيع المصاحف، فلم يزل به مطر الوراق حتى أرخص له " اهـ.

المحلى (9/46).