المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسات تحليلية لترجيحات ابن قيم الجوزية التفسيرية


أبومجاهدالعبيدي
10-12-02, 12:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وأشرف المرسلين محمد بن عبدالله ، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فيسرني أن أبدأ في المشاركة معكم في هذا المنتدى بسلسلة دروس موسعة في أهم أنواع التفسير التحليلي ، وهو التفسير المقارن الذي يرتكز على ذكر الآيات التي وقع في تفسيرها خلاف بين المفسرين ، والمقارنة بين أقوالهم ، مع ترجيح الراجح منها ، وبيان الصواب فيها .

وستكون هذه السلسلة مرتبطة بالترجيحات التي أوردها ابن القيم في كتبه من خلال تفسيره المجموع ، حيث أذكر كلامه حول الآية ، وما رجحه من الأقوال في تفسيرها ، ثم أتبع ذلك بدراسة مفصلة لترجيحه ، مع مقارنته بترجيحات المفسرين الآخرين ، ثم أختم الدراسة بذكر ما أراه راجحاً مع التعليل .

فأرجو أن ينال هذا البحث إعجابكم ، وأن يكون عوناً لنا جميعاً على فهم كلام ربنا ، ومعرفة تفسيره ، وتدبر معانيه .

ثم إني أرجو ممن له اهتمام بمثل هذه الموضوعات البحثية من طلبة العلم والباحثين ألا يبخل علينا بمشاركاته الهادفة ونقده البناء .

وفق الله الجميع لما فيه رضاه ، وهدانا إلى طريق هداه ، وما توفيقي إلا بالله .

أبومجاهدالعبيدي
10-12-02, 12:16 AM
معنى (غلف) في قوله تعالى : (وقالوا قلوبنا غلف)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ) (البقرة:88)
ذكر ابن القيم –رحمه الله – قولين في معنى قول اليهود قلوبنا غلف :
أحدهما : أن المعنى : قلوبنا أوعية للحكمة والعلم ، على أن غلف جمع غلاف .
والثاني : أن المعنى : قلوبنا لا تفقه عنك ما تقول فهي في غشاوة ، وعلى هذا ف"غلف" جمع أغلف ، وهو كل شيء في غلاف .
وقد رجح القول الثاني ، وذكر أنه قول أكثر المفسرين ، وأنه الصواب في معنى الآية .
قال رحمه الله :
(اختلف في معنى قولهم: "قلوبنا غلف"
فقالت طائفة: المعنى قلوبنا أوعية للحكمة والعلم، فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به أو لا تحتاج إليك، وعلى هذا فيكون غلف جمع غلاف.
والصحيح قول أكثر المفسرين أن المعنى: قلوبنا لا تفقه ولا تفهم ما تقول، وعلى هذا فهو جمع أغلف كأحمر وحُمر. قال أبو عبيده: كل شيء في غلاف فهو أغلف، كما يقال سيف أغلف وقوس أغلف، ورجل أغلف غير مختون. قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: على قلوبنا غشاوة، فهي في أوعية لا تعي ولا تفقه ما تقول. وهذا هو الصواب في معنى الآية لتكرر نظائره في القرآن: كقولهم: "قلوبنا في أكنة"[فصلت : 5 ]
وقوله تعالى: "كانت أعينهم في غطاء عن ذكري"[الكهف : 101 ]ونظائر ذلك.
وأما قول من قال: هي أوعية للحكمة فليس في اللفظ ما يدل عليه ألبتة، وليس في القرآن نظير يحمل عليه، ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان نفسه بالعلم والحكمة، فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل: قلبي غلاف، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي أوعية للعلم؟ والغلاف قد يكون وعاءً للجيد والرديء، فلا يلزم من كون القلب غلافاً أن يكون داخله العلم والحكمة. وهذا ظاهر جداً.) انتهى [ شفاء العليل : ]

الدراسة
القول الذي رجحه ابن القيم هو قول أكثر المفسرين –كما ذكر في كلامه السابق - .
وممن قال به : ابن عباس ، ومجاهد ، والأعمش ،وقتادة ، والسدي ، وابن زيد
كما روى ذلك عنهم ابن جرير في تفسيره .
وهذا القول بيّن وظاهر ، وهو الذي ذكره المفسرون في معنى الآية ، فلا نطيل بذكر أقوالهم في ذلك ؛ فهي مبسوطة في كتب التفسير ، وكتب غريب القرآن .

وظاهر كلام ابن القيم السابق أن القولين المذكورين في معنى "قلوبنا غلف" يرجعان إلى قراءة واحدة ، وهي القراءة المشهورة التي عليها جمهور القراء "غُلْف" بإسكان اللام ، وهي قراءة العشرة .
وفي هذه الكلمة قراءة أخرى بضم اللام "غُلُف" وهي من شواذ القراءات .
وأكثر المفسرين جعلوا المعنى الذي صححه ابن القيم للقراءة المشهورة بسكون اللام ، والمعنى الذي ضعفه للقراءة الشاذة .[ ينظر كلام ابن جرير في تفسيره ....، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص57،58 ] .
وذكر بعض المفسرين أن قراءة الجمهور "غلْف" تحتمل المعنيين .
قال السمين الحلبي رحمه الله : ( وقرأ الجمهور "غلْف" بسكون اللام ، وفيها وجهان :-
أحدهما :-وهو الأظهر- أن يكون جمع أغلف ، كأحمر وحُمْر ، وأصفر وصُفْر ، والمعنى على هذا : أنها خلقت وجعلت مغشّاة لا يصل إليها الحق .....
والثاني : أن يكون جمع غلاف ، ويكون أصل اللام الضم ، فخفف ، نحو : حمار وحُمُر ، وكتاب وكُتُب ... ) .[ باختصار من الدر المصون 1/500،501 ، بتحقيق أحمد الخراط ، ومثله في اللباب في علوم الكتاب لابن عادل 2/269 ].

وأما توجيه علماء التفسير واللغة والقراءات للقولين الذَين ذكرهما ابن القيم ، وترجيحهم بينهما ؛ فأكثرهم رجّحوا القول الذي رجحه ابن القيم وصوّبه .
وقد تعددت مسالكهم في ترجيح هذا القول :
فمنهم من رجحه بترجيح قراءة الجمهور ، مع عدم تجويز القراءة الأخرى ،كابن جرير –رحمه الله - .
ومنهم من اختاره وقواه باختيار قراءة الجمهور ، مع عدم رد القراءة الأخرى ، كالزجاج ، والأزهري ، وأبي الحسن الفارسي ، وابن أبي زمنين .
ومنهم من قوّاه باعتبار أن "غلْف" جمع أغلف أشهر وأظهر من كونها جمع غلاف ؛لأن الأول أكثر استعمالاً ، والثاني وإن كان جائزاً فهو قليل . وممن ذكر هذا السمين الحلبي ، وابن عادل .
ومن المفسرين من ذكر القول الذي رجحه ابن القيم واقتصر عليه ، كابن جزي والقاسمي ، وابن سعدي .

وقد صرّح بتصحيح ما صححه ابن القيم بيان الحق النيسابوري ، حيث قال :( "غلْف" جمع أغلف ، وهو الذي لا يفهم ؛ كأن قلبه في غلاف ....
وقيل : "غلْف" أوعية للعلم ، أي قلوبنا قد امتلأت من العلم ، فلا موضع فيها لما تقول .
فالأول الصحيح ؛ لأن كثرة العلم لا تمنع من المزيد ، بل تعين عليه . ) [ باختصار من وضح البرهان في مشكلات القرآن لمحمود بن أبي الحسن النيسابوري 1/150 بتحقيق صفوان الداوودي ، وقريب منه في كتابه الآخر إيجاز البيان عن معاني القرآن 1/110 بتحقيق د/علي العبيد . ]
وذكر ابن القيم أنه سمع شيخ الإسلام ابن تيمية يضعف قول من قال : أوعية جداً ، وقال : إنما هي جمع أغلف . [ ذكر ذلك في بدائع الفوائد .... ] .

وأما وجوه ترجيح القول الذي رجحه ابن القيم فهي :
1. تكرر نظائره في القرآن ، كقوله تعالى : (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ...َ) (فصلت:5) .
وقد نص كلٌ من قتادة وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم على ذلك .
قال قتادة :"وقالوا قلوبنا غلف" هو كقوله : (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ) .
ونحوه عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم .

قال الشنقيطي –رحمه الله – في أضواء البيان : (فقول اليهود في هذه الآية "قلوبنا غلف" كقول كفار مكة :"قلوبنا في أكنة" ؛ لأن الغلف جمع أغلف وهو الذي عليه غلاف ، والأكنة جمع كنان ، والغلاف والكنان كلاهما بمعنى الغطاء الساتر . ) [ 7/109-110 ] .
والقاعدة الترجيحية تنص على أنه : ( إذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه ، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال .) [التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي 1/15 ، وانظر تفصيل هذه القاعدة في كتاب قواعد الترجيح عند المفسرين للشيخ حسين الحربي 1/312-327 ].

2. ومما يرجح هذا القول أيضاً ما جاء في الحديث المرفوع عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح ....} الحديث ، وفيه : وأما القلب الأغلف فقلب الكافر . [رواه الإمام أحمد ...... ، وذكره الطبري بسنده عن حذيفة موقوفاً عليه مقتصراً على موضع الشاهد ، وصحح أحمد شاكر رواية الإمام أحمد المرفوعة . انظر مرويات الإمام أحمد في التفسير 1/79 ] .
3. أن القراءة الدالة على هذا المعنى هي القراءة التي عليها جمهور القراء -كما سبق- ، والقراءة التي تدل على المعنى الآخر قراءة شاذة . ولا شك أن معنى القراءات المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة . [قواعد الترجيح 1/104 ]
4. ومن وجوه الترجيح أيضاً التي تدل على ترجيح ما رجحه ابن القيم أن القول المرجوح ليس له في القرآن نظير ، ولا هو معروف في الإستعمال كما ذكر ابن القيم في كلامه السابق .
5. ومنها أن هذا القول هو قول أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم كما سبق .
6. ومما يرجح هذا القول من جهة التعليل ما ذكره بيان الحق النيسابوري بقوله – السابق نقله - :( فالأول الصحيح ؛ لأن كثرة العلم لا تمنع من المزيد ، بل تعين عليه .) اه .

وأما القول الآخر ، وهو أن المراد بقوله تعالى : (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) أنها أوعية للذكر والحكمة والعلم ، فلا تحتاج إلى ما جاء به محمد ؛ فلم أرَ أحداً من المفسرين رجحه .
وأحسن أحواله عند بعضهم أن يذكره قولاً آخر بعد الأول من غير أن يشير إلى ضعفه .
ويمكن أن يتقوى هذا القول ببعض الوجوه :
منها : أن المعنى الذي يؤخذ منه قد جاء في آية أخرى ، وهي قوله تعالى : )فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ..) (غافر:83) .[أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره ...... ، والسمين الحلبي في عمدة الحفاظ 3/203 ]

ومنها : ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس ، أنه كان يقرأ "قلوبنا غلُف" مثقلة : أي كيف نتعلم وقلوبنا غلف للحكمة : أي أوعية للحكمة . [أخرجه الطبراني في الأوسط رقم 4636 (5/47) وفيه سليمان بن الأرقم ،وهو متروك ] .



النتيجة



نخلص مما سبق إلى قوة القول الذي رجحه ابن القيم –رحمه الله- وصوّبه ،وهو أن المراد بقوله تعالى : "قلوبنا غلف" أي قلوبنا في أوعية وأغطية ، وعليها غشاوة ، فلا تعي ولا تفقه ما تقول .
فلا شك أن هذا القول أقوى وأقرب إلى الصواب من القول الآخر ، وهو أن المراد : قلوبنا أوعية للعلم والحكمة ، فهي ليست بحاجة إلى ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .
غير أنه – وبعد تأملٍ في القولين – يمكن أن يجمع بينهما ؛ إذ ليس بينهما تعارض بحيث يلزم من إثبات أحدهما بطلان الآخر .
وصورة الجمع أن يقال : إنهم زعموا أن قلوبهم في أغطية وأوعية ، وعليها غشاوة فهي لا تعي ولا تفقه ما تقول ، وهي مع ذلك أوعية للعلم والحكمة ، فليست بحاجة إلى ما جاء به محمد –صلى الله عليه وسلم - ، أو هي أوعية للعلم تعي ما تُخاطب به ، ولكنها لا تفقه ما يتحدث به الرسول ؛ فلو كان ما يقوله حقاً لوعته قلوبهم .
وبهذا الجمع تجتمع أقوال المفسرين ، وتفيد الآية أكثر من معنى .
والآية جاءت في سياق ذكر نقائص اليهود وصفاتهم الذميمة وأفعالهم الشنيعة ؛ ولا شك أن تعدد صفاتهم المذمومة وتنوعها أبلغ في ذمهم .والله أعلم بمراده ، وهو الموفق للصواب من شاء من عباده .
ومن العلماء من جمع بين القولين بطريقة أخرى ، وهي أن يحمل كل معنى على قراءة .
قال السيوطي -رحمه الله- بعد أن ذكر القولين في الآية : ( والقولان عن ابن عباس ، وليسا باختلاف ، بل الأول على قراءة "غلْف" بسكون اللام جمع أغلف أي في غلاف ، والثاني على قراءة ضم اللام ، جمع غلاف . ) اه [من كتاب قطف الأزهار في كشف الأسرار للسيوطي (1/287،288 ) تحقيق د /أحمد الحمادي . إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – دولة قطر 1414ه . ]
وعلى هذا لا يعد القولان من باب الإختلاف ؛ لأن كل معنى يرجع إلى قراءة ، فالقراءتان كالآيتين . [وذكر مثل هذا الجمع صاحب كتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد (1/333) حيث قال : فالمعنى مختلف باختلاف اللفظ . اه ]

تنبيهات وفوائد
التنبيه الأول : في نوع الخلاف وثمرته :-
من خلال ما سبق من ذكر أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى : "وقالوا قلوبنا غلف" _ وهي في مجملها راجعة إلى المعنيين الَّذين أوردهما ابن القيم رحمه الله ، وبناء على ما سبق تقريره في آخر النتيجة التي توصلت إليها من الجمع بين الأقوال فإن هذا الخلاف الوارد في عبارات المفسرين يمكن أن يجعل من اختلاف التنوع الذي يرجع اختلاف الأقوال فيه إلى أكثر من معنى ، ولكنها غير متعارضة ولا متضادة .
وعليه فإن ما رجحه ابن القيم وصوبه يدخل في باب الإختيار لا الترجيح ؛
وإن كان عنده- رحمه الله- من باب الترجيح . والله أعلم .

تنبيه : الفرق بين الإختيار والترجيح أن الإختيار تقوية أحد الأقوال مع عدم رد القول الآخر لأن له حظاً من القبول مع عدم معارضته للقول الأقوى .
والترجيح : اعنبار أحد الأقوال ورد الأقوال الأخرى لضعفها .
وهو اصطلاح سأسير عليه في دراسة هذه المسائل ؛ وقد لا يراه غيري ؛ ولا مشاحة في الإصطلاح .

هيثم حمدان.
10-12-02, 03:46 AM
أحسن الله إليك وبارك فيك وفي علمك.

أبومجاهدالعبيدي
11-12-02, 04:45 PM
ستكون الدراسة القادمة إن شاء الله حول كلام ابن القيم عن قوله تعالى : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) حيث تعرض ابن القيم -رحمه الله- لمعنى(نقدس لك) في سياق حديثه عن معنى اسم الله :"القدوس"
فذكر أن هذا الاسم يعني أن الله هو المنزه عن كل عيب ، وعن كل ما لا يليق به . وذكر أن أصل الكلمة من الطهارة والنزاهة . ثم قال :
(ومنه قول الملائكة: ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) فقيل المعنى: ونقدس أنفسنا لك ، فعدّى باللام ، وهذا ليس شيء.
والصواب أن المعنى : نقدسك وننزهك عما لا يليق بك ، هذا قول جمهور أهل التفسير .)
إلى أن قال : (وقال بعضهم : ننزهك عن السوء فلا ننسبه إليك ، واللام فيه على حدها في قوله: ( ردف لكم)[النمل:72]؛ لأن المعنى تنزيه الله لا تنزيه نفوسهم لأجله.
قلت: ولهذا قرن هذا اللفظ بقولهم: (نسبح بحمدك)؛ فإن التسبيح تنزيه الله سبحانه عن كل سوء .) انتهى [شفاء العليل:2/510-511].

وانتظروا دراسة هذا الترجيح قريباً إن شاء الله تعالى .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
20-10-04, 02:43 PM
قبل أشرع في التعليق على هذه المشاركة أود ممن يقرأ هذا الموضوع أن يتدبر جيدا
قوله تعالى {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }البقرة88
و قوله {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }النساء155

عبدالله المزروع
20-10-04, 10:02 PM
أحسن الله إليك وبارك فيك وفي علمك ،

وما زلت أنتظر موعدكم الذي وعدتمونيه !

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
21-10-04, 11:24 AM
قوله تعالى {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }البقرة88
و قوله {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }النساء155
من تدبر في هذه الآيات خاصة في حكاية الله تعالى عن اليهود بقولهم ( قلوبنا قلف ) لا يخرج قولهم عنده عن أمرين :
الأمر الأول : إما ذم لأنفسهم بقولهم قلوبنا غلف و هذا الأمر مستبعد جدا عن اليهود فهم أكثر الناس حمدا لأنفسهم حتى بما ليس فيهم قال تعالى {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }آل عمران188
قال بن جرير رحمه الله حدثنا ابن حميد, حدثنا قال: سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة مولـى ابن عبـاس أو سعيد بن جبـير: {وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ} إلـى قوله {وَلهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ} يعنـي: فنـحاصا وأشيع وأشبـاههما من الأحبـار الذين يفرحون بـما يصيبون من الدنـيا علـى ما زينوا للناس من الضلالة {ويُحبّونَ أنْ يُحْمَدُوا بـما لـم يَفْعَلُوا} أن يقول لهم الناس علـماء ولـيسوا بأهل علـم, لـم يحملوهم علـى هدى ولا خير, ويحبون أن يقول لهم الناس: قد فعلوا.
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا يونس بن بكير, قال: حدثنا مـحمد بن إسحاق, قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أنه حدثه عن ابن عبـاس بنـحو ذلك, إلا أنه قال: ولـيسوا بأهل علـم, لـم يحملوهم علـى هدى .
و قال رحمه الله ( وقال آخرون: بل عُنِـي بذلك قوم من الـيهود فرحوا بـاجتـماع كلـمتهم علـى تكذيب مـحمد صلى الله عليه وسلم, ويحبون أن يحمدوا بأن يقال لهم أهل صلاة وصيام. ذكر من قال ذلك:
6766ـ حدثت عن الـحسين بن الفرج, قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان, قال: سمعت الضحاك بن مزاحم, يقول فـي قوله: {لا تَـحْسَبنّ الّذِينَ يَفْرَحُونَ بِـمَا أتَوْا} فإنهم فرحوا بـاجتـماعهم علـى كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, وقالوا: قد جمع الله كلـمتنا, ولـم يخالف أحد منا أحدا أنه نبـيّ, وقالوا: نـحن أبناء الله وأحبـاؤه, ونـحن أهل الصلاة والصيام. وكذبوا, بل هم أهل كفر وشرك وافتراء علـى الله, قال الله: {يُحِبّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِـمَا لَـمْ يَفْعَلُوا}.
فاليهود من أكثر الناس حمدا لأنفسهم و مدحا لها فكيف يقولون أن قلوبهم لا تفقه و لا تعي الحق .
قال تعالى عنهم {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }المائدة18 .
و قال تعالى عنهم {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }آل عمران24
و المتتبع سيرة اليهود مع النبي صلى الله عليه و سلم في كتاب الله تعالى و في سنة النبي صلى الله عليه و سلم و سيرته بأبي هو و أمي يجد أن السبب الذي منع اليهود من الإيمان بالنبي صلى الله عليه و سلم هو العلم الذي وروثوه من الرسل فظنوا أنهم بهذا العلم بلغوا مرتبه لا يصل لها غيرهم و أن النبي المبعوث في آخر الزمان لا يخرج عنهم لكمال علمهم فلما بعث الله تعالى النبي صلى الله عليه و سلم من العرب كفروا به كما قال تعالى {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ }البقرة89 .
لذا من المستبعد أن يقول اليهود هذا ذما لأنفسهم .
الأمر الثاني : مدحهم لأنفسهم و هذا هو الحق كما هو معروف من سيرة اليهود و لما ذكرنا من أدلة من كتاب الله تعالى .
و المعلوم أن مدحهم لأنفسهم بقولهم قلوبنا غلف المراد به مدح ديني لا دنيوي و مرادهم بذلك إما أن قلوبهم لا تقبل ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم و لو كان من الحق لقبلته أو أن قلوبهم مغلفة بالعلم و الحكمة و لا تحتاج إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم .
و مما يؤيد ما رجحته بأن مرادهم بقولهم ( قلوبنا غلف ) هو مدحهم لأنفسهم أن الله تعالى ضرب على كلامهم بقوله ( بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ ) كما في آية البقرة و بقوله ( بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ) و معلوم أن ما ضرب الله تعالى عليه باطل لا حق و هذا الباطل هو عينه مدحهم لأنفسهم بالعلم و الحكمة و لو كان قولهم ( قلوبنا غلف ) المراد بهم أن قلوبنا لا تعي و لا تفقه ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم ذما لأنفسهم لما ضرب الله تعالى عليه لأنهم حقيقة لم يعوا و لم يفقهوا ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم فكيف يضرب الله تعالى على الحق .
قال ابن كثير رحمه الله ( ولهذا قال تعالى: {بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون} أي ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها كما قال تعالى: {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع اللّه عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً} .
فقول ابن كثير ( ليس الأمر كما ادعوا ) ينبأك أن هناك دعوى أدعاها اليهود و هذه الدعوى ردها الله تعالى ردا شديدا بقوله ( بل لعنهم الله بكفرهم ) هل يتصور أن هذه الدعوى هي قولهم أن قلوبنا مطبوع عليها و عليها أغلفه فلا يصل إليها الحق هذا المعنى يرده سياق الآية أشد الرد لأن ما أثبته الله تعالى عليهم و هو لعنهم و الطبع على قلوبهم هو عينه ما أثبتوه فكيف يرده الله إذا .
فلم يبق لا أن تكون دعواهم هذه هي أن قلوبهم لا تقبل ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم لكمال الحكمه و العلم و أنهم لا يحتاجون لما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم لهذا السبب فهذه الدعوى هي التي تستحق الرد بل أشد الرد و هذا المعنى رده الله تعالى على اليهود عليهم لعائن الله في أكثر من آية .
قال تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }البقرة146
و قال {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }الأنعام20
قال أبو جعفر: فـي قول الله تعالـى ذكره: بَلْ لَعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ تكذيبٌ منه للقائلـين من الـيهود: قُلُوبُنَا غُلْفٌ لأن قوله: بَلْ دلالة علـى جحده جل ذكره, وإنكاره ما ادّعوا من ذلك إذ كانت «بل» لا تدخـل فـي الكلام إلا نقضا لـمـجحود.
فإذا كان ذلك كذلك, فبـيّنٌ أن معنى الآية: وقالت الـيهود قلوبنا فـي أكنة مـما تدعونا إلـيه يا مـحمد. فقال الله تعالـى ذكره: ما ذلك كما زعموا, ولكن الله أقصى الـيهود وأبعدهم من رحمته وطردهم عنها وأخزاهم بجحودهم له ولرسله فقلـيلاً ما يؤمنون . )
و أما أوجه الترجيح التي ذكرها الأخ أبو مجاهد وفقه الله تعال لكل خير فلي عليها بعض التعليقات :
الأول : قوله ( تكرر نظائره في القرآن ، كقوله تعالى : (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ...َ) (فصلت:5) ..... ) .
في هذا الوجه معنى دقيق يجب التنبه له و هو هل قول اليهود ( قلوبنا غلف ) و قول كفار قريش ( (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ...َ) هل هو ذم لأنفسهم أم مدح لها ؟
و هل قولهم هذا مع ظنهم أنهم على الحق أم اعتقادهم أن على الباطل ؟.
فقولهم هذا هو حقيقة رد لدعوة النبي صلى الله عليه و سلم مع اعتقادهم أنهم على الحق و ظنهم بطلان نبوة النبي صلى الله عليهم و سلم فهو إذن مدح لأنفسهم لا ذم لها فمن غير من المعقول أنهم أرادوا بهذا ذم انفسهم و اعتقادهم و أنهم لا يعون و لا يفقهون فقولهم هذا حكاية عما يعتقدونه في هذه الدعوة .
الثاني : قوله ( ومما يرجح هذا القول أيضاً ما جاء في الحديث المرفوع عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح ....} الحديث ، وفيه : وأما القلب الأغلف فقلب الكافر ..... ) .
مما يعين على فهم كتاب الله تعالى النظر إلى سياق الآيات فمتى ما كان المعنى مما يسوغ لغة و شرعا و سياق الآية أو الآيات يدل عليه و لم يكن هناك مرجح في تفسير الآيات أقوى منه حكم له أي لسياق الآية .
فالغلف لغة يكون لكل ما كان له غلاف فيمكن أن يكون غلافه الحكمه و العلم و يمكن أن يكون غلافه الكفر و الشرك فسياق الحديث واضح بأن هذا القلب الأغلف مغلف بالكفر .
و آية البقرة و النساء سياقهما من قول اليهود فمن غير المقبول أنهم ينسبون لأنفسهم غلاف الكفر و هو من أكثر الناس مدحا لأنفسهم كما ذكر الله تعالى عنهم في كتابه الكريم .
ثم إن الله تعالى رد عليهم قولهم فلو كان مرادهم أن قلوبهم مغلفه بالكفر لما رده الله تعالى لأن هذا حق و حقيقه قررها الله تعالى في كتابه في أكثر من آية .
الثالث : قوله ( أن القراءة الدالة على هذا المعنى هي القراءة التي عليها جمهور القراء -كما سبق- ، والقراءة التي تدل على المعنى الآخر قراءة شاذة . ولا شك أن معنى القراءات المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة . ) .
المعنى الذي رجحناه تدل عليه كلا القراءتين فالجمع بين القراءتين أولى من ترك إحداهما و هذه القاعدة تصح لو كان هناك اختلاف تضاد في المعنى و لكن ما رجحناه تدل عليه كلا القراءتين .
فكل شئ له غلاف فهو أغلف قال ابن منظور في اللسان ( الغِلاف الصِّوان وما اشتمل على الشيء كقَمِيص القَلْب وغِرْقِئِ البيض وكِمام الزَّهْر وساهُور القَمر ، والجمع غُلُفٌ و الغِلافُ غلاف السيف والقارورة ، وسيف أَغْلَف وقوس غَلْفاء وكذلك كل شيء في غِلاف ... ) .
و قال ( وقلب أَغْلفُ بيِّن الغُلْفة كأَنه غُشِّي بغلاف فهو لا يَعِي شيئاً . وفي التنزيل العزيز : وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ وقيل : معناه صُمٌّ ، ومن قرأَ غُلُفٌ أَراد جمع غِلاف أَي أَن قلوبنا أَوْعِية للعِلم كما أَن الغلاف وِعاء لما يُوعَى فيه ... ) .
فائدة قال ابن كثير رحمه الله ( وقد اختلفوا في معنى قوله {فقليلاً ما يؤمنون} وقوله: {فلا يؤمنون إلا قليلاً} فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم، وقيل: فقليل إيمانهم بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب ولكنه إيمان لا ينفعهم لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد صلى اللّه عليه وسلم وقال بعضهم: إنما كانوا غير مؤمنين بشيء وإنما قال: {فقليلاً ما يؤمنون} وهم بالجميع كافرون كما تقول العرب: قلَّما رأيت مثل هذا قط نريد ما رأيت مثل هذا قط )
و للحديث بقية إن شاء الله تعالى للتعليق على باقي الترجيحات .

ابو انس السلفى صعيدى
29-11-16, 10:07 PM
نفع الله بكم ونحن فى انتظار الباقى

يحي مروان أحمد
29-11-16, 11:16 PM
وفقكم الله