المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضيف الملتقى الشيخ مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار


عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 04:45 AM
بحمد الله وافق الشيخ الفاضل مساعد بن سليمان الطيار حفظه الله على اللقاء بالملتقى ، وقد ذكرنا في الملتقى قبل نحو ستة أشهر النية باللقاء بالشيخ
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?threadid=4872&highlight=%C7%E1%D8%ED%C7%D1
ولعله يكون من بداية الاسبوع القادم بإذن الله تعالى
وسيكون حول التفسير وعلوم القرآن
وستذكر ترجمة الشيخ ومؤلفاته وجهوده حفظه الله حول التفسير وعلومه
ولعلنا نضع تفسير جزء عمّ للشيخ قريبا في مكتبة الملتقى .
ونسأل الله أن يجزي شيخنا الفاضل خير الجزاء على موافقته للقاء.

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 04:47 AM
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?threadid=5061&highlight=%C7%E1%D8%ED%C7%D1



http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?threadid=5060&highlight=%C7%E1%D8%ED%C7%D1

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:01 AM
هذه صوتيات مفيدة للشيخ حفظه الله

http://www.islamway.com/bindex.php?section=series&scholar_id=424&series_id=730

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:53 AM
هذه عدة بحوث للشيخ حفظه الله
منسوخة من اسطوانة مجلة البيان (الإصدار الثاني)

بحوث شرعية
التفسير بالمأثور
نقد للمصطلح وتأصيل
مساعد سليمان الطيّار

إن المصطلحات العلمية يلزم أن تكون دقيقة في ذاتها ونتائجها ، وإلا وقع فيها
وفي نتائجها الخلل والقصور ، ومن هذه المصطلحات التي حدث فيها الخلل
مصطلح (التفسير بالمأثور) ، وفي هذا المصطلح أمران : أنواعه ، وحكمه .
أما أنواعه ، فقد حدّها من ذكر هذا المصطلح من المعاصرين بأربعة ، هي :
(تفسير القرآن بالقرآن ، وبالسنة ، وبأقوال الصحابة ، وبأقوال التابعين) .[1]
وغالباً ما يحكي هؤلاء الخلاف في جعل تفسير التابعي من قبيل المأثور . [2]
وأما حكمه ، فبعض من درج على هذا المصطلح ينتهي إلى وجوب الأخذ
به . [3]
وأقدم من رأيته نص على كون هذه الأربعة هي التفسير بالمأثور الشيخ محمد
بن عبدالعظيم الزرقاني ، حيث ذكر تحت موضوع (التفسير بالمأثور) ما يلي : »
هو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة تبايناً لمراد الله من كتابه « ثم قال : » وأما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف بين العلماء : منهم من اعتبره من المأثور
لأنهم تلقوه من الصحابة غالباً ومنهم من قال : إنه من التفسير بالرأي « . [4]
ثم جاء بعده الشيخ محمد حسين الذهبي (ت : 1977 م) فذكر هذه الأنواع
الأربعة تحت مصطلح (التفسير المأثور) ، وقد علل لدخول تفسير التابعي في
المأثور بقوله : » وإنما أدرجنا في التفسير المأثور ما روي عن التابعين وإن كان
فيه خلاف : هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي ؟ لأننا وجدنا كتب التفسير
المأثور كتفسير ابن جرير وغيره لم تقتصر على ما ذكر مما روي عن النبي -صلى
الله عليه وسلم- وما روي عن الصحابة ، بل ضمنت ذلك ما نقل عن التابعين في
التفسير « [5] .
منشأ الخطأ في هذا المصطلح :
إنه فيما يظهر قد وقع نقل بالمعنى عمن سبق أن كتب في هذا الموضوع وبدلاً
من أن يؤخذ عنه مصطلحه استبدل به هذا المصطلح الذي لم يتواءم مع هذه الأنواع ، ولا مع حكمها كما سيأتي .
والمصدر الذي يظهر أن هذه الأنواع نُقلت منه هو رسالة شيخ الإسلام ابن
تيمية المسماة (مقدمة في أصول التفسير) .
وقد وردت هذه الأنواع الأربعة تحت موضوع (أحسن طرق التفسير) [6]
فهي عند شيخ الإسلام (طرق) وليست (مأثوراً) .
ولو تأملت النقلين السابقين ، فإنك ستجد أنهما يحكيان الخلاف في كون تفسير
التابعي مأثوراً أم لا .
وستجد هذا موجوداً في رسالة شيخ الإسلام ، ولكن البحث فيه ليس عن كونه
مأثوراً أم لا ، بل عن كونه حجة أم لا ؟
وبين الأمرين فرق واضحٌ ، إذ لم يرد عن العلماء هل هو مأثور أم لا ؟ لأن
هذا المصطلح نشأ متأخراً ، بل الوارد هل هو حجة أم لا ؟
وإن كان هذا التأصيل صحيحاً ، فإن اصطلاح شيخ الإسلام أدق من اصطلاح
المعاصرين ، وأصح حكماً .
فهذه التقسيمات الأربعة لا إشكال في كونها طرقاً ، كما لا إشكال في أنها
أحسن طرق التفسير ، فمن أراد أن يفسر فعليه الرجوع إلى هذه الطرق .
نقد مصطلح (التفسير المأثور) :
مصطلح المعاصرين عليه نقد حيث يتوجه النقد إلى أمرين وإليك بيانه :
1- ما يتعلق بصحة دخول هذه الأنواع في مسمى (المأثور) .
2- ما يتعلق بالنتيجة المترتبة عليه ، وهي (الحكم) .
أما الأول : فإنه يظهر أن هذا المصطلح غير دقيق في إدخال هذه الأنواع
الأربعة فيه ، فهو لا ينطبق عليها جميعاً ، بل ويخرج ما هو منها ، فهذا المصطلح
غير جامع ولا مانع لسببين :
أ- أن المأثور هو ما أثر عمن سلف ، ويطلق في الاصطلاح على ما أُثر عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم .
فهل ينطبق هذا على تفسير القرآن بالقرآن ؟
إن تفسير القرآن بالقرآن لا نقل فيه حتى يكون طريقه الأثر ، بل هو داخل
ضمن تفسير من فسر به .
* فإن كان المفسر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو من التفسير النبوي .
* وإن كان المفسر به الصحابي ، فله حكم تفسير الصحابي .
* وإن كان المفسر به التابعي ، فله حكم تفسير التابعي .
وهكذا كل من فسر آية بآية فإن هذا التفسير ينسب إليه .
ب- أن المأثور في التفسير يشمل ما أُثر عن تابعي التابعين كذلك ومن دوّن
التفسير المأثور فإنه ينقل أقوالهم ، كالطبري (310) وابن أبي حاتم (ت : 327) ،
وغيرهما .
بل قد ينقلون أقوال من دونهم في الطبقة ، كمالك بن أنس ، وغيره . ولو
اطلعت على أوسع كتاب جمع التفسير المأثور ، وهو (الدر المنثور في التفسير
بالمأثور) لرأيت من ذلك شيئاً كثيراً .
ولو قُبلت العلة التي ذكرها الشيخ محمد حسين الذهبي في إدخاله تفسير
التابعين في المأثور ، لصح تنزيلها على المأثور عن تابعي التابعين ومن دونهم .
وقد نشأ الخطأ في تصور ونقل الخلاف في تفسير التابعي ، وهل يندرج تحت
التفسير بالمأثور ، أم لا يصح أن يوصف بأنه تفسير مأثور ؟ ونزّل كلام العلماء
خطأ في حكم تفسير التابعي على قضية كونه تفسيراً مأثوراً أم غير مأثور ، ولم
يكن حديث العلماء على كونه مأثوراً أم غير مأثور ، إذ لم يكن ذلك المصطلح
معروفاً ولا شائعاً في وقتهم .
وأما الثاني وهو ما يتعلق بالحكم فإن بعض من درج على هذا المصطلح نصّ
على وجوب اتباعه والأخذ به [7] ، وهو مستوحى من كلام آخرين [8] .
ومما يلحظ على هذا الحكم أنهم يحكون الخلاف في تفسير التابعي من حيث
الاحتجاج ، بل قد حكى بعضهم الخلاف في تفسير الصحابي [9] .
ثم يحكمون في نهاية الأمر بوجوب اتباعه والأخذ به ، فكيف يتفق هذا مع
حكاية الخلاف الوارد عن الأئمة دون استناد يرجح وجوب الأخذ بق ول التابعي ،
فهم يمرون على هذا الخلاف مروراً عاماً بلا تحقيق .
ثم إن كان ما ورد عن الصحابة والتابعين مأثوراً يجب الأخذ به على
اصطلاحهم فما العمل فيما ورد عنهم من خلاف محقق في التفسير ؟ وكيف يقال :
يجب الأخذ به ؟
ومن نتائج عدم دقة هذا المصطلح نشأ خطأ آخر ، وهو جعل التفسير بالرأي
مقابلاً للتفسير بالمأثور وهو الأنواع الأربعة السابقة حتى صار في هذه المسألة خلط
وتخبط ، وبنيت على هذا التقسيم معلومات غير صحيحة ، ومنها :
1- أن بعضهم يقررون في تفسير الصحابة والتابعين أنهم اجتهدوا وقالوا فيه
برأيهم ، ثم يجعلون ما قالوه بهذا الرأي من قبيل المأثور ناسين ما مرروه من قول
بأنهم قالوا بالرأي ، فيجعل قولهم مأثوراً وقول من بعدهم رأياً ، فكيف هذا ؟ وإذا
كان الصحابة قالوا في التفسير برأيهم فلا معنى لتفضيلهم على غيرهم ممن بعدهم
في هذه المسألة ، وهذا لا يعني مساواة من بعدهم بهم .
2- كما تجد أن كتب التفسير تُقسّم إلى كتب التفسير بالمأثور وكتب التفسير
بالرأي ، وعلى سبيال المثال يجعلون تفسير ابن جرير من قبيل التفسير بالمأثور ،
ولو أردت تطبيق مصطلح التفسير بالمأثور ، فإنك ستجد اختيارات ابن جرير
وترجماته ، فهل هذه من قبيل الرأي أم من قبيل المأثور ؟ فإن كان الأول فكيف
يحكم عليه بأنه مأثور ؟ ! وإن كان الثاني فإنه غير منطبق لوجود اجتهادات ابن
جرير ، وفرق بين أن نقول : فيه تفسير بالمأثور ، أو نقول هو تفسير بالمأثور .
3- وقد فهم بعض العلماء أن من فسر بالأثر فإنه لا اجتهاد ولا رأي له بل
هو مجرد ناقل ، لا عمل له غير النقل ، ويظهر أن هذا مبني على ما سبق من أن
التفسير بالمأثور الذي يشمل الأربعة السابقة يقابله التفسير بالرأي .
ومن ذلك ما قاله الشيخ الطاهر بن عاشور : » أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب ألا يعدو ما هو مأثور ، فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها ، ولم يوضحوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر ... « . ثم قال : » وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها ، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب ، وحسبه بذلك تجاوزاً لما حدده من الاقتصار على التفسير بالمأثور ، وذلك طريق ليس بنهج ، وقد سبقه إليه بقي بن مخلد ، ولم نقف على تفسيره ، وشاكل الطبري فيه معاصروه ، مثل ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم ، فلله درّ الذين لم يحبسوا أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور ، مثل الفراء وأبي عبيدة من الأولين ، والزجاج والرماني ممن بعدهم ، ثم من سلكوا طريقهم ، مثل الزمخشري وابن عطية « . [10]
وها هنا وقفات ناقدة لهذا الكلام :
الأولى : لم يصرح الطاهر بن عاشور بأولئك الذين » جمدوا على القول بأن
تفسير القرآن يجب ألا يعدو ما هو مأثور « وفي ظني أن هذا لم يُقَل به ولكنه تأوّلٌ
لكلام من يرى وجوب الأخذ بما أثر عن السلف .
الثانية : لم يورد الشيخ دليلاً من كلام الطبري يدلّ على التزامه بما روي عن
الصحابة والتابعين فقط ، ولم يرد عن الطبري أنه يقتصر عليهم ولا يتعدى ذلك إلى
الترجيح .
الثالثة : أنه جعل منهج الطبري كمنهج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم ،
وشتان بين منهج الطبري الناقد المعتمد على روايات السلف ومنهج هؤلاء الذين
اعتمدوا النقل فقط دون التعقيب والتعليق ، وهذا المنهج الذي سلكوه لا يُعاب عليهم ؛ لأنهم لم يشترطوا التعليق على الآيات والتعقيب على المرويات ، بل كانوا
يوردون ما وصلهم من تفاسير السلف ، وهم بهذا لا يُعدون مفسرين ، بل هم ناقلو
تفسير .
ومن هنا ترى أن الشيخ بن عاشور يرى أن من التزم بالمأثور فإنه لا يكون
له رأي كالطبري . وأنّ من لم يلتزم بالمأثور فلله دره ! كما قال .
وقد سبق أن ذكرت لك أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اعتمدوا التفسير
بالرأي وقالوا به ، وإن من الأخطاء التي وقعت مقابلة أقوالهم التي هي من قبيل
الرأي بأقوال أبي عبيدة والفراء وغيرهم ، بل الأعجب من ذلك أن تفاسيرهم اللغوية
تجعل من المأثور وتُقابل بتفاسير أبي عبيدة والفراء والزجاج اللغوية ، وتجعل هذه
لغوية .
كل هذه النتائج حصلت لعدم دقة مصطلح التفسير بالمأثور .
ما هو التفسير بالمأثور :
بعد هذا العرض ، وتجلية مصطلح التفسير بالمأثور المعتمد في كتب بعض
المعاصرين يتجه سؤال ، وهو : هل يوجد تفسير يسمى مأثوراً ؟
والجواب عن هذا (نعم) ، ولكن لا يرتبط بحكم من حيث وجوب الاتباع
وعدمه ، بل له حكم غير هذا .
فالمأثور هو ما أثر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن صحابته
وعن التابعين وعن تابعيهم ممن عُرفوا بالتفسير ، وكانت لهم آراء مستقلة مبنية
على اجتهادهم .
وعلى هذا درج من ألف في التفسير المأثور ؛ كبقي بن مخلد ، وابن أبي حاتم
والحاكم ، وغيرهم .
وقد حاول السيوطي جمع المأثور في كتابه (الدر المنثور في التفسير بالمأثور)
وذكر الروايات الواردة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته وتابعيهم
وتابعي تابعيهم ومن بعدهم .
وهذا لا يبنى عليه حكم من حيث القبول والرد ، ولكن يقال : إن هذه الطرق
هي أحسن طرق التفسير ، وإن من شروط المفسر معرفة هذه الطرق .
أما ما يجب اتباعه والأخذ به في التفسير فيمكن تقسيمه إلى أربعة أنواع :
الأول : ما صح من تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- .
الثاني : ما صح مما روي عن الصحابة مما له حكم المرفوع كأسباب النزول
والغيبيات .
الثالث : ما أجمع عليه الصحابة أو التابعون ؛ لأن إجماعهم حجة يجب الأخذ
به .
الرابع : ما ورد عن الصحابة خصوصاً أو عن التابعين ممن هم في عصر
الاحتجاج اللغوي من تفسير لغوي ، فإن كان مجمعاً عليه فلا إشكال في قبوله ،
وحجيته ، وإن ورد عن واحد منهم ولم يعرف له مخالف فهو مقبول كما قال
الزركشي : » ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان ،
فلا شك في اعتمادهم « . [11] .
وإن اختلفوا في معنى لفظة لاحتمالها أكثر من معنى ، فهذا يعمد فيه إلى
المرجحات .
أما ما رووه عن التابعي فهو أقل في الرتبة مما رووه عن الصحابي ، ومع
ذلك فإنه يعتمد ويقدم على غيره .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
________________________
(1) انظر على سبيل المثال : مناهل العرفان للزرقاني 2/1213 ، التفسير والمفسرون للذهبي 1/154 مباحث في علوم القرآن لمناع القطان .
(2) انظر مثلاً : مناهل العرفان 2/13 ، التفسير والمفسرون 1/154 لمناع القطان 347 .
(3) انظر مثلاً : مباحث في علوم القرآن ، 350 ، وهذا ما يتوحى من عبارة الزرقاني .
(4) مناهل العرفان 2/1213 .
(5) التفسير والمفسرون 1/15 .
(6) مقدمة في أصول التفسير ، تحقيق : عدنان زرزور ، ص 93 .
(7) انظر : مباحث في علوم القرآن للقطان ، 350 .
(8) كالزرقاني ، والذهبي ، والصباغ (لمحات في علوم القرآن ، 177 وما بعدها) .
(9) لمحات في علوم القرآن ، 180 .
(10) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور ، 1/32 ، 33 .
(11) البرهان في علوم القرآن ، 2/172 .
(*) تفسير الطاهر بن عاشور المعروف (بالتحرير والتنوير) بالرغم من شموله واستقصائه لما يفسره من آيات ، إلا أن منهجه العقدي أشعري يؤول آيات الصفات وللمزيد انظر الكتاب القيم (المفسرون والتأويل) للشيخ محمد المغراوي المغربي ، من مطبوعات دار طيبة بالرياض .

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:54 AM
دراسات قرآنية
مصادر التفسير :
تفسير القرآن بالقرآن
(1)
بقلم : مساعد بن سليمان الطيار

يراد : بمصادر التفسير : المراجع الأولية التي يرجع إليها المفسر عند تفسيره
لكتاب الله ، وهذه المصادر هي : القرآن ، والسنة ، وأقوال الصحابة ، وأقوال
التابعين وتابعيهم ، واللغة ، والرأي والاجتهاد . وإنما قيل : » المراجع الأولية « ؛
لئلا تدخل كتب التفسير ؛ لأنها تعتبر مصادر ، ولكن الحديث هنا ليس عنها .
وقد اصطلح شيخ الإسلام ابن تيمية (ت : 728ه) على تسميتها ب (طرق
التفسير) ، ذكر منها أربعة ، وهي : القرآن ، والسنة ، وأقوال الصحابة ، وأقوال
التابعين في التفسير [1].
وجعلها بدر الدين الزركشي (ت : 794ه) مآخذ التفسير ، وذكر أمهاتها ،
وهي أربع : النقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ثم الأخذ بقول الصحابة ، ثم الأخذ بمطلق اللغة ، ثم التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة
الشرع [2] . وسيكون الحديث عن هذه المصادر متتابعاً إن شاء الله تعالى .
تفسير القرآن بالقرآن :
يعتبر القرآن أول مصدر لبيان تفسيره ؛ لأن المتكلم به هو أولى من يوضّح
مراده بكلامه ؛ فإذا تبيّن مراده به منه ، فإنه لا يُعدل عنه إلى غيره .
ولذا عدّه بعض العلماء أول طريق من طرق تفسير القرآن [3] ، وقال آخر :
إنه من أبلغ التفاسير [4] ، وإنما يُرْجَع إلى القرآن لبيان القرآن ؛ لأنه قد يَرِدُ
إجمال في آية تبيّنه آية أخرى ، وإبهام في آية توضّحه آية أخرى ، وهكذا .
وسأطرح في هذا الموضوع قضيتين :
الأولى : بيان المصطلح .
الثانية : طريقة الوصول إلى تفسير القرآن بالقرآن .
بيان المصطلح :
التفسير : كشفٌ وبيانٌ لأمر يحتاج إلى الإيضاح ، والمفَسّر حينما يُجْري
عملية التفسير ، فإنه يبيّن المعنى المراد ويوضّحه .
فتفسير المفسر لمعنى » عُطّلت « في قوله (تعالى) : ] وَإذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ [
[التكوير : 4] بأنها : أُهمِلت ، هو بيان وتوضيح لمعنى هذه اللفظة القرآنية .
وفي هذا المثال يُقَال : تفسير القرآن بقول فلان ؛ لأنه هو الذي قام ببيان
معنى اللفظة في الآية .
ومن هنا ، فهل كل ما قيل فيه : (تفسير القرآن بالقرآن) يعني أن البيان عن
شيء في الآية وقع بآية أخرى فسّرتها ، أم أن هذا المصطلح أوسع من البيان ؟
ولكي يتضح المراد بهذا الاستفسار استعرض معي هذه الأمثلة :
المثال الأول : عن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال : لما نزلت ] الَّذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [ [الأنعام : 82] .
قلنا : يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، أيّنا لم يظلم نفسه ؟ قال : ليس
كما تقولون ، ] لم يلبسوا إيمانهم بظلم [ : بشرك ، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان
لابنه : ] يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ [لقمان : 13] « [5] .
المثال الثاني : قال الشيخ الشنقيطي (ت : 1393ه) : » ومن أنواع البيان
المذكورة أن يكون الله خلق شيئاً لحِكَمٍ متعددة ، فيذكر بعضها في موضع ، فإننا نُبيّن
البقية المذكورة في المواضع الأُخر .
ومثاله : قوله تعالى : ] وَهُوَ الَذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا [
[الأنعام : 97] .
فإن من حِكَمِ خلق النجوم تزيين السماء الدنيا ، ورجم الشياطين أيضاً ، كما
بينّه (تعالى) بقوله : ] وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ [ [الملك : 5] وقوله : ] إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الكَوَاكِب * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ
شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [ [الصافات : 6 ، 7] [6] .
المثال الثالث : قال الشيخ محمد حسين الذهبي : » ومن تفسير القرآن بالقرآن : الجمع بين ما يُتَوهم أنه مختلف ؛ كخلق آدم من تراب في بعضٍ ، ومن طينٍ في
غيرها ، ومن حمأ مسنون ، ومن صلصالٍ ، فإن هذا ذِكْرٌ للأطوار التي مرّ بها آدم
من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح فيه « [7] .
نقد الأمثلة :
إذا فحصت هذه الأمثلة فإنه سيظهر لك من خلال الفحص ما يلي :
ستجد أن المثال الأول وقع فيه البيان عن المراد بالظلم بآية أخرى ، أي : إن
القرآن وضّح القرآن .
لكنك هل تجد في المثالين الآخرين وقوع بيان عن آية بآية أخرى ؟
ففي المثال الثاني : تجد أن المفَسّر جمع عدة آيات يربطها موضوع واحد ،
وهو حكمة خلق النجوم ، فهل وقع بيان لآية بآية أخرى في هذا الجمع ؟
لاشك أنه لم يقع هذا البيان ، لأن الأية الأولى التي جمع المفسر معها ما
يوافقها في الموضوع لم يكن فيها ما يحتاج إلى بيان قرآني آخر .
وفي المثال الثالث : تجد أن المفَسّر جمع بين عدّة آيات تُوهم بالاختلاف ،
لكن هل وقع في جمع هذه الآيات تفسير بعضها ببعض ؟ أم أن تفسيرها جاء من
مصدر آخر خارج عن الآيات ؟
الذي يبدو أن جمع هذه الآيات أثار الإشكال ؛ إذ التراب لا يُُفسّّر بالطين ، ولا
بالحمأ المسنون ... إلخ ، كما أن كل واحدٍ من الآخرين لا يُفسّر بالآخر ؛ لأنه
مختلف عنه . ولما كان الخبر عن خلق آدم والإخبار عنه مختلف احتاج المفسر إلى
الربط بين الآيات ومحاولة حلّ الإشكال الوارد فيها ، ولكن الحلّ لم يكن بآية أخرى
تزيل هذا الإشكال ، بل كان حلّه بالنظر العقلي المعتمد على دلالة هذه المتغايرات
وترتيبها في الوجود ، مما جعل المفسر لهذه الآيات ينتهي إلى أنها مراحل خلق آدم
عليه السلام ، وأن كل آية تتحدث عن مرحلة من هذه المراحل ، حيث كان آدم
تراباً ، ثم طيناً ، ثم ... إلخ .
وبهذا يظهر جليّاً أنّ جمع الآيات لم يكن فيه بيان آية بآية أخرى ، وإن كان
في هذا الجمع إفادة في التفسير .
وبعد .. فإن النتيجة التي تظهر من هذه الأمثلة : أن كل ما قيل فيه : إنه
تفسير قرآن بقرآن ، إذا لم يتحقق فيه معنى البيان عن شيء في الآية بآية أخرى ،
فإنه ليس تعبيراً مطابقاً لهذا المصطلح ، بل هو من التوسع الذي يكون في تطبيقات
المصطلح .
تفسير القرآن بالقرآن عند المفسرين :
ظهر مما سبق أن مصطلح (تفسير القرآن بالقرآن) قد استُعمل بتوسع في
تطبيقاته ، ويبرز هذا من استقراء تفاسير المفسرين ، خاصة من نصّ على هذا
المصطلح أو إشار إليه في تفسيره ؛ كابن كثير (ت : 774ه) ، والأمير الصنعاني
(ت : 1182ه) ، والشنقيطي (ت : 1393ه) .
ويبدو أن كل استفادة من آيات القرآن ؛ كالاستشهاد أو الاستدلال بها يكون
داخلاً ضمن تفسير القرآن بالقرآن .
ومن أمثلة ذلك ما ذكره الصنعاني في تفسير قوله تعالى : ] لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ
أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ [الشعراء : 3] حيث قال : » أي قاتلها لعدم إيمان قومك .
» تكرر هذا المعنى في القرآن في مواضع : ] وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [
[الحجر : 88] وفي الكهف : ] فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً [ [الكهف : 6] . وفي فاطر : ] فَلاتَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [ [فاطر : 8] .
ونحوه : ] إن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلّ [ [النحل : 37] .
ونحو ذلك مما هو دليل على شفقته على الأمة ، ومحبته لإسلامهم ، وشدة حرصه
على هدايتهم مع تصريح الله له بأنه ليس عليه إلا البلاغ « [8] .
ويمكن القول : إنه ليس هناك ضابط يضبط المصطلح المتوسع بحيث يمكن
أن يقال : هذا يدخل في تفسير القرآن بالقرآن ، وهذا لا يدخل فيه ؛ ولذا يمكن
اعتبار كتب (متشابه القرآن) [9] ، وكتب (الوجوه والنظائر) من كتب تفسير القرآن
بالقرآن بسبب التوسع في المصطلح .
فكتب (متشابه القرآن) توازن بين آيتين متشابهتين أو أكثر ، وقد يقع الخلاف
بينهما في حرف أو كلمة ، فيبين المفسر سبب ذلك الاختلاف .
وكتب (الوجوه والنظائر) تبيّن معنى اللفظ في عدة آيات ، وتذكر وجه الفرق
فيها في كل موضع .
* المفسرون المعتنون بهذا المصدر :
إن مراجعة روايات التفسير المروية عن السلف تدل على أن عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم (ت : 182ه) كان من أكثر السلف اعتناءً بتفسير القرآن بالقرآن .
ومن أمثلة ذلك ما رواه عنه الطبري (ت : 310ه) بسنده في تفسير قوله تعالى : ] وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ [ [الطور : 6] قال : » الموقَد ، وقرأ قول الله تعالى : ] وَإذَا
البِحَارُ سُجِّرَتْ [ [التكوير : 6] قال : أُوقِدَتْ « [10] .
أما كتب التفسير ، فإن من أبرز من اعتنى به ثلاثة من المفسرين هم :
(1) الحافظ ابن كثير (ت : 774ه) في كتابه (تفسير القرآن العظيم) .
(2) الأمير الصنعاني (ت : 1182ه) في كتابه : (مفاتح الرضوان في تفسير
الذكر بالآثار والقرآن) .
(3) الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت1393ه) في كتابه : (أضواء البيان في
إيضاح القرآن بالقرآن) [11] .
* بيان بعض الأمثلة التي تدخل في المصطلَحَين :
سبق البيان عن مصطلح (تفسير القرآن بالقرآن) ، وأنه ينقسم إلى نوعين :
الأول : ما يعتمد على البيان ، والمراد أن وقوع البيان عن آية بآية أخرى يُعَدّ
تعبيراً دقيقاً عن هذا المصطلح .
الثاني : ما لم يكن فيه بيان عن آية بآية أخرى ، وهو بهذا مصطلح مفتوح ،
يشمل أمثلة كثيرة .
وقد مضى أن هذا التوسع هو الموجود في كتب التفسير ، وأنها قد سارت
عليه ، وفي هذه الفِقْرة سأطرح محاولة اجتهادية لفرز بعض أمثلة هذا المصطلح .
أولاً : الأمثلة التي يَصْدُقُ إدخالها في المصطلح المطابق :
يمكن أن يدخل في هذا المصطلح ما يلي :
1- الآية المخصصة لآية عامة :
ورد لفظ الظلم عاماً في قوله تعالى : ] الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ
أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [ [الأنعام : 82] . وقد خصّه الرسول صلى الله عليه
وسلم بالشرك ، واستدل له بقوله تعالى : ] إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ [لقمان : 13] .
وفي قوله تعالى : ] وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا [ [الإسراء : 24] . عموم يشمل كل
أبٍ : مسلم وكافر ، وهو مخصوص بقوله تعالى : ] مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن
يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [ [التوبة : 113] . فخرج بهذا الاستغفار
للأبوين الكافرين ، وظهر أن المراد بها الأبوان المؤمنان [12] .
2- الآية المبيّنة لآية مجملة :
أجمل الله القدر الذي ينبغي إنْفَاقُهُ في قوله تعالى : ] وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [
[البقرة : 3] ، وبين في مواضع أخر : أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد عن
الحاجة وسدّ حاجة الخَلّة التي لابد منها ، وذلك كقوله : ] وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ
العَفْوَ [ [البقرة : 219] والمراد بالعفو : الزائد على قدر الحاجة التي لابدّ منها ،
على أصحّ التفسيرات ، وهو مذهب الجمهور ... [13] .
وفي قوله تعالى : ] أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [ [المائدة : 1] ، إجمال في المتلو ، وقد بيّنه قوله تعالى : ] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ
الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ
السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [ [المائدة : 3] .
3- الآية المقيدة لآية مطلقة :
أطلق الله استغفار الملائكة لمن في الأرض ، كما في قوله تعالى :
] وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُون لِمَن فِي الأَرْضِ [ [الشورى : 5] ، وقد قيّد هذا الإطلاق بالمؤمنين في قوله تعالى : ] الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [
[ غافر : 7] .
وفي قوله تعالى : ] إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّن تُقْبَلَ
تَوْبَتُهُمْ [ [آل عمران : 90] ، إطلاق في عدم قبول التوبة ، وهو مقيّد في قول
بعض العلماء بأنه إذا أخّروا التوبة إلى حضور الموت ، ودليل التقييد قوله تعالى :
] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ
الآنَ وَلا الَذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [ [النساء : 14] .
4- تفسير لفظة غريبة في آية بلفظة أشهر منها في آية أخرى :
ورد لفظ » سِجّيل « في قوله تعالى : ] وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ
مَّنضُودٍ [ [هود : 82] ، والممطر عليهم هم قوم لوط (عليه الصلاة والسلام) ، وقد
وردت القصة في الذاريات وبان أن المراد بالسجيل : الطين ، في قوله تعالى :
] قَالُوا إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ*لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ [
[الذاريات : 32 ، 33] [15] .
5- تفسير معنى آية بآية أخرى :
التسوية في قوله تعالى : ] يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى
بِهِمُ الأَرْضُ [ [النساء : 42] ، يراد بها : أن يكونوا كالتراب ، والمعنى : يودّون
لو جُعِلوا والأرض سواءً ، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى : ] وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا
لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً [ [النبأ : 40] [16] .
ثانياً : أمثلة للمصطلح المتوسع :
يمكن أن يدخل في هذا النوع كل آية قرنت بأخرى على سبيل التفسير ، وإن
لم يكن في الآية ما يشكل فتُبَيّنُهُ الآية الأخرى ، ومن أمثلته ما يلي :
1- الجمع بين ما يُتوهم أنه مختلف :
سبق مثال في ذلك ، وهو : مراحل خلق آدم [17] ، ومن أمثلته عصا موسى
(عليه الصلاة والسلام) ؛ حيث وصفها مرة بأنها ] حَيَّةٌ تَسْعَى [ [طه : 20] ، ومرة
بأنها ] تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانّ [ [النمل : 10] ، ومرة بأنها ] ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ [
[الأعراف : 107] ، فاختلف الوصف والحدث واحد ، وقد جمع المفسرون بين هذه الآيات : أن الله (سبحانه) جعل عصا موسى كالحية في سعيها ، وكالثعبان في
عِظَمها ، وكالجان (وهو : صغار الحيّات) في خِفّتِها [18] .
2- تتميم أحداث القصة :
إذا تكرر عرض قصة ما في القرآن فإنها لا تتكرر بنفس أحداثها ، بل قد يزاد
فيها أو ينقص في الموضع الآخر ، ويَعْمَدُ بعض المفسرين إلى ذكر أحداث القصة
متكاملة كما عرضها القرآن في المواضع المختلفة ، ومثال ذلك :
قوله (تعالى) : ] إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ [ [طه : 40] ، حيث ورد في سورة القصص ثلاثة أمور غير واردة في هذه الآية ، وهي :
1- أنها مرسلة من قبل أمها .
2- أنها أبصرته من بُعدٍ وهم لا يشعرون .
3- أن الله حرّم عليه المراضع .
وذلك في قوله (تعالى) : ] وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا
يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ
يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [ [القصص : 11 ، 12] [19] .
3- جمع الآيات المتشابهة في موضوعها :
قال الشنقيطي في قوله (تعالى) : ] قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَذِي يَقُولُونَ [
[الأنعام : 33] .
قال : » صرح (تعالى) في هذه الآية الكريمة بأنه يعلم أن رسوله يَحْزُنُه ما
يقوله الكفار في تكذيبه ، وقد نهاه عن هذا الحزن المفرط في مواضع أخرى كقوله :
] فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات [ [ فاطر : 8] ، وقوله : ] فَلا تَأْسَ عَلَى القَوْمِ
الكَافِرِينَ [ [المائدة : 68] ، وقوله : ] فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا
بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً [ [الكهف : 6] ، وقوله : ] لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ [الشعراء : 3] .
والباخع : المهلك نفسه ... إلخ [20] .
4- جمع موارد اللفظة القرآنية :
قد يورد المفَسّر » وصفاً « وُصف به شيء ، ثم يذكر الأشياء الأخرى التي
وصفت به ، أو يعمد إلى لفظة فيذكر أماكن ورودها ، ومن أمثلة الأول :
* قال : الأمير الصنعاني » والبقعة مباركة (لما) [21] وصفها الله لما أفاض
(تعالى) (فيه) [22] من بركة الوحي وكلام الكليم فيها .
كما وصف أرض الشام بالبركة ، حيث قال : ] وَنَجَّيْنَاهُ [ أي : إبراهيم
] وَلُوطاً إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [ [الأنبياء : 71]
ووصف بيته العتيق بالبركة في قوله : ] إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ [ [ال عمران : 96] .
ووصف شجرة الزيت بالبركة في قوله : ] شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ [
[النور : 35] [23] .
* ومن أمثلة الثاني قوله : » وسمّى الله كتابه هدى في آيات : ] ذَلِكَ الكِتَابُ
لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [ [البقرة : 2] ، ] إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [
[الإسراء : 9] ، ] قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [ [ فصلت : 44] ، وفي لقمان : ] هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ [ [لقمان : 3] ، وفي النحل : ] تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى
وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [ [النحل : 89] ، فهو هدى وبشرى للمسلمين والمحسنين ، وفي يونس : ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [ [يونس : 57] [24] .
طريقة الوصول إلى تفسير القرآن بالقرآن :
التفسير إما أن يكون طريقه النقل ، وإما أن يكون طريقه الاستدلال ، والأول : يطلق عليه (التفسير المأثور) ، والثاني : يطلق عليه (التفسير بالرأي) .
ومن هنا فإن تصنيف (تفسير القرآن بالقرآن) ، في أحدهما يكون بالنظر إلى
القائل به أولاً ، لا إلى طريقة وصوله إلى ما بعد القائل ؛ لأن ذلك طريقهُ الأثر .
وتفسير القرآن بالقرآن ينسب إلى الذي فسّر به ، فالمفَسّر هو الذي عَمَدَ
اجتهاداً منه إلى الربط بين آية وآية ، وجعل إحداهما تفسر الآخرى .
وبهذا فإن طريق الوصول إليه هو الرأي والاستنباط ، وعليه فإنه لا يلزم
قبول كل قول يرى أن هذه الآية تفسر هذه الآية ؛ لأن هذا الاجتهاد قد يكون غير
صواب .
كما أنه إذا ورد تفسير القرآن بالقرآن عن مفسر مشهور معتمد عليه فإنه يدلّ
على علو ذلك الاجتهاد ؛ لأنه من ذلك المفسر .
فورود التفسير به عن عمر بن الخطاب أقوى من وروده عن من بعده من
التابعين وغيرهم ، وهكذا .
حُجّيّةُ تَفْسير القرآن بالقرآن :
كلما كان تفسير القرآن بالقرآن صحيحاً ، فإنه يكون أبلغ التفاسير ، ولذا : فإن
ورُود تفسير القرآن بالقرآن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أبلغ من وروده عن
غيره ؛ لأن ما صح مما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مَحَلّهُ القبول .
بيد أن قبوله لم يكن لأنه تفسير قرآن بقرآن ، بل لأن المفسّر به هو النبي -
صلى الله عليه وسلم- .
ومن أمثلة تفسيره القرآن بالقرآن ما رواه ابن مسعود : أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- قال : » مفاتح الغيب [25] خمسٌ ، ] إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ [لقمان : 34] [26].
أما ورود تفسير القرآن بالقرآن عن غير الرسول فإنه قد قيل باجتهاد المفسر ،
والاجتهاد معرض للخطأ .
وبهذا لا يمكن القول بحجيّة تفسير القرآن بالقرآن مطلقاً ، بحيث يجب قبوله
ممن هو دون النبي -صلى الله عليه وسلم- ، بل هو مقيد بأن يكون ضمن الأنواع
التي يجب الأخذ بها في التفسير [27] .
هذا .. وقد سبق البيان أن تفسير القرآن بالقرآن يكون أبلغ التفاسير إذا كان
المفسّرُ به من كبار المفسرين من الصحابة ومن بعدهم من التابعين .
وأخيراً :
فإن كون تفسير القرآن بالقرآن من التفسير بالرأي ، لا يعني صعوبة الوصول
إليه في كل حالٍ ، بل قد يوجد من الآيات ما تفسّر غيرها ولا يكاد يختلف في
تفسيرها اثنان ، مثل تفسير » الطارق « في قوله (تعالى) : ] وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [
[الطارق : 1] بأنه يُفسر بقوله (تعالى) : ] النَّجْمُ الثَّاقِبُ [ [الطارق : 3] ، ومثل
هذا كثيرٌ في القرآن ، والله أعلم .
________________________
(1) مقدمة في أصول التفسير ، (ت : د عدنان زرزور) ، ص93 وما بعدها .
(2) انظر : البرهان في علوم القرآن ، ج2 ، ص156-164 .
(3) شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته في (أصول التفسير) ، (ت : عدنان زرزور) ، ص93 .
(4) ابن القيم في (التبيان في أقسام القرآن) ، (ت : طه شاهين) ، ص116 .
(5) رواه الإمام البخاري ، انظر : فتح الباري (ط : الريان) ، ج6 ، ص 448 ، ح3360 .
(6) أضواء البيان ، ج1 ، ص87 .
(7) التفسير والمفسرون ، ج1 ، ص42 .
(8) مفاتح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن ، للأمير الصنعاني ، تحقيق عبد الله بن سوفان الزهراني (رسالة ماجستير ، على الآلة الكاتبة) ص71 ، 72 ، وانظر : الأمثلة التي سبق نقلها عن الشنقيطي ومحمد حسين الذهبي .
(9) تنقسم الكتابة في متشابه القرآن إلى قسمين : الأول : ما يتعلق بالمواضع التي يقع فيها الخطأ في الحفظ لتشابهها ، وهذه الكتب تخص القراء الثاني : ما يتعلق بالخلاف في التفسير بين الآيات المتشابهة ، وهذا المقصود هنا ، ككتاب (البرهان في متشابه القرآن) للكرماني وغيره .
(10) تفسير الطبري ، ج27 ، ص19 ، وانظر له في الجزء نفسه ص22 ، 37 ، 38 ، 61 ، 69 ، 74 ، 76 ، 92 ، 113 ، 120 ، وفي الجزء نفسه عن علي ص18 ، وابن عباس ، ص55 ، 72 ، وعكرمة ، ص72 .
(11) يمكن أن يستنبط من هذا الموضوع دراسات علمية مقترحة ، وهي كالتالي : 1- جمع مرويات السلف في (تفسير القرآن بالقرآن) ودراستها ؛ لإبراز طرق استفادة السلف من القرآن ومنهجهم في ذلك 2- دراسة منهج تفسير القرآن بالقرآن عند ابن كثير والصنعاني والشنقيطي ، وطرق إفادتهم من القرآن في التفسير ، مع بيان الفرق بينهم في هذا الموضوع .
(12) انظر : تفسير الطبري ، ج15 ، ص6768 ، والتحرير والتنوير ، ج 15 ، ص72 .
(13) انظر : أضواء البيان ، ج1 ، ص107 ، 108 أضواء البيان ج1 ص 343 .
(14) انظر : أضواء البيان ، ج1 ، ص343 .
(15) انظر : أضواء البيان ، ج1 ، ص86 .
(16) انظر : تفسير الطبري ، ج5 ، ص93 ، والحجة للقراءات السبعة لأبي علي الفارسي ، ج1 ، ص246 .
(17) انظر : ص4 من المجلة نفسها .
(18) انظر : أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل ، للرازي ص327 ، وكشف المعاني في المتشابه من المثاني ، ص282 ، 283 ، وتيجان البيان في مشكلات القرآن ، للخطيب العمري ، ص173 .
(19) انظر : أضواء البيان ، ج4 ، ص408 .
(20) أضواء البيان ، ج2 ، ص189 ، وانظر : مفاتح الرضوان للأمير الصنعاني ، ص71 ، 72 .
(21) كذا في الأصل وانظر : حاشية 2 ، ص194 من التحقيق ، حيث قال المحقق : والصواب (كما).
(22) الصواب (فيها) انظر : حاشية 7 ، ص194 ، من التحقيق .
(23) مفاتح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن ، ص194 .
(24) المصدر السابق ، ص188 ، 189 .
(25) وردت في قوله (تعالى) : ] وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ [ [الأنعام : 59] .
(26) رواه البخاري ، انظر : فتح الباري ، ج8 ، ص141 .
(27) سبق أن طرحتها في مجلة البيان ، ع76 ، ص15 .

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:54 AM
مصادر التفسير :
(2)
التفسير بالسنة
بقلم : مساعد بن سليمان الطيار

إن الله سبحانه قد أَوكل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مهمة البيان ،
فقال : ] وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [
[النحل : 44] .
ولذا كان الرجوع إلى بيان الرسول مهماً -صلى الله عليه وسلم- في فهم
القرآن وتفسيره ، ولما كان الأمر كذلك ، فإنه لا أحد أعلم بمراد الله منه -صلى الله
عليه وسلم- .
ثم إن ما يرد عنه من تفسير فإنه وحي ؛ لقوله تعالى : ] إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ
يُوحَى [ [النجم : 4] وهذا يدل على عظيم منزلة تفسيره -صلى الله عليه وسلم- .
موضوعات البحث :
وسيكون في هذا البحث الموضوعات التالية :
* تحرير مصطلح التفسير بالسنة .
* تحرير مصطلح التفسير النبوي .
* أنواع التفسير النبوي وأمثلته .
* أنواع التفسير بالسنة وأمثلته .
تحرير مصطلح التفسير بالسنة :
يرد في هذا الموضوع مصطلحان : (التفسير بالسنة) ، (التفسير النبوي) ،
وهذان المصطلحان يحتاجان إلى تحرير .
إن السنة تشمل كل قول أو فعل أو تقرير للرسول -صلى الله عليه وسلم- ،
فهل كل السنة تفسير للقرآن ؟
إن بعض من بحث هذا الموضوع لم يبّين نوع السنة التي تكون تفسيراً للقرآن ، بل إن بعضهم أدرج تحت هذا الموضوع زيادة السنة على القرآن [1] ، مع أنه لا
علاقة لذلك بالبيان عن القرآن ، ويمكن القول بأن كل إفادة يستفيدها المفسر من
السنة في بيان القرآن وتفسيره فإنها من التفسير بالسنة ، وهذه الإفادة من عمل
المفسر واجتهاده في الغالب .
أما التفسير النبوي ، فيلحظ فيه إضافته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ،
ويمكن أن يقال : هو كل قولٍ أو فعلٍ صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
صريحاً في إرادة التفسير .
وبهذا يظهر أن مصطلح (التفسير بالسنة) أعم وأشمل من مصطلح (التفسير
النبوي) [2] ولكل مصطلح من هذين أنواع تندرج تحته ، وهي كما يلي :
* أولاً : أنواع التفسير النبوي :
مرّ أن التفسير النبوي : كل قول أو فعل صدر عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- صريحاً في إرادة التفسير .
ويمكن حصر أنواعه في ثلاثة :
1- أن يبتدر الصحابة بتفسير آية .
2- أن يسأله الصحابة عن المعنى المراد فيجيبهم .
هذان من التفسير القولي .
3- أن يتأول أمراً أو نهياً في القرآن .
وهذا هو التفسير الفعلي .
* أمثلة النوع الأول :
1- أن يبتدر الصحابة بتفسير آية :
وفي هذا قد يذكر -صلى الله عليه وسلم- الآية ، ثم يفسرها أو العكس ، ومن
أمثلة ذكر الآية ثم تفسيرها ، مارواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله
عنه) ، قال : » إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : قيل لبني إسرائيل
] ادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [ [البقرة : 58] فدخلوا يزحفون
على أستاههم : (أدبارهم) وقالوا : » حبة في شعرة « [3] .
ومن أمثلة ذكر معنى الآية ثم ذكر الآية ، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي
موسى الأشعري (رضي الله عنه) : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : » إن
الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ ] وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى
وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ [هود : 102] « [4] .
2- أن يسأله الصحابة عن المعنى المراد فيجيبهم :
ومن أمثلته ، ما رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء في
سؤالهما عن البشرى في قوله تعالى ] لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا
تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ [ [يونس : 64] جاء في حديث أبي الدرداء : أن رجلاً من مصر سأله عن هذه الآية ، فقال له أبو الدرداء : ما سألني عنها أحد
منذ سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال : ما سألني عنها أحد غيرك منذ
أنزلت ، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له « [5] .
3- أن يتأوّل أمراً أو نهياً في القرآن :
التأوّل : ما يقوم به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أفعالٍ تكون مفسرة
للخطاب القرآني ، وموضحة للمراد منه .
إن إدخال الأفعال النبوية في (التفسير النبوي) يحتاج إلى تحرير ، إذ يقع
سؤال مهم في هذا الباب ، وهو كالتالي :
إلى أي مدى يفسّر الفعلُ النبوي القرآنَ ؟
فمثلاً .. قوله تعالى ] أقيموا الصلاة [ أمر بإقامة الصلاة ، فما التأوّل النبوي
لهذا الأمر القرآني ؟
هل يدخل في تفسير هذا الأمر تفاصيل الصلاة ؟
الظاهر في هذه المسألة أن ما يفهم به الخطاب القرآني من أفعال النبي -صلى
الله عليه وسلم- فإنه من التفسير النبوي .
أما دخول تفاصيل الأفعال فمحلّ نظر [6] . والله أعلم .
* ومن أمثلة التأوّل النبوي مايلي :
1- عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال : » لما نزلت ] وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ [ [الشعراء : 214] صَعِد النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصفا فجعل
ينادي : يابني فهر ، يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا ، فجعل الرجل إذا لم
يستطع أن يخرج أرسل رسولاً ينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش ، فقال :
أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقيّ ؟
قالوا : نعم ، ماجربنا عليك إلا صدقا .
قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .
فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؟
فنزلت ] تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ [
[المسد : 1 ، 2] « [7] .
2- وعن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما صلى النبي -صلى
الله عليه وسلم- صلاةً بعد أن نزلت عليه ] إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [
[النصر : 1] إلا يقول فيها : سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي .
وفي رواية أخرى عنه عن عائشة (رضي الله عنها) قالت : كان رسول الله -
صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا
وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، يتأوّل القرآن « [8] .
* ثانياً : أنواع التفسير بالسنة :
مر أن التفسير بالسنة يشمل كل إفادة يستفيدها المفسر من السنة في تفسير
القرآن ، ولذا فإن هذه الإفادة لايمكن حصرها ، وإنما أضرب لذلك نوعين ، وأذكر
أمثلة لهما .
1- أن يرد في كلامه مايصلح أن يكون تفسيراً لآية :
قد يذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كلامه ما يصلح أن يكون تفسيراً
لآية غير أنه لم يورده مورد التفسير ، فيعمد المفسر إلى مثل هذا الكلام النبوي
فيجعله تفسيراً لآية .
والمفسر حين يقوم بهذا العمل يكون مجتهداً في الربط والتوفيق بين معنى
الآية ومعنى الحديث الذي يراه مفسراً لها .
وقد ورد ربطُ معنى حديث بآية يفسرها عن الصحابة والتابعين ، ومن أمثلة
ذلك عندهم مايلي :
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يقول : » مامن بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً
من مس الشيطان ، غير مريم وابنها « ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم :
] وَإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [ [آل عمران : 36] « [9] .
2- في تفسير قوله (تعالى) : ] الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ [ [ النجم : 32] روى الطبري عن ابن عباس أنه قال : » ما رأيت شيئاً أشبه
باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : » إن الله كتب على
ابن آدم حظه من الزنى ، أدركه ذلك لامحالة ، فزنى العينين النظر ، وزنى اللسان
المنطق ، والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه « [10] .
3- وروى الطبري عن سعيد عن قتادة ، في قوله (تعالى) : ] وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً
عَلِياً [ [مريم : 57] قال : حدثنا أنس بن مالك أن -صلى الله عليه وسلم- الله حدث
أنه عرج به إلى السماء ، قال : » أتيت إدريس في السماء الرابعة « [11] .
ففي هذه الأمثلة تجد أن الصحابي أو التابعي ذكر قولاً نبوياً مفسراً للآية .
________________________
(1) انظر : الوجه الثالث من أوجه بيان السنة للقرآن (بيان أحكام زائدة على ماجاء في القرآن في التفسير والمفسرون ، للذهبي 1/58 .
(2) يلاحظ أن من بحث المقدار الذي فسره الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يحرر هذه المسألة ؛ لأنه إذا أدخل كل تفسير بالسنة فإن التفسير كثير ، أما إذا خصّه بالتفسير النبوي الصريح فلاشك أنه قليل .
(3) رواه البخاري (فتح الباري 8/154) وغيره .
(4) رواه البخاري (فتح الباري 8/205) .
(5) رواه الترمذي 5/286 ، برقم 3106 ، وانظر جامع الأصول ج 2 ، برقم الأحاديث التالية : (653 ، 665 ، 666 ، 714 ، 749 ، 772 ، 786 ، 883 ، 884) .
(6) هذه المسألة تحتاج إلى بحث وتحرير ومما يلاحظ أن من بحث في المقدار الذي فسره الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يتعرض لهذه المسألة ، مع أهميتها في تحديد الأكثر والأقل في تفسيره .
(7) رواه البخاري (فتح الباري 8/360) .
(8) رواه البخاري (فتح الباري 8/605) .
(9) رواه البخاري (فتح الباري 8/60) .
(10) تفسير الطبري (ط : الحلبي 27/6566 .
(11) تفسير الطبري (ط : الحلبي 16/97 وانظر سنن الترمذي 5/ 316 برقم 3157 .

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:55 AM
مصادر التفسير
(2)
التفسير بالسنة
-الحلقة الثانية-
بقلم : مساعد بن سليمان الطيار

في الحلقة الماضية تحدث الكاتب عن التفسير بالسنة من حيث : تحرير
مصطلح التفسير بالسنة ، وتحرير مصطلح التفسير النبوي ، وأنواع كل منهما ،
وأمثلة من كل نوع ، ويتابع في هذه الحلقة استكمال عناصر هذا الموضوع .
- البيان -
ثلاث مسائل متممة للحديث عن التفسير بالسنة :
المسألة الأولى : التفسير بالسنة عند المحدّثين :
يورد المحدثون التفسير النبوي والتفسير بالسنة في كتبهم تحت كتاب يعنونونه
بـ (كتاب التفسير) .
وممن كتب في هذا الباب : الإمام البخاري في صحيحه ، والنسائي في سننه
الكبرى ، والترمذي في سننه ، والحاكم في مستدركه [1] .
وما أريد إبرازه هنا أمران :
الأول : أن استعمالهم للتفسير بالسنة كثير .
الثاني : أن ربطهم معنى الحديث بالآية وذكر ذلك تحت آية من الآيات التي
يعنونون بها الأبواب هو اجتهاد خاص بهم ، مما يعني أنهم شاركوا في هذا الجانب
من التفسير .
وقد كان هؤلاء المحدّثون يحرصون على إيراد مايصلح من كلام النبي -صلى
الله عليه وسلم- تفسيراً لآية ، ولو من طرف خفي .
بل كانوا يذهبون إلى أبعد من ذلك ، حيث يوردون مايتعلق بالآية من
الأحاديث لأي سبب كان ؛ كذكر بعض لفظ الآية في الحديث أو ذكر قراءة الرسول
-صلى الله عليه وسلم- لتلك الآية في زمن مخصوص ، أو غير ذلك من الأسباب ،
وهذا يدل على مدى حرصهم واهتمامهم بربط الآية بما يتعلق بها من الحديث النبوي ، وإن لم يكن جائياً في مساق التفسير ، وقد أشار إلى هذا بعض شراح صحيح
الإمام البخاري ، ومنهم :
1- أبو مسعود الكنهكوهي (ت : 1323) ، قال : ثم الذي ينبغي التنبه له :
أن التفسير عند هؤلاء الكرام أعمّ من أن يكون شرح كلمة ، أو بيان مايُقرأ بعد تمام
سورة ، ولا أقّل من أن يكون لفظ القرآن وارداً في الحديث .
وكون الأمور المتقدمة من التفسير ظاهر [2] ، وإنما الخفاء في هذا الأخير
والنكتة فيه : أن لفظ الحديث يفسر لفظ القرآن بحيث يُعلم منه أن المراد في
الموضعين واحد ، وكثيرا مايُكشف معنى اللفظ بوقوعه في قصة وكلام لايتضح
مراده لو وقع هذا اللفظ في غير تلك القصة ؛ فإذا لاحظ الرجل الآية والرواية معا
كانت له مُكنة على تحصيل المعنى [3] .
2- وقال (صاحب الفيض) : (ثم اعلم أن تفسير المصنف (أي : البخاري)
ليس على شاكلة تفسير المتأخرين في كشف المغلقات ، وتقرير المسائل ، بل قصد
فيه إخراج حديث مناسب متعلق به ولو بوجه) [4] .
وبهذا يتلخص أن المحدّثين يوردون من كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم-
ما يصلح أن يكون تفسيرا ، كما يوردون ما يتعلق بالآية من كلامه أوفعله لأدنى
سبب .
ومن أمثلة الأول (ما يصلح من كلامه تفسيرا) :
1- ترجم البخاري في باب : ذكر إدريس (عليه السلام) بقوله (تعالى) :
] ورفعناه مكانْا عليا [ [مريم : 57] ثم روى تحت هذا الباب حديث المعراج ، وفيه
أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجد في السموات إدريس وموسى وعيسى .... )
2- وذكر النسائي تحت قوله (تعالى) : ] فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ [ [ النساء : 140] حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، عن
النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : (ويلٌ للذي يحدث القوم فيكذب ، فيضحك به القوم ، ويلٌ له ، ويلٌ له) [6] .
3- وذكر الترمذي في تفسير قوله (تعالى) : ] فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن
قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ [السجدة : 17] حديث المغيرة بن شعبة ، يرفعه إلى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- ، يقول : (إن موسى عليه السلام سأل ربه ، فقال : أي رب ، أي
أهل الجنة أدنى منزلة ؟ قال : رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة ، فيقال له :
أدخل الجنة .
فيقول : كيف أدخل الجنة وقد نزلوا منازلهم ، وأخذوا أخذاتهم ، قال : فيقال
له : أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا ؟
فيقول : نعم ، أي ربّ ، قد رضيت . فيقال له : فإن لك هذا ، ومثله ، فيقول
رضيت أَيْ ربّ .
فيقال له : فإن لك هذا ، وعشرة أمثاله . فيقول : رضيت أي ربّ ، فيقال له : فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك ، ولذت عينك) [7] .
ومن أمثلة الثاني (مايكون لأدنى سبب ) :
1- ماذكره البخاري تحت باب ] وهوألد الخصام [ [البقرة : 204] ، من
حديث عائشة (رضي الله عنها) ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال :
(أبغضُ الرجال إلى الله الألد الخَصِم) [8] .
2- وتحت تفسير قوله (تعالى) : ] قالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأََنَّنَا مُسْلِمُونَ [ [المائدة :
111] أورد النسائي أثر ابن عباس : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان
يقرأ في ركعتي الفجر : في الأولى منهما إلى قوله : ] قولوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ
إلَيْنَا [ [البقرة : 136] إلى آخر الآية ، وفي الأخرى ] قالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأََنَّنَا
مُسْلِمُونَ [ [المائدة : 111] [9] .
المسألة الثانية : نظرة وصفية لأمثلة التفسير النبوي :
من خلال إلقاء نظرة سريعة على الوارد من التفسير النبوي يمكن فهرسة
الأمثلة تحت عناوين كالتالي :
1- بيان معنى لفظة :
إن المتأمل في ما نقله الصحابة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يلاحظ
أنهم لم يوردوا عنه تفسيراً للألفاظ ، ويظهر والله أعلم أن ذلك بسبب معرفتهم
المعاني اللغوية ؛ لأنهم عرب يفهمون معاني الخطاب ، ولو ورد لهم استشكال في
فهم ألفاظه أو مدلولاته اللغوية لسألوا عنها ، ومما يدل على ذلك حديث ابن مسعود
في نزول آية : ] الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ [ [الأنعام : 82] فهم فهموا
الظلم بمعناه العام في لغتهم (أي أنهم استشكلوا مدلول لفظة : الظلم) فشق عليهم هذا
الخطاب حتى بينه لهم رسول الله .
إذن .. لم يكن الصحابة بحاجة إلى بيان المفردات اللغوية ، ولذا لم يرد في
التفسير النبوي إلا نادراً ، ومنه ماجاء عن أبي سعيد الخدري من تفسير الرسول -
صلى الله عليه وسلم- للفظة (وسطاً) من قوله (تعالى) : - ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطاً [ [البقرة : 143] قال (والوسط العدل) [10] .
2- بيان حكم فقهي في الآية :
قد يرد الحكم في آية مطلقا فيذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- مزيد بيان
له ، وذلك إما بتحديد مقدار الحكم الفقهي ، أو تخصيص اللفظ العام أو غير ذلك .
ومن تحديد المقدار : مارواه البخاري في تفسير قوله (تعالى) : ] فَمَن كَانَ
مِنكُم مَّرِيضاً أََوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاًسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أََوْ نُسُكٍ [
[البقرة : 196] عن كعب بن عجرة قال : حملت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- والقمل يتناثر على وجهي ، فقال : ماكنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا ، أما تجد شاه ؟
قلت : لا
قال : صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ؛ لكل مسكين نصف صاع من
طعام واحلق رأسك) فنزلت فيّ خاصة ، وهي لكم عامة [11] .
فأنت ترى أن البيان القرآني لم يحدد المقدار في الفدية ، فلما فسر الرسول -
صلى الله عليه وسلم- فسرها بالمقدار ، وأنت تعلم أن هذا أحد أنواع بيان السنة
للقرآن .
ومن تخصيص العام في الحكم الفقهي ، مارواه مسلم عن أنس قال : كانت
اليهود إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت ، فسأل أصحاب
النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فأنزل الله (عز وجل) ] َيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ
هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ [ [البقرة : 222] إلى آخر الآية ، فقال
رسول الله : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) [12] .
فلو أُخذ بظاهر العموم في قوله (فاعتزلوا) لفهم أن اعتزال المرأة عام : في
مؤاكلتها ومشاربتها ومخالطتها ومجامعتها ، فكان هذا البيان النبوي مخصصا لذلك
العموم القرآني .
3- بيان المشكل :
إنما يعرف المشكل بسؤال الصحابة عنه ؛ لأن السؤال لايقع إلا بعد استشكال
في الغالب ومن أمثلة ماسأل عنه الصحابة : حياة الشهداء .
قال مسروق : سألنا عبد الله عن هذه الآية : ] َولا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ قُتِلُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ [آل عمران : 169] فقال : أما إنا
قد سألنا عن ذلك ، فأخبرنا أن أرواحهم في جوف طير خضرٍ ، لها قناديل معلقة
بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل .. )
الحديث [13] .
وعن المغيرة بن شعبة (رضى الله عنه) قال : لما قدمتُ نجران سألوني : إنكم
تقرؤون : ] ياأخت هارون [ [مريم : 28] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا .
فلما قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سألته عن ذلك فقال : إنهم
كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم) [14] .
4- ذكر مصداق كلامه من القرآن :
ورد في تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة يذكر فيها مصداق
كلامه من القرآن ، وتأتي عبارات : (ثم قرأ) (اقرؤا إن شئتم) (مصداق ذلك من
كتاب الله) ، ومن ذلك مارواه ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله-صلى
الله عليه وسلم- : (من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه
غضبان ، وقال عبد الله : ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مصداق ذلك
من كتاب الله جل ذكره : ] إنَّ الَذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا
خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ .. [ [آل عمران : 77] [15] .
5- بيان مبهم :
القاعدة الغالبة أن ما أبهمه القرآن فلا فائدة عملية تنال من ذكره ، ومع ذلك
فإنه ورد سؤال الصحابة عن ذلك ، إلا أنه نادر ، ومن ذلك ما رواه مسلم عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن ، قال : مرّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، قال :
قلت له : كيف سمعت أباك يذكر المسجد الذي أسس على التقوى ؟ .
قال : قال أبي : دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيت
بعض نسائه ، فقلت : يارسول الله ، أي المسجدين الذي أسس على التقوى ؟
قال : فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض ، ثم قال : هو مسجدكم هذا ؛
لمسجد المدينة .
قال : فقلت : أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره) [16] .
أخيراً ..
هذه بعض الأمثلة للتفسير النبوي ، والموضوع يحتاج إلى جمع وتأمل لتحديد
نوع المثال ، مما يفيد في معرفة ماكان يحتاجه الصحابة من البيان النبوي للقرآن ،
ولعل أقرب ما يذكر هنا هو ندرة ماورد عنه من بيان معنى غريب القرآن ؛ مما
يترتب عليه أن فهم عربيته كان موكولا للصحابة (رضي الله عنهم) ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : ما يستفاد من التفسير
النبوي في أصول التفسير :
إن النظر في التفسير النبوي ، واستنطاق الأمثلة التفسيرية فيه يفيد في
جوانب عدة ، ومما يفيده هنا أن طريقة التفسير النبوي أصل معتمد في التفسير ،
فإذا ورد عنه تعميم للفظ ، أو تفسير بمثاٍل ، أو غير ذلك ، حُكِم بصحة هذه
الأساليب التفسيرية في التفسير ، وأنها في المجال الذي يمكن الاقتداء به ولاقياس
عليه .
كما أنه يفيد في بيان صحة بعض الأساليب التي اعتمدها المفسرون من السلف .
ثم إن هذا يفيد في تصحيح بعض مرويات السلف التي جاءت مخالفة للعبارة
النبوية في التفسير ، ذلك أن تحرير هذه الأساليب في التفسير النبوي يبين مدى
احتمال النص لغير عبارة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وفيما أظن حسب علمي
أن (فِقهَ النصّ التفسيري) من التفسير النبوي لم يلق عناية من هذا الجانب ، ولذا
قمت بهذه المحاولة الاجتهادية لبيان هذه الفكرة من خلال أمثلة توضح ذلك .
إن مثل هذه الدراسة السريعة لا تكفي في تأصيل قضية كهذه ، ولكنه جهد
المقل ، وبذرة ألقيها لتجد طريقها إلى النماء إن شاء الله وإليك أخي القارئ عرض
الأمثلة :
* المثال الأول :
عن عقبة بن عامر (رضي الله عنه) قال : (سمعت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- وهو على المنبر يقول : ] وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةُ [
[الأنفال : 60] ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة
الرمي) [17] .
وجاء عن جمع من السلف ما يلي :
1- لقوة : الرمي من القوة (مكحول) .
2- لقوة : الرمي والسيوف والسلاح (ابن عباس)
3- مرهم بإعداد الخيل (عبّاد بن عبد الله ابن الزبير)
4- لقوة : ذكور الخيل (عكرمة ومجاهد) .
5- لقوة : الفرس إلى السهم ومادونه ( سعيد بن المسيب ) [18] .
لقد فسر الرسول -صلى الله عليه وسلم- القوة بالرمي ، فهل يُطّرح ماورد
عن السلف من عبارات مخالفة لما جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- ، ويقال : مادام
النص قد ثبت طاح ما دونه .
أم يقال : إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يشير إلى القوة التي
هي أنكى أنواع القوة ، وأشدها تأثيراً في الحرب ؟ .
الذي يظهر والله أعلم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أراد هذا ، وقد أشار
إلى ذلك الإمام الطبري فقال : (والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أمر
المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب ، ومايتقوون به على جهاد عدوه وعدوهم من
المشركين من السلاح والرمي ، وغير ذلك ، ورباط الخيل .
ولا وجه لأن يقال : عنى بالقوة معنى من معاني القوة ، وقد عمّ الله الأمر بها .
فإن قال قائل : فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بين أن ذلك مراداً
به الخصوص ؛ بقوله : (ألا إن القوة الرمي) . قيل له : إن الخبر وإن كان قد جاء
بذلك ، فليس في الخبر مايدل على أنه مراد به الرمي خاصة دون سائر معاني القوة
عليهم ، فإن الرمي أحد معاني القوة ؛ لأنه إنما قيل في الخبر : (ألا إن القوة الرمي)
ولم يقل : دون غيرها .
ومن القوة أيضا : السيف والرمح والحربة ، وكل ماكان معونة على قتال
المشركين ، كمعونة الرمي ، أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم . هذا مع
وهاء سند الخبر بذلك عن رسول الله) [19] .
وبهذا يمكن القول أنه لما لم يكن في تفسير الرسول -صلى الله عليه وسلم-
مايدل على التخصيص ، دل ذلك على أن مراده التمثيل ، ولما مثل للقوة ذكر أعلى
القوة وأشدها .
وإذا كان ذلك كذلك فإن روايات السلف لاتكون معارضة للتفسير النبوي ، ولذا
يصح قبولها والتفسير بها ؛ لأنها تدخل في عموم القوة .
ونتيجة القول : أن التفسير بالمثال أسلوب صحيح في التفسير ؛ لأنه وارد عن
الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مثل هذا الحديث ، والله أعلم
* المثال الثاني :
عن ابن عمر (رضي الله عنهما) أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :
مفاتح الغيب خمس : ] إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ [لقمان : 34] [20] .
في هذا المثال تجد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسر (مفاتح الغيب)
في قوله تعالى : ] َوَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ... [ [الأنعام : 59] بآية
لقمان : ] إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... [ [لقمان : 34] .
ويمكن القول : إن تفسير القرآن بالقرآن مسلك صحيح من مسالك التفسير بناء
على هذا المثال .
ولعلك تقول : إن هذا المسلك واضح ومعروف مشهور .
فأقول لك : إن المراد هنا تأصيله بوروده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ،
إذ في وروده عنه ماينبه إلى استعمال هذا المسلك .
ومما يدل على ذلك أن الصحابة لما استشكلوا قوله (تعالى) : ] الذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [ [الأنعام : 82] قال لهم : إنه
ليس بذاك ألا تسمعُ إلى قول لقمان لابنه : ] إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [
[لقمان : 13] [21] .
فكأنه -صلى الله عليه وسلم- يرشدهم إلى هذا المسلك بقوله : (ألا تسمع) ،
وكان يمكن إجابتهم وحل إشكالهم بدون الإشارة إلى الآية والله أعلم .
وأخيراً ..
إذا كان يمكن استنباط بعض الأساليب التفسيرية في التفسير النبوي والقياس
عليها ، فإن هناك مالايقاس عليه ، ومنه :
أولاً : أن يكون التفسير في بيان حكم شرعي :
عن أنس بن مالك قال : (كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ،
ولم يجامعوهن في البيوت . فسأل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فأنزل
الله عز وجل ] ويَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ [
[البقرة : 222] .
فقال رسول الله : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) [22] .
إن قول الله (تعالى) : ] فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ [ لفظ عام ، ويمكن أن
يفهم منه اعتزال النساء في المؤاكلة والمنام والبيوت ، فذكر الرسول -صلى الله
عليه وسلم- ما يدل على تخصيص الاعتزال بالمجامعة دون غيرها من المعاشرة .
ثانيا : أن يكون التفسير لبيان أمر غيبي :
عن مسروق قال : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذا الآية ] َولا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ
قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ [ال عمران : 169] . فقال :
أما إنا قد سألنا عن ذلك ، فقال : أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل
معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل) [23] .
إن صفة حياة هؤلاء الشهداء لايمكن إدراكها إلا عن سماع من النبي -صلى
الله عليه وسلم- ، ولذا سأل الصحابة عن هذه الحياة الخاصة بالشهداء .
إنه في مثل هذين المثالين لايمكن استنباط (أسلوب تفسيري (لأن المجال في
هذا ليس مفتوحا بحيث يمكن الاستنباط منه ، بل هو محدد لبيان حكم شرعي أو أمر
غيبي ، ولذا يقف المفسر عند النص ولايمكنه تجاوزه ، ليستفيد منه في نص آخر
يقيسه عليه .
________________________
(1) كان ابن كثير من أكثر المفسرين تأثرا بهذا المنهج الذي عند المحدثين .
(2) ماذكره من قوله : (بيان مايقرأ بعد تمام سورة) ظاهر أنه ليس من التفسير ، فتأمل .
(3) لامع الدراري : 9/45 .
(4) انظر : لامع الدراري : 9/4 (حاشية رقم(1)) .
(5) انظر : فتح الباري 6/431 .
(6) السنن الكبرى 6/ 329 .
(7) سنن الترمذي 5/347 .
(8) انظر : فتح الباري 8/36 ومثله النسائي في السنن الكبرى 1/301 .
(9) السنن الكبرى للنسائي 6/339 .
(10) رواه البخاري (فتح الباري 8/21) .
(11) رواه البخاري (فتح الباري 8/34) .
(12) رواه مسلم ح/رقم 302 .
(13) أخرجه مسلم ح/ 1887 .
(14) رواه مسلم ح/2135 .
(15) رواه البخاري .
(16) رواه مسلم ح/1398 .
(17) رواه الإمام مسلم ح/1917 .
(18) انظر : الدر المنثور : 4/83 ومابعدها .
(19) تفسير الطبري (ط : شاكر (14/37 وما ذكر الطبري من وهاء السند ؛ لأنه رواه من طريق ابن لهيعة (14/3) ولذا ضعفه فيما يظهر ولم يكن عنده له إسناد آخر ، والحديث كما علمت رواه مسلم وغيره ، فلا شك في صحته .
(20) رواه البخاري في مواضع من صحيحه (فتح الباري 8/141 (ومن الطريف في تفسير القرآن بالقرآن عند النبي أنه فسر آيتين من سورة الأنعام بآيتين من سورة لقمان .
(21) رواه البخاري في مواضع من صحيحه (فتح الباري 8/372) .
(22) رواه مسلم برقم 302 .
(23) رواه مسلم برقم 1887 .

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:56 AM
مصادر التفسير :
(3)
تفسير الصحابة للقرآن
- الحلقة الأولى -
بقلم : مساعد بن سليمان الطيار

بدأ الكاتب هذه السلسلة بالحديث عن مصادر التفسير ، وبين المقصود بها ، ثم
تحدث عن تفسير القرآن بالقرآن ، ثم بالسنة ، محرّراً المصطلحات وذاكراً نماذج
من النصوص المندرجة تحتها ، وحديثه في هذه الحلقة وما بعدها عن تفسير
الصحابة (رضي الله عنهم) .
- البيان -
الصحابة (رضوان الله عليهم) خِيَرَةُ الله (سبحانه) لرسوله -صلى الله عليه
وسلم- ، جعلهم أنصار دينه ، ووزراء نبيّه -صلى الله عليه وسلم- ، وهم أرقّّ
الناس قلوباً ، وأعمقهم علماً ، وأبعدهم عن التكلف ، حفظ الله بهم الدين ، ونشره بهم
في العالمين ، وكانوا في علمه بين مُكْثرٍ ومُقلّ .
قال مسروق : (لقد جالست أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فوجدتهم
كالإخاذ (الغدير) ، فالإخاذ يروي الرجل ، والإخاذ يروي الرجلين ، والإخاذ يروي
العشرة ، والإخاذ يروي المئة ، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم ، فوجدت
عبد الله ابن مسعود من ذلك الإخاذ) [1] .
ولِما كان لهم من الصحبة والقرب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ومعرفة أحواله ، فإن لأقوالهم تقدّماً على غيرها عند أهل العلم ، فتجدهم يعتمدون
عليها في بيان الدين ، ويتخيّرُونَ من أقوالهم إذا اختلفوا ، غير خارجين عنها إلى
غيرها [2] .
هذا ، وقد تميّزت أقوالهم بالعمق من غير تكلّف ، ومن نظر في تفسيراتهم
ووازنها بأقوال المتأخرين عَرَفَ صدق هذا القول .
ولقد كان من أبرز مَنْ أظهر هذه الفكرة ، وبيّن ما للصحابة من مزيّة في
عباراتهم التفسيرية الإمامُ ابن القيم في كتبه ، ومن ذلك قوله : ( ... فعاد الصواب
إلى قول الصحابة ، وهم أعلم الأمّة بكتاب الله ومُراده) [3] .
أهمية تفسير الصحابة :
وقد ذكر العلماء أسباباً تدلّ على أهمية الرجوع إلى تفسيرهم ، وهذه الأسباب
كالتالي :
1- أنهم شهدوا التنزيل ، وعرفوا أحواله :
لقد كان لمشاهدتهم التنزيل ، ومعرفة أحواله أكبر الأثر في علوّ تفسيرهم
وصحته ، إذ الشاهد يدرك من الفهم ما لا يدركه الغائب .
وفي حجيّةِ بيان الصحابة للقرآن ، فيما لو اختلفوا ، قال الشاطبي : (وأما
الثاني : مباشرتهم للوقائع والنوازل ، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنّة ، فهم أقْعَدُ في
فَهْمِ القرائن الحالية ، وأعرف بأسباب التنزيل ، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب
ذلك ، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب .
فمتى جاء عنهم تقييدُ بعض المطلَقات ، أو تخصيص بعض العمومات ،
فالعمل عليه على الصواب ، وهذا إن لم ينقل عن أحدهم خلاف في المسألة ، فإن
خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية) [4] .
ومعرفة أسباب النزول لازمة لمن أراد علم القرآن ؛ لأن الجهل بأسباب
النزول مُوقِعٌ في الشّبَه والإشكالات ، ومُورِدٌ للنصوص الظاهرة مَورِدَ الإجمال حتى
يقع الاختلاف .
وإنما يقع ذلك ؛ لأن معرفة أسباب النزول بمنزلة مقتضيات الأحوال التي يُفْهَمُ
بها الخطاب ، وإذا فات نقل بعض القرائن الدّالة فات فهم الكلام جملة ، أو فهم شيءٍ
منه .
ومعرفة أسباب النزول رافعة لكل مشكلٍ في هذا النمط ، فهي من المهمات في
فهم الكتاب بلا بدّ ، ومعنى معرفة السبب هو معنى مقتضى الحال [5] .
إن ممّا يدلّ على ما سبق من الكلام : ما رواه أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم
عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال : (أُتيَ برجلٍ من المهاجرين الأولين وقد
شرب الخمر فأمر به عمر أن يُجلد ، فقال : لِمَ تجلدني ؟ ! بيني وبينك كتاب الله ،
قال : وفي أيّ كتاب الله تجد أن لا أجلدك ؟ .
قال : فإن الله (تعالى) يقول في كتابه : ] لَيْسَ عَلَى الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا .. [ [ المائدة : 93 ] ، فأنا من الذين آمنوا وعملوا
الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا ؛ شهدت مع رسول الله : بدراً ، وأحداً ، والخندق ،
والمشاهد .
فقال عمر : ألا تَرُودّن عليه ؟
فقال ابن عباس : هؤلاء الآيات نزلت عذراً للماضين ، وحجّة على الباقين ،
عذراً للماضين ؛ لأنهم لَقُوا الله قبل أن حرّم الله عليهم الخمر ، وحجة على الباقين ؛
لأن الله يقول : ] .. إنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ .. [ [ المائدة : 90 ]
[المائدة : 90] . حتى بلغ الآية الأخرى) [6] .
فانظر كيف خفي على هذا البدريّ (رضي الله عنه) حكم هذه الآية لمّا لم يكن
يعلم سبب نزولها ؟ وكيف لم تكن مشكَلة عند من علم سبب نزولها ؟ فنزلها منزلتها ، وبيّن معناها .
2- أنهم عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن :
يقول الشاطبي في بيان أهمية معرفة الأحوال في التفسير : (ومن ذلك :
معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل ، وإن لم
يكن ثَمّ سبب خاص ، لا بدّ لمن أراد الخوض في علم القرآن منه ، وإلا وقع في
الشّبه والإشكالات التي يتعذّر الخروج منها إلا بهذه المعرفة) [7] .
أ -ومن الأمثلة التي تدلّ على أهمية معرفة أحوالهم في التفسير : ما رواه
البخاري في تفسير قوله (تعالى) : ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ .. [ [البقرة : 198] عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال : (كانت عُكاظٌ ومجنّةٌ
وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية ، فتأثّموا أن يَتّجِروا في المواسم ، فنزلت ] لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ .. [ في مواسم الحج) [8] .
أ- ومثله ما رواه البخاري عن عائشة (رضي الله عنهما) قالت : (كانت
قريش ومن دَانَ دينها يقفون المزدلفة ، وكانوا يسمّون الحُمْسُ ، وكان سائر العرب
يقفون بعرفات ، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيّه -صلى الله عليه وسلم- أن يأتي
عرفات ، ثُمّ يقفَ بها ، ثُمّ يُفِيِضَ منها ، فذلك قوله (تعالى) : ] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ
أَفَاضَ النَّاسُ .. [ [البقرة : 199] [9] .
أ- ومثله ما رواه البخاري عن ابن المنكدر ، قال : (سمعت جابراً (رضي الله
عنه) قال : كانت اليهود تقول : (إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول ، فنزلت
] نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ .. [ ) [10] .
3- أنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن :
لما كان القرآن نزل بلغتهم ، فإنهم أعرف به من غيرهم ، وهم في مرتبة
الفصاحة العربية ، فلم تتغيّر ألسنتهم ، ولم تنزل عن رتبتها العليا في الفصاحة ،
ولذا فَهُم أعرف من غيرهم في فهم الكتاب والسنة ، فإذا جاء عنهم قول أو عمل
واقع موقع البيان صحّ اعتماده من هذه الجهة [11] .
كما أن ما نقل عنهم من كلام أو تفسير فإنه حجّة في اللغة ، وفيه بيان لصحّة
الإطلاق في لغة العرب ، قال ابن حجر : (استشكل ابن التين قوله [12] : (ناساً
من الجن) من حيث إن الناس ضدّ الجنّ .
وأجيب بأنه على قول من قال : إنه من نَاسَ : إذا تحرك ، أو ذُكر للتقابل ،
حيث قال : (ناس من الناس) ، (وناساً من الجن) ويا ليت شعري ، على من
يعترض ؟ ! ) [13] .
4- حسن فهمهم :
إن من نَظَرَ في أقوال الصحابة في التفسير متدبراً لهذه الأقوال ، ومتفهماً
لمراميها ، وعلاقتها بتفسير الآية ، فإنه سيتبيّن له ما آتاهم الله من حسن البيان عن
معاني القرآن ، من غير تكلّفٍ في البيان ، ولا تعمّق في تجنيس الكلام ، بل تراهم
يُلْقون الألفاظ بداهة على المعنى ، فتصيب منه المراد .
وكان مما عزّز لهم حسن الفهم : ما سبق ذكره من الأسباب التي دعت إلى
الرجوع إلى تفسيرهم من : مشاهدة التنزيل ، ومعرفة أحوال من نزل فيهم القرآن ،
وكونهم أصحاب اللسان الذي نزل به القرآن ، مع ما لهم من معرفة بأحوال صاحب
الشريعة -صلى الله عليه وسلم- ، مما كان يعينهم على فهم المراد وحسن الاستنباط ، قال ابن القيم : (قال الحاكم أبو عبد الله ، في التفسير من كتاب المستدرك : ليعلم
طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل ، عند الشيخين
حديث مسند) [14] .
وقال في موضع آخر من كتابه : ( هو عندنا في حكم المرفوع ) [15] .
وهذا وإن كان فيه نظرٌ ، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم ،
فهم أعلم الأمة بمراد الله (عز وجل) من كتابه ؛ فعليهم نزل ، وهم أول من خوطب
به من الأمة ، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول -صلى الله عليه وسلم- علماً وعملاً ، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة ، فلا يُعدَلُ عن تفسيرهم ما وجد إليه
سبيل) [16] .
إن هذه المزيّة تُوجِبُ على دارسِ التفسير أن يرجع إلى أقوالهم ، وأن يَفْهَم
تفسيراتِهم ، ليَعْتَمِد عليها في التفسير ، ويبنيَ عليها مسائل الآيات وفوائدها .
غير إن كثيراً ممن يَدْرُسُ التفسير أو يُدَرّسُه لا يهتم بإيراد أقوال
الصحابة [17] ، وكثيراً ما تراه يكتفي بأن ينسب التفسير إلى المتأخرين من المفسرين كالزجاج والزمخشري وابن عطية والقرطبي وأبي حيان وابن كثير ... وغيرهم .
إن في هذا المسلك ما يقطعُ على طالب العلم شرف الوصول إلى علوم هؤلاء
الصحابة وأفهامهم ، بل قد يجعله ينظر إلى أقوالهم نظر المقلّلِ من شأنها ، ويرى أن
تفسيراتهم سطحيّة ، لا عمق فيها ، ولا تقرير ! ! .
وهذا خطأ مَحْضٌ ، ومجانبة الصواب ، وإنما كان سبيل أهل العلم الراسخين
فيه أنهم (يتكثّرون بموافقة الصحابة) ، وانظر كم الفرق بين أن يُقال : هذا قول ابن
عباس في الآية ، أو يقال : هذا قول الزجاج أو ابن عطية أوغيرهم في الآية .
فانظر إلى ما ستميل إليه نفسك ؟ ، وأي قول سيطمئن له قلبك ؟ .
5- سلامة قصدهم :
لم يقع بين الصحابة خلافٌ يُؤَثّر في علمهم ، بحيث يوجّه آراءهم العلمية إلى
ما يعتقدونه ، وإن كان مخالفاً للحق ، بل كان شأن الخلاف بينهم إظهار الحق ، لا
الانتصار للنفس أو المذهب الذي ذُهِبَ إليه .
لقد ظهر خلاف أمرهم في الخلاف فيمن بعدهم من أصحاب العقائد الباطلة ؛
كالخوارج ، والمرجئة ، والجهمية ، والمعتزلة ، وغيرهم ، فظهر في أقوالهم مجانبةُ
الحق ، وكثر الخلاف بسبب كثرة الآراء الباطلة ، مما جعل القرآنَ عُرضةً
للتحريف والتأويل ، إذ كلّ يصرفه إلى مذهب ، وهذا مما سلم منه جيل الصحابة ،
فلم يتلوّث بمثل هذه الخلافات .
ولهذا جاء تفسيرهم بعيداً عن إشكالات التأويل ، وصرف اللفظ القرآني إلى ما
يناسب المذهب ، أو غيرها من الانحرافات في التفسير .
________________________
(1) المدخل إلى السنن الكبرى ، ص 16 .
(2) انظر : المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ، ص109 110 .
(3) انظر : بدائع التفسير ، ج2 ص216 ، وج3 ص313 ، 402 ، 404 ، وشفاء العليل ، ص54 .
(4) انظر : الموافقات بتحقيق محيي الدين عبد الحميد ، ج3 ص 218 219 .
(5) الموافقات ، ج3 ص 225 (بتصرف) .
(6) الدرر المنثور ، ج3 ص 161 ، وانظر : المستدرك .
(7) الموافقات ، ج3 ص 229 ، وقد أحال في هذه المسألة على النوع الثاني من المقاصد (ج2ص44) ، والموافقات ، ج3 ص 227 .
(8) انظر : فتح الباري ، ج8 ص34 .
(9) انظر : فتح الباري ، ج8 ص 35 .
(10) انظر : فتح الباري ، ج8 ص 37 .
(11) انظر : الموافقات ، ج3 ص 218 .
(12) يعني ابن مسعود (رضي الله عنه) .
(13) فتح الباري ، ج8 ص249 .
(14) المستدرك ، ج2 ص258 .
(15) المستدرك .
(16) بدائع التفسير ، ج3 ص404 .
(17) وأيضاً التابعين وأتباعهم ممن لهم عناية بالتفسير .

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:57 AM
مصادر التفسير
(4)
تفسير الصحابة للقرآن
- الحلقة الثانية -
بقلم : مساعد بن سليمان الطيار

كانت الحلقة السابقة هي الأولى من تفسير الصحابة ، والرابعة من هذه
السلسلة ، وقد تحدث فيها الكاتب عن : قدر الصحابة ، ثم عن أهمية تفسيرهم ،
ويواصل في هذه الحلقة بقية الموضوع .
- البيان -
مصادر الصحابة في التفسير :
للتفسير مرجعان :
الأول : ما يَرْجِعُ إلى النقل .
والثاني : ما يرجع إلى الاستدلال [1] .
ويمكن توزيع مصادر الصحابة على هذين المرجعين ؛ لأن تفاسير الصحابة :
منها ما يرجع إلى النقل ، ومنها ما اعتمدوا فيه على استنباطهم ، وهم فيه مجتهدون .
تفصيل مصادر الصحابة :
أولاً : ما يرجع إلى النقل ، ويندرج تحته قسمان :
الأول : ما يرجع إلى المشاهدة ، وتحته ما يلي :
1- أسباب النزول .
2- أحوال من نزل فيهم القرآن .
وهذان بينهما تلازم في حالة ما إذا كان سبب النزول متعلقاً بحال من أحوال
من نزل فيهم القرآن .
الثاني : ما يرجع إلى السماع ، ويندرج تحته ما يلي :
1- ما يروونه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من التفسير النبوي الصريح .
2- ما يرويه بعضهم عن بعض .
3- ما يروونه من الغيبيّاتِ .
ثانياً : ما يتعلق بالفهم والاجتهاد (الاستدلال) ، ويندرج تحته ما يلي :
1- تفسير القرآن بالقرآن .
2- تفسير القرآن بأقوال الرسول مما ليس نصّاً في التفسير .
3- التفسير اللغوي (المحتملات اللغوية) .
4- المحتملات المرادة في الخطاب القرآني ، أو ما يرجع إلى احتمال النص
القرآني أكثر من معنى .
تفصيل هذه المصادر :
أولاً : ما يَرْجِعُ إلى النّقْلِ :
الأول : ما يتعلق بالمشاهدة :
ويعتبر هذا مما تميّز به الصحابة (رضي الله عنهم) ؛ لأن المشاهدة لا يمكن
أن تتأتّى لغيرهم ؛ ولذا : فإن الأصل أن ما ورد من هذا الباب فإن مَحَلّهُ القبول بلا
خلاف .
ويدخل فيما يتعلق بالمشاهدة ما يلي :
1- أسباب النزول :
لقد سبق الحديث عن أن مشاهدتهم لأسباب النزول كانت من أهم أسباب
رجوع من جاء بعدهم إلى تفسيرهم ، والاعتماد عليه في فهم الآية .
والمراد بسبب النزول : ما كان صريحاً في السببية ، ويظهر ذلك من خلال
النصّ المروي في السبب ؛ كأن يقول الصحابي : كان كذا وكذا فنزلت الآية ، أو
يقع سؤال فينزل جوابه ، أو غيرها مما يمكن معرفته من خلال النص بقرائن تدل
على السببية الصريحة .
2- معرفة أحوال من نزل فيهم القرآن :
إن معرفة هذه الأحوال تفيد في درايتهم بقصة الآية ، الذي هو أشبه بسبب
النزول ، بحيث لو فقدت هذه المعرفة لوقع الخطأ في فهم المراد بالآية ، كما وقع
لعروة بن الزبير (رضي الله عنه) في فهم قوله (تعالى) : ] إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن
شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أََن يَطَّوَّفَ بِهِمَا .. [ [البقرة : 158] .
قال عروة : (قلت لعائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا يومئذ
حديث السّن أرأيتِ قول الله (تبارك وتعالى) : ] إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ
فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أََوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أََن يَطَّوَّفَ بِهِمَا .. [ [ البقرة : 158] فما
أرى على أحدٍ شيئاً ألا يطّوف بهما .
فقالت عائشة : كَلاّ ، لو كانت كما تقول كانت : (فلا جناح عليه أن لا يطوّف
بهما) ، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار : كانوا يُهِلّون لمناة وكانت مناة حَذْوَ قُدَيدٍ
وكانوا يتحرّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- عن ذلك ، فأنزل الله : ] إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ
فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أََوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أََن يَطَّوَّفَ بِهِمَا .. [ [البقرة : 158]) [2] .
ويلحظ من هذا المثال : أن سبب النزول قد يكون من أجل حالٍ من أحوال من
نزل فيهم الخطاب من العرب أو اليهود ، وبهذا يكون المثال صالحاً للتمثيل به في
الأمرين .
ومما نزل بسبب حال من أحوال اليهود ، ما روى جابر (رضي الله عنه) قال : (كانت اليهود تقول : إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول ، فنزلت : ] نساؤُكُمْ
حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ .. [ [البقرة : 223] [3] .
تنبيه :
للصحابة فيما يتعلق بالمشاهدة حالتان :
الأولى : أن يكون الصحابي ممن حضر سبب النزول ، أو عايش الأحوال
التي نزل بشأنها القرآن ، وهذا هو الذي ينطبق عليه الحديث هنا .
الثانية : أن يكون سمعه من صحابي آخر ، وبهذا فإنه يدخل في القسم الذي
بعده .
الثاني : ما يتعلق بالسماع :
يشمل هذا القسم كل الروايات التي يرويها الصحابي عن غيره ، ويدخل في
هذا القسم ما يلي :
1- الرواية عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- :
والمراد به : ما يروونه من التفسير النبوي الصريح ، وقد يقع تفسيره جواباً
لأسئلتهم ، أو أن يفسّر لهم ابتداءً .
* ومن الأول : ما رواه مسلم في تفسير قوله (تعالى) : ] .. لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ
عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ .. [ [التوبة : 108] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : (مرّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال : قلت له : كيف سمعت أباك يذكر
المسجد الذي أسس على التقوى ؟ .
قال : قال أبي : دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيت
بعض نسائه ، فقلت : يا رسول الله ، أيّ المسجدين الذي أسس على التقوى ؟ قال :
فأخذ كفّاً من حصباء فضرب به الأرض ، ثم قال : هو مسجدكم هذا ، لِمسجد
المدينة .
قال : فقلت : أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره) [4] .
* ومن الثاني : ما رواه البخاري عن أبي ذرّ ، قال : (كنت مع النبي -صلى
الله عليه وسلم- في المسجد عند غروب الشمس ، فقال : يا أبا ذر ، أتدري أين
تغيب الشمس ؟ .
قلت : الله ورسوله أعلم .
قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فذلك قوله (تعالى) :
] وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ [ ) [5] .
2- ما يرويه الصحابي عن الصحابي :
قد تكون الرواية عن الصحابي مجردة من السؤال ، بحيث يورد الصحابي
تفسير الصحابي إيراداً من غير سؤال ، أو تكون عن سؤالٍ ؛ ومنه : ما رواه
البخاري عن ابن عباس في قوله (تعالى) : ] .. وَإن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [ [التحريم : 4] .
قال ابن عباس : أردت أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فمكثت سنة ، فلم أجد له موضعاً ، حتى
خرجت معه حاجّاً ، فلما كنّا بظهران ذهب عمر لحاجته ، فقال : أدركني بالوضوء ، فأدركته بالإداوة ، فجعلت أسكب عليه ، ورأيت موضعاً ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟
قال ابن عباس : فما أتممت كلامي حتى قال : عائشة وحفصة) [6] .
ويدخل في باب الرواية : ما كان من أسباب النزول ، أو أحوال من نزل فيهم
القرآن ، إذا كان الصحابي لم يحضر السبب أو الحال ، فإن طريقه في ذلك :
الرواية ، وروايته مقبولة في ذلك ، وإن لم ينسبها إلى من رواها له من الصحابة ،
وذلك لأن الصحابة عدول باتفاق الأمة .
ويمكن التمثيل لهذا بما يرويه صغار الصحابة أو من تأخر إسلامهم من أحداثٍ
لم يحضروها أو يعاصروها .
ومن أمثلة ذلك : ما رواه : أبو هريرة ، وابن عباس في تفسير قوله (تعالى) : ] وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [ [الشعراء : 214] من أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- صعد الصفا ، ونادى بطون قريش .. إلى آخر الحديث [7] .
وذلك أن أبا هريرة أسلم في المدينة ، وابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث
سنين ، والحدث الذي يرويانه في تفسير الآية كان بمكة ، وكان في أوائل سني
البعثة .
3- ما يروونه من المغيّبات :
تشمل الأمور الغيبية ما مضى ، وما سيكون ، والأخبار الماضية إما أن يكون
مصدرها الرسول ، وهذا هو المراد ، وإما أن يكون مصدرها أهل الكتاب ، وهذا
يدخل في البحث السابق .
أما الأخبار المستقبلية ، فالغالب أنها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ،
وقد يرد منها ما هو عن أهل الكتاب .
وها هنا مسألة تحتاج إلى بحث ، وهي : كيف نُميّزُ ما روي عن أهل الكتاب
مما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟ .
الجواب : ( ................ ) .
هذا .. وما يُروى عن أهـل الكتاب ، فقد اصطلح العلماء على تسميته بـ
(الإسرائيليات) . وهي عند الصحابة على قسمين من حيث التحمّل في الرواية :
الأول : السماع منهم ، وهذا يأخذونه عن بعض مسلمة أهل الكتاب : كابن
سلام من الصحابة ، وكعب الأحبار وأبي الجلد من التابعين .
ويظهر من استقراء المرويات الإسرائيلية أن الصحابة لا يسندون مروياتهم
في الغالب مما يجعل الباحث لا يجزم بالأخذ المباشر عن مُسِلمةِ بني إسرائيل ، بل
قد يكون مما اطّلعوا عليه وقرؤوه ، والله أعلم .
ومن أمثلة الرواية عن عبد الله بن سلام : ما رواه ابن مُجلّز ، قال : (جلس
ابن عباس إلى عبد الله بن سلام ، فسأله عن الهدهد ، لم تفقّده سليمان من بين الطير ؟
فقال عبد الله بن سلام : إن سليمان نزل منزلة في مسيرٍ له ، فلم يَدْرِ ما بُعْدُ
الماء ، فقال : من يعلم بُعْدَ الماء ؟ ، قالوا : الهدهد ، فذلك حين تفقّده) [8] .
الثاني : ما يكون من طريق الوجادة ، وهو ما يقرؤونه من كتب أهـل الكتاب ، كما حصل لعبد الله بن عمرو بن العاص من إصابته زاملتين فيها كتبٌ من كتب
أهل الكتاب [9] .
اسْتِطْرَادٌ :
مما يحسن توجيه النظر إليه في هذا المبحث ، أن بعض المعاصرين قد شنّ
غارة على وجود مرويات بني إسرائيل في تفسير الصحابة ، وعدّ ذلك من عيوب
تفسيرهم .
والذي يجب التنبّه له أن الحديث عن الإسرائيليات يَطَال سلف الأمة من
المفسرين : صحابةً ، وتابعين ، ولقد كان هؤلاء أعلم الناس بالتفسير ، وأعظم
الذائدين عن الدين كل تحريف وبطلان .
لقد تجوّز سلف هذه الأمة في رواية الإسرائيليات ، أفلم يكونوا يعرفون حكم
روايتها ومنزلتها في التفسير ؟ .
ألم يكونوا يميّزون هذه الإسرائيليات التي استطاع المتأخرون تمييزها ؟ !
وإذا كان ذلك كذلك ؟ فما الضرر من روايتها ؟ .
ألا يكفي المفسر بأن يحكم على الخبر بأنه إسرائيلي ، مما يجعله يتوقف في
قبول الخبر ؟ .
إن بحث (الإسرائيليات) يحتاج إلى إعادة نظر فيما يتعلق بمنهج سلف الأمة
في روايتهم لها ، ومن أهم ما يجب بحثه في ذلك ما يلي :
1- جَمْعُ مروياتهم فيها ، وجَعْلُ مرويات كل مفسرٍ على حِدَةٍ .
2- محاولة معرفة طريق تحمّل المفسر لها ، وكيفية أدائه لها ، فهل كان
يكتفي بعرضها ثقةً منه بتلاميذه الناقلين عنه ؟
أو هل كان ينقدها ، ويبين لتلاميذه ما فيها ؟
3- ما مدى اعتماد المفسر عليها ؟
وهل كان يذكرها على سبيل الرواية لما عنده في تفسير هذه الآية ، من غير
نظر إلى صحة وضعف المروي ؟
أوْ هل كان يرويها على سبيل الاستئناس بها في التفسير ؟
أو هل يعتمد عليها ، ويبني فهم الآية على ما يرويه منها ؟
تلك المسائل وغيرها لا يتأتّى إلا بعد جمع المرويات ، واستنطاقها لإبراز
جوابات هذه الأسئلة وغيرها مما يمكن أن يَثُورَ مع البحث .
ثم بعد هذا يمكن استنباط منهج السلف وموقفهم من الإسرائيليات في التفسير .
والله أعلم .
________________________
(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (العلم : إما نقلٌ مُصَدّقٌ ، وإما استدلال محقّقٌ) (مقدمة في أصول التفسير ، ص55) .
(2) رواه البخاري (فتح الباري ، ج8 ص24 25) .
(3) رواه البخاري (فتح الباري ، ج8 ص37) .
(4) رواه مسلم في صحيحه (رقم 1398) .
(5) انظر : البخاري (فتح الباري ، ج8 ص402) .
(6) رواه البخاري (فتح الباري ، ج8 ص527) .
(7) انظر روايتهما في : صحيح البخاري (فتح الباري ، ج8 ص 360) .
(*) جواب هذا السؤال يحتاج بحثاً خاصّاً ، والمراد هنا الإشارة إلى هذا الإشكال فقط .
(8) تفسير الطبري ، ج19 ص 143 وانظر : سؤال ابن عباس لأبي الجلد في تفسير الطبري : ج1 ص 151 ، 13 ، 123 .
(9) رواه البخاري (فتح الباري ، ج1 ص167) .

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:58 AM
مصادر التفسير
(3)
تفسير الصحابة للقرآن
-الحلقة الثالثة-
بقلم : مساعد بن سليمان الطيار

بعد أن أنهى الكاتب الحديث عن التفسير بالقرآن والتفسير بالسنة ، تطرق في
الحلقتين الماضيتين إلى الحديث عن تفسير الصحابة باعتباره مصدراً ثالثاً للتفسير ،
فذكر أهمية تفسيرهم ، ثم بدأ يفصّل مصادرهم في التفسير ، وأن له مرجعين :
أولاً : ما يرجع إلى النقل ، فأورد تفصيل ذلك .
وفي هذه الحلقة يتحدث الكاتب عن المرجع الثاني وتفاصيل أخرى من
الموضوع .
ثانياً : ما يتعلق بالفهم والاجتهاد (الاستدلال) :
يكون معتمد المفسّر في هذا القسم العقل ، ولا خلاف في أن الصحابة قد
اجتهدوا في بيان القرآن ، وقد نبّه ابن الأثير إلى ذلك في شرحه لحديث : (من قال
في كتاب الله (عز وجل) برأيه ... ) [1] حيث قال : (وباطل أن يكون المراد به : أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه ، فإن الصحابة (رضي الله عنهم) قد
فسّروا القرآن ، واختلفوا في تفسيره على وجوهٍ ، وليس كل ما قالوه سمعوه من
النبي ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس ، فقال : (اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل) [2] ، فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل ، فما فائدة تخصيصه بذلك ؟ ) [3] .
ويشتمل هذا القسم على أربعة أنواع ، هي :
1- تفسير القرآن بالقرآن :
قد سبق الحديث عن أن تفسير القرآن بالقرآن مرجعه إلى الرأي ، وذلك أن
ربط الصحابي بين آية وأخرى كان معتمداً على العقل ، ولو كان عنده سندٌ إلى
رسول الله لذكره ، مثل ما مرّ ذكره في تفسير قوله (تعالى) : ] الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ [ [الأنعام : 82] حيث أُسند إلى الرسول .
ومن الأمثلة الواردة عنهم في تفسير القرآن بالقرآن ما يلي :
عن عمر بن الخطاب في تفسير قوله (تعالى) : ] وَإذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [
[التكوير : 7] قال : تزويجها : أن يؤلف كل قوم إلى شبههم ، وقال : ] احْشُرُوا
الَذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [ [الصافات : 22] [4] .
و مما يحسن بحثه في هذا الموضوع : كيفية استفادة الصحابة من القرآن في
تفسيرهم .
2- تفسير القرآن بأقوال الرسول مما لم ينص فيها على التفسير :
سبق الحديث عن هذا القسم ، وأن معتمد المفسر هاهنا العقل ، وذلك لأن
الصحابي يجتهد في ربط الحديث بمعنى الآية .
ومن أمثلته : ما رواه البخاري عن أبي هريرة (رضي الله عنه) ، عن النبي
قال : (فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ، وتجتمع
ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح) يقول أبو هريرة : (اقرؤوا إن شئتم :
] وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً [ ) [5] .
فنلاحظ أن أبا هريرة نزّل الحديث على معنى الآية ، فجعل اجتماع الملائكة
هو الشهود الذي يحصل في صلاة الفجر .
3- التفسير اللغوي (المحتملات اللغوية) :
نزل القرآن بلغة الصحابة (رضي الله عنهم) ، ولذا : فهم أئمة التفسير اللغوي ، وإذا روي عن أحدهم تفسير لغوي ، فإن محلّه القبول .
وبالنظر إلى الألفاظ اللغوية المفسّرة تجد أنها على قسمين :
الأول : ألاّ يحتمل اللفظ إلا معنى واحداً ، وهذا ما لا يقع فيه خلاف ، وهو
أشبه بأن يجعل من القسم الذي طريقه السماع لا الاجتهاد ، لعدم الحاجة لإعمال
الرأي في مثل هذا .
الثاني : ما يحتمل أكثر من معنى ، والسياق محتمل لها جميعها ، ففي مثل هذا
يكون التّميّزُ وإعمال الرأي اعتماداً على المعنى اللغوي ، ومن أمثلة ذلك : ما ذكره
الطبري في تفسير قوله (تعالى) : ] خِتَامُهُ مِسْكٌ [ [المطففين : 26] أن فيه ثلاثة
أقوال ، اثنين منها عن صحابيين :
القول الأول : بمعنى خِلْطُهُ ، وهذا قول ابن مسعود ، قال : (أما إنه ليس
بالخاتم الذي يختم ، أما سمعتم المرأة من نسائكم تقول : طيب كذا وكذا خلطه مسك) .
القول الثاني : بمعنى : آخر شرابهم ، وهذا قول ابن عباس ، قال : (طيّب
الله لهم الخمر ، فكان آخر شيء جعل فيها حتى تختم بالمسك) [6] .
4- ما يرجع إلى احتمال النص القرآني أكثر من معنى :
قد تحتمل الآية أكثر من معنى ، فيذكر صحابي أحد هذه المعاني ، ثم يذكر
الآخر معنًى غيره من المعاني المحتملة لهذا الخطاب القرآني ، وقد يعتمد في
اختياره على ما سبق من الأقسام الثلاثة فيما يتعلق بالاجتهاد .
ومن أمثلة ذلك : تفسيرهم قوله (تعالى) : ] لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ [
[الانشقاق : 19] ، ورد في قوله ] لَتَرْكَبُنَّ [ قراءات ، منها : فتح التاء والباء ،
وقد اختلف في : من وجّه إليه الخطاب ؟ ، على قولين :
الأول : أن الخطاب موجّه للرسول ، واختلف في معنى ] طَبَقاً عَن طَبَقٍ [
على هذا القول على معنيين :
1- لتركبن يا محمد حالاً بعد حال ، وأمراً بعد أمر من الشدائد ، وهذا مروي
عن ابن عباس من طريق مجاهد والعوفي .
2- لتركبن يا محمد سماءً بعد سماءٍ ، وهذا مروي عن ابن مسعود من رواية
علقمة .
الثاني : أن الخطاب موجّه للسماء ، والمعنى : أنها تتغيّر ضروباً من التغيّر :
تتشقق بالغمام مرّة ، وتَحْمَر أخرى ، فتصير وردة كالدهان ، وتكون أخرى كالمهل ،
وهذا مروي عن ابن مسعود من رواية مرة الهمذاني و إبراهيم النخعي [7] .
في هذا المثال تجد لابن مسعود قولين في تحديد من وجّه له الخطاب ، وفي
الأول يوافقه ابن عباس في هذه الجزئية ، ثم يخالفه في معنى الركوب طبقاً عن
طبق .
وما كان ذلك الاختلاف إلا لاحتمال هذا النص هذه المعاني المذكورة ، فأبدى
كل واحد منهما أحد هذه المحتملات .
مسألة : في اجتهاد الصحابة في حياة الرسول :
تُظهر بعض النصوص أن الصحابة كان لهم اجتهادات في فهم الخطاب
القرآني وتفسيره في عصر الرسول ، وكان لاجتهادهم حالتان :
الحالة الأولى : أن يُقِرّ الرسول اجتهادهم ، ومن ذلك : الأثر المروي عن
عمرو بن العاص ، قال : بعثني رسول الله عام (ذات السلاسل) ، فاحتلمت في ليلة
باردة شديدة البرد ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيمّمت به ، ثم صليت
بأصحابي صلاة الصبح ، فلما قدمت على رسول الله ذكرت ذلك له ، فقال :
(ياعمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، إني احتلمت
في ليلة باردة شديدة البرد ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، وذكرت قول الله : ] وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [ [النساء : 29] فتيممت ، ثم صليت ، فضحك ، ولم يقل شيئاً ) [8] .
ومنه : ما رواه الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه ، قال : (تلا رسول الله
يوماً ] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [ [محمد : 24] ، فقال شاب من
أهل اليمن : بل عليها أقفالها ، حتى يكون الله (عز وجل) يفتحها أو يفرجها ، فما
زال الشاب في نفس عمر (رضي الله عنه) حتى وُلّيَ فاستعان به) [9] .
الحالة الثانية : أن يُصَحّح الرسول فهمهم للآية :
ومثاله : تفسيرهم الظلم ، في قوله (تعالى) : ] الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم
بِظُلْمٍ [ [الأنعام : 82] ، فقد فهم الصحابة أن الظلم عام يشمل جميع أنواعه ، وذلك
بقولهم : (وأينا لم يظلم نفسه) ، فأخبرهم الرسول بالمراد بالظلم في الآية ، وأنه
الشرك [10] .
ومنه حديث عدي بن حاتم ، في قوله (تعالى) : ] وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ
لَكُمُ الخَيْطُ الأََبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأََسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ [ [البقرة : 187] حيث عمد (رضي
الله عنه) إلى عقالين : أبيض وأسود ، ثم جعلهما تحت وسادة ، ثم جعل ينظر إليهما
في بعض الليل ، فلم يستبينا ، فلما أصبح أخبر الرسول بفعله ، فأرشده الرسول إلى
أن المراد بهما سواد الليل وبياض النهار [11] .
ففي هذين المثالين تلاحظ أن الصحابة فهموا الآية على معنى محتمل ، لكنه
غير المراد ، فأرشدهم الرسول إلى المعنى المراد بالآية ، ولم ينههم عن تفهّمِ القرآن
إلا بالرجوع إليه .
حكم تفسير الصحابي :
لا يصلح إطلاق الحكم على تفسير الصحابي جملة من حيث الاحتجاج به أو
عدمه ، بل لابدّ من التفصيل في تفسير الصحابي .
لقد سبق ذكر أن الصحابة يجتهدون في التفسير ، وهذا الاجتهاد عرضة للخطأ ؛ لأن الواحد منهم غير معصوم حتى يقبل منه كل قوله .
ثم إن هذا الاجتهاد مدعاة لوقوع الاختلاف في التفسير ، وبهذا لا يكون قول
أحدهم حجة ؛ لأن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعضٍ .
ويمكن تنزيل الحكم مقسّماً على مصادرهم : النقلية والاستدلالية .
أولاً : المصادر النقلية :
يشمل الحكم على المصادر النقلية ما يلي :
أسباب النزول ، وأحوال من نزل فيهم القرآن ، والأمور الغيبية .
ويمكن القول بأن هذه الأمور الثلاثة لها حكم الرفع ؛ لأن الصحابي ليس له
في هذه الأمور إلا النقل ، وإن نُسب إليه التفسير ، فإنما هو على سبيل التوسع في
إطلاق التفسير له ، ولأنه هو الناقل له .
ويحترز في هذا الحكم مما يكون من قبيل الاجتهاد في (أسباب النزول) ، إذ قد
تُطلق عبارة النزول ويراد بها أن المذكور في النزول داخل في حكم الآية ، وكثيراً
ما تصدّر بقولهم : نزلت هذه الآية في كذا وكذا .
ولذا : قد يرد عنهم أقوال كثيرة في سبب النزول ، وهي غير صريحة في
السببية ، وإنما تكون داخلة في حكم الآية ، وهذا إنما قاله من قاله اجتهاداً منه .
ويلحق بهذا : أحوال من نزل فيهم الخطاب ، إذ قد يقع الاجتهاد في حمل
معنى الآية على حالٍ من الأحوال .
وقد يرد في الآية سببان صحيحان صريحان ، فتحمل الآية عليهما ، ومن ذلك
ما يلي :
ما ورد في سبب نزول قوله (تعالى) : ] نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى
شِئْتُمْ [ [البقرة : 223]
روى أبو داود عن ابن عباس ، قال : (إن ابن عمر (والله يغفر له) أوهم ؛
إنما كان هذا الحيّ من الأنصار وهم أهل وثنٍ مع هذا الحي من يهود وهم أهل
كتاب وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم ، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ، وكان
من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرفٍ ، وذلك أستر ما تكون المرأة ، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم .
وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً ، ويتلذذون منهن
مقبلات مدبرات ومستلقيات .
فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار ، فذهب
يصنع بها ذلك فأنكرته عليه ، وقالت : إنما كنّا نُؤتى على حرفٍ ، فاصنع ذلك وإلا
فاجتنبني ، حتى شَرِيَ (انتشر) أمرهما ، فبلغ ذلك رسول الله ، فأنزل الله (عز
وجلّ) : ] نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ [البقرة : 223] أي : مقبلات
ومدبرات ومستلقيات ، يعني بذلك : موضع الولد) . [12]
وروى البخاري عن جابر في نزول هذه الآية ما يلي : (كانت اليهود تقول :
إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول ، فنزلت ] نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاًتُوا حَرْثَكُمْ
أَنَّى شِئْتُمْ [ ) [13] .
ففي هذين السببن ترى ما يلي :
1- أنها تحكي حالاً من أحوال من نزل فيهم القرآن ، وقد سبق أن السبب قد
يكون في ذكر حالٍ من أحوال العرب .
2- أن ابن عباس ذكر السبب في قضية طريقة الجماع في خبر الرجل
القرشي والأنصارية .
3- أن جابر ذكر السبب في نتيجة إحدى طرق الجماع .
وقد أنزل الله هذه الآية لإبطال هذين الحالين اللذين كان يعمل بهما اليهود
والأنصار .
هذا ، وقد أخبر الحاكم أن سبب النزول له حكم الرفع ؛ فقد قال بعد حديث
جابر السابق : (هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها ، وليست بموقوفة ، فإن
الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل ، فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا
وكذا ، فإنه حديث مسند) . [14]
* كما يحترز في المغيبات من أن تكون من مرويات بني إسرائيل ، فإذا
سلمت من ذلك فإن لها حكم المرفوع ؛ لأن الأمور الغيبية لا يمكن القول فيها
بالاجتهاد .
ومن أمثلته : ما روي عن ابن عباس (رضي الله عنه) في تفسير (الكرسي)
بأنه (موضع قدمي الرحمن) .
فهذا المثال يتعلق بصفات الله (عز وجل) ولا سبيل للوصول إليها إلا بالنقل ،
ولا مجال للاستنباط فيها .
فإن قيل : إن ابن عباس قد اشتهر عنه الأخذ من مرويات بني إسرائيل ،
وعليه : فإن هذا التفسير يحتمل أن يكون مما تلقّاه عنهم ؟ .
فالجواب : أنه لا يُظنّ بابن عباس أنه يرجع إليهم في معرفة صفات الله ،
وهم من أهل التعطيل لها ، فمثل هذه المسائل المتعلقة بالله لا تؤخذ إلا من المعصوم
في خبره ، وهو الرسول .
ثم إن ابن عباس لم ينفرد بهذا التفسير ، بل قد صحّ عن أبي موسى [15]
مثل قول ابن عباس ، وهذا مما يُعزّز قول ابن عباس ، ويدل على تلقيه من
الرسول ، والله أعلم .
أما ما يثبت من هذه المغيبات أنه من الإسرائيليات فإنه ينظر إليه :
إن كان موافقاً لما في الكتاب والسنة قُبِلَ ، وإن كان مخالفاً لهما رُدّ وترك ،
وإن لم تظهر فيه موافقة ولا مخالفة فالحكم فيه : التوقف ، والله أعلم .
ثانياً : المصادر الاستدلالية (الاجتهاد) :
سبق تقسيم هذه المصادر إلى أربعة أقسام ، وسيكون الحديث هنا عامّاً عنها .
والتفسير إما أن يكون بياناً عن لفظٍ ، وإما أن يكون بياناً عن معنىً .
فإذا لم يحتمل اللفظ أو المعنى المراد إلا تفسيراً واحداً لا غير ، فإن هذا مما لا
مجال للاجتهاد فيه ، وحكم هذا التفسير : القبول ؛ لعدم احتمال غيره .
أما إذا وقع الاحتمال في الآية ، فإن هذا مجال الاجتهاد والرأي ، وإذا كانت
الآية محتملة لأكثر من قول ، فإن هذا الاجتهاد يحتمل أمرين :
الأول : أن يكون مما توافق عليه اجتهاد الصحابة (أو كان في حكمه ؛
كالإجماع السكوتي) فإن هذا حجة يجب قبوله عنهم .
الثاني : أن يقع بينهم خلاف مُحقّق ، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بحجيّة
هذه الأقوال ، ولا بأحدها على الآخر ؛ لأن قول أحدهم لا يكون حجة على الآخر ،
فلا يقال : معنى الآية كذا لأنه قول ابن عباس ، مع وجود مخالفٍ له من الصحابة .
وإنما يكون عمل من بعدهم في مثل هذه الحالة الترجيح بدليل صالح للترجيح ، ومحلّ هذا البحث موضع آخر ، وهو قواعد الترجيح ؛ لأن المراد هنا بيان ما
يكون حجة وما لا يكون من أقوال الصحابة .. والله أعلم .
________________________
(1) أخرجه أبو داود ، كتاب العلم ، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود ، ح/790 البيان .
(2) أخرجه أحمد ، ج1ص266 ، وصحح إسناده أحمد شاكر ، ح/2397 ، ح/2881 البيان .
(3) جامع الأصول ، ج2ص4 .
(4) انظر : الدر المنثور ، ج 8 ص430 .
(5) انظر : فتح الباري ، ج 8 ص251 .
(6) انظر أقوالهم في تفسير الطبري ، ج30 ص106 ، 107 .
(7) انظر مروياتهم في تفسير الطبري ، ج30 ص122 ، 124 .
(8) أخرجه أحمد وأبو داود .
(9) تفسير الطبري ، ج 26 ص58 .
(10) انظر رواية ذلك في صحيح البخاري (فتح الباري ، ج 1 ص110 ، ج 6 ص448) .
(11) انظر روايته في صحيح البخاري (فتح الباري ، ج 8 ص231) .
(12) انظر : عون المعبود ، ج 6 ص204 ، 205 .
(13) انظر : فتح الباري ، ج 8 ص37 .
(14) معرفة علوم الحديث ، ص20 .
(15) أشار إلى روايتهما ابن حجر في الفتح (ج 8ص47) ، وقد صحح إسناد أبي موسى .

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:58 AM
التفسير بالرأي
مفهومه .. حكمه .. أنواعه
(1من2)
مساعد الطيار

مفهوم الرأي :
الرأي : مصدر رأى رأياً . مهموز ، ويُجمع على آراء وأرءاءٍ .
والرأي : التفكّرُ في مبادئ الأمور ، ونظر عواقبها ، وعلم ما تؤول إليه من
الخطأ والصواب [1] .
والتفسير بالرأي : أن يُعْمِلَ المفسر عقله في فَهْمِ القرآن ، والاستنباط منه ،
مستخدماً آلات الاجتهاد . ويَرِدُ للرأي مصطلحاتٌ مرادفةٌ في التفسير ، وهي :
التفسير العقلي ، والتفسير الاجتهادي . ومصدر الرأيِ : العقلُ ، ولذا جُعِلَ التفسيرُ
العقليُ مرادفاً للتفسير بالرأي .
والقول بالرأي : اجتهادٌ من القائل به ، ولذا جُعِلَ التفسيرُ بالاجتهادِ مرادفاً
للتفسير بالرأي .
ونتيجة الرأي : استنباط حكم أو فائدةٍ ، ولذا فإن استنباطات المفسرين من
قَبِيلِ القول بالرأي .
أَنْوَاعُ الرّأي ، وموقف السلف منها : يحمل مصطلح (الرأي) حساسية خاصة ، تجعل بعضهم يقف منه موقف المتردِّد ؛ ذلك أنه ورد عن السلف ، آثارٌ في ذمِّه .
بَيْدَ أنّ المستقرئ ما ورد عنهم في هذا الباب (أي : الرأي) يجد إعمالاً منهم
للرأي ، فما موقف السلف في ذلك ؟
لنعرض بعض أقوالهم في ذلك ، ثمّ نتبيّن موقفهم منه .
أقوالٌ في ذمِّ الرأي :
1- ورد عن فاروق الأمة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قوله : ( اتقوا
الرأي في دينكم ) [2] .
وقال : ( إياكم وأصحاب الرأي ؛ فإنهم أعداء السنن . أعيتهم الأحاديث أن
يحفظوها ، فقالوا برأيهم ، فضلّوا وأضلوا ) [3] .
2- وورد عن الحسن البصري (ت : 110) قوله : (اتهموا أهواءكم ورأيكم
على دين الله ، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم ودينكم) [4] .
أقوالٌ في إعمالِ الرأي :
ورد عن عمر بن الخطاب والحسن البصري - اللذين نقلت قولاً لهما بذمِّ
الرأي ما يدلّ على إجازتهما إعمال الرأي ، وهذه الأقوال :
1- أما ما ورد عن عمر فقوله لشريح - لما بعثه على قضاء الكوفة : ( انظر
ما تبين لك في كتاب الله ؛ فلا تسأل عنه أحداً ، وما لم يتبيّن لك في كتاب الله ،
فاتبع فيه سنة رسول الله لله ، وما لم يتبيّن لك فيه سنة ، فاجتهد رأيك) [5] .
2- أمّا ما ورد عن الحسن ، فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله : أريت ما
يفتى به الناس ، أشيءٌ سمعته أم برأيك ؟
فقال الحسن : ما كل ما يفتى به الناس سمعناه ، ولكنّ رَاًيَنا لهم خيرٌ من رأيهم
لأنفسهم) [6] .
هذان عَلَمان من أعلام السلف ورد عنهما قولان مختلفان في الظاهر ، غير
أنك إذا تدبّرت قولهم ، تبيّن لك أن الرأي عندهم نوعان :
* رأي مذموم ، وهو الذي وقع عليه نهيهم .
* ورأي محمود ، وهو الذي عليه عملهم .
وإذا لم تَقُلْ بهذا أوقعت التناقض في أقوالهم ، كما قال ابن عبد البَرِّ ( ت :
463هـ ) - لما ذكر من حُفِظ عنه أنه قال وأفتى مجتهداً : (ومن أهل البصرة :
الحسن وابن سيرين ، وقد جاء - عنهما وعن الشعبي - ذمّ القياس ، ومعناه عندنا
قياسٌ على غيرِ أصلٍ ؛ لئلا يتناقض ما جاء عنهم) [7] . والقياس : نوع من الرأي ؛ كما سيأتي .
العلوم التي يدخلها الرأي :
يدخل الرأي في كثير من العلوم الدينية ، غير أنه يبرز في ثلاثة علوم ، وهي : علم التوحيد ، وعلم الفقه ، وعلم التفسير .
أما علم التوحيد ، فيدخله الرأي المذموم ، ويسمى الرأي فيه : ( هوىً وبدعة ) . ولذا تجد في كثير من كتب السلف مصطلح : ( أهل الأهواء والبدع ) ، وهم الذين
قالوا برأيهم في ذات الله - سبحانه .
وأما علم الفقه ، فيدخله الرأيان : المحمود والمذموم ، ويسمى الرأي فيه :
( قياساً ) ، كما يسمى رأياً ، ولذا تجد بعض عباراتٍ للسلف تنهى عن القياس أو
الرأي في فروع الأحكام ، والمراد به القياس والرأي المذموم .
وأما علم التفسير ، فيدخله الرأيان : المحمود والمذموم ، ويسمى فيه : ( رأياً ) ،
ولم يرد له مرادفٌ عند السلف ، وإنما ورد مؤخراً مصطلح : (التفسير العقلي) .
وبهذا يظهر أن ما ورد من نهي السلف عن الرأي فإنه يلحق أهل الأهواء
والبدع ، وأهل القياس الفاسد ، والرأي المذموم ؛ إذ ليس كلّ قياسٍ أو رأيٍ فاسداً أو
مذموماً .
حُكْمُ القَوْلِ بالرّأي :
سيكون الحديث في حكم الرأي المتعلق بالعلوم الشرعية عموماً - وإن كان
يغلب عليه الرأي والقياس في الأحكام - وقد سبق أن الرأي نوعان : رأي مذموم ،
ورأي محمود .
أولاً : الرّاًيُ المَذْمُومُ :
ورد النهي عن هذا النوع في كتاب الله - تعالى - وسنة نبيِّه لله ، كما ورد
نهي السلف عنه .
وحَدّ الرأي المذموم : أن يكون قولاً بغير علمٍ وهو نوعان : علم فاسد ينشأ
عنه الهوى ، أو علم غير تام وينشأ عنه الجهل ، ويكون منشؤه الجهل أو الهوى .
وهذا الحدّ مستنبط من كتاب الله وسنة رسوله لله .
أمّا من كتاب الله فما يلي :
1- قوله - تعالى : ] قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى
اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [ [الأعراف : 33] .
2- وقوله - تعالى : ] وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
(168) إنَّمَا يَاًمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأََن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [
[البقرة : 168 ، 169] .
3- وقوله - تعالى : ] وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [ [الإسراء : 36] .
في هذه الآيات نهي وتشنيع على القول على الله بغير علم ؛ ففي الآية الأولى
جعله من المحرّمات ، وفي الآية الثانية جعله من اتباع خطوات الشيطان ، وفي
الآية الثالثة جعله منهياً عنه . وفي هذا كلِّه دليلٌ على عدم جواز القول على الله
بغير علم .
وأما في سنة الرسول :
فإن من أصرح ما ورد فيها قوله : (إن الله - عز وجل - لا يقبض العلم
انتزاعاً ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلماء ، فيقبض العلم ، حتى إذا لم يترك
عالماً ، اتخذ الناس رؤساء جُهّالاً ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا) رواه البخاري
في كتاب الاعتصام ، وترجم له بقوله : ( بابُ ما يذكر من ذمِّ الرأي وتكلف
القياس ) [8] .
وأمّا ما ورد عن السلف ، فمنها :
1- ما سبق ذكره عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - والحسن
البصري - رحمه الله - من نهيهما عن الرأي .
2- عن مسروق (ت : 63هـ) قال : (من يرغب برأيه عن أمر الله
يضلّ ) [9].
3- وقال الزهري (ت : 124هـ) : (إياكم وأصحاب الرأي ، أعيتهم الأحاديث أن يعوها) [10] .
وممن نُقِل عنه ذم الرأي أو القياس ابن مسعود (ت : 33هـ) من الصحابة ،
وابن سيرين (ت : 110هـ) من تابعي الكوفة ، وعامر الشعبي (ت : 104هـ) من تابعي الكوفة ، وغيرهم [11] .
صور الرأي المذموم :
ذكر العلماء صوراً للرأي المذموم ، ويطغى على هذه الصّوَر الجانب الفقهي ؛
لكثرة حاجة الناس له ، حيث يتعلّق بحياتهم ومعاملاتهم . ومن هذه الصور ما يلي :
1- القياس على غير أصل [12] .
2- قياس الفروع على الفروع [13] .
3- الاشتغال بالمعضلات [14] .
4- الحكم على ما لم يقع من النّوازل [15] .
5- ترك النظر في السنن اقتصاراً على الرأي ، والإكثار منه [16] .
6- من عارض النصّ بالرأي ، وتكلف لردِّ النص بالتأويل [17] .
7- ضُروب البدع العقدية المخالفة للسنن [18] .
هذه بعض الصور التي ذكرها العلماء في الرأي المذموم ، وسيأتي صور
أخرى تخصّ التفسير .
ثانياً : الرأي المحمود :
هذا النوع من الرأي هو الذي عَمِلَ به الصحابة والتابعون ومن بعدهم من
علماء الأمّة ، وحدّه أن يكون مستنداً إلى علمٍ [19] ، وما كان كذلك فإنه خارج عن
معنى الذمِّ الذي ذكره السلف في الرأي .
ومن أدلة جواز إعمال الرأي المحمود ما يلي :
1- مفهوم الآيات السابقة والحديث المذكور في أدلة النهي عن الرأي المذموم ؛ لأنها كلها تدل على أن القول بغير علم لا يجوز ، ويفهم من ذلك أن القول بعلم
يجوز .
2- فعل السلف وأقوالهم ، ومنها :
أ - عن عبد الرحمن بن يزيد قال : أكثرَ الناس على عبد الله (يعني : ابن
مسعود) يسألونه ، فقال : أيها الناس إنه قد أتى علينا زمان نقضي ولسنا هناك ،
فمن ابتلي بقضاءٍ بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله ، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله- ولم يَقُلْهُ نبيّه - فليقض بما قضى به الصالحون ، فإن أتاه أمر لم يقض به
الصالحون - وليس في كتاب الله ، ولم يقل فيه نبيّه - فليجتهد رأيه ، ولا يقول :
أخاف وأرى ، فإن الحلال بَيِّنٌ ، والحرام بَيِّنٌ ، وبَيْنَ ذلك أمورٌ مشتبهات ، فدعوا
ما يريبكم إلى ما لا يريبكم) [20] .
قال ابن عبد البر (ت : 463هـ) معلقاً على هذا القول : (هذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصولٍ يضاف إليها التحليل والتحريم ، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها ، ومن أشكل عليه شيءٌ لزمه الوقوف ، ولم يَجُز له أن يُحيلَ على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصلٍ ولا هو في معنى أصلٍ . وهذا لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديماً وحديثاً ؛ فتدبّره) [21] .
ب - وعن الشعبي ( ت : 104هـ ) قال : لما بعث عمرُ شريحاً على قضاء الكوفة قال له : انظر ما تبيّن لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحداً ، وما لم يتبيّن لك في كتاب الله فاتّبع فيه سنة رسول الله - ، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد رأيك ) [22] .
ج - وعن مسروق (ت : 63هـ) قال : سألت أُبَيّ بن كعب عن شيءٍ ؛ فقال:
أكان هذا ؟
قلت : لا .
قال : فأجمّنا ( أي : اتركنا أو أرحنا ) حتى يكون ؛ فإذا كان اجتهدنا لك
رأينا ) [23] .
الرّأيُ فِي التّفْسِير :
اعلم أن ما سبق كان مقدمة للدخول في الموضوع الأساس ، وهو التفسير
بالرأي ، وكان لا بدّ لهذا البحث من هذا المدخل ، وإن كان الموضوع متشابكاً
يصعب تفكيك بعضه عن بعض ، ولذا سأحرص على عدم تكرار ما سبق ،
وسأكتفي بالإحالة عليه ، إن احتاج الأمر إلى ذلك .
وسأطرح في هذا ثلاثة موضوعات :
الأول : موقف السلف من القول في التفسير .
الثاني : أنواع الرأي في التفسير .
الثالث : التفسير بين المأثور والرأي .
وسيتخلّل هذه الموضوعات مسائل عِدّة ؛ كشروط القول بالرأي ، وأدلة جواز
الرأي في التفسير ، وصور الرأي المذموم .... إلخ ، وإليك الآن تفصيل هذه
الموضوعات :
أولاً : موقف السلف من القول في التفسير :
التفسير : بيان لمراد الله - سبحانه - بكلامه ، ولما كان كذلك ، فإن المتصدي
للتفسير عرضة لأن يقول : معنى قول الله كذا .
ثم قد يكون الأمر بخلاف ما قال . ولذا قال مسروق بن الأجدع (ت : 63هـ):
( اتقوا التفسير ؛ فإنما هو الرواية عن الله - عز وجل ) .
وقد اتخذ هذا العلم طابعاً خاصاً من حيث توقِّي بعض السلف وتحرجهم من
القول في التفسير ، حتى كان بعضهم إذا سئل عن الحلال والحرام أفتى ، فإذا سئل
عن آية من كتاب الله سكت كأن لم يسمع .
ومن هنا يمكن القول : إن السلف - من حيث التصدي للتفسير - فريقان :
فريق تكلّم في التفسير واجتهد فيه رأيه ، وفريق تورّع فقلّ أو نَدُرَ عنه القول في
التفسير .
وممن تكلم في التفسير ونُقِلَ رأيه فيه عمر بن الخطاب ( ت : 23هـ ) وعلي بن أبي طالب (ت : 40هـ) وابن مسعود (ت : 33هـ) وابن عباس ( ت : 67هـ ) وغيرهم من الصحابة .
ومن التابعين وأتباعهم : مجاهد بن جبر (ت : 103هـ) وسعيد بن جبير
( ت : 95هـ ) وعكرمة مولى ابن عباس ( ت : 107هـ ) والحسن البصري
(ت :110هـ ) وقتادة (ت : 117هـ) وأبو العالية (ت : 93هـ) وزيد بن أسلم ( ت : 136هـ ) وإبراهيم النخعي ( ت : 96هـ ) ومحمد ابن كعب القرظي
( ت : 117هـ ) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ( ت : 182هـ ) وعبد الملك بن جريج ( ت : 150هـ ) ومقاتل بن سليمان ( ت : 150هـ ) ومقاتل بن حيان
( ت : 150هـ ) وإسماعيل السدي ( ت : 127هـ ) والضحاك بن مزاحم
( ت : 105هـ ) ويحيى بن سلام ( ت : 200هـ ) ، وغيرهم .
وأما من تورّع في التفسير فجمعٌ من التابعين [24] من أهل المدينة والكوفة .
أما أهل المدينة ، فقال عنهم عبيد الله بن عمر : لقد أدركت فقهاء المدينة ،
وإنهم ليغلظون القول في التفسير ؛ منهم : سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد ،
وسعيد بن المسيب ، ونافع [25] .
وقال يزيد بن أبي يزيد : ( كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام -
وكان أعلم الناس - فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع ) [26] .
وقال هشام بن عروة بن الزبير : ( ما سمعت أبي يتأوّل آية من كتاب الله
قطّ ) [27] .
وأمّا أهل الكوفة فقد أسند إبراهيم النخعي إليهم قَولَه : (كان أصحابنا - يعني :
علماء الكوفة - يتّقون التفسير ويهابونه) [28] .
هذا .. ولقد سلك مسلك الحذر وبالغ فيه إمام اللغة الأصمعي (ت : 215هـ) ،
حيث نقل عنه أنه كان يتوقّى تبيين معنى لفظة وردت في القرآن [29] .
فما ورد عن هؤلاء الكرام من التوقي في التفسير إنما كان تورّعاً منهم ،
وخشية ألاّ يصيبوا في القول .
ثانياً : أنواع الرأي في التفسير :
الرأي في التفسير نوعان : محمود ، ومذموم .
النوع الأول : الرأي المحمود .
إنما يحمد الرأي إذا كان مستنداً إلى علم يقي صاحبه الوقوع في الخطأ .
ويمكن استنباط أدلةٍ تدلّ على جواز القول بالرأي المحمود .
ومن هذه الأدلّة ما يلي :
1- الآيات الآمرة بالتدبّر :
وردت عدّة آيات تحثّ على التدبّر ؛ كقوله - تعالى : ] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ
أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [ [محمد : 24] ، وقوله : ] كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا
آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ [ص : 29] . وغيرها من الآيات .
وفي حثِّ الله على التدبر ما يدلّ على أن علينا معرفة تأويل ما لم يُحجب عنا
تأويله ؛ لأنه محالٌ أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له : اعتبر بما لا فهم لك به [30] .
والتدبّر : التفكّر والتأمّل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني ،
وإنما يكون ذلك في كلامٍ قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه ، بحيث كلما
ازداد المتدبِّر تدبّراً انكشف له معانٍ لم تكن له بادئ النظر [31] .
والتدبّر : عملية عقلية يجريها المتدبر من أجل فهم معاني الخطاب القرآني
ومراداته ، ولا شك أن ما يظهر له من الفهم إنما هو اجتهاده الذي بلغه ، ورأيه الذي
وصل إليه .
2- إقرارُ الرسول - اجتهادَ الصحابة في التفسير : لا يبعد أن يقال : إن
تفسير القرآن بالرأي نشأ في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وفي ذلك وقائع
يمكن استنباط هذه المسألة منها ، ومن هذه الوقائع ما يلي :
أ - قال عمرو بن العاص : - بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام
ذات السّلاسِلِ ، فاحتلمت في ليلة باردةٍ شديدة البرد ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيمّمت به ، ثمّ صليت بأصحابي صلاة الصبح ، فلما قدمت على رسول الله -
صلى الله عليه وسلم- ذكرت ذلك له ، فقال : يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت
جُنُبٌ ؟
قلت : نعم يا رسول الله ، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن
اغتسلت أن أَهْلَكَ ، وذكرتُ قول الله : ] وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [ [النساء : 29] فتيمّمْتُ ، ثم صليت ، فضحك - ولم يقل شيئاً) [32] .
في هذا الأثر ترى أن عَمْراً اجتهد رأيه في فهم هذه الآية ، وطبّقها على نفسه ، فصلى بالقوم بعد التيمم ، وهو جنب ، ولم ينكر عليه الرسول -صلى الله عليه
وسلم- هذا الاجتهاد والرأي .
ب - وفي حديث ابن مسعود ، لما نزلت آية : ] الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إيمَانَهُم بِظُلْمٍ [ [الأنعام : 82] قلنا يا رسول الله : وأينا لم يظلم نفسه ، فقال : إنه
ليس الذي تعنون ، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ] يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ [لقمان : 13]) [33] ، ترى أن الصحابة فهموا الآية على
العموم ، وما كان ذلك إلا رأياً واجتهاداً منهم في الفهم ، فلما استشكلوا ذلك سألوا
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فأرشدهم إلى المعنى المراد ، ولم ينههم عن
تفهّم القرآن والقول فيه بما فهموه . كما يدل على أنهم إذا لم يستشكلوا شيئاً لم
يحتاجوا إلى سؤال الرسول . والله أعلم .
3- دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس : دعا الرسول -صلى
الله عليه وسلم- لابن عباس بقوله : (اللهم فقِّهه في الدين ، وعلِّمه التأويل) وفي
إحدى روايات البخاري : (اللهم علمه الكتاب) [34] .
والتأويل : التفسير ، ولو كان المراد المسموع من التفسير عن النبي -صلى
الله عليه وسلم- لما كان لابن عباس مَزِيّةٌ بهذا الدعاء ؛ لأنه يشاركه فيه غيره [35] ، وهذا يدلّ على أن التأويل المراد : الفهم في القرآن [36] ، وهذا الفهم إنما هو
رأيٌ لصاحبه .
4- عمل الصحابة : مما يدل على أن الصحابة قالوا بالرأي وعملوا به ما
ورد عنهم من اختلافٍ في تفسير القرآن ؛ إذ لو كان التفسير مسموعاً عن النبي -
صلى الله عليه وسلم- لما وقع بينهم هذا الاختلاف .
ومما ورد عنهم نصاً في ذلك قولُ صدِّيق الأمة أبي بكر - رضي الله عنه -
لما سئل عن الكلالة ، قال : (أقول فيها برأيي ؛ فإن كان صواباً فمن الله ، وإن كان
خطأً فمني ومن الشيطان) [37] .
وكذا ما ورد عن علي - رضي الله عنه - لما سئل : هل عندكم عن رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- شيءٌ سوى القرآن ؟ قال : (لا ، والذي فلق الحبّة ،
وبرأ النسمة ، إلا أن يُعطِي الله عبداً فهماً في كتابه) [38].
والفهم إما هو رأي يتولّد للمرء عند تفهّم القرآن ؛ ولذا يختلف في معنى الآية
فهم فلان عن غيره .
________________________
(1) الغيث المسجم في شرح لامية العجم للصفدي ، 1/63 .
(2) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ، 190 ، وانظر ، ص 192 ، الأثر رقم 217 .
(3) المدخل إلى السنن الكبرى ، 191 ، وانظر قولاً لمسروق في جامع بيان العلم ، 2/168 ، وقولاً للزهري ، 2/169 .
(4) المدخل إلى السنن الكبرى ، 196 .
(5) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ، 2/71 ، وانظر ، ص 74 .
(6) جامع بيان العلم ، 2/75 .
(7) جامع بيان العلم ، 2/77 ، وانظر كلام ابن بطال في هذا الموضوع في فتح الباري ، 13/301 .
(8) انظر الحديث في فتح الباري ، (13/295) .
(9) جامع بيان العلم ، 2/168 .
(10) جامع بيان العلم 2/169 .
(11) انظر : جامع بيان العلم ، 2/77 ، وفتح الباري ، 13/310 .
(12) جامع بيان العلم ، 2/70 ، 71 ، 77 .
(13)جامع بيان العلم ، 2/170 .
(14)جامع بيان العلم ، 2/170 .
(15) جامع بيان العلم ، 2/170 .
(16) الاعتصام للشاطبي ، 1/104 .
(17) فتح الباري ، 13/303 .
(18) جامع بيان العلم ، 2/169 .
(19) العلم يقابل الجهل المذكور في حدِّ الرأي المذموم ، أما الهوى ، فيقابله الورع ؛ لأنّ الوَرَعَ يقي صاحبه من مخالفة الحقِّ .
(20) جامع بيان العلم ، 2/70 71 .
(21)جامع بيان العلم ، 2/71 .
(22) جامع بيان العلم ، 2/71 .
(23) جامع بيان العلم ، 2/72 ، وانظر غيرها من الآثار ، ص 69 79 .
(24) لم أجد نقلاً عن أحد من الصحابة يدل على أن مذهبه كهذا المذهب الذي برز عند التابعين .
(25) تفسير الطبري (ط شاكر) ، 1/85 .
(26) تفسير الطبري (ط شاكر) ، 1/86 .
(27) فضائل القرآن لأبي عبيد ، 229 .
(28) فضائل القرآن لأبي عبيد ، 229 .
(29) انطر في ذك : الكامل للمبرد (تحقيق : الدالي) 2/928 ، 4135 ، تهذيب اللغة 1/14 ، إعجاز القرآن للخطابي (تحقيق : عبد الله الصديق) 42 .
(30) انظر : تفسير الطبري (ط شاكر) ، 1/82- 83 .
(31) التحرير والتنوير ، 23/252 .
(32) مسند الإمام أحمد ، 4/203 ، 204 ، وأبو داود برقم 335 ، وانظر تفسير ابن كثير ،
2/480 ، والدر المنثور ، 2/497 .
(33) أخرجه البخاري في أكثر من موضع ، كتاب الإيمان ح/32 ، أحاديث الأنبياء/3360 ، 3428 .
(34) انظر : فتح الباري ، 1/204 ، وانظر شرح ابن حجر ، 1/204 205 .
(35) انظر : تفسير القرطبي ، 1/33 ، وجامع الأصول ، 2/4 .
(36) انظر : فتح الباري ، 1/205 .
(37) انظر قوله في تفسير الطبري ، (ط شاكر) ، 8/53 ، 54 .
(38) رواه البخاري ، (فتح الباري ، 1/246) وغيرها من المواضع التي ذكرها لهذا الحديث .

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 05:59 AM
التفسير بالرأي
مفهومه .. حكمه .. أنواعه
(2من2)
مساعد الطيار

تناول الكاتب في الحلقة الماضية إيضاح مفهوم الرأي ، وأنواعه ، وموقف
السلف منه ، حيث تراوح هذا الموقف بين ذمه وإعماله ، ثم أوضح العلوم التي
يدخلها الرأي ، وحكم القول بالرأي ، الذي شمل : الرأي المذموم والرأي المحمود ..
وأخيراً عرض الكاتب : الرأي في التفسير ، فتناول فيه : موقف السلف منه ،
وأنواع الرأي في التفسير ، ويستكمل بيان هذه النقطة ونقاط أخرى في هذه الحلقة .
- البيان -
شروط الرأي المحمود في التفسير :
متى يكون الرأي محموداً ؟
سبق في بيان حدِّ الرأي المحمود أنه ما كان قولاً مستنداً إلى علمٍ ؛ فإن كان
كذلك فهو رأيٌ جائز ، وما خرج عن ذلك فهو مذموم .
ولكن .. هل لهذا العلم حدّ يُعْرَفُ به ، بحيث يمكن تمييزه والتعويل عليه في
الحكم على أيِّ رأيٍ في التفسير ؟
لقد اجتهد بعض المتأخرين في بيان جملة العلوم التي يحتاجها من يفسر برأيه
حتى يخرج عن كونه رأياً مذموماً .
فالراغب الأصفهاني (ت : القرن الخامس) جعلها عشرة علوم ، وهي : علم
اللغة ، والاشتقاق ، والنحو ، والقراءات ، والسّيَر ، والحديث ، وأصول الفقه ،
وعلم الأحكام ، وعلم الكلام ، وعلم الموهبة [1] .
وجعلها شمس الدين الأصفهاني (ت : 749) خمسة عشر علماً ، وهي : علم
اللغة ، والاشتقاق ، والتصريف ، والنحو ، والمعاني ، والبيان ، والبديع ،
والقراءات ، وأسباب النزول ، والآثار والأخبار ، والسنن ، وأصول الفقه ، والفقه
والأخلاق ، والنظر والكلام ، والموهبة [2] .
وقد ذكر الأصفهانيان أن من تكاملت فيه هذه العلوم خرج عن كونه مفسراً
للقرآن برأيه (أي : المذموم) .
وقد نبّه الراغب على أن (من نقص عن بعض ما ليس بواجبٍ معرفته في
تفسير القرآن ، وأحسّ من نفسه في ذلك بنقصه ، واستعان بأربابه ، واقتبس منهم ،
واستضاء بأقوالهم ، لم يكن - إن شاء الله - من المفسرين برأيهم ) [3] .
(أي : المذموم) .
وفيما يظهر - والله أعلم - أن في ذكر هذه العلوم تكثّّراً لا دليل عليه ، مع ما
على بعضها من ملاحظة ؛ كعلم الكلام .
إن تكامل هذه العلوم أشبه بأن يكون شرطاً في المجتهد المطلق لا في المفسر ؛
إذ متى يبلغ مفسر تكامل هذه العلوم فيه ؟
ولو طُبق هذا الرأي في العلوم المذكورة لخرج كثير من المفسرين من زمرة
العالمين بالتفسير ، ولذا تحرّز الراغب بذكر حال من نقص علمه ببعض هذه العلوم ، وبهذا يكون ما ذكره بياناً لكمال الأدوات التي يحسن بالمفسر أن يتقنها ، وإن لم
يحصل له ذلك فإنه يعمد إلى النقل فيما لا يتفق له .
ويظهر أن أغلب المفسرين على هذا السبيل ، ولذا ترى الواحد منهم يُبرِز في
تفسيره العلم الذي له به عناية ؛ فإن كان فقيهاً - كالقرطبي ، برز عنده تفسير آيات
الأحكام .
وإن كان نحوياً - كأبي حيان - برز عنده علم النحو في تفسيره للقرآن .
وإن كان بلاغياً أديباً - كالزمخشري - برز عنده علم البلاغة في تفسيره
للقرآن ، ... وهكذا .
هذا .. ويمكن القول بأن النظر في هذا الموضوع يلزم منه معرفة ما يمكن
إعمال الرأي فيه ، مما لا يمكن ، ثم تحديد مفهوم التفسير لمعرفة العلوم التي
يحتاجها المفسر برأيه .
أما التفسير فنوعان : ما جهته النقل ، وما جهته الاستدلال .
والأول : لا مجال للرأي فيه ، والثاني : هو مجال الرأي .
ومن التفسير الذي جهته النقل : أسباب النزول ، وقصص الآي ، والمغيبات ،
ويدخل فيه كلّ ما لا يتطرّق إليه الاحتمال ؛ كأن يكون للفظ معنى واحدٌ في لغة
العرب .
وأما التفسير من جهة الاستدلال فكل ما تطرّق إليه الاحتمال ؛ لأن توجيه
الخطاب إلى أحد المحتملات دون غيره إنما هو برأيٍ من المفسر ، وبهذا برز
الاختلاف في التفسير .
وأما مفهوم التفسير ؛ فهو بيان المراد من كلام الله سبحانه وما يمكن أن
يحصل به البيان فهو تفسيرٌ .
وبهذا يظهر أن كثيراً من العلوم التي ذكرها الأصفهانيان لا يلزمان في التفسير
إلا بقدر ما يحصل به البيان ، وما عدا ذلك فهو توسّع في التفسير ، بل قد يكون في
بعض الأحيان به خروجٌ عن معنى التفسير ، كما حصل للرازي (ت : 604) في
تفسيره ، ولابن عرفه (ت : 803) في إملاءاته في التفسير .
ثم اعلم أن هذه التوسعات إنما حصلت بعد جيل الصحابة والتابعين - في
الغالب - وإنما كان ذلك بظهور أقسام العلوم - من نحوٍ وفقه وتوحيد وغيرها -
وتَشَكّلها ؛ مما كان له أكبر الأثر في توسيع دائرة التفسير ، حتى صار كل عالمٍ بفنٍّ- إذا شارك في كتابة علم التفسير - يصبغ تفسيره بفنِّه الذي برّز فيه .
ويمكن تقسيم العلوم التي يحتاجها من فسر برأيه إلى نظرين :
الأول : نظرٌ في علوم الآية :
ويكون ذلك بالنظر إلى ما في الآية من علوم ؛ كالناسخ والمنسوخ ، والمطلق
والمقيد ، والخاص والعام ، ومفردات اللغة ، وأساليبها ، وهكذا .
وإنما يقال ذلك ؛ لأنه ليس في كل آية ما يلزم منها بحث هذه العلوم ؛ إذ قد
توجد في آية ، وتتخلّف عن آيات .
* وإذا أمعنت النظر وجدت أن علم اللغة هو من أهم العلوم التي يجب على
المفسر معرفتها ، ذلك أنه لا تخلو آية من مبحثٍ لغوي .
ومن الآثار التي وردت عن السلف في بيان أهمية اللغة ، ما يلي :
1- عن أبي الزناد قال : قال ابن عباس : التفسير على أربعة أوجه : وجه
تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ،
وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره ) [4] .
2- وروي عن مجاهد (ت : 104) أنه قال : (لا يحل لأحدٍ يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب) [5] .
3- وعن يحيى بن سليمان قال : سمعت مالك بن أنس (ت : 179) يقول :
(لا أوتى برجلٍ يفسر كتاب الله غير عالم بلغات العرب إلا جعلته نكالاً) [6] .
ولو قرأت في تفسير السلف لوجدت أثر اللغة في التفسير عندهم ، ومن
أوضح ذلك استشهادهم بأشعار العرب :
ومن أمثلة أهمية معرفة اللغة لمن فسر برأيه ما يلي :
أ - في تفسير قوله - تعالى : ] وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [ [التوبة : 47] قال
الأزهري (ت : 37) : (قول الليث : الوضع : سيرٌ دونٌ . ليس بصحيح .
والوضع : هو العَدْوُ . واعتبر الليث اللفظ ولم يعرف كلام العرب فيه) [7] .
ب - قال الأزهري ( ت : 370 ) : (... عن أبي حاتم (ت : 255) في قوله: ] فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ [ [الأنبياء : 87] أي : لن نضيِّق عليه .
قال - أي : أبو حاتم : ولم يدر الأخفش ما معنى ] نَقْدِرَ [ ، وذهب إلى
موضع القُدرة ، إلى معنى : فظنّ أن يفوتنا ، ولم يعلم كلام العرب حتى قال : إن
بعض المفسرين قال : أراد الاستفهام : أفظنّ أن لن نقدر عليه ؟ ولو علم أن معنى
نقدر : نضيِّق ، لم يَخْبِط هذا الخبط ، ولم يكن عالماً بكلام العرب ، وكان عالماً
بقياس النحو) [8] .
* ومن العلوم التي يلزم معرفتها الناسخ والمنسوخ وما شابهه من المباحث ؛
كالمطلق والمقيد ، والخاص والعام ، ومعرفتها لازمة للمفسر بلا شك ، ومن الآثار
التي يمكن الاعتماد عليها في ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي قال : (انتهى
علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى رجل يقصّ [9] ، فقال : أعلمتَ
الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا . قال : هلكتَ وأهلكتَ) [10] .
وقد استدل مَنْ كتب في علم الناسخ والمنسوخ في القرآن بهذا الأثر لبيان
أهمية هذا العلم . وإذا كان علي رضي الله عنه قد اعترض على القاصِّ ؛ فالمفسر
من باب أوْلى ينبغي أن ينبّه إلى ذلك ، لما في جهل هذا العلم من أثر في عدم فهم
التفسير .
* ومن العلوم سبب النزول وقصص الآي ؛ ذلك أن معرفة سبب النزول
وقصص الآي يفيد في معرفة تفسير الآية .
ومن الأمثلة التي تدل على أهمية معرفة هذا الجانب ، وأن عدم معرفته يوقع
في الخطأ ، ما وقع لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت : 210) في تفسير قوله تعالى : ] وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ [ [الأنفال : 11] حيث قال : ( مجازه :
يفرغ عليهم الصبر ، وينزِّلُه عليهم ، فيثبتون لعدوهم) [11] .
وسبب النزول يدلّ على خطأ أبي عبيدة في تفسيره هذا ، فلما لم يعرف
السبب نحى في تفسيره هذا المنحى اللغوي الذي لا تدلّ عليه الآية بسببها .
والتثبيت المذكور في الآية حقيقي ، وهو أن أقدام المسلمين لا تسوخ في
الرمل لما نزل عليه المطر ، وبهذا جاء التفسير عن الصحابة الذين شاهدوا النزول ، وعن التابعين الذين نقلوا عنهم [12] .
* ومنها معرفة السنة النبوية ، ويكون ذلك بالرجوع إلى صريح التفسير عن
النبي -صلى الله عليه وسلم- ، كما يكون بالرجوع إلى أقواله وأفعاله التي لها أكبر
الأثر في فهم القرآن .
ومما يمكن التمثيل به من استعانة المفسر بالسنة النبوية ، ما رواه الطبري عن
ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : (ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة
عن النبي : إن الله كتب على ابن آدم حظّه من الزنى ، أدركه ذلك لا محالة ، فزنى
العينين النظر ... ) [13] .
ثم إن عدم معرفة السنة التي تفسر القرآن قد تجعل المفسر يجنح إلى مصدر
آخر ؛ فيفسر به لعدم ورود هذا التفسير النبوي إليه .
ومما يمكن أن يُمثّل به هنا ما روي عن السلف في تفسير قوله - تعالى : ] يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ [ [القلم : 42] فقد فسّر جمع من السلف الساق بالمعنى اللغوي ، أي : عن أمر شديد [14] ، ومنهم : ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة
وعكرمة [15] .
وقد ورد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال : (سمعت النبي -صلى
الله عليه وسلم- يقول : يكشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة ، ويبقى
من كان يسجد في الدنيا رئاءً وسُمعة ، فيذهب ليسجد ، فيعود ظهره طبقاً
واحداً) [16] .
وهذا الحديث يفسِّرُ الساق الذي جاء في الآية نكرةً لم يُضَفْ ، ويبيِّن أن
المراد بالساق ساق ربنا عزّ وجلّ .
ولو لم يَرِدْ هذا الحديثُ لاعتُمِدَ قول ابن عباس وتلاميذه في تفسير الساق ،
والله أعلم .
وبعد .. فهذه بعض العلوم التي إن جهل المفسر بها فإنه يقع في التأويل الخطأ ، ولا يحالفه الصواب في معنى الآية [17] .
الثاني : نَظَرٌ في طبقة المفسر :
المفسرون الذين يجب الرجوع إلى أقوالهم ، والأخذ بها ، وعدم الخروج عنها
هم الصحابة والتابعون وأتباعهم . فما جاء عنهم فإنه لازم لمن بعدهم من حيث
الجملة ولا يجوز مخالفتهم .
وكان عدم الاعتماد على تفسيرهم من أهم أسباب بروز الرأي المذموم ، كما
يشير إليه شيخ الإسلام ابن تيمية (ت : 728) بقوله : (وأما النوع الثاني من سببي
الخلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حَدَثَتا
بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ، فإن التفاسير التي يُذكر فيها كلام
هؤلاء صرفاً لا يكاد يوجد فيها شيءٌ من هاتين الجهتين) [18] .
ولما كان لهؤلاء السلف من تقدّمٍ في العلم شهد لهم به كل من جاء بعدهم من
العلماء ؛ فإن الاعتماد على أقوالهم مدعاة للخروج عن الرأي المذموم ، ولذا جعل
ابن جرير من شروط المفسر أن لا يكون تأويله وتفسيره خارجاً عن أقوال السلف
من الصحابة والأئمة والخلف من التابعين وعلماء الأمة [19] . ويجب التنبه إلى أن
كل من رجع إلى أقوالهم وتخيّر منها ، فإنه قائل بالرأي ؛ لأن تخيره معتمد على
عقله كما فصل ابن جرير الطبري في تفسيره .
النوع الثاني : الرأي المذموم وصوره في التفسير :
الرأي المذموم في التفسير هو القول في القرآن بغير علم ، سواءً أكان عن
جهلٍ أو قصورٍ في العلم أم كان عن هوى يدفع صاحبه إلى مخالفة الحق ، وقد سبق
بيان ذلك مع أدلة النهي عنه .
ومن صور الرأي المذموم ما يلي :
1- تفسير ما لا يعلمه إلا الله :
وهو أحد أوجه التفسير التي أوردها ابن عباس ، ويشتمل على أمرين :
أحدهما : تكييف المغيبات التي استأثر الله بعلمها ؛ كتكييف صفاته سبحانه ،
أو غيرها من المغيبات .
ثانيها : تحديد زمن المغيبات التي ورد ذِكْرُ خروجها ؛ كزمن خروج الدابة ،
أو نزول عيسى ، أو غير ذلك .
فهذه الأشياء لا سبيل للبشر إلى معرفتها ؛ فمن زعم أنه قادرٌ على ذلك فقد
أعظم الفرية على الله .
2- من ناقض التفسير المنقول أو أعرض عنه :
يشمل التفسير المنقول : كل ما نُقل عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو
أصحابه أو التابعين وأتباعهم ، فمن أقدم على التفسير دون الرجوع إلى التفسير
المنقول فإنه سيقع في الرأي المذموم ؛ لأن جُزءاً من التفسير لا يمكن معرفته إلا
عن طريق النقل عنهم ؛ كأسباب النزول ، وقصص الآي ، وناسخها ... وغيرها .
3- من فسر بمجرد اللغة دون النظر في المصادر الأخرى :
إن التسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية ، من غير استظهار بالسماع
والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وغيرها ؛ مُوقِعٌ في الخطأ ، فمن لم يُحكّم ظاهر
التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ، ودخل في زمرة
من قال برأيه المذموم [20] .
واعتماد اللغة فقط دون غيرها من المصادر ، هو أحد أسباب الخطأ الذي يقع
في التفسير ، كما حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية [21] .
4- أن يكون له رأي فيتأول القرآن على وفق رأيه [22] :
ويكثر هذا عند أهل الأهواء والبدع ، حيث أنهم يعتقدون الرأي ، ثم يبحثون
عن دليله ، وقد يحرّفون الكلم عن مواضعه ليوافق آراءهم ، ولو لم يكن لهؤلاء هذا
الاعتقاد والرأي لما فسر القرآن بهذه التفسيرات المنحرفة .
ويقع خطأ أولئك على أقسام :
الأول : الخطأ في الدليل والمدلول : وذلك أن المفسر يستدل لرأيه بدليل ،
ويكون رأيه الذي استدل له باطلٌ فيستلزم بطلان دلالة الدليل على المستدل له .
ومثال ذلك أن المعتزلة اعتقدوا أن الله سبحانه لا يُرى في الآخرة ، وهذا
باطل ، ثم استدلوا لهذا بقوله تعالى : ] لَن تَرَانِي [ [الأعراف : 143] فجعلوا ] لَن[ لتأبيد النفي ، وهذا غير صحيح في هذا الموضع .
ومثاله كذلك استدلال بعض المتصوفة على جواز الرقص وهو حرام بقوله
تعالى : ] ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ [ص : 42] [23] .
فالرّقص حرام ، والآية لا تدل عليه لا من قريب ولا من بعيد .
الثاني : الخطأ في الاستدلال لا في المدلول : وفي هذا يكون المدلول بذاته
صحيحاً ، ولكن حَمْل الآية عليه لا يصح .
ومثاله ما فسر به بعضهم قوله تعالى : ] إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ
فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [ [البقرة : 249] .
حيث قال : (هذه الآية مَثَلٌ ضربه الله للدنيا ، فشبهها الله بالنهر ، والشارب
منه بالمائل إليها المستكثر منها ، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها ،
والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة ، وأحوال الثلاثة عند الله
مختلفة) [24] .
فهذا الكلام من حيث هو في ذاته مجرداً عن الآية كلام صحيح ، ولكنّ جَعْلَهُ
تفسيراً للآية خطأٌ ظاهرٌ ، ولذا قال القرطبي (ت : 671) معلقاً على هذا القول :
(ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل ، والخروج عن الظاهر ، ولكن
معناه صحيح من غير هذا) [25] .
وبعد .. فهذه بعض صور التفسير بالرأي المذموم . والله أعلم .
التفسير بين الأثر والرأي :
لقد ظهر من خلال الأمثلة الدالة على جواز الرأي أن الرأي قد برز في عصر
الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وإن كان قليلاً ، ثم اتسع وانتشر أكثر في عهد
الصحابة ومَنْ بعدهم .
كما ظهر أن مِن الصحابة والتابعين وأتباعهم مَنْ فسروا القرآن برأيهم ، فهل
نُسمِّي ما ورد عنهم تفسيراً بالمأثور ، وما ورد عن غيرهم تفسيراً بالرأي ؟
إن تقسيم التفسير على هذا النحو فيه قصورٌ ظاهرٌ [26]، وذلك لأمرين :
الأول : أن أغلب من قسّم هذا التقسيم جعل حكم المأثور وجوب الأخذ به على
إطلاقه ، مع أن بعضهم يحكي خلاف العلماء في قبول أقوال التابعين ، كما ينسى
حكم ما اختلفوا فيه : كيف يجب الأخذ به مع وجود الاختلاف بينهم ؟
الثاني : أن في ذلك تناسياً للجهد التفسيري الذي قام به السلف ، وتجاهلاً
لرأيهم في التفسير الذي يُعَدّون أول من بذره وأنتجه .
إن هؤلاء السلف قالوا في القرآن بآرائهم ، كما قال المتأخرون بآرائهم ، ولكن
شتان بين الرأيين ؛ فرأي السلف هو المقدّم بلا إشكال .
إن المقابلة بين التفسير بالمأثور (على أنه تفسير القرآن بالقرآن ، ثم بالسنة ،
ثم بأقوال الصحابة ، ثم بأقوال التابعين) والتفسير بالرأي (على أنه ما عدا ذلك)
خطأ محضٌ لا دليل عليه من قول السلف أو من العقل .
إن تسمية تفسير السلف تفسيراً بالمأثور باعتبار أن طريق الوصول إليه هو
الأثر تسميةٌ لا غبار عليها ، وهو بهذا لا يقابل التفسير بالرأي ، بل التفسير بالرأي
ممتزج فيه ؛ لأن من تفسيرهم ما هو نقلٌ لا يصح تركه أو إنكاره ؛ كأسباب النزول ، ومنه ما هو استدلال وقولٌ بالرأي ، وكلا هذين عنهما ؛ إنما طريقنا إليه هو الأثر .
كتب التفسير بين الرأي والأثر :
بناءً على ما وقع من مقابلة التفسير المأثور بالتفسير بالرأي ، وقع تقسيم
التفاسير إلى تفاسير بالمأثور وتفاسير بالرأي ، وقد نشأ بسبب ذلك قصورٌ آخر ،
وذلك في أمرين :
الأول : أنه قَلّ أن تترك التفاسير المعتبرة أقوال السلف ، بل تحرص على
حكايتها ، ومع ذلك تجد أن بعض هذه التفاسير حُكِمَ عليه بأنه من التفسير بالمأثور
والآخر من التفسير بالرأي [27].
والصواب أن يقال : إن المفسر الفلاني مكثر من الرواية عن السلف مكثر من
الاعتماد على أقوالهم ، والآخر مقلّ من الرواية عنهم أو الاعتماد عليهم .
الثاني : أن من حُكِمَ على تفسيره بأنه من التفسير بالمأثور قد حِيفَ عليه
وتُنُوسي جهده الخاص في الموازنة والترجيح بين الأقوال التي يذكرها عن السلف ،
وأشهر مثالٍ لذلك إمام المفسرين ابن جرير الطبري ، حيث يعدّه من يقابل بين
التفاسير بالمأثور والتفسير بالرأي من المفسرين بالأثر ، وهذا فيه حكم قاصرٌ على
تفسير الإمام ابن جرير ، وتعامٍ أو تجاهلٌ لأقواله الترجيحية المنثورة في كتابه .
هل التفسير منسوب إليه أم إلى من يذكرهم من المفسرين ؟ !
فإذا كان تفسيره هو ؛ فأين أقواله وترجيحاته في التفسير ؟ !
أليست رأياً له ؟
أليست تملأ ثنايا كتابه الكبير ؟ !
بل أليست من أعظم ما يميّز تفسيره بعد نقولاته عن السلف ؟ !
إن تفسير ابن جرير من أكبر كتب التفسير بالرأي ، غير أنه رأي محمود ؛
لاعتماده على تفسير السلف وعدم خروجه عن أقوالهم ، مع اعتماده على المصادر
الأخرى في التفسير .
كما أن تفسيره من أكبر مصادر التفسير المأثور عن السلف ، وفَرْقٌ بين أن
نقول : فيه تفسير مأثور ، أو أن نقول : هو تفسير بالمأثور ؛ لأن هذه العبارة تدل
على أنه لا يذكر غير المأثور عن السلف ، وتفسير ابن جرير بخلاف ذلك ؛ إذ هو
مع ذكر أقوالهم يرجِّح ويعلِّل لترجيحه ، ويعتمد على مصادر التفسير في الترجيح .
ولكي يَبِين لك الفرق في هذه المسألة : وازن بين تفسيره وتفسير عَصْرِيّهِ ابنِ
أبي حاتم (ت : 327) الذي لا يزيد على ذكر أقوال السلف ، وإن اختلفت أقوالهم
فلا يرجح ولا يعلق عليها ، أليس بين العالمين فرق ؟
وأخيراً .. هذه بعض قضايا في التفسير بالرأي ، والموضوع يحتاج إلى بحث
أعمق وأطول ، والله الموفق .
________________________
(1) انظر : مقدمة جامع التفاسير ، 93-97 .
(2) انظر : حاشية 7 ، ص 148 ، من كتاب التيسير في قواعد علم التفسير للكافيجي ، وقد استفاد شمس الدين من الراغب ؛ كما يظهر بالموازنة بين قوليهما ، وقد نقل عن شمس الدين كلّ من : الكافيجي في التيسير 145-148 ، والسيوطي في الإتقان ، 4/185 .
(3) انظر : مقدمة جامع التفاسير للراغب (تحقيق : أحمد فرحات) 96 ، وعنه نقل الكافيجي في التيسير ، 148 .
(4) تفسير الطبري (ط : شاكر) ، 1/75 .
(5) انظر : البرهان للزركشي ، 1/92 .
(6) ذم الكلام للهروي (تحقيق : سميح دغيم) ، وشعب الإيمان للبيهقي ، 5/232 .
(7) تهذيب اللغة ، 3/73 .
(8) تهذيب اللغة للأزهري ، 9/20 .
(9) القُصّاص : قوم جلسوا للوعظ والتذكير ، وهم يذكرون آياتٍ وأحاديث يستشهدون بها في أحاديثهم مع الناس .
(10) الناسخ والمنسوخ للنحاس (تحقيق : اللاحم) 1/410 ، ومما ينبغي التنبّه له أن النسخ عند السلف أوسع من اصطلاح الأصوليين ؛ حيث يشمل كل إزالة تكون في الآية .
(11) مجاز القرآن 1/242 .
(12) انظر : تفسير الطبري ، (ط : الحلبي) ، 9/195 197 .
(13) تفسير الطبري (ط : الحلبي) 27/65 66 عند تفسير قوله تعالى : ] الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ [ [النجم : 32] .
(14) انظر : الطبري (ط : الحلبي) 29/38 ، حيث ترجم عن من قال بهذا القول بهذه الترجمة .
(15) انظر : تفسير الطبري (ط : الحلبي) 29/38 وما بعدها .
(16) رواه البخاري تحت تفسير قوله تعالى : ] يوم يكشف عن ساق [ .
(فتح الباري 8/531) .
(17) هذا الموضوع يحتاج إلى بسطٍ أكبر ، وما ذكرته فهو إشارة لا تُغني عن البحث فيه .
(18) مقدمة في أصول التفسير (تحقيق : عدنان زرزور) 79 .
(19) انظر : تفسير الطبري (ط : شاكر) 1/93 .
(20) انظر : تفسير القرطبي 1/34 (بتصرف) .
(21) انظر : مقدمة في أصول التفسير ، (تحقيق : عدنان زرزور) ، ص 81 .
(22) انظر : تفسير القرطبي 1/33 ، ومقدمة في أصول التفسير ، ص 81 وما بعدها .
(23) انظر : تفسير القرطبي ، 15/215 .
(24) تفسير القرطبي ، 3/251 .
(25) تفسير القرطبي ، 3/251 .
(26) قد فصلت القول في مصطلح التفسير بالمأثور ، انظر مجلة البيان عدد 76 .
(27) انظر على سبيل المثال محمد حسين الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) وتقسيمه التفاسير بين المأثور والرأي من غير أن يورد ضابطاً يمكن التعويل عليه في هذا التقسيم ، وقد قلّده آخرون في هذا من غير استدراك ولا تعقيب .

عبدالرحمن الفقيه.
13-03-03, 10:34 AM
أما بالنسبة لطرح الأسئلة على الشيخ فستكون بإذن الله تعالى الأحد القادم ، وذلك بعد وضع ترجمة الشيخ ، وسيكون لطرح الأسئلة موضوعا مستقلا غير هذا .

محمد محمود الحنبلي
01-11-06, 09:07 PM
جزاك الله خيرا ياشيخ عبد الرحمن ...

نسأل الله أن يحفظ الشيخ مساعد وأن يبارك فيه وفي علمه وعمله ...