المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هذه دعوة لطلاب العلم ليذكروا ما ترجّح لهم في مسألة ((( التأجير المنتهي بالتمليك )))


التلميذ
20-03-03, 01:39 PM
لقد وقع في نفسي حكم محدد منذ أن اشتهرت هذه المسألة قبل سنوات ، وإني أدعو الأخوة من طلبة العِلم لأن يبيّنوا ما عندهم في هذه المسألة ، مع تأكيدي على أهمية إعمال النصوص في الباب ، وحسن الاستنباط الفقهي ، والتخريج الأصولي ، مع تذكريهم بما لا يخفى من أن الأصل في المعاملات الإباحة - من جهة - وما هو فاشٍ في كثير من المتشرِّعة من تساهل لا يوافَق أكثرهم عليه مِن جهة أخرى ... ولم يبق إلا أن ننظر في مشاركاتكم غير مأمورين .

[SIZE=3]وإني أدعو شيخنا الفقيه ...
وأدعو ك يا أبا خالد المحقق الموفق ...

وأدعو بقية طلبة العلم لنقل ما يعلمونه في هذه المسألة ، أو نقل ما وقفوا عليه من آراء فيها

عدنان الزهراني
23-03-03, 09:44 AM
التأجير المنتهي بالتمليك،وصفه وحكمه الشرعي
اختلفت وجهات نظر العلماء الكرام في الحكم الشرعي لهذه المعاملة التي انتشر العمل بها اليوم،والناس في أمس الحاجة لبيان حكمها الشرعي،وهو ما لن يتأتى على نحو صحيح ما لم يتم توصيف المعاملة،وتصويرها الصورة المطابقة لما هي عليه في الواقع،ومن ثم تعطى الحكم الشرعي الذي يطابق ما هي عليه،وليس الخطأ في إطلاق الأحكام الشرعية يجيء - في الغالب - من الأدلة بل من تناول الدليل من حيث انطباقه على الحالة التي نبحث الحكم لها ،وهنا سأعمد إلى توصيف المعاملة ومن ثم تطبيق الأدلة الشرعية عليها ليتضح إن كانت مما أحل الشرع أو حرم،كما أتعرض خلال ذلك لأهم الملاحظ الشرعية على ما سأذكره،بإذنه تعالى.
أولا:توصيف تلك المعاملة:
يذهب المرء إلى شركة أو نحو ذلك لشراء سيارة أو غيرها وليس عنده مال يكفي للشراء،أو عنده ولكنه يفضل وجود السيولة بيده،فهو يريد تلك السلعة بالتقسيط،فيجد البائع قد عانى كثيرا من التقسيط،نظرا لكثرة من قصر بل أبى أن يسدد ما عليه،حتى صارت الأموال على الناس عدة ملايين لا يجد حيلة لردها وليس يجد تحت يده من الضمانات ما يفي بالحق أو حتى بشيء منه،فوجد بديلا يمكن من خلاله الرجوع ولو بشيء من الحق،وهي طريقة تأجير تلك السيارة أو المنزل أو نحو ذلك مدة معينة على أنه إن انتهى خلالها من بلوغ مبلغ متفق عليه سابقا يصبح من حقه تملك تلك السيارة،إن رغب في ذلك وعليه عندها أن يدفع مبلغا ماليا لنقل ملكية السيارة أو نحوها له،أو كما هو في بعض الحالات ليس يطلب منه دفع شيء في نهاية تلك المدة.
هذه هي صورة تلك المعاملة،وينص العقد المبرم على أمور أهمها
1-التأجير متضمنا ما جرت عليه عادة الناس في عقد الإجارة بل أفضل في كثير من الحالات،إذ تكون قيمة الإيجار أقل في العادة من قيمة الإيجار في عقود ليس فيها النص على تمليك في المستقبل.
2- ويتضمن العقد النص كذلك على استحقاق ذلك المستأجر بعد نهاية مدة التأجير لتملك تلك السلعة،بشرط سداد جميع المبالغ المتفق عليها،وهو أمر ليس ملزما للمستأجر في حين هو ملزم لتلك الشركة أو نحوها،فللمستأجر الحق بتملكها إن أراد وله صرف النظر عنها.
ثانيا:الحكم الشرعي،المطابق للتوصيف السابق.
لقد أجاز الإسلام الإجارة لكل ما جاز بيعه مما لا تذهب عينه باستعماله،ولا تكاد تجد من يقول بغير هذا القول،من أهل العلم.
وهذا يقتضي جواز هذه المعاملة من حيث هي عقد تأجير،بصرف النظر عن الأمر الثاني وسآتي لذكره،وبيان إن كان له أثر على هذه الجزئية من العقد،إلا أنني أريد استيفاء الحديث عن هذا الشق من العقد قبل الخوض في الشق الآخر،لوجود بعض الملاحظ هنا.
منها قول القائل:يا أخي هذا الرجل الذي رغب في الحصول على تلك السلعة إنما جاء ليتملكها بطريقة البيع بالتقسيط،فحين لم يتح له ذلك الأمر لنظام فرضته تلك الشركة والمؤسسة استأجر تلك السلعة وهو إنما أراد تملكها،بل استأجر ونيته التملك لا الاستئجار،وأنت تعلم من خلال القاعدة المشهورة (العبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني)،وحين تقول لي هذا استئجار أقول لك حسنا هو استئجار بالنسبة لك لا لي،فأنا إنما أردت التملك،ولك أن تعتبرها ما شئت.
ومن هنا ذهب بعض أهل العلم إلى بطلان المعاملة برمتها لأنها تقع على غير ما قصد طرفا البيع،فهما على وجه الحقيقة إنما يريدان البيع لا الإجارة،ولكن كل منهما لجأ لصيغة التأجير فرارا من شيء قد يضر به،فالشركة من أجل ضمان حقها،والمستأجر لأنه لم يتح له شراءها بالطريقة المعتادة في بيع التقسيط،فالنية على شيء والعقد تحدث عن شيء آخر.
هذا الأمر حمل بعض أهل العلم للقول ببطلان المعاملة،بناء على تلك القاعدة.
أقول القاعدة صحيحة إلا أنها لا تتعلق بموضوعنا أصلا،لأنها تتحدث عن قصد المتكلم حين يقول أمرا وهو يريد غيره،أو يعقد عقدا متضمنا شيئا وهو يريد آخر،فيصرح لدى مباشرة آثار ذلك العقد أو القول أنه لم يرد ما تناوله بقوله من حيث الصيغة ولم يرد ما تضمنه العقد الذي أبرم معه من مضامين،فعندها لدى الفصل بين طرفي المعاملة يقوم كل منهما فيحدد مراده الذي يصبح لازما ويعتبر بعد بيانه جزءا من الصيغة وملحقا بها،وإلا فللقضاء أن يقول قولته ضمن تفصيلات ليس هذا محل بيانها،على أن للقاعدة أيضا استثناءات في أمور كالعتق ونحوه،فهو مما لايسوغ قبول زعمه أنه لم يكن يقصد العتق لو تلفظ بقوله أنت حر لعبده،فهل العبرة هنا للفظ أو للقصد،بل لا يلتفت للقصد أصلا.
على كل ليس لهذه القاعدة دخل فيما نحن بصدد الحديث عنه،وذلك لأنهما وإن نويا أمرا مختلفا عن الصيغة،إلا أنهما لدى مباشرة آثار العقد باشراه وهما يعلمان أنها يباشران عقد تأجير،وهو واضح غاية الوضوح لدى كل منهما،وليس يأتي يوم يقول فيه أحدهما والله يا أخي الصيغة تأجير ولم أفهم أنه تأجير بمعنى التأجير،بل ظننت أن عبارة تأجير تعني بيع،بالله عليكم هل يقول ذلك أحد،ثم أليس هو مضحك لدى أدنى تأمل،ولذا صح يقينا أن القاعدة لا تتناول ما نحن بصدده،فكل منهما عقد مريدا للبيع ولكنه يفهم أنه حيل بينه وبين البيع بصيغة لا تحتمل البيع مما يجعله حال مباشرة العقد قاصدا للتأجير ولا يفهم من العقد سوى هذا،فلو قدرنا أن زاعما قال ياأخي بل أردت بصيغة التأجير البيع،نقول له هذا لا يقبل منك لعدم احتمال الخطأ في فهم عبارة تأجير.
والآن هل من ملاحظة أخرى على هذا الشق من العقد، الجواب نعم ،فهناك من ينتقد العقد لوجود احتمال سحب السلعة المستأجرة من تحت يد المستأجر حين يتأخر في سداد ما عليه،وياله من منظر مأساوي أن يخرج الرجل من بيته ليتجه إلى العمل ثم لا يجد السيارة أمام المنزل (هذا كمثل)،ليس لأنها مسروقة بل لأن شركة التأجير قد سحبتها،ويظل ساخطا ويقول والله لا يجوز التأجير المنتهي بالتمليك (هكذا يفتي ولعله لا يصلي و يقسم لصحة مذهبه)لأن الشركة أكلته مقلبا،وسحبت سيارتها(التي يظنها سيارته) دون إنذار.
طيب تصور أنك استأجرت سيارة من شركة تأجير لا تبيع السيارات أصلا فهي شركة تأجير من الألف إلى الياء،ثم أتت وسحبت السيارة نظرا لعدم سدادك المبالغ المترتبة هكذا لعدة أيام،هل ستغضب،أو تطنش،وخليهم ياكلوا هواء،والله ما يشوفوا مني قرشا!
أخي أنا أتحدث عن واقع وليس عن خيال،وتصور لو كنت أنت صاحب الشركة،هل ستفعل فعله؟
قد تقول يا أخي أغراضي الشخصية وأوراقي و..و.. ،فأقول لك يداك أوكتا وفوك نفخ،ماذا تصنع لك الشركة إذا تأخرت عن السداد عدة أشهر هل تسلم على رأسك لتعطيها حقها،ثم الرسول صلى الله عليه وسلم يقول المسلمون على شروطهم،وبالفعل هم يخبرونك أن السيارة سوف تسحب إن لم يتم السداد،والواقع أنهم لا يفعلون ذلك إلا بعد عدد من التحذيرات،ولكنك لا تبالي،وهو من حقهم،وهو مما لا أثر له في صحة العقد من هذه الحيثية،ولا أظن طالب علم يحكم ببطلان هذه المعاملة من هذه الحيثية.
بقي أن من الذوق وحسن التعامل ألا تعمد الشركة لهذا الأمر سوى كحل أخير مع التأكيد على العميل بل الاشتراط عليه ألا يدع شيئا مهماً في السيارة وإلا فهم غير مسؤولين عنه لو سحبت،وعلى الشركة التأكيد أيضا للمستأجر بهذه الطريقة أن سيارته سوف تسحب في غضون مثلا ثلاثة أشهر لعدم السداد،هذا من الذوق ومما يقلل الخصومة،وهو ما أنصح الشركات لاشتراطه على المتعاملين معها بهذه الطريقة،
والآن هل من ملاحظ أخرى على العقد في شقه الأول.
الجواب كلا،فلا أتصور وجود ملاحظ سوى ما ذكرت،والآن أعمد لبيان ما يتعلق بالشق الثاني للعقد من الوجهة الشرعية،وبيان مدى تأثيره على العقد بكامله من حيث الصحة والجواز.
الشق الثاني،أو الجزئية الأخرى التي هي محل نظر من العلماء بارك الله عليهم.
والسؤال هل الانتهاء بالتمليك المذكور في العقد لدى تلك الشركات جاء بصيغة شرط،أو بصيغة عقد كامل معلق بشرط.
وفي الواقع لا سبيل لقول ثالث،فهو إما من قبيل الشرط،أو من قبيل العقد المعلق بشرط،ولدى التأمل نجده من قبيل العقد الموعود به أو المعلق بشرط،لأن الشروط بذاتها داخلة في صلب العقد ولها أثرها فيه بدءا من توقيعه،وهو ما لا نراه هنا فلا يسوغ اعتبار ذلك الشق من قبيل الشروط لهذا السبب وهو أنها مما لا أثر له في بدء العمل بالعقد،ولو اعتبرناه من قبيل الشروط لاحتجنا لدراسة مدى صحته ومدى ما له من أثر في صحة العقد،وهو ما أجدني في غنى عن بحثه هنا.
بقي أن الشق المذكور آنفا يعتبر عقدا معلقا على شرط،أي موعود به،وهو وإن دخل في صلب بنود تلك العقود إلا أنه من قبيل التعليق لا التنجيز،فهنا لدينا عقد إجارة،ووعد بالبيع معلق بشرط،في العقد ذاته.
وهل لهذا أي أثر في العقد برمته؟
أخي لكي تتضح الصورة أقول:
لو استأجرت سيارة أو دارا بألف ريال شهريا،ووقعت عقد الإجارة وليس في النية تملك تلك السلعة،ويقيت تسدد الإيجار لعدة أشهر،هل يقول أحد بعدم صحة هذا العقد،ثم بدا لك أن تشتري تلك السيارة أو الدار بعد تلك المدة فذهبت إلى صاحب الدار وقلت له أريد أن اشتري دارك أو سيارتك ولكن ليس لدي من المال ما يكفي الآن،وأرغب إليك أن تعدني بألا تبيعها حتى أؤمن لك قيمة السيارة مثلا،وهي عشرة آلاف ريال بعد سنة،والتزم لك بذلك خطيا،وقال لك يا أخي أعدك بذلك وألتزم لك به،وليس ذلك ملزما لك،والأمر إليك عند حلول الأجل المتفق عليه،فإن شئت اشتريت أو تركت.
هل هذا يصح عند أهل العلم؟
نعم،وهذا وعد بالبيع وليس مع من أبطله من أهل العلم دليل (وهي مسألة الوعد بالبيع المشهورة عند أهل العلم)ودليل صحتها ما ثبت من الأحاديث مما يوجب الوفاء بالوعود كقوله صلى الله عليه وسلم(آية المنافق ثلاث ..وذكر إذا وعد أخلف)المهم أن القضاء يوجبه عند الاختلاف وهو المعمول به الآن في معظم محاكم الدنيا،فأكثر العقود من العقود الموعود بها خصوصا على المستوى الصناعي وقطاع الخدمات،فأنت تستقدم ألف عامل بعقد موعود به غير منجز ولا يبدأ أثره إلا في وقت لاحق،فهل يوجد اليوم من لا يلزم به من أهل العلم(هذا قضاء)،فحين يصح العقد الموعود به ويلزم العمل به عند حلول الأجل المتفق عليه في هذه الصورة الأخرى،فما المانع الشرعي أن يصح العمل به حين نضم الورقتين معا،أعني في المثال السابق عقد التأجير،المنجز،وعقد البيع الموعود به،فنحن لم نزد أن جمعنا بين العقدين المنجز وهو الإجارة والموعود به وهو البيع في ورقة واحدة،وحين لا يصح ذلك ويصح في ورقتين منفصلتين هذا ما لا نفهمه.
قد يقال بل هو عين ما ثبت نهي الرسول  عنه من حديث أبي هريرة قال إن النبي  نهى عن بيعتين في بيعة ،وكذا ما جاء عن ابن مسعود في النهي عن صفقتين في صفقة،وهو وإن كان الأصح وقفه إلا أنه بمعنى الذي قبله ،فما هو الجواب عن ذلك،وإذا لم يكن جواب صحيح فلا ريب عندها للقول بعدم صحة هذا العقد برمته،لأنه من باب بيعتين في بيعة.
والجواب جد يسير ذلك أنني ولدى جمعي للصور التي ذكرها العلماء في شرح هذا الحديث لم أجد منها صورة التأجير أصلا فكل ما يذكرونه صور تتعلق بالبيع وليس للإجارة ذكر،بل لقد ذكر ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داوود بعد ذكر بعض صور البيعتين في بيعة نفاها جميعا وضعف انطباق النص عليها وجعل الصورة الوحيدة التي ينطبق عليها النهي هي ما عرف ببيع العينة ونح هنا ليس منه في ورد أو صدر،وإليك قول ابن القيم القيم،قال في الحاشية ج: 9 ص: 247:"وللعلماء في تفسيره(أقول:بل هناك خمسة تفاسير أخرى) قولان،أحدهما أن يقول:بعتك بعشرة نقدا، أو عشرين نسيئة،وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك ففسره في حديث ابن مسعود قال نهى رسول الله عن صفقتين في صفقة قال سماك الرجل يبيع الرجل فيقول هو علي نساء بكذا وبنقد بكذا،وهذا التفسير ضعيف؛فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة،ولا صفقتين هنا،وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين،والتفسير الثاني أن يقول:أبيعكها بمائة إلى سنة،على أن أشتريها منك بثمانين حالة،وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره وهو مطابق لقوله فله أوكسهما أو الربا؛فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما وهو مطابق لصفقتين في صفقة فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد وهو قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين فإن أبي إلا الأكثر كان قد أخذ الربا،فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه وانطباقه عليها،ومما يشهد لهذا التفسير ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي أنه نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع،فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلا منهما يؤول إلى الربا لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا"ولي مع قوله رحمه الله تعالى عدة وقفات إلا أن المقصود هنا واضح.
وعلى كل ليس ضروريا أن تكون الصورة التي ينطبق عليها النص مما ذكره علماؤنا،لأننا نعلم أن شرعنا لكل زمان ومكان فلعل صورة حادثة توافق ما نهى  عنه فنحرمها حتى ولو لم نجد قائلا بها من العلماء باعتبارها نازلة،وهذه من أهم ميزات التشريع الإسلامي، وليس من مانع لتحريم هذه الصورة والقول ببطلان هذا العقد لو قدر أنها مما يتناوله الحديث السابق بالنهي،إلا أن دون ذلك أمور،منها أن النهي يتعلق بصفقتين معا وبيعتين معا أحداهما ينشأ أثرها مع الأخرى،ولا يقال بيع أو صفقة من حيث الاستعمال اللغوي إلا على ما أنجز،فكل بيع موعود به لا يسمى بيعا على سبيل الإطلاق،بل لا بد من إضافته إلى المستقبل،والقول ذاته يقال عن الصفقة،فليست تطلق العبارة إلا على ما كان ناجزا،وحين تكون معلقة فإنها تضاف إلى ما علقت به،فهنا لدينا عقد التأجير،أو صفقة الإجارة،وهي منجزة،وصفقة البيع الموعود به وهي غير منجزة،فكيف يصح تناول الحديث وانطباقه على الصورة المذكورة،وهما أمران أحدهما منجز والآخر ليس كذلك،هذا ما لا يصح ولا يجوز لغة أو شرعا،لأن النهي عن بيعتين لا عن بيع أو صفقة منجزة وأخرى معلقة،وحيث لا يتناول النص تلك الصورة ولا ينطبق عليها فليس مما حرم الإسلام أو نهى عنه الشرع،وقد قال تعالى:" وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه"،ثم الأصل في هذا الباب الجواز،وليس مع من جعل الأصل المنع دليل يصلح للاحتجاج به لما ذهبوا إليه،قال الشوكاني في السيل الجرار( ج: 4 ص: 108):"أخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها،وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم؛فحرم من أجل مسألته،وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وفي الباب أحاديث شاهدة لثبوت أصالة الحل في كل شيء ما لم ينقل عنه ناقل تقوم به الحجة"،ولذا لا مساغ للقول بتحريم مثل هذه المعاملة،أو ببطلانها.
وهل بقي شيء؟
نعم بقي أمر الصيغة التي أزعم أنها أهم سبب جعل الكثيرين يذهبون إلى تحريم هذه المعاملة،ويظنونها من قبيل الصفقتين في صفقة،وهو صحيح لأول وهلة،ذلك أن عبارة التأجير المنتهي بالتمليك،توحي كما لو كان التأجير والتمليك ناجزين،وهو ما ليس منصوصا عليه في العقد،بل مجرد تسمية للعقد بغير اسمه،لأن الواقع أنه عقد تأجير منتهي تماما لتبدأ معاملة جديدة هي ما سبق الوعد به من طرف واحد (وهو الشركة) حيث سوف يتأمل المشتري أمره،إن أراد الشراء وإلا فلا،فهو كما لو جاء للتو وليس مما تربطه بتلك السلعة أية صلة ليشريها بناء على وعد من البائع معلق بهذا الوقت،وهو ملتزم بإبراز السلعة للمشتري ليرى رأيه،فإن أعجبته أخذها وإلا فلا،ولذا لو جعلنا اسم العقد التأجير مع الوعد بالبيع لسلم العقد من الطعون التي وجهت إليه ولوجدنا الغالبية لا تتحرج من القول بجواز مثل هذه المعاملة،وسيقال هو تأجير مع الوعد بالبيع.
فأنا أنصح الشركات لتغيير اسم العقد ولا بأس لو بقي ما سوى ذلك على حاله ليصبح اسم العقد التأجير مع الوعد بالبيع(وهو ما يعبر عن الواقع).
وهل بقي شيء؟
نعم
إنه الغرر،حيث قد تقرر سلفا ثمن السلعة التي لا يدرى ما الحالة التي ستكون عليها عند حلول الأجل الموعود به،فهي إن كانت بحالة جيدة فلعل الثمن المقرر لا يكون مناسبا للشركة،وإن كان غير ذلك لن يكون الثمن مناسبا للمشتري،فما أثر هذا على العقد؟
أقول ليس له أثر باعتبار الشركة ملزمة بالبيع لذلك الرجل بعينه،عند حلول الأجل ولكنها ليست ملزمة بالبيع مع الإجحاف بحقها،مثل أي معاملة لا صلة لها بموضوعنا،كأن يأتي رجل ليشتري سلعة بثمن اتفق عليه مع البائع وتم توقيع العقد على هذا الأساس ثم علم البائع أنه غبن فهو بخير النظرين إما أن يأخذ ما نقص من الثمن أو الفسخ،مثل تلقي الركبان،والعكس صحيح لو كان المشتري هو المغبون،فإن تراضيا على ذلك وإلا رجعا إلى القضاء،وقد ترى الشركة أنها في حل من وعدها لسبب من الأسباب،أقول لا ليست في حل والقضاء يلزمها،فليس لها أن تقول لن أبيع لك وسأبيع لغيرك بعد وعدها للرجل،بيد أنها في حل لو أحلها المستأجر من وعدها.
وعلى كل ما ذكرته هنا نظري بحت،لأن معظم الشركات من خلال الخبرة علمت عدة أمور :
الأول:أن هذا العقد يناسبه أن تكون مسؤولية الضمان والصيانة عليها خلال مدة العقد،كاملة حتى تبقى تلك السلعة سليمة إلى أفضل حد ممكن.
ثانيا:رأوا التأمين على السيارة أيضا لهذا السبب.
ثالثا:غالبا ما يوضع ثمن الشراء بأقل بكثير من ثمن السوق لا لأن الشركة قد غرر بها بل لأنها ترى أن من حق ذلك المستأجر أن ينال ميزة على غيره،أما حين يرى المشتري أنه المغبون وهو قليل فله أن يصرف النظر عن السلعة،ولا حرج عليه.
هل بقي شيء؟
نعم،إن طريقة البيع هذه أوجدت سبيلا شرعيا لضمان الحقوق ولجميع الأطراف،وهي قد أوجدت تيسيرا لا يحس به من لم يذق طعم الفقر أو الحاجة يوما نظرا لما تفضل عليه الله تعالى،وليس هينا القول بالتحريم(وهو هين جدا لو كان هو الصواب)إلا على من يجد ما يشتري به كل ما يريد هو وأبناؤه،ولكنه كالغل على آخرين لا تزيد دخولهم عن شيء لا يكفي غيرهم عدة أيام،ولا يجدون من يكفلهم ليشتروا بالتقسيط،ولا يجدون ما يستطيعون به الاستئجار بالطريقة المعتادة،لأن الاستئجار بها بفوق الاستئجار بالطريقة التي ندرسها كثيرا بما لا يقل عن نحو الضعف،فمثلا تستأجر السيارة بهذا النظام الذي ندرسه بنحو 33ريال يوميا،في حين لا يكاد يجد المرء سيارة يستأجرها في الحالة المعتادة لتأجير السيارات بنحو 70ريالا،انظر الفرق،وستقول مثل هذا الرجل قد لا يستطيع إتمام السداد،فالذي منه هربت الشركات وقعت فيه،أقول هذا صحيح ولكنهم يجدون سيارة بين أيديهم يرجعون منها ببعض حقهم،وهناك فائدة لا تكاد تقاس بثمن وهي أن ذلك المستأجر بهذه الطريقة التي ندرسها حين يعجز يقوم برد السيارة،وتبقى رقبته مرفوعة،وانظر الصورة في حالة ما إذا اشتراها بالتقسيط لعله يبيع السيارة لأنه محتاج،ثم يتصرف في ثمنها،لأنه محتاج،ثم يسجن لعدم قدرته على السداد لأنه محتاج،ولذا كان الأنسب له التأجير مع الوعد بالبيع.
وهل بقي شيء؟
لا
هذا أهم ما لدي والله ولي التوفيق.

كتبه
عدنان بن جمعان الزهراني - إمام جامع النهضة – جدة - 054686397

التلميذ
23-03-03, 10:52 PM
جزاك الله خيرا على هذا البيان الضافي ، والبحث الشافي ، وأسأل الله تعالى أن يزيدك علما وفقها ، وأن ينفع بك الأمة .... والدعوة موصولة لأهل العلم وطلابه لبيان قولهم ومنقولهم ليصبح هذا الموضوع مجتمعاً للأقوال في هذه المسألة ، والأمر - كقول أخي عدنان - مهم في واقع الناس ، ثم إن الحرب وما يخشى من أثرها تزيد من حاجة الناس للسؤال عن أمورهم المالية من ادخار وبيع وشراء ...الخ ، فهذه دعوة لإثراء الموضوع ، مذيلة بعطف أولها على آخرها بالدعاء للأخ عدنان الزهراني بارك الله له في علمه وعمره وأهله وماله .

عدنان الزهراني
24-03-03, 05:18 AM
أخي
السلام عليكم
ولك مني خالص الدعاء والشكر

المحب
عدنان

العملاق
24-03-03, 11:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بشأن الإيجار المنتهي بالتمليك


الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، وبعد :
فإن مجلس هيئة كبار العلماء درس موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك في دورته التاسعة والاربعين ، والخمسين ، والحادية والخمسين ، بناء على استفتاءات متعددة وردت إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء ، واطلع على البحوث المعدة في الموضوع من قبل عدد من الباحثين .
وفي دورته الثانية والخمسين المنعقدة في الرياض ابتداء من تاريخ 29/10/1420 هـ . استأنف دراسة هذا الموضوع ، وبعد البحث والمناقشة رأى المجلس بالأكثرية أن هذا العقد غير جائز شرعا لما يأتي :
أولا : أنه جامع بين عقدين على عين واحدة غير مستقر على احدهما وهما مختلفان في الحكم متنافيان فيه . فالبيع يوجب انتقال العين بمنافعها إلى المشتري ، وحينئذ لا يصح عقد الإجارة على المبيع لأنه ملك للمشتري ، والإجارة توجب انتقال منافع العين فقط إلى المستأجر . والمبيع مضمون على المشتري بعينه ومنافعه ، فتلفه عليه عينا ومنفعة ، فلا يرجع بشيء منهما على البائع ، والعين المستأجرة من ضمان مؤجرها ، فتلفها عليه عينا ومنفعة ، إلا أن يحصل من المستأجر تعد أو تفريط .
ثانيا : أن الأجرة تقدر سنويا أو شهريا بمقدار مقسط يستوفى به قيمة المعقود عليه ، يعده البائع أجرة من أجل أن يتوثق بحقه حيث لا يمكن للمشتري بيعه .
مثال ذلك : إذا كانت قيمة العين التي وقع عليها العقد خمسين ألف ريال وأجرتها شهريا ألف ريال حسب المعتاد جعلت الأجرة ألفين ، وهي في الحقيقة قسط من الثمن حتى تبلغ القيمة المقدرة ، فإن أعسر بالقسط الأخير مثلا سحبت منه العين باعتبار أنها مؤجرة ولا يرد عليه ما أخذ منه بناء على أنه استوفى المنفعة . ولا يخفى ما في هذا من الظلم والإلجاء إلى الاستدانة لايفاء القسط الأخير .
ثالثا : أن هذا العقد وأمثاله أدى إلى تساهل الفقراء في الديون حتى أصبحت ذمم كثير منهم مشغولة منهكة ، وربما يؤدي إلى إفلاس بعض الدائنين لضباع حقوقهم في ذمم الفقراء .
ويرى المجلس أن يسلك المتعاقدان طريقا صحيحا وهو أن يبيع الشيء ويرهنه على ثمنه ويحتاط لنفسه بالاحتفاظ بوثيقة العقد واستمارة السيارة ونحو ذلك .
والله الموفق .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

هيئة كبار العلماء :

رئيس المجلس
عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ .
صالح بن محمد اللحيدان .
راشد بن صالح بن خنين .
محمد بن إبراهيم بن جبير . له وجهة نظر مخالفة لهذا القرار .
عبدالله بن سليمان بن منيع . لي وجهة نظر مخالفة لهذا القرار .
عبدالله بن عبدالرحمن الغديان .
د/ صالح بن فوزان الفوازان .
محمد بن صالح العثيمين .
عبدالله بن عبدالرحمن البسام . غير موافق على تحريم العقد . ناصر بن حمد الراشد .
محمد بن عبدالله السبيل .
د/ عبدالله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ .
محمد بن سليمان البدر .
عبدالرحمن بن حمزة المرزوقي .
د/ عبدالله بن عبدالمحسن التركي .
محمد بن زيد آل سليمان .
د/ بكر بن عبدالله أبو زيد .
حسن بن جعفر العتمي .
د/ عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان .
د/ صالح بن عبدالرحمن الأطرم . لم يحضر لمرضه

http://www.saaid.net/fatwa/f29.htm

العملاق
24-03-03, 11:46 AM
السؤال : هل يجوز تعجيل التملك في الإيجار المنتهي بالتمليك ؟
الجواب :
أولا : الإيجار المنتهي بالتملك هو شرعا عقد إجارة ولو كان محل الإجارة سيؤول - بالوعد - إلى المستأجر في نهاية مدة الإجارة ولا بد من تطبيق أحكام الإجارة على هذا العقد إلى أن يتم بيع محل الإجارة أو هبته إلى المستأجر بإيجاب وقبول في حينه
ثانيا : إذا رغب المستأجر ) في الإيجار المنتهي بالتمليك ( بتعجيل التملك لمحل الإجارة بالشراء قبل انتهاء مدتها فإن العبرة بالثمن الذي يتم عليه الاتفاق بين الطرفين سواء أكان بمقدار ما بقي من أقساط الإيجار أم بأقل أو بأكثر لأن العبرة بحصول التراضي على الثمن في عقد البيع
ثالثا : في حالة الإيجار المنتهي بالتمليك يجوز للمالك المؤجر أن يصدر وعدا بأن يبيع محل الإيجار إلى المستأجر في مواعيد مختلفة بأثمان مختلفة يختار المستأجر أحدها مستقبلا ويجرى بموجبه البيع بين الطرفين في حينه بين الطرفين
http://www.albaraka.com/resource/fatawi/rental/doc26.html

الفتاوى الشرعية : الإجارة : التأجير المنتهي بالتمليك
----------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
أنا طالب في كلية الشريعة أكتب بحثا عن التأجير المنتهي بالتمليك، أرجو من حضرتكم أن تفيدوني بأسماء الفقهاء والدكاترة الأكارم وأسماء بعض الكتب التي تناولت الموضوع.
وجزاكم الله عني كل خير



الفتاوى الشرعية : الإجارة : التأجير المنتهي بالتمليك
-----------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فالتأجير المننتهي بالتمليك موضوع جديد على الساحة البحثية، وقد كتب فيه أحد الخريجين الأفاضل في الكويت رسالة دكتوراه، وتخرج بها من الأزهر الشريف قبل اقل من سنة، وهو الدكتور بدر القناعي (أبو البراء)الوكيل المساعد في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت، فيمكن الاتصال به بالبريد وسؤاله عن مراجعه والاستفادة من ذلك، وهو من أكابر القوم وذوي الأخلاق الفاضلة، ولا يضن على أحد بمساعدة عليمة.
والله تعالى أعلم.
____________________________
أ. د. أحمد الحجي الكردي
http://islamic-fatwa.net/viewtopic.php?TopicID=3490

العملاق
24-03-03, 11:54 AM
الموضوع الثالث : الإيجار المنتهي بالتمليك

v تعريفه؟

v أصله ومنشؤه؟

v الخلاف الفقهي المعاصر حوله؟

v الشروط والتعديلات التي يتطلبها بعض العلماء لجوازه؟

v قرارات الهيئات والمجامع؟

v الإيجار المنتهي بالبيع؟

v الإيجار المنتهي بالهبة؟

v حقوق الطرفين عند التخلف عن السداد؟

v حقوق الطرفين عند إفلاس أحدهما؟

v حقوق الطرفين عند تلف السلعة؟

v الطرف الذي يتحمل الضرائب والرسوم ونفقات الصيانة والإصلاح والتامين؟

v نماذج العقود؟

http://islamiccenter.kaau.edu.sa/Mag/Elanat_3.HTM


في بحث للدكتور شوقي احمد ..
التأجير المنتهي بالتمليك أداة تجارية تمويلية مقبولة شرعا





تناول الدكتور شوقي أحمد دنيا استاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر الشريف موضوع الإجارة المنتهية بالتمليك ضمن فعاليات مجمع الفقه الاسلامي المنعقد في مدينة الرياض.. وقد أشار في بحثه الى زهمية الايجار المنتهي بالتمليك باعتباره من ادوات التمويل في المعاملات العصرية مفرقا بين الإجارة التشغيلية والإجارة المالية وقد تم استعراض هذا البحث في جلسة يوم الاثنين 27/6/1421هـ ولأهمية هذا البحث تنشره "الرياض" كما ورد في نصه المقدم لمؤتمر مجمع الفقه الاسلامي.

الإجارة أداة من أدوات التمويل المعتد بها في الاقتصاد الوضعي وفي الاقتصاد الاسلامي وهي أداة ذات مقومات وخصائص تميزها عما عداها من ادوات التمويل الأخرى (1) وقد تعرضت هذه الأداة القديمة الى الكثير من التعديلات كي تتلاءم ومتطلبات الحياة المعاصرة, وحتى تتمكن من تلبية اكبر قدر ممكن من احتياجات المؤجر في المقام الأول والمستأجر في المقام الثاني.

وقد وصلت هذه التعديلات الى درجة جعلت من صيغة الإجارة صيغتين الصيغة القديمة او التقليدية المعروفة, والصيغة الحديثة التي هي من حيث الجوهر قد لا تمت للاجارة بصلة او بعبارة أخرى لا تأخذ من الإجارة الا اسمها والتطبيق المعاصر (2) اصبح يعرف جيدا مصطلحين متمايزين تماما, مصطلح الإجارة التشغيلية Operating Lease ومصطلح الإجارة المالية Finacial Lease وبحثنا هنا منصب على الإجارة المالية والتي من فصيلتها الإجارة المنتهية بالتمليك بحكم انها الصيغة الأحدث من جهة, والتي تداعب مصالح أجهزة التمويل المعاصرة من جهة ثانية.

لكننا لن نغفل التعرض السريع للإجارة التشغيلية لعوامل عديدة من أهمها انها أمكن من الناحية الشرعية ثم انها لم تفقد صلاحيتها بل وفعاليتها التمويلية حتى في عصرنا هذا, خاصة اذا ما طورت من ناحية التصكيك (Securitization) بمعنى ايجاد "سندات او صكوك لها قابلة للتداول (3), ومن ناحية استخدامها من خلال صيغ أخرى كالوكالة والمضاربة.. الخ وبغض النظر عن ذلك فانها في ظل البيئة الاسلامية المعاصرة وما لها من خصائص اقتصادية مازالت لها مكانتها التمويلية.

اما بالنسبة للاجارة فلنا معها وقفات طوال تغطي فيها بقدر الامكان اهم محاورها, والتي منها قضية المفاهيم والمصطلحات والصور المتعددة التي تتبدى فيها والتي تضفي على الموضوع قدرا كبيرا من الغموض بل واللبس, ثم تبريرات ظهور هذه الصور المتعددة والدوافع وراءها وهل كان وراء ذلك عجز الإجارة التشغيلية عن تلبية متطلبات جديدة أم عجز صيغ أخرى جعلت الفكر المالي يلجأ الى الإجارة مستخدما لها لكن مع خروج بها عن مألوفها؟ ثم ما هي الفوائد التي تحققها هذه الصيغة او هذه الأداة لكل من المؤجر والمستأجر والاقتصاد القومي عموما؟.

وما هي الثغرات او المشكلات التي تثيرها هذه الأداة من الناحية العملية؟ ثم ما هو موقعها على خريطة التمويل للمصارف الاسلامية؟ وأخيرا موقف الفقه الاسلامي منها.

1 ـ الإجارة التشغيلية: مفهومها وأهمية التمويل بها:

أ ـ لو نظرنا لها من الناحية الشرعية والقانونية فهي عقد بين طرفين على تمليك منفعة (4) يستوي في ذلك ان تكون المنفعة منفعة اصل مالي مثل الآلة والعقار.. الخ, وان تكون منفعة انسان ما.

والمهم في الموضوع ان تكون المنفعة مباحة شرعا وان تكون قابلة للانفصال عن الاصل دون هلاكه مباشرة وان تكون معروفة محددة بشكل يمنع الجهالة المفضية الى النزاع الى آخر ما هنالك من اشتراطات شرعية تستهدف جميعها قيام هذا العقد بانتاج آثاره وتحقيق مقصوده على الوجه الأمثل.

ولو نظرنا لها من الناحية الاقتصادية فهي نشاط اقتصادي تبادلي قد يدخل في نطاق التجارة اذ هي قرينة البيع او أحد فروعه.

ولو نظرنا لها من الناحية المالية فهي نشاط تمويلي وان كان البعض يتحفظ على ذلك ناظرا لها على انها نشاط تجاري (5) لكنها عن التحقيق لا تخلو من عناصر تمويلية بارزة اذا ما فهمنا التمويل بمعناه الواسع ويزداد بروز الجانب التمويلي فيها بتأجيل الإجرة أو الأجر وكذلك بايجاد صكوك لها.

وبخصوص مدة الإجارة لم يضع الفقه في ذلك شروطا حاسمة, اللهم الا شرطا واحدا هو ان تظل العين خلالها صالحة لتقديم هذه المنفعة طالت المدة أو قصرت (6) ومن الواضح أن هذا الأمر ظني , متوقف على غلبة الظن والتوقع والا فهناك عوامل متعددة لا يمكن التأكد منها, لها دورها الحاسم في تحديد العمر الانتاجي للأصل المنتج اذن هي قابلة لامتداد المدة امتدادا طويلا بطول عمر الاصل المنتج للمنفعة, وهذه قضية مهمة نتعرف عليها بعد استعراضنا للاجارة المالية.

ومن الجوانب الفقهية او الشرعية ذات الاهمية هنا ما يتعلق باللزوم والجواز في عقد الإجارة فهل الإجارة عقد لازم ام عقد جائز؟ أم هي عقد لازم لطرف وجائز للطرف الثاني؟ (7) وايضا فان لهذه الزواية اهمية كبرى في عصرنا الحاضر كما سنرى عند دراستنا للاجارة المالية.

وأخيرا فان مسألة الصيانة والنفقة والضمان من المسائل بالغة الأهمية في ضوء التطور الحديث الذي جاء لنا بالإجارة المالية والمدون في فقه الإجارة انه لا ضمان على المستأجر الا بالتفريط او التعدي وما عدا ذلك فاشتراطه مناف لمقتضى العقد, ومن ثم فلا يصح, والمعروف كذلك لدى جميع الفقهاء ان صيانة الأصل المؤجر على المؤجر وليس على المستأجر ولو اشترطه على المستأجر فهو شرط فاسد لا أثر له, لكن حقيقة الصيانة وبنودها كل ذلك راجع الى العرف السائد والتأمين على سلامة الاصل مسؤولية المؤجر, لكن من حقه ان يوكل المستأجر في القيام بذلك على اساس انه اصبح جزءا من الأجرة المقررة (8), والمهم في الأمر كله الا يؤدي شيء من ذلك الى جهالة الأجرة ومن ثم الغرر والافضاء الى النزاع وبالتالي عدم قيام عقد الإجارة بتحقيق المقصد منها..

ب ـ أهمية التمويل بالإجارة:

يوفر التمويل بالإجارة للحياة الاقتصادية خدمات عديدة لا ينهض التمويل بغيرها بتوفيرها لما هنالك من تمايز في الخصائص والطبائع بين كل أداة تمويلية واخرى فليس كل فرد في حاجة الى منفعة ما بقادر على تملك الاصل المنتج لهذه المنفعة ومن ثم يقف عاجزا عن اشباع هذه الحاجة مما قد يرتب المزيد من المضار الاقتصادية. فهل كل مزارع لديه القدرة على امتلاك جرار زراعي او طلمة مياه او محراث؟ وهل كا صانع لديه القدرة على امتلاك محل لصناعته؟ وكذلك الحال في التاجر وفي الطبيب وغيرهما بل هل كل فرد بقادر على ان يؤمن بنفسه ولنفسه كل الخدمات المحتاج اليها من علاج لتعلم لتصنيع لما يحتاجه من حاجات غير محدودة في انواعها ونوعياتها؟ من هنا تظهر اهمية الإجارة على مستوى المستأجر, وعلى مستوى الاقتصاد القومي, ولا تقل اهميتها على مستوى المؤجر عن هذه الأهمية, فليس كل صاحب مال بقادر على استغلال ماله وتوظيفه بنفسه او براغب في ذلك وهو في الوقت ذاته غير مستغنى عنه. فلا هو بقادر او راغب في تشغيله, ولا هو براغب في نفس الوقت في التخلص منه بالبيع وبذلك يبقى المال معطلا من جهة ويبقى الخبرة والصنعة والحرفة. وهنا تجيئ الإجارة لتواجه هذه الوضعية (9) ومما هو جدير بالاشارة ان فقهاءنا القدامى قد اشاروا الى ذلك ونبهوا عليه في تراثنا الفقهي العريق, يقول ابن قدامة: "ان الحاجة الى المنافع كالحاجة الى الأعيان فلما جاز العقد على الأعين وجب ان تجوز الإجارة على المنافع ولا يخفى ما بالناس من الحاجة الى ذلك فانه ليس لكل احد دار يملكها, ولا يقدر كل مسافر على بعير او دابة يملكها, ولا يلزم اصحاب الأملاك اسكانهم وحملهم تطوعا وكذلك اصحاب الصناعئع يعملون بأجر ولا يمكن كل احد عمل ذلك, ولا يجد متطوعا به فلابد من الإجارة لذلك, بل ذلك مما جعله الله طريقا للرزق حتى ان اكثر المكاسب بالصنائع (10) ويقول الكاساني: "ان الله تعالى انما شرع العقود لحوائج العباد, وحاجتهم الى الإجارة ماسة, لأن كل واحد لا يكون له دار مملوكة يسكنها او ارض مملوكة يزرعها او دابة مملوكة يركبها, وقد لا يمكنه تملكها بالشراء لعدم الثمن ولا بالهبة والاعارة لأن نفس كل واحد لا تسمح بذلك فيحتاج الى الإجارة فجوزت لحاجة الناس كالسالم ونحوه" (11).

وقد يكون من المفيد صياغة اهمية التمويل بالإجارة صياغة فنية مالية وذلك على النحو التالي (12):

أولاا : بالنسبة للمستأجر:

1 ـ الاستفادة من الأصول الرأسمالية في نشاطه دون الحاجة الى تخصيص جزء من سيولته لشرائها, مما يتيح له فرصة أوسع في توظيف أمواله واستخدامها في تحقيق مقصوده, فهي كما يقال تمويل من خارج الميزانية, وتظهر أهمية ذلك بشكل بارز كلما كبر ثمن هذه الأصول وكلما غلبت حالة الكساد.

2 ـ الحماية من آثار التضخم, ويبدو ذلك جليا كلما كانت مدة الإجارة طويلة وكانت الأجرة محددة وشاعت حالة التضخم.

3 ـ تتيح له التمويل بنسبة 100% حيث لا يتحمل عادة بأية نسبة من قيمة الأصول, عكس ما هو عليه الحال في العديد من أدوات التمويل الأخرى.

4 ـ تحقيق إمكانية التوسع في مشروعه وسرعة الحصول على المعدات المطلوبة والمتطورة دون الاضطرار إلى التوسع في عدد الملاك أو طرح أسهم جديدة, وما قد ينجم عن ذلك من مشكلات.

5 ـ تهيىء للمشروع فرصة جيدة لبرمجة نفقاته في المستقبل, والتعرف عليها سلفا , مع عدم تحميله لمشكلات الاستهلاك والمخصصات.

6 ـ الاستفادة من ميزات ضريبية, حيث إن الاجرة تخصم من الأرباح قبل فرض الضريبة عليها, عكس ما لو كانت حصة مشاركة فهي توزيع للربح وليست عبئا عليه, ومن ثم فلا يستفيد من تخفيض الضرائب, مما يجعل التمويل بهذه الأداة غالبا أقل كلفة من غيره, خاصة وأن المؤجر, نظرا لما يتمتع به من ميزات ضريبية فإنه يعرض معداته بسعر منخفض.

7 ـ ثم هي في النهاية تعد أداة مغايرة لغيرها من الأدوات التمويلية, ما يتيح لطالب التمويل الحصول على احتياجاته تحت أفضل الشروط.


ثانيا : بالنسبة للمؤجر:

1 ـ تتيح له فرصة توظيف ماله مع عدم التعرض لقيود الائتمان الداخلي.

2 ـ وجود ضمان قوى, عكس ما لو تم التمويل من خلال البيع الآجل أو المنجم, حيث إن الأصل المؤجر مازال على ملكيته, ومن ثم يستطيع استرداده عند الحاجة دون قدرة المستأجر على التصرف فيه, أو مشاركة الغرماء له عند إفلاس المستأجر.

3 ـ الاستفادة من بعض الميزات الضريبية التي يوفرها له الكثير من القوانين السائدة.

4 ـ تتيح له امكانية تخطيط ايراداته المستقبلية, وفي بعض صور التأجير يضمن المؤجر استمرارية التأجير إلى نهاية العمر الإنتاجي للأصل, وكذلك تحميل المستأجر ببعض الضمانات والمخاطر.

5 ـ يـمك ن التمويل بهذا الأسلوب المؤسسات الإسلامية من الاشتراك مع المؤسسات المالية التقليدية في تقديم التمويل المطلوب, مثل اشتراك شركة الراجحي مع بنك تشيز مانهاتن في تقديم تمويل لتأجير طائرات لشركة طيران الإمارات, مما يحقق للمؤسسات المالية مجالا أرحب وفرصا أوسع للاستفادة من خبرات الغير.

6 ـ في بعض حالات تكون مخرجا جيدا لتوظيف الأموال دون التفريط في ملكيتها مثل أموال الوقف وبعض الأموال الحكومية.


ثالثا : بالنسبة للاقتصاد الدولي:

1 ـ تسهم بفاعلية في توظيف ما لدى المجتمع من موارد وطاقات وخبرات.

2 ـ تسهم في اقامة المشروعات دون تباطؤ كبير في انتظار الحصول على التمويل اللازم, ومن ثم عدم التعرض للتضخم والارتفاع المستمر في أسعار المعدات, كما أنه يتيح للمشروعات الوطنية فرصة الاستفادة من المعدات الحديثة.

3 ـ كما يعمل على المزيد من تراكم رؤوس الأموال.

4 ـ لا يتسبب في ارهاق الميزان التجاري للدولة إذا ما كان القائم بالتمويل شركة أجنبية, حيث لا يضطر المستثمر الوطني إلى شراء هذه المعدات من الخارج.


2 ـ الإجارة المالية ـ صور ومفاهيم:

بداية تجدر الإشارة إلى أن التطبيق المعاصر لأداة الإجارة قد استحدث صورا وأساليب متعددة, ومن ثم فقد ظهر في القاموس التجاري الحديث , وكذلك القاموس المالي العديد من المصطلحات والتي تحمل مفاهيم متغايرة بدرجة أو بأخرى, فكثيرا ما نطالع مصطلحات: التأجير التمويلي, التأجير الساتر للبيع, التأجير الشرائي, التأجير المنتهي بالتمليك, الإجارة والاقتناء التمويل الايجاري...الخ.

هذا التعدد الواسع في المصطلحات هو في حد ذاته مدعاة للغموض, خاصة إذا ما علمنا أننا إذا بحثنا في مفاهيم ومضامين هذه المصطلحات, وهل هي مفاهيم واحدة وبالتالي تكون هذه المصطلحات مترادفة أم هي مفاهيم مختلفة, ومن ثم تصبح هذه المصطلحات معبرة عن صور عديدة متنوعة الخصائص, إذا ما أردنا ذلك فإننا لا نستطيع الحسم في المسألة, مما يزيد الموقف غموضا , حيث نجدها أو بالأحرى بعضها يعامل عند البعض على أنه مترادفات, بينما لا يراه البعض الآخر كذلك.

ثم إننا لا نملك اتفاقا بين الكتاب والتطبيقات حول ماهية كل صورة وخصائصها. وهكذا يجد القارئ لهذا الموضوع قدرا كبيرا من العناء في البحث والتحري وتجلية موضوعه ومقصوده, وربما كان مرجع ذلك كله أن هذه الاستحداثات الجديدة في استخدام صيغة أو أداة الإجارة التقليدية التي يعرفها الإنسان حق المعرفة منذ آماد وعصور بعيدة قد نشأت في ظل أنظمة وقوانين وضعية مختلفة ومتغايرة في نظراتها وتوجيهاتها, كما أنها جاءت بهدف تلبية رغبات متنوعة من مكان لآخر, فبعض القوانين الوضعية تعطي حقوقا للمؤجر والمستأجر لم تعطها لهما قوانين وضعية أخرى, وبعض القوانين تشترط في بعض الصور شرطا لم تر اشتراطها قوانين أخرى وربما تمنعها, وبعضها اهتم أكثر بعناصر التأجير بينما الآخر اهتم بعنصر التمويل أكثر..الخ(13).

وفي ضوء هذا الغبش الفكري نجد من أنسب المناهج التي يمكن استخدامها في دراسة الموضوع جمع كل هذه الصور المستحدثة تحت مصطلح كبير جامع هو الإجارة المالية ليكون في مقابلة المصطلح الآخر المعروف بالإجارة التشغيلية, وعلى أساس أنه يندرج تحته كل الصور المستجدة وكل هذه المصطلحات المستحدثة, والتي سلفت الإشارة إليها(14) وربما كان أفضل تعريف للإجارة المالية هو تعريف لجنة الأصول المحاسبية الدولية, والذي يذهب إلى أنها "عقد الإجارة الذي تتحول من خلاله كل مخاطر ونفقات ملكية الأصل من المؤجر إلى المستأجر, سواء تحولت ملكية الأصل للمستأجر في النهاية أم لا"(15) وفيما يلي نعرض بعض الصور المشهورة للإجارة المالية(16):

أ) الإجارة بدون خيار الشراء أو تجديد الإجارة: معنى ذلك أنه في نهاية مدة الإجارة يكون للمؤجر الحق الكامل في التصرف في الأصل المؤجر والاستفادة منه, وهذه الصور ليس لها رصيد واقعي كبير, لأنها غالبا ما لا تشبع للمؤجر رغباته, خاصة إذا كانت مدة الإجارة لا تقل عن العمر الإنتاجي المفترض للأصل المالي: كما أنها لا تحقق للمستأجر ميزة على الإجارة التشغيلية مع تحميلها إياه لعبء النفقات والصيانة ومخاطر الملكية.

ب) الإجارة التي يمتلك فيها المستأجر بنص العقد الأصل المؤجر دون أية ثمن, بمعنى أنه بسداد القسط الأخير يصبح الأصل موضع الإجارة ملكا للمستأجر دون الحاجة إلى أية إجراءات جديدة ودون الالتزام بدفع أي شيء جديد, وهذه الصورة لها أكثر من مصطلح, فهي تسمى التأجير الشرائي أو البيعي, كما تسمى البيع عن طريق التأجير, وكذلك التأجير الساتر للبيع, وأيضا البيع الايجاري.

وأيا كان المصطلح فهو مترجم عن Hire-Purchase ومن الواضح أن هذه الصورة هي من حيث الجوهر والحقيقة بيع وليست إجارة, فهو بيع مقسط تؤول الملكية فيه إلى المشتري "المستأجر" بسداده لأقساط الثمن "الأجرة"(17) ومن الواضح أن قسط الإيجار مراعى فيه سداد جزء من ثمن الأصل وتحقيق قدر من العائد(18). وصياغة العقد تحت بند الإجارة وليس البيع مرجعه تحقيق العديد من المزايا المؤجر, ومن ذلك ما يتعلق بالضرائب, والاحتفاظ بحق الملكية أيا كانت الظروف. وهذه الصورة من الإجارة غالبا ما تكون ثنائية الطرفين, ولا تتطلب طرفا ثالثا , كما هو الحال في بعض الصور الأخرى.

جـ) الإجارة التي يمتلك فيها المستأجر الأصل في نهاية المدة بثمن رمزي. ويعنى ذلك أن ينص في العقد على المستأجر إذا سدد ما عليه دون تأخير فله حق تملك السلعة ملكية تامة بثمن رمزي مقداره كذا, وبالتأمل في هذه الصورة نلاحظ أن الأقساط الإيجارية هنا تعادل ثمن الأصل مع هامش ربح ارتضاه المؤجر, وإنما وضع هذا الثمن الرمزي الذي لا يمثل بحال ثمن الأصل بل ولا جزءا ذا بال منه ليظهر العقد في صورة عقد إجارة, وليس عقد بيع, حتى يتحقق للمؤجر ما يصبو إليه من ضمان لحقوق في الأصل كلمة, حتى يسدد المستأجر كل ما عليه من أقساط.

د) الإجارة مع تملك المستأجر للأصل بعد سداد القسط الأخير ودفع ثمن حقيقي, والفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة أن الثمن هنا ثمن حقيقى, ومن الواضح أننا هنا أمام عقد إجارة حقيقي وليس عقدا صوريا قد اقترن به عقد بيع حقيقي, وهذا الثمن المتفق عليه قد يجري تحديده عند ابرام عقد الإجارة أو يتفق على أن يحدد عند انتهاء عقد الإجارة, ومما يترتب على ذلك اختلاف واضح في مقدار القسط الإيجار في الصورة عنها في الصورة السابقة.

هـ) الإجارة ذات الوعد بالبيع في حالة سداد القسط الأخير, وهنا احتمالات عديدة قد يكون البيع بغير ثمن بعد دفع الأقساط, وقد يكون الثمن رمزيا , وقد يكون الثمن حقيقيا , وتكييف هذه الصورة من الناحية القانونية يتوقف على نوعية الثمن, فهل هو ثمن حقيقي أم هو ثمن رمزي أم هو بغير ثمن كلية؟ وكل حالة من هذه تلحق بالصورة المتفق معها السالفة, غاية الأمر أن هناك وعدا بالبيع, وفي الصور السابقة كان هناك عقد بيع.

ي) الإجارة ذات الخيار المتعدد للمستأجر حيث يبرم عقد الإجارة على أساس للمستأجر في نهاية مدة الإجارة الحق في أحد ثلاثة أمور, إما مدة الإجارة, وإما إعادة الأصل للمؤجر وإما تملك الأصل من خلال ثمن محدد عند بداية التعاقد أو ثمن يحدد عند نهاية مدة الإجارة في ضوء الأسعار السائدة في ذلك الحين, ويلاحظ أن هذه الصيغة تعتبر عمليا أحدث تطوير طرأ على صيغة الإجارة وتسمى عادة لدى القانونيين بـ"عقد الليزنج" (Leasing) الذي يعني عربيا عقد تمويل المشروعات أو عقد التمويل الانتمائي, وهو عقد ثلاثي الأطراف, فهناك المؤجر, وهناك المستأجر, وهناك المورد أو البائع, معنى ذلك أن هذه الصورة تقوم على أطراف ثلاثة وليس على طرفين, كما هو المعتاد, والملاحظ كذلك ان هنا عدة عقود مقرونة بعدة وعود, ويشيع إطلاق مصطلح التأجير التمويلي على هذه الصورة, وهناك خلاف شديد بين القانونيين على تكييف هذا العقد, وأبسط تصوير لعقد التأجير ثلاثي الأطراف, ان هناك المستأجر الذي يطلب الأصل الإنتاجي وهو عادة يطلبه من المؤجر, الذي هو في تلك الحالة قد يكون إحدى شركات التأجير المتخصصة أو أحد المصارف أو غير ذلك, ومهمة هذا الطرف هنا تمويلية محضة بمعنى ان يلجأ إلى طرف ثالث يسمى المورد أو البائع والذي مهمته تصنيع الأصل للمؤجر أو بيعه له, وبالتالي فإن الاتفاق يبدأ بين المؤجر والمستأجر على ان يقوم المؤجر بتملك الأصل المعين المحدد من قبل جهة ما قد تكون محددة معينة على ان يقوم بتأجيره للمستأجر مدة كذا بإيجار كذا وأقساط كذا واتفاق بينهما على ما يؤول إليه الحال في نهاية مدة الإيجار, وعادة فإن الذي يمارس المفاوضة مع المورد هو المستأجر, بتوكيل وتفويض من المؤجر.

3 ـ الإجارة التشغيلية والإجارة المالية ـ مقارنة:

من خلال هذا العرض السريع للعديد من صور الإجارة المالية, بالاضافة إلى التعرف على مفهوما لدى الفكر الوضعي, وما هو معروف عن الإجارة التقليدية, أو بالتعبير الحديث الإجارة التشغيلية فإنه يمكن التعرف على أهم الفروق القائمة بين الصيغتين, ويمكن القول إن هناك العديد من الفروق بينهما بعضها تعد فروقا جوهرية وأخرى أقل جوهرية, وبعضها لا يتخلف في أي صورة من صور الإجارة المالية مخالفا بذلك الإجارة التشغيلية وبعضها يظهر في بعض صورها دون البعض الآخر, وقد تعرض الكثير من الكت اب لهذه المقارنة الأمر الذي يجعلنا هنا في غير حاجة ملحة إلى التعرض المفصل لها.

وقد يكون من أهم الفروق بينهما ما يتعلق بمسألة المخاطر وتحمل النفقات, فهي في التشغيلية مسؤولة المؤجر بغير خلاف, لكنها في المالية مسؤولية المستأجر في كل صورها. وقد كان ذلك من أهم الدوافع وراء ظهور الإجارة المالية بصورها المختلفة.

كذلك نلاحظ انه في معظم صور الإجارة المالية انها تنتهي بالتمليك, مهما كانت الصورة, سواء من خلال الوعد أو العقد, وسواء كان ذلك بغير ثمن محدد بعد أقساط الإجارة أو بثمن محدد, رمزيا أو حقيقيا, أو بثمن يحدد حسب سعر السوق عند انتهاء الاجارة, وسواء كان من خلال منح الحق للمستأجر في اختيار خيار الشراء عند انتهاء الإجارة, وبالتالي فإنه في غالب الحالات نجد المال انتقال ملكية الأصل إلى المستأجر.

ونجد البداية هو القصد إلى ذلك, فكل منهما في غالب الأمر يدخل على التعاقد بنية انتهاء الإجارة بالتمليك العيني للأصل, أي بالبيع بعبارة أخرى, بينما لا مجال لذلك في الإجارة التشغيلية, يضاف إلى ذلك انه في غالب الأمر نجد ان مدة الإجارة المالية من الطول بمكان بحيث تصل أو تقارب العمر الانتاجي للأصل المؤجر, بينما الحال في الإجارة التشغيلية هو إمكانية قصرالمدة إلى حد كبير عن العمر الانتاجي للأصل, وكذلك إمكانية تطويلها بحيث تصل إلى عمر الأصل.

كما نجد ان الإجارة المالية طابعها الإلزام وعدم إمكانية الانهاء قبل المدة المتفق عليها لا من قبل المؤجر ولا من قبل المستأجر, وألا تحمل الشرط الجزائي, حيث ان ذلك يتنافى ومقصود وطبيعة هذه الإجارة, بينما في الإجارة التشغيلية وان كانت لازمة شرعا إلا ان من الممكن انهاؤها في بعض الحالات دون تحمل شروط جزائية.

4 ـ الإجارة المالية واحتياجات المؤجر والمستأجر:

بعد استعراضنا لصيغتي الإجارة بصورها المختلفة يطرح علينا تساؤل له أهميته: ما الذي حققته الإجارة المالية من ميزات للمؤجر؟ أو بعبارة أخرى ما هو الجديد في الإجارة المالية من وجهة نظر المؤجر؟

أ) سبق ان أشرنا إلى ان التطوير الذي أدخله التطبيق المعاصر على صيغة أو عقد الإجارة كان وراءه في المقام الأول رغبات واحتياجات للمؤجر لا ينهض بتلبيتها عقد البيع الآجل من جهة ولا عقد الإجارة التشغيلية من جهة أخرى, فما هي هذه الرغبات التي تلبيها الإجارة المالية؟

إن التمويل من خلال التأجير له ميزاته وخصائصه, وله كذلك سلبياته. وبدراسة الإجارة المالية نجد انها من وجهة نظر المؤجر تحقق له أمورا ما كان للإجارة التشغيلية ان تحققها, ومن ذلك قضية نقل مخاطر وأعباء الملكية إلى المستأجر, فهو المسؤول عن أي خطر يلحق بالأصل, فنيا كان أو غير فني, وهو المسؤول عن صيانته والانفاق عليه بحيث يظل صالحا لتتقديم المنفعة.

ولا شك ان ذلك يمثل أهمية كبرى لدى المؤجر لما يرفعه عن كاهله من مخاطر قد تكون جسيمة ومن نفقات قد تكون كبيرة, وبالتالي تجعله يقدم بقوة على القيام بهذا النشاط ذي الأهمية التجارية من جهة والتمويلية من جهة أخرى, عكس ما هو عليه الحال لو كانت الصيغة المستخدمة هي الإجارة التشغيلية, ثم إنها تضمن له في غالب الصور التأجير إلى نهاية عمر الأصل, وبالتالي يكون التوظيف والتشغيل مستمرا غير منقطع ولا متوقف, كما انها تحقق له التخلص من ملكية الأصل في النهاية, ومعنى ذلك انه قد وظف ماله توظيفا مستمرا محققا له العائد الذي يرجوه, مع عدم تحمل مخاطره ونفقاته.

كذلك فإن الأنظمة الضريبية في بعض الدول الغربية تقدم ميزات جيدة للاستثمار في الأصول الثابتة جعلت الشركات تقوم على الاستثمار في هذه الأصول, فتقل الضرائب عليها من جهة وتستفيد من تأجيرها للغير من جهة ثانية, مع الاحتفاظ بحق الملكية إلى ان يتم سداد الثمن.

ب) إلى أي مدى راعت الإجارة المالية احتياجات ومطالب ومصالح المستأجر؟ من الواضح ان الإجارة المالية, ظهرت في الأساس لتلبية رغبات المؤجر, ومن المعروف ان رغبات المؤجر قد لا تتمشى مع رغبات واحتياجات المستأجر, فهما طرفان متقابلان, ولذلك لا نعجب إن وجدنا ان الإجارة المالية لم تحقق للمستأجر حاجات ورغبات بقدر ما سلبت منه من ميزات قدمتها له الإجارة التشغيلية, مثل تحمل المخاطر والنفقات, وكذلك إلزامه بالتأجير لفترات طويلة, قد لا يكون في حاجة ملحة إليها, وأيضا قد لا يكون من مصلحتك تملك الأصل في النهاية إضافة إلى ما قد يكون هناك من مغالاة في قيمة الأقساط حيث لا تخضع للسعر السائد في السوق للأصول المناظرة, ومع ذلك فلم تعدم الإجارة المالية ان تقدم بعض الميزات للمستأجر حتى وان كان من خلال ما تقدمه من ميزات للمؤجر, وبالتالي يجد المستأجر بسهولة سوقا متاحة للتأجير, عكس ما لو لم تكن هناك ميزات فيها للمؤجر, ومع ذلك فهي توفر للمستأجر فرصة التملك للأصل بثمن مقسط يستطيع تحمله من خلال ما يحققه من إيراد من تشغيل هذا الأصل, كما أنها تتيح له فرصة الحصول على احتياجاته المحددة بسرعة وبدون الاضطرار إلى البحث عمن لديه هذه الأصول ويرغب في تأجيرها.

5 ـ الإجارة المالية والمصارف الإسلامية:

رغم ما للتمويل بالإجارة من أهمية لما يحققه لكل من طالب التمويل ومقدمه من فوائد ومنافع فإن استخدام المصارف الإسلامية له لم يكن على الوجه الذي يتفق وهذه الأهمية, ومرجع ذلك اعتبارات عديدة, منها ضعف الوعي بهذه الأداة وما تحققه من مزايا, إضافة إلى الانبهار ببعض الأدوات التمويلية الأخرى وخاصة أداة المرابحة, وأيضا ما هناك من قيود وعقبات قانونية ومؤسسية, وعدم انتشار المؤسسات المتخصصة في هذا النشاط, هذا كله مع ما للتمويل بالإجارة من خصائص قد لا تتمشى غالبا وطبيعة العمل المصرفي والقائم أساسا وحتى في ظل المصارف الإسلامية على إيداعات قصيرة الأجل مع ان التأجير عادة ما يكون متوسط أو طويل الأجل, يضاف إلى ذلك عدم توفر الخبرة الكافية لدى المصارف في شراء المعدات والأصول الإنتاجية وكذلك ما تتطلبه من صيانة وتخزين إضافة إلى ما تتعرض له من مخاطر الركود وعدم التشغيل, وما تستدعيه من استهلاكات ومخصصات, وما تتعرض له من مخاطر سوء استخدام المستأجر لهذه المعدات واحتمالات التوقف عن سداد الأقساط, وغير ذلك.

ومن الواضح ان الإجارة المالية تزيل الكثير من هذه العقبات, فترفع عن المصارف المخاطر والأعباء والنفقات كما انها لا تحملها مؤونة الشراء والتخزين, حيث يتولى ذلك نيابة عنها المستأجر, وتقيها مخاطر التعطل, ولا تمكن المستأجر من المماطلة أو إنهاء العقد لأن ذلك في غير صالحه, وبرغم هذا فلم تخل من مشكلات وتحديات, منها ما يرجع إلى طول مدة التأجير, ومن ثم فإن هناك احتمالية تغير الأسعار والذي قد يغري المودعين بسحب إيداعاتهم مما قد يسبب أزمة للمصارف, وقد حاولت المصارف التغلب على ذلك بالاتفاق على تغيير القسط الإيجاري كل فترة محددة من الزمن مع وضع شروط جزائية تجعل من العسير على أي من الطرفين الإقدام على فسخ العقد.

ومن الناحية العملية فإن هناك من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية من مارس التمويل بهذه الصيغة وقد ظهر ذلك بوضوح لدى مصرف فيصل ـ البحرين وشركة الراجحي والتي قامت باستخدامه في تمويل صفقات عديدة من الطائرات والسفن والعقارات, وطبقا لصيغ بعض العقود التي أبرمتها الشركة في هذا الصدد نجد انها من أقرب التطبيقات المعاصرة إلى القبول الشرعي, وكل ما لوحظ عليها ان تتعامل بالوعد الملزم بالبيع.

ولم يصرح البنك المركزي للمصارف الإسلامية في مصر بممارسة هذا النشاط.

6 ـ الإجارة المالية نظرة شرعية:

الإجارة التشغيلية سواء نظرنا لها كنشاط تجاري أو كنشاط تمويلي هي أداة تجارية تمويلية مقبولة شرعا طالما التزمت بالشروط والأحكام الشرعية المعروفة.

أما الإجارة المالية فهي موضع خلاف كبير بين الفقهاء المعاصرين, ولا ينجو من ذلك معظم صورها, وقد عقد لها مجمع الفقه الإسلامي جزءا من دوراته السابقة وقدمت فيها أبحاث عديدة لم تكن نتائجها متفقة إلى حد كبير وقد توصل إلى القول بجواز بعض الصور ورفض بعضها وتأجيل الحكم على بعضها الآخر لمزيد من الدراسة والبحث وهذا نص قراره في دورته الخامسة.

أولا : الأولى الاكتفاء عن صور الإيجار المنتهي بالتمليك ببدائل أخرى منها البديلان التاليان:

الأول: البيع بالتقسيط مع الحصول على الضمانات الكافية.

الثاني: عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في واحد من الأمور التالية:

ـ مد مدة الإجارة.

ـ إنهاء عقد الإجارة ورد العين المأجورة إلى صاحبها.

ـ شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة.

ثانيا : هناك صور مختلفة للإيجار المنتهي بالتمليك تقرر تأجيل النظر فيها إلى دورة قادمة.

ولنا ملاحظات عديدة على هذا القرار من حيث الشكل ومن حيث الموضوع, فهو في "أولا " يقول الأولى وليس في ذلك حسم للمسألة إذ معناه أن صور الإيجار المنتهي بالتمليك مقبولة شرعا لكنها ليست الأولى, ثم إن البديل الثاني هو داخل في عرف الاقتصاديين والماليين في صور الإجارة المنتهية بالتمليك. فكيف يكون بديلا عنها؟ وثالثا فإن "أولا " قد غطت كل صور الإجارة المنتهية بالتمليك كما هو نص الصياغة ثم تجئ "ثانيا " فتعارض ذلك وتقرر لها حكما أو موقفا مغايرا .

وبالنظر في صور الإجارة المالية نجد أن مواطن النظر الفقهي قد انصرفت في معظمها إلى النواحي التالية:

1ـ مسألة الصيانة وتحمل المخاطر, فمن الملاحظ ان كل الصور فيها تقوم على تحميل ذلك للمستأجر, وهذا مغاير للأصل القائمة عليه الإجارة التشغيلية الذي يحملها للمؤجر, طالما ان الأصل المالي ملكه, وطالما انه قد أجر منفعته لطرف آخر, فهو مسؤول عن تأمين هذه المنفعة, وقد خرجت الإجارة المالية على هذا الأصل, وعموما فإن اعمال الصيانة المعلومة يمكن أن يتحملها المستأجر على اساس انها جزء من الأجرة كما يمكن قيام التأمين على العين المؤجرة, وتحميله للمستأجر بضوابط معينة "26".

وبالتالي فإن هذه الشبهة قد لا تقف حائلا امام شرعية هذا البند في الإجارة المالية.

2ـ مسألة تأجير ما ليس عندك, ففي كثير من الحالات يبرم عقد الإجارة بين المؤجر والمستأجر دون ان يكون المؤجر قد امتلك الأصل المؤجر بعد, والمعروف ان هناك نهيا عن بيع ما ليس عندك, والإجارة نوع من البيوع, وإذن فلا مجال شرعا لقيام ذلك, وقد حاول بعض الفقهاء الخروج من ذلك بإيجاد وعد بالتأجير وليس عقدا للتأجير, لكن ذلك يدخلنا في مشكلة هل الوعد ملزم أم غير ملزم.

فإن كان ملزما فهو بمثابة العقد, وإن لم يكن ملزما فقيمته قليلة وأثره في إغراء المؤجر يكاد يكون معدوما, وقدم بعض الباحثين مخرجا قد يكون قبوله والعملي العمل أكبر بكثير من فكرة الوعد, وهو الشراء مع الخيار لمدة محددة فإذا أنجز المستأجر ما وعد وإلا رد البيع على صاحبه "27".

3ـ مسألة اجتماع أكثر من عقد, فهناك على الأقل في بعض الصور عقد تأجير وعقد بيع وقد يضاف عقود أخرى, وجمهور الفقهاء على جوار اجتماع عقد الاجارة مع عقد البيع "28" وبالتالي فلا تقف هذه الشبهة عائقا حيال القبول الشرعي لبعض صور الإجارة المالية, طالما ان كل عقد منهما قد استوفى أركانه وشروطه.

4ـ مسألة وجود شروط في عقد الإجارة المالية, مثل اشتراط عدم تصرف المؤجر في السلعة طوال فترة الاجارة بما يضر بمصلحة المستأجر, وان يبيع المؤجر للمستأجر السلعة في نهاية المدة وان يكون للمستأجر الخيار بين كذا أو كذا, وقد اختلف الفقهاء في تقرير شرعية ذلك, فمنهم من ذهب إلى جوازه ومنهم من رفض "29".

5ـ مسأل تعليق البيع, في صورة ما إذا كان تملك المستأجر يتم بعد سداد القسط الأخير دون دفع أي ثمن فمعنى ذلك ان الاقساط الإيجارية هي في الحقيقة اقساط ثمن الأصل. وقد كيف القانون الوضعي هذه الصورة بأنها بيع بالتقسيط دون الالتفات الى الصيغة المدونة. لكن قبول ذلك شرعا تحول دونه صعاب عديدة فالاقساط التي دفعت على انها اقساط إيجارية بحكم صيغة العقد, وبالتالي فهي أجرة, فكيف تحول إلى ثمن للأصل بعقد لاحق. إن ذلك لا يتمشى والأصول والقواعد الحاكمة والضابطة للعقود في الفقه الإسلامي. والمخرج من ذلك هو التحول من عقد الاجارة إلى عقد بيع مقسط مع اشتراط عدم نقل الملكية إلا بعد السداد لجميع الاقساط. وفي تلك الحالة لو توقف المشتري عند سداد بعض الاقساط فإن العقد يفسح وبأخذ البائع الأصل. وما سبق ان دفعه المستأجر يسوي من خلال القيمة الايجارية الحقيقية وما قد يكون هنالك من تعويض نتيجة الاخلال بالشروط "30". وتعليق عقود المعاوضات على بعض الشرط كما هو واضح في الاجارة المالية حيث عقد البيع معلق على الوفاء بجميع الاقساط, قال بعض الفقهاء بجوازه, وقال بعضهم بمنعه. وبالتالي فيمكن الأخذ برأي من قال بالجواز "31".

6ـ مسألة الثمن الرمزي. سبق ان رأينا ان بعض صور الاجارة المالية ينص في عقدها على تملك المستأجر للأصل المالي بثمن رمزي. فهل يصح البيع بثمن رمزي؟ من حيث الاصل لا مانع على الطرفين, البائع المشتري في تحديد ما يريانه من ثمن للسلعة. لكن المسألة هنا ليست هكذا بوضوح, فهي مرتبطة بإجارة وبأقساط سبق دفعها, وهي في الغالب أكبر بكثير من الأقساط الإيجارية الحقيقية. ومعنى ذلك ان الثمن الرمزي المحدد ليس هو الثمن في الحقيقة بل هو جزء تافه من الثمن وبقيته ممثلة في الاقساط الإيجارية. وإذن فنحن كما لو كنا أمام انتقال الملك بمجرد سداد الاقساط. وقد رأينا سلفا ان الصواب في ذلك هو الابتعاد عن عقد الاجارة إلى عقد بيع منجم مشروط بعدم التصرف إلا بعد السداد لجميع الاقساط. وبعض المصارف واجهت ذلك عن طريق "الهبة" حيث ينص في عقد الاجارة انه بسداد جميع الاقساط يهب المصرف الاصل الانتاجي للشريك, ومن المعروف ان اجتماع عقد الاجارة مع عقد الهبة لاغبار عليه شرعا عند الكثير من الفقهاء. والمشكلة هنا ان عقد الهبة غير لازم في الكثير من القوانين الوضعية, ومعنى ذلك تعرض المصرف لمخاطر قد تكون جسيمة فيما لو أخل المستأجر بالاتفاق, ومع ذلك فهي من الناحية الشرعية محل تحفظ حيث ان حقيقتها ليست بهبة, خالصة وانما هي عملية معاوضة "32". يضاف إلى ذلك ان حالة السلعة محل البيع عند ابرام عقد الاجارة والذي هو في حقيقة عقد بيع لا تعرف لدى المتعاقدين عند انتهاء مدة الإجارة, ومن شروط صحة البيع المعرفة الجيدة بالسلعة محل التعاقد.

7ـ الإجارة المالية ـ تقويم ختامي:

مما سبق يمكن القول بإيجاز ان الاجارة التشغيلية مقبولة شرعا طالما استوفت أركانها وشروطها وهذه لا اشكال فيها, لكن المشكلة انها في كثير من الحالات قد لا تشبع رغبة المؤجر اساسا وكذلك رغبة المستأجر في أحيان قليلة, كما اذا كان له رغبة في تملك الأصل وليس معه ثمنه كاملا, ولا يجد من بيعه إياه بالتقسيط, لما قد يواجهه من مخاطر وأعباء.

والإجارة المالية قد كفلت للمؤجر تلبية رغباته التي لم توفرها الاجارة التشغيلية, وكذلك البيع بالتقسيط. لكنها مع هذا كله تواجه بصعوبات شرعية تتطلب الحلول والمخارج, بعضها ممكن وبعضها غير ممكن إلا بالتحايل. كما انها في التطبيق العلمي ورغم مزاياها المتعددة فإنها تولد الكثير من المشكلات, مما جعل القانون الوضعي منقسما على نفسه في تكييفها من جهة وفي إجازة العمل بها من جهة ثانية. وكما يلاحظ فإن المصارف الإسلامية لم تمارس التمويل من خلالها إلا بنسب متواضعة وبعضها لم يمارسها على الاطلاق وبعضها محظور عليه ممارستها قانونا.

وفي ضوء ذلك كله فإننا نرى التوسع في استخدام الاجارة التشغيلية والعمل على تطويرها بكل ما يمكن مع المحافظة على اصولها الشرعية وذلك مثل إيجاد سندات إيجارية. وكذلك فك الارتباط بينها وبين المصارف الاسلامية, بمعنى الترويح لها كوسيلة تمويلية مباشرة, لا تتطلب, أو بالأحرى لا تتوقف في معظم مجالاتها على قيام وسيط مصرفي, بل تقوم بذلك شركات تأجير متخصصة, وهي أقدر على ذلك من المصارف. إضافة الى التعرف على النماذج المختلفة التي يمكن من خلالها ممارسة عملية التمويل مثل الاجارة من خلال الوكالة والاجارة من خلال المضاربة والاجارة بطريقة المشاركة, وغير ذلك ما يمكن التعرف عليه واستخدامه. وقد تناول هذه النماذج بقدر من التفصيل دكتور سعود الربيعة. مع ملاحظة قد تكون لها أهميتها, وهي ان استخدام صيغة الاجارة المالية بصورها المختلفة حدث أولا في المجتمعات الغربية بدافع اساسي يتمثل في علاج مشكلات في التعامل بالبيع بالتقسيط ولم يكن الدافع بصفة عامة هو تطوير الاجارة التقليدية لتواجه ظروفا مستجدة.

وليس معنى ذلك اغلاق الباب امام استخدام الاجارة المالية بكل صورها. فهذا أمر غير مقبول شرعا كما انه قد يكون غير مقبول عمليا, حيث ان السوق المالي في حاجة إليها. وإنما معناه ان نتحرى جيدا ما يمكن قبوله شرعا من صورها العديدة وما كان له رصيد عملي كبير في الحياة الاقتصادية حيث لا يثير من القضايا والمشكلات ما يجب ما لها من فوائد.

وتجدر الإشارة إلى ان التعامل بالتأجير التمويلي أخذ في التناقص في الفترة الأخيرة لما يثيره من مشكلات عملية وقانونية.

العملاق
24-03-03, 12:01 PM
الإِيجار المنتهي بالتمليك

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادي الأولى 1409هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988.

بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (الإِيجار المنتهي بالتمليك) واستماعه للمناقشات التي دارتحوله.

وبعد الاطلاع على قرار المجمع رقم (1) في الدورة الثالثة بشأن الإِجابة عن استفسارات البنك الإِسلامي للتنمية فقرة (ب) بخصوص عمليات الإِيجار.
قرر :

أولاً: الأولى الاكتفاء عن صور الإِيجار المنتهي بالتمليك ببدائل أخرى منها البديلان التاليان :

(الأول) : البيع بالأقساط مع الحصول على الضمانات الكافية.

(الثاني): عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإِيجارية المستحقة خلال المدة في واحد من الأمور التالية :

- مد مدة الإِجارة.

- إنهاء عقد الإِجارة ورد العين المأجورة إلى صاحبها.

- شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإِجارة.

http://www.islampedia.com/MIE2/fatawa/zakat2.htm

العملاق
24-03-03, 12:03 PM
الإجارة المنتهية بالتمليك وصكوك الأعيان المؤجرة



د. منذر قحف (1997)



مقـدمــة 2

القسـم الأول: الإجارة المنتهيـة بالتمليـك. 4

تعريف الإجارة ، ومشروعيتها ولزومهـا 4

تعريف الإجارة المنتهية بالتمليـك. 4

التكييف الشرعي للإجارة المنتهيـة بالتمليـك وصورهـا 6

أولاً : الإجارة المنتهيـة بالتمليك عن طريق الهبـة 10

ثانيـاً : الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق البيع بثمن رمزي أو غير رمزي يحدد في العقد. 12

ثالثـاً : الإجارة المنتهية بالتمليك بالبيع التدريجي للعين المؤجرة. 14

رابعـاً : الإجارة المنتهية بالتمليك مع تخيير المستأجر بالشراء قبل انتهاء مدة عقد الإجارة بثمن يعادل باقي أقساط الأجرة عدا ثمن المنفعة عن المدة الباقيـة. 15

خامساً : الإجارة المنتهيـة بالتمليـك. 16

نفقات الصيانـة والتـأمين. 17

القسم الثاني: صكوك التأجير 21

صكوك التأجير هي وثائق خطية تمثل أجزاء متساوية من أعيان مؤجرة 22

تمهيد فقهي. 22

1- توثيق عقد الإجـارة خطيـاً : 22

2- بيع العيـن المؤجـرة: 23

3- هبـة العيـن المؤجـرة ووقفهـا 24

4- إجـارة المشــاع. 24

5- بيــع المشـــاع. 25

6- وقـت دفـع الأجـــرة 25

7- الإجـارة الموصوفـة في الذمــة 26

8- تأجيــر المستـأجـر. 26

9- العمر الاقتصـادي للعـين المؤجــرة 26

10- إجارة العين التي تنتج أعياناً استهلاكية غير ناضبـة 27

11- البيـع مع استثنـاء بعض المنـافع. 28

12- اجتمـاع الإجـارة والوكـالـة 28

13- المخاطـرة في الإجـارة والشـركـة 28

14- حـق الشفعــة 30

تحويل الإجارة إلى صكـوك. 31

صـور صكـوك التأجـير. 31

الصورة الأولى: 32

الصورة الثـانيـة: 33

الصورة الثالثـة: 33

الصورة الرابعـة: 33

الصورة الخامسـة: 34

الصورة السادسة: 39

خصائص صكوك التأجيـر. 40

أ) خضوع الصكـوك لعوامـل السـوق. 41

ب) مرونـة صكـوك التأجيـر. 45

1) إصدار صكوك التأجير من كل من قبل القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع الخيري: 46

2) صلاحيـة صكوك التأجير للوسـاطة الماليـة: 46

3) صلاحيـة صكوك التأجيـر لتلبيـة حاجـات تمويلية متنوعـة 47

4) توفر بدائل متعددة من صكـوك التأجيـر. 48

5) الاستجابة للحاجات الخاصة لبعض زمر المحتاجين للتمويل. 48

6) المرونـة في ميعـاد دفع الأجـرة 48





مقـدمــة


تتميز الإجارة ـ بين أدوات التمويل الأخرى ـ ببضع مزايا، من وجهة نظر كل من المؤجر، والمستأجر. فبالنسبة للمستأجر، أهم ما يميز الإجارة هو أنها تمويل من خارج الميزانية بمعنى أن إدارة المؤسسة المستأجرة، التي هي في العادة مطالبة بتقديم تبرير تفصيلي لاستعمالات أموالها، لا تحتاج إلى ذلك فيما يتعلق بالأعيان المستأجرة، لأن شراء الأصل المستأجر يتم من قبل المؤجر، ولا يتعلق التزام المستأجر إلا بدفع الأجرة، التي تعتبر نفقة إيراديـة، وليست رأسماليـة.



ثم إن الإجارة تقدم ـ في الأغلب ـ تمويلاً كاملاً لشراء الأصل الثابت المستأجر بخلاف الأدوات الأخرى، وبخاصة القرض الربوي، التي تتطلب في العادة مشاركة المستفيد بنسبة معينة من ثمن الأصل الثابت المطلوب.



وكذلك فإن الإجارة تساعد المستأجر على التخطيط والبرمجة لنفقاته، لأنه يعرف التزامه المالي مقدماً. وتعتبر وسيلة جيدة تحميه ضد التضخم ، خصوصاً إذا ارتبط بعقد إجارة ثابت الأجرة لوقت طويل. وهي تيسر الأعمال الإدارية والمحاسبية للمستأجر، بإعفائه من الخوض في مسائل احتياطيات الاستهلاكات، والتغير في قيمة الأصول الثابتة، وما لذلك من تأثير على تقدير الضرائب، والتقارير اللازمة لها وهي لا تضغط على سيولة المستأجر النقدية أو رأس المال العامل لديه، بقدر ضغط شراء الأصل المرغوب في منافعه مما يتيح له استعمال السيولة للأغراض الأخرى للشركـة.



كما أن للإجارة مزايا أخرى بالمقارنة مع بعض الأدوات التمويلية الأخرى، كل على حدة. فهي مثلاً تحافظ على حصر ملكية الشركة بمالكيها الحاليين، إذا ما قورنت مع زيادة رأس المال عند الحاجة إلى تمويل لشراء أصول ثابتة جديدة. وهي أكثر ثباتاً، وتأكيداً من السحب على المكشوف والتسهيلات الائتمانية المصرفيـة، أو التجاريـة. كما أنها قد تتمتع بمزايا ضريبية، لأن الأجرة نفقة تنزل من الأرباح، إذا ما قورنت بوسائل التمويل التي تقوم على توزيع الأرباح ، كالمضاربـة.



أما بالنسبة للممول ( المؤجر ) ، فالإجارة تشكل صيغة أخرى من صيغ التمويل، مما يزيد في مجال اختياراته بين الصيغ المعتمدة. وهي أقل مخاطرة من القراض والمشاركة، لأن الممول يملك الأصل المؤجر من جهة، ويتمتع بإيراد مستقر، وشبه ثابت، وسهل التوقع من جهة أخرى. وهي تدر إيراداً للممول ( المؤجر ) خلافاً للقرض الحسن. وفضلاً عن ذلك فإن بعض المزايا الضريبية ، التي نالها المؤجر يمكن أن تنعكس على المستأجر على شكل تخفيض في الأجرة، مما يجعل الإجارة أكثر كفاءة من أشكال التمويل التي لا تحقق مزايا ضريبيـة. كما أن التمويل عن طريق الاستئجار أقل تعقيداً من حيث الإجراءات والشروط القانونية ـ في العادة ـ من التمويل عن طريق زيادة رأس المال.([1]) يضاف إلى ذلك أن بقاء الملكية بيد المؤجر يعطيه ضماناً مفضلاً للتمويل الذي يقدمه، فما يجعله أكثر اطمئناناً من التمويل بالمرابحـة الذي ينقل الملكية إلى المشتري من تاريخ العقد.



ويلاحظ أن الإجارة كصيغة تمويلية لم تلفت نظر الباحثين في البنوك الإسلامية خلال العقد الأول من وجود هذه المصارف([2]). ولعل من أوائل من كتب فيها تفصيلاً الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان باقتراح من كاتب هذه الورقة. وقد نشر المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بحثه في عام 1992. تلا ذلك كتاب سندات الإجارة والأعيان المؤجرة لمنذر قحف الذي نشر عام 1995.



تحتوي هذه الورقة على قسمين. أبحث في القسم الأول منهما في الإجارة المنتهيـة بالتمليك وأخصص القسم الثاني لصكـوك التأجير.





القسـم الأول: الإجارة المنتهيـة بالتمليـك

تعريف الإجارة ، ومشروعيتها ولزومهـا


ذكرت الموسوعة الفقهية تعريفاً للإجارة نسبته للفقهاء ! هو أنها "عقد معاوضة على تمليك منفعـة بعوض." ونقل الدكتور أبو سليمان تعريفات عن كل من المذاهب الأربعة ورجح منها تعريف الحنابلة وهو "عقد على منفعة مباحة معلومة ، مدة معلومة ، من عين معلومة ، أو موصوفة في الذمة ، أو عمل ، بعوض معلوم." ونلاحظ التفصيل في هذا التعريف من إدخال شرطي العلم والإباحة ، وأنه يشمل مدة معلومة وإنجاز عمل معلوم ، كخياطة ثوب أو نقل شخص مسافة معلومة ، بغض النظر عن المدة التي يأخذها ذلك العمل.



وإن هذا التعريف يصلح كمقدمة لبحث الإجارة المنتهية بالتمليك لأنها إجارة تتحدد في العادة بالزمن وليس بإنجاز عمل معلوم.



أما حكمها التكليفي فهو الجواز أو المشروعية. وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والعقل.([3]) وهي عقد لازم عند المذاهب الأربعة ،([4]) وحكى ابن رشد الجواز فيها ويرى الأحناف أن للمستأجر فسخ الإجارة للعذر الطارئ.([5])



تعريف الإجارة المنتهية بالتمليـك


قد يصعب وضع تعريف محدد للإجارة المنتهية بالتمليك قبل التعرف على صورها. فهي من جهة إجارة ينطبق عليها تعريف الإجارة المذكور ، ولكن فيها تخصيصاً أضيق لذلك التعريف لأنه يقصد منها أن يشتمل مجموع الأجرة خلال مدة العقد على ما يفي بسداد ثمن العين المؤجرة مع العائد الايجاري المرغوب به. فحقيقتها أنها ـ في جميع صورها ـ إجارة وشراء معاً ، مهما كان الشكل التعاقدي الذي يتخذه نقل الملكية ، سواء أكان ذلك عند انتهاء مدة الإجارة ، أم تنجيماً على أسهم أثناء مدة العقد.



ولقد جاء في استفسار البنك الإسلامي للتنمية الموجه إلى مجمع الفقه الإسلامي وصف هذا العقد بأنه عقد إجارة يتضمن التزاماً من المؤجر بهبة العين المستأجرة عقب وفاء جميع أقساط الأجرة. أما الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي فقد عرفت الإجارة المنتهية بالتمليك بأنها عقد على انتفاع المستأجر بمحل العقد بأجرة محددة موزعة على مدة معلومة على أن ينتهي العقد بملك المستأجر للمحل.



أما هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية فقد آثرت تعريف الإجارة المنتهية بالتمليك من خلال تعداد حالاتها العملية وهي :

( أ ) الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق الهبـة.

(ب) الإجارة المنتهية بالتملك عن طريق البيع بثمن رمزي أو غير رمزي يحدد في العقد.

(ج) الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق البيع قبل انتهاء مدة عقد الإجارة بثمن يعادل باقي أقساط الأجرة.

(د ) الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق البيع التدريجي.

ويمكن إضافة حالة خامسـة هي :

(هـ) الإجارة المبتدئة بالتمليك. وتنتقل فيها ملكيـة العين بعقد بيع في أول مدة الإجارة مقابل الدفعة النقدية المقدمة مع استثناء منافع العين من البيع لمدة الإجارة. ثم تباع هذه المنافع لمشتري العين نفسـه بعقد إجارة للمدة المعلومـة.



وفي جميع هذه الحالات يكون نقل الملكية ملزماً ومطلوباً للطرفين. فهو من مقصود العقد نفسـه.

أما القسط الذي يدفعه المستأجر فيمكن أن يتخذ أياً من ثلاثة أشكال هي :



1. مبلغ ثابت متساو لجميع الأقساط ، محدد في العقد. يتألف كل قسط منه من جزء متزايد يقابل أصل ثمن العين المؤجرة ، ومن جزء متناقص يقابل أجرة محسوبة على أساس مجموع الأجزاء المتبقية من أصل الثمن.



2. مبلغ متناقص بشكل تدريجي محدد في العقد ، يتألف كل قسط منه من جزء ثابت يقابل نسبة من أصل الثمن ( مثلاً 10% إذا كانت الإجارة لعشر سنوات ) ، وجزء متناقص يقابل أجرة محسوبة على أساس مجموع الأجزاء المتبقية من أصل الثمن.



3. مبلغ متناقص يتألف من جزأين : جزء ثابت مماثل للشكل رقم ( 2 ) وجزء متناقص غير محدد بذاته في العقد ولكن قد حدد العقد طريقة حسابه ، كأن يكون معدل Libor + 2 % مثلاً ، بحيث يعلم مقداره قبل بدء كل فترة ايجاريـة.



وإلى جانب الإجارة المنتهية بالتمليك نجد نوعاً من الإجارة التمويلية الشائعة ، وبخاصة في السيارات ، وهي إجارة منتهية بالتخيير، لا بالتمليك. ويكون التخيير فيها عادة للمستأجر بين إعادة العين المؤجرة إلى المالك أو شرائها بثمن يحدده العقد نفسه.([6])



التكييف الشرعي للإجارة المنتهيـة بالتمليـك وصورهـا


يتنوع تكييف الإجارة المنتهية بالتمليك باختلاف صورها. لذلك سنستعرض هذه الصورة الخمسة وتكييف كل منها مع ملاحظة أن جميع هذه الصور تتضمن اجتماع عقدين مع بعضهما أو إدخال شروط تمثل عقداً آخر في عقد الإجارة. لذلك فإنه مما يعين في فهم هذه الصور العودة إلى مسألة اجتماع العقود وقد نوقشت في الندوة الفقهية الخامسة لبيت التمويل الكويتي.



فالأصل الشرعي في المعاملات حرية التعاقد وصحة الشروط إلا ما أبطله الشرع أو نهى عنه بنص أو قياس صحيح. ولقد تبين من النصوص المتعددة أن الاجتماع يؤثر في الصحة والبطلان والإباحة والحرمة ، كما في البيع والسلف وزواج المرأة مع أختها أو عمتها. ولقد فصل فضيلة الشيخ الدكتور حسن الشاذلي في آراء المذاهب في اجتماع العقـود. فإذا كانت العقود متفقة الأحكام " يصح عند الحنفية أن تحتوي الصيغـة على أكثر من عقد طالما توافـر في ذلك ثلاثـة شروط هي : 1 ) صلاحية المحل لورود جميع العقـود عليـه ، 2 ) انتفاء الجهالة ، 3 ) أن يصدر القبول موافقاً للإيجاب."([7])

أما إذا كانت العقود مختلفة الأحكام فيطبق الأحناف على اجتماعها رأيهم المعروف في الشروط. فالشرط الذي لا يقتضيه العقد فاسد عندهم، ومفسد للعقد أيضاً.



أما المالكية فيصح عندهم اجتماع الإجارة والبيع ، والإجارة والهبة لعدم تضاد هذه العقود. ومنعوا اجتماع البيع مع الشركة أو مع الصرف لوجود التضاد بينها.([8])

وقد فصل الدكتور الشيخ نزيه حماد في مبدأ التضاد هذا ، وبين أن المقصود منه " وترتب التنافر في موجبات آثار كل من العقدين ،" ([9]) أو العقد والشرط ، لا مجرد الاختلاف والتباين في وضع العقدين وأحكامهما." وأن ذلك التضاد والتناقض إنما يكون إذا ورد العقدان على محل واحد مثل بيع عين وهبتها أو شراء أمة ونكاحها."([10])



كما أوضح أن الاختلاف بين البيع والإجارة ، وبين الإجارة والهبة ليس من باب التضاد والتناقض رغم ما بينهما من اختلاف في الحكم وفي الآثار.([11])



أما مذهب الشافعية ، فيخلص الدكتور الشيخ حس الشاذلي إلى القول بجواز اجتماع العقود اللازمة المختلفة الأحكام ، كالبيع والإجارة ، بعوض واحد في الأظهر من قولي الشافعي ، أما إذا حددت الصيغة عوضاً لكل عقد فيستظهر الصحة ، على قواعد المذهب ، قولاً واحداً. وأما اجتماع عقد لازم مع عقد جائز في صيغة واحدة فيرى فيه الصحة أيضاً ، ما لم يشترط قبض العوض في العقد اللازم في مجلس العقد.([12])

وأما اجتماع عقدي الإجارة والبيع عند الحنابلة فيجعل الكل باطلاً على قول القاضي لأن ملك العين يقتضي ملك المنفعة فكيف يبيعها بعقد الإجارة ؟ ولكن الشيخ التقي يرى صحة ذلك لأنه يعني أن البيع قد استثنيت منه المنفعة لمدة محددة فجاز بيع ما استثني بعقد الإجارة ، وهذا ما يصححه الشيخ الشاذلي ، سواء أكانت الإجارة للمشتري أم لغيره.([13])



ويخلص الأستاذ الدكتور نزيه حماد في ورقته القيمة إلى ثلاثة ضوابط لحظر اجتماع العقود هي :

أ و لاً: أن يكون الجمع بينهما محل نهي في نص شرعي.

ثانيـاً: أن يترتب على الجمع بينهما توسل بما هو مشروع إلى ما هو محظور.

ثالثـاً: أن يكون العقدان متضادين وضعاً ومتناقضين حكماً.([14])



وقد انتهت الندوة إلى التوصية التالية : " يجوز اجتماع العقود المتعددة في عقد واحد ، سواء أكانت هذه العقود متفقة الأحكام أم مختلفة الأحكام طالما استوفى كل عقد منها أركانه وشروطه الشرعية ، وسواء أكانت هذه العقود من العقود الجائزة أم من العقود اللازمـة ، أم منهما معاً ، وذلك بشرط ألا يكون الشرع قد نهى عن هذا الاجتماع ، وألا يترتب على اجتماعها توسل إلى ما هو محرم شرعاً."([15])



وإذا عدنا إلى صور الإجارة المنتهية بالتمليك لتطبيق هذه الضوابط عليها فإنه من المفيد أن نبدأ بعقد الإجـارة المنتهيـة بالتخيير ( لا بالتمليك ) لأن قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 44 ( 6 / 5 ) في اجتماعه السنوي الخامس قد نص على جواز عقد الإجارة المنتهي بالتخيير باعتباره بديلاً مباحاً فقال في وصفه : " عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر ، بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الايجارية المستحقة خلال المدة ، في واحد من الأمور التاليـة:

مـد مـدة الإجـارة.

إنهاء عقد الإجارة ورد العين المأجورة إلى صاحبهـا.

شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة."



وقد لاحظ فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي بأن هذا ليس في الحقيقة من باب الإجارة المنتهية بالتمليك وليس بديلاً حقيقياً عنها.([16]) لأنه لا انتهاء بالتمليك فيه. وأكد ذلك الدكتور محمد علي القري في بحثه المقدم في الندوة الفقهية الخامسة لبيت التمويل الكويتي بإشارته إلى المعنى التمويلي المتضمن في هذا العقد الذي يقتضي أن يحدد سعر البيع في العقد نفسه. لأن من مقصود العقد نفسه أن يتملك المستأجر العين المؤجرة عند انتهاء مدة الإجارة. ولكننا ينبغي أن نؤكد هنا أيضاً بأن شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة يمكن أن يدل على الانتهاء بالتمليك فعلاً بمقتضى العقد نفسه.([17]) لأن تطبيق هذا الشرط يمكن أن يتخذ إحدى ثلاث حالات هي كالآتي :



( أ ) أن يلتزم الطرفان بعقد بيع على العين المأجورة عند انتهاء مدة الإجارة ، بسعر السوق ، وأن يحددا في العقد نفسه أسلوباً معيناً للتعرف على سعر السوق هذا. كأن ينص العقد مثلاً على لجنة من الخبراء تحدد السعر ، أو على عرض العين في سوق معينة بالمزاد مثلاً ، فيكون السعر الملزم للطرفين هو ما تحدده لجنة الخبراء أو ما ينتهي إليه المزاد.

( ب ) أن يلتزم واحد من الطرفين ، البنك الإسلامي مثلاً ، بالسعر السوقي المحدد كما في الصورة ( أ ) دون الطرف الآخر.

( ج ) أن لا يكن السعر ملزماً لكلا الطرفين معاً ، فإن شاءا أمضيا العقد وإن لم يرغبا به أخذ المؤجر العين التي يملكها.



ومن الواضح أن الحالة ( أ ) تنتهي بتمليك مؤكد. بعد مدة عقد الإجارة ، كما أن الحالة الثانية تنتهي بمثل ذلك أيضاً في الغالب ، وبخاصة إذا كان الممول هو صاحب الخيار لأنه يرغب في العادة بالاحتفاظ بالسلعة. أما الحالة ( ج ) فإنها تتضمن أكبر قدر من المخاطرة بحيث تكون غير محببة لكل من المصرف الإسلامي والعميل معاً ، فضلاً عن الموقف السلبي الذي يتوقع للمصرف المركزي أن يتخذه منها بسبب ارتفاع قدر المخاطرة فيها إلى حد يفوق ما يسمح به عادة من السلطة الرقابية النقديـة.





أولاً : الإجارة المنتهيـة بالتمليك عن طريق الهبـة






ينبغي أن لا يغيب عن بالنا أن الإجارة المنتهية بالتمليك هي عقد تمويلي يقصد منه تقديم بديل للتمويل القائم على أساس القرض الربوي. وهو ظاهرة إنما أثارتها على المستوى الشرعي البنوك الإسلامية في سعيها لتنويع البدائل عن الربا من عقود يُستربح فيها بالمال بما يتوافق مع أحكام الشريعة الغراء. وهو أيضاً عقد لم يتم اختراعه من قبل الخبراء المسلمين كما هو الشأن بالنسبة للمرابحة ، وإنما عرفته الأمم الغربية التي لم تعن به كبديل للربا ، لذلك يمكن أن نجد في بعض صوره ظواهر ربوية أو مخالفات شرعية أخرى جاءت بحكم استعارته من الغرب. مما يجعله بحاجة إلى التقنية والتصفية الشرعيتين.

ولكننا بنفس الوقت ينبغي ن لا نندفع وراء التعريفات والتقسيمات الغربية لأنواعه ، لأن هذه التعريفات ليست معياراً شرعياً عندنا ، وإن كانت مفيدة في التعرف على خصائص كل صورة من صوره.



والإجارة المنتهية بالتمليك ـ بصفتها عقداً تمويلياً ـ تطبق في العادة بأسلوب الإجارة للآمر بالشراء أي أنه عند إبداء العميل رغبته بالاستئجار لا تكون العين مملوكة للمصرف ، فيأمره بشرائها ويعِده باستئجارها بعد ذلك. وقد يسبق عقد الإجارة شراء المصرف للعيَن ، فتكون عندئذ إجارة لعين موصوفة. على أنه عند تطبيق الإجارة المنتهية بالتمليك على عين كانت مملوكة للعميل ، واشتراها البنك الإسلامي منه ليؤجرها له ، يتتالى العقدان ، بحيث يشتري البنك الإسلامي العين ، ثم يؤجرها نفسه إلى البائع إجارة منتهية بالتمليك.



فالإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق الهبة عقد إجارة تكون فيها الأقساط عالية بحيث تتيح للمصرف الإسلامي استرداد رأس ماله مضافاً إليه عائد متفق عليه. وبالتالي فإن ما يبرر الهبة هو كون المؤجر قد استرد فعلاً قيمة العين المؤجرة من خلال أقساط الأجرة. على أن العقد يسميها دائماً أقساط أجرة ويعاملها على أنها أجرة من حيث استحقاقها ، واستمرار ملكية المؤجر للعين كاملة ، وعدم نشوء أي حق على العين المؤجرة نتيجة دفع الأجرة عن المدة السابقة إذا طرأ أما يقتضي إلغاء العقد أو الإقالة منه. كما أن الواضح أن العمر الاستعمالي للعين المؤجرة يفوق مدة الإجارة بحيث يكون المستأجر راغباً بامتلاك العين بعد انقضاء عقد الإجارة. وبمعنى آخر فإن قيمة العين المؤجرة في الإجارة المنتهية بالتمليك بجميع صورها تفوق ـ عند انتهاء عقد الإجارة ـ قيمة الخردة البحتة. وإلا لما رغب المستأجر في تملكها بعد عقد الإجارة.

وتتخذ الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق الهبة إحدى صورتين فرعيتين هما :

1 ) : إجارة مع وعد بالهبة ـ ويتم تنفيذ الوعد بعقد مستقل بعد الوفاء بجميع الأقساط الايجاريـة.

2 ) : إجارة مع عقد هبـة فوري ولكنه معلق على سداد جميع الأقساط الايجاريـة.



أما بالنسبـة للصورة الفرعية الأولى ـ وهي ما يطبقه حالياً البنك الإسلامي للتنمية فقد صدر قرار المجمع رقم (1 ) / د3/ 70/ 86 في اجتماعه السنوي الثالث لعام 1407هـ، باعتماد المبادئ التاليـة لها:



المبدأ الأول : أن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية بإيجار المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول شرعـاً.

المبدأ الثاني : أن توكيل البنك الإسلامي للتنمية أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك بغية أن يؤجره البنك تلك الأشياء بعد حيازة الوكيل لها هو توكيل مقبول شرعاً. والأفضل أن يكون الوكيل بالشراء غير العميل المذكور إذا تيسر ذلك.

المبدأ الثالث : أن عقد الإيجار يجب أن يتم بعد التملك الحقيقي للمعدات وأن يبرم بعقد منفصل عن عقد الوكالة والوعد.

المبدأ الرابع : أن الوعد بهبة المعدات عند انتهاء أمد الإجارة جائز بعقد منفصل.

المبدأ الخامس: أن تبعـة الهلاك والتعيب تكون على البنك بصفته مالكاً للمعدات ما لم يكن ذلك بتعد أو تقصير من المستأجر فتكون التبعة عندئذ عليـه.

المبدأ السادس: أن نفقات التأمين لدى الشركات الإسلاميـة كلما أمكن ذلك ، يتحملها البنك.

ومن الواضح أن الوعد بالهبة يحتاج إنجازه إلى عقد جديد ، ويرد عليه الخلاف المعروف حول لزوم الوعد. فمن يرى فيه الإلزام يستند إلى رأي المالكية في التبرعات إذا ترتب على الوعد بها دخول الموعود في التزامات مالية يؤدي النكول بالوعد إلى الإضرار به بشأنها. وهذه الالتزامات هنا هي سداد أقساط أجرة أعلى من أجرة المثل أملاً بتنفيذ هذا الوعـد.



أما الصورة الفرعية الثانية فهي تخرج من الخلاف حول إلزامية الوعد وتدخل في خلاف غيره آخر حول جواز تعليق الهبـة على شرط. ويرى الجواز المالكية والاباضية وبعض الحنابلة والأحناف. أما الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) فعلى عدم صحة تعليق الهبة على الشرط.([18])



ثانيـاً : الإجارة المنتهية بالتمليك عن طريق البيع بثمن رمزي أو غير رمزي يحدد في العقد.




ويكون السعر الرمزي عادة دولاراً واحداً ، وهو يقل كثيراً عن القيمة الحقيقية للعين المؤجرة عند انتهاء عقد الإجارة ، على اعتبار أن المؤجر/ البائع قد استوفى قيمة العين من خلال أقساط الأجرة. وبذلك فإن البيع بسعر رمزي عند نهاية أمد الإجارة لا يبعد عن هبة العين إلا من حيث الشكل فقط.



ويلاحظ هنا أن البيع بسعر رمزي يحصل في البنوك الإسلامية تنفيذاً لوعد ملزم من طرف واحد هو المؤجر/ البنك الإسلامي ، ولا نحتاج إلى المواعدة لأنه ليس في غير صالح المستأجر اقتناء العين بالسعر الرمزي، حيث إنه قد دفع فعلاً ثمنها من خلال أقساط الإيجار.

وينبغي أن نلاحظ في كل من البيع بسعر رمزي والهبة أن العقد لا يقدم حماية كافية للمستأجر، بما يحافظ على حقوقه المتمثلة بالزيادات في أقساط الأجرة الناشئة عن إدخال أجزاء الثمن ضمن هذه الأقساط، والتي قصد منها دفع ثمن العين تدريجياً. فإذا ما طرأ ما يمنع استمرار الإجارة إلى نهاية أجلها، فإن المؤجر يسترد العين وتضيع على المستأجر كل تلك المبالغ التي دفعها لقاء الثمن. يتضح ذلك من بنود صريحة في عقود الإيجار تجعل الأقساط مقابلة للمنافع وحدها بدلاً من المنافع وجزء من ثمن العين. فاتفاقية الإيجار للبنك الإسلامي للتنمية تنص في مادتها الثانية على أن " في مقابل إيجار المعدات للمستأجر يلتزم المستأجر بأن يؤدي للمؤجر أقساط الإيجار." وأن الهبة يلتزم بها المؤجر فقط بعد سداد جميع الأقساط ( المادة 12 ) ، وأن المؤجر يبقى مالكاً للعين حتى انتقال ملكيتها للمستأجر ( المادة 3 ).



وفي هذا ظلم وعدم توازن في التزامات الطرفين العقديـة. ونرى أن السبب في ذلك هو أن هذه العقود قد عاملت الإجارة المنتهية بالتمليك، التي هي بطبيعتها عقد تمويلي ، معاملة الإجارة البسيطة التي لا تؤول إلى التمليك. فطبقت عليها قاعدة أن الأجرة مقابل المنفعة. في حين أن الطبيعة التمويلية للعقد تتضمن أن جزءاً من القسط الايجاري يقابل المنفعة والجزء الباقي يتجه نحو سداد ثمن العين.



من أجل ذلك ألزمت بعض القوانين ( في أمريكا مثلاً ) مؤجري السيارات إيجاراً تمويلياً أن يلتزم المؤجر ببيع السيارة إلى المستأجر بثمن محدد في العقد نفسه. كما أن المنافسة بين شركات التأجير التمويلي للسيارات في أمريكا اضطرتها إلى تخفيض القسط الايجاري إلى الحد الذي يغطي فقط الاستهلاك الحقيقي الناشئ عن الاستعمال العادي للسيارة مضافاً إليه كلفة التمويل البديل المتاح هناك وهو التمويل الربوي البسيط.





وإذا كان الوعد بالبيـع بسعر رمـزي في نهايـة أجل الإجارة ، الملزم للمؤجر وحده يفي بالمطلوب الشرعي المعلق بعدم إجراء عقد البيع، وهو ناقل لملكية العين ومنفعتها ، طالما أن المؤجر ما زال يحصل على ثمن منفعة العين ، فإن عقد الإجارة مع هذا الوعد لا يحقق التوازن بين التزامات وحقوق الطرفين ، لأنه يهدر حق المستأجر في هذه الزيادات ، إذا لم يصل عقد الإجارة إلى نهايته لأي سبب من الأسباب.



أما البيع بثمن غير رمزي يحدده العقد فإنه يتم أيضاً تنفيذاً لوعد في عقد الإجارة نفسه. وإن طريقة تحديد هذا الثمن ، حيث يحقق للبنك الإسلامي الممول ما يحرص عليه من عائد تمويلي مع أخذ الأقساط الايجارية بعين الاعتبار ، تجعل البنك حريصاً على البيع بذلك الثمن ، فلا نحتاج إذن إلى أن يكون الوعد ملزماً له. لذلك يمكن الاكتفاء بإلزام العميل/ المشتري بالوعد ، فيكون الالتزام بالوعد من طرف واحد أيضاً ، كما هو الشأن في الوعد بالهبة والوعد بالبيع بثمن رمزي.



وفي هذه الصورة حالة يمكن فيها للأقساط الايجارية أن تمثل ثمن المنفعة وحدها ( أو العائد التمويلي للبنك الإسلامي ) ، بحيث يبقى ثمن العين ليدفع عند انتهاء أمد الإجارة. وهذه الصورة الفرعية لا يكون فيها أي تغابن بين طرفي العقد. أما الحالة الثانية ، وهي الأغلب في التطبيق في العادة ، فتكون الأقساط الايجارية فيها أكثر بقليل من ثمن العين حتى يُجعل الثمن الموعود للبيع أقل من سعر السوق بقليل مما يشكل حافزاً إضافياً للعميل لتنفيذ وعده بالشراء. وفي كلا الحالتين يشمل القسط الإيجاري بطبيعة الحال ما يقابل الاهتلاك الحقيقي للعين المؤجرة والذي يعبر عنه عادة بمخصصات الاستهلاك. لأن ما يقابل الاهتلاك يدخل في تثمين المنفعة نفسها.



ثالثـاً : الإجارة المنتهية بالتمليك بالبيع التدريجي للعين المؤجرة.


وتتألف هذه الصورة من عقود إجارة متتالية أو مترادفة للحصة التي يملكها الممول/ المؤجر من العين عند بدء كل فترة ايجارية ، فتكون الأجرة لقاء منفعة ذلك الجزء. ويترافق مع كل دفعة للأجرة دفع مبلغ إضافي لشراء أسهم أو أجزاء من العين نفسها وتملكها مع منافعها من تاريخ الدفع. ويستمر ذلك حتى دفع أصل ثمن العين بكامله ، عندئذ ينتهي دفع الأجرة.



وتطبق هذه الصورة بشكل خاص في التمويل العقاري. فهي الصورة التي تطبقها الجمعية التعاونية ( الإسلامية ) السكنية في تورنتو ـ كندا. والصيغة التي تستعملها هذه الجمعية فيها هي صيغة التعاقد ـ لا الوعد ـ على البيع والإجارة. فيكون كل طرف ملزماً ـ بالعقد ـ بالبيع للأسهم المعلومة عند كل دفعة وبإستئجار الأسهم غير المملوكة من العين. ويتضمن هذا العقد عادة خياراً للمشتري بزيادة عدد الأسهم التي يشتريها عند كل دفعة أجرة.



ولا يمكن فيها تطبيق الوعد الملزم لطرف واحد لأن أحوال التمويل العقاري خاصة هي من التغير والتبدل ، مع طول فترته في العادة ، بحيث يحتاج كل طرف إلى إلزام الطرف الآخر بعلاقة عقدية محددة ، لأنه قد توجد ظروف، في وقت أو آخر في المستقبل، تجعل من صالح أي طرف عدم تنفيذ بقية العقد.أي أن المخاطرة المتضمنة في وعد من طرف واحد هي دائماً أكبر مما يستطيع الطرف الآخر أن يتحمله.



ومن الواضح إن هذه الصورة لا تحتوي على بيع ما لا يملك أو لم يقبض ، لأن العين المؤجرة في ملك البائع وضمانه. وقد قبضها فعلاً ثم سلمها للمستأجر/ المشتري لاستخلاص منافعها. وإن القبض لكل سهم يباع عند دفع ثمنه حاصل حكماً لوجود العين في يد المشتري بصفته مستأجراً.

أما المواعدة الملزمة من الطرفين فإنها تغني عن التعاقد على البيوع المتتالية في هذه الحالة عند من يرها ملزمة شرعاً وقضاءً. وقد اعتبر مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة ( 1409هـ) أن المواعدة الملزمة للطرفين " تشبه البيع نفسه ، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكاً للمبيع. " [ القرار رقم 2 ، 3 للدورة الخامسة المنعقدة في الكويت ، ديسمبر 1988 ]. وفي هذه الصورة من الإجارة المنتهية بالتمليك يحصل تجنب لهذا المحظور لأن البائع مالك للعين التي يبيعها ، وإن كانت البيوع المترادفة معلقة على المستقبل ، شأنها في ذلك شأن بيع التوريد.



يضاف إلى ذلك أن هذه الصورة من الإجارة المنتهية بالتمليك تتميز تميزاً واضحاً عن المعاملة الربوية ، لوجود عين فعلية تباع وتشترى على أنجم ، وتستأجر الأنجم غير المملوكـة للمشتري عند بدء كل فترة ايجارية. فهي تتألف من عقود إجارة مترادفة على الأجزاء غير المملوكة للمشتري تتقابل فيها الأجرة في كل فترة ايجارية مع المنافع المملكة للمستأجر ، وعقود بيع مترادفة أيضاً على أنجم من العين تتقابل فيها التزامات الطرفين بانتقال ملكية الثمن وملكية النجم المبيع إلى المشتري. أما المعاملة الربوية فهي زيادة في الدين لا يقابلها شيء.



رابعـاً : الإجارة المنتهية بالتمليك مع تخيير المستأجر بالشراء قبل انتهاء مدة عقد الإجارة بثمن يعادل باقي أقساط الأجرة عدا ثمن المنفعة عن المدة الباقيـة.


الواقـع أن هذه ليست صورة مستقلـة. وإنما هي شرط كثيراً ما يضاف في الصور الثلاث السابقـة. وقد ذكرت سابقـاً أن قسط الأجرة يشمل جزأين: جزءاً لقاء المنفعـة خلال الفترة التي تقع بين القسطين ، وجزءاً من أصل ثمن العـين. ويساوي مجموع هذه الأجزاء أصـل ثمن العين، الذي دفعه المصرف الإسلامي للحصول على العين المؤجرة.



وهذه الصورة من الإجارة المنتهية بالتمليك تتضمن تخيير المستأجر بشراء العين بما تبقى من أصل ثمنها في أي وقت يشاء. ويكون ذلك بالنص على وجود إيجاب مفتوح من الممول/المؤجر بالبيع بما تبقى من أصل الثمن في أي وقت ، أو هو وعد ملزم من طرفه فقط. أما المستأجر/المشتري فيستطيع أن يمارس هذا الحق في أي وقت يشاء خلال مدة العقد. وإذا لم يمارس هذا الحق بالشراء، فإن استمرار عقد الإجارة إلى أجله يعني قيامه بسداد جميع أقساط الأجرة بجزأيها، وبالتالي استحقاقه للعين المؤجرة تنفيذاً للوعد بالبيع بسعر رمزي أو بالهبة، أو بعد اكتمال البيوع التدريجية المتتاليـة.





خامساً : الإجارة المنتهيـة بالتمليـك.


وتكون هذه الصورة ببيع العين إلى المستفيد من التمويل مع استثناء منافعها لمدة الإجارة، بثمن يدفع عند العقد. ثم تباع المنافع المستثناة بعقد إجارة لمشتري العين نفسه. فتكون الدفعة النقدية الأولى لقاء ثمن العين ، وتكون الدفعات الدورية التالية لقاء أجرتها عن مدة استثناء المنافع.



وتبقى العين المؤجرة على ضمـان البائـع لأنها لم يتم تسليمها بيعاً. إذ أن التسليم حصل بموجب عقد الإجارة لا بموجب عقد البيع. ولا يكون تسليم المبيع ـ في عقد البيع ـ إلا بعد انقضاء فترة الاستثناء. أي أن يد المستأجر/ المشتري على لعين خلال فترة الإجارة هي يد أمانة بموجب عقد الإجارة وليست يد ضمان بموجب عقد البيع لأن التسليم لم يتم بعد. وعند انقضاء فترة الإجارة تصبح العين على ضمان المشتري دون حاجة إلى عقد جديد ولا إلى قبض جديد لأنها في يده.



وتمتاز هذه الصورة بأنها لا تحتاج إلى وعد ـ ملزم أو غير ملزم ـ بالهبة أو البيع. وهي لا تغير شيئاً يتعلق بالمسؤولية عن الصيانة والتأمين خلال فترة الإجارة ، لأن العين المبيعة لم يتم تسليمها للمشتري. والمؤجر ما يزال مطالباً بتمكين المستأجر من استخلاص المنافع التي اشتراها. وإن كانت تخفض قليلاً من الضمانات التي توفرها للممول بالإجارة مع الوعد بالهبة أو بالبيع ، لأن الارتباط بعقد البيع منذ بدء التمويل يجعل العين مملوكة للمشتري وإن لم تكن على ضمانه بسبب عدم القبض. فإذا لم يف المستأجر بجميع أقساط الأجرة فإنه ليس في يد المؤجر عدم نقل ملكية العين أو تأخير ذلك كما يحصل في حالة الوعد بالهبة أو بالبيع. وبالتالي فإن هذه الصورة ـ رغم أنها تبدو أوضح وأرجح من الناحية الفقهية ، فإنها تتطلب من المؤجر الحصول على ضمانات أكثر قوة من تلك التي يحصل عليها في الصور الأربعة الأولى.



وهذه الصورة قد قال بها الحنابلة وهي قول عند غيرهم أيضاً كما رأينا في التمهيد الفقهي. وهي تتمتع بنفس المزايا التمويليـة للمستفيد من التمويل ولمقدمه ، التي أشرت إليها في مقدمة هذه الورقـة ، مثلها في ذلك مثل الصور الأخرى. ولا نجد مثلبة لهذه الصورة في مسألة ربط انتقال الملكية بوفاء جميع أقساط الأجرة لأن هذا الربط قليل الفائدة في الصور الأخرى على كل حال ، على اعتبار أن العين هي في يد المستأجر في جميع الأحوال واهتمام الممول ( المؤجر ) بنصب في واقع الأمر على حصوله على أقساط الأجرة أكثر مما ينصب على تأخير نقل الملكية إلى المستأجر. والممول في هذا يحرص على تحصيل ضمانات كافية لسداد دين الأجرة أكثر من اهتمامه بالإمساك عن نقل ملكيـة العين نفسها ، وهو يستطيع تحصيل تلك الضمانات في كلا الحالتين على السواء.

ولكننا ينبغي أن نلاحظ أن استثناء المنافع لمدة معلومة يختلف عن الصور الأخرى للإجارة المنتهية بالتمليك من جانب آخر ، هو حق المؤجر باجرة عن المدة الإضافية الناتجة عن التأخير. لأن بقاء العين أو أية أجزاء منها على ملكه مدة إضافية يتيح له استحقاق أجرة لها عن هذه المدة المضافة ، في حين لا يمكن زيادة مدة المنافع المستثناة من البيع. وهذا فرق مهم بين هذه الصورة والصورة السابقة ، مما يضيق من إمكان استعمال هذه الصورة في جميع الحالات التي لا تتوفر فيها ضمانات كافيـة لعدم التأخير.



نفقات الصيانـة والتـأمين


من الواضح أن المؤجر مطالب بإبقاء العين المؤجرة بحالة يستطيع معها المستأجر استخلاص منافعها المتعاقد عليها. لذلك فقد أقر مجمع الفقه الإسلامي ، أن تبعة الهلاك والتعيب تكون على البنك (المؤجر) بصفته مالكاً.([19]) ويبدو أن للعرف أثراً كبيراً في تحديد ما يقع على المؤجر من أعمال الصيانة.([20]) ذلك لأن مسؤولية المؤجر تقتصر على الصيانة والإصلاح ، اللازمين لتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة. أما ما كانت الصيانة لاستيفاء المنافع مثل مراجعة معايير الحرارة ، والمياه ، والزيوت ، وأعمال الصيانة الوقائية الدورية ، فإنها تقع على عاتق المستأجر.([21])



يضاف إلى ذلك أن كل ما كان معلوماً من نفقات الصيانة الجوهرية، التي تتعلق بتمكين المستأجر من الانتفاع ، يمكن أيضاً تحميله بالشرط على المستأجر ، لأنه يكون ـ عند الشرط ـ جزءاً من الأجرة.



أما ما هو غير معلوم ، نحو نفقات إصلاح جدار ، أو سقف ، إنهدما ، فإنه لا يصح اشتراطه على المستأجر لأنه يُدخل جهالة في مقدار الأجرة مما يفسد العقد. وإن كان من الجائز توكيل المستأجر بالقيام به ، على أن يعود على المؤجر بما يدفع.([22]) ويلاحظ أن معظم أعمال الصيانة غير المتوقعة ، بل جميعها في المجتمعات المعاصرة ، هو مما يخضع للتأمين في الوقت الحاضر.



أما ما يتعلق بنفقـة التأميـن على العين المؤجـرة ، فإذا كانت معلومة ، فهي مما يجوز ـ بالشرط في العقد ـ وضعه على عاتق المستأجر ، واعتباره جزءاً من الأجرة ، سواء أكان التأمين تجارياً عند من يرى جوازه بشروطه ، أم تعاونياً عند من لا يبيح التأمين التجاري ويعتبر أن التأمين التعاوني القائم على التبرع هو وحده المقبول في الشريعـة.



يضاف إلى ذلك أن التأمين التعاوني ، القائم على التبرع ، يمكن اشتراط نفقته على المستأجر ، لأنها اشتراط تبرع لطرف ثالث ، حتى لو لم تكن معلومة عند العقد ، لأن دفع القسط في هذا التأمين ، يكون على سبيل التبرع ، ولا بأس أن يتبرع غير المالك ، وأن يشترط المتبرع لغيره الاشتراك معه في المنفعـة.([23])



على أنه لنا أن نلاحظ ، أنه يمكن في جميع الأحوال أن يشترط في عقود الإجارة ، وبخاصة تلك التي تصدر بموجبها صكوك تأجير ، أن يقوم المستأجر بأعمال الصيانة والتأمين. فإذا كانت هذه الأعمال معلومة النفقة ، واشترط أن يتحملها المستأجر ، فهي جزء من الأجرة. وإذا كانت معلومة ، واشترط قيام المستأجر بها ، وكالة عن المالك ، فإنها معتبرة عند حساب الأجرة الصافيـة ، بمعنى أن ما يعود على حامل الصك هو الأجرة ، منقوصاً منها المبلغ المعلوم للصيانة والتأمين. وطالما أنها معلومة فإنها لا تؤثر على مشروعية الإجارة المنتهية بالتمليك ، ولا صكوك التأجير. ولا تؤثر كذلك على مردود الإجارة للممول ، سواء رجع فيها المستأجر على المؤجر أم لم يرجع ، لأنه لو رغب المؤجر بعائد صاف محدد لَضم هذه النفقة المعلومة إلى إجمالي الأجرة بحيث يبقي الصافي هو المقدار المرغوب فيه.



أما إذا كانت نفقة الصيانة والتأمين غير معلومة ، وكانت مما لا يجوز أن يتحمله المستأجر بالشرط ، فإن قيام المستأجر بها وكالة عن المالك يلقي على المؤجر عبئاً مالياً فقط ، يتمثل بقدر من المخاطرة يتحمله المالك ، ويؤثر بالتالي على العائد المتوقع للمؤجر.



على أننا ينبغي أن نلاحظ أن كون الإجارة المنتهية بالتمليك عقداً تمويلياً يعني أن اهتمام الممول يتركز في الحصول على العائد المناسب بطريقة تبيحها الشريعة. لذلك فإن التأمين المناسب لهذا العقد ينبغي أن يشمل الهلاك والتعيب والعائد ( الأجرة ) الفائت نتيجة الهلاك والتعيب وخلال فترة التعطل بسبب الصيانة التي تقع على عاتق المؤجر.



وهناك ملاحظتان لا بد من إضافتهما في معرض الحديث عن نفقات الصيانة والتأمين غير المتوقعة. الملاحظة الأولى تركز على إمكان تحميل المستأجر هذه النفقات بصفة يده يدَ أمانة ، بالشرط على الرأي الذي يرى أن تضمين يد الأمانة بالشرط جائز طالما أنه ليس فيه توسل إلى محظور. وليس في تضمين المستأجر هلاك أو تعييب العين المؤجرة توسل إلى محظور، وبخاصة إذا اتضح في الذهن الفارق المميز بين التمويل الإسلامي المشروع والتمويل الربوي.



فالتمويل المشروع يستند إلى وجود سلعة حقيقية تُنتَج أو تُمتلَك ، ويتم تداولها أو تداول منافعها. وذلك من خلال المشاركات والبيوع والاجارات. أما التمويل الربوي فيقوم على الزيادة في الديون ، سواء عند إنشائها بالإقراض الربوي ، أم عند إعادة جدولتها بـ " أنسئ وأرب."



والإجارة بأشكالها تستند إلى وجود عين حقيقية تمتلك وتباع منافعها. فهي تختلف اختلافاً جوهرياً مؤثراً في الحكم عن المعاملة الربوية. فلا يكون في ضمان يد الأمانة فيها توسل لاستباحة محظور ، وذلك لبقاء الفارق المميز منذ بدء المعاملة التمويلية الإيجارية إلى نهايتها.



أما الملاحظة الثانية فتتعلق بخدمة التأمين نفسها. وهنا لا بد من تأكيد أن الأخطار المؤمن عليها يمكن أن تشمل الهلاك التام والجزئي وكل تعيب يؤدي إلى فوات المنافع أو صعوبة كبيرة في تحصيلها ، إضافة إلى بدل المنافع الفائتة أو ثمنها ( الأجرة ). فهو يشمل إذن جميع أنواع الصيانة غير المعلومة عند عقد الإجارة فضلاً عن فوات الأجرة بسببها. وخدمة التأمين هذه هي مما يمكن وصفه وبيانه بدقة كبيرة بحيث تحدد جميع عناصر ومشمولات هذه الخدمة.



وهذه المخاطر تتأثر كثيراً جداً بالأشخاص الذين يشغِّلون الآلات وغيرها من الأعيان المؤجرة ، مع تفاوت واضح ، في هذا التأثير ، بين الآلات الثابتة كالمولدات الكهربائية مثلا ً، والآلات المتحركة كالسيارات والبواخر ، والمباني كالمصانع والهكتارات ، والأراضي. فكل نوع من الأعيان يتأثر بالمستأجر ( المشغِّل ) بدرجة تتفاوت عن الأنواع الأخرى. فاحتمالات حدوث المخاطر في السيارات مثلاً قد دلّت التجارب المتكررة والمعلومات الإحصائية أنها تتأثر بعمر السائق ، وحالته العائلية من متزوج أو عزب أو مطلق أو متزوج أو أب لأطفال صغار أو كبار ، وحالته الصحية ، ومستواه التعليمي ، وعاداته الاجتماعية ، وما يتناوله عادة من مشروبات ، وكونه مدخناً أو غير مدخن ، وجدِّه واجتهاده إن كان طالباً ثانوياً أو جامعياً ، وطبيعة عمله وبعده أو قربه من سكنه ، وأسلوبه في قيادة السيارة ، وعدد وأعمار من يركبون معه عادة ، وأغراض استعماله للسيارة للعمل أم للنزهة أم للأسرة وحاجاتها أم غير ذلك ، وحالته النفسية وما يتعرض له عادة من ضغوط ، ومدى توفر سيارات أخرى لدى الأسرة ، والمنطقة التي يستعمل سيارته فيها أو يعيش فيها ، وتوفر موقف خاص للسيارة في البيت أو العمل من عدم ذلك ، وعوام كثيرة أخرى ، وكذلك التغيرات المتوقع حصولها في فترة التأمين على كل ذلك مقدَّره من متغيرات الماضي ، فالمطلق مثلاً غير صاحب الأسرة المستقرة والذي يكثر تبديل عمله غير صاحب العمل المستقر.



ومثل ذلك قيادة الطائرات والبواخر وغيرها من الآلات المتحركة. كما ينطبق ذلك إلى درجة أقل على معظم أنواع الآلات الثابتة التي يشغلها أشخاص أو التي تعمل بصورة أوتوماتيكية متتالية ، كما ينطبق إلى درجة أقل على المباني. ويضاف هنا أيضاً أساليب الشركة في تدريب ملاحيها وعمالها ، ومعاملتهم ، ونظام العمل وساعاته ، وأساليبها في الصيانة والفحص الاحتياطي والدوري وغير ذلك من عناصر ، مما لا يمكن ضبطه بالنظم القانونية وحدها. فلا تكتفي شركات التأمين بتوفر رخصة القيادة مثلاً ولا بالعمر القانوني للسائق.



وبعبارة أخرى فإن التأمين على الأعيان المؤجرة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشخص المستأجر. ومن البدهي أن كل هذه العناصر لا تؤثر فقط على نوع المخاطر التي يؤمن عليها ، وإنما تؤثر أيضاً على أسعار التأمين. فتتفاوت أقساط التأمين تفاوتاً كبيراً حسب هذه العوامل والمؤثرات. ولا ينطبق ذلك على التأمين عن المخاطر التي تؤثر على الآخرين في أشخاصهم وأموالهم ، أي المخاطر الناشئة عن المسؤولية التقصيرية Liability Insurance ، بل تشمل المخاطر التي تتعرض لها العين نفسها ، كالسيارة والطائرة والمبنى.



ومعظم هذه العناصر هي مما لا يستطيع المؤجر التدقيق في معرفتها عند العقد لكثرتها وتنوعها وتغيرها المستمر. الأمر الذي يجعل القول بأن التأمين يقع على المؤجر شيئاً غير عملي عند التطبيق الفعلي في الحياة المعاصرة المعقدة.



والبديل الذي يمكن تقديمه هو النظر إلى ما يهم المؤجر من خدمة التأمين ، لأن هذا الجانب يمكن تحديده ومعرفته بدقة بالغة. فالمؤجر يهتم فقط بثلاث نقاط ، هي : 1 ) الهلاك الكامل للعين المؤجرة وهي معروفة القيمـة ، 2 ) والتعيب الجزئي الذي لا يتجاوز حده الأقصى قيمة العين، 3 ) وفوات ثمن المنافع الناشئ عن ذلك وهو ثمن محدد ومعروف في عقد الإجارة.



أي أن جميع عناصر خدمة التأمين معروفة ومحددة عند عقد الإجارة بحيث يمكن إدخالها في الأجرة فتكون الأجرة مؤلفة من مبلغ نقدي وخدمة عينية هي خدمة التأمين المعروفـة عند العقـد. فإذا أمكن النظر إلى خدمات التأمين على أنها خدمات عينية ، فإنه يمكن إذن إعادة النظر بعقود الإجارة المنتهية بالتمليك وتنقيتها من المخاطرة المتضمنة في عدم معلومية الصيانة الجوهرية بتحويل ذلك إلى خدمة تأمينية معلومة عند تاريخ عقد الإجارة.







القسم الثاني: صكوك التأجير






سنناقش في هذا القسم الصكوك التي تمثل ملكية أعيان مؤجرة ، من حيث تكييفها الشرعي واستعمالاتها والحاجة إليها.



تعريف

صكوك التأجير هي وثائق خطية تمثل أجزاء متساوية من أعيان مؤجرة


فالصك التأجيري لا يمثل مبلغاً معيناً من المال ، ولا هو دين على جهة معينة ، أو شخص طبيعي أو اعتباري من حكومة أو غيرها. وإنما هو سند أو ورقة تمثل جزءاً من ألف جزء مثلاً من عقار أو طائرة أو جسر أو طريق. ويمتاز عن ورقة القيد العقاري لهذه الموجودات الثابتة في أن العين التي يمثل صك التأجير سهماً فيها مرتبطة بعقد إجارة. وهذا الارتباط يجعل للصك عائد هو حصته من الأجرة.



ويمكن لهذه الصكوك أن تكون اسميـة ، يحمل الصك منها اسم مالكه ويتم انتقال ملكيته بالقيد في سجل معين لذلك ؛ أو تكون للحامل ، بحيث تنتقل الملكية بالتسليم ، كما هو الشأن في أسهم شركات المساهمة.([24])



تمهيد فقهي
هناك بضعة مسائل فقهية تحتاج إليها صكوك التأجير ينبغي بيانها ، رغم أنها من الأمور المعروفة الشائعة في باب الإجارة في كتب الفقه ، وهي المسائل التاليـة :





1- توثيق عقد الإجـارة خطيـاً :


لا يختلف الفقهاء في إباحة توثيق ملكية العين المؤجرة بصك خطي. بل إن ذلك مما يقاس على كتابة الديون التي حث عليه القرآن الكريم. ثم إن كثيراً من الدول الإسلامية اليوم تشترط توثيق الملكية بصك خطي في العقار ، وهو أمر اعتبره الفقهاء المعاصرون من المصالح العامة التي تحافظ على الحقوق.



وقد تعرض مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي لهذا الموضوع ضمناً عندما قرر : " إن المحل المتعاقد عليه في بيع الأسهم هو الحصة الشائعة من أصول الشركة ، وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة "([25]) بل إن المجمع قد اعتبر قبض شهادة السهم بمثابة قبض " للحصة الشائعة في أصول الشركة " عندما أباح " إصدار أسهم لحاملها وتداولها."([26])



2- بيع العيـن المؤجـرة:


ليس من مقتضيات عقد الإجارة حرمان المالك المؤجر من التصرف بملكه ، بما لا يضر بحق المستأجر في حصوله على المنفعة التي تملكها بالعقد ؛ لذلك فإن تصرف المالك مقيد بحق المستأجر الذي تملك المنفعة بعقد الإجارة. ولقد نص الأحناف على أن البيع يصح في حق المتبايعين ولا يصح في حق المستأجر ،([27]) رغم أنهم يقولون بجواز فسخ الإجارة بعذر وبانفساخها بانتقال ملك العين إلى الوارث.([28])



فإذا باع المالك عيناً مؤجرة، ولم يستثن منافعها لمدة الإجارة، فإن الأجرة تستحق للمشتري من حين الشراء. ولقد نص على ذلك الحنابلة قال البهوتي في شرح منتهى الإرادات: والأجرة من حين الشراء له ( أي للمشتري ) نصاً، " ورد على المعارض بأن ملك عوض المنفعة، وهو الأجرة، ولم يستقر بملك البائع بعد، حتى إنه إذا انفسخت الإجارة، رجعت المنافع إلى البائع." فإذا باع العين، ولم يستثن شيئاً، لم تكن تلك المنافع، ولا عوضها، مستحقاً له ( أي للبائع ) لشمول البيع للعين ومنافعها. فيقوم المشتري مقام البائع فيما كان يستحقه منها، وهو استحقاق عوض المنافع مع بقاء الإجارة، إن كان المشتري غير المستأجر."([29])



وقد ذكر القرافي أن "بيع الدار المستأجرة ( من المستأجر ) لا يوجب الفسخ، ويستوفي المبتاع المنافع بحكم الإجارة، ومن غيره يصح أيضاً، وتستمر الإجارة إلى آخر المدة."([30]) كما ذكرت الموسوعة الفقهية (ج1 ، ص274) أن "لا تفسخ الإجارة بالبيع" وهو رأي الأحناف والحنابلة والشافعية في الأظهر وقول للمالكيـة.



ويمكن تأكيد هذه المسألة، بأن ينص عقد البيع، صراحة، على بقاء الإجارة لمدتها، وقبول المشتري بذلك، وأنه يقبل بحلوله محل البائع في جميع حقوقه وواجباته التعاقدية فيما بينه وبين المستأجر.

كما يمكن أن يتضمن عقد الإجارة، نفسه تأكيد حق المالك المؤجر ببيع العين المؤجرة لمن يشاء وقبول المستأجر انتقال عقده ـ بكل شروطه ـ إلى المشتري.

وبجعل هذين التوضيحين جزءاً من شروط العقد لا نخالف أي نص شرعي يتعلق بالإجارة أو البيع ، وبخاصة أنها شروط لا تتنافى مع مقتضى العقد بل إنها تؤكده. وبذلك نكون قد مهدنا السبيل لظهور صكوك التأجير دون أن نقع في منطقة الخلاف بين الفقهاء فيما يتعلق بآثار انتقال الملك على عقد الإجارة.



3- هبـة العيـن المؤجـرة ووقفهـا


ومن جهة أخرى فإن الشريعة لا تمنع ورود بعض العقود الأخرى على الإجارة نحو الوصية والهبة، فضلاً عن البيع. فيمكن للمالك أن يبيع أو يهب أو يقف العين المؤجرة، دون أن يؤثر ذلك على حقوق المستأجر.

وكما يصح البيع لغير المستأجر، يصح للمستأجر أيضاً، دون أن يؤثر ذلك على الإجارة بفساد أو فسخ.([31])





4- إجـارة المشــاع


اختلف الفقهاء في إجارة المشاع ( أي إذا كانت العين المتعاقد على منفعتها مملوكة مشاعاً ). فقد أباحها أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، والمالكية ، ولأنها تصرف المالك في ملكه ، ويكن فيها الاستيفاء بالمهايأة.([32]) ولم يجزها أبو حنيفة لعد م إمكان استيفاء المنفعة إلا بالتصرف في حصة شريكه ، وليس له ذلك ، (وأبو حنيفة لا يقول بالمهايأة ) ، إلا إذا كانت الإجارة لشريكه فيمكن فيها الاستيفاء. أما الحنابلة ، فأجازوها للشريك ومنعوها للغير.([33])



ويتضح من خلافهم أن إمكان استيفاء المنفعة هو مدا ر الجواز فحيثما أمكن للمستأجر استيفاء المنفعة ـ كالإجارة للشريك ـ جازت إجارة المشاع باتفاق الجميع. لذلك نجد الحنابلة قد نصوا أيضاً على جواز إجارة المشـاع إذا أجر الشركـاء كلهم معاً لآخـر.([34]) فإذا كانت إجارة المشاع جائزة بعقد واحد ، فمن باب أولى جواز الإجارة ، دونما خلاف بين الفقهاء ، بعقد واحد ، مع تساوي حصص المالكين ( أصحاب الصكوك ) وانطباق نفس الشروط التعاقدية عليهم جميعاً.



والمشهور عن أبي حنيفة أن الشيوع الطارئ بعد عقد الإجارة لا يفسدها ، على خلاف الشيوع عند العقد ، لأنه ليس كل ما يشترط في إنشاء العقد يشترط لبقائه.([35]) وهذا يعني أنه لو تمت إجارة العين ثم بيعت أسهماً مشاعاً ، فإن ذلك لا يفسد عقد الإجارة عنده.



5- بيــع المشـــاع


ويجوز بيع المشاع بلا خلاف ، فقد قاس صاحب البدائع إجارة المشاع المختلف فيها على بيع المشاع غير المختلف فيه ، كحجة من أجل بيان جوازهـا. وكذلك فقد أجاز مجمع الفقـه الإسـلامي بيع الأسهم في الشركات ، وهو بيع مشاع. وذلك بقراره رقم 65/1/7 المتخذ في مؤتمره السابع المنعقد بجدة في ذي العقدة 1412هـ.



6- وقـت دفـع الأجـــرة


لم يذكر الفقهـاء وقتاً معينـاً لوجوب دفـع الأجرة ، في إجارة العين ، أو العمل. ولكنهم اتفقوا على أنه يجوز للمتعاقدين الاتفاق على تحديد وقت دفع الأجرة فيما بينهما. وقد خالف في ذلك الشافعية والحنابلـة فقالوا بوجوب تعجيـل الأجرة في حالة ما إذا كانت الإجارة إجارة في الذمة ، قياساً على السلم ، ومنعاً لأن يكون العقد كالئاً بكالئ.([36]) ويقول غيرهم إن الإجارة ليست سلماً ، إلا إذا استعمل فيها لفظ السلم ، فلا يشترط فيها على هذا القول تعجيل الأجـرة.



7- الإجـارة الموصوفـة في الذمــة


اتفقت المذاهب الأربعة على جواز الإجارة الموصوفة في الذمة ، ولم يشترطوا فيها وجود العين عند العقد ، لأنها في هذا مثل السلم ،([37]) على صحة تأجيل المنفعـة فيها إلى وقت معلوم ، كما اتفقت المذاهب الثلاثة ( عدا الشافعية ) على جواز إضافة إجارة العين المعينة إلى زمن مستقبل.([38])



8- تأجيــر المستـأجـر


اتفق الفقهاء على جواز أن يبيع المستأجر ما ملكه ، من منفعة بعقد الإجارة لثالث ، لأن من موجبات الإجارة تملك المنفعة المعقود عليها، والناس مسلطون على ما يملكون.([39]) وبذلك فإن حق المستأجر في استيفاء المنافع المعقود عليها بعقد الإدارة هو حق قابل للتداول ، بيعاً ، وإعارة ، وهبة ، شريطة أن لا يخل ذلك بأي من شروط الإجارة ، كأن لا يركب على الدابة المستأجرة للركوب من هو أثقل منه مثلاً.([40]) ولا يختلف الأمر بين ملك منفعة العين ، ومنفعة العمل في ذلك.



9- العمر الاقتصـادي للعـين المؤجــرة


لم يتحدث الفقهاء عن العمر الاقتصادي للعين المؤجرة ، وإن كانوا تحدثوا عن اشتراط أن لا يؤدي استيفاء المنفعة المبيعة إلى استهلاك العين نفسها.([41]) وبالتالي فإنه من الممكن إجراء العقد لكامل العمر الاقتصادي للعين المؤجرة ، طالما أن أصلها يبقى دون أن يستهلك باستيفاء المنفعة. فالآلة ، نحو الطائرة ، أو قاطرة السكة الحديدية أو آلة الطباعة في مطبعة ، أو غير ذلك من الآلات يقدر لها في العادة عمر اقتصادي ، لا يكون من المربح اقتصادياً تشغيلها بعده ، على الرغم من بقائها من الناحية المادية ، وإمكان استعمالها أو الاستفادة منها أحياناً. غير أن هذه الإفادة ـ في نفس ما أعدت له الآلة ـ مثل النقل بالنسبة للطائرة ، تصبح عملية غير اقتصادية ، أي أن تكاليفها أكثر من عائداتها. وقد تبقى للعين قيمة بعد انقضاء عمرها الاقتصادي ـ وهو الغالب ـ فيكون لها ما يسمى بالقيمة المتبقية ، بحيث تصلح لاستعمالات أخرى غير ما أعدت له أصلاً ، نحو أن تؤخذ منها قطع التبديل فتباع منفصلة ، أو أن تستعمل كمعدن ، يذاب ، وتعاد صناعته مرة ثانيـة. وفي بعض الأحيان تكون القيمة المتبقية ضئيلة جداً ، بحيث يزهد مالكها بالانتفاع بها ، أو قد يكون نقلها مكلفاً ، أ كثر من القيمة المتبقية ، فيتركها للمستأجر.



ولم يضع معظم الفقهاء حداً لمدة الإجارة لا يجوز تجاوزه في العقد ، وإن كانوا جميعاً اشترطوا أن تكون المدة معلومة في الإجارة ، التي تتحدد فيها المنفعة بالمدة ، كإجارة الدور للسكنى. وبالتالي فإن طول مدة الإجارة لا يضر. وقد اشترط الحنابلة ـ في قول ـ أن يغلب على الظن بقاء العين طيلة مدة الإجارة. وقال المالكية بتحديد المدة في بعض الإجارات ، كالعامل لخمسة عشر عاماً ، أما الدور ـ ونرى أن مثلها الآلات وسائر العقارات ـ فبحسب حالها.([42]) من ذلك يتضح أنه يمكن أن تكون الإجارة لجميع العمر الاقتصادي المتوقع للأصل الثابت المؤجر.



10- إجارة العين التي تنتج أعياناً استهلاكية غير ناضبـة


اختلف الفقهاء في جواز إجارة العين التي تنتج أعياناً، لا منافع، نحو إجارة الشاة للبنها، والبئر لمائها. أي إذا كانت الإجارة تتضمن استيفاء أعيان نحو اللبن والماء واستهلاكه. فالجمهور على عدم الجواز. وقد فرق ابن تيميه بين نوعين من الأعيان: أعيان تحدث شيئاً بعد شيء مع بقاء أصلها نحو لبن الظئر وماء البئر، وأعيان ليست كذلك. فالأولى لها حكم المنافع تجوز فيها الإجارة، حسب رأي ابن تيميه. وبذلك فإنه يعتبر جواز إجارة الظئر للبنها أصلاً، يقاس عليه، لا استثناء من الأصل، جاء على خلاف القياس.([43])



11- البيـع مع استثنـاء بعض المنـافع


أجاز الحنابلة استثناء بعض المنافع في البيع ، نحو بيع الدار مع اشتراط سكناها سنة ، للبائع أو لغيره. واشترطوا أن يكون الاستثناء معلوماً ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم " نهى عن الثنيا ـ الاستثناءـ إلا أن تعلم. " وهذا الاستثناء لبعض منافع العين لمدة معلومة، كسكنى الدار المبعية سنة مثلاً هو استثناء معلوم.([44]) ويؤيدهم المالكية في ذلك ، إذا كان المنتفع من الاستثناء هو البائع نفسـه.([45]) غير أن الحنابلة يؤكدون أن للمستثني أن يؤجر ما استثناه من منفعة ، أو يعيرها لغيره، أي أن له التصرف بها تصرف المالك بملكه، لأنه يملك المنفعة المستثنـاة، كما يملك المستأجر منفعـة الدار التي استأجرها.([46]) وفائـدة هذا الرأي أنه يساعد على تخريج صورة بديلة للإجارة المنتهيـة بالتمليك، كما رأينا في القسم الأول من هذه الورقـة.



12- اجتمـاع الإجـارة والوكـالـة


يمكن للمؤجر أن يوكل المستأجر ـ في عقد إجارة عين موصوفة في الذمـة ـ ليقوم بشراء العين ، وقبضها من البائع وكالة عن المشتري، ثم تسلمها لنفسه بصفته مستأجراً . إذ لا يوجد في الشريعة ما يمنع توكيل المستأجر من قبل المؤجر. كما أن الجمع بين عقدي الإجارة في الذمة ، والوكالة ، لا يوجد ما يمنعه في الشريعة ، فهما ليسا عقدين متعارضين ، ولا يتضمن الواحد منهما أية شروط تؤثر على الآخر. وقد أكدت ذلك الأبحاث المقدمة في الندوة الفقهية لبيت التمويل الكويتي المشار إليها فيما سبق.





13- المخاطـرة في الإجـارة والشـركـة


أثار بعض المعاصرين([47]) أن المشاركة أكثر عدالة من الإجارة ، لأن الشركاء يتسـاوون في المغنم والمغرم ، ويشتركون في الخوف والرجاء ، فلا تقتصر المخاطرة في الشركة على طرف واحد ، على عكس الإجارة التي يعتبرون المؤجر فيها أقل تحملاً للمخاطرة من المستأجر ، حيث يحصل الأول على شيء مضمون ، في حين يبقى الآخر معرضاً للمخاطرة. وقد استندوا في ذلك إلى أقوال نقلوها عن شيخ الإسلام ابن تيميـه.



وهذا الاعتراض على الإجارة ـ في نظرنا ـ غير صحيح ؛ فليس من الصواب القول بأن المشاركة أكثر عدالة من الإجارة ، من حيث تحمل المخاطرة. ذلك أن المقارنة بينهما ينبغي ن تنظر إلى طبيعة كل منهما والفترة الزمنية لمشروع المشاركة ومشروع الإجارة.



فالإجارة بيع لمنافع عين. وهذه المنافع هي نفسها المنتوج النهائي لمشروع استثماري ، ابتدأ بالحصول على العين ، من أجل بيع منافعها. وقد تعرض صاحب هذا المشروع لجميع المخاطر المرتبطة بمشروعه ، سواء منها تلك الناتجة عن عوامل الطبيعة ، أم السوق ، أم التقدم العلمي.



والمشاركة هي مشروع آخر ، يبدأ بالحصول على العين ، والإفادة من منافعها لإنتاج خدمة ، أو سلعة. فلا بد ، من أجل المقارنة بينهما ، من اختيار النقطة الزمنية التي تناسب طبيعة كل منهما ، ولا تصح المقارنة بين مخاطر الإجارة عند نقطة من الزمن ، هي نقطة عقدي الإجارة والشركة ، لأن هذه النقطة تقع عند بدء مشروع الشركة الاستثماري ، في حيث هي نقطة قريبة من نهاية مشروع الإجارة الاستثماري. وبحكم ذلك ، فهي عند بدء جني ثماره ، كالزارع عندما يبيع ثمرته ، فلا يقال إن الزراعة ليس فيها مخاطرة لأن الزارع لا يتحمل مخاطر السلعة بعد عقد البيع ، وانتقال السلعة للمشتري ، لأن زمن البيع بالنسبة له هو وقت انتهاء المخاطر وقت تحصيل ثمرات الجهد. والمخاطرة قد كانت زمن الزراعة ، فهي تبدأ عند بدء المشروع، وتنتهي عند جني الثمرة وبيعها.



إن المقارنة الصحيحة ـ من حيث المخاطرة ـ ينبغي أن تشمل كل المدى الزمني الذي يعيشه المشروع. فمشروع الإجارة يبدأ عند شراء العين لتأجيرها. فهو إذن يتضمن من مخاطر التملك ، وضمان العين المملوكة ، وتحمل مخاطر القرار الاستثماري السوقية ، والتكنولوجية ، ما يجعل معيار العدالة التبادلية متوافراً بتمامه عند مبادلة ثمرة مشروع الإجارة ـ وهي منافع العين المؤجرة ـ بعوضها ، أي الأجرة ، التي تحددها عوامل السوق بشروطها لمعروفة. أي أن المؤجر ، عند عقد الإجارة ، يكون قد تحمل كل أعباء المخاطر المعلقة بمشروعه الاستثماري ، وهي ذات نوع المخاطر التي يتحملها الشريك في مشروع الشركة التي يساهم فيها.



ولا ينكر أن المشروعات تتفاوت ، فيما بينها ، من حيث المخاطرة، فالمخاطرة في مشروع زراعي مثلاً تختلف عن المخاطرة في مشروع تملك عقار وتأجيره ، والمخاطرة في تجارة العقارات تختلف عن المخاطرة في تجارة السلع الصناعية كالملابس، أو تجارة السلع الزراعية السريعة الفساد كالخضروات. وأسعار السوق تتضمن في العادة نصيباً من الربح يقابل المخاطرة ، فكلما زادت المخاطرة في مشروع كانت أرباحه أكثر ارتفاعاً في الأحوال العاديـة.



ولكن شكل العقد، بين المشاركة والإجارة، ليس عاملاً في تحديد مقدار المخاطرة التي يتحملها صاحب المشروع، والربح يكون على المشروع وليس على العقد. لذلك لا نرى مبرراً للحديث عن اعتبار المشاركة أفضل من الإجارة، من حيث المخاطرة، وبخاصة أن هذا التمييز قد يقصد منه أحياناً اعتبار الإجارة قريبة من الربا الذي تنعدم فيه المخاطرة. فالعائد في الربا هو زيادة على مال انشغلت به الذمة، في حين أن الأجرة في الإجارة هي ثمن منفعة العين المؤجرة، وهذه المنفعة هي الثمرة النهائية لمشروع استثماري مادي حقيقي، يبدأ من شراء العين وينتهي عند قطف ثمارها بالتأجيـر.



14- حـق الشفعــة


يقول بعض المذاهب بحق الشفعة للشريك. والأصل في الشفعة أنها في العقار، وما يلحق به. وعند من يقول بالشفعة في الشركة، حتى في غير العقار، فإن الشفعة تسقط بالتسليم وترك المخاصمة عند بعضهم، وتسقط عند الجميع بالشرط، أي إذا تم التصريح في عقد الإجارة نفسه، أو في صكوك التأجير، بأن جميع الشركاء في الملك يتنازلون عن حقهم في الشفعـة.



لذلك نرى أن مثل هذا النص في العقد يقطع الخلاف ، ويسمح بتداول السند ، وبيعه لأي مشتر دون الوقوع في خلاف الفقهاء. وبخاصة أن مجمع الفقه الإسلامي قال بجواز بيع الأسهم ولم يقيد ذلك بحق شفعـة لمالك أسهم أخـرى.





تحويل الإجارة إلى صكـوك




تقوم فكرة صكوك التأجير على تحويل التمويل بالإجارة إلى شكل سندات تمويلية أو ما يسمى Securitization of Lease. ويمكن تعريف التحويل إلى سندات Securitization بأنه " وضع موجودات دارّة للدخل ، كضمان ، أو أساس ، مقابل إصدار صكوك ، تعتبر هي ذاتها أصولاً ماليـة."([48])



وعملية التحويل إلى سندات عملية عامة لا تتحدد فقط بالإجارة ، فأي مجموعة من الموجودات يمكن وضعها أساساً لإصدار صكوك مالية. ويمكن لهذه الموجودات أن تكون أصولاً عينية ، كمصنع يصدر مالكه صكوكاً ، أو أسهماً ، أو سندات بقيمته. أو تكون مجموعة من الأصول العينية ، والنقدية ، والديون في الذمة ، والمنافع ، تُجمع بعضها مع بعض ، وتصدر بها صكوك تمثل ملكيتها. وعندئذ ، لا بد لجواز تداول هذه السندات ، من وجهة نظر الشريعة الإسلامية ، من توفر شرط غلبة الأعيان والمنافع ، كما بينت ذلك فتوى مجمع الفقه الإسلامي بقراره رقم 5 في مؤتمره الرابع بالمنعقد بجدة من 18 إلى 23 جمادى الآخرة 1418هـ ( 6 ـ 11 / 2 / 1988م).



والذي يهمنا من هذه الفتوى ـ فيما يتعلق بفكرة صكوك التأجيرـ هو الأعيان ( الأصول العينية ) المعمرة والأعيان التي لا تستهلك باستيفاء منافعها.



فإذا كانت هذه الأعيان المعمرة مؤجرة ، فإنها تدر دخلاً هو الأجرة محسوماً منها ما يقع على عاتق المؤجر من أعباء ونفقات. وبالتالي فإن هذه الأعيان يمكن تمثيلها بصكوك ، أي تحويلها إلى صيغة الأصول المالية ، عن طريق إصدار صكوك ، هي عبارة عن شهادات ملكية لهذه الأعيان المؤجرة. وهذه الصكوك يمكن تداولها حسب الفتوى المذكورة.



صـور صكـوك التأجـير


يمكن لصكوك التأجير أن تتخذ صوراً عديدة ، نقتصر على الصورة الأكثر أهميـة ، والتي يمكن تفريع صور أخرى كثيرة عليها.



الصورة الأولى :
وهي الصورة المبسطة لهذه الصكوك. وهي تقوم على وجود عقار مملوك لشخص واحد ، يحمل سنداً يمثل ملكيته للعقار ، وهو مؤجر لطرف آخر هو المستأجر ، الذي يدفع للمؤجر أجرة للعقار ، بصورة دورية ، غرة كل شهر مثلاً. فالسند هنا هو صك تأجير. ويمكن لهذا الصك أن يصدر عن إدارة حكومية معينة هي إدارة السجل العقاري، أو عن المستأجر الذي يحوز العقار ويستوفي منافعه، أو عن مالك العقار نفسه. ويتضمن هذا الصك وصفاً للعقـار، بعينه، وأوصافه، واسم مالكه، وبياناً لشروط إجارته، مع اسم المستأجر، وسائر المعلومات الإجرائية اللازمـة.



ويمكن بيع هذا العقار دون المساس بحقوق المستأجر. ويكون انتقال ملكية الصك بإجراء القيد اللازم في السجل العقاري، أو كتابة اسم المالك الجديد على الصك نفسه ، كما يمكن أن يكون بإجراء القيد في سجلات المستأجر، أو المالك الأول، إذا كان هو الذي أصدر الصك. وكما أن السهم يمكن أن يكون لحامله، حسب قرار مجمع الفقه الإٍسلامي في مؤتمره السابع المنعقد بجدة في شهر ذي القعدة 1412هـ، يمكن لصك التأجير أن يكون لحامله أيضاً، ولا يمنع ذلك من تداوله، ويكون قبض العقار، أو الآلة بانتقال حيازة الصك للمالك الجديد.



وكما يمكن أن يكون الصك لعقار مؤجر، يمكن أن يكون أيضاً لأي عين مؤجرة مما تتوافر فيها الشروط الشرعية اللازمة في العين المؤجرة. فيمكن أن يمثل الصك ملكية طائرة مؤجرة، أو باخرة مؤجرة، أو خطوط سكة حديدية مؤجرة، أو شبكة أسلاك كهربائية مؤجرة، أو آلة صناعية مؤجرة، أو مصفاة بترول مؤجرة ( الخ.. مادام يمكن تحديد العين المؤجرة تحديداً لا يترك للنزاع والخصومة مجالاً، وما دامت العين مما تتوافر فيها الشروط الشرعية المطلوبة في العين المؤجرة ).



ويمكن كذلك أن تكون الأعيان التي يمثلها الصك شيئاً واحداً نحو طائرة، أو آلة، ويمكن كذلك أن تكون مجموعة أشياء متماثلة مثل خمس طائرات، أو غير متماثلة نحو مجموعة آلات ومعدات لمستشفى، أو لشركة للهاتف، أو مبنى بنك إسلامي بأثاثه وأجهزته وآلاته. وفي كل ذلك يبقى أهم ما في الأمر أن الصك يمثل ملكية أعيان حقيقية، وأن الأعيان مؤجرة، وتدر عائداً هو الأجرة منقوصاً منها ما يترتب على المؤجر من نفقة ومؤونة، وأن الصك قابل للبيع بثمن يتفق عليه، قد يزيد، أو قد ينقص عن ثمن شراء العين من قبل المالك المؤجر.



الصورة الثـانيـة :
وهي مثل الأولى مع اختلاف بسيط هو أن مالك العين المؤجرة يحمل عدة صكوك تأجير بحصص متساوية شائعة من العين ، ويبيعها متفرقة لأشخاص متعددين ، فيكون كل صك ممثلاً لحصة شائعة محددة من ملكية العين ، 1 % أو 10 % مثلاً. ويحصل مالك الصك على حصته من الأجرة ، بالشكل ، والميعاد ، الذي ينص عليه عقد الإجارة ، وهو يستطيع بيع الصك في السوق لأي مشتر، بالسعر الذي يتفقان عليه، زاد أو نقص عن الثمن الذي دفعه البائع عند حصوله على الصك.



الصورة الثالثـة :
أن تحتاج جهة من جهات القطاع الخاص ، مثل شركة طباعة ، أو جهة حكومية ، نحو وزارة العدل ، إلى منافع عين ، وترغب في الحصول عليها عن طريق إجارة تلك العين ، ولتكن طائرة لشركة طيران ، أو مبنى لمحكمة. فيلجأ الراغب بالحصول على العين إلى وسيط مالي ، بنك إسلامي مثلاً ، ليشتري العين ثم يؤجرها إلى الآمر بالشراء. وتصدر صكوك تأجير تمثل أجزاء متساوية من العين ، ويساوي مجموعها العين بكاملها ، من جهة حكومية كالسجل العقاري ، أو من المالك المؤجر ، أو من المستأجر. وبعد ذلك يعمد البنك الإسلامي إلى بيع هذه الصكوك في السوق للمستثمرين الأفراد.



الصورة الرابعـة :
وهي تشبه الصورة الثالثة ، ولكن للوسيط المالي فيها ـ أي البنك الإسلامي ـ دور أكبر ، فهو يحتفظ ببعض الحقوق والواجبات ، بصفة الوكالة عن حملة الصكوك. يمكن أن يشمل ذلك إدارة ما يتعلق بعقد الإجارة، من تحصيل أجرة ، وتوزيعها على مالكي الصكوك ، وحفظ سجل الصكوك ، ومتابعة ما ينشأ من قضايا ، وخلافات حول هذه الصكوك في المحاكم ، أو خارجها ، أو بين مالكيها والمستأجر. وقد تقوم بهذا العمل جهة حكومية متخصصة ـ بأجر أو بدون أجر ـ أو جهة من القطاع الخاص تتخصص بأعمال التعهد بترويج underwriting صكوك التأجير ، وتدير هذه الجهة الوكيلة كل مجموعة صكوك تصدر لعين واحدة ، أو لمجموعة أعيان مرتبة مع بعضها بعقد إجارة واحد ، على حدة. وتتقاضى على ذلك أجراً من المستأجر ، أو من المؤجر ، أو من كليهما محسوباً بمقدار محدد ، أو بنسبة من الأجرة المترتبة لمالك الصـك.



الصورة الخامسـة :


وهي تشبه الصورة الثالثة أيضاً ، ولكن دون وجود الوسيط المالي. فتعمد الجهة الراغبة في استئجار العين إلى دعوة الجمهور إلى الاكتتاب بصكوك التأجير. وينص الاكتتاب على توكيل المستأجر بشراء العين ، أو بنائها ، وقبضها وكالة عن أصحاب الصكوك. ثم يعقد عقد الإجارة بعد القبض ، بالشروط المتفق عليها في الدعوة للاكتتاب ، وفي خطابات أو طلبات الاكتتاب. ويمكن أن يتم القبض وعقد الإجارة تحت رقابة طرف ثالث ، نحو سلطة رقابية حكومية ، أو أمين استثمار.



ويمكن وجود صورة فرعية للصورة الخامسة هذه يتم فيها عقد الإجارة بالذمة منذ بدء الاكتتاب ، ويبدأ استحقاق الأجر من تاريخ قبض العين من قبل المستأجر.

ولكل من هذه الصور الخمسة أحوال متعددة حسب طبيعة العين المؤجرة وشروط عقد الإجارة. ونعرض فيما يلي أهم هذه الأحوال :



الحالة الأولى : أن تكون العين المؤجرة مما يعمر أكثر من مدة عقد الإجارة ، كأن يكون عمر العقار خمسين سنة وقد أجر لعشرين. وهذه هي الحالة الأقرب إلى ما يسمى بالإيجار التشغيلي Operating Lease. وعند الأجل ، يترتب على أصحاب صكوك التأجير إما الدخول في عقد إجارة جديد ، أو استرداد العين والتصرف بها بيعاً ، أو هبة أو غير ذلك. ومن البدهي أن أصحاب الصكوك ـ إن كثروا ـ لا بد لهم من وسيلة للاجتماع واتخاذ القرار المناسب. مما لا يتوافر في الصورة الثانية والثالثة والخامسة ، إلا إذا تضمنت عقودها نصوصاً بالتجديد التلقائي ، أو ما يسميه فقهـاء الأحناف بالعقود المترادفة ،([49]) أو نصت على تسمية جهة تكون موكلة من قبل أصحاب الصكوك باتخاذ هذه القرارات ، كما في الصورة الرابعة. ويمكن لهذه الجهة أن تكون هي المستأجر نفسه بشروط خاصة ينص عليها عقد الوكالة المذكور في الصورة الخامسة.



الحالة الثانيـة : هي مثل الحالة الأولى ، ولكن مع إضافة وعد من أصحاب الصكوك ببيع العين المؤجرة للمستأجر عند انتهاء عقد الإجارة، بمبلغ محدد في العقد. وهذه الحالة تقوم على رغبة المستأجر بامتلاك العين المؤجرة بعد انقضاء الإجارة عادة على أساس المتبقي من العمر الإنتاجي للعين. ويدخل في المساومة بين المؤجر ( أصحاب الصكوك ) والمستأجر عوامل كثيرة ، منها مقدار الدخل المتوقع للمالك من الإجارة، ومدته ودخول الفرص البديلة ، ودرجة المنافسة في سوق الطلب على الأموال ، وغير ذلك.

ولقدر قرر مجمع الفقه الإسلامي أن " الوعد يكون ملزماً للواعد ديانة إلا لعذر. وهو ملزم قضاء إذا كان معلقاً على سبب ، ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد."([50]) وكذلك ، فإن رفض المجمع لقبول المواعدة الملزمة للطرفين دون خيار لأي منهما جاء معللاً بأن المواعدة في البيع " تشبه البيع نفسه ، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكاً للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عن بيع الإنسان ما ليس عنده."([51]) ويبدو أن هذه العلة غير واردة في المواعدة على بيع العين المؤجرة عند انتهاء عقد الإجارة ، لأنها موجودة ومملوكة للمؤجر ، وله أن يبيعها في أي وقت ، سواء أباعها للمستأجر ، أم لغيره ، مع المحافظة على حقوق المستأجر. مما يدل على أن المواعدة على بيع العين المؤجرة للمستأجر ، دون خيار لأي من الواعد بالبيع أو الواعد بالشراء ، قد تكون غير داخلة تحت الحظر الوارد بقرار المجمع المذكور ، وإن كان ذلك لا يعني أنني أقول بجوازها. لذلك أرى أنها تحتاج إلى نظر مستقل من قبل مجمع الفقه الإسلامي.



وتشبه هذه الحالة البيع بالتقسيط ، لأن المالك المؤجر يحصل على الأجرة الدورية ، بالإضافة إلى مبلغ من المال ، هو الثمن عند نهاية الإجارة. ويعادل مجموع هذه الدفعات كلها ثمن الآلة الذي دفعه عند شرائها، إضافة للعائد الذي ارتضاه. ولكن الفروق بين هذه الحالة والبيع بالتقسيط واضحة من حيث أن المواعدة على البيع لا تنقل الملكية في حين ينقلها البيع بالتقسيط. والواقع أن النظام الأمريكي للضرائب قد اعتبر هذا النوع من الإجارة معادلاً للبيع مع شرط تأجيل نقل المكلة ، بالمعنى الرهني ، وأسماه البيـع الشرطي conditional sale ، وذلك من حيث المعاملة الضريبية. حيث أجاز للمستأجر تنزيل الاستهلاكات ، وجزء الأجرة الذي يقابل الفائدة على قيمة العين ، من الأرباح الخاضعة للضريبية ، ومنعه في الوقت نفسه من تنزيل الجزء من الأجر ، الذي يقابل سداد جزء من قيمة الآلة ، من أرباحه من أجل احتساب الضريبة ، على اعتباره شراءً لأصل ثابت ، وليس نفقة عاديـة.([52])



غير أنه ينبغي أن يذكر ـ من ناحية أخرى ـ أن مجمع الفقه الإسلامي نفسه ، لم يقرر مبدأ الوعد بالبيع ، بالنسبة لعقود الإجارة الخاصة بالبنك الإسلامي للتنمية.([53]) بل بدل شرط الوعد بالبيع بعقد وعد بالهبة منفصلة عن عقد الإجارة. وفي كلتا الحالتين ، سواء أقلنا بالوعد بالبيع عند من يرى ذلك ، أم قلنا بالوعد بالهبة عند من لا يرى صحة الوعد بالبيع ، فالوعد ملزم كما يبدو من مناقشة القرار المذكور بالنسبة للوعد بالهبة ، لأن المستأجر يكون قد أسس على ذلك ارتباطات مالية أخرى. وبالتالي ، فإن العين المؤجرة تؤول إلى ملكية المستأجر ، سواء أكان ذلك هبـة ، أم شـراء.



الحالة الثالثة : أن تكون العين مؤجرة بعقد لمدة محددة ، يتجدد تلقائياً (أي بعقود مترادفة ) ، وتكون العين مما لا يفنى بطبيعته ، أو مما يمكن تطبيق مبدأ التجديد المستمر عليه عن طريق حجز احتياطي الاستهلاك. فلو فرضنا أن العين المؤجرة هي بناء ، فإنه يمكن حجز مبالغ من الأجرة لعمليات التجديد المستمر في البناء للمحافظة على منافعه كاملة ، أو لبناء مبنى جديد مماثل بحيث يكتمل بناؤه عند انقطاع منافع البناء الأول ، فينتقل العقد إلى البناء الجديد الذي حل محل القديم ، وهكذا تصبح العين المؤجرة متجددة بسبب أسلوب الاستثمار الذي تبناه المالك. أي عن طريق حجز مبالغ من الإيرادات تستعمل في استبدال العين المؤجرة.



أما العين التي تبقى منافعها بصورة مستمرة ، فمثالها الأرض المعدة للبناء عليها ( ولم نقل الأرض الزراعية ، لأن خصبها قد يزول ، وإن كان من الممكن اتباع أسلوب في الزراعة ، ومدخلاتها ، ودورتها ، بما يحافظ على الخصب مستمراً ). وكذلك النبع ذو الماء المتجدد دائماً ، على رأي من قال بجواز إجارته لمائه.



وسواء أكان بقاء المنافع من طبيعة العين أم ناتجاً عن أسلوب الاستثمار ، فإن ذلك يجعل صكوك التأجير تمثل ـ في هذه الحالة ـ ملكية دائمة ( إذا كانت العين المؤجرة مما لا يفنى ، بطبيعته ، كالأرض السكنية ) ، أو متجددة ( إذا كانت العين مما يتجدد بمخصصات الاستهلاك ) ، ذات ريع متجدد ( بسبب عقود الإجارة المترادفة ) ، مما يميزها عن الحالات الأخرى. وتنطبق هذه الحالة على أي من الصور الخمس المذكورة.



الحالة الرابعـة : أن تكون العين المؤجرة مما يبقى بعد انتهاء مدة الإجارة ، ولكن هذا البقاء مادي بحت ، لا يشكل قيمة ذات بال ، بحيث يأبه لها أي من مالك الصك ، أو المستأجر. وبمعنى آخر أن تستوعب مدة الإجارة العمر الاقتصادي للعين. ومثال ذلك آلة تستأجر لكامل عمرها الاقتصادي، ولكنها تبقى كما هي من حيث مادتها عند نهاية العقد. وقد تفوق كلفة استردادها ونقلها أي سعر لحديدها ( الخردة ) عند نهاية عقد الإجارة ، فلا مصلحة لأصحاب الصكوك باستردادها. وقد يتفضل المستأجر تبرعاً بكلفة رميها جانباً ، أو التخلص منها ، حتى لا تعرقل أعماله ، وتشغل عنده حيزاً له عنده استعماله البديل. وقد يكون سبب انقضاء العمر الاقتصادي للآلة هو التغير التكنولوجي، بحيث إن الآلة ما تزال موجودة ، وقابلة للتشغيل ، ولكن لا توجد مصلحة اقتصادية بتشغيلها لظهور أساليب تكنولوجية جديدة ، تحقق الغرض من الآلة القديمة بزيادة كبيرة في الكفاءة الإنتاجيـة.



ويلاحظ أن ملكية الآلة لا تؤول هنا إلى المستأجر ، ولكن أياً من طرفي العقد ليس له بها حاجة ، بعد انقضاء مدة الإجارة. وقد تشبه في هذه الحالة بعض صيغ ما يسمى بالعرف المالي المعاصر بالإيجار التمويلي : Financial Lease ، من حيث إن الإجارة تشمل مجموع العمر الاقتصادي للعين المؤجرة ، مع فارق عدم تملّك المستأجر للعين المؤجرة عند نهاية العقد. وهي تشبه كذلك بيع التقسيط من حيث إن المالك يسترد قيمة الأصل مع أرباحه من خلال الدفعات الدوريـة للأجرة ، مع فارق عدم انتقال الملكيـة إلى المستفيد ، الذي يحصل في البيع بالتقسيط منذ تاريخ العقد ، في حيث لا ينتقل الملك في الإجارة إلى المستأجر.



ويدخل ضمن الحالة الرابعة هذه أن تكون رقبة العين المؤجرة تستحق لطرف ثالث بعد انتهاء مدة الإجارة. كأن تكون العين المؤجرة جسراً بناه شخص على أرض له عليها إقطاع ارتفاق مؤقت بمدة عشرين سنة مثلاً من الدولة ، وتشترط الدولة أن تؤول إليها ملكية ما على الأرض ، بعد انتهاء مدة إقطاع الارتفـاق ، كجزء من الخراج المشروط عند الإقطاع. فهنا ، العين المؤجرة باقية بعد انتهاء الإجارة واستيفاء منافعها ولكنها على غير ملك المؤجر ، كما لو باعها لثالث عند انتهاء الإجارة.



الحالة الخامسة : وهي تشبه الحالة الثانية ، حيث يرغب المستأجر بتملك العين المؤجرة عند نهاية الإجارة. فيعقد مع أصحاب الصكوك ـ منذ إصدارها ـ عقد استصناع يشتري به منهم عيناً موصوفة بالذمة لها نفس المواصفات المتوقعة للعين المؤجرة عند انتهاء الإجارة. وعند انتهاء مدة الإجارة ، يتم تسليم العين المؤجرة بالثمن المتفق عليه. وتبقى العين المؤجرة نفسها مملوكة لأصحاب الصكوك طيلة مدة الإجارة ، وبالتالي فإن صكوكهم التي تمثل عيناً مادية مؤجرة ، تكون قابلة للتداول بسعر سوقي يتفق عليه بين المتبايعين ، قد يزيد ، أو ينقص عن سعر الشراء.



ومن الواضح أن عقد الاستصناع ملزم للطرفين ويمكن فيه تأجيل الثمن حسبما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة ، عام 1412هـ. ولكن هذا العقد لا يصح لبعض الأعيان المؤجرة، نحو الأرض مثلاً ، التي ليس فيها من الصناعة شيء. غير أن هذا القيد قليل الأهمية التطبيقية ، لأن معظم الأعيان المؤجرة ينطبق عليها مبدأ التصنيع مثل الآلة ، والبناء ، والجسر ، والطائرة ، ونحو ذلك.



وإذا كان عقد البيع لا ينافي عقد الإجارة ، فإن الإستصناع بيع ، فهو بذلك لا ينافي الإجارة أيضاً. الأمر الذي يدل على أن هذه الحالة مقبولة من وجهة النظر الفقهية. على ضوء ما ورد في هذا البحث. مع ملاحظة أن عقد الإجارة وعقد الاستصناع لا يقعان على نفس العين عند التعاقد ، لأن الاستصناع ـ كالسلم ـ بيع لموصوف في الذمة في حين أن الإجارة تقع هنا على عين حاضرة ، ولا يتنافى ذلك مع قيام الصانع بتقديم العين المأجورة نفسها للوفاء بالتزامه في عقد الاستصناع ما دامت تتحقق فيها الصفات المحددة للمبيع فيـه.



الحالة السادسـة : وهي أن تكون الإجارة بأجرة متناقصة ، أو متزايدة، ولكنها في جميع الأحوال معلومة. كأن تكون أجرة كل سنة أكثر (أو أقل) بعشرة في المائة من السنة التي قبلها. ويمكن تطبيق هذه الحالة بالزيادة مثلاً للحماية من التضخم المتوقع ، فتجعل نسبة الزيادة المحددة في الأجرة السنوية ، أو الشهرية ، معادلة للنسبة المتوقعة للتضخم. أما حالة تناقص الأجرة ، فيمكن تطبيقها عند توقع التناقص في منفعة العين مع الزمن لأسباب فنية ، مثل السيارة التي تقل كفاءتها مع الاستعمال. أو لأسباب التقدم العلمي التكنولوجي ، وبخاصة حيث تكون سرعة التطور التكنولوجي كبيرة ، بحيث تفقد الآلة القديمة قيمتها بسرعة.



وفي جميع حالات الأجرة المتناقصة ، أو المتزايدة ، فإن المتفق عليه بين المذاهب الإسلامية هو اشتراط أن تكون الأجرة معلومة ، أو بمقادير أو نسب معلومة ، كل ذلك في عقد الإجارة، أي عند إصدار الصك نفسه.



ويلاحظ هنا ، أن من الحنابلـة من أجاز البيع بما ينقطع به السعر في المستقبل ، بتاريخ معين، من غير تحديد الثمن وقت العقد.([54]) وهو بيع بسعر يمكن معرفتـه ، لأنه معلق على أمر يعلم دونما نزاع ، أو خلاف. فإذا جاز هذا في البيـع ، فإن الإجارة بأجرة متزايدة ، أو متناقصة، غير محددة في العقد ، ولكنها معلقة على أمر يعلم ، ويعلن قبل بدء الفترة الايجارية ، التي تحدث فيها الزيادة ، أو النقصان ، قد تكون جائزة أيضاً ، لأن الإجارة بيع. وبخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار مبدأ العقود المترادفـة ، كما هو معروف عند الأحناف ، حيث تنعقد الإجارة على الفترة اللاحقـة عند انتهـاء الفترة التي قبلهـا.



الصورة السادسة :


وهي صورة من صكوك التأجير تقوم على أساس الحكر. والحكر إجارة طويلة ، تنطبق على أراضي الأوقاف في الأغلب ، وقد تكون في الأملاك الخاصة أيضـاً.([55]) حيث يقصد منح المستأجر إجارة طويلة تمكنه من إقامة البناء أو غرس الأشجار ، لأنه يطمئن إلى انتفاعه بالأرض خالياً من المنافسين لمدة الحكر. وقد اتفق الفقهاء أن البناء والغراس ملك للمستأجر ، له أن يبيعه ، أو يهبه، أو يوصي به، كما أنه يورث عنه.([56]) ويمكن في الحكر وصف البناء ، ووصف صيانته وتأمينه خلال مدة الإجارة، بدقة لا تترك مجالاً للنزاع ، بحيث يعرف ما سيكون على الأرض من بناء عند انتهاء الحكر. كما يمكن بالشرط جعل البناء على الأرض ـ وهو معلوم ـ جزءاً من أجرة آخر سنة من سنوات الحكر.



وصورة صكوك التأجير القائمة على الحكر هي أن يحكر ناظر الوقف، المالك، الأرض إلى وسيط مالي، نحو مصرف إسلامي، أو شركة تأجير إسلامية. فيقوم الوسيط بالبناء والتأجير، ثم يصدر صكوك تأجير أعيان بملكية البناء وحده، دون الأرض، يبيعها للأفراد المستثمرين. وتمثل هذه الصكوك ملكية البناء المؤجر وهي ملكية آيلة إلى الانتهاء عند أجل الحكر لانتقال ملكية البناء إلى الوقف بعقد الحكر بصفته جزءاً من أجرة السنة الأخيرة. فنحن هنا أمام صكوك ذات عائد إيجاري لمدة محددة دون أن يكون للعين المؤجرة قيمة متبقية يملكها صاحب الصك.



خصائص صكوك التأجيـر


تتميز صكوك التأجير بعدد من الخصائص، التي تجعل من الممكن لهذه الصكوك أن تكون أساساً مهماً في السوق التمويلية الإسلامية. وتقوم هذه الخصائص على طبيعة عقد الإجارة بشكله الشرعي، وطبيعة التكييف الشرعي للصكوك، باعتبارها تمثل ملكية أعيان مؤجرة. وقبل شرح هذه الخصائص لا بد من كلمة حول أهمية الأوراق المالية عامة لأي دولة معاصرة.



فالحكومات المعاصرة تحتاج إلى أوراق مالية ذات استقرار نسبي في أسعارها لتستعملها في سياستها النقدية التي تهدف إلى تنظيم كمية النقود الموجودة في أيدي الناس. بحيث تستطيع أن تبيع هذه الأوراق عندما ترغب الحكومة بتقليل كمية النقود في السوق ، أو شراءها عندما ترغب بزيادة تلك الكمية. وقلما تستطيع الحكومات استعمال أسهم شركات المساهمة في هذا المجال بسبب التغيرات الكبيرة التي تطرأ على أسعار الأسهم في الأسواق المالية.



يضاف إلى ذلك الحاجات التمويلية لبناء بعض المشاريع الكبيرة وبخاصة مشاريع البنية التحتية كالجسور والطرق الكبيرة والمطارات ومحطات السكة الحديد وشبكات الاتصالات مما يمكن تمويله بصكوك التأجير.

وكذلك فإن السوقين المالية والنقدية تحتاجان دائماً إلى تنوع في الأوراق المالية ، وبشكل خاص إلى أوراق مالية ذات عائد منتظم ومخاطر قليلـة ، بحيث تصلح لتكون علامة Bench Mark ترجع إليها السوق في تحديد عوائد الدرجات الكبيرة من المخاطر أو ما يسمى برأس المال المغامر Venture Capital الذي يتمثل عادة في الأسهم.

ولنعد الآن إلى بيان أهم خصائص صكوك التأجير حيث يمكن تصنيفها تحت عنوانين هما خضوع الصكوك لعوامل السوق والمرونة الكبيرة التي تتمتع بها ، وتفصيل ذلك فيما يلي :





أ ) خضوع الصكـوك لعوامـل السـوق


1. بما أن صكوك التأجير تمثل ملكية أعيان ، فإنها تخضع لعوامل السوق في تقييم أثمان هذه الأعيان. فإذا ارتفعت القيمة السوقية لهذه الأعيان ترتفع قيمة الصكوك ، وتهبط قيمتها إذا انخفضت القيمة السوقية للأعيان التي تمثلها.

وهذه القيمة السوقية لما تمثله صكوك التأجير من ملكية تتأثر بعوامل العرض والطلب في السوق.



2. فمن جهة عرض صكوك التأجير ، فإنه يرتبط بحاجة المشروعات والأعمال إلى الاستثمارات الجديدة ، مما ترغب المؤسسات الاستثمارية العامة أو الخاصة بتمويله عن طريق الإجارة من جهة، وما يعرضه المستثمرون الماليون من صكوك تأجير موجودة في محافظهم الاستثمارية ، يرغبون في بيعها ، أي تسييلها ، أو تحويلها إلى نقد جاهز. وذلك إما لإعادة استثمار أموالهم في مشروعات أخرى ، أو لسداد الحاجات إلى السيولة الناشئة عن الطلب الاستهلاكي ، أو الطلب التربصي Speculative للنقود ، من جهة أخرى. وبالتالي ، فإن عرض الصكوك بعنصريه ـ العرض الجديد من جانب المشروعات ، وعرض الصكوك ا لقديمة من قبل أصحابها ـ يعتمد على ثلاثة أمور هي : فرص الاستثمار الأخرى المتاحة ، وحجم الاستهلاك ، وحجم المضاربات Speculations المتاحة. يضاف إلى ذلك المزايا التي تتمتع بها الإجارة بالمقارنة مع الصيغ التمويلية الأخرى ، سواء من حيث الضريبـة ، أم من حيث شروط التمويل وظروفه، مما أشرنا إليه في مقدمة هذا البحث

3. ومن جهة الطلب على هذه الصكوك ، فإن رغبة المشتري بالحصول على هذه الصكوك تعتمد على عدة عوامل منها ما ينطبق على جميع أنواع الصكوك ومنها ما يتعلق بنوع واحد منها فقط. ويمكن أن نناقش أهم هذه العوامل فيما يلي :



فالمستثمر المطلق ، أي الذي لا يهتم بغير هدف استثمار ماله ، ينظر إلى صكوك التأجير من زاوية المخاطر التي تحيط بها ، والعائد المتوقع عليها، ومدى القدرة على تحويلها إلى نقد جاهز ـ أي سيولتها ـ إذا لزم الأمر. وهذا العوامل الثلاثة تنطبق على جميع صكوك التأجير ، بكل أنواعها ، وصورها ، كما تنطبق على الأدوات المالية الأخرى للاستثمار.



ويتضمن عنصر المخاطرة خطر عدم قدرة المستأجر على دفع الأقساط الايجارية ، والرأسمالية إن وجدت ، إضافة إلى مخاطر تغير سعر صكوك التأجير في السوق ، لتغير أحوال العرض والطلب عليها ، التي من أهمها عوائد الفرص البديلة. كما أن هنالك مخاطر سياسية أيضاً يتعرض لها حاملو صكوك التأجير إذا كانت صادرة عن الحكومة ، سواء أكانت وطنية ، أم أجنبية. ومخاطر التغير في أسعار صرف العملة الأجنبية بالنسبة للصكوك الصادرة بعملة أجنبية.



ومن الملاحظ أن هذه المخاطر مألوفة يتعرض لها حاملو سندات القرض الربوي ، أو غير الربوي. غير أن حاملي صكوك التأجير يتعرضون لنوع إضافي من المخاطر ينشأ عن عدم القدرة على التحديد المسبق للجزء من نفقات الصيانة ، الذي يترتب على المالك. وذلك بالنسبة لمعظم صور صكوك التأجير المذكورة في هذا البحث.



ولنـا أن نتسـاءل هنا ، عما إذا كانت صكـوك التأجيـر تتضمن ـ دائماً ـ أية مخاطرة تتعلق بتغير أسعار ما تمثله هذه الصكوك من أعيان ، أو منافع مملوكة لأصحاب الصكوك ؟ وللجواب على ذلك، لا بد من النظر الدقيق إلى الصور المتعددة للصكوك فهي لا تمثل مجرد أعيان ، وإنما هي أعيان مرتبطة بعقود إجارة ملزمة. وبالتالي ، فإذا كانت الإجارة متجددة ، أو كانت تشمل جميع العمر الاقتصادي للعين المؤجرة ، أو كان المؤجر مرتبطاً بوعد ملزم ببيع العين ، أو هبتها عند انتهاء الإجارة ، فإن التغير في الأسعار السوقية للأعيان المؤجرة ، لا يؤثر على إيراد الصك ، ولا على قيمته الحالية. وهكذا فإن صاحب الصك لا يتحمل ـ في هذه الأحوال ـ المخاطر المتعلقة بانخفاض سعر العين المؤجرة ، كما أنه لا يتمتع بارتفاع ذلك السعر.



4. أما العائد المتوقع لصكوك التأجير ، فلا بد في الحديث عنه من التمييز بين الصور المختلفة للصكوك.

ذلك لأن الأجرة تتحدد فيها منذ تاريخ إصدار الصكوك. ويبقى غير معروف الجزء الذي لا يمكن معرفته ، عند العقد ، من أعمال الصيانة الجوهرية ، وهو ما يقع على عاتق أصحاب الصكوك ، إذا كان مما لا يقبل التأمين المباح شرعاً. وبالتالي فإن إيراد أصحاب الصكوك هو المجموع الجبري لثلاثة عناصر هي:



( أ ) الأجرة الدورية الصافية المحددة في العقد.وهي تساوي الأجرة التعاقدية ، منقوصاً منها ما يقع على المالك من تأمين وصيانة معلومين ، مما يخصم من الأجرة. وتكون الأجرة دائمة، بالنسبة للأعيان المتجددة أو الدائمة كالأرض. ولنرمز للأجرة الدورية الصافية هذه بالحرف (ر).



(ب) القيمة المتبقية ـ إن وجدت ـ وهي قيمة العين المؤجرة عند انتهاء صكوك التأجير. ويمكن لهذه القيمة أن تكون معلومة عند العقد ، كما في الحالتين الثانية والخامسـة. ولنرمز للقيمة المتبقية بالحرف (ق).



(ج ) نفقات الصيانة الجوهريـة غير المعروفة عند العقد ، ولنرمز لها بالحرف (ص). وهذه النفقات تترتب على صاحب الصك.

والعائد المتوقع للصك هو سعر الخصم ، الذي يساوي بين سعر صك التأجير في السوق من جهة ، ومجموع القيمة الحالية للأجرة الدورية والقيمة المتبقية مطروحاً منها القيمة الحالة لنفقات الصيانة المتوقعة من جهة أخرى. فإذا كان سعر الصك عند إصداره هو (س) ، فإن العائد السنوي المتوقع للصك (ع) يحسب من المعادلـة التاليـة :



ر(1 + ع )ن ـ 1

س = ـــــــ + ق ( 1 ـ ع )ـ ن ـ ص م (1+ع)ـ م (1)

ع (1 + ع )ن



وذلك على فرض أن الأجرة ثابتة خلال مدة الصك ، وأن هذه المدة هي (ن) ، وأن (م) هي السنة التي يتوقع فيها حدوث صيانة جوهرية غير معلومة مسبقاً. ومن المعادلة رقم (1) يحسب المعدل المتوقع لعائد الصك. ولو فرضنا ، أن السند يمثل أعياناً متجددة (الحالة الثالثة ) ، وأن نفقات الصيانة الجوهرية غير المعروفة قليلة بحيث تهمل أو تصل إلى الصفر ، فإن سعر الصك في هذه الحالة يصبح: ر

س = ــــــــ (2)

ع

وبالتالي فإن العائد المتوقع للصك يصبح في هذه الحالـة :

ر

ع = ـــــــــ (3)

س

ويلاحظ وجود علاقة عكسية بين سعر الصك في السوق وعائده المتوقع. فإذا طرح في السوق صك تأجير لعين متجددة معينة، يمثل 1/ 1000 من آلة معينة ، بسعر 100 دينار مثلاً وبأجرة دورية صافية قدرها 11 ديناراً ، فإن عائده المتوقع هو 11 %. أما إذا كان سعر طرح الصك 110 دينار ، فإن عائده المتوقع سيكون 10 % فقط.

وباستخدام المعادلة رقم (1) يمكن حساب سعر صك التأجير ، إذا كان لدى المستثمر فكرة مسبقة عن العائد الذي يرغب به (عَ) ، نحو أن يكون هنالك عائد لفرص البديلة ، يقيس عليه. وبذلك يكون سعر الصك (س) هو :



(1+عَ)ـ ن ـ 1

س = ـــــــ + ق (1 + عَ )ن ـ ص م (1+عَ )ـ م (4)

عَ (1+عَ) ن



ويتضح من المعادلة رقم (4) أن سعر صك التأجير يرتفع ، كلما ارتفعت أي من الأجرة الدورية الصافية ، أو القيمة المتبقية ، وينخفض كلما زاد المقدار المتوقع لنفقات الصيانة الجوهرية غير المعلومة مسبقاً. كما أن هنالك علاقة عكسية بين سعر الصك والعائد المرغوب فيه مع ملاحظة معلومية الأجرة الدورية وثباتها. أما تأثير عمر الصك ، فإن طول عمر الصك يزيد في عدد دفعات الأجرة الدورية الصافية ، أي عدد الكوبونات ، مما يزيد في سعر الصك ، إلا أنه بنفس الوقت ينقص القيمة الحالية للقيمة المتبقية للعين ، إن وجدت.



ومن الواضح هذه هي نفس المعادلة التي تستعمل في تقييم الأوراق المالية التقليدية ، من أسهم وسندات قرض ربوي ، مع فارق من حيث طبيعة ما يمثله السند ، ومن حيث وجود عنصر الصيانة الجوهرية غير المتوقعة في صكوك التأجير ، وعدم وجود هذا العنصر في سندات القرض الربوي.



5. أما عنصر السيولة ، فإن صكوك التأجير تحتوي على جميع العوامل ، التي تجعلها قابلة للتحويل إلى نقد جاهز بأي وقت. فمن الوجهة الشرعية، تمثل الصكوك ملكية أعيان مؤجرة ، قابلة للبيع ، بأي سعر يتفق عليه المتبايعان. ومن الوجهة المالية ، تتوافر فيها ـ من الناحية النظرية ـ جميع الشروط اللازمة لسندات القرض، أو للأسهم ، من أجل قبول التداول بها في الأسواق المالية ، سواء منها المنظمة ، أم غير المنظمـة.



ويمكن هنا الإشارة إلى عنصر من عناصر المخاطرة ، التي توجد في بعض صور صكوك التأجير ، وبيان قلة تأثيره على قابلية هذه الصكوك للتداول. حيث هنالك نوع من نفقات الصيانة الجوهرية ، مما يتحمله المالك ، لا يعلم عند العقد.



ولكن معظم الصيانة الجوهرية ، وبخاصة ذات المبالغ الكبيرة يعتبر خاضعاً للتأمين ، وقسط التأمين يحول ـ في واقع الأمر ـ الكلفة غير المعروفة إلى كلفة مقدرة محسوبة منذ إنشاء عقد التأمين. وبالتالي فإن تأثير عامل عدم التوقع في نفقات الصيانة قليل ، بحيث يمكن إخضاعه لمبادئ التوقع الطبيعي الاعتيادي ، واحتساب سعر له ، بمثابة هامش ، يضاف إلى الإيراد المرغوب فيه للصك ليقابل عنصر المخاطرة المتعلق بالصيانـة.





ب) مرونـة صكـوك التأجيـر


تتمتع صكوك التأجير بمرونة كبيرة ، سواء من حيث المشروعات التي يمكن تمويلها بها ، أم من حيث الجهات المستفيدة من التمويل ، أم من حيث الوساطة المالية المتضمنة فيها ، أم من حيث التنوع في الخيارات المتعددة التي تتاح لطالب التمويل ، أم من حيث أنواع الأملاك والمشروعات التي يمكن تمويلها ، أم من حيث التنوع في الصور والحالات التي يمكن فيها صياغة صكوك التأجير ، الخ..



1) إصدار صكوك التأجير من كل من قبل القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع الخيري:


يمكن استخدام صكوك التأجير لتمويل مشروعات تقوم بها الحكومة، سواء أكانت مركزية، أم إقليمية، أم محلية. كما يمكن استخدامها من قبل كل من القطاع الخاص، والقطاع الخيري التبرعي. والسبب في ذلك أن العلاقة بين الجهة الممولة وأصحاب الصكوك يمكن أن تبدأ على أساس الوكالة ، إذا أصدرت الصكوك قبل اقتناء الأصل الثابت ثم نتقلب إلى علاقة إجارة بين المالك ( أصحاب الصكوك ) والمستأجر ( مصدر الصكوك ). وهاتان العلاقتان لا تتعارضان فقهاً، وبخاصة أن الوكيل لا يؤجر لنفسه، وإنما يؤجر له أصحاب الصكوك، فهو يقبض العين المؤجرة نيابة عنهم بحكم وكالته، ثم يتسلمها بصفته مستأجراً منهم.



2) صلاحيـة صكوك التأجير للوسـاطة الماليـة:
إن طبيعة صكوك التأجير يمكن معها إصدارها، إما مباشرة من قبل المستفيد من التمويل نفسه، وإما عن طريق وسيط مالي نحو البنوك الإسلامية، أو شركات تؤسس خصيصاً لأعمال التمويل بالإجارة.



كما يمكن لدور الوسيط المالي أن يزداد أو ينقص ، حسب المصلحة التي يراها المتعاملون، أو السلطة الرقابية. فيمكن للوسيط المالي أن يقوم بدور المروج فقط، لقاء أجر محدد، يحصل عليه إما من أصحاب الصكوك، وإما من الجهـة المستفيدة من التمويـل بالإجارة، وإما من كليهما معاً. كما إنه من الممكن كذلك، أن يتوسع دور الوسيط ليشمل الالتزام ببيع جميع الصكوك، وأن يشتري بنفسه الجزء الذي لا يباع منها. ويمكن كذلك ـ في معظم صور وحالات صكوك التأجير ـ أن يقوم الوسيط المالي بعقد الإجارة الأولي، وإصدار الصكوك ثم بيعها. ويمكن أيضاً أن يحتفظ بدور المدير ، وكالة عن أصحاب الصكوك، في متابعة ما يتعلق بالعلاقة بين المستأجر وأصحاب الصكوك من أمـور.



3) صلاحيـة صكوك التأجيـر لتلبيـة حاجـات تمويلية متنوعـة


تستطيع صكوك التأجيـر أن تمول مشروعاً يدّر الربـح. فيمكن مثلاً تمويل آلات مصنع للأجهزة الإلكترونيـة، أو أثاث متجر للمواد الغذائيـة، أو شاحنات شركة لنقل البضائع. ويمكن كذلك استخدام صكوك التأجير في تمويل أصول ثابتة لا يقصد الربح من استعمالها، سواء أكان استعمالها في قطاع الخدمات الحكومية مثل إقامة العدل، وتحقيق الأمن، ومراكز البحث العلمي، أم في القطاع الخيري التبرعي، نحو تمويل سيارات إسعاف لجمعية خيريـة.



ويمكن كذلك إصدار صكوك التأجير لتمويل إقامة المشروعات ذات النفع العام، التي لا ترغب الحكومة في إقامتها على أساس الربح، لمصلحة عامة تراها، نحو تمويل بناء الجسور، والمطارات، والطرق، والسدود ، وسائر مشروعات البنية التحتية الصماء. وفي هذه الحالة تكون الحكومة هي المستأجر، من أصحاب الصكوك الذين يكونون هم المالكين لهذه الأعيان المؤجرة للدولة. ثم تقوم الحكومة ـ بصفتها مستأجراً ـ بإباحة الطريق لسير السيارات، والجسر للعابرين عليه، وباستعمال السد لحجز المياه، وتخزينها، وتوزيعها على المزارعين وسائر السكان.



ويمكن لصكوك التأجير كذلك أن تمول المشروعات الإنتاجية الحكومية ، أو التابعة للقطاع العام الاقتصادي. فتمول شراء محطات توليد الكهرباء ، والأصول الثابتة لشركات النقل العام، وآلات استخراج أو تصفية البترول والمعادن الأخرى.



ويمكن أيضاً استخدام هذه الصكوك في تمويل عين واحدة، أو أصل ثابت واحد، نحو طائرة، أو مولد كهربائي. وكذلك، يمكن استخدام هذا الأسلوب التمويلي لمجموعة من الأصول الثابتة، سواء أكانت ذات أعمار إنتاجية متساوية أم لا، وسواء أكانت ذات استخدام نوعي واحد أم لا، وسواء أكانت لمستأجر واحد أم لعدة مستأجرين، وبعقود مختلفة. بحيث يمثل السند حصة معلومة محددة من ملكية كل من الأصول الثابتة المجموعة مع بعضها في حزمـة Bundle واحدة. وبالتالي، فإن البنك الإسلامي يستطيع تحويل عدة عقود إيجار مجتمعة إلى صكوك Securitization of Leases ، يطرحها للمدخرين كإصدار واحد ذي قسائم (كوبونات)، قيمة كل قسيمة هي مجموع الأجرة المستحقة بتاريخ القسيمـة.





4) توفر بدائل متعددة من صكـوك التأجيـر


إن الصور المتعددة لصكوك التأجير، والحالات المتنوعة لمعظم هذه الصور، وكذلك الشروط الكثيرة التي يمكن إضافتها، وبخاصة فيما يتعلق بالإجارة الموصوفة في الذمة، كل ذلك يتيح لكل من المدخر من جهة، والمؤسسة الاستثمارية من جهة أخرى، اختيار الصيغة التي تتناسب مع ظروف كل منهما، مما يوجِد في سوق الأوراق المالية صكوك تأجير ذات نماذج عديدة، الأمر الذي يزيد من فرص الاختيار أمام المدخرين، كما يوسع دائرة الإصدار من وجهة نظر المستفيد من التمويل، ويزيد من مرونة السوق نفسها واستجابتها لجميع رغبات المستثمرين.





5) الاستجابة للحاجات الخاصة لبعض زمر المحتاجين للتمويل


فمن الجهات التي تحتاج إلى التمويل من يرغب بالحصول على العين المؤجرة عند نهاية عقد الإجارة، فيجد في صور صكوك التأجير ما يناسبه لذلك. ومن الجهات المستفيدة من ا لتمويل من لا يستطيع، بسبب وضعه القانوني، التصرف برقبة الأرض، أو العقار. مثال ذلك أراضي الأوقاف، أو البلديات، أو بعض الأملاك العامة التي تمنع الأنظمة السارية بيع رقبتها. فتيسر بعض أنواع صكوك التأجير لهذه الجهات، الحصول على التمويل اللازم لعمارتها، دون التخلي عن ملكية رقبة الأرض أو العقار. ونحو ذلك من يرغب في الحصول على تمويل آني، مع الاحتفاظ بملكية رقبة الأرض، أو العقار لورثته مثلاً.





6) المرونـة في ميعـاد دفع الأجـرة


فقد رأينا أن جمهور الفقهاء لا يرى في تعجيل الأجرة، أو تأخيرها، أو تنجيمها بأساً، طالما أنها محددة ومعروفة، واتفق العاقدان بالشرط على موعد دفعها.([57]) وهذه المرونة في تحديد موعد دفع الأجرة تتيح فرصة توزيع الأجرة، على مجموع المدى الزمني للاستثمار، بغض النظر عن العمر الحقيقي للآلة، أو البناء الذي يتم تمويله بصكوك التأجير. فلو كانت فترة إنجاز البناء تتطلب سنتين مثلاً، وعمر البناء عشر سنوات، فيمكن مثلاً تنجيم الأجرة على أثني عشر قسطاً سنوياً، يدفع أولها قبل سنة من استكمال البناء، مع ملاحظة أن الأقساط الاثني عشر تخص مدة ايجاريـة هي عشر سنـوات فقط.





--------------------------------------------------------------------------------

[1]1990 Tom Clark, ed., Leasing Finance, Euromoney Books, Essex, Great Britain

[2] فلم يرد للإجارة ذكر في كتابات المرحوم عيسى عبده إبراهيم ولا موسوعة البنوك الإسلامية ولا كتابات الدكتور سامي حمود المبكرة ولا في الرسائل الجامعية المبكرة حول أدوات التمويل الإسلامية مثل رسالة الدكتور محمد صلاح الصاوي ورسالة الدكتورة أميرة مشهور.



[3] الموسوعة الفقهية ، ج1 ، ص245 وعقد الإجارة للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان ، ص 19 ـ 22.

[4] أبو سليمان ، ص33.

[5] الموسوعـة الفقهيـة ، ص253.

[6] من الواضح أن خيار تمديد عقد الإجارة بنفس الأجرة لمدة جديدة لا يرد هنا لأنه غير مقبول للمستأجر باعتبار النقص في عمر السيارة الاقتصادي وبالتالي ثمنها. وقد يرد في بعض العقود خيار بالاستئجار لمدة جديدة بأجرة جديدة يتفق عليها عند انتهاء مدة الإجارة. و لكن هذا الخيار يعتبر فرعاً من إعادة العين للمالك. لأن العين تعود له إذا لم يتفق على الأجرة.

[7] أ.د. حسن الشاذلي "اجتماع العقود المتفقة أو المختلفة الأحكام في عقد واحد. " ورقة قدمت في الندوة الفقهية الخامسة لبيت التمويل الكويتي ، نوفمبر 1998 ، ص 26.

[8] نفسـه ، ص30.

[9] أ.د. نزيه حماد ، " اجتماع العقود المتعددة في صفقة واحدة في الفقه الإسلامي ، " ورقة قدمت في الندوة الفقهية الخامسة لبيت التمويل الكويتي ، ص16 ـ 17.

[10] نفسـه.

[11] نفسـه.

[12] أ.د. حسن الشاذلي ، ص47 ـ 48.

[13] نفسـه ، ص53.

[14] حمـاد ، ص18.

[15] توصيات الندوة الفقهية الخامسة لبيت التمويل الكويتي ، الكويت ـ أكتوبر 1998.

[16] أنظر مناقشات أعضاء المجمع في العدد الخامس ، ج4.

[17] د. محمد علي القري ، " العقود المستجدة : ضوابطها ونماذج منها ، " ورقة مقدمة إلى الندوة الفقهية الخامسة لبيت التمويل الكويتي ، ص 18 ـ 29.

[18] معايير المحاسبة والمراجعة ، طبعة 1997 ، ص 311 ـ 312.

[19] قرار المجمع رقم (1 ) في دورته الثالثة ، 8 ـ 13 / 2 / 1407هـ ( 11 ـ 16 / 10 / 1986م).

[20] أبو سليمان ، ص68. وحسين حامد حسان " المسؤولية عن أعمال الصيانة في إجارة المعدات " ، بحث غير مطبوع ص6 ـ 7.

[21] حسين حامد حسان ، نفسه ، ص2 ـ 5.

[22] حسين حامد حسان ، نفسه ، ص31 ـ 32.

[23] حسين حامد حسان ، نفسه ، ص28 ـ 30.

[24] إذا كان السهم لحامله جائزا ، وهو يمثل حصة معلومة من ملكية شركة ، لا يعرف عند بيع السهم مقدار ولا أعيان أموالها ، فإن جواز سند الإجارة للحامل يصبح من باب أولى ، لأنه يعلم ـ في كل حين ـ ما يمثله السند من أعيان محددة ، كما يعلم مقدار الأجرة الخاصة به.

[25] قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره السابع بجدة بتاريخ 7ـ12/11/1412هـ ، القرار رقم 65/1/07.

[26] نفسـه.

[27] الفقه الإسلامي وأدلته ، للدكتور وهبة الزحيلي ، ج4 ، ص762.

[28] نفسـه ، ص858.

[29] شرح منتهى الإرادات للبهوتي ، المطبعة السلفية بالمدينة المنورة ، بدون تاريخ ج2 ، ص376.

[30] الذخيرة للقرافي ، ج5 ، ص540 ، تحقيق محمد بوخبزه ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت 1994.

[31] ينقل أبو سليمان ص 60 ـ 63 ، نصوص الفقهاء في ذلك ، فلا داعي لتكرارها.

[32] المغني لابن قدامه ، الجزء السادس ، ص137 وبدائع الصنائع للكاساني ، الجزء الرابع ، ص187 ت 1881. والمهايأة أن تعطى العين المؤجرة بكاملها جزءاً من المدة فتعطى الدار نصف المدة ، للمستأجر من الشريك دون شريكـه ، وتعطى النصف الآخر للشريك الذي لم يؤجر ، إذا كانا متناصفين.

[33] نفس المرجعين السابقين. والإنصاف للعلاء المرداوي ، الجزء السادس ، ص33.

[34] المغني والإنصاف ، نفس المرجع.

[35] البدائع ، مرجع مذكور سابقاً ، والفقه الإسلام وأدلته للزحيلي ، ج4 ، ص742.

[36] الفقه الإسلامي وأدلته ، للزحيلي ، ج4 ، ص 760 ـ 762.

[37] المغني ، تحقيق لاتركي والحلو ، هجر للطباعة والنشر ، الرياض 1989 ، ج8 ، ص9.

[38] الزحيلي ، ج4 ، ص 762 ـ 763 وأبو سليمان ، ص 53 ، وأنظر أيضاً الفتاوى الهندية ، ج4 ، ص410 والمهذب ج1 ، ص 399 ، وكشاف القناع ، ج3 ، ص561.

[39] الزحيلي ، ج4 ، ص763 ، وأبو سليمان ، ص34.

[40] أبو سليمان نفسـه.

[41] أبو سليمان ، ص27 ، والزحيلي ، ج4 ، ص733 ، والموسوعة الفقهية ، إصدار وزارة أوقاف الكويت، ج1 ، ص 259.

[42] الموسوعة الفقهيـة ، ج1 ، ص261 ـ 262 ، وأبو سليمان ، ص64.

[43] مجموع فتاوى ابن تيميه ، المجلد العشرون ، ص549 ـ 550. وتابعه في ذلك تلميذه ابن القيم. أنظر إعلام الموقعين ، ج1 ، ص15.

[44] كشاف القناع ، ج3 ، ص190 ـ 191.

[45] الموسوعة الفقهية ، ج2 ، ص20.

[46] كشاف القناع ، ج3 ، ص190.

[47] رفيق المصري ، " مشاركة الأموال الإستعمالية في الناتج أو في الربح " ، مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي ، مجلد3 ، 1405هـ ، ونجاة الله صديقي " Some Economic Aspects of Mudarabah " في مجلة بحوث الاقتصاد الإسلامي مجلد 1 ، عدد 2 ، 1991.

[48] Adrian Miles, "An Introduction to the Securitization of Lease.” In Hornbrook, Adrian, ed. Studies in Leasseing Law and Tax, Euromoney Publications, London 1993, P.15.

[49] عقد الإجارة لعبد الوهاب أبو سليمان ، ص63 ـ 65.

[50] قرار المجمع رقم 2 في دورته الخامسة المنعقد في الكويت 1 – 6 جمادى الأولى 1409هـ. أنظر قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي.

[51] نفسـه.

[52] أنظر Ramesh K. S. Rao, Fundamentals of Financial, Management Macmillan, N. Y. pp. 709 – 710. ـ

ويلاحظ أن نظام الضريبة الأمريكي قد وضع شروطاً خاصة لاعتبار هذا النوع من التأجير بيعاً شرطياً منها أن لا تزيد القيمة المتبقية عن 20 % من قيمة الأصل وأن تغطي مدة الإجارة 75 % على الأقل من العمر الاقتصادي للعين المؤجرة.

[53] قرار رقم (1) /د3/07/86 في المؤتمر الثالث لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، المنعقد في عمان ـ الأردن 8 – 13 صفر 1407هـ ( 11 – 16 تشرين الأول / أكتوبر 1986 ).

[54] الفقه الإسلامي وأدلته ، للزحيلي ، ج4 ، ص459.

[55] الموسوعة الفقيهة الكويتية ، ج18 ، ص54.

[56] نفسـه ، ص63.

[57] أبو سليمان ، ص 35 ـ 38 ، علماً بأن المالكية يقولون بضرورة التعجيل إذا كانت الإجارة موصوفة في الذمة ، ويتابعهم الشافعية إذا عقدت بصيغة السلم.

العملاق
24-03-03, 12:15 PM
شبهة في شراء السيارات

هل شراء السيارات عن طريق الايجار الشهري المنتهي بالتمليك جائز شرعا علما بأنه توجد دفعة اولى ودفعة اخيرة تعتبر الدفعة الاخيرة هي لتمليك المستأجر السيارة؟

ـ ان هذا البيع غير صحيح لأنه من شرط البيع ان يسلم المبيع الى يد المشتري ويملكه وفي هذه الحالة كما يصفه السائل ان المشتري لا يملك السيارة حتى يؤدي جميع ما عليه‚ فهذا شرط لا يقتضي اصل العقد‚ بل ينافيه‚ وكل بيع لا يملك المشتري المبيع بالعقد بل يعلق الى حين انهاء جميع الاقساط يكون باطلا والله اعلم‚ والحل لهذه الأسئلة: ان يضع المشتري رهنا عند البائع حتى يستوفيه‚ ثم يرد الرهن‚ والله أعلم‚

http://www.al-watan.com/data/20030206/index.asp?content=islamic


السؤال الثالث :
ما حكم التأجير المنتهي بالتمليك ؟
الجواب :
التأجير المنتهي بالتمليك من بيوع الغرر التي لاتجوز شرعاً ؛ والسبب في هذا أنه يقول لك خذ هذه السيارة واستأجرها كل شهر بمائة أو بألف إذا استأجرتها عشرة شهور فإنه تملكها تدفع خمسة آلاف وتملكها ؛ السبب في هذا أنه أدخل عقدين في عقد واحد صفقتين في صفقة واحدة وهذا كالبيعتين في بيعه منهي عنه لوجود الغرر في تداخل العقود فلا هو بيع محض ولا هو إجارة محضة فقد يشتري السلعة بقصد البيع فيكره على الإجارة ، وقد يريده إجارة ويكره على البيع بعدها فتداخل العقود من هذا الوجه موجب للغرر هذا بسيط ويسير .
لكن الأدهى والأمر أنه إذا استأجرها شهراً اختلف حالها حينما أخذها عن حالها بعد عشرة أشهر لا ندري بعد عشرة أشهر هل يتعطل فيها شيء هل تكون صفتها على الصفة الموجودة ولاشك أن استنفاذ الشيء عشرة أشهر أو حتى شهر لا ندري كيف يكون حاله بعد شهر فيكون من بيع مجهول الحال ، وعليه لا يصح البيع من كلا الوجهين ويعتبر من البيوع المحرمة هذه كلها بيوع دخيلة على المسلمين ، المسلمون إما أن يبعوا وإما أن يؤجروا . الإجارة لها أحكامها والبيع له أحكامه ولا يختل المشتري ترغيباً في عقد على عقد ، ولذلك قالوا من البيوع المحرمة أن يقول له أبيعك داري على أن تبيعني سيارتك فكأنه يقول : أجرها لك على أن تشتريها وكأن ذاك يقول : أشتريها منك على أن تؤجرها لي وهذا من تداخل العقود مع ما فيه مما قلناه من الغرر ثم لا ندري أولاً انظر لو أخذها بعد عشرة أشهر أنت تقول : لايجوز بيع الجنين في بطن أمه لو ضمناً أن الجنين حي موجود الآن هل نضمن أنه تخرجه أمه حياً ما نضمن ، ولذلك تجد العلماء يقولون : تحريم رسول الله-r- لبيع الأجنة في حديث ابن عمر في الصحيح : " نهى رسول الله-r- عن بيع حبل الحبلة " سببه الجهالة بالسلامة ، والجهالة بالسلامة أي أننا نجهل أن يسلم بعد خروجه من بطن أمه ، كذلك السيارة مجهولة السلامة بعد إجارتها المدة المذكورة افرض أنه خلال العشرة الأشهر حصل عليه حادث ، أفرض أنه خلال العشرة الأشهر تعطل جهازها الذي يتحكم في سرعتها ويتحكم في سيرها ما الحكم ؟ يقول لك : أعطيك جهازاً جديداً لا ترغب وتقول : أنا كنت : أمل أن تبقى بقوتها وقد يأتي بعد عشرة أشهر وينظر إليها فإذا حالها مختلف فيكون حينئذٍ البيع لا هو منعقد ولا مال يعني متردد قـد ينعقد وقد لا ينعقد فأصبحت عقود مترددة ، البيع إذا وقع يتم ولا يصبح البيع متردداً ففيه جهالة الحال ، وفيه الجمع بين العقود على وجه التردد ، وكذلك - أيضاً - فيه أن البيع ماض وغير ماضٍ . متى انعقد البيع - يا إخوان - ؟ حينما يقول له تستأجر السيارة عشرة أشهر وتشتريها بخمسة آلاف بعد عشرة أشهر متى انعقد البيع ؟ انعقد البيع أثناء الصففة أليس كذلك ! ومع ذلك لا ندري هل المستأجر يتم الصفقة أو لا يتم ؟ يقول : ما ألزمك بالبيع إن شئت تشتريها فالبيع يلزمك ، وإن شئت ما تشتريها ما يلزمك إذاً البيع متردد أو لا ؟ متردد ، وعلى هذا لا يصح مثل هذه العقود لمكان التداخل ووجود الجهالة من الوجوه التي ذكرنا ، والله - تعالى - أعلم .
http://www.shankeety.com/zm120.htm

التلميذ
26-03-03, 09:52 AM
جزاك الله خيرا أيها الأخ العِملاق ، وبارك الله في جهدك ، وكتبه في حسناتك ، و قد لحظتُ أن بعض الفتاوى منقولة من مواقع من الشبكة دون بيان اسم المفتي ، فهلّا اتحفتنا به إن استطعت ... أسأل الله تعالى أن يجعلك من الدعاة للخير ، الهُداة للحق .

هيثم حمدان.
08-05-03, 05:19 PM
الإخوة الكرام.

تقوم بعض المؤسسات المصرفية الإسلامية في الغرب بإعطاء قروض للمسلمين لشراء منازل، على أساس تملّك الدائن 80% من المنزل والمدين 20% منه.

ويقوم المدين بالإقامة في المنزل ودفع مبلغ شهري متفق عليه.

وهذا المبلغ المتفق عليه يتكوّن من جزئين:

الأول: يذهب للمؤسسة المصرفية مقابل إستئجار المدين لـ 80% من المنزل والذي لا يملكه.

الثاني: مقابل سداد الدين الذي على المدين للمؤسسة المصرفية، دون فوائد.

هل هذا هو المقصود بعقد الإيجار المنتهي بالتمليك؟

وإن لم يكن هو فما حكم هذه الصورة؟

وجزاكم الله خيراً.

محمد الأمين
07-05-04, 06:20 AM
يا شيخ هيثم هل تقصد ما يقوم به بنك "لا ربا"؟

الصورة حتى الآن إسلامية لكنهم يقترضون المال من بنك ربوي ويعيدون إقراضه للناس بهذه الصيغة.

لكن المشكلة ليست هنا. المشكلة عندما يتأخر المرء عن السداد.

أبو خالد السلمي.
07-05-04, 08:26 AM
مشايخنا الكرام _ أحسن الله إليكم أجمعين ونفع الله بعلمكم _ :
لقد وفيتم بارك الله فيكم في عرض حجة الفريقين من أباح التأجير المنتهي بالتمليك ومن حرّمه
وأحببت أن أضيف إلى أسماء المبيحين الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين _ رحمه الله _ فإنه في مرض وفاته عندما كان يعالج بمدينة بوسطن سئل عن التأجير المنتهي بالتمليك وهو في المستشفى وقد حدثني بذلك من سألوه وهم أكثر من واحد ممن أثق فيهم فأفتى بالإباحة ، فقيل له إن العقد المكتوب فيه كذا وكذا من الشروط الربوية والشروط الفاسدة ووضحوا للشيخ أن هذه العقود تكون مكتوبة بخط دقيق جدا وعامة المتعاقدين لا يعلمون ما فيها فقال _ رحمه الله _ ما عليكم من هذه العقود المكتوبة المهم الاتفاق الشفوي الذي يكون مع البائع أنك ستدفع أقساطا شهرية معلومة ولمدة معلومة ، وما ستأخذه منهم نظير هذه الأقساط شيء معلوم ، ولك أن توقع على العقد على ما فيه .
ونفس الكلام تقريبا أفتى به شيخنا العلامة محمد الحسن الددو الشنقيطي _ حفظه الله _ وقد سألته بنفسي فأباحه .
بالإضافة إلى ذلك فقد أباحته اللجنة الشرعية لشركة ( جايدنس فاينانشال جروب ) وهي شركة إسلامية بأمريكا تبيع العقارات عن طريق هذه الإجارة المنتهية بالتمليك
ومن أعضاء هذه اللجنة الشيخ تقي الدين العثماني والشيخ نظام يعقوبي والشيخ عبد الستار أبو غدة وهم من العلماء المعروفين .
ومما سبق في بيان هيئة كبار العلماء يستفاد أن الشيخ ابن منيع والشيخ البسام والشيخ ابن جبير لم يوافقوا على قرار الهيئة بتحريم الإجارة المنتهية بالتمليك .
على كل حال أردت أن أقول إن المسألة خلافية ، ومن أباحها فله سلف ، والله أعلم .

محمد الأمين
07-05-04, 10:20 AM
شيخنا أبا خالد وفقه الله

أظن مسألة التأجير المنتهى بالتمليك مسألة خلاف فقهي قديم. لكن الإشكال -كما يبدو لي- في مسألة أخرى:

وهي التأخر عن دفع الأقساط. فأنا أعرف أن المتبع في هذه الحالة:

1- فرض غرامة ثابتة نتيجة التأخر عن دفع الدفعة الشهرية
2- فرض غرامة أخرى هي ما يعادل فائدة 21% من قيمة الدفعة المتأخرة

وهذا الأخير هو عين الربا، كما يبدو لي. أي تماماً كما يحصل مع بطاقة الائتمان. لكن الفرق أنه في حالة بطاقة الائتمان يكون المبلغ صغير، بحيث يمكن -لكثير من الناس- أن يضمن عدم وقوعه في هذه الحالة. أما بالنسبة لدفعة بيت، فقد يحدث أن يفقد عمله، وبالتالي يتأخر عن الدفعة.

فما هو حكم هذه المسألة في رأي فضيلتكم؟

عصام البشير
01-06-04, 12:03 PM
أريد أن أستفصل من الشيخ أبي خالد وفقه الله عن فتوى الشيخ ابن عثيمين هل هي عامة أم خاصة بالمسلمين الذين يعيشون في الغرب مثلا؟
وجزاكم الله خيرا.

محمد الأمين
13-08-04, 12:20 AM
فقيل له إن العقد المكتوب فيه كذا وكذا من الشروط الربوية والشروط الفاسدة ووضحوا للشيخ أن هذه العقود تكون مكتوبة بخط دقيق جدا وعامة المتعاقدين لا يعلمون ما فيها فقال _ رحمه الله _ ما عليكم من هذه العقود المكتوبة المهم الاتفاق الشفوي الذي يكون مع البائع أنك ستدفع أقساطا شهرية معلومة ولمدة معلومة ، وما ستأخذه منهم نظير هذه الأقساط شيء معلوم ، ولك أن توقع على العقد على ما فيه .

هذا غريب لأن العقد الشفوي ليست له قيمة قانونية وإنما المهم بنظر القانون هو العقد المكتوب.

الحامد
12-11-06, 11:53 PM
الموظوع مهم
ويخص شريحة كبيرة من المجتمع
الفقير والغني والمستثمر

ياليت الاخوة الاختصار وتلخيص الموضوع
او بالاصح تبسيطه حتى يسهل الفهم بين الجمع في الاقوال

وجزاكم الله خير

الناصح
27-11-06, 02:00 PM
لو تلفت العين
هل يلزم المستأجر إكمال المبلغ ؟
لو تلفت العين بتفريط المستأجر هل يلزمه شيء؟
لو حصل تلفيات في العين من غير تعد فمن يصلحها ؟

أبو يوسف التواب
08-03-07, 09:36 AM
أيها الأحبة.. يبدو أن العقود في هذا الباب متفاوتة من شركة لأخرى.. لذا فالأولى عدم البت بإعطاء حكم عام فيه دون النظر في تفاصيل العقد.

أبو يوسف التواب
10-04-07, 01:27 PM
ما ذكرتُه قريباً مستفاد من الشيخ عبدالله الركبان حفظه الله

أشرف الغمري
11-04-07, 05:31 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
أيها الأحبة : كما قال أخونا أبو يوسف التواب أن الحكم الشرعي يختلف من عقد لآخر هذا أولا .

ثانيا : إن التكييف الشرعي للنوازل يمكن أن يغير الحكم ويقلبه من الحلال إلى الحرام أو بالعكس .
ثالثا : إذا وجدت مسألة لها تكييفان : أحدهما محرم والآخر حلال ( ذات اعتبارين ) وكانت في المعاملات ففي هذه الحالة ترجع إلى أصل الحل إذ الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الدليل على تحريمه !
رابعا : الإيجار المنتهي بالتمليك هو إجارة بحتة فيها وعد لمن واظب على السداد فكأنه من باب الجائزة . فما المانع من هذا ؟؟
ذهبت لرجل وطلبت منه كتابا تستأجره كل شهر بمئة ريال فقال لك إن شئت أن تتملكه ففي آخر دفعة أعطني خمسين زيادة وخذه !! ما المحظور في هذا ؟؟

صحيح أن هناك بعض الشركات كانت شروطهم فيها إجحاف أو شروط فاسدة كأن يطالبوا العميل عند التأخر في التسديد بأن يجعل الألفين : بزيادة ثلاثمائة ريال مثلا مقابل التأخر فهذا يدخل تحت بيع الزمن وهو صريح الربا , أو تارة يعاملونك كمستأجر - عندما تكون المصلحة لهم - وتارة يعاملونك كمشتري - عندما تكون المفسدة عليهم فهذا يحتاج لبسط كل عقد على حدة فهناك ما يمكن اعتباره من باب الشروط الجزائية وهناك ما يمكن أن يرد , لكن العقد في التحقيق : فيه مصلحة كبيرة وبخاصة للناس الذين طولبوا بالديون فاضطر لبيع سيارته واحتاج لسيارة ففيه توسيع , وليست الإباحة من أجل التوسيع بل من باب عدم الدليل على المنع ( في كثير من الصور ) , أما أنه عقد لم يستقر ( على بيع أو إجارة ) فهو إجارة منتهية بهبة أو ببيع . (حسب شرط الدفعة )
وأما النية : أن المستأجر يأخذه بنية التملك فلا عبرة بها لأن الإنسان لو نوى أن يتملك ما ليس له فهذا لا يجعل مال غيره له !! وأما أنه يأخذه بنية البيع فأيضا هذا لا يؤثر : كما لو شخص باع عينا بنية هبة فهل العقد باطل ؟؟ وهل له أن يقول كانت نيتي غير البيع ؟؟ وهل يده يد ظلم على السلعة أمام الله ؟؟ لا بل نقول العبرة بمسمى الشارع لا بمسمى التاجر والله أعلم وأحكم .

أبو يوسف التواب
11-04-07, 06:33 PM
أخي الحبيب
جزاك الله خيراً
لكن الواقع أن كثيراً من هذه العقود فاسدة.. وبعض ما ذكرتَه بارك الله فيك يحتاج إلى مناقشة
لا سيما أن العقد أحياناً لا يكون وعداً بالتمليك بل يكون إلزاماً لا خيار فيه.

حمدان المطرى
01-03-14, 12:49 PM
جزاكم الله خيرا