المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من يفيدني حول النقض بالفعل والنقض بالترك


الأزهري السلفي
05-04-03, 06:24 PM
الإخوة الأكارم .
هل فرق العلماء بين نقض الإسلام بالفعل ونقضه بالترك ؟
أعني هل اشترطوا في النقض بالترك الإستحلال ولم يشترطوه في النقض بالفعل ؟
جزاكم الله خيرا .

محمد رشيد
06-04-03, 11:55 AM
أخي الأزهري ........ الترك فعل ..... و تصور معي أنني قلت لك : هذا الرجل وطئ المصحف بقدمه متعمدا ، و هذا الرجل ترك اجلال الله .... هل ترى بينهم فرق ؟ لا
و العلماء الذين كفّروا تارك الصلاة كفّروه بالترك ، و في الحقيقة أن المسألة ليست منوطة بالفعل أو الترك و انما هي منوطة بزوال أصل الايمان من القلب ، فالذي دهس المصحف لم يكفر بمجرد الفعل بل كفر لما دل عليه فعله من زوال أصل الايمان من قلبه ................
و ليست كل المسائل تحتاج الى استحلال حتى يكفر فاعلها ، فمن وطئ المحف بقدمه مثلا لم يفعل ذلك مستحلا أصلا ، بل فعله و هو يعلم أنه اهانة و لهذا فعله ، و أيضا رجل يقول مثلا ( اللعنة على خالق السماوات و الأرض ) أو أنه سب الله تعالى بأي صيغة كانت ، فهذا يكفر بمجرد السب لأن ما دل عليه ذات السب من الاهانة يكفي للدلالة على زوال أصل الايمان من قلبه ، بخلاف بعض الأمور الأخرى كشرب الخمر مثلا أو الزنى ، فان شرب الخمر لا يدل في ذاته على زوال أصل الايمان من القلب لأنه قد يفعله العاصي و يعتقده معصية ، أما الأشياء التي تدل بذاتها على زوال أصل الايمان كالسب مثلا فانها لا يمكن وقوعها على وجه كونها معصية

الأزهري السلفي
06-04-03, 10:56 PM
أخي الكريم أبا خالد العربي .
جزاك الله خير الجزاء .
وما سألت سؤالي فوق إلا بعد أن سمعت هذا الكلام من البعض.
بل ويزعم أن الدليل قائم عليه وأن ذلك هو مذهب الجماهير .
وأنا أعتقد أن الإستحلال لا يشترط في كل المكفرات كما قلت .
هذا أولا
.
أما ثانيا :
فقد استوقفني في كلامك قولك :
( فالذي دهس المصحف لم يكفر بمجرد الفعل بل كفر لما دل عليه فعله من زوال أصل الايمان من قلبه ...........).
.
ثم قولك بعد ذلك :
(يكفر بمجرد السب لأن ما دل عليه ذات السب من الاهانة يكفي للدلالة على زوال أصل الايمان من قلبه ).
.
أخي الكريم أين الضابط الذي تضبط به أن هذا الفعل مما يدل بنفسه أو لا يدل على زوال أصل الإيمان .
أعني لو أن معترضا اعترض عليك فقال :
لا بل السب لا يكفي للدلالة على زوال أصل الإيمان .
.
فما هو الأصل الذي سترده إليه ؟.
لا يوجد يقينا .
.
لذلك فإن هذا الكلام لا يصح لذا قال شيخ الإسلام في الصارم ردا على هذا الكلام :
( وينبغي أن يعلم أن القول بأن كفر الساب إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة )
وقال في موضع آخر أنه يكون منافقا ظاهرا وباطنا سواء كان منا فقا قبل ذلك أم حصل له النفاق بنفس الفعل .
.

الأزهري السلفي
06-04-03, 11:00 PM
لذا تجد الفقهاء والعلماء قاطبة في كتب الفقه يقولون :
((من فعل كذا فقد كفر)).أو ارتد
وليس : ((فقد دل على كفره ))أو ما أشبه .
------------------------------------------------------
على كل حال أخي الكريم أنا وأنت متفقون على أن الإستحلال لا يشترط في كل عمل مكفر .
فقد يقوم الدليل على أن مجرد فعل كذا يكفر به فاعله كفرا ينقل عن الملة .
.
لكن ما زال سؤالي مطروحا ً
هل اشترط العلماء في الكفر بالترك الإستحلال ؟
ولم يشترطوه في الكفر بالفعل ؟
هل هذه القاعدة صحيحة أم لا ؟؟
.
وأين كلام الأئمة في ذلك إن وجد ؟؟
.

محمد رشيد
07-04-03, 06:25 PM
العلماء لم يشترطوا ذلك وإن قلنا بأن الضابط هو الدلالة على زوال الأصل من القلب لظهرت المسألة لأنه لن يختلف الأمر حينئذ بين الرك و الفعل فقد يدل الترك على ما يدل عليه الفعل و لا أعظم مثال على ذلك من أن تارك التوحيد يسمى تاركا ، بدليل أنهم ـ أو بعضهم ـ يكفر تارك الصلاة و إن لم يكن مستحل للترك ، و علة تكفير تارك الصلاة هي دلالة تركه على زوال التعظيم لله تعالى من قلب تارك الصلاة ـ و التعظيم هو أحد أصول الايمان في القلب الذي بزواله يزول كل الايمان و يحكم بالكفر ـ و الدليل على أن الدلالة على زوال التعظيم هي علة الحكم بالكفر أن الشيخ العثيمين ـ رحمه الله ـ لم يقل بمذهب الحنابلة و هو التكفير بالفرض الواحد ، و إنما كفر التارك للصلاة تركا مطلقا و قال ما معناه / أنه من المحال أن يترك الرجل الصلاة تركا مطلقا و يكون في قلبه مثقال ذرة من إيمان و تعظيم لله تعالى .........................
أما الضابط لكون هذا الفعل المعين يخرج صاحبه من الملة أو لا يخرج ، فهو دلالة الفعل نفسه بحيث لا يمكن أن نطلق على الفعل أنه معصية ـ أي سوى الكفر ـ فدلالته هي نفس الدلالة على كفر من يقول ( كفرت بالرحمن الذي في السماء ) ـ مثلا ـ فهذا القول لا يمكن أن نصفه بأنه معصية سوى الكفر ... وإذا تذكرت ما ذكرته لك من أن سبب الكفر ليس هو ذات الفعل و إنما هو ما دل عليه الفعل من زوال أصل الايمان علمت أنه من الممكن أن يدل أي فعل أو قول أخر غير المذكور على زوال أصل الايمان ....................
ومما يوضح لك مسألة التكفير بما دل عليه الفعل لا بذات الفعل أو القول هو أنك مثلا إذا رأيت أناس في بلد من البلدان عندهم أن وضع الشئ على الرأس يعد من الاهانة لذلك الشئ ، فأمسك أحدهم المصحف ووضعه على رأسه فإنه يكفر ـ لا لذات الفعل ـ و إنما لما دل عليه الفعل من زوال الايمان ، و بالنسبة لواقعنا فإننا نرى أن الشوام يطلقون لفظ الرب على الأب فيقول أحدهم لصاحبه ( يلعن ربك ) ، و هي في ذات الوقت لوقيلت عندنا في مصر لكانت كفرا ..................
و بالنسبة لمعرفة التفصيل في مسألة أصل الايمان و فرعه ، فلا أعلم لك أفضل و أيسر من كتاب [ الايمان ] لأبي القاسم عبيد بن سلاّم ـ طبعة المكتب الاسلامي ـ و تحقيق الألباني رحمه الله

سابق1
07-04-03, 10:24 PM
قال شيخ الإسلام ، والجهمية أو قال وغلاة المرجئة ، يكفرون من سجد للصنم ، ولكنهم يقولون : إنه كفر لدلالة سجوده على انتقاض اعتقاده.

ولو كانت المسألة ، ما في القلب ، لكان كثير من المشركين ، الذين ما يعبدون أوثانهم إلا تقربا إلى الله زلفى = مسلمين !

وعلى التنزل ، لو كان الأمر كذلك ، لحُكم بإسلامهم ظاهرًا ، ولم يكن لمطالبتهم بالإسلام معنى.

ولو كان ذلك لم يكن لعذر المكره وقلبه مطمئن بالإيمان خصوص ، بل لقيل : كل من قلبه مطمئن بالإيمان ، لا يكفر ولو لم يكره ، إذ حصر المناط في القلب وما دل عليه.

ولو كان ، لوسعت المكفرات جدا ، فكثير من الأفعال التي تقع من المسلمين ظاهرًا ، يمكن أن يُقال فيها ، إنها لعدم التعظيم ، أو قلته ، مما لم يرد نص بالتكفير فيها.

بل يُقال:

إن من الكفر كفر القلب ، بخلوه من التعظيم الذي هو أصل التوحيد ، ونحوه ، أو بوقوع شيء من النواقض فيه ، مما يبديه اللسان ، أو العمل وإن لم يأت النص على هذا العمل بأنه كفر.

ومن الكفر ، كفر اللسان ، ولو تلفظ بكلمة من الكفر ، دون إكراه.

ومن الكفر كفر العمل ، بفعل أو ترك ، ولو كان بعض من لم يرتكب كفر العمل ، أقل محبة لله وتعظيمًا ممن ارتكبه ، لكفر الذي ارتكب كفر العمل دون الآخر.

فعلة تكفير تارك الصلاة ، أنه لم يأت بعمل الإيمان ، الذي لا إيمان إلا به ، كما أن من امتنع عن النطق بالشهادة ، وإن عمل بمقتضاها ، كافر لأنه لم يأت باللفظ الذي لا إيمان إلا به.

تنبيه :

سبق أن كتبت جوابًا في المسألة ، وأحببت أن أفرده ليكون أوسع للفائدة هنا:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=7399

محمد رشيد
08-04-03, 11:08 AM
أخي ( من أطاع الله ) بارك الله فيك ، لعلك لم تفهم كلامي ، فأنا أتفق معك في المضمون تماما و إنما الخلاف كان في التعبير ليس أكثر ، فأنا لا أفصل بين الفعل و ما دل عليه الفعل ، بل أقول بأن من سجد للصنم كفر بمجرد سجوده للصنم ، أي كفر بمجرد الفعل ... لماذا ؟ لأنه لا يسجد لغير الله إلا كافر ، أما التفصيل الذي أوردته أنا من أن الفعل دال على ما في القلب فهو فقط كان من باب التفصيل الأدق بعض الشئ لتوضيح المسألة لأخينا الأزهري .......

رجل قال : كفرت بالذي خلق السماوات و الأرض ..... نقول هذا كفر ـ أي حكمنا بكفره ـ بمجرد هذا القول .. فنقول / هذا القول المجرد وحده يكفي لتكفيره ........ ثم يمكننا أيضا أن نقول / لماذا يكفر بهذا القول المجرد ؟ فتكون الاجابة / لأنها دلت على مراده

الأزهري السلفي
10-04-03, 01:56 AM
واضح أننا غير متفاهمين .
أخي أبا خالد .
سؤال واحد فقط
وأرجو أن تكون الإجابة مختصرة .
هل من الممكن أن يسب رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن فيحصل له الكفر ظاهرا وباطنا بسبب هذا السب أم لا ؟

محمد رشيد
10-04-03, 05:50 PM
نعم ... يحصل له الكفر

أسد السنة
11-04-03, 04:55 PM
الحبيب أبا خالد زاده الله علما :

لو أفدتنا بالإجابة على الأسئلة التالية :

السؤال الأول )

رجل قال عن نفسه " كفرت "

وهو يقصد الكفر بالطاغوت هل يكفر

السؤال الثاني )

رجل مسلم حكى لأصدقائه طرفة (نكته) في حق الله ليضحكهم

هل يكفر .

السؤال الثالث )

رجل ترك كل الواجبات وفعل كل المحرمات وهو ينطق بالشهادتين ويقول إنه مسلم .

هل يصدق فيما ادعاه أم أنه كافر .

الأزهري السلفي
11-04-03, 06:36 PM
الحمد لله وحده ...
أخي الكريم أبا خالد .
جزاك الله خيرا على الرد .
أليس كلانا يقول أن :
الكفر قد حصل له بهذا السب حتى لو كان مؤمنا قبله ؟
إذن ما فائدة للتنقيب عن دلالة هذا الفعل في قلبه ؟
لا فائدة .
.
لما أراد بعض الفقهاء الذين تأثروا بالإرجاء في مسائل الإيمان الخروج من ورطة الإجماع المنعقد على أن الساب للنبي صلى الله عليه وسلم يكفر بنفس السب قالوا :
إنما كفر لدلالة السب على أنه استحله أولاً.
.
فإن كان هذا هو مقصدك حين قلت :
(( فالذي دهس المصحف لم يكفر بمجرد الفعل بل كفر لما دل عليه فعله من زوال أصل الايمان من قلبه ...........).
فهو خطأ بين واضح , لأن العلماء صرحوا في مواضع كثيرة فقالوا يكفر بنفس الفعل .
وهو خلاف عبارتك .
وانظر رد شيخ الإسلام على هؤلاء في الصارم من أربعة وجوه
وأن هذا لم يقل به أحد من الناس.
.
يتبع ....

الأزهري السلفي
11-04-03, 06:43 PM
لذا أنا أخالفك وأقول :
يكفر بنفس الفعل
ولا حاجة لنا لأن نقول أنه كفر لدلالة ......الخ
فهذا من مُدخَلات المرجئة.
.
فالكفر كما يكون بالإعتقاد فقط دون قول أو فعل .
فإنه يكون بالفعل فقط أو بالقول فقط .
.
يعني قد يكون الرجل مسلما فيحصل له الكفر فقط لنطقه بكلمة أو لقيامه بفعل.
.
هذا في الأقوال أو الأفعال التي قام الدليل على أن مجرد فعلها أو قولها يكون كفرا .
.
يتبع

الأزهري السلفي
11-04-03, 06:57 PM
إذن هناك نوعان من الذنوب .
الأول : قام الدليل على إثم فاعله فقط وهو درجات بين اللمم والكبائر .
فهذا ينقص من إيمان فاعله فقط , إلا أن يستحله فيكفر للإستحلال لا للفعل .
وأضداده شرط في كمال الإيمان .
.
.
الثاني : قام الدليل على أن فاعله يكفر بفعله ( والقول فعل ).
فهذا فاعله كافر مرتد عن دين الإسلام بنفس الفعل .
( بالطبع بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع عند الحكم على معين ).
وأضداده شرط في صحة الإيمان .
------------------------------------.
والذي دعاني إلى السؤال الرئيس الذي افتتحت به الموضوع أن بعض إخواني أخبرني أن المنهج الصواب عند السلفيين في مسائل الإيمان أن :
كل عمل جاء الدليل على أن فعله كفر لا يشترط فيه الإستحلال .
وكل عمل قام الدليل على أن تركه كفر يشترط فيه الإستحلال .
.
فلا يزال سؤالي مطروحا على الأفاضل .
هل هذا الكلام صحيح .
وكيف نوثقه ؟

محمد رشيد
11-04-03, 10:12 PM
أخي ( أسد ) بدون تفاصيل و طرح صور تريد مني الإجابة عليها ....... إن كنت أنت على ما عليه الألباني ـ رحمه الله ـ فأنا كذلك ، هكذا قد قصرت عليك الطريق دون الدخول الى مناقشة فروع على القواعد ...
أخي الأزهري نعم نحن نتفق في المضمون تماما و قد يكون الخلاف في التعبير فقط و إذا قرأت ما كتبته أنا للأخ لعلك تعرف ذلك ...... و لكن لا أخفيك سرا أنك أقلقتني ، فأنا كل مرجعي في العقيدة هو شيخ حي ( عين شمس ) فهو أول من طلبت عليه ، ثم تركته لشيئين : وقوعه كثيرا في أهل العلم ، و الاختلاف في منهج الطلب فقد تركت منهجهم الضعيف ..... و ليس لأي سبب في العقيدة
و لكنك حقا أقلقتني أنت و أخوك الذي نقل كلام ابن تيمية ، فهل ما قلته أنا فيه مشابهة بكلام المرجئة ؟ أرجو الاجابة مع الانتباه الى ما سبق و قلته لكم من أننا نتفق في المضمون ، و إنما أردت فقط أن أوضح الصورة بتفصيل أكثر .............
و أنبهك الى خطأ القول بأنه يكفر و إن كان مؤمنا قلبه ، لأنه من المحال أن يكفر و هو مؤمن قلبه إلا في حالة واحدة ... ( عند من يقولون أن الايمان هو التصديق فقط )

أسد السنة
11-04-03, 11:55 PM
الحبيب السلفي :

ما شاء الله تبارك الله وفقك الله وزادك علماً ، أنت على خير إن شاء الله .

الحبيب أبا خالد :
إن كنت على عقيدة إمام العصر فحيا هلا ، أنعم وأكرم ولكن الخوف أن تكون فهمت بعض عبارات الإمام على غير الوجه الذي أراده فتزل قدم بعد ثبوتها كما فعل بعضهم فوقع في الإرجاء نسأل الله العافية .

أما سؤالك أيها الحبيب السلفي :


فقولهم :
كل عمل جاء الدليل على أن فعله كفر لا يشترط فيه الاستحلال .

قول قاصر لأننا نقول :

لا يشترط فيه الإستحلال ولا الجحود لأنه لا يخفاك أن بعضهم قال :

" ما يكفر به المسلم عند أهل السنَّة :
أولاً : الاعتقاد ، جحوداً وتكذيباً .
أو ثانياً : الاستحلال تحريماً للحلال وتحليلاً للحرام.ا.هـ "

وهذا قول باطل لا شك في ذلك .

أما قولهم :
" وكل عمل قام الدليل على أن تركه كفر يشترط فيه الإستحلال ."
فلا أدري ماذا أرادوا بهذا الضابط ونريد أن تذكر أمثلة على هذا الضابط ولا يحضرني الآن إلا مثالان :

الأول ) الصلاة : والصحيح أنه لا يشترط الاستحلال في تركها لأنه قد قام الإجماع على أن تارك الصلاة كافر ولو كان معتقداً وجوبها ، لكن من خالف واشترط الاستحلال فقوله من أقوال أهل السنة ما دام أنه يبني على أصولهم لأن هذا القول يتفق تماماً مع أصول المرجئة .

الثاني ) الحكم بغير ما أنزل الله : والصحيح في هذه المسألة الخطيرة الكبيرة القول باشتراط الاستحلال أو الجحود وهذا قول إمامي العصر شيخنا الإمام ابن باز وشيخنا الإمام الألباني رحمهما الله .

محمد رشيد
12-04-03, 01:06 AM
تنبيه : يظهر من كلام إخواني أنهم يفهمون أني أقصد بدلالة ما في القلب أنه الاستحلال ، و لا أريد هذا ، و انما أريد ما هو أعم ، فقد يكون الاستحلال ، و قد يكون عدم التوقير ، و قد يكون الرفض للانقياد و الطاعة ، فالاستحلال هو فقط أحد أسباب الحكم بالتكفير ، و كما سبق فإنه لا يشترط في كل المسائل أ ن يكون الفعل مستحلا .
أخي ( أسد السنة ) بارك الله فيك و زادك فضلا و علما و خيرا ، و أعتذر إليك فقد ظننت أن كلامك إنما هو ( شد ) للبساط من تحت الأقدام ، للوقوع في مهترات و مناقشات في فرعيات مشتهرة بين الناس ، فأردت أن أغلق الموضوع ، لأنني قد عانيت كثيرا من هذه المسائل حين أناقشها مع بعض تلاميذ من ذكرته سابقا حيث تجد أنك تتفق معه في المضمون و الماهية ، ثم يختلف هو معك في ألفاظ لعله هو لا يدري معناها ، فيكون الخصام و الشقاق منه إليك ، و نحن في غنى عن ذلك .
ففي الحقيقة فإن قولي ( فعله دل على ما في قلبه من ذهاب أصل الايمان ) أقصد بأصل الايمان ما هو أعم من التصديق ، فيشمل التصديق ، و قبول الطاعة والاستعداد للانقياد ، فلا يسب النبي إلا من كان قلبه لا يوقره .........
و على كل فإن هذا هو ما تلقيته في حي ( عين شمس ) بالقاهرة ، فإن كان من يرى فيه خطأ فلينبهني على ذلك و جزاه الله خيرا ، و خاصة أخي الأزهري ، فهو أدرى بهذا الموضوع من غيره لكونه يعيش في مصر ، و لعله يفهم ما أريد ، و إن كان يريد أن ينصحني نصيحة ليس هذا مكانها فليرسلها إليّ في صندوق الرسائل

أسد السنة
12-04-03, 03:31 PM
الأخ أبا خالد ينبغي أن تحذر من ربط الكفر دائما بالاعتقاد لأن هذا إنما يجري على أصول المرجئة والجهمية .

أما أهل السنة فقد أجمعوا على أن الإيمان قول وفعل وهذا يعني أن الكفر كما يكون بالاعتقاد فكذلك يكون بالقول والفعل .

والقاعدة أن كل ما سماه الله ورسوله كفراً وكان من الكفر المخرج من الملة أو أجمعت على ذلك الأمة فهذا هو الكفر ، مع التنبه إلى أن هنالك فرقاً بين الإطلاق والتعيين . لكن لا يهمنا هنا التفصيل فيما يتعلق بالمعين لأن الخلاف في الإطلاق وليس في التعيين.


وهذا هو قول شيخنا ناصر الدين الألباني رحمه الله ففي إجابة له على السؤال التالي " ما حكم الطواف بالقبور ؟"

قال " الطواف بالقبور شرك لا شك في ذلك ولا ريب … فإذا طاف الطائف حول القبر فمعنى ذلك أنه نقل عبادة هي لله وحده لا شريك له إلى ذاك المقبور … فمن وجه عبادة من العبادات التي تعبد بها الله عز وجل عباده إلى غيره عز وجل فقد اتخذه معه إله " .

قال سائل " هل نسأل الطائف هل يعتقد أم لا أم ظاهره أنه شرك "

قال رحمه الله " هذا سؤال حينما يراد إقامة الحد عليه لأنه بهذا العمل يرتد فإذا كان هناك من يقيم الحد أي القتل على المرتد حينذاك هذا الإنسان يؤتى به فيستتاب ، لا يسأل تعتقد أو لا تعتقد لأن عمله برهان على عقيدته إنما يستتاب بعد أن تقام عليه الحجة ، أن هذا الطواف هو لبيت الله فقط عبادة وخضوع لله كالسجود لا فرق فلو أن إنساناً سجد لشيخ له أو أمير له فهذا لا يسأل لماذا أنت تسجد وهل تعتقد أن هذا يستحق التعظيم لأن فعله يدل على التعظيم لكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل "

مبارك
12-04-03, 05:49 PM
جزاك الله خير الجزاء ياأخي المفضال أسد السنة على هذا النقل الرائع لشيخنا إمام أهل الحديث أبي عبدالرحمن الألباني رحمه الله .
وبارك الله فيك وفي علمك ياأخي .
اشتقنا لك كثيراً ، فلا تغيب عنا .
وجزء الله جميع من شارك في هذا الموضوع .

الأزهري السلفي
12-04-03, 08:14 PM
أخي الكريم أبا خالد العربي .
قلقك في محله
والشيخ الذي تشير إليه زلت قدمه في الإرجاء زلة لا تحمد
أسأل الله أن يحفظك من الزلل .
وأقول لك :
أحسب أنني تجردت لدراسة المسألة التي حصل بسببها الفتنة التي تشير إليها
فوجدت كذبا وتدليسا وتراجعا عند من ذكرته .
.
أقول هذا من باب النصيحة وقد كان بودي أن ألتقي بك لأبرهن لك على كلامي .
لكن :

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=7512

الأزهري السلفي
12-04-03, 08:21 PM
أخي الكريم الشيخ أسد السنة
ما رأيك لو قلت لك أن :
النفاق يثبت و ( يزول) الإيمان (بمجرد الإعراض) عن حكم الرسول
و ( إرادة) التحاكم إلى غيره

على الرغم من أن ذلك قد يكون سببه قوة الشهوة .


ما رأيك في هذا الكلام ؟
أرجو منك سرعة الرد.
( لاحظ الرابط الذي وضعتُه لإبي خالد )

محمد رشيد
12-04-03, 10:56 PM
أسأل الله تعالى أن يثبتك أخي الأزهري ، و لعلي أعرف أو يظهر لي غالبا ذلك الباب من الفتنة الذي انفتح عليك ، و لكن اثبت و استعن بالله وحده و لا تتعلق بغيره أبدا ، و اعلم أن كل شدة فإنها ستزول بإذن الله تعالى ، و قد كنت في شدة استمرت أكثر من شهر و لكنها مرت و الفضل لله وحده ، فأيا كان نوع الشدة التي أسأل الله تعالى ألا تلقاها فإنها ستزول بإذن الله ................
أخي ( أسد ) بارك الله فيك على هذا النقل القيم ، و لكن أرجو العزو إن استطعت لعلي أحتاج إليه ، و بارك الله فيك ، و في جميع الإخوة

أسد السنة
12-04-03, 11:49 PM
الحبيب الأزهري :
هذه المسألة بارك الله فيك طويلة الذيول وقد زلت فيها أقدام بعد ثبوتها فرويدك رويدك لا تزل مع من زل فالبركة مع أكابركم .

وإني لك ناصح أمين ألا تجعل لردة الفعل بسبب الخصومات أثرا فيما تدين الله به .

قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله في " درء الفتنة عن أهل السنَّة " :

" وإن من الضلال البعيد والغش للمسلمين والتدليس على شبيبتهم ، جلب أقوال الفرق الضالة وكسائها بلحاء الشريعة ونسبتها إلى مذهب أهل السنَّة والجماعة نتيجة لردود الأفعال ، وجدل المخاصمات ، فلا يجوز بحال الميل لشيء من أهواء النواصب لمواجهة الروافض ، ولا لشيء من أهواء القدرية لمواجهة الجبرية ، ولا لشيء من أهواء المرجئة لمواجهة الخوارج أو العكس في ذلك كله وهكذا من رد الباطل بمثله ، والضلالة بأخرى ، وهذه جادة الخاسرين أعمالاً "

أما بالنسبة لسؤالك وقد علمت أن وراء الأكمة ما وراءها :
فأقول لك وهل تعلم ما معنى الإعراض عن حكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

تعرف هذا بارك الله فيك إذا علمت إن الإمام محمد بن عبد الوهاب جعل الإعراض ناقضا من نواقض الإسلام .

فعليك بارك الله فيك أن تراجع أقوال أهل العلم في معنى الإعراض .

وتنبه إلى أن أهل البدع ما ضلوا إلا بسبب العمومات فقد قال الإمام أحمد :

" وأكثر ضلال الناس من جهة المتشابه والقياس "

الشيخ الفاضل المبارك مبارك :
والله إني مشتاق إلى رؤيتك فعسى أن يكون ذلك قريبا بارك الله فيك وفي علمك .

الأزهري السلفي
13-04-03, 12:56 AM
الحمد لله وحده ...
الأخ الكريم أسد السنة وفقه الله.

ما أراك قد أجبتني إلا بسؤال , ولو أجبتني عن سؤالي أو تفضلت علي بشرح ما تراني قد أزل فيه لكان خيرا مما كتبت .

وعلى كل حال : عنيت بالإعراض المعنى الأعم , الذي هو ترك محض

فأليك سؤالي بعد التعديل :

ما رأيك لو قلت لك أن :
النفاق يثبت و ( يزول) الإيمان (بمجرد الإعراض) عن حكم الرسول
و ( إرادة) التحاكم إلى غيره

على الرغم من أن ذلك (ترك محض) و قد يكون سببه قوة الشهوة .

ملحوظة :
قد يكون هذا آخر أيامي هنا .

سابق1
13-04-03, 01:03 AM
الأخ أسد السنة ، وقال بكر أبو زيد ، في الكتاب نفسه : وعلى الأمة السمع والطاعة لمن قادها بكتاب الله .

وأما ثبوت الكفر بمجرد الإعراض عن حكم الله ، وإرادة التحاكم إلى الطاغوت ، فانظر أثر عمر في تفسير قوله تعالى : "يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به" .

سابق1
01-05-03, 04:55 AM
تنبيه :

القول باشتراط استحلال الجحود في تكفير من حكم بغير ما أنزل الله قول باطل.

وتصحيحه في تقرير القولين كليهما :

- أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس كفرًا بحال من الأحوال ، فهو كالكبائر.

- أو أنه كفر في أحوال ، لا تعلق بالجحود والاستحلال.

والجحود والاستحلال كل منهما كفر بمفرده ، ولو حكم بما أنزل الله.

وفي هذا الرابط شيء من بيان لهذا المعنى :

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=7399

وأمَّا اشتراط الاستحلال ، فاستحلال شيء من المعاصي ، المعلوم بالضرورة كونها معاصي ، أو التي يعلم المستحل تحريمها في الشرع ، كفر مستقلٌّ.

فإذا قيل عن شيء إنه ناقض ، فلا مدخل للاستحلال ، وإلا لقيل ذلك في شرب الخمر ، وقتل المؤمن ، ونحوهما ، لأن لها حالين : أن يستحل فيكفر ، وأن لا يستحل فلا يكفر.

وأيضًا : لأن استحلال هذه الأمور ، كفر ولو لم يرتكبها ، فلا معنى لتسميتها نواقض ، بل الناقض استحلالها ، كسائر المحرمات.

وأما ذكر الاستحلال ، على جهة التأويل لنص ، لمعارض راجح ، كما قال به من قال من أهل السنة في القتل ، فيفيد أن العمل الذي حمل التكفير به على الاستحلال ، ليس بناقض أصلاً ، كما يُقال في القتل ، لا أنه ناقضٌ بهذا الشرط ، لما تقدم من ورود التكفير على غير هذا الفعل.

وقد قال أحمد بن حنبل فيمن حمل آية القتل ، على الاستحلال ، قال إن استحله كفر ولو لم يقتله.

Ahmed Salem
26-09-03, 02:00 AM
أظن أن هذا الكتاب مفيد في مسألة شرط الإستحلال

Ahmed Salem
26-09-03, 02:06 AM
التوسطُ والاقتصادُ
في أن الكُفرَ يكونُ
بالقولِ أو العملِ أو الاعتقادِ
((رسالة في المكفرات القولية والعملية من خلال أقوال العلماء))





بقلم
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف





قرأها وقرَّظها وأوصى بطبعها ونشرها
الإمام
عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
(يرحمه الله)
بين يدي الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين. أما بعد :
فقد كنت فرغتُ من هذا الكتاب قبل سنة تقريبا وأرسلت نُسخاً منه لعدد من العلماء وطلاب العلم وفي مقدمتهم الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - يرحمه الله - كما أرسلت لبقية أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - بالسعودية - :
الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ عبد الله الغديان والشيخ صالح الفوزان والشيخ بكر أبوزيد ، كما أرسلت نسخاً للشيخ محمد بن صالح العثيمين ، والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ عبد الرحمن البراك وغيرهم من العلماء وطلبة العلم لأخذ ملاحظاتهم وتصويباتهم ، وقد تجاوب أكثرهم مع الكتاب وجاءتني منهم تعليقاتٌ وإضافاتٌ زادت الكتاب قوة ، فمنهم من علَّق على النسخة نفسها وأعادها إليَّ ، ومنهم من أرسل تعليقاته عبر جهاز الفاكس ، ومنهم من أرسل مع تعليقاته تقريظاً للكتاب ، وقد نصحني كثير منهم بالتعجيل بطبعه لينتفع به المسلمون ، لكنِّي آثرت الانتظار حتى تصلني ملاحظات الشيخ عبد العزيز يرحمه الله ، وفي هذه الفترة أعدت صف الكتاب بعد الأخذ بكثير من الآراء التي وصلتني وأرسلت إلى الشيخ النسخة المعدَّلة ، وعلمت بعد ذلك أن الكتاب وصل إليه وأنه أمر بأن يُقرأ عليه وأخبرني من كان يقرأه عليه - جزاه الله خيراً - أنه قد أنجز معه الثلث وأن الشيخَ مسرورٌ به ، فحمدت الله على ذلك ، وما هي إلا أيام حتى صُعِقْنا بنبأ وفاة الشيخ أسأل الله أن يسكنه فسيح جناته ، ثم وبعد ثلاثة أسابيع وصلني خطابٌ من مدير عام مكتب المفتي العام متضمنا تقريظ الشيخ للكتاب ومعه الكتاب نفسه وعليه تعليق واحد وتصويبات لأخطاء مطبعية.
الفرق بين هذه النسخة والنسخة التي اطلع عليها الشيخ :
1- كان عنوان الكتاب " المكفرات القولية والعملية من خلال أقوال العلماء " فاقترح بعض الفضلاء تغيير العنوان بما يفيد أن المقصود بالمكفرات ، الأقوال والأعمال المُخرِجة من الملة وليست مكفرات الذنوب فجعلت العنوان " التوسطُ والاقتصادُ في أن الكُفرَ يكون بالقول أو العملِ أو الاعتقادِ ".
2- زيادة في المقدمة من قولي (ص11) : فإنه من المقطوع به … إلى قولي (ص13) : هذا وقد ترددت في الآونة الأخيرة … وذلك أخذا بقول من أشار عليَّ أنه يحسن البدء بتقرير معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان والكفر قبل الخوض في المسألة .
3- حذفت من كلام صاحب الفروع (ابن مفلح) من قوله:وقال في الترغيب … إلى آخره كما أشار الشيخ.
4- حذفت كلام الدسوقي كلَّه كما أشار الشيخ .
5- أضفت كلام ابن بلبان (ص99) مكان كلام الدسوقي رغم أنه حسب الترتيب الزمني ليس هذا موضعه لكن للحفاظ على ترتيب الصفحات .
6- أضفت (ص97) تعليقاً للشيخ رحمه الله على كلام البجيرمي .
أما ما عدا ذلك فكلُّ ما في الكتاب فقد قُرئ على الشيخ وأقره وأثنى عليه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
المؤلف
حُرِّرَ في 23/2/1420هـ

خطاب مكتب المفتي العام

المملكة العربية السعودية
رئاسة إدارة البحوث العلمية والافتاء
مكتب المفتي العام
حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف وفقه الله لما فيه رضاه آمين .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد .
فإشارة إلى رسالتك الموجهة إلى سماحة الوالد المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – المشفوع بها كتابك المسمى المكفرات القولية والعملية من خلال أقوال العلماء .
أفيدك أنه قد تم عرض رسالتك وكتابك على سماحته في حياته وقد أملى جواباً لكم ما نصه ( فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ بدون . وصلكم الله بحبل الهدى والتوفيق واطلعت على الرسالة المرفقة التي كتبتم في المكفرات القولية والعملية . وقد قرأتها كلها فألفيتها رسالة قيمة مفيدة يحسن طبعها ونشرها ليستفيد منها المسلمون بعد حذف بعض ما نقلتم عن صاحب الفروع ابتداء من قوله وقال في الترغيب إلى آخره . وحذف ما نقلتم عن الدسوقي كله لما فيه من اللبس ) فأرجو الإحاطة وأسأل الله لكم العون والتوفيق إنه جواد كريم .
والسلام عليكم ورحمة وبركاته .
مدير عام مكتب مفتي عام المملكة

د/ عبد الله بن حافظ الحكمي
المحتويات
مقدمة
1. التَّابعيُّ الجليل نافـع مولى ابن عمر رضي الله عنه.ت:117هـ
2. الإمام سفيان بن عيينة . ت :198هـ
3. الإمام محمّد بن إدريس الشافعيّ . ت : 204هـ
4. الإمام عبد الله بن الزّبير الحميديّ . ت:219هـ
5. الإمام إسحاق بن راهويه المروزيّ . ت:238هـ
6. الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد. ت :240هـ
7. إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل . ت :241هـ
8. فقيه المغرب محمد بن سحنون المالكي.ت:265هـ
9. إمام المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري .تك310هـ
10. الشيخ أبو الحسن عليُّ بن إسمــاعيل الأشعريّ . ت:324هـ
11. شيخ الحنابلة الحسن بن علي البربهاري . ت:329هـ
12. أبو بكر أحـمد بن عليٍّ الـجصَّاص (الحنفيّ). ت:370هـ
13. الإمام أبو القاسم هبةُ الله بن الحسن اللالكائيّ . ت : 418هـ
14. محمد بن الوليد السمرقنديّ (الحنفيّ) : كان حيَّاً سنة450هـ
15. العلاَّمة أبو محمَّد عليُّ بن حزم (الظاهريّ). ت:456هـ
16. الحافظ يوسف بن عبد الله بن عبد البر (المالكي). ت :463هـ
17. إمام الحرمين عبدالملك بن عبدالله الجوَينيّ(الشافعيّ)ت:478هـ
18. عليُّ بن محمَّد البزدَويّ (الحنفيّ). ت:482هـ
19. عمادُ الدِّين عليُّ بن محمَّد الكِيا الهرَّاسي(الشافعيّ).ت:504هـ
20. القاضي أبو بكرٍ بن العربيّ (المالكيّ) . ت:543هـ
21. القاضي عياض بن موسى (المالكيّ). ت:544هـ
22. فخر الدِّين محمَّد بن عمر الرَّازيّ. ت:544هـ
23. علاء الدِّين مسعود بن أحمد الكاسانيّ (الحنفيّ). ت :587هـ
24. فخر الدِّين حسن بن منصور الفرغان (الحنفيّ). ت :592هـ
25. أبو الفرج عبد الرحمن بن عليٍّ ابن الجوزيّ . ت:597هـ
26. جلال الدِّين عبد الله بن نجم بن شاس (المالكيّ). ت:616هـ
27. برهان الدِّين محمود بن أحمد بن مازه (الحنفيّ) . ت:616هـ
28. عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسيّ (الحنبليّ). ت:620هـ
29. عثمان بن أبي بكرٍ المعروف بابن الحاجب(المالكيّ).ت:646هـ
30. أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي . ت:671هـ
31. محيي الدين يحيى بن شرف النوويّ (الشافعيّ). ت:676هـ
32. شهاب الدِّين أحمد بن إدريسٍ القرافيّ (المالكيّ) . ت :684هـ
33. شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيميَّة.ت: 728هـ
34. علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري(الحنفي).ت :730هـ
35. عبيد الله بن مسعود المحبوبي البخاريّ (الحنفيّ) . ت :747هـ
36. زين الدين عمر بن مظفر الوردي (الشافعي). ت:749هـ
37. الحافظ محمد بن أبي بكر ابن قيِّم الجوزيَّة . ت:751هـ
38. تقيّ الدِّين عليُّ بن عبد الكافي السبكيّ (الشافعيّ).ت:756هـ
37.محمَّد بن مفلح المقدسيّ (الحنبليّ).ت:763هـ
39. الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير. ت:774هـ
40. الشيخ خليل بن إسحاق (المالكيّ). ت:776هـ
41. محمَّد بن عبد الرحمن العثمانيّ (الشافعيّ) . ت:بعد 780هـ
42. عالم بن العلاء الأندربتي الدهلويّ (الحنفيّ) . ت:786هـ
43. سعد الدِّين مسعود بن عمر التفتازانيّ (الشافعيّ). ت:792هـ
44. بدر الدين بن محمَّد بهادر الزَّركشيّ (الشافعيّ). ت:794هـ
45. الحافظ عبد الرَّحمن بن أحمد ابن رجب (الحنبليّ).ت :795هـ
46. برهان الدِّين إبراهيم بن فرحون اليعمري(المالكيّ).ت:799هـ
47. محمَّد بن شهاب البزَّاز (الحنفيّ) . ت:827هـ
48. العلاَّمة محمّد بن المرتضى ابن الوزير الصنعانيّ . ت:840هـ
49. علاء الدِّين عليُّ بن خليل الطرابلسيّ (الحنفيّ). ت:844هـ
50. الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني. ت:852هـ
51. كمال الدين ابن عبد الواحد ابن الهمام (الحنفيّ). ت :861هـ
52. جلال الدِّين محمَّد بن أحمد المحليّ (الشافعيّ). ت:864هـ
53. محمَّد بن أحمد بن عماد الأقفهسي (الشافعيّ) . ت:867هـ
54. محمّد بن محمّد بن محمّد (ابن أمير الحاج) (الحنفيّ).ت:879هـ
55. محمَّد بن أحمد المنهاجيّ الأسيوطيّ (الشافعيّ). ت:880هـ
56. عليُّ بن سليمان المرداويّ (الحنبليّ). ت:885هـ
57. محمد بن فراموز (مُنلاَّ خِسرو) (الحنفي) . ت:885هـ
58. أبو عبد الله محمّد بن قاسم الرصَّاع (المالكيّ). ت:894هـ
59. محمَّد بن قاسم الغزِّي (الشافعيّ). ت:918هـ
60. زكريَّا بن محمَّد الأنصاريّ (الشافعيّ). ت:926هـ
61. محمَّد بن عبد الرَّحمن المغربيّ (المالكيّ). ت:954هـ
62. شهاب الدِّين أحمد البرلُّسي (عميرة) (الشافعيّ). ت:957هـ
63. زين الدِّين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم (الحنفيّ). ت :970هـ
64. محمَّد بن أحمد الفتوحي (ابن النجار) (الحنبليّ). ت:972هـ
65. أحمد بن محمَّد بن حجر الهيتميّ (الشافعيّ). ت:973هـ
66. محمَّد بن أحمد الخطيب الشربينيّ (الشافعيّ). ت:977هـ
67. زين الدِّين بن عبد العزيز المليباري (الشافعيّ). ت:987هـ
68. محمَّد عبد الرؤوف المناويّ (الشافعيّ). ت:1031هـ
69. مَرْعيّ بن يوسفٍ الكرميّ المقدسيّ(الحنبليّ) . ت :1033هـ
70. منصور بن يونس البَهْوَتيّ (الحنبليّ). ت:1051هـ
71. أحمدُ بن أحمدَ شهاب الدِّين القليوبيّ (الشافعيّ). ت:1070هـ
72. عبد الرَّحمن بن شيخي زاده داماد (الحنفيّ). ت:1078هـ
73. أبو البقاء أيوب بن موسى الكفويّ (الحنفيّ) . 1095هـ
74. أحمد بن محمَّد الحسينيّ الحمَويّ (الحنفيّ). ت:1098هـ
75. العلاَّمة صالح بن مَهْديّ المقبليّ . ت:1108هـ
76. مجموعةٌ من علماء الهند الأحناف
77. العلاَّمة محمَّد بن إسماعيل الأمير الصَّنعانيّ . ت:1182هـ
78. أحمد العَدَويّ أبو البركات (الدَّردير) (المالكيّ). ت:1201هـ
79. سليمان بن عمر العُجيليّ (الجمل ) (الشافعيّ). ت:1204هـ
80. الإمام المجدِّد محمَّد بن عبد الوهاب التميميّ. ت:1206هـ
81. الشيخ محمَّد بن عليٍّ بن غريب.ت:1209هـ
82. سليمان بن محمَّد بن عمر البجيرميّ (الشافعيّ). ت :1221هـ
83. عبد الله بن حجازي (الشرقاويّ) (الشافعيّ). ت:1227هـ
84. محمد بن بدر الدين بن بلبان.(الحنبلي)ت:1083هـ
85. سليمان بن عبد الله بن محمّد بن عبدالوهَّاب.ت:1233هـ
86. مصطفى بن سعد بن عبدَة الرُّحيبانيّ (الحنبليّ). ت :1243هـ
87. الإمام عبدُ الله بن محمَّد بن عبد الوهَّاب. ت:1244هـ
88. العلاَّمة محمَّد بن عليٍّ الشَّوكانيّ . ت:1250هـ
89. محمَّد أمين ابن عابدين (الحنفيّ) . ت:1252هـ
90. شهاب الدِّين محمود بن عبد الله الآلوسي . ت:1270هـ
91. إبراهيم بن محمَّد بن أحمد البيجوريّ (الشافعيّ). ت:1277هـ
92. الشيخ عبد الله بن عبد الرَّحمن أبابطين . ت:1282هـ
93. عبدالرَّحمن بن حسن بن محمَّد بن عبدالوهّاب.ت:1285هـ
94. محمَّد بن أحمد المعروف بالشيخ عليش(المالكيّ).ت: 1299هـ
95. الشيخ حمد بن عليٍّ بن عتيق . ت :1301هـ
96. أحد علماء الدعوة النجديَّة
97. عثمان بن محمد شطا البكريّ (الشافعيّ). ت:1302هـ
98. العلاَّمة صدِّيق حسن خان القنوجي. ت:1307هـ
99. الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى السديريّ . ت:1329هـ
100. علامة الشَّام محمَّد جمال الدِّين القاسميّ . ت:1332هـ
101. محمَّد أنور شاه الكشميريّ .ت : 1352هـ
102. إبراهيم بن محمَّد بن ضويان (الحنبليّ). ت:1353هـ
103. السيد محمَّد رشيد رضا . ت :1354هـ
104. العلاَّمة عبد الرَّحمن بن ناصر بن سعديّ. ت:1376هـ
105. الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي. ت:1377هـ
106. الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ . ت:1389هـ
107. العلاَّمة محمَّد الأمين الشنقيطي.ت:1393هـ
108. اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء (بالسعودية)
109. الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز (وُلد عام:1330هـ )
110. الشيخ محمَّد بن صالح بن عثيمين (وُلد عام : 1347هـ)
111. الشيخ عبد الله بن عبدالرَّحمن الجبرين (وُلد عام:1349هـ )
112. الشيخ صالح بن فوزان الفوزان (وُلد عام : 1354هـ )
113. الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (وُلد عام : 1364هـ )
114. "الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة"







إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَن يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه؛ أمَّا بعد:
فإنه من المقطوع به عند أهل السنةِ والجماعةِ أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ(1) يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتارة يقولون : الإيمان : قولٌ باللسان ، وعملٌ بالأركان (الجوارح) ، واعتقادٌ بالجَنان (القلب)،وتارة يقولون : قولٌ وعملٌ ونِيَّةٌ ،ولهم عباراتٌ لا تختلف عن هذه في معناها،وقد حكى غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين على ذلك،ومن هؤلاء الشافعي(2) والبغوي(3) وابن عبدالبر(1) وغيرهم . بل أصبح هذا مما يميزهم عن أهل البدع.
كما أنَّه من المقطوعِ به عندهم أنَّ من الأقوالِ والأعمالِ ما هو كفرٌ أكبر يُخرج من الملة ، وقد حكى غيرُ واحدٍ الإجماع على أنَّ سبَّ اللهِ ورسولِه كفرٌ مخرج من الملة ، ومن هؤلاء : الإمام إسحاق بن راهوية ومحمد بن سحنون(2) وغيرهما . فظنَّ بعض الناس أنَّ الكفرَ العمليَّ لا يخرج صاحبه من الإسلام وأنَّ سبَّ الله ورسوله مستثنى من ذلك(3) ، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة. بل حكى غيرُ واحدٍ الإجماع على أنَّ الكفرَ يكون بالقولِ أو الفعلِ أو الإعتقادِ ، ومن هؤلاء : العلاَّمة ابن حزم(1) والشيخ سليمان آل الشيخ(2) والشيخ عبدالله أبابطين(3) والشيخ محمد بن ابراهيم(4) ، فسقطت دعوى الاستثناء والحمد لله ، ومن فرَّق بين سبِّ الله أو رسوله وبين أي قولٍ أو عملٍ أجمع المسلمون أنه كفر كالذبح لغير الله أو السجود لصنمٍ أو نحو ذلك فعليه الدليل . فلا يظنُّ ظانٌ أَنَّ في المسألة خلافاً يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد ، إذ لا يستطيع أحدٌ أَنْ يحكي عن واحدٍ من علماء أهل السنة والجماعة خلاف ذلك البتَّةَ .
هذا وقد تردَّدت في الآونة الأخيرة مسألة التَّكفير بالقول والعمل، وزعم بعضُهم أنَّه لا يكفُر إلاَّ من اعتقد الكفر، أمَّا من تلفَّظ به أو عمل ما هو كفرٌ صراحةً فلا يكفر؛ إذ الكفر هو الاعتقاد فقط ـ وهذا هو مذهب المرجئة المذموم ـ، مستدلِّين بتقسيم بعض العلماء الكفر إلى عمليٍّ واعتقاديٍّ، وأنَّ الأول كفرٌ أصغرُ والثاني كفرٌ أكبرُ، دون تفريقٍ بين الكفر العمليِّ الذي يعنيه العلماء والكفر بالعمل أو الأعمال المكفِّرة .
ومن هنا نشأت شبهة أخرى وهي أنَّ المرء لو عمل عملاً كفريَّاً ، كالسُّجود لصنمٍ أو صليبٍ ، أو قال قولاً كفريّاً ،كَسَبِّ الله ورسوله، أو استهزأ بآيات الله لشهوةٍ أو غرضٍ دنيويٍ فإنَّه لا يكفُر ما لم يعتقد ؛ فعدُّوا ذلك مانعاً من موانع التَّكفير ، والذي عليه علماء أهل السنة والجماعة أنَّ موانع التكفير أربعة: ((الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه))، فمن وقع في كفرٍ عملاً أو قولاً ثم أقيمت عليه الحجة وبُيِّن له أنَّ هذا كفرٌ يخُرج من الملة فأصَرَّ على فعله طائعاً غير مُكْرَهٍ ، متعمّداً غير مخطىءٍ ولا متأوّلٍ فإنَّه يكفر ولو كان الدافع لذلك الشهوة أو أيّ غرضٍ دنيويٍّ، وهذا ما عليه أهل الحق وعليه ظاهرين إلى قيام الساعة إن شاء الله.
ولما رأيتُ بعضَهم يستشهد بأقوالٍ محتملةٍ لبعض العلماء، نشطْتُ لجمع جملةٍ من أقوالهم في هذه المسألة . فتحصل لي منها مئات الأقوال لأكثر من مئةِ عالم، نقل بعضهم الإجماع كما تقدم.
وهنا لابدّ من توضيحِ أمورٍ تتعلَّق بمنهج الكتاب:
أولاً :مجمَل أقوالِ العلماءِ التي جمعتُها تنحصر في خمس عبـاراتٍ :
1- أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل . فلم يقيّدوه بالاعتقـادِ(1) .
2- أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد . فغايروا بينها(2).
3- أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل ولو لم يُعْتَقَد ، فنصُّوا على عدمِ شرطيَّةِ الاعتقاد(3).
4ـ أنَّ الكفرَ يكون بالقول والفعل ولو لحظٍّ من حظوظِ الدُّنيـا(1) .
5ـ ردودٌ أو إنكارٌ على الجهميّة والمرجئة الذين يشترطونَ الاعتقاد أو الاستحلال(2) .
ومن تأمَّل هذه العبارات يجد أن مؤدَّاها واحدٌ وإنْ كان بعضُها أصرح من بعضٍ في بيان المقصود .
ثانياً : نقلْتُ أقوال بعض فقهاء المذاهب من الأشاعرة والماتريديَّة ممَّن خالطهم شيءٌ من الإرجاء لأنَّ ذلك أبلغ في الاستشهاد وإن كان قدوتنا علماء السُّنَّة القائلين بأن الإيمان قولٌ وعملٌ .
ثالثاً : رتَّبْتُ العلماءَ على حسب وَفَيَاتِهم ، والأحياءَ منهم على حسب ولادَتِهم .
فكان منهم :
1 – أئمةٌ أعلامٌ من القرون الأولى أمثال : نافع مولى ابن عمر ، وابن عيينة ، والشافعيّ، والحميديّ ، وإسحاق ، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل ، ومحمد بن سحنون ، وابن جرير الطبريّ ، وأبو الحسن الأشعريّ، والبربهاري.
2 – ومنهم مفسِّرون أوردْتُ كلامَهم عند تفسيرهم لبعض الآيات. مثل : الجصّاص ، وإلكِيا الهرَّاسي ،وابن العربي ،و الرّازي، وابن الجوزي ، والقرطبي ، وابن كثير ، والقاسمي ، والألوسي .
3 – ومنهم علماءُ مجتهدون : كابن حزم (الظاهري)، وابن عبد البرِّ (المالكيّ) ، والنوويّ (الشافعيّ) ، وابن تيميّة (الحنبليّ) ، وابن القيِّم (الحنبليّ)، وابن الوزير ، وابن حجر العسقلانيّ (الشافعيّ) ، والمقبليّ ، والصنعانيّ ، والشوكانيّ ، وصِدِّيق خان .
4 – ومنهم فقهاءُ مذاهبٍ لا يسلم كثيرٌ منهم من شيء من الإرجـاءِ .
فمن الحنفيَّة : السمرقنديِّ ، والبزدويِّ ، والكاسانيِّ ، وابن مازه ، والبزَّاز ، وابن الهُمام ، وابن أمير الحاج ، ، وابن نجيم، والكفَويِّ ، وابن عابدين . وغيرهم.
ومن المالكيَّة : القاضي عِياض ، وابن شاس ، وابن الحاجب، والقرافيِّ ، وخليل بن إسحاق ،وابن قاسم الرصَّاع ، والعَدويِّ الشهير بالدردير ، والدسوقيِّ ، والشيخ عليش ، وغيرهم ممَّن تقدم من المفسِّرين كابن العربي والقرطبيِّ .
ومن الشافعيّة :إمام الحرمين الجُوَينيِّ ، والسُّبكيِّ ، وجلال الدين المحليِّ، ومحمد بن قاسم الغَزِّيِّ ، وزكريَّا الأنصاريِّ ، وعميرة ، وابن حجر الهيتَميِّ ، والشربينيِّ ، والقليوبيِّ ،والعُجيليِّ المشهور بالجمل ، والبجيرميِّ ، والشرقاويِّ ، والبيجوريِّ ، والبـكريِّ. وغـيرهم.
ومن الحنابلة : ابن قُدامة ، وابن مفلح ، وابن رجب ، والمرداوي ، وابن النجار ، والكرميِّ، والبهوتيِّ ، والرحيبانيِّ ، وابن ضويان ،وغيرهم .
5 – ومنهم طائفة من علماء الدَّعوة النجديَّة : كالإمام محمّد بن عبد الوهاب وابنه عبد الله وحفيداه سليمان بن عبد الله وعبد الرَّحمن بن حسن، و محمد بن غريب ، وأبابطين ، وحمد بن عتيق، وأحمد بن عيسى.
6 – ومنهم معاصِرون : كـأنور شاه الكشميريِّ ، ورشيد رضا ، والسعديِّ، والحكميِّ ، ومحمد بن إبراهيم ، والشنقيطيِّ . ومن الأحياء : ابن باز ، وابن عثيمين ، وابن جبرين ، والفوزان، وبكر أبوزيـد .
ومن أعضاء اللجنة الدائمة في السعودية غير من ذُكر : العفيفي ، وآل الشيخ ،وابن قعود.
رابعاً : آثرت أن أبقي كلام من نقلت عنهم كما هو ولم أعلِّق عليه إلا تعليقاتٍ يسيرةٍ وذلك لوضوح كلامهم وجلائه .
خامساً : لم أنقل كلام العلماءِ المتعلِّق بتكفيرِ تاركِ الصَّلاة، وهم جمهور أصحاب الحديث ، علماً أنَّها أقوالٌ كثيرةٌ جداً مبثوثةٌ في كتب السَّلَف ؛ وذلك لأَنَّها مسألة اختلف فيها أصحاب الحديث(1) . ولكن هاهنا مسألةٌ مهمَّةٌ ، وهي أَنَّ أصحاب الحديث الذين لم يكفِّروا تاركَ الصَّلاة؛ لا يعنون أَنَّ الصَّلاةَ عملٌ والعمل لا يكفّر تاركه أو فاعله بغير اعتقادٍ أو استحلالٍ أو تكذيبٍ ، فهذه لَوْثَةٌ إرجائيَّةٌ حاشاهم منها . بل كما نقَلَ عنهم المروزيُّ قالوا : (( الأخبار التي جاءت في الإِكْفار بترك الصَّلاة نظير الأخبار التي جاءت في الإِكْفار بسائر الذُّنوب )) فهم نظروا إلى الأدلة التي ظاهرها التَّعارض فجمعوا بينها ورجَّحوا عدم إِكْفار تارك الصَّلاة كتارك الصَّوم والزَّكاة ،إلاَّ إذا تركها جُحوداً أو إِباءً أو استنكافاً. ولم يُنْقَل عن أحدٍ منهم أَنَّ الصَّلاة عمل وليست اعتقاداً ولا يكفُرُ تاركَ العمل ! كما أَنَّهم لم يعدّوا من يكفِّر تاركها بمثابة الخوارج الَّذين يكفِّرونَ بالذُّنوب ، وهذا إقرارٌ منهم أَنَّ تاركّ العمل قد يخرج من الملَّة ، لكن لم يترجَّحْ عندهم ذلك في شأْنِ تارك الصَّلاة.
سادساً : هناك من فقهاء المذاهب الذين نقلْتُ عنهم ممَّن كفَّر بالقول أو العمل لكن علَّل ذلك بعباراتٍ لم تُعْهد من السَّلف - تدلُّ على تأثُّرهم بالمرجئة –. كقولهم: هذا الفعل ليس كفراً لكنّه يدلُّ على الكفر ، أو علامة على الكفر(1) . وكقولهم : لم يكفر بالعمل لكن كَفَرَ للاستخفاف(2)، أو للتكذيب، أو لعدم التصديق، أو أن هذا العمل ليس كفراً لكنَّه دليلٌ على عدم الاعتقاد أو ما شابه ذلك.وقد ردَّ عليهم ابن حزم ردّاً قويّاً(1) وكذا شيخ الإسلام ابن تيميَّة ونسب ذلك للجَهْم و من وافقه(2) وقد يُشْكِلُ على البعض عبارات صدرت لبعض العلماء علَّلَت التَّكْفير بالتَّكْذيب(3) أو الإرادة(4) أو أَنَّها مُسْتَلزمة للكفرالاعتقاديِّ(5) ، فَفَرْقٌ بين من يقول هذا العمل أو القول كفرٌ لكذا، وبين من يقول هذا ليس كفراً لكنَّه دليلٌ أو علامةٌ على الكفر فالأوَّل يثبت الكفر ويعلِّلُه والآخر ينفي الكفر ويُثْبِتُ دليلَه أو علامتَه.
سابعاً : سيلحظ القاريءُ أَنَّ بعض العبارات والجمل مكرَّرةٌ أو متشابهةٌ ، وخاصّةً في النُّقولات عن فقهاء المذاهب وذلك لأَنَّ بعض الكتب إِمَّا أَنْ تكون اختصاراً أو شرحاً أو حاشيةً على كتبٍ أخرى ، والمعروفُ عن فقهاء المذاهب أَنَّهم ينقلون عن بعضهم كثيراً ، وإِنَّما أوردْتُ ذلك للتَّأكيد على أَنَّ التَّكفير بالقولِ والعملِ هو المذهبُ المعتمدُ عند أتباع المذاهب الأربعة .
ثامناً: هذا الكتاب ليس ردَّاً على شُبُهات المرجئة ، فهذا يقتضي حصر شبهاتهم والردَّ عليها بالوَحْيَيْنِ – الكتاب والسنَّة – ثم ذكر أقوال الصَّحابة والتَّابعين ومن تبعهم من العلماء . لكنَّه ردٌّ على من ينسب للسَّلف القولَ بحصر التَّكفير في الاعتقاد فقط وأَنَّ هذا قول سائر العلماء، فأردْتُ أَنْ أُبَيِّنَ بُعْدَ هذا الزَّعم عن الصَّواب . أمَّا الرَّدُّ على المرجئة وشبهاتهم فقد كُفيناه منذ قرونٍ ، وقد ظهرت في السَّنوات الأخيرةِ كتبٌ ورسائلُ قيِّمةٌ عن نواقض التَّوحيد ، ونواقض الإيمان الاعتقاديَّة والقوليَّة والعمليَّة ، والتَّكفير وضوابطه ، وكتبٍ عن الإرجاء والمرجئة يمكن الرجوع إليها لمن أراد معرفةَ شبهاتهم و الرُّدود عليها.
تاسعاً : وحيث كانت هذه النُّقولات تعالج مسألةَ التَّكْفير بالقول والفعل من جهة مغايرة لما عليه أهل الإرجاء ، إلا أَنَّني أُحبُّ أَنْ أُنَبِّه إلى أََنَّ التَّكفير حكم شرعيٌّ له حدوده وضوابطه التي ينبغي مراعاتها ، فلا بدَّ من قيام الحجَّةِ وتحَقُّق الشُّروط وانتفاء الموانع كالجهل والتَّأْويل والخطأ والإكراه ، كما أَنَّه لابدَّ من التَّفْريق بين أّنْ تقول : هذا القول أو الفعل كفرٌ أو رِدَّةٌ ، وبين التَّكفير المطلق كأَنْ تقول : من فعل كذا فهو كافرٌ أو مُرتَدٌّ ، وبين تكفير المُعَيَّن فتقول : فلانٌ كافرٌ . وقد بسط هذا شيخ الإسلام ابن تيميَّة(1) وغيره في كتبهم فلتراجع .
كما أُحبُّ أَنْ أُحذِّرَ من الوقوع في فتنة الإرجاء و شبهِهِ الضَّالَّة لخطورة آثاره السَّيِّئة على الإسلام و المسلمين .
وأخيراً أودُّ أَنْ أَخْتم هذه المقدِّمة بكلمات للعلاَّمة عبدالله أبا بطين لعل الله ينفع بها ، قال رحمه الله :
(( يتعيَّن على من نصح لنفسه وعلم أَنَّه مسئولٌ عمَّا قال ومُحاسَبٌ على اعتقاده وقوله وفعله أَنْ يُعِدَّ لذلك جواباً ، ويخلع ثوبي الجهل والتعصُّب ويخلص القصدَ في طلب الحقِّ ، قال الله تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا (2) ، وليعلم أَنَّه لا يخلِّصه إلا اتّباع كتاب الله وسنَّة نبيِّه ، قال الله تعالى : اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3) وقال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الألْبَابِ (4)  ولما كان قد سبق في علم الله وقضائه أَنَّه سيقع الاختلاف بين الأُمَّة أَمَرهم وأوجَبَ عليهم عند التنازع الردَّ إلى كتابه وسنَّة نبيِّه ، قال تعالى :فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (1) قال العلماء رحمهم الله: الردُّ إلى الله الردُّ إلى كتابه ، والردُّ إلى الرسول الردُّ إليه في حياته والردُّ إلى سنَّتِه بعد مماته . ودلًّت الآية أَنَّ من لم يردَّ عند التنازع إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه فليس بمؤمنٍ لقوله تعالى : إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ(2) فهذا شرطٌ ينتفي المشْروطُ بانتفائه، ومُحالٌ أَنْ يأمرَ الله النَّاس بالرَّدِّ إلى مالا يفصل النِّزاع ، لاسيَّما في أُصول الدِّين التي لا يجوز فيها التقليدُ عند عامَّة العلماء، وقال الله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (3) .
… وقد قال بعض السلف : (ما ترك أحدٌ حقَّاً إلا لِكِبْرٍ في نفسِه) . ومصداقُ ذلك قولُ النبيِّ  حين قال: (لا يدخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قلبِهِ مثْقالَ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ )(4) ))(5) .
واللهُ أعلمُ وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم .
كتبه
عَلَويُّ بن عبد القادر السَّقَّاف
الظهران


أقوال العلماء

1. التَّابعيُّ الجليل نافـع مولى ابن عمر رضي الله عنه. ت:117هـ
روى عبدالله بن أحمد في السُّنَّة بإسناده أنَّ: (( … معقل بن عبيد الله العبسيّ قال قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فعرضه . قال : فنفر منه أصحابنا نفاراً شديداً …قال فجلست إلى نافع فقلت له … إِنَّهم يقولون : نحن نقرُّ بأَنَّ الصّلاة فريضةٌ و لا نصلي ، وأَنَّ الخمر حرامٌ ونحن نشربها وأن نكاح الأمهات حرامٌ ونحن نفعل(1) . قال : فنتر يده من يدي ثم قال : من فعل هذا فهو كافر ))(2) .
2. الإمام سفيان بن عيينة . ت :198هـ
((قال عبد الله بن أحمد حدَّثنا سويد بن سعيد الهرويّ قال : سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء . فقال : يقولون الإيمان قولٌ وعملٌ ، والمرجئة أوجبوا الجنَّة لمن شهد أَنَّ لا إله إلا الله مصـرَّاً بقلبه على ترك الفرائض وسمُّوا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم ، وليس بسواء لأَنَّ ركوب المحارم من غير استحلالٍ معصية، وترك الفرائض متعمِّداً من غير جهل ولا عذر هو كفر ))(1)
3. الإمام محمّد بن إدريس الشافعيّ . ت : 204هـ
(( سئل عمَّن هزل بشيءٍ من آيات الله تعالى أنَّه قال : هو كافرٌ واستدل بقوله تعالى : قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُم (2)))(3) .
4. الإمام عبد الله بن الزّبير الحميديّ . ت:219هـ
(( أُخْبِرت أَنَّ قوماً يقولون : إِنَّ من أقرَّ بالصَّلاة ، والزَّكاة، والصَّوم ، والحجَّ ، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتىّ يموت، أو يصلِّي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً … إذا كان يقرُّ بالفرائض واستقبال القبلة ؛ فقلت : هذا الكفر الصُّراح وخلاف كتاب الله وسنَّة رسوله  وفعل المسلمين ))(4) .
وقال في "أصول السُّنَّة": ((وأن لا نقول كما قالت الخوارج: ((من أصاب كبيرةً فقد كفر)). ولا تكفير بشيء من الذُّنوب ، إنَّما
الكفر في ترك الخمس التي قال رسول الله  : (بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجُّ البيت)(1) ))(2) .
5. الإمام إسحاق بن راهويه المروزيّ . ت:238هـ
((وممَّا أجمعوا على تكفيره ، وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد ، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ، ومما جاء من عنده ، ثم قتل نبيَّاً، أو أعان على قتله ، وإن كان مُقِرَّاً ، ويقول : قتل الأنبياء محرَّمٌ ، فهو كافرٌ ، وكذلك من شتَمَ نبيَّاً ، أو ردَّ عليه قولَه من غير تقيَّةٍ ولا خوفٍ ))(3) .
((أجمع المسلمون على أن مـن سبَّ الله ، أو سبَّ رسولَه ، أو دفع شيئاً مما أنزل الله عزَّ وجلَّ ، أو قتل نبيَّاً من أنبياء الله، أَنَّه كافر بذلك وإِنْ كان مُقِرَّاً بكلِّ ما أنزل الله ))(4) .
6. الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد. ت :240هـ
(( فاعْلَمْ يرحمنا الله وإيَّاك أَنَّ الإيمان تصديقٌ بالقلب وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح . وذلك أَنَّه ليس بين أهل العلم خلافٌ في رجلٍ لو قال: أشهد أَنَّ الله عزَّ وجلَّ واحدٌ وأَنَّ ما جاءت به الرُّسل حقٌّ وأقرَّ بجميع الشَّرائع ثم قال : ما عقد قلبي على شيئٍ مـن هذا ولا أصدِّق به أَنَّه ليس بمسلم .
ولو قال : المسيح هو الله وجحد أمرَ الإسلام وقال لم يعتقد قلبي على شيئٍٍ من ذلك أَنَّه كافرٌ بإظهار ذلك وليس بمؤمنٍ ))(1).
7. إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل . ت :241هـ
قال في ردِّه على الجَهْمِ : ((فيلزمه أَنْ يقول : إذا أَقرَّ ،ثم شدَّ الزنَّار في وسطه ، وصلَّى للصَّليب ، وأتى الكنائس والبِيَع وعمل الكبائر كلَّها ، إلاَّ أَنَّه في ذلك مُقِرٌّ بالله ، فيلزمه أَنْ يكون عنده مؤمناً(2) ، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم ))(3) .
وفي "السنَّة" للخلاَّل قال الحميديّ : (( أُخْبِرْتُ أَنَّ قوماً يقولون : إِنَّ من أقرَّ بالصَّلاة ، والزَّكاة ، والصَّوم ، والحجِّ ، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموتَ أو يصلِّي مسندٌ ظهرَه مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمنٌ ما لم يكن جاحداً إذا علم أَنَّ تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقرُّ الفروض واستقبال القبلة ؛ فقلت : هذا الكفر بالله الصُّراح وخلاف كتاب الله وسنَّة رسوله  فعل المسلمين. قال حنبل : قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل : من قال هذا فقد كفر بالله ، وردَّ على الله أمرَه وعلى الرَّسول ما جاء به ))(1) .
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : ((سألت أبي عن رجل قال لرجل : يا ابن كذا وكذا أنتَ ومن خلقَك ، قال أبي : هذا مرتَدٌّ عن الإسلام . قلت لأبي :تضرب عنقه ؟ قال : نعم ، تضرب عنقه ))(2) .
8. فقيه المغرب محمد بن سحنون المالكي.ت:265هـ
((أجمع العلماء أَنَّ شاتمَ النبيِّ  المتنقِّصَ له كافرٌ ، والوعيدُ جارٍ عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمَّة : القتل ، ومن شكَّ في كفرِه وعذابِه كفَر ))(3) .
9. إمام المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري . ت:310هـ
روى حديث البراء بن عازب رضي الله عنه بسنده: (وفيه أَنَّ النَّبيّ َ  بعث عمَّ البراء ليقتل رجلاً تزوَّج امـرأةَ أبيه ويأخذَ

مالَه وفي رواية و يخمِّس مالَه )(1) . ثم قال : ((وكان الذي عرَّس بزوجة أبيه ، متخطِّياً بفعله حرمتين ، وجامعاً بين كبيرتين من معاصي الله :
إحداهما : عقد نكاحٍ على من حرَّم الله …
والثانية : إتيانه فرجاً محرماً عليه إتيانه ، وأعظم من ذلك ، تقدّمه على ذلك بمشهدٍ من رسول الله  ، وإعلانه عقد النكاح على من حرَّم الله عليه عقده عليه بنصِّ كتابه الذي لا شبهةَ في تحريمها عليه ، وهو حاضره .
فكان فعله ذلك من أدلِّ الدَّليل على تكذيبِه(2) رسولَ الله  فيما آتاه به عن الله تعالى ذكره ، ووجوده آية محكمة في تنـزيله . فكان بذلك من فعله كذلك ، عن الإسلام – إنْ كان قد كان للإسلام مُظْهِراً – مُرتَدَّاً … وذلك أَنَّ فاعل ذلك على علمٍ منه بتحريم الله ذلك على خلقِه إِنْ كان من أهلِ الإسلام، إِنْ لم يكُنْ مسلوكاً به في العقوبة سبيل أهل الرِّدَّة بإعلانِه استحلالَ(3) ما لا لَبْسَ فيه على ناشيءٍ نشأ في أرض الإسلام أَنَّه حرام… ))(1) .
10. الشيخ أبو الحسن عليُّ بن إسمــاعيل الأشعريّ . ت:324هـ
((إرادة الكفر كفرٌ ، وبنـاء كنيسةٍ يُكفر فيها بالله كفرٌ ، لأنه إرادة الكفر ))(2) .
11. شيخ الحنابلة الحسن بن علي البربهاري . ت:329هـ
(( ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يردَّ آيةً من كتاب الله عزَّ وجلَّ ، أو يردَّ شيئاً من آثار رسول الله ، أو يصلّي لغير الله أو يذبح لغير الله ، وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد

وجب عليك أن تخرِجَه من الإسلام فإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمنٌ ومسلمٌ بالاسم لا بالحقيقة))(1) .
12. أبو بكر أحـمد بن عليٍّ الـجصَّاص (الحنفيّ). ت:370هـ
قال : (( قوله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ إلى قوله : إِنْ نَعْفُ فيه الدّلالة على أن اللاعبَ والجادَّ سواءٌ في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه لأَنَّ هؤلاء المنافقين ذكروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لعِباً فأخبر الله عن كفرِهم باللعِبِ)).
13- الإمام أبو القاسم هبةُ الله بن الحسن اللالكائيّ . ت : 418هـ
نقل كلام أبي ثورٍ ولم يتعقبّه بشيءٍ .
(( ولو قال : المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام وقال لم يعتقد قلبي على شيئٍ من ذلك أَنَّه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمنٍ ))(2) .
14. محمد بن الوليد السمرقنديّ (الحنفيّ) : كان حيَّاً سنة450هـ
قال في "الجامع الأصغر": ((إذا أطلق الرجل كلمةَ الكفر عَمْداً لكنّه لم يعتقد الكفرَ ؛ قال بعض أصحابنا : لا يكفر لأَنَّ الكفر يتعلَّق بالضَّمير ولم يعقد الضَّمير على الكفر ، وقال بعضهم: يكفُر ، وهو الصحيح عندي لأَنَّه استخفَّ بدينه))(1) .
15. العلاَّمة أبو محمَّد عليُّ بن حزم (الظاهريّ) (2) . ت:456هـ
قال في "الفِصَل" : (( وأمَّا قولهم (3) إِنَّ شَتْمَ الله تعالى ليس كفراً وكذلك شَتْمَ رسولِ الله ، فهو دعوى ، لأن الله تعالى قال : يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ

إِسْلامِهِمْ(1) فنصَّ تعالى على أَنَّ من الكلام ما هو كفرٌ .
وقال تعالى: إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ(2) فنصَّ تعالى أَنَّ من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفرٌ بعينِه مسموعٌ .
وقال قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً (3) فنصَّ تعالى على أَنَّ الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسولٍ من رسله كفرٌ مخرجٌ عن الإيمان ولم يقل تعالى في ذلك إِنِّي علمت أَنَّ في قلوبكم كفراً ، بل جعلهم كفاراً بنفس الاستهزاء. ومن ادَّعى غير هذا فقد قوَّل الله تعالى ما لم يقُلْ وكذب على الله تعالى))(4) .
وقال أيضاً :
((الجَحْد لشيءٍ ممَّا صحَّ البرهان أَنَّه لا إيمان إلاَّ بتصديقه كفرٌ ، والنّطق بشيءٍ من كلِّ ما قام البرهان أَنَّ النُّطق به كفرٌ كفرٌ ، والعمل بشيءٍ ممَّا قام البرهان بأَنَّه كفرٌ كفرٌ ، فالكفر
يزيد، وكلُّ ما زاد فيه فهو كفرٌ ، والكفر ينقص ، وكلّه مع ذلك ما بقي منه وما نقص فكلّه كفر ، وبعض الكفر أعظم وأشدُّ وأشنع من بعضٍ ، وكلُّه كفرٌ ))(1) .
وقال أيضاً :
((إِنَّ الإقرار باللسان دون عقد القلب لا حُكْمَ له عند الله عزَّ وجلَّ لأَنَّ أحدنا يلفظ بالكفر حاكياً وقارئاً له في القرآن فلا يكونُ بذلك كافراً حتى يقرَّ أَنَّه عقده .
قال أبو محمد : فإن احتجَّ بهذا أهلُ المقالة الأولى - يعني المرجئة- وقالوا هذا يشهد بأَنَّ الإعلان بالكفر ليس كفراً. قلنا له - وبالله التوفيق -: ((قد قلنا إِنَّ التسمية ليست لنا وإِنَّما هي لله تعالى فلمَّا أمرنا تعالى بتلاوة القرآن وقد حكى لنا فيه قول أهل الكفر وأخبرنا تعالى أَنَّه لا يرضى لعباده الكفر خرج القاريءُ للقرآن بذلك عن الكفر إلى رِضا الله عزَّ وجل والإيمان ، بحكايته ما نصَّ الله تعالى بأداء الشهادة بالحقِّ فقال تعالى: إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلمُونَ(2) خرج الشاهد المُخْبِر عن الكافر بكفره عن أَنْ يكون بذلك كافراً إلى رِضا الله عزَّ وجل والإيمان .
ولما قال تعالى : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا(1) . خرج من ثبت إِكراهُه عن أَنْ يكون بإظهار الكفر كافراً إلى رخصةِ الله تعالى والثَّبات على الإيمان ، وبقي من أظهر الكفر : لا قارئاً ولا شاهداً ، ولا حاكياً ولا مكرهاً على وجوب الكفر له بإجماع الأمَّة على الحكم له بحكم الكفر وبحكم رسول الله  بذلك ، وبنصِّ القرآن على من قال كلمة الكفر إِنَّه كافرٌ ، وليس قول الله عزَّ وجل ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرَاً على ما ظنُّوه من اعتقاد الكفر فقط ، بل كلُّ من نطق بالكلام الذي يُحكم لقائله عند أهل الإسلام بحكم الكفر لا قارئاً ولا شاهداً ولا حاكياً ولا مكرهاً فقد شرح بالكفر صدراً ؛ بمعنى أَنَّه شرح صدره لقبولِ الكفر المحرَّم على أهل الإسلام وعلى أهل الكفر أَنْ يقولوه وسواءً اعتقدوه أو لم يعتقدوه ، لأَنَّ هذا العمل من إعلان الكفر على غير الوجوه المباحة في إيرادِه وهو شرحُ الصدرِ به ، فبطل تمويههم بهذه الآية وبالله تعالى التوفيق ))(1) .
وقال أيضاً :
((وأما قولهم – يعني الجهميّة والأشاعرة المرجئة - إِنَّ إخبار الله تعالى بأَنَّ هؤلاء كلّهم كفَّارٌ دليلٌ على أَنَّ في قلوبهم كفراً وأَنَّ شَتْمَ الله تعالى ليس كفراً ولكنَّه دليلٌ على أَنَّ في القلب كفراً وإنْ كان كافراً لم يعرفِ الله تعالى قطٌّ. فهذه منهم دعوى مفتراة لا دليلَ لهم عليها ولا برهان : لا من نصٍ ، ولا سنَّةٍ صحيحةٍ ، ولا سقيمةٍ ، ولا حجَّة من عقلٍ أصلاً، ولا من إجماعٍ، ولا من قياسٍ، ولا من قول أحدٍ من السَّلف قبل اللعين جَهْم بن صفوان وما كان هكذا فهو باطلٌ وإفكٌ وزورٌ ، فسقط قولهم هذا من قربٍ ولله الحمد ربِّ العالمين. فكيف والبرهان قائمٌ بإبطال هذه الدَّعوى من القرآن والسُّنن والإجماع والمعقول والحسِّ والمشاهدة الضرورية؟))(1)
وقال أيضاً :
((ونقول للجهميَّة والأشعريَّة في قولهم : إِنَّ جحدَ الله تعالى وشتْمَه، وجحْدَ الرَّسول  إذا كان كلّ ذلك باللسان فإِنَّه ليس كفراً لكنَّه دليل على أنَّ في القلب كفراً … من ادَّعى أَنَّ الله شهد بأَنَّ من أعلنَ الكفر فإِنَّه جاحدٌ بقلبه ، فقد كذب على الله عزَّ وجل ، وافترى عليه ، بل هذه شهادة الشيطان التي أضلَّ بها أولياءَه ، وما شهد الله تعالى إلاَّ بضدِّ هذا ، وبأَنَّهم يعرفون الحقَّ ويكتمونه ، ويعرفون أَنَّ الله تعالى حقٌّ ، و أنَّ محمداً رسول الله  حقٌّ ، ويظهِرون بألسنتهم خلافَ ذلك ، وما سمَّاهم الله عزَّ وجل قطُّ كفَّاراً إلاَّ بما ظهر منهم بألسنتِهم ، وأفعالِهم كما فعل إبليس وأهل الكتاب ، وغيرهم ))(2) .
16. الحافظ يوسف بن عبد الله بن عبد البر (المالكي). ت :463هـ
نقل كلام إسحاق بن راهويه ولم يتعقبّه بشيءٍ فقال : ((قال إسحاق : أجمع العلماء أنَّ من سبَّ الله عزَّ وجلَّ ، أو رسولَه  ، أو دفع شيئاً أنزله الله ، أو قتل نبيَّاً من أنبياء الله ، وهو مع ذلك مقرٌّ بما أنزل الله ، أنَّه كافرٌ ))(1) .
17. إمام الحرمين عبدالملك بن عبدالله الجوَينيّ (الشافعيّ)ت:478هـ
قال الهيتميّ في "الزواجرعن اقتراف الكبائر" :
((نقل إمام الحرمين عن الأصوليّين أَنَّ من نطق بكلمة الرِّدَّة، وزعم أَنَّه أضمر توريةً كَفَرَ ظاهراً وباطناً ، وأقرَّهم على ذلك ))(2)
18. عليُّ بن محمَّد البزدَويّ (الحنفيّ). ت:482هـ
((فإنَّ الهَزْل بالرِّدَّة كفرٌ لا بما هَزَل به لكن بعَيْنِ الهَزْل ؛ لأَنَّ الهازلَ جادٌّ في نفس الهَزْل مختارٌ راضٍ والهَزْل بكلمة الكفرِ استخفاف بالدِّين الحقِّ فصار مُرتدَّاً بعينه لا بما هَزَل به إلاَّ أَنَّ أثرهما سـواءٌ بخلاف المُكْرَه ; لأَنَّه غير معتقـدٍ لِعَيْن ما أُكْرِه عليه ))(3) .

19. عمادُ الدِّين عليُّ بن محمَّد الكِيا الهرَّاسي (الشافعيّ). ت:504هـ
قال في "أحكام القرآن" عند تفسير قوله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(1): ((فيه دلالةٌ على أنَّ اللاَّعب والخائض سواءٌ في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه ، لأَنَّ المنافقين ذكروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لَعِباً ، فأخبر الله تعالى عن كفرهم باللَّعِب بذلك ، ودلَّ أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ الله تعالى كفرٌ )).
20. القاضي أبو بكرٍ بن العربيّ (المالكيّ) . ت:543هـ
قال في تفسير قوله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.. : (( لا يخلو أَنْ يكونَ ما قالوه من ذلك جدَّاً أو هَزْلاً ، وهو كيفما كان كفرٌ ، فإِنَّ الهزلَ بالكفرِ كفرٌ ، لا خلاف فيه بين الأمَّة . فإِنَّ التَّحقيق أخو الحقَّ والعلم ، والهزلَ أخو الباطل والجهل . قال علماؤنا : انظر إلى قوله : أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (2) ))(3) .
21. القاضي عياض بن موسى (المالكيّ). ت:544هـ
(( أَنْ يكون القائل لما قال في جهته ـ عليه السلام ـ غير قاصدٍ للسبِّ، والإزراء ، ولا معتقدٍ له . ولكنَّه تكلَّم في جهته - عليه السلام - بكلمة الكفر من لعنه ، أو سبِّه ، أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه، أو نفيِّ ما يجب له ممَّا هو في حقِّه - عليه السلام - نقيصة. مثل أَنْ ينسِب إِليه إتْيان كبيرةٍ . أو مداهنة في تبليغ الرسالة . أو في حكمٍ بين النَّاس . أو يغضَّ من مرتبته أو شرفِ نسبِه أو وفورِ علمه ، أو زهدِه ، أو يكذِّب بما اشتهر به من أمورٍ أخبر بها ـ عليه السلام ـ وتواتر الخبر بها عن قصدٍ لردِّ خبره . أو يأتي بسفَهٍ من القول ، وقبيحٍ من الكلام ، ونوعٍ من السبِّ في حقِّه . وإنْ ظهر بدليل حاله ، أَنَّه لم يتعمّد ذمَّه ولم يقصد سبَّه . إمَّا لجهالة حمَلَتْه على ما قالَه . أو الضَّجر ، أو سُكْر اضطرَّه إليه ، أو قلَّة مراقبةٍ وضبطٍ للسانه ، وعجرفةٍ ، وتهوُّر في كلامِه .
فحكمُ هذا الوجه حكمُ الوجهِ الأوَّل القتل . وإِنْ تَلَعْثَم . إذْ لا يُعْذَر أحدٌ في الكفر بالجَهالة ، ولا بدعوى زَلَلِ اللسان ولا بشيءٍ ممَّا ذكرناه إذا كان عقلُه في فطرته سليماً ، إلاَّ من أُكْرِه وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان )) (1) .
وقال: ((وكذلك نقطع بتكفير كلِّ قائل قولاً يُتوصل به إلى تضليل الأمَّة وتكفير جميع الصَّحابة … وكذلك نكفِّر بفعلٍ أجمع المسلمون على أَنَّه لا يصدُرُ إلاَّ من كافر وإنْ كان صاحبُه مصرِّحاً بالإسلام مع فعله كالسجود للصَّنم ، أو الشمس ، والقمر ، والصَّليب، والنَّار . والسَّعي إلى الكنائس والبِيَع مع أهلِها. والتَّزيِّي بزيِّهم من شدِّ الزَّنانير وفحص الرؤوس(1) فقد أجمع المسلمون أنَّ هذا الفعل لا يوجد إلاَّ من كافرٍ وأَنَّ هذه الأفعال علامةٌ على الكفر(2) . وإِنْ صرَّح فاعلها بالإسلام ))(3) .
22. فخر الدِّين محمَّد بن عمر الرَّازيّ. ت:544هـ
قال في "مفاتح الغيب" عند تفسير قوله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (4) : ((المسألة الثالثة : قوله "قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ " يدلُّ على أحكام:
الحكم الأول : أنَّ الاستهزاء بالدِّين كيف كان كفراً بالله. وذلك لأَنَّ الاستهزاء يدلُّ على الاستخفاف والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان والجمع بينهما محال .
الحكم الثاني : أَنَّه يدلُّ على بطلان قول من يقول ، الكفر لا يدخل إلاَّ في أفعال القلوب.
الحكم الثالث : يدلُّ على أَنَّ قولهم الذي صدر منهم كفرٌ في الحقيقة ، وإِنْ كانوا منافقين من قبلُ ، وأَنَّ الكفر يمكن أَنْ يتجدَّد من الكافر حالاً فحالاً .
الحكم الرابع : يدلُّ على أنَّ الكفر إِنَّما حدث بعد أنْ كانوا مؤمنين)).
23. علاء الدِّين مسعود بن أحمد الكاسانيّ (الحنفيّ). ت :587هـ
((( فصل ) . وأما بيان أحكام المرتدِّين فالكلام فيه في مواضع ، في بيان ركن الرِّدَّة ، وفي بيان شرائط صحَّة الرُّكن ، وفي بيان حكم الرِّدَّة أما ركنها ، فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الإيمان ، إذِ الرِّدَّة عبارة عن الرجوع عن الإيمان، فالرجوع عن الإيمان يسمى رِدَّة في عُرْفِ الشرع ))(1) .
24. فخر الدِّين حسن بن منصور الفرغان (الحنفيّ). ت :592هـ
قال في "الفتاوى" : (( رجل كفر بلسانه طائعاً و قلبُه على الإيمان يكون كافراً ولا يكون عند الله تعالى مؤمناً ))(1)
25. أبو الفرج عبد الرحمن بن عليٍّ ابن الجوزيّ . ت:597هـ
(( والسَّادس : أَنَّ عبد الله بن أُبَيّ ، ورَهْطاً معه ، كانوا يقولون في رسول الله وأصحابه ما لا ينبغي ، فإذا بلغ رسول الله  قالوا : إِنَّما كنَّا نخوض ونلعب ، فقال الله تعالى : قل لهم أَبِالله وآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُم تَسْتَهْزِؤون ، قاله الضحَّاك . فقوله : ولئن سألتهم أي : عمَّا كانوا فيه من الاستهزاء لَيَقولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي : نلهو بالحديث . وقوله : قَدْ كَفَرْتُمْ أي : قد ظهر كفركم بعد إظهارِكم الإيمان ، وهذا يدلُّ على أَنَّ الجدَّ واللعِبَ في إظهار كلمة الكفر سواء ))(2) .
26. جلال الدِّين عبد الله بن نجم بن شاس (المالكيّ). ت:616هـ
((وظهور الرِّدَّة إمَّا أنْ يكون بالتَّصريح بالكفر ، أو بلفظٍ يقتضيه ، أو بفعلٍ يتضمَّنه ))(3) .
27. برهان الدِّين محمود بن أحمد بن مازه (الحنفيّ) . ت:616هـ
قال في "المحيط" : ((من أتى بلفظةِ الكفر مع علمِه أَنَّها لفظةُ الكفر عن اعتقاده فقد كفر، و لو لم يعتقد أو لم يعلم أَنَّها لفظة الكفر ولكن أتى بها عن اختيار فقد كفر عند عامَّة العلماء ولا يُعْذَر بالجهل(1) …ومن كفر بلسانِه طائعاً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهو كافر ولا ينفعه ما في قلبه ))(2) .
28. عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسيّ (الحنبليّ). ت:620هـ
قال عن المرتدِّ : (( يفسد صومه ، وعليه قضاء ذلك اليوم ، إذا عاد إلى الإسلام . سواء أسلم في أثناء اليوم ، أو بعد انقضائه ، وسواء كانت رِدَّته باعتقاده ما يكفر به ، أو بشكِّه فيما يكفر بالشكِّ فيه ، أو بالنُّطق بكلمة الكفر ، مستهزئاً أو غير مستهزئٍ ، قال الله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(3)  . وذلك لأن الصَّوم عـبادة من شرطها

النِّيَّة ، فأبطلَتْها الرِّدَّة ، كالصَّلاة والحجِّ ، ولأَنَّه عبادةٌ محضة . فنافاها الكفر ، كالصَّلاة )) (1) .
وقال: (( ومن سبَّ الله تعالى كفر ، سواءً كان مازحاً أو جادَّاً وكذلك من استهزأ بالله تعالى ، أو بآياته أو برسله ، أو كتبه، قال الله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ  . وينبغي أَنْ لا يُكْتَفى من الهازئ بذلك بمجرِّد الإسلام ، حتى يؤدَّب أدباً يزجره عن ذلك ، فإنَّه إذا لم يُكتف مِمَّن سبَّ رسولَ الله  بالتوبة ، فمِمَّن سبَّ الله تعالى أولى ))(2) .
29. عثمان بن أبي بكرٍ المعروف بابن الحاجب (المالكيّ). ت:646هـ
قال في "جامع الأمهات"
(( الردة : الكفر بعد الإسلام، و يكون : بصريحٍ ، وبلفظٍ يقتضيه ، وبفعلٍ يتضمَّنُه ))(3) .

30. أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي . ت:671هـ
استشهد بقول القاضي أبو بكر بن العربي في تفسير قوله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.. ولم يتعقبّه بشيءٍ . فقال: (( قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يخلو أنْ يكون ما قالوه من ذلك جدَّاً أو هَزْلاً ، وهو كيفما كان كفْرٌ، فإِنَّ الهزل بالكفرِ كفرٌ لا خلاف فيه بين الأمَّة . فإنَّ التَّحقيق أخو العلم والحقِّ ، والهزْلَ أخو الباطل والجهل . قال علماؤنا : انظر إلى قوله : أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(1)  ))(2) .
31. محيي الدين يحيى بن شرف النوويّ (الشافعيّ). ت:676هـ
قال في "روضة الطالبين" في كتاب الرِّدَّة :
((هي قطع الإسلام ، ويحصل ذلك تارةً بالقول الذي هو كفرٌ ، وتارةً بالفعل ، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمُّد واستهزاءٍ بالدِّين صريحٌ ، كالسُّجود للصَّنم أو للشمس ، وإلقاء المصحف في القاذورات . والسِّحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها ، قال الإمام : في بعض التعاليق عن شيخي أَنَّ الفعل بمجرَّده لا يكون كفراً ، قال : وهذا زَلَل عظيم من المعلِّق ذكرته للتَّنبيه على غلَطِه ، وتحصل الرِّدَّة بالقول الذي هو كفرٌ، سواء صدر عن اعتقادٍ أو عِنادٍ أو استهزاءٍ ))(1) .
وقال في "شرح صحيح مسلم" عند الكلام عن حكم السِّحر :
(( ومنه ما يكون كفراً ، ومنه ما لا يكون كفراً بل معصيةً كبيرة ، فإِنْ كان فيه قولٌ أو فعلٌ يقتضي الكفر ، فهو كفرٌ وإلاَّ فلا ، وأما تعلُّمَه وتعليمَه فحرامٌ ، فإنْ كان فيه ما يقتضي الكفر كفِّر واسْتُتيبَ منه …))(2) .

Ahmed Salem
26-09-03, 02:08 AM
كفِّر واسْتُتيبَ منه …))(2) .
32. شهاب الدِّين أحمد بن إدريسٍ القرافيّ (المالكيّ) . ت :684هـ
(( الكفر قسمان : متَّفقٌ عليه ومختَلَفٌ فيه هل هو كفرٌ أمْ لا فالمتفق عليه نحو الشِّرك بالله وجَحْد ما عُلِمَ من الدَّين بالضرورة كجَحْد وجوب الصَّلاة والصَّوم ونحوهما والكفر الفعليّ نحو إلقاء المصحف في القاذورات، وجحد البَعْث أو النُّبوَّات أو وصفه تعالى بكونه لا يعلم أو لا يريد أو ليس بحيٍّ ونحوه وأمّا المختَلَف فيه … ))(1) .
وقال : ((وأصل الكفر إِنَّما هو انتهاكٌ خاصٌّ لحرمة الرُّبوبيَّة، إمَّا بالجهل بوجود الصانع ، أو صفاته العُلا ، و يكون الكفر بفعلٍ كرمي المصحف في القاذورات أو السُّجود لصنم أو التردُّد للكنائس في أعيادِهم بزيِّ النَّصارى ومباشرة أحوالـهم …))(2) .
وفي "الذخيرة": ((الرِّدَّة … عبارة عن قطع الإسلام من مكلَّفٍ ، وفي غير البالغ خلافٌ ، إما باللفظ أو بالفعل كإلقاء المصحف في القاذورات ، ولكليهما مراتبُ في الظُّهور والخفاء ))(3)
33. شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيميَّة.ت: 728هـ
قال في "مجموع الفتاوى" : ((فهؤلاء القائلون بقول جهم والصَّالحي قد صرَّحوا بأَنَّ سبَّ الله ورسوله : والتكلُّم بالتَّثليث وكلّ كلمة من كلام الكفر ليس هو كفراً في الباطن ولكنَّه دليل في الظَّاهر على الكفر ويجوز مع هذا أَنْ يكون هذا السابُّ الشاتِم في الباطن عارفاً بالله موحداً له مؤمناً به فإذا أُقيمَتْ عليهم حجَّةٌ بنصٍّ أو إجماعٍ أَنَّ هذا كافرٌ باطناً وظاهراً . قالوا : هذا يقتضي أَنَّ ذلك مستلزِمٌ للتَّكذيب الباطن وأَنَّ الإيمان يستلزم عدم ذلك : فيقال لهم : معنا أمران معلومان :
(أحدهما) : معلومٌ بالاضطرار من الدِّين . و(الثاني): معلوم بالاضطرار من أنفسِنا عند التأمُّل . أمَّا "الأول" : فإنَّا نعلم أَنَّ من سبَّ الله ورسولَه طوعاً بغير كَرْه(1) ، بل من تكلَّم بكلمات الكفر طائعاً غير مُكْرَهٍ ، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافرٌ باطناً وظاهراً ، وإِنَّ من قال : إِنَّ مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمناً بالله وإِنَّما هو كافرٌ في الظَّاهر ، فإنَّه قال قولاً معلوم الفساد بالضَّرورة من الدِّين وقد ذكر الله كلماتِ الكفَّار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها ولو كانت أقوالهم الكفريَّة بمنزلة شهادةِ الشُّهود عليهم ، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقِرُّ لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صِدْقاً وقد تكون كَذِباً ، بل كان ينبغي أَنْ لا يعذِّبهم إلاَّ بشرط صِدْق الشَّهادة وهذا كقوله تعالى : لقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ (2) لقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ(3) وأمثال ذلك .

وأما "الثاني" : فالقلب إذا كان معتقداً صدقَ الرَّسول ، وأَنَّه رسول الله ، وكان محِبَّاً لرسول الله معظِّماً له ، امتنع مع هذا أن يلعنَه ويسبَّه فلا يُتَصَّور ذلك منه إلاَّ مع نوعٍ من الاستخفاف به وبحرمَتِه ، فَعُلِم بذلك أنَّ مجرَّد اعتقاد أَنَّه صادق لا يكون إيماناً إلاَّ مع محبَّته وتعظيمه بالقلب))(1) .
وقال أيضاً : ((قوله : مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(107) أُوْلئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ(109) (2)، فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعدِ إيمانِهِ وذكر وعيدَه في الآخرة ، ثم قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وبَيَّن تعالى أَنَّ الوعيد استحقوه بهذا(3) . ومعلومٌ أَنَّ باب التَّصديق والتَّكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب الحبِّ والبُغْضِ ، وهؤلاء يقولون إِنَّما استحقُّوا الوعيدَ لزوال التَّصديق والإيمان من قلوبهم ، وإِنْ كان ذلك قد يكون سببه حبَُ الدُّنيا على الآخرة ، والله سبحانه وتعالى جعل استحبابَ الدُّنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخُسْران . واستحباب الدُّنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتَّصديق بأَنَّ الكفر يضرُّ في الآخرة ، وبأَنَّه مالَه في الآخرة من خَلاق .
و "أيضاً" فإِنَّه سبحانه استثنى المكْرَه من الكفار ، ولو كان الكفر لا يكون إلاّ بتكذيب القلب وجهله لم يُسْتَثْنَ منه المُكرَه ، لأَنَّ الإكراه على ذلك ممتنعٌ فعُلِمَ أَنَّ التَّكلُّم بالكفركفرٌ إلاَّ في حال الإكراه .
وقوله تعالى : وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا أي : لاستحبابه الدُّنيا على الآخرة ، ومنه قول النبي : (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع دينَه بعَرَضٍ من الدُّنيا )(1) فمن تكلَّم بدون الإكراه ، لم يتكلَّم إلاَّ وصدرُه منشرحٌ به))(2) .
وقال : ((فإن قيل : فقد قال تعالى :وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا قيل : وهذا موافقٌ ، لأوَّلها فإِنَّه من كفر من غير إكراهٍ فقد شرح بالكفر صدراً ، وإلا ناقض أول الآية آخرها ، ولو كان المراد بمن كفر هو الشَّارح صدرَه ، وذلك يكون بلا إكراه ، لم يستَثْنِ المكرَه فقط ، بل كان يجب أن يستثنى المكرَهُ وغير المكرَهِ إذا لم يشرح صدرَه، وإذا تكلَّم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها
صدراً وهي كفرٌ ، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى : يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّل عَليْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ(64) وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ(66) (1) فقد أخبر أَنَّهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم : إنَّا تكلَّمْنا بالكفر من غير اعتقادٍ له ، بل كنا نخوض ونلعب ، وبيَّن أَنَّ الاستهزاء بآيات الله كفرٌ ، ولا يكون هذا إلاَّ ممَّن شرح صدره بهذا الكلام ، ولو كان الإيمانُ في قلبه منعَه أنْ يتكلَّمَ بهذا الكلام))(2) .
وقال في "الصارم المسلول" : ((من قال بلسانه كلمةَ الكفرِ من غير حاجةٍ عامداً لها عالماً بأَنَّها كلمة كفرٍ فإِنَّه يكفرُ بذلك ظاهراً وباطناً ، ولأنَّا لا نجوِّز أَنْ يقال : إِنَّه في الباطن يجوز أَنْ يكونَ مؤمناً ، ومن قال ذلك فقد مَرَق من الإسلام ، قال سبحانه: مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (3)  ومعلومٌ أَنَّه لم يُرِدْ بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأَنَّ ذلك لا يُكره الرَّجل عليه، وهو قد استثنى من أُكْرِه ولم يُرِدْ من قال واعتقد ، لأَنَّه استثنى المُكرَه وهو لا يُكرَه على العقد والقول ، وإِنَّما يُكرَه على القول فقط ، فعلِم أَنَّه أراد من تكلَّم بكلمة الكفر فعليه غضبٌ من الله وله عذابٌ عظيم وأَنَّه كافرٌ بذلك إلاَّ من أُكرِه وهو مطمئنٌّ بالإيمان ، ولكن من شرح بالكفر صدراً من المُكرَهين فإِنَّه كافرٌ أيضاً ، فصار من تكلَّم بالكفر كافراً إلاَّ من أُكرِه فقال بلسانه كلمةَ الكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، وقال تعالى في حقِّ المستهزئين : لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ))(1) .
وقال أيضاً :
((وقال سبحانه : وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ(47) وَإِذَا دُعُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ(48) وَإِنْ يَكُنْ لهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِليْهِ مُذْعِنِينَ(49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَليْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(50) إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(51) (2)  فبيَّن سبـحانه أَنَّ من تولَّى عن طاعة الرَّسول وأعرض عن حكمِه فهو من المنافقين ، وليس بمؤمنٍ ، وأَنَّ المؤمن هو الذي يقول : سمعنا وأَطعنا ، فإذا كان النِّفاق يثبُتُ ، ويزولُ الإيمان بمجرَّد الإعراض عن حكم الرَّسول وإرادة التَّحاكم
إلى غيرِه، مع أنَّ هذا ترك محضٌ ، وقد يكون سببه قوَّة الشَّهوة ، فكيف بالتنَّقص والسبِّ ونحوه؟))(1) .
وقال أيضاً :
((ولا فرقٌ بين من يعتقد أَنَّ الله ربَّه ، وأَنَّ الله أمره بهذا الأمر ثم يقول : إِنَّه لا يطيعه ، لأَنَّ أمره ليس بصوابٍ ولا سدادٍ ، وبين من يعتقد أَنَّ محمَّداً رسول الله وأَنَّه صادقٌ واجبُ الاتباع في خبره وأمره ، ثم يسبّه أو يَعيب أمرَه أو شيئا من أحواله ، أو تنقَّصه انتقاصاً لا يجوز أَنْ يستحقَّه الرَّسول ، وذلك أَنَّ الإيمان قولٌ وعمل ، فمن اعتقد الوحدانيَّة في الألوهيَّة لله سبحانه وتعالى، والرِّسالة لعبده ورسوله ، ثم لم يُتْبِع هذا الاعتقاد موجَبَه من الإجلال والإكرام - الذي هو حالٌ في القلب يظهر أثره على الجوارح ، بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول أو بالفعل - كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه ، وكان ذلك موجباً لفساد ذلك الاعتقاد ، ومزيلاً لما فيه من المنفعة والصَّلاح ، إذْ الاعتقادات الإيمانية تزكِّي النفوس وتصلِحها ، فمتى لم توجب زكاة النفس ولا صلاحها فما ذاك إلاَّ لأَنَّها لم ترسخْ في القلب ، ولم تصِرْ صفةً ونعتاً للنَّفس ولا صَلاحاً ، وإذا لم يكُنْ علم الإيمان المفروض صفةٌ لقلب الإنسان لازمةٌ له لم ينفعه ، فإِنَّه يكون بمنـزلةِ حديث النَّفس وخواطر القلب ، والنجاة لا تحصل إلا بيقينٍ في القلب ، ولو أَنَّه مثقال ذرَّة . هذا فيما بينَه وبين الله ، وأمَّا في الظَّاهر فيُجري الأحكامَ على ما يظهِره من القول والفعل))(1).
وقال أيضاً : ((إنَّ من سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر ظاهراً وباطناً ، سواءً كان السابُّ يعتقد أَنَّ ذلك محرَّم ، أو كان مستحلاًّّ له ، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده ، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنَّة القائلين بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ …
وكذلك نُقِلَ عن الشافعيّ أَنَّه سُئِل عمَّن هَزَلَ بشيءٍ من آياتِ الله تعالى أَنَّه قال : هو كافرٌ ، واستدلَّ بقول الله تعالى : قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(2) وكذلك قال أصحابنا وغيرهم : من سبَّ الله كفر، سواءً كان مازحاً أو جادَّاً لهذه الآية وهذا هو الصواب المقطوع به …. ويجب أَنْ يعلم أَنَّ القول بأَنَّ كفر السَّابِّ في نفس الأمر إِنَّما هو لاستحلاله السبَّ زلَّة منكَرةٌ وهفوةٌ عظيمةٌ … وذلك من وجوه :
أحدها : أَنَّ الحكاية المذكورة عن الفقهاء أَنَّه إِنْ كان مستحلاًّ كفر، وإلاَّ فلا ، ليس لها أصلٌ ، وإِنَّما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلِّمين الذين نقلوها عن الفقهاء ، وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنُّوه جارياً على أصولِهم ، أو بما قد سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعدُّ قوله قولاً ، وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء وحكاية إجماعهم عمن هو من أعلم الناس بمذاهبهم ، فلا يظنُّ ظانٌ أَنَّ في المسألة خلافاً يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد ، وإِنَّما ذلك غلطٌ ، لا يستطيع أحدٌ أَنْ يحكي عن واحدٍ من الفقهاء أئمةَ الفتْوى هذا التفصيل البتَّةَ .
الوجه الثاني : أَنَّ الكفر إذا كان هو الاستحلال فإِنَّما معناه اعتقاد أَنَّ السبَّ حلالٌ ، فإِنَّه لمَّا اعتقد أَنَّ ما حرَّمه الله تعالى حلالٌ كفَرَ ، ولا رَيْبَ أَنَّ من اعتقد في المحرَّمات المعلوم تحريمها أَنَّها حلال كفر ، لكن لا فرق في ذلك بين سبِّ النَّبيِّ وبين قذف المؤمنين والكذب عليه والغِيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أَنَّ الله حرَّمها ، فإِنَّه من فعل شيئاً من ذلك مستحلاًّ كفرٌ ، مع أَنَّه لا يجوزُ أَنْ يُقال : مَنْ قذفَ مسلماً أو اغتابه كفر ، ويعني بذلك إذا استحلَّه .
الوجه الثالث : أَنَّ اعتقاد حلِّ السَّبِّ كفر ، سواء اقترن به وجود السبِّ أو لم يقترن ، فإذاً لا أثر للسبِّ في التَّكفير وجوداً وعدماً ، وإِنَّما المؤثِّر هو الاعتقاد ، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء .
الوجه الرابع : أَنَّه إذا كان المكفِّر هو اعتقاد الحلِّ فليس في السبِّ ما يدلُّ على أَنَّ السَّابَّ مستحلٌّ ، فيجب أنْ لا يكفَّر ، لاسيَّما إذا قال " أنا أعتقد أَنَّ هذا حرامٌ ، وإِنَّما أقول غيظاً وسفَهاً ، أو عبثاً أو لعباً " كما قال المنافقون : إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.
وكما إذا قال : إِنَّما قذفت هذا وكذبت عليه لعباً وعبثاً ، فإن قيل لا يكونون كفاراً فهو خلاف نصِّ القرآن ، وإنْ قيل يكونون كفاراً فهو تكفيرٌ بغير موجبٍ إذا لم يجعل نفس السَّبِّ مكفِّراً ، وقول القائل : أنا لا أصدِّقه في هذا لا يستقيم ، فإنَّ التَّكفير لا يكون بأمرٍ محتملٍ ، فإذا كان قد قال : أنا أعتقد أنَّ ذلك ذنبٌ ومعصيةٌ وأنا أفعلُه ، فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفراً ؟
ولهذا قال سبحانه وتعالى : لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ولم يقل قد كذبتم في قولكم إِنَّما كنَّا نخوض ونلعب ، فلم يكذِّبهم في هذا العُذر كما كذَّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين ، بل بَيَّن أَنَّهم كفروا بعد إيمانهم ، بهذا الخوض واللعب ))(1) .

34. علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري (الحنفي). ت :730هـ
((فإِنَّ الهَزْل بالرِّدَّة كفرٌ لا بما هَزَل به لكن بعين الهزل ؛ لأَنَّ الهازل جادٌّ في نفس الهَزل مختارٌ راضٍ والهزل بكلمة الكفر استخفافٌ بالدِّين الحقِّ فصار مرتدَّاً بعينه لا بما هزل به إلاَّ أَنَّ أثرهما سواءٌ بخلاف المكره ؛ لأَنَّه غير معتقدٍ لِعَيْن ما أُكْرِه عليه.
قوله:لا بما هَزَل به ((جواب عما يقال إنَّ مبنى الرِّدَّة على تبدُّل الاعتقاد ولم يوجد هاهنا لوجود الهزل فإنَّه ينافي الرضاء بالحكم فينبغي أَنْ لا يكون الهزلَ بالرِّدَّة كفراً كما في حال الإكراهِ والسُّكر فقال الهزل بالرِّدَّة كفرٌ لا بما هزل بهِ لكن بعين الهزل يعني أَنَّا لا نحكم بكفره باعتبار أَنَّه اعتقد ما هَزَل به من الكفر بل نحكم بكفره باعتبار أَنَّ نفس الهزل بالكفر كفر; لأَنَّ الهازل وإِنْ لم يكن راضياً بحكم ما هزل به لكونه هازلاً فيه فهو جادٌّ في نفس التكلُّم به مختار للسَّبب راضٍ به فإِنَّه إذا سبَّ النبيَّ عليه السلام هازلاً مثلاً أو دعا لله تعالى شريكاً هازلاً فهو راضٍ بالتكلُّم به مختارٌ لذلك وإنْ لم يكن معتقداً لما يدلُّ عليه كلامه والتكلُّم بمثل هذه الكلمة هازلاً استخفافٌ بالدِّين الحقِّ وهو كفرٌ قال الله تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65)لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فصار المتكلِّم بالكفرِ بطريق الهزل مرتدَّاً بعين الهزل لاستخفافه بالدِّين الحقِّ لا بما هزل به أي لا باعتقاد ما هزل به إلاَّ أَنَّ أثرهما أي أثرَ الهزل بالكفرِ وأثر ما هزل به سواءً في إزالة الإيمان وإثبات الكفر بخلاف المُكرَه على الكفر;لأَنَّه غير راضٍ بالسبب والحكم جميعاً بل يجريه على لسانه اضطراراً ودفعاً للشرِّ عن نفسه غيرُ معتقدٍ له أصلاً.ولا يقال إنَّ الهازل لا يعتقدُ الكفر أيضاً لأَنَّا نقول هو معتقدٌ للكفر;لأنَّ ممَّا يجب اعتقاده حرمةُ الاستخفاف بالدِّين وعدمِ الرِّضاء به ولماَّ رضي بالهزل معتقداً له كان كافراً كذا في بعض الشُّروح ))(1) .
35. عبيد الله بن مسعود المحبوبي البخاريّ (الحنفيّ) . ت :747هـ
قال في "التوضيح" :
(( الهزل بالرِّدَّة كفرٌ لأَنَّه استخفافٌ فيكون مرتَدَّاً بعينِ الهزلِ لا بما هزل به) أي ليس كفره بسبب ما هَزَل به وهو اعتقادُ معنى كلمة الكفر التي تكلَّم بها هازلاً فإنَّه غيُر معتقدٍ معناها ، بل كفَّره بعين الهزل، فإنَّه استخفاف بالدِّين وهو كفرٌ نعوذُ بالله تعالى منه ))(2) .
36. زين الدين عمر بن مظفر الوردي (الشافعي). ت:749هـ
قال في البهجة :" ( بَابُ الرِّدَّةِ)

مُكَلَّفٍ بِفِعْــلٍ أَوْ تَكَـلُّمِ أَفْحَشُ كُفْرٍ ارْتِدَادُ مُسْـــلِمِ
وَبِاعْتِـقَادٍ مِنْهُ ،كَالإِلْقَــاءِ مَحْضٍ عِنَادًا وَبِالاسْـــتِهْزَاءِ
وَسَجْدَةٍ لِكَوْكَبٍ وَصُـورَةِ"(1) لِلْمُصْحَفِ الْعَـزِيزِ فِي الْقَاذُورَةِ
37. الحافظ محمد بن أبي بكر ابن قيِّم الجوزيَّة . ت:751هـ
قال في "كتاب الصّلاة" : ((وشعب الإيمان قسمان : قوليّة ، وفعليّة، وكذلك شُعَبُ الكفر نوعان : قوليّة وفعليّة ، ومن شعَبِ الإيمان القوليَّة : شعبةٌ يوجب زوالها زوالَ الإيمان فكذلك من شعبِهِ الفعليّة ما يوجب زوالَ الإيمان . وكذلك شعبُ الكفر القوليَّة والفعليَّة ، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختياراً ، وهي شعبة من شعب الكفر ، فكذلك يكفر بفعل شعبةٍ من شُعبه كالسُّجود للصَّنم ، والاستهانَة بالمصحفِ ، فهذا أصل .
وها هنا أصلٌ آخرُ ، وهو أنَّ حقيقة الإيمان مركَّبةٌ من قولٍ وعمل . والقول قسمان : قول القلب ، وهو الاعتقاد ، وقول اللسان ، وهو التكلم بكلمة الإسلام . والعمل قسمان : عمل القلب ، وهو نيَّته وإخلاصه ، وعمل الجوارح ، فإذا زالَت هذه الأربعة ، زالَ الإيمانُ بكمالِه ، وإذا زالَ تصديقُ القلب ، لم تنفع بقيَّة الأجزاء ، فإنَّ تصديقَ القلب شرطٌ في اعتقادها وكونها نافِعةً. وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق ، فهذا موضعُ المعركة بين المرجئة وأهل السُّنة ، فأهلُ السُّنة مجمعون على زوالِ الإيمان ، وأَنَّه لا ينفع التَّصديق مع انتفاءِ عملِ القلب ، وهو محبَّته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدقَ الرَّسول ، بل ويقرُّون به سرّاً وجهراً ويقولون : ليس بكاذب ، ولكن لا نتَّبعه ، ولا نؤمن به.
وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب ، فغير مستنكرٍ أَنْ يزولَ بزوالِ أعظم أعمالِ الجوارح(1) ، ولا سيَّما إذا كان ملزوماً لعدم محبَّة القلب وانقياده الذي هو ملزومٌ لعدم التَّصديق الجازم كما تقدَّم تقريره ، فإِنَّه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح ، إذْ لو أطاع القلب وانقاد ، أطاعت الجوارح ، وانقادت، ويلزمُ من عدم طاعته وانقياده عدم التّصديق المستلزم للطَّاعة ، وهو حقيقة الإيمان ، فإن الإيمان ليس مجرَّد التَّصديق كما تقدَّم بيانه ، وإِنَّما هو التَّصديق المستلزِم للطَّاعة والانقياد ، وهكذا الهدى ليس هو مجرَّد معرفة الحقِّ وتبيُّنه ، بل هو معرفته المستلزمة لاتِّباعه ، والعمل بموجبه ، وإِنْ سمِّي الأوَّل هدى ، فليس هو الهدى التّامّ المستلزم للاهتداء ، كما أَنَّ اعتقاد التَّصديق ، وإِنْ سُمِّي تصديقاً ، فليس هو التصديق المستلزم للإيمان ، فعليك بمراجعـة هذا الأصل ومراعاته))(2) .
وقال في "أعلام الموقعين" : ((وقد تقدَّم أَنَّ الذي قال لمَّا وجد راحلته اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك أخطأ من شدَّة الفرح لم يكفر بذلك وإِنْ أتى بصريح الكفر لكونه لم يُرِدْه والمُكْرَه على كلمةِ الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته بخلاف المستهزئ والهازل فإنَّه يلزمه الطلاق والكفر وإِنْ كان هازلاً لأَنَّه قاصد للتكلُّم باللفظ وهزله لا يكونُ عذراً له بخلاف المُكْره والمخطئ والنَّاسي فإِنَّه معذور مأمور بما يقولَه أو مأذونٌ له فيه والهازل غير مأذونٍ له في الهزل بكلمة الكفر والعقود فهو متكلِّم باللفظ مُريدٌ له ولم يصرفه عن معناه إكراهٌ ولا خطأٌ ولا نسيانٌ ولا جهلٌ والهزل لم يجعله الله ورسولَه عذراً صارفاً بل صاحبه أحقُّ بالعقوبة ألا ترى أنَّ الله تعالى عذر المكره في تكلُّمه بكلمةِ الكفر إذا كان قلبه مطمئنّاً بالإيمان ولم يعذَر الهازلُ بل قال : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ))(1) .
38. تقيّ الدِّين عليُّ بن عبد الكافي السبكيّ (الشافعيّ). ت:756هـ
قال في "الفتاوى" : (( التَّكفير حكمٌ شرعيٌّ سببه جَحْد الرُّبوبيَّة أو الوحْدانيّة ، أو الرِّسالة ، أو قول أو فعل حكمَ الشَّارعُ بأنَّه كفر وإِنْ لم يكنْ جَحْداً)) (2) .
37. (1) محمَّد بن مفلح المقدسيّ (الحنبليّ).ت:763هـ
(( المرتَدُّ : من كفر طَوعاً ولو هازلاً بعد إسلامه ، … قال جماعة: أو سجد لشمسٍ أو قمرٍ))(1) .
39. الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير. ت:774هـ
قال في تفسير قوله تعالى:مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106)ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(107) أُوْلئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(108)لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِـرُونَ(109) (2)
(( أخبر تعالى عمَّن كفر به بعد الإيمان والتبصُّر ، وشرح صدره بالكفر واطمأنَّ به ، أنَّه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عُدُولِهم عنه ، وأنَّ لهم عذاباً عظيماً في الدَّار الآخرة ، لأَنَّهم استحبُّوا الحياة الدُّنيا على الآخرة ، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الرِّدَّة لأجلِ الدُّنيا ، .. وأمَّا قوله :  إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فهو استثناءٌ ممَّن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مُكرهاً لما ناله من ضربٍ وأذى ، وقلبه يأبى ما يقول ، وهو مطمئنٌّ بالإيمان بالله ورسولِه )).
40. الشيخ خليل بن إسحاق (المالكيّ). ت:776هـ
قال في " المختصر " في باب الرِّدَّة:
(( الرِّدَّة : كفر المسلم بصريحٍ ، أو لفظٍ يقتضيه ، أو فعلٍ يتضمَّنَه : كإلقاء مصحفٍ بقَذَرٍ ، وشدِّ زنارٍ ، وسحرٍ … ))(1) .
41. محمَّد بن عبد الرحمن العثمانيّ (الشافعيّ) . ت:بعد 780هـ
((الرِّدَّة هي قطعُ الإسلام بقولٍ ، أو فعلٍ ، أو نيَّةٍ ))(2) .
42. عالم بن العلاء الأندربتي الدهلويّ (الحنفيّ) . ت:786هـ
نقل في "الفتاوى التاتارخانيّة" كلام برهان الدِّين بن مازه السابق ولم يتعقّبه بشيءٍ ثّم قال : ((وفي النصاب : ولو أطلق كلمة

الكفر إلاَّ أَنَّه لا يعتقد، اختلف جواب المشايخ، والأصحّ أَنَّه يكفر لأَنَّه يستخفُّ بدينِه ))(1) .
43. سعد الدِّين مسعود بن عمر التفتازانيّ (الشافعيّ). ت:792هـ
(( ( قوله : فيكون ) أيّ : الهازل بالرِّدَّة مرتدَّاً بنفس الهزل لا بما هزَل به لما فيه من الاستخفاف بالدِّين، وهو من إمارات تبدُّل الاعتقاد بدليل قوله تعالى حكايةً إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ الآية، وفي هذا جوابٌ عمَّا يقال إِنَّ الارتداد إِنَّما يكون بتبدُّل الاعتقاد، والهزل ينافيه لعدم الرِّضا بالحكم ))(2) .
44. بدر الدين بن محمَّد بهادر الزَّركشيّ (الشافعيّ). ت:794هـ
((قال تعالى :  قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ  فمن تكلَّم بكلمة الكفرِ هازِلاً ، ولم يقصدِ الكفرَ كفر، وكذا إذا أخذَ مال غيره ( مازحاً) ولم يقصدِ السَّرِقَة حرُم عليه ))(3) .

45. الحافظ عبد الرَّحمن بن أحمد ابن رجب (الحنبليّ). ت :795هـ
قال في "جامع العلوم والحكم":
((فقد يترُكُ دينَه ويفارق الجماعةَ وهو مقِرٌّ بالشَّهادتين ويدَّعي الإسلامَ كما إذا جحد شيئاً من أركان الإسلام أو سبَّ الله ورسولَه أو كفر ببعض الملائكة أو النبيِّين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك ))(1) .
وقال أيضاً:
((وأمَّا ترك الدِّين ومفارقة الجماعة فمعناه الارْتداد عن دينِ الإسلام ولو أتى بالشَّهادتين فلو سبَّ الله ورسولَه  وهو مقِرٌّ بالشَّهادتين أُبيْحَ دمُهُ لأنَّه قد ترك بذلك دينَه وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات أو جحد ما يُعْلَم من الدِّين بالضَّرورة كالصَّلاة وما أشبه ذلك مما يخرُج من الدِّين ))(2) .
46. برهان الدِّين إبراهيم بن فرحون اليعمري (المالكيّ). ت:799هـ
(( الرِّدَّة والعياذ بالله ونسأل الله حسن الخاتمة وهي الكفرُ بعد الإسلام، قال ابن الحاجب: وتكون بصريحٍ وبلفظٍ يقتضيه وبفعلٍ يتضمَّنُـه ))(1) .
47. محمَّد بن شهاب البزَّاز (الحنفيّ) . ت:827هـ
(( ومن لقَّن إِنساناً كلمةَ الكفر ليتكلَّمَ بها كفر ، وإِنْ كان على وجه اللعِبِ والضَّحِك ))(2) .
48. العلاَّمة محمّد بن المرتضى ابن الوزير الصنعانيّ . ت:840هـ
(( ومن العَجَبِ أَنَّ الخصوم من البهاشمة (3) وغيرهم لم يساعدوا على تكفير النصارى الَّذين قالوا إِنَّ الله ثالثُ ثلاثةٍ ومن قال بقولهم مع نصِّ القرآن على كفره إلاَّ بشرط أَنْ يعتقدوا ذلك مع القول وعارضوا هذه الآية الظاهرة بعموم مفهوم قوله ولكنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْراً … وعلى هذا لا يكون شيءٌ من الأفعال والأقوال كفراً إلاَّ مع الاعتقاد حتى قتل الأنبياء ، والاعتقاد من السَّرائر المحجوبة فلا يتحقَّق كفرُ كافرٍ قطُّ إلاَّ بالنَّصِّ الخاصِّ في شخصٍ شخص… قال جماعــة جلَّة من علماء الإسلام أَنَّه لا يكفرُ المسلم بما ينْدُرٌ منه من ألفاظ الكفر إلاَّ أَنْ
يعلم المتلفِّظ بها أَنَّها كفر… وهذا خلاف متَّجه ، بخلاف قول البهاشمة : لا يكفر وإِنْ عَلِمَ أَنَّه كفرٌ حتَّى يعتقده…(1)
قد بالغ الشيخ أبو هاشم وأصحابه وغيرهم فقالوا هذه الآية تدل على أَنَّ من لم يعتقد الكفرَ ونطقَ بصريحِ الكفر وبسَبِّ الرُّسُل أجمعين وبالبراءة منهم وبتكذيبِهم من غير إكراهٍ وهو يعلم أَنَّ ذلك كفرٌ أَنَّه لا يكفر وهو ظاهر اختيار الزمخشري في "كشافه" فإِنَّه فسَّر شرح الصدر بطيب النَّفس بالكفر وباعتقاده معاً واختاره الإمام يحيى عليه السلام والأمير الحسين بن محمَّد.
وهذا كلُّه ممنوع لأمرين أحدهما معارضة قولهم بقوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاثَةٍ فقضى بكفرِ من قال ذلك بغير شرط (2) فخرج المُكْرَهُ بالنَّصِّ(3) والإجماع وبقي غيرُه فلو قال مكلَّفٌ مختارٌ غير مُكْرَهٍ بمقالة النَّصارى التي نصَّ القرآن على أَنَّها كفرٌ ولم يعتقد صِحَّة ما قال لم يكفِّروه مع أَنَّه لعلمه بقُبْحِ قولِه يجب أَنْ يكون أعظم إِثْماً من بعض الوجوهِ لقوله تعالى : وَهُمْ يَعْلَمُونَ فعكسوا وجعلوا الجاهلَ بذنبِه كافراً والعالِمَ الجاحدَ بلسانِه مع علمه مسلماً .
الأمر الثاني: أَنَّ حجَّتهم دائرةٌ بين دلالتين ظنِّيَتَين قد اختلف

فيهما في الفروع الظنية .إحداهما : قياسُ العامد على المُكْرَه والقطعُ على أَنَّ الإِكراهَ وصفٌ مَلْغِيٌّ مثل كون القائل بالثَّلاثة نصرانيَّاً وهذا نازلٌ جدَّاً ومثله لا يُقْبَلُ في الفُروع الظَّنِّيَّة . وثانيتهما : عموم المفهوم وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرَاً فإِنَّه لا حُجَّة لهم في منطوقها قطعاً وفاقاً ؛ وفي المفهوم خلافٌ مشهورٌ هل هو حجَّة ظنِّيَّة مع الاتفاق على أَنَّه هنا ليس بحجَّة قطعيَّة ثم في إثبات عمومٍ له خلافٌ وحجَّتهم هنا من عمومه أيضاً وهو أضعفُ منه . بيانه أَنَّ مفهوم الآية ومن لم يشْرَح بالكفر صدراً فهو بخلاف ذلك سواءً قال كلمةَ الكفرِ بغيرِ إِكراهٍ أو قالها مع إكراهٍ فاحتُمِل أَنْ لا يدخل المختار بل رُجِّحَ أَنْ لا يدخل لأَنَّ سبب النُّزول في المُكْرَه والعموم المنطوق يضعفُ شمولَه بذلك ويختلف فيه فضعُفَ ذلك في الظَّنِّيَّات من ثلاث جهاتٍ . من كونه مفهوماً . وكونه عمومٌ مفهومٌ . وكونه على سببٍ مضادٍّ لمقصودهم))(1) .
49. علاء الدِّين عليُّ بن خليل الطرابلسيّ (الحنفيّ). ت:844هـ
((( فصل في الردة ) : نعوذ بالله منها، ونسأل الله حسنَ الخاتمة، وهي الكفرُ بعد الإسلام، ويكون بصريحٍ وبلفظٍ يقتضيه وبفعلٍ يتضمَّنُه… واللفظ الَّذي يقتضي الكفرَ كجحْدِهِ لمِا عُلِمَ من الشَّريعة ضرورةً كالصَّلاة والصِّيام… وأمَّا الفعل الذي يتضمَّن الكفر فمثل التردُّد في الكنائس والتزام الزّنار في الأعياد. انظر الخلاصة. وكتلطيخ الرُّكن الأسود بالنَّجاسات وإلقاء المصحف في القاذورات ، وكذا لو وضع رجلَه عليه استخفافاً . من القنية . وهذه الأفعال دالَّةٌ على الكفر(1) لا أَنَّها كفرٌ لِما قام من الأدلَّة على بطلان التَّكفير بالذُّنوب ))(2) .
50. الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني. ت:852هـ
قال في "الفتح" : ((والكلام هنا في مقامين : أحدهما كونه – أيّ الإيمان – قولاً وعملاً ، والثاني كونه يزيد وينقص . فأمَّا القول فالمراد به النُّطق بالشَّهادتين ، وأَمَّا العمل فالمراد به ما هو أَعمُّ من عملِ القلب والجوارح ، ليدخل الاعتقاد والعبادات . ومرادُ مَنْ أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إِنَّما هو بالنَّظر إلى ما عند الله تعالى ، فالسَّلف قالوا هو اعتقادٌ بالقلب ، ونُطقٌ باللِّسان ، وعملٌ بالأركان . وأرادوا بذلك أَنَّ الأعمال شرط في كماله . ومن هنا نشأ لهم القولُ بالزِّيادة والنَّقص كما سيأتي .و المرجئة قالوا : هو اعتقادٌ ونطقٌ فقط . والكراميَّة قالوا : هو نطقٌ
فقط . والمعتزلة قالوا : هو العمل والنطق والاعتقاد . والفارق بينهم وبين السَّلف أَنَّهم جعلوا الأعمال شرطاً في صِحَّته . والسَّلف جعلوها شرطاً في كماله . وهذا كلُّه كما قلنا بالنَّظر إلى ما عند الله تعالى . أمَّا بالنَّظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط فمن أقرَّ أُجريت عليه الأحكام في الدُّنيا ولم يُحْكَم عليه بكفرٍ إلاَّ إِنِ اقترن به فعلٌ يدلُّ على كفرِهِ كالسُّجود للصَّنم ، فإِنْ كان الفعل لا يدلُّ على الكفر كالفسق فمن أطلق عليه الإيمان فبالنَّظر إلى إقراره ، ومن نفى عنه الإيمان فبالنَّظر إلى كماله ، ومن أطْلِق عليه الكفر فبالنَّظر إلى أنَّه فَعَلَ فِعْلَ الكافر ، ومن نفاه عنه فبالنَّظر إلى حقيقته ))(1) .
وقال : ((ونقل أبو بكرٍ الفارسيّ أحد أئمَّة الشافعيَّة في كتاب الإجماع أَنَّ من سبَّ النّبيَّ  ممَّا هو قذفٌ صريحٌ كفر باتِّفاق العلماء ))(2) .
51. كمال الدين ابن عبد الواحد ابن الهمام (الحنفيّ). ت :861هـ
((ومن هزل بلفظِ كفرٍ ارتدَّ وإِنْ لم يعتقده للاستخفاف فهو ككفر العناد ، والألفاظ التي يكفر بها تعرف في الفتاوى))(1) .
52. جلال الدِّين محمَّد بن أحمد المحليّ (الشافعيّ). ت:864هـ
قال في "شرح منهـاج الطالبين للنووي" في تعريف الرِّدَّة : (( (هي قطع الإسلام بنيةِ) كفرٍ (أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ) مكفِّر، (سواء) في القول (قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً) ))(2) .
53. محمَّد بن أحمد بن عماد الأقفهسي (الشافعيّ) . ت:867هـ
قال في "الإرشاد" في باب الثلاثة : باب الرِّدَّة ((نعوذ بالله منها. تحصُل بأحد ثلاثة أشياء : النِّيَّة، والقول، والفعل.
فلو نوى قطع الإسلام بقلبه ولم يتلفَّظ ، أو نطق بكلمة كفر ، أو سجد لصنمٍ أو شمسٍ فمرتدٌّ . وسواءً قال ذلك أو فعله اعتقاداً ، أو استهزاءً ، أو عناداً.
واعلم أَنَّ القول والفعل تارةً يستويان ، وتارةً يكون الفعل أقوى وتارةً يكون القول أقوى.
فالأوَّل: كالرِّدَّة، وإِنَّما تحصل بالقول والفعل كما ذكرنا...))(1) .
54. محمّد بن محمّد بن محمّد (ابن أمير الحاج) (الحنفيّ). ت: 879هـ
(( (وأما ثبوت الرِّدَّة بالهزل) أي بتكلُّم المسلم بالكفر هزلاً (فيه) أي فثبوتها بالهزل نفسِه (للاستخفاف)؛ لأَنَّ الهازل راضٍ بإجراء كلمة الكفر على لسانه والرِّضا بذلك استخفافٌ بالدين وهو كفرٌ بالنَّصِّ قال تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(2) وبالإجماع (لا بما هزل به) وهو اعتقاد معنى كلمة الكفر التي تكلم بها هازلاً…))(3) .
55. محمَّد بن أحمد المنهاجيّ الأسيوطيّ (الشافعيّ). ت:880هـ
((الرِّدَّة: وهي قطع الإسلام بنيَّةٍ أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ، سواء قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً))(1) .
56. عليُّ بن سليمان المرداويّ (الحنبليّ). ت:885هـ
((تنبيه: قوله: (فمن أشْرَك بالله أو جَحَد ربوبيَّته أو وَحْدانيَّته أو صفةً من صفاته أو اتَّخذ لله صاحبةً أو ولداً أو جحَد نبيَّاً أو كتاباً من كتبِ الله أو شيئاً منه أو سبَّ الله أو رسولَه كفر بلا نزاع في الجملة ) مراده إذا أتى بذلك طوعاً ولو هازلاً وكان ذلك بعد أَنْ أسلم طوعاً، وقيل وكرهاً، قال جماعة من الأصحاب أو سجد لشمسٍ أو قمرٍ، قال في التَّرغيب أو أتى بقولٍ أو فعلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدِّين ))(2) .
57. محمد بن فراموز (مُنلاَّ خِسرو) (الحنفي) . ت:885هـ
قال مستشهداً بكلام برهان الدِّين بن مازه:
((وفي "المحيط" من أتى بلفظة الكفر مع علمه أَنَّها كفر إِنْ كان عن اعتقادٍ لا شكَّ أَنَّه يكفر، وإنْ لم يعتقد أو لم يعلم أَنَّها لفظة الكفر ولكن أتى بها عن اختيارٍ فقد كفر عند عامَّة العلماء ولا يُعذَر بالجهل(1) ، وإِنْ لم يكن قاصداً في ذلك بأَنْ أراد أن يتلفَّظ بشيء آخر فجرى على لسانه لفظة الكفر… فلا يكفر وفي "الأجناس" عن محمَّد نصَّاً: إنَّ من أراد أَنْ يقول أكلت فقال كفرت أنَّه لا يكفر، قالوا هذا محمولٌ على ما بينه وبين الله تعالى، فأمَّا القاضي فلا يصدِّقه ومن أضمر الكفرَ أو همَّ به فهو كافرٌ ومن كفر بلسانه طائعاً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهو كافرٌ ولا ينفعه ما في قلبه؛ لأنَّ الكافر يعرف بما ينطِق به فإذا نطَق بالكفر كان كافراً عندنا وعند الله تعالى، كذا في "المحيط"))(2) .
58. أبو عبد الله محمّد بن قاسم الرصَّاع (المالكيّ). ت:894هـ
((بابٌ فيما تظهر به الرِّدَّة قال الشيخ ابن شاس رحمه الله: ظهور الرِّدَّة إمَّا بتصريحٍ بالكفر أو بلفظٍ يقتضيه أو فعلٍ يتضمَّنه قال الشيخ رحمه الله بعد نقله له قوله (بلفظ يقتضيه) كإنكارِ غير حديث الإسلام وجوب ما عُلِمَ من الدِّين ضرورةً قوله (أو فعل يقتضيه ) كلبس الزّنَّار وإلقاء المصحف في طريق النجاسة أو السُّجود للصَّنم ونحو ذلك ))(3) .

59. محمَّد بن قاسم الغزِّي (الشافعيّ). ت:918هـ
قال في تعريف الردة ((.. وشرعاً قطع الإسلام بنيَّةِ كفرٍ، أو قولِ كفرٍ، أو فعلِ كفرٍ، كسجود لصنمٍ سواءً كان على جهة الاستهزاء أو العناد أو الاعتقاد ))(1) .
60. زكريَّا بن محمَّد الأنصاريّ (الشافعيّ). ت:926هـ
قال : في "منهج الطلاب":
((كتاب الرِّدَّة: هي قطع من يصحُّ طلاقُه الإسلام بكفرٍ عزماً أو قولاً أو فعلاً استهزاء أو عناداً أو اعتقاداً، كنفي الصَّانع أو نبيٍّ أو تكذيبه أو جَحْد مجمَعٍ عليه معلوم من الدِّين ضرورةً بلا عذرٍ، أو تردُّد في كفرٍ أو إلقاء مصحفٍ بقاذورة أو سجودٍ لمخلوقٍ ))(2) .
61. محمَّد بن عبد الرَّحمن المغربيّ (المالكيّ). ت:954هـ
نقل كلاماً للتفتازاني في شرح العقائد واستظهره فقال:
((وذكر الشيخ سعد الدِّين في شرح العقائد أنَّ من أفتى امرأة
بالكفر لتَبِيْنَ من زوجها فإنَّ ذلك كفر، قاله في أواخر شرح العقائد، وهو الظاهر لأَنَّه قد أمر بالكفر ورضي به ))(1) .

Ahmed Salem
26-09-03, 02:10 AM
62. شهاب الدِّين أحمد البرلُّسي (عميرة) (الشافعيّ). ت:957هـ
نقل كلام شرح الجلال المحلِّي على منهاج النوويّ: ((الرِّدَّة (هي قطع الإسلام بنيَّةِ) كفرٍ (أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ) مكفِّر (سواء) في القول (قاله استهزاء أو عنادا أو اعتقاداً))).
ثم قال: ((قوله (الرِّدَّة) هي لغة: الرُّجوع عن الشيء، وشرعاً: ما قاله المصنِّف))(2) .
63. زين الدِّين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم (الحنفيّ). ت :970هـ
قــال في "البحر الرَّائق": ((والحاصل أَنّ من تكلَّم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً كفَرَ عند الكلِّ ولا اعتبارَ باعتقاده كما صرَّح به قاضيخان في فتاواه ومن تكلم بها مخطئاً أو مُكْرَهاً لا يكفر عند الكلِّ ومن تكلَّم بها عالماً عامداً كفر عند الكلِّ ))(3) .
وقال في "الأشباه والنظائر": ((عبادة الصَّنم كفرٌ، ولا اعتبار بما في قلبه ))(1) .
64. محمَّد بن أحمد الفتوحي (ابن النجار) (الحنبليّ). ت:972هـ
((قال: (باب حكم المرتدِّ). وهو لغة: الرَّاجع. قال الله سبحانه وتعالى: وَلاَ تَرْتَدُّوْا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينْ(2) (وهو) شرعاً : (من كفر ولو) كان (مميّزاً) (بنطقٍ أو اعتقادٍ أو شكٍّ أو فعلٍ) طوعاً. و(لو كان هازلاً) بعد إسلامه ))(3) .
وقال: ((فأمَّا من استحلَّ شيئاً مَّما تقدَّم ذكره ونحوه بغير تأويلٍ، (أو سجد لكوكبٍ ، أو نحوه) كالشمسِ والقمرِ والصَّنم كفر، لأَنَّ ذلك إشراكٌ وقد قال سبحانه وتعالى: إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ(4) ) أو أتى بقولٍ أو فعلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدِّين كفر(، لقول الله سبحانه وتعالى: وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65)لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (5) ))(6) .
65. أحمد بن محمَّد بن حجر الهيتميّ (الشافعيّ). ت:973هـ
((فمن أنواع الكفر والشِّرك أَنْ يعزِم الإنسان عليه في زمنٍ بعيدٍ أو قريبٍ أو يعلِّقه باللَّسان أو القلب على شيءٍ ولو محالاً عقليَّاً فيما يظهر فيكفر حالاً، أو يعتقد ما يوجبه، أو يفعل أو يتلفَّظ بما يدلُّ عليه سواءً أصَدَر عن اعتقادٍ أو عنادٍ أو استهزاءٍ …))(1) .
66. محمَّد بن أحمد الخطيب الشربينيّ (الشافعيّ). ت:977هـ
"كتاب الرِّدَّة: أعاذنا الله تعالى منها (هي) لغةً: الرُّجوع عن الشيء إلى غيره، وهي أفحشُ الكفر وأغلظُه حكماً، محبطةٌ للعمل.. وشرعاً (قطع) استمرار (الإسلام) ودوامه، ويحصل قطعه بأمور: (بنيَّةِ) كفرٍ… (أو) قطع الإسلام بسبب (قولِ كفرٍ أو فعلٍ ) مُكَفِّرٍ… ثم قسم القول ثلاثة أقسام بقوله: (سواء قاله استهزاء أو عناداً أو اعتقاداً) لقوله تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(2) وكان الأَوْلى تأخيرُ القول في كلامه عن الفعل، لأَنَّ التَّقسيم فيه وخرج بذلك من سبق لسانُه إلى الكفر، أو أُكْرِه عليه، فإنَّه لا يكون مرتدَّاً… (والفعل المكفِّر ما تعمَّده) صاحبه (استهزاء صريحاً بالدِّين أو جحوداً له كإلقاء مصحف)… (وسجودٌ لصنمٍ)…))(1) .
67. زين الدِّين بن عبد العزيز المليباري (الشافعيّ). ت:987هـ
((الرِّدَّة لغةً: الرُّجوع وهي أفحش أنواع الكفر ويحبط بها العمل… وشرعاً (قطعُ مكلَّف) مختار فتلغو من صبي ومجنون ومكره عليها إذا كان قلبه مؤمناً (إسلاماً بكفرٍ عزماً) حالاً أو مآلاً فيكفر به حالاً (أو قولاً أو فعلاً، باعتقادٍ) لذلك الفعل أو القول أي معه (أو) مع (عنادٍ) من القائل أو الفاعل (أو) مع (استهزاءٍ ) أي استخفافٍ، بخلاف ما لو اقترن به ما يخرِجُه عن الرِّدَّة كسبق لسانٍ أو حكاية كفرٍ أو خوف ))(2) .
68. محمَّد عبد الرؤوف المناويّ (الشافعيّ). ت:1031هـ
((الرِّدَّة لغةً: الرُّجوع عن الشَّيء إلى غيره. وشرعاً قطع الإسلام بنيّةٍ أو قولٍ أو فعلٍ مُكَفِّر ))(3) .

69. مَرْعيّ بن يوسفٍ الكرميّ المقدسيّ(الحنبليّ) . ت :1033هـ
(( (باب حكم المرتد) وهو من كفر بعد إسلامه ، ويحصُل الكفر بأحد أربعة أمورٍ: بالقول كسبِّ الله تعالى ورسوله أو ملائكتِه أو ادِّعاء النُّبوَّة أو الشِّرك له تعالى ، وبالفعل كالسُّجود للصَّنم ونحوِه وكإلقاء المصحف في قاذورة ، وبالاعتقاد كاعتقاده الشَّريك له تعالى أو أَنَّ الزِّنا أو الخمر حلال أو أنَّ الخبزَ حرامٌ ونحو ذلك ومما أُجِمعَ عليه إجماعاً قطعيَّاً ، وبالشَكِّ في شيءٍ من ذلك ))(1) .
70. منصور بن يونس البَهْوَتيّ (الحنبليّ). ت:1051هـ
قال في "كشَّاف القناع" في باب حكم المرتدِّ :
((وهو لغة الراجع يقال ارتدَّ فهو مرتدٌّ إذا رجع . قال تعالى: ولاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبارِكُم فَتَنْقَلِبُوْا خَاسِرِيْن (2).
وشرعاً: (الذي يكفر بعد إسلامه) نطقاً أو اعتقاداً أو شكَّاً أو فعلاً (ولو مميِّزاً) فتصحُّ رِدَّتُه كإسلامه، ويأتي (طوعاً) لا مُكرهاً لقوله تعالى: إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ (ولو) كان (هازلاً) لعموم قوله تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِيْنِهِ (3)

الآية )) (1) .
71. أحمدُ بن أحمدَ شهاب الدِّين القليوبيّ (الشافعيّ). ت:1070هـ
نقل كلام "شرح الجلال المحليّ على منهاج النوويّ": ((الرِّدَّة (هي قطع الإسلام بنيَّةِ) كفرٍ (أو قولِ كفرٍ أو فعلٍ) مكفِّر (سواءً) في القول (قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً) )).
ثم قال : ((كتاب الرِّدَّة أعاذنا الله وسائر المسلمين منها بمنِّهِ وجزيل كرمِهِ وهي لغةً: المرَّة من الرُّجوع وشرعاً ما ذكره المصنِّف - يعني المحليّ -))(2) .
72. عبد الرَّحمن بن شيخي زاده داماد (الحنفيّ). ت:1078هـ
نقل كلام محمَّد فراموز الحنفيّ ولم يتعقبّه بشيء فقال:
((وفي "الدرر" : وإِنْ لم يعتقد أو لم يعلم أَنَّها لفظة الكفر ولكن أتى بها عن اختيارٍ فقد كفر عند عامَّة العلماء ولا يعذَرُ بالجهل(3) وإِنْ لم يقصد في ذلك بأَنْ أراد أَنْ يتلفَّظ بلفظ آخر فجرى على لسانه لفظ الكفر فلا يكفُر لكن القاضي لا يصدِّقه… ومن كفر بلسانه طائعاً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهو كافرٌ ولا ينفعه ما في قلبه لأَنَّ الكافر يُعرَف بما ينطق به بالكفر فإذا نطق بالكفر طائعاً، كان كافراً عندنا وعند الله تعالى ))(1) .
73. أبو البقاء أيوب بن موسى الكفويّ (الحنفيّ) . 1095هـ
قال في "الكُلِيَّات": ((والكفر قد يحصُل بالقول تارة وبالفعل أخرى، والقولُ الموجبُ للكفر: إنكارُ مُجمَعٍ عليه فيه نصٌّ، ولا فرق بين أَنْ يصدُر عن اعتقادٍ أو عنادٍ أو استهزاءٍ والفعل الموجبُ للكفر هو الــذي يصدر عن تعمُّدٍ(2) ويكون الاستهزاء صريحاً بالدِّين، كالسُّجود للصَّنَم وإلقاء المصحف في القاذورات ...)) (3) .
74. أحمد بن محمَّد الحسينيّ الحمَويّ (الحنفيّ). ت:1098هـ
عرَّف ابن نجيم في "الأشباه والنظائر" الكفر بالتَّكذيب فعقَّب عليه الحمَويُّ بقوله : ((هذا التعريف غير جامعٍ إذ التَّكذيب يختصُّ بالقول والكُفْرُ قد يحصُلُ بالفعل ))(1) .
75. العلاَّمة صالح بن مَهْديّ المقبليّ . ت:1108هـ
قال في حاشيته على "البحر الزخار" : ((وظاهر قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه يدلُّ على كفر المتلفِّظ وإِنْ لم يعتقد معناه، لأَنَّه لم يستَثْنِ إلاَّ المُكْرَه، والإكراه لا يكون على الأفعال القلبيَّة، فمن كفر قلبه – مُكْرَهاً كان أو غيرَ مكرهٍ – فهو كافرٌ، ومن كفر لسانه فقط، فإِنْ كان مُكْرَهاً لم يكفر، وهو المستثنى في الآية، وإِنْ لم يكن مُكْرهاً، لزم أنْ يكفر، لأَنَّه الباقي بعد الاستثناء، وبعد بيان حال من كفر قلبه، وهو أعظمُ الكفر، ولذا استأنف ذكرَه للتَّأكيد، كأَنَّه قال: ولكنَّ الكفرَ الكامل كفرُ القلب، فتبيَّن أَنَّه لو لم يكن النُّطق بمجرَّدِه كفراً، لما كان للاستثناء معنىً، لأَنَّه لا يصحُّ استثناء الإكراه من كُفْر القلب لعدم إِمْكان الإكراه عليه، وبهذا يظهر وَهْمَ من قال: إذا كفرت المرأة لتَبِيْنَ من زوجها، لم تكُنْ مرتدَّةً، لأَنَّها لم تشرحْ بالكفر صدراً ))(2) .




76. مجموعةٌ من علماء الهند الأحناف(1) :
((ورُكْنُ الرِّدَّة إجراء كلمة الكُفر على اللِّسان بعد وجود الإيمان وشرائط صحَّتها العقل فلا تصحُّ رِدَّة المجنون ولا الصبيِّ الذي لا يعقل، أما من جنونه ينقطع، فإِن ارتدَّ حال الجنون لم تصحّ، وإِن ارتدَّ حال إفاقتِه صحَّتْ وكذا لا تصحُّ رِدَّة السَّكران الذَّاهب العقل، والبلوغُ ليس بشرطٍ لصحَّتها، وكذا الذُّكورة ليست بشرطٍ لصحَّتها، ومنها الطَّوع فلا تصح رِدَّة المُكْرَه عليها كذا في "البحر الرّائق" ناقلا عن "البدائع" ))(2) .
77. العلاَّمة محمَّد بن إسماعيل الأمير الصَّنعانيّ . ت:1182هـ
((صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الرِّدَّة: أَنَّ من تكلَّم بكلمة الكفر يكفر وإِنْ لم يقصد معناها))(3) .
78. أحمد العَدَويّ أبو البركات (الدَّردير) (المالكيّ). ت:1201هـ
قال في "الشرح الكبير على مختصر خليل" في باب الردة وأحكامها:
(( (الرِّدَّة كفر المسلم) المتقرِّر إسلامه بالنُّطق بالشَّهادتين، مختاراً ويكون بأحد أمورٍ ثلاثة: (بصريحٍ) من القول كقوله أُشْرك أو أَكْفُر بالله، (أو لفظٍ) أي قول يقتضيه… (أو فعلٍ يتضمَّنه) أي يقتضي الكفرَ ويستلزمُه استلزاماً بيِّناً (كالقاء مصحف بقذَرٍ…) ))(1) .
79. سليمان بن عمر العُجيليّ (الجمل ) (الشافعيّ). ت:1204هـ
(( (كتاب الرِّدَّة ) (هي) لغةً الرُّجوع عن الشيء إلى غيره وشرعا (قطع من يصحُّ طلاقه الإسلامَ بكفرٍ عزماً)، ولو في قابل (أو قولاً أو فعلاً استهزاءً ) كان ذلك (أو عناداً أو اعتقاداً) بخلاف ما لو اقترن به ما يخرجه عن الرِّدَّة كاجتهادٍ أو سَبْق لسانٍ أو حكايةٍ أو خوفٍ ...)) (2) .
80. الإمام المجدِّد محمَّد بن عبد الوهاب التميميّ. ت:1206هـ
قال رحمه الله: (( لو نُقَدِّر أَنَّ السُّلطان ظلم أهل المغرب ظلماً عظيماً في أموالهم وبلادهم ومع هذا خافوا استيلاءَه على بلادِهم ظُلماً وعدواناً ورأَوا أَنَّهم لا يدفعونهم إِلاَّ باستنجاد الفِرَنج وعلموا أَنَّ الفرنج لا يوافقونهم إلاَّ أَنْ يقولوا نحن معكم على دينكم ودنياكم ؛ ودينكم هو الحقُّ ودينُ السُّلطان هو الباطلُ وتظاهروا بذلك ليلاً ونهاراً مع أَنَّهم لم يدخلوا في دين الفِرّنج ولم يتركوا الإسلامَ بالفعل، لكن لمَّا تظاهروا بما ذكرنا ومرادهم دفعَ الظُّلم عنهم هل يشكُّ أحدٌ أنَّهم مرتدُّون في أكبر ما يكون من الكفر والرِّدَّة إذا صرَّحوا أَنَّ دينَ السُّلطان هو الباطلُ مع علمِهم أَنَّه حقٌّ وصرَّحوا أنَّ دين الفِرَنج هو الصَّواب، وأَنَّه لا يُتَصوَّر أنَّهم لا يتيهون لأنَّهم أكثر من المسلمين ولأَنَّ الله أعطاهم من الدُّنيا شيئاً كثيراً ولأَنَّهم أهل الزُّهد والرَّهبانيَّة فتأمَّل هذا تأمُّلاً جيِّداً وتأمَّل ما صدَّرْتُم به الأوراق من موافقتِكم به الإسلام ومعرفتكم بالنَّاقض إذا تحقَّقْتموه وأَنَّه يكون بكلمةٍ ولو لم تعتقد ويكون بفعل ولو لم يتكلَّم ويكون في القلب من الحبِّ والبُغْض ولو لم يتكلَّم ولم يعمل تبيَّن لك الأمر اللَّهُمَّ إلاَّ إنْ كُنْتم ذاكرين في أول الأوراق وأنتم تعتقدون خلافَه فذلك أمر آخر ))(1) .
وقال : ((…بل تجد الرَّجل يؤمن بالله ورسوله، وملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث بعد الموت، فإذا فعل نوعاً من المكفِّرات، حكم أهل العلم بكفره وقتله، ولم ينفعه ما معه من الإِيمان. وقد ذكر الفقهاء من أهل كلِّ مذهبٍ "باب حكم المرتد" (1) وهو الَّذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرةً، من فعل واحداً منها كفرَ، وإذا تأمَّلت ما ذكرناه، تبيَّن لك أنَّ الإيمان الشرعي، لا يجامِعُ الكفرَ، بخلاف الإيمان اللُّغوي، والله أعلم ))(2) .
وقال : ((… وأمَّا إنْ لم يكن له عذرٌ، وجلس بين أظهرهم، وأظهر لهم أنَّه منهم، وأَنَّ دينهم حقٌّ، ودين الإسلام باطلٌ، فهذا كافرٌ مرتدٌّ، ولو عرف الدِّين بقلبه، لأَنَّه يمنعه من الهجرة محبَّة الدُّنيا على الآخرة، ويتكلَّم بكلام الكفر من غير إكراهٍ، فدخل في قوله تعالى: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)(3) ))(4) .
وقال أيضاً: ((اعلمْ رحِمَـك الله : أنَّ دين الله يكون على
القلب بالاعتقاد، وبالحبِّ والبُغض، ويكون على اللِّسان بالنُّطق وترك النُّطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفِّر، فإذا اختلَّت واحدة من هذه الثـلاث، كفر وارتدَّ.
مثال عمل القلب: أنْ يظنَّ أنَّ هذا الذي عليه أكثرُ النَّاس، من الاعتقاد في الأحياء والأموات حقٌّ، ويستدِلُّ بكون أكثر النَّاس عليه، فهو كافرٌ مكذِّبٌ للنَّبي ، ولو لم يتكلَّم بلسانه، ولم يعملْ إلاَّ بالتَّوحيد، وكذلك إذا شكَّ، لا يدري من الحقِّ معه، فهذا لو لم يكذب فهو لم يصدِّق النَّبي ، فهو يقول عسى الله أَنْ يبيِّن الحقَّ، فهو في شكٍّ، فهو مرتَدٌّ ولو لم يتكلَّم إلاَّ بالتَّوحيد.
ومثال اللِّسان: أنْ يؤمن بالحقِّ ويحبُّه، ويكفُر بالباطل ويبغضُه، ولكنَّه تكلَّم مداراة لأهل الأحساء، ولأهل مكَّة أو غيرهم بوجوههم، خوفاً من شرِّهم، وإمَّا أَنْ يكتُبَ لهم كلاماً يصرِّح لهم بمدحِ ما هم عليه، أو يذكر أَنَّه ترك ما هو عليه، ويظنُّ أَنَّه ماكرٌ بهم، وقلبُه موقِنٌ أَنَّه لا يضرُّه، وهذا أيضاً لغروره.
وهو معنى قول الله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ إلى قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ فقط لا لتغيُّر عقائدهم.
فمن عرف هذا، عرف أن الخطرَ خطرٌ عظيم شديد، وعرف شدَّة الحاجة للتعلُّم والمذاكرة، وهذا معنى قوله في الإقناع في الرِّدَّة: نطقاً أو اعتقاداً أو شكَّاً أو فعلاً، والله أعلم ))(1) .
وقال كما في "تاريخ ابن غنَّام":
((قوله تعالى في عمَّار بن ياسر وأشباهِه : مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ إلى قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ فلم يستثْن الله إلا من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، بشرط طمأنينة قلبه. والإكراه لا يكون على العقيدة، بل على القول والفعل. فقد صرَّح بأنَّ من قال الكفر أو فعله فقد كفر إلا المُكْرَه، بالشَّرط المذكور، وذلك أنَّ ذلك بسبب إيثار الدُّنيا لا بسبب العقيدة )) (2) .
وقال: ((إذا عرفت أنَّ أعظم أهل الإخلاص وأكثرَهم حسنات لو قال كلمة الشِّرك مع كراهيتِه لها ليقود غيره بها إلى الإسلام حبِطَ عملُه وصار من الخاسرين، فكيف بمن أظهر أَنَّه منهم وتكلَّم بمائة كلمة لأجل تجارةٍ أو لأجل أنْ يحجَّ لما منع الموحِّدين(3) من الحجِّ كما منعوا النَّبي  وأصحابه حتّى فتح الله مكة )) (4) .

وفي رسالة نواقض الإسلام:
((… السادس: من استهزأ بشيءٍ من دين الرَّسول أو ثوابه أو عقابه، كفر، والدليل قوله تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (1)
السابع: السِّحر، ومنه الصَّرف، والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ (2)
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدَّليل قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (3).
ولا فرق في جميع هذه النَّواقض بين الهازل والجادِّ والخائف، إلاَّ المُكْرَه، وكلُّها من أعظم ما يكون خطراً، وأكثر ما يكون وقوعاً، فينبغي للمُسلم أنْ يحذَرْها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجباتِ غضبه، وأليمِ عقابه، وصلى الله على خير خلقه محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم))(4) .

وفي رسالة "كشف الشبهات":
((ويقال أيضاً: إذا كان الأوَّلون لم يكفَّروا إلا لأَنَّهم جمعوا بين الشِّرك وتكذيب الرَّسول  والقرآن، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كلِّ مذهبٍ؟ "باب حكم المرتَدِّ" وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرة، كلَّ نوع منها يكفِّر، ويُحلُّ دم الرجل وماله، حتى إِنَّهم ذكروا أشياء يسيرةً عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانِه دون قلبه، أو كلمةٍ يذكرها على وجه المزْحِ واللَّعِب.
ويقال أيضاً: الذين قال الله فيهم: يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ (1)، أَما سمعت الله كفَّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ، وهم يجاهدون معه ويصلُّون معه ويزكُّون ويحجُّون ويوحِّدُون؟ وكذلك الذين قال الله فيهم: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(2)  هؤلاء الَّذين صرَّح الله أَنَّهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله  في غزوة تبوك، قالوا كلمةً ذكروا أَنَّهم قالوها على وجه المزْح.
فتأمَّل هذه الشُّبهة، وهي قولهم: تكفِّرون من المسلمين أُناساً يشهدون أَنْ لا إله إلاَّ الله ، ويصلُّون ويصومون ، ثمَّ تأمَّل جوابها، فإِنَّه من أنفع ما في هذه الأوراق))(1) .
وقال أيضاً: ((فإذا تحقَّقْت أَنَّ بعض الصَّحابة الذين غَزَوا الرُّوم مع رسول الله  ، كفروا بسبب كلمةٍ قالوها على وجه المزح واللَّعِب ، تبيَّن لك أَنَّ الَّذي يتكلَّم بالكفر، أو يعمل به خوفاً من نقص مالٍ، أو جاهٍ، أو مداراةً لأحدٍ، أعظم ممَّن تكلَّم بكلمةٍ يمزح بها.
والآية الثانية قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ(2) فلم يعذر الله من هؤلاء إلاَّ من أُكرِه مع كون قلبه مطمئنَّاً بالإيمان. وأمَّا غير هذا، فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفاً، أو مداراة، أو مشحَّة بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلاَّ المُكْرَه. والآية تدلُّ على هذا من جهتين:
الأولى قوله: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ فلم يستَثْن الله إلاَّ المُكْرَه. ومعلومٌ أنَّ الإنسان لا يُكره إلاَّ على العمل أو الكلام. وأمَّا عقيدة القلب فلا يُكره أحدٌ عليها.
والثَّانية: قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ فصرَّح أنَّ هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل، أو البغضِ للدِّين، أو محبَّة الكفر، وإِنَّما سببه أَنَّ له في ذلك حظَّاً من حظوظ الدُّنيا، فآثره على الدِّين، والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين آمين ))(1) .
وفي تفسير قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ … الآيات ذكر رحمه الله مسائلَ منها …:
((الثانية: استثناءُ المُكْرَه المطمئنّ.
الثالثة: أَنَّ الرُّخصة لمن جمع بينَهما خلاف المُكْرَه فقط.
الرابعة: أَنَّ الرِّدَّة المذكورة كلامٌ أو فعلٌ من غير اعتقادٍ..
الثالثــة عشرة: من فعل ذلك فقد شرح بالكفر صدراً ولو كرِه ذلك، لأَنَّه لم يستَثْنِ إلاَّ من ذكر…
السادسة عشرة: ذكر سبب تلك العقوبة وهي استحباب الدُّنيا على الآخرة، لا مجرَّد الاعتقادِ أو الشكِّ ))(2) .
وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ(64) وَلقَدْ أُوحِيَ إِليْكَ وَإِلى الذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لئِنْ أَشْرَكْتَ ليَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ(65) بَلْ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66) وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ(67)  (1) : (فيه مسائل: الأولى: الجواب عن قول المشركين: هذا في الأصنام وأمَّا الصالحون فلا.
قوله : قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ عامٌّ فيما سوى الله.
الثانية: أَنَّ المسلم إذا أطاع من أشار عليه في الظاهر، كفر، ولو كان باطنه يعتقد الإيمان، فإِنَّهم لم يريدوا من النَّبي  تغييرَ عقيدته، ففيه بيانٌ لما يكثر وقوعه ممَّن ينتسب إلى الإسلام في إظهار الموافقة للمشركين خوفاً منهم، ويظنُّ أَنَّه لا يكفر إذا كان قلبه كارهاً له ))(2) .
وقال في تفسير الآية السَّابقة:
((أمَّا الآية الثانية ففيها مسائل أيضاً:
... الثالثة : أَنَّ الذي يكفُر به المسلم ليس هو عقيدة القلب خاصَّة، فإِنَّ هذا الَّذي ذكرهم الله لم يريدوا منه  تغييرَ العقيدة كما تقدَّم، بل إذا أطاع المسلمُ من أشار عليه بموافقتِهِم لأجلِ مالِه أو بلدِه أو أهلِه مع كونه يعرف كفرَهم ويبغضهم فهذا كافرٌ إلاَّ من أُكرِه))(3) .
81. الشيخ محمَّد بن عليٍّ بن غريب(1) .ت:1209هـ
قال في "التوضيح":
((المرتدُّ لغةً الرَّاجع، يقال ارتَدَّ فهو مرتدٌّ إذا رجع قال تعالى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (2) وشرعاًالذي يكفر بعد إسلامه نطقاً أو اعتقاداً أو شكَّاً أو فعلاً، وبعضُ هؤلاء الأئمَّة قال ولو مميِّزاً فتصحُّ رِدَّته كإسلامه، وهم الحنابلة ومن وافقهم، طوعاً لا مكرهاً بأنْ فعل لِداعي الإكراه لاعتقاده ما أُرِيدَ منه لقوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا(3) الآية ))(4) .
وقال أيضاً:
((وكما يكون الكفر بالاعتقادِ يكون أيضاً بالقولِ كسبِّ
الله أو رسولِه أو دينِه أو الاستهزاء به قال تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْـتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَـرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (1)  وبالفعل أيضاً كإلقاء المصحف في القاذورات والسُّجود لغير الله ونحوهما . وهذا وإن وُجِدَتْ فيهما العقيدةُ فالقول والفعل مغلَّبان عليها لظهورهما ))(2) .
82. سليمان بن محمَّد بن عمر البجيرميّ (الشافعيّ). ت :1221هـ
قال في شرحه على متن الخطيب الشربينيّ :
((فصلٌ : في الرِّدَّة … وهي أفحشُ أنواع الكبائر … قوله: (بِنِيَّة) هي العزم على الكفر … قوله : ( أو قولٍ مكفِّرٍ ) لو قدَّمه على ما قبله لكان أَوْلى ; لأَنَّه أغلبُ من الفعل وقوله أو قولٍ مكفِّرٍ أي: عمداً فيخرج من سبق لسانُه إليه ولغير نحو تعليم اهـ. قوله: ( سواء أقاله ) أي المذكور من النيَّة والفعل والقول فهو راجع لكلٍّ من الثلاثة كما في شرح (م ر) ولو قال :كما في المنهج استهزاءً كان ذلك لكان أولى اهـ. لأَنَّ النيَّة والفعل ليسا قولاً . قوله : ( استهزاءً ) أي تحقيراً واستخفافاً … قال الحصنيّ : ومن صور الاستهزاء ما يصدُر : من الظَلَمة عند ضربهم فيستغيث المضروبُ بسيِّد الأولين والآخِرين رسولِ الله  فيقول خلِّ رسولَ الله  يخلِّصك ونحو ذلك . ا هـ . (م د) . قوله : ( أم عناداً ) أي معاندةَ شخصٍ ومراغمَةً له ومخاصمةً له كأنْ أنْكَر وجوبَ الصَّلاة عليه عناداً وقوله : (أو اعتقاداً ) بأن قال لشخصٍ : يا كافر معتقداً أنَّ المخاطبَ متصفٌ بذلك حقيقةً وظاهر كلام الشارح أَنَّ هذا التَّعميم راجعٌ للقول فقط ولكنَّ بعضه رجعه لما قبله وهو ممكن في الفعل بعيدٌ في النِّيَّة فافهمْ . وقد يُجابُ بحمل الفعل على ما يشمل فعلَ القلب والاعتقاد ويعدُّ فعلاً وإنْ كان في التَّحقيق كيفيَّة قاله (سم). … قوله : ( أو كذب رسولاً ) بخلاف من كذب عليه فلا يكون كفراً بل كبيرةً فقط ا هـ (ع ش) . … قوله : ( أو سبَّه ) أو قصدَ تحقيَره ولو بتصغير اسمه أو سبَّ الملائكة أو ضلَّل الأمَّة . قوله : ( أو استخَفَّ ) أي تهاون به أو باسمه كأن ألقاه في قاذورةٍ أو صغَّره . بأنْ قال محيمد … قوله : ( وسجودٌ لمخلوقٍ كصنمٍ ) إلاَّ لضرورةٍ بأَنْ كان في بلادهم مثلاً وأمروه بذلك وخاف على نفسه ))(1) .
83. عبد الله بن حجازي (الشرقاويّ) (الشافعيّ). ت:1227هـ
قال في "حاشيته على التَّحرير" لزكريَّا الأنصاريّ:
((الرِّدَّة قطع من يصحُّ طلاقُه الإسلامَ بكفرٍ نيَّةً أو قولاً أو فعلاً استهزاءً كان كلُّ ذلك أو عناداً أو اعتقاداً) قوله (بكفرٍ نيَّةً أو قولاً أو فعلاً) فمثالُ النِّيَّة أَنْ يعزِم على الكفر ولو في قابلٍ
…والفعل أنْ يسجدَ لمخلوقٍ كصنمٍ وشمسٍ بلا ضرورة ، أو يُلقي مصحفاً أو كتب علمٍ شرعيٍّ أو ما عليه اسمٌ معظمٌ ، في قاذورةٍ …قوله (استهزاءً) أي استخفافاً قوله (أو عناداً) بأنْ عرف الحقَّ باطناً وامتنع أنْ يُقِرَّ به قوله (أو اعتقاداً) ))(1) .

84. محمد بن بدر الدين بن بلبان.(الحنبلي)ت:1083هـ(2)
(( فصلٌ في المرتد : وهو من كَفَرَ ولو مميزاً طَوْعاً ولو هازلاً ؛ بعد إسلامه فمن ادعى النبوة أو أشرك بالله تعالى أو سبَّه أو سبَّ رسولاً أو مَلَكاً أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة له ، أو كتاباً أو رسولاً أو مَلَكاً له ، أو وجوب عبادة من الخَمْس والطهارة ، أو حكماً ظاهراً مُجمعاً عليه إجماعاً قطعياً كتحريم الزِّنا أو لحم الخنزير ، أو جَحَد حِلَّ الخُبز ونحوه كاللَّحم والسَّمْن وغير ذلك ، أو شكَّ فيه ومثله لا يجهلُه أو يجهلُه وعُرِّف فأصرَّ ، أو سجد لكوكبٍ أو صنمٍ أو غيرهما ، أو أتى بقولٍ أو فِعلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدين ، أو امتهن القرآن ، أو ادعى اختلافه أو القدرة على مثله ، أو أسقط حرمته كَفَرَ .و لا يكفرُ من حكى كُفراً سمِعَه ولم يعتقده))(3)
85. الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمّد بن عبدالوهَّاب. ت:1233هـ
قال في "الدَّلائل في حكم موالاة أهل الإشراك":
((اعلم رحمك الله : أنَّ الإنسان إِذا أَظهر للمشركين الموافقة على دينهم : خوفاً منهم ومداراةً لهم ، ومداهنةً لدفع شرِّهم . فإِنَّه كافرٌ مثلهم وإنْ كان يكره دينَهم ويبغضهم ، ويحبُّ الإسلام والمسلمين … ولا يستثنى من ذلك إلاَّ المُكرَه ،وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له : اكْفُرْ أو افْعَلْ كذا وإلاَّ فعلنا بك وقتلناك . أو يأخذونَه فيعذِّبونه حتى يوافقهم . فيجوز له الموافقة باللِّسان ، مع طُمأنينة القلب بالإيمان . وقد أجمع العلماء على أَنَّ من تكلَّم بالكفر هازِلاً أَنَّه يكفر . فكيف بمن أظهر الكفرَ خوفاً وطمعاً في الدُّنيا ؟…! وكثيرٌ من أهلِ الباطلِ إِنَّما يتركون الحقَّ خوفاً من زوال دنياهم . وإلاَّ فيعرفون الحقَّ ويعتقدونه ولم يكونوا بذلك مسلمين.
…قوله تعالى : وَقَدْ نَزَّل عَليْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُم(2) .
فذكر تبارك وتعالى أَنَّه نزَّل على المؤمنين في الكتاب : أَنَّهم إذا سمعوا آياتِ الله يُكْفَر بها ، ويُسْتَهْزَأُ بها فلا يقعدوا معهم ، حتى يخوضوا في حديثٍ غيره . وأَنَّ من جلس مع الكافرين بآياتِ الله ، المستهزئين بها في حالِ كفرهم واستهزائهم فهو مثلُهم ولم يفرِّق بين الخائف وغيره . إلاَّ المٌكْرَه .
هذا وهم في بلد واحدٍ في أوَّل الإسلام . فكيف بمن كان في سَعَة الإسلام وعزِّه وبلاده ، فدعا الكافرين بآياتِ الله المستهزئين بها إلى بلادِه، واتَّخذهم أولياءً وأصحاباً وجلساءً وسمع كفرَهم واستهزاءَهم وأقرَّهم . وطرَدَ أهل التوحيد وأبعدَهم؟..!
…قوله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(1) .
فحكم تعالى حُكماً لا يبدَّل أنَّ من رجع عن دينِه إلى الكفر، فهو كافرٌ . سواءً كان له عذرٌ : خوفٌ على نفسٍ أو مالٍ أو أهلٍ أم لا . وسواءً كفر بباطنه وظاهره ، أمْ بظاهره دون باطنه. وسواءً كفر بفعاله ومقاله ، أم بأحدِهما دون الآخر.
وسواءً كان طامعاً في دنيا ينالها من المشركين أمْ لا… فهو كافرٌ على كلِّ حالٍ ، إلا المُكرَه . وهو في لغتنا : المغصوب…

ثمَّ أخبر تعالى أنَّ على هؤلاء المرتدِّين ، الشَّارحين صدورَهم بالكفر وإنْ كانوا يقطعون على الحقِّ ، ويقولون ما فعلنا هذا إلاَّ خوفاً ، فعليهم غضبٌ من الله ، ولهم عذابٌ عظيمٌ ثم أخبر تعالى أَنَّ سبب هذا الكفر والعذاب ليس بسبب الاعتقادِ للشِّرك أو الجهل بالتَّوحيد ، أو البغض للدِّين أو محبَّة للكفر ، وإِنَّما سببه : أنَّ له في ذلك حظَّاً من حظوظ الدُّنيا فآثره على الدِّين وعلى رضى ربِّ العالمين . فقال : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (1)فكفَّرهم تعالى ، وأخبر أَنَّه لا يهديهم مع كونهم يعتذرونَ بمحبَّة الدُّنيا. ثم أخبر تعالى أنَّ هؤلاء المرتدِّين لأجل استحباب الدُّنيا على الآخرة هم الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، وأنَّهم الغافلون . ثم أخبر خبراً مؤكَّداً محقَّقاً أَنَّهم في الآخرة هم الخاسرون.
وهكذا حال هؤلاء المرتدِّين في هذه الفتنة ، غرَّهُم الشيطان وأَوهمَهم أَنَّ الخوف عذرٌ لهم في الرِّدَّة ، وأَنَّهم بمعرفة الحق ومحبَّته والشَّهادة به لا يضرُّهم ما فعلوه . ونَسَوا أَنَّ كثيراً من المشركين يعرفون الحقَّ ، ويحبُّونه ويشهدون به ولكنْ يتركون متابعتَه والعملَ به : محبَّة للدُّنيا وخوفاً على الأنفس والأموال والمأكل والرِّياسات . ثم قال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّل اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ(2)  فأخبر تعالى أنَّ سبب ما
جرى عليهم من الرِّدَّة وتسويل الشيطان ، والإملاء لهم ، هو قولهم للذين كرهوا ما نزَّل الله : سنطيعكم في بعض الأمر.
فإذا كان مَنْ وَعَد المشركين الكارهين لما نزَّل الله بطاعتِهم في بعض الأمر كافراً ، وإنْ لم يفعل ما وعدَهُم به . فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما نزَّل الله من الأمر : بعبادته وحدَه لا شريك له …
وقد قال تعالى في موضعٍ آخر : يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(1) .
ففي هاتين الآيتين البيان الواضح : أَنَّه لا عذرَ لأحدٍ في الموافقة على الكفر ، خوفاً على الأموال والآباء ، والأبناء والأزواجِ والعشـائر ، ونحـو ذلك مما يعتذر به كثيـرٌ من النَّاس.
إذا كان لم يرخِّص لأحد في موادَّتهم ، واتخاذهم أولياء بأنفسهم : خوفاً منهم وإيثاراً لمرضاتهم . فكيف بمن اتَّخذ الكفار الأباعد أولياء وأصحاباً ، وأظهر لهم الموافقة على دينهم ، خوفاً على بعض هذه الأمور ومحبَّةً لها ؟! ومن العجب استحسانهم لذلك واستحلالهم له . فجمعوا مع الرِّدَّة استحلالَ المحرَّم ))(2) .
وقال في "تيسير العزيز الحميد":
(( من استهزأ بالله ، أو بكتابه أو برسوله ، أو بدينه ، كفرَ ولو هازِلاً لم يقصِد حقيقةَ الاستهزاء ؛ إجماعاً .
قال : وقول الله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (1).
الشرح : يقول تعالى مخاطباً لرسوله  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي سألت المنافقين الَّذين تكلَّموا بكلمة الكفر استهزاءً ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي : يعتذِرونَ بأَنَّهم لم يقصدوا الاستهزاء والتَّكذيب ، إِنَّما قصدوا الخوضَ في الحديث واللَّعِب : قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لم يعبأ باعتذارهم إِمَّا لأَنَّهم كانوا كاذبين فيه ، وإِمَّا لأَنَّ الاستهزاء على وجه الخوضِ واللَّعِب لا يكون صاحبُه معذوراً ، وعلى التقديرين فهذا عذرٌ باطلٌ ، فإِنَّهم أخطئوا موقعَ الاستهزاء . وهل يجتمع الإيمان بالله ، وكتابه، ورسوله ، والاستهزاءُ بذلك في قلب ؟ ! بل ذلك عينُ الكفرِ فلذلك كان الجواب مع ما قبله لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ قال شيخ الإسلام : فقد أمره أنْ يقول : كفرتم بعد إيمانِكم . وقول من يقول : إنَّهم قد كفروا بعد إيمانهم بلسانِهم مع كفرهم أوَّلاً بقلوبهم لا يصحُّ ، لأنَّ الإيمان باللِّسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر . فلا يقال : قد كفرتم بعد إيمانِكم فإِنَّهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر ، وإنْ أُرِيد : إِنَّكم أظهرتُمُ الكفرَ بعد إظهارِكم الإيمان ، فهم لم يُظهروا ذلك إلاَّ لخوضهم ، وهم مع خوضهم مازالوا هكذا ، بل لما نافقوا وحذِروا أنْ تنـزِل عليهم سورَةٌ تبيِّنُ ما في قلوبِهم من النِّفاق وتكلَّموا بالاستهزاءِ ، أي : صاروا كافرين بعد إيمانهم . ولا يدلُّ اللفظ على أَنَّهم مازالوا منافقين إلى أَنْ قال تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فاعْتَرَفوا ولهذا قيل: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً فدلَّ على أَنَّهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أَتَوا كُفْراً ، بل ظنُّوا أَنَّ ذلك ليس بكفرٍ. فتبيَّن أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ الله ورسولِه كفرٌ يكفرُ به صاحبُه بعدَ إيمانِه ، فدلَّ على أَنَّه كان عندهم إيمانٌ ضعيفٌ ، ففعلوا هذا المحرَّم الَّذي عرفوا أنَّه محرَّم. ولكنْ لم يظنُّوه كفراً وكان كفراً كفروا به ، فإِنَّهم لم يعتقدوا جوازه))(1) .
86. مصطفى بن سعد بن عبدَة الرُّحيبانيّ (الحنبليّ). ت :1243هـ
((باب حكم المرتدِّ ( وهو ) لغة الرَّاجع ، يقال ارتدَّ فهو مرتدٌّ إذا رجعَ قال : تعالى : وَلا تَرْتَدُّوْا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين وشرعاً( مَن كفرَ ) نُطقاً أو اعتقاداً أو شكَّاً ( ولو ) كان ( مميِّزاً ) فتصحُّ رِدَّتُه كإسلامِه ، ويأتي ( طوعاً ) ولو كان هازِلاً بعد إسلامِه ))(1) .
87. الإمام عبدُ الله بن محمَّد بن عبد الوهَّاب. ت:1244هـ
فقد جمع رسالةً أسماها "الكلمات النَّافعة في المكفِّرات الواقعة" قال في أوَّلِها بعد الحمد:
((أمَّا بعد فهذه فصولٌ وكلماتٌ نقلتها من كلام العلماء المجتهدين من أصحاب الأئمَّة الأربعة الَّذين هم أئمة أهل السُّنَّة والدِّين ، في بيان بعض الأفعال والأقوال المكفِّرة للمسلم المخرِجة له من الدِّين ، وأَنَّ تلفُّظه بالشَّهادتين وانتسابه إلى الإسلام وعمله ببعض شرائعِ الدِّين لا يَمْنَع من تكفيره وقتله وإلحاقه بالمرتدِّين . والسبب الحامل على ذلك أَنَّ بعض من ينتسِب إلى العلم والفقه من أهل هذا الزمان غلِطَ في ذلك غلَطاً فاحشاً قبيحاً ، وأنكر على من أفتى به من أهلِ العلم والدِّين إنكاراً شنيعاً، ولم يكن لهم بإنكارِ ذلك مستنَدٌ صحيحٌ لا من كلام الله ولا من كلام رسوله ولا من كلام أئمَّة العلم والدِّين …)).
ثم نقل كلاماً كثيراً لبعض الأئمَّة إلى أنْ قال:
((وقال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب "الصَّارم المسلول على شاتم الرسول" : قال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمَّة يُعدل
بالشافعي وأحمد : أجمع المسلمون أنَّ من سبَّ الله أو رسوله أو دفع شيئاً ممَّا أنزَل الله أنَّه كافرٌ بذلك وإنْ كان مُقِرَّاً بكلِّ ما أنزل الله . وقال محمَّد بن سحنون أحد الأئمَّة من أصحاب مالكٍ: أجمع العلماء على أَنَّ شاتمَ الرسول  كافرٌ ، وحكمه عند الأئمَّة القتلُ، ومن شكَّ في كفره كفر . …. انتهى . فتأمل رحمك الله تعالى كلام إسحاق بن راهويه ونقله الإجماع على أنَّ من سبَّ الله أو سبَّ رسوله أو دفع شيئاً ممَّا أنزل الله فهو كافرٌ – وإنْ كان مُقِرَّاً بكلِّ ما أنزل الله – يتبيَّن لك أنَّ من تلفَّظ بلسانه بسبِّ الله تعالى أو بسبِّ رسوله  فهو كافرٌ مرتدٌّ عن الإسلام، وإنْ أقرَّ بجميع ما أنزل الله ، وإنْ كان هازلاً بذلك لم يقصد معناه بقلبِه ، كما قال الشافعيّ رضي الله عنه : من هزل بشيءٍ من آيات الله فهو كافرٌ ، فكيف بمن هزل بسبِّ الله تعالى أو بسبِّ رسولِه ، ولهذا قال الشيخ تقي الدين : قال أصحابنا وغيرهم: من سبَّ الله كفر – مازحاً أو جاداً - لقوله تعالى : قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ الآية . قال: وهذا هو الصَّواب المقطوع به )).
ثم قال:
((وتأمَّل أيضاً قول الشيخ رحمه الله تعالى في آخر الكلام : ولا ريب أنَّ أصل قولِ هؤلاء هو الشِّرك الأكبر ، والكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتَّوبة منه ، وأنَّ ذلك يستلزم الرِّدَّة عن الدِّين ، والكفر بربِّ العالمين . كيف صرَّح بكفر من فعل هذا أو رِدَّته عن الدِّين إذا قامت عليه الحجَّة من الكتاب والسُّنَّة ، ثمَّ أصرَّ على فعل ذلك . وهذا لا ينازع فيه من عرف دينَ الإسلام الذي بعثَ الله به رسولَه محمَّداً  . والله أعلم ))(1) .
88. العلاَّمة محمَّد بن عليٍّ الشَّوكانيّ . ت:1250هـ
((وكثيراً ما يأتي هؤلاء الرَّعايا بألفاظٍ كفريَّةٍ فيقول هو يهوديٌّ ليفعلَنَّ كذا وليفعلَنَّ كذا ومرتدٌّ(2) تارةً بالقول وتارةً بالفعل وهو لا يشعر ))(3) .
89. محمَّد أمين ابن عابدين (الحنفيّ) . ت:1252هـ
قال في "الدرِّ المختار" في باب المرتدِّ بعد أنْ عرَّفه لغةً وشرعاً: ((وفي "الفتح" : من هزل بلفظِ كفرٍ ارتد وإن لم يعتقده للاستخفاف فهو ككفر العناد )).
وفي حاشية "ردُّ المحتار" قال:
((باب المرتدّ: قوله : (من هزَلَ بلفظِ كفرٍ ) أي تكلَّم به باختياره غير قاصدٍ معناه … وكما لو سجَد لصنمٍ أو وضع
مصحفاً في قاذورةٍ فإنَّه يكفر وإنْ كان مصدِّقاً ، …))(4) .
90. شهاب الدِّين محمود بن عبد الله الآلوسي . ت:1270هـ
قال في تفسير قوله تعالى : لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ((واستدلَّ بعضهم بالآية على أنَّ الجدَّ واللَّعِب في إظهارِ كلمةِ الكفر سواءٌ ولا خلافَ بين الأئمَّة في ذلك ))(2) .
91. إبراهيم بن محمَّد بن أحمد البيجوريّ (الشافعيّ). ت:1277هـ
قال في "حاشيته على ابن قاسم الغزِّيّ" في تعريف الردة: ((وشرعاً قطع الإسلام بنيةِ كفرٍ ، أو قولِ كفرٍ ، أو فعلِ كفرٍ ، كسجودٍ لصنمٍ سواءً كان على جهة الاستهزاء أو العناد أو الاعتقاد) . قوله (سواءً كان الخ…) تعميمٌ في قطع الإسلامِ بنيَّةِ الكفر أو قوله أو فعله لكن لا يظهر الاستهزاء في النِّيَّة وإِنَّما يظهر في القول والفعل . وقوله (جهة الاستهزاء) أي جهة هي الاستهزاء. قال تعالى : قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ وقوله (أو العناد) أي كأن يقول : اللهُ ثالثُ ثلاثة عناداً لمن يخاصمه مع اعتقادِه أن الله واحدٌ فيكفر بذلك …))(1) .
92. الشيخ عبد الله بن عبد الرَّحمن أبابطين . ت:1282هـ
((ما سألت عنه ، من أنَّه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر، إذا ارتكب شيئاً من المكفِّرات ، فالأمر الذي دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة وإجماع العلماء على أنَّه كفرٌ ، مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه ، فمن ارتكب شيئاً من هذا النَّوع أو جنسه ، فهـذا لا شكَّ في كفره .
ولا بأس بمن تحقَّقت منه شيئاً من ذلك ، أنْ تقول : كفر فلان بهذا الفعل ، يبيِّن هذا : أنَّ الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتدِّ أشياء كثيرة، يصير بها المسلم كافراً ، ويفتتحون هذا الباب بقولهم : من أشرك بالله كفر ، وحكمه أَنَّه يُستتاب فإِنْ تاب وإلاَّ قتل ، والاستتابةُ إنَّما تكون مع معيَّن.
ولمَّا قال بعض أهل البدع عند الشافعيّ : إنَّ القرآن مخلوقٌ ، قال : كفرْتَ بالله العظيم ، وكلام العلمـاء في تكفير المعيَّن كثيرٌ، وأعظم أنواع الكفر : الشرك ، بعبادة غير الله ، وهو كفر بإجماع المسلمين ، ولا مانعَ من تكفير من اتَّصف بذلك ، كما أنَّ من زنى قيل فلان زانٍ ، ومن ربى قيل فلان مرابٍ ))(2) .
((وسئل أيضاً : عن قول الصنعانيّ : إِنَّه لا ينفع قولُ من فعلَ الشرك ، أنا لا أشرك بالله .. الخ ؟
فأجاب ، يعني : أَنَّه إذا فعل الشِّرك فهو مشركٌ ، وإنْ سمَّاه بغيرِ اسمه ، ونفاه عن نفسه.
وقوله : وقد صرَّح الفقهاء في كتبهم ، بأَنَّ من تكلَّم بكلمة الكفرِ، يكفرُ ، وإنْ لم يقصدْ معناها ، فمرادهم بذلك : أنَّ من يتكلَّم بكلام كفرٍ ، مازحاً أو هازلاً ، وهو عبارة كثير منهم ، في قولهم: من أتى بقولٍ ، أو فعلٍ صريح في الاستهزاء بالدِّين ، وإِنْ كان مازحاً ، لقوله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (1).
وقال رحمه الله:
((ويقال لمن قال إنَّ من أتى بالشَّهادتين لا يُتَصوَّرُ كفرُه ، ما معنى الباب الَّذي يذكره الفقهاءُ في كتب الفقه وهو (باب حكم المرتدِّ) والمرتدُّ هو الذي يكفر بعدَ إسلامه بكلامٍ أو اعتقادٍ أو فعلٍ أو شكٍّ وهو قبل ذلك يتلفَّظ بالشَّهادتين ويصلي ويصوم ، فإذا أتى بشيءٍ مما ذكروه صار مرتدَّاً مع كونه يتكلَّم بالشَّهادتين ويصلي ويصوم ولا يمنعه تكلُّمه بالشَّهادتين وصلاته وصومه عن الحكم عليه بالرِّدَّة ، وهذا ظاهرٌ بالأدلَّة من الكتابِ والسُّنَّة والإجماع .

وأوَّل ما يذكرون في هذا الباب الشِّرك بالله فمن أشركَ بالله فهو مرتدٌّ ، والشِّرْك عبادةُ غير الله فمن جعل شيئاً من العبادة لغير الله فهو مُشركٌ ، وإنْ كان يصوم النهارَ ويقوم اللَّيـلَ فعمله حابطٌ ))(1) .
93. الشيخ عبد الرَّحمن بن حسن بن محمَّد بن عبدالوهّاب . ت:1285هـ
قال في أحد رسائله: ((وأمَّا مذهب الخوارج فإِنَّهم يكفرون أهل الإيمانِ بارتكاب الذُّنوب ما كان منها دون الكفر والشِّرك ، وأَنَّهم قد خرجوا في خلافة عليٍّ ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه وكفَّروا الصَّحابة بما جرى بينهم من القتال واستدلُّوا على ذلك بآيات وأحاديث ، لكنَّهم أخطئوا في الاستدلال فإنَّ ما دون الشِّرك والكفر من المعاصي لا يُكفَّر فاعلُه لكنَّه ينهى عنه وإذا أصرَّ على كبيرةٍ ولم يتُبْ منها يجب نهيُه والقيام عليه ، وكلُّ منكرٍ يجب إنكاره من ترك واجبٍ أو ارتكاب محرَّمٍ، لكن لا يُكَفَّر إلاَّ من فعل مكفِّراً دلَّ الكتاب والسُّنَّة على أنَّه كفرٌ ، وكذا ما اتَّفق العلماءُ على أنَّ فعله أو اعتقاده كفرٌ ))(2) .
94. محمَّد بن أحمد المعروف بالشيخ عليش (المالكيّ). ت : 1299هـ
(( (باب ) في بيان حقيقة الرِّدَّة وأحكامها ( الرِّدَّة ) أي حقيقتَها شرعاً ( كفر ) جنس شمل الرِّدَّة وسائر أنواع الكفر الشَّخص ( المسلم )، أي الَّذي ثبت إسلامه ببنوَّته لمسلمٍ وإنْ لم ينطق بالشَّهادتين أو بنطقِه بهما عالماً بأركان الإسلام ملتزماً لها والإضافة فصل مخرج سائر أنواع الكفر … وسواء كفر ( بـ ) قولٍ ( صريحٍ ) في الكفر كقوله كفر باللهِ أو برسولِ الله أو بالقرآنِ أو الإلهُ اثنان أو ثلاثة أو المسيحُ ابنُ الله أو العزيرُ ابن الله (أو) بـ ( لفظٍ يقتضيه ) أي يستلزِم اللَّفظُ الكفرَ استلزاماً بيِّنا كجَحْد مشروعيَّة شيءٍ مجمعٌ عليه معلومٌ من الدِّين ضرورةً ، فإِنَّه يستلزم تكذيبَ القرآن أو الرَّسول , وكاعتقاد جسميَّة الله وتحيُّزه، فإِنَّه يستلزم حدوثَه واحتياجَه لِمُحْدِثٍ ونفيِّ صفات الأُلوهيَّة عنه جلَّ جلاله وعَظُم شأنه . ( أو ) بـ ( فعلٍ يتضمَّنه ) أيّ يستلزم الفعلُ الكفرَ استلزاماً بيِّناً (كإلقاء ) أي رمي ( مصحفٍ ) أي الكتاب المشتملِ على النُّقوش الدَّالَّة على كلام الله تعالى (بـ ) شيءٍ ( قَذِرٍ) أي مُستقذَرٍ مُستعافٍ ولو طاهراً كبصاقٍ ، ومثل إلقائه تلطيخُه به أو تركه به مع القدرةِ على إزالته لأنَّ الدَّوام كالابتداء وكالمصحفِ جزؤه والحديث القدسيُّ والنبويّ ولو لم يتواتر وأسماءُ الله تعالى وأسماءُ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام ))(1) .
95. الشيخ حمد بن عليٍّ بن عتيق . ت :1301هـ
قال في "الدِّفاع عن أهل السُّنَّة والاتِّباع":
((إذا تكلَّم بالكفر من غير إكراهٍ كفرٍ وإنْ كان قلبُه مطمئنَّاً بالإيمان كما أَنَّ من شرح بالكفر صدراً كفر وإِنْ لم يتكلَّم ))(1) .
وقال في رسالة "سبيل النجاة والفكاك":
((وفي أجوبة آل الشَّيخ رحمهم الله تعالى لمَّا سئلوا عن هذه الآية وعن قوله :(من جامَعَ المشركَ أو سكنَ معَه فهو مثلُه)(2) ، قالوا الجواب أَنَّ الآية على ظاهرها ، أَنَّ الرَّجل إذا سمِع آياتِ الله يُكْفَر بها ويُسْتهزأُ بها، فجلس عند الكافرين المستهزئين بآيات الله من غيرِ إكراهٍ ولا إنكارٍ ولا قيامٍ عنهم حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيره ، فهو كافرٌ مثلهم ، وإنْ لم يفعل فعلَهم ، لأَنَّ ذلك يتضمَّن الرِّضا بالكفر ، والرِّضا بالكفر كفرٌ ، وبهذه الآية ونحوِها استدلَّ العلماءُ على أنَّ الرِّضا بالذَّنب كفاعله(3) ، فإن ادَّعى أَنَّه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه لأَنَّ الحكم بالظَّاهر، وهو قد أظهر الكفر فيكونُ كافراً ))(1) .
وقال فيها أيضاً:
((وأمَّا المسألة الثَّالثة وهي ما يُعذَرُ الرَّجل به على موافقةِ المشركين، وإظهارِ الطَّاعةِ لهم ، فاعْلَم أنَّ إظهار الموافقة للمشركين له ثلاث حالاتٍ:
الحالة الثَّالثة : أنْ يوافقَهم في الظَّاهر مع مخالفتِه لهم في الباطن ، وهو من وجهين : أحدهما أَنْ يفعلَ ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدِهم له ، ويتهدَّدونه بالقتل فيقولون له إِمَّا أنْ توافقَنا وتظهِر الانقياد لنا وإلاَّ قتلناك ، فإِنَّه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئنَّاً بالإيمان ، كما جرى لعمَّار حين أنزل الله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ(2) ، وكما قال تعالى: إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً (3)، فالآيتان دلَّتا على الحكم ، كما نبَّه على ذلك ابن كثـير في تفسير آية آل عمران.
الوجه الثاني : أَنْ يوافقَهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن ، وهو ليس في سلطانهم ، وإِنَّما حمله على ذلك إِما طمعٌ في رئاسةٍ أو مالٍ أو مشحَّةٍ بوطنٍ أو عيالٍ أو خوفٍ ممَّا يحدث في المال ، فإِنَّه في هذه الحال يكون مرتدَّاً ولا تنفعه كراهتُه لهم في الباطن ، وهو ممن قال الله فيهم : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (1)فأخبر أَنَّه لم يحملهُم على الكفر الجهلُ أو بغضُه ، ولا محبَّةُ الباطل ، وإِنَّما هو أَنَّ لهم حظَّاً من حظوظ الدُّنيا فآثروه على الدِّين ، هذا معنى كلام شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهَّاب رحمه الله تعالى وعفا عنه ))(2) .
96. أحد علماء الدعوة النجديَّة:
((فإذا عرف المسلم عِظَمَ شأنِ هذه الكلمة ، وما قُيِّدت به من القيود ، ولا بدَّ مع ذلك أن يكون اعتقاداً بالجَنان ، ونطقاً باللِّسان ، وعملاً بالأركان ، فإِنْ اختلَّ نوعٌ من هذه الأنواع لم يكُنْ الرجل مسلماً كما ذكر الله ذلك وبيَّنَه في كتابه ، فإذا كان الرَّجل مسلماً وعاملاً بالأركان ، ثَّم حدث منه قولٌ أو فعلٌ أو اعتقادٌ يناقض ذلك لم ينفعْه ذلك ، كما قال الله تعالى للَّذين تكلَّموا بالكلام في غزوة تبوك : لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ وقال تعالى في حقِّ الآخرين : وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِم (3) ))(4) .

97. عثمان بن محمد شطا البكريّ (الشافعيّ). ت:1302هـ
((وحاصل الكلام على أنواع الرِّدَّة أَنَّها تنحصر في ثلاثة أقسامٍ : اعتقاداتٍ وأفعالٍ وأقوالٍ ، وكلّ قسمٍ منها يتشعَّب شُعَباً كثيرة ))(1) .
98. العلاَّمة صدِّيق حسن خان القنوجي. ت:1307هـ
((ومن ذلك الهَزْلُ بشيءٍ فيه ذكرُ الله ، أو الرَّسول أو القرآن، أو السُّنَّة . وهذا الهَزْل كفرٌ بواحٌ ، قال تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (2) أي بهذا المقال الذي استهزأتم به.
قال شيخ الإسلام : أخبر أَنَّهم كفروا بعد إِيمانهم ، مع قولهم: إنَّا قد تكلَّمنا بالكفر من غير اعتقادٍ له ، بل إِنَّما كنَّا نخوض ونلعب ، وبيَّن أَنَّ الاستهزاء بآياتِ الله كفرٌ ، ولا يكون هذا إلاَّ ممن شرح صدره بهذا الكلام . ولو كان الإيمانُ في قلبه ، لمنعَه من أنْ يتكلَّم به . والقرآن يبيِّن أَنَّ إيمانَ القلب ، يستلزِم العملَ الظَّاهر بحسبه ، كقوله : وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (1) الآية . فنفى الإيمان عمَّن تولَّى عن طاعةِ الرَّسول ، وأخبرَ أنَّ المؤمنين إذا دعَوا إلى الله ورسوله ليحكمَ بينهم ، سمعوا وأطاعوا ، فبيَّنَ أنَّ هذا من لوازم الإيمان ، انتهى . وفيه بيانٌ أنَّ الإنسان قد يكفُرُ بكلمةٍ يتكلَّم بـها، أو عمـلٍ يعمل به ))(2) .
وقال في "الرَّوضة النَّديَّة" عند الباب السادس :"باب من يستحق القتل حداً":
((… ( والسَّاحر ) لكونِ عملِ السِّحر نوعاً من الكفر، ففاعلُه مرتدٌّ يستحقُّ ما يستحقُّه المرتدُّ …أقول : لا شكَّ أنَّ من تعلَّم السِّحر بعد إسلامه كان بفعل السِّحر كافراً مرتدَّاً وحدُّه حدُّ المرتدِّ…(والسابُّ لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسُّنَّة ، والطاعن في الدِّين) وكلُّ هذه الأفعال موجبةٌ للكفر الصَّريح ، ففاعلها مرتدٌّ حدُّه حدُّه ))(3) .
99. الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى السديريّ . ت:1329هـ
(( … فانظر إلى تفريقه – يعني شيخ الإسلام – بين المقالات الخفيَّة والأمور الظَّاهرة فقال في المقالات الخفيَّة التي هي كفرٌ : قد يقال : إِنَّه فيها مخطيءٌ ضالٌّ لم تقُمْ عليه الحُجَّة التي يكفُر صاحبها، ولم يقل ذلك في الأمور الظَّاهرةِ حكمُها مطلقاً وبما يصدرُ منها من مسلمٍ جهلاً كاستحلال محرَّمٍ أو فعلٍ أو قولٍ شركيٍّ بعد التَّعريف ولا يكفُر بالأمور الخفيَّة جهلاً كالجهل ببعض الصِّفات فلا يكفر الجاهل بها مطلقاً وإن كان داعيةً ))(1) .
100. علامة الشَّام محمَّد جمال الدِّين القاسميّ . ت:1332هـ
قال في تفسير قوله تعالى : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (2): ((قال في "الإكليل": قال الكيا: فيه دلالة على أنَّ اللاَّعِب والجادَّ في إظهار كلمةِ الكفر سواءٌ ، وأنَّ الاستهزاء بآيات الله كفرٌ ))(3) .
101. محمَّد أنور شاه الكشميريّ .ت : 1352هـ
قال في إكفار الملحدين نقلاً عن "شرح الشفا" للخفاجي موافقاً له:


((ولهذا أي للقولِ بكفر من خالف ظاهرَ النُّصوص والمجمعَ عليه؛ نُكفِّر من لم يُكفِّر من دانَ بغير ملَّة الإســلام من المِلَلِ أو وقف فيهم ، أي توقَّف وتردَّد في تكفيرِهم ، أو شكَّ في كفرهم ، أو صحَّح مذهبهـم ، وإنْ أظهر الإسلامَ واعتقده واعتقدَ إبطالَ كلّ مذهبٍ سواه ، فهو – أي من لم يكفر وما بعده – كافرٌ ، بإظهار ما أظهر من خلافِ ذلك – أي ما يخالف الإسلام ، لأنَّه طعنٌ في الدِّين ، وتكذيبٌ لما ورد عنه من خلافِه – وكذلك – أي كتكفير هؤلاء – يُقطع ويُجزَم بتكفير كلِّ من قال قولاً صدر عنه يتوسَّل به إلى تضليل الأمَّة – أي كونها في الضَّلال عن الدين والصِّراط المستقيم . ويؤدِّي إلى تكفير جميع الصَّحابة ، كقول الطائفة الكميلية من الرَّافضة بتكفير جميع الأمَّة بعد موت النبيِّ  إذ لم تقدِّم عَلِيَّاً ، وكفَّرت علِيَّاً إذْ لم يتقدَّم ولم يطلب حقَّه في التَّقديم ، فهؤلاء قد كفروا من وجوهٍ : لأنَّهم بمـا قالوه أبطلوا الشريعة بأسرِها ، وكذلك - أي كما كفَّرْنا هؤلاء - نكفِّر بكلّ فعلٍ فعله شخصٌ مسلـمٌ ، أجمع المسلمون على أنَّه - أي ذلك الفعل - لا يصدر إلاَّ من كافرٍ حقيقةً ، لأَنَّه من جنس أفعالهم ، وإنْ كان صاحبه - أي مَنْ صدَرَ منه - مسلماً مصرِّحاً بالإسلام مع فعلِه ذلك الفعل)). "شرح الشفاء للخفاجي" ملتقطاً ملخصاً ومثله في " شرح الملاَّ عليّ القاري" سواء ))(1) .

وقال : ((والحاصل أنَّ من تكلَّم بكلمة الكفرِ هازلاً أو لاعباً كفر عند الكلِّ ولا اعتبارَ باعتقاده ، كما صرَّح به في "الخانيَّـه" و"ردِّ الـمحتار" ))(1) .
وقال: ((اتَّفقوا في بعض الأفعال على أَنَّها كفرٌ ، مع أَنَّه يمكن فيها أنْ لا ينسلخ من التَّصديق ، لأَنَّها أفعالُ الجوارح لا القلبَ ، وذلك كالهزل بلفظِ كفرٍ ، وإِنْ لم يعتقده ، وكالسُّجود لصنمٍ ، وكقتل نبيٍّ ، والاستخفاف به ، وبالمصحفِ ، والكعبةِ ، واختلفوا في وجهِ الكفر بها بعد الاتِّفاق على التكفير))(2) .
102. إبراهيم بن محمَّد بن ضويان (الحنبليّ). ت:1353هـ
((ويحصل الكفر بأحد أربعة أمورٍ : بالقولِ كسبِّ الله تعالى أو رسوله أو ملائكته …، وبالفعلِ كالسُّجود للصَّنم كشمسٍ وقمرٍ وشجرٍ وحجرٍ وقبٍر لأَنَّه إشراكٌ بالله تعالى وكإلقاءِ المصحف في قاذورةٍ…، وبالاعتقاد كاعتقاده الشِّرك له تعالى أو الصَّاحبةَ أو الولدَ لقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ(3) الآية ، أو أَنَّ الزِّنى والخمر حلالٌ أو أنَّ الخبزَ حرامٌ ونحو ذلك مما أُجمع عليه إجماعاً قطعيَّاً لأنَّ ذلك معاندةً للإسلامِ وامتناعاً من قبول أحكامه ومخالفةً للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمَّة،وبالشكِّ في شيءٍ من ذلك أي في تحريم الزِّنى والخمر أو في حلِّ الخبز ونحوِه ))(1) .
103. السيد محمَّد رشيد رضا . ت :1354هـ
قال في تفسير قوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّل عَليْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ(64) وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ(66) (2)
((والمعنى أنَّ الله تعالى نبَّأَ رسوله بما كان يقوله هؤلاء المنافقون في أثناء السَّير إلى تبوك من الاستهزاء بتصدِّيه لقتال الرُّوم الَّذين ملأَ صيتُهم بلاد العرب بما كان تجَّارهم يرَوْنَ من عَظَمَةِ مُلكِهم في الشَّام إذْ كانوا يرحلون إليها في كل صيفٍ ، نبَّأه نبأً مؤكَّداً بصيغة القَسَم أنَّه إِنْ سألهم عن أقوالهم هذه يعتذرون عنها بأَنَّهم لم يكونوا فيها جادِّين و لا مُنْكِرين، بل هازلين لاعبين ، كما هو شأن الذين يخوضون في الأحاديث المختلفة للتَّسلي والتلهِّي ، وكانوا يظنُّون أَنَّ هذا عذرٌ مقبولٌ لجهلهم أَنَّ اتِّخاذ أمور الدِّين لعِباً ولهواً ، لا يكونُ إلاَّ ممَّن اتَّخذه هُزُواً ، وهو كفرٌ محضٌ ، ….. فإنْ قيلَ : ظاهرُ هذا أَنَّهم كانوا مؤمنين فكفروا بهذا الاستهزاء الذي سمّوه خوضاً ولَعِباً ، وظاهرُ السِّياق أنَّ الكفرَ الَّذي يسِّرُّونَه ، هو سببُ الاستهزاء الذي يعلنونه ؛ قلنا: كلاهما حقٌّ ، ولكلٍّ منهما وجهٌ ، فالأوَّل : بيانٌ لحكم الشَّرع وهو أنَّهم كانوا مؤمنين حكماً، فإنَّهم ادَّعوا الإيمان ، فجرت عليهم أحكامُ الإسلام ، وهي إنَّما تبنى على الظواهر ، والاستهزاء بما ذُكِرَ عمل ظاهر يقطع الإسلام ويقتضي الكفرَ ، فبه صاروا كافرين حكماً ، بعد أن كانوا مؤمنين حكماً، والثاني : وهو ما دلَّ عليه السِّياق هو الواقع بالفعل ، والآية نصٌّ صريح في أنَّ الخوضَ في كتاب الله وفي رسوله وفي صفاتِ الله تعالى ووعده ووعيده وجعلِها موضوعاً للَّعِب والهُزْء ؛ كلَّ ذلك من الكفر الحقيقيِّ الذي يخرج به المسلم من الملَّة وتجري عليه به أحكامُ الرِّدَّة ، إلاَّ أنْ يتوبَ ويجدِّدَ إسلامَه ))(1) .
104. العلاَّمة عبد الرَّحمن بن ناصر بن سعديّ. ت:1376هـ
قال في "القول السديد" : ((وإذا ثبت أَنَّ الذَّبح لله من أجلِّ العبادات وأكبر الطَّاعات ، فالذَّبحُ لغير الله شركٌ أكبُر مخرجٌ عن دائرة الإسلام . فإنَّ حدَّ الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده : (أن يصرِفَ العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله) فكـلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ ثبت أنَّه مأمورٌ به من الشَّارع فصرفُه لله وحده توحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ ، وصرفُه لغيره شركٌ وكفرٌ. فعليك بهذا الضَّابط للشِّرك الأكبر الَّذي لا يشذُّ عنه شيءٌ ))(1) .
105. الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي. ت:1377هـ
قال في "أعلام السنة المنشورة":
((س : إذا قيل السُّجود للصَّنم والاستهانة بالكتاب وسبُّ الرسول والهَزْلُ بالدِّين ونحو ذلك هذا كلُّه من الكفر العمليِّ فيما يظهر، فلِمَ كان مخرجاً من الدِّين وقد عرَّفتم الكفرَ الأصغر بالعمليّ ؟
ج : اعلمْ أنَّ هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العمليّ إلاَّ من جهة كونها واقعةً بعمل الجوارح فيما يظهرُ للنَّاس ، ولكنَّها لا تقع إلاَّ مع ذهاب عملِ القلب من نيَّتِه وإخلاصه ومحبَّته وانقياده لا يبقى معها شيءٌ من ذلك ، فهي وإنْ كانت عمليَّةً في الظَّاهر فإِنَّها مستلزِمَةٌ للكفر الاعتقاديّ ولابدّ ، ولم تكن هذه لتقعَ إلاَّ من منافقٍ مارقٍ أو معاندٍ مارد، وهل حمل المنافقين في غزوة تبوك على أَنْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لمْ يَنَالُوا إلاَّ ذلك مع قولهم لمَّا سئلوا إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قال الله تعالى : قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، ونحن لم نعرِّف الكفر الأصغر بالعمليّ مطلقاً ، بل بالعمليّ المَحْضِ الَّذي لم يستلزم الاعتقادَ ولم يناقض قولَ القلب ولا عملَه ))(1) .
106. الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ . ت:1389هـ
قال في شرحه "لكشف الشبهات":
(( (فإنَّك إذا عرفت أنَّ الإنسان يكفر بكلمةٍ) واحدةٍ (يخرجها من لسانه) دون قلبه ))(2) .
وقال أيضاً:
(( (إذا كان الأوَّلون لم يكفَّروا إلاَّ لأنَّهم جمعوا بين الشِّرك وتكذيب الرَّسول  والقرآن) يعني تكذيبَه (وإنكارِ البعث ، وغيرِ ذلك ، فما معنى الباب الَّذي ذكر العلماء في كلِّ مذهبٍ ؟) المذاهب الأربعة وغيرها (باب حكم المرتدِّ) وعرَّفوه بتعاريف (وهو المسلم الَّذي يكفر بعد إسلامه) فهذا المذكورُ في هذا الباب إجماعٌ منهم أنَّه يخرج من المِلَّة ولو معه الشَّهادتان ، لأجل اعتقادٍ واحد أو عملٍ واحد أو قولٍ واحد ، يكفي بإجماع أهل العلم لا يختلفون فيه ، وأنَّه ليس المرتدُّ الَّذي يخرج عن الإسلام بالمرَّة(1) ، بل هو قسمٌ والقسم الآخرُ هو ما تقدَّم ( ثم ذكروا أنواعاً كثيرة) ومثَّلوا له أمثلةً (كل نوعٍ منها يكفِّر ، ويحلُّ دمَ الرَّجل وماله) وقالوا: من قال كذا أو اعتقد كذا فهو كافر ، وأَنَّه لا ينفعه جميع ما عمِل به (حتى إِنَّهم ذكروا أشياءَ يسيرةً عند من فعلها ، مثل كلمةٍ يذكرها بلسانه دون قلبه ، أو كلمةٍ يذكرها على وجه المزح واللَّعِب) حتى إِنَّ بعض أهل المذاهب يكفِّرون من صغَّر اسم المسجد أو المصحف(2) ، و ما ذكروه وعرفوه هو في الجملة : يوجد أشياء يكون بها الإنسان مرتدَّاً ولو نطق بالشَّهادتين وصلَّى، بل ولو أضاف إلى ذلك ترك المحرَّمات وأتى بمكفِّر هدم جميع ما معه من الإسلام ، فإِنَّ وجود المكفِّرات التي يصير بها الرَّجل مرتدَّاً كثيـرةٌ لا تُحْصَـر ))(1) .
وقال أيضاً : (( (وأمَّا غير هذا ، فقد كفر بعد إيمانه ، سواءً فعله خوفاً ، أو مداراةً ، أو مشحَّةً بوطنه ، أو أهله ، أو عشيرته ، أو ماله ، أو فعله على وجه المزْحِ ، أو لغير ذلك من الأغراض إلاَّ المُكْرَه . والآية تدلُّ على هذا) أنَّ التَّوحيد لابدَّ أنْ يكون بالقلب واللِّسان والعمل (من جهتين : الأولى قوله : إلاَّ من أُكْرِهَ فلم يستثن الله إلا المكره. ومعلومٌ أنَّ الإنسان لا يُكْرَه) لا يُتصَّور في حقِّه الإكراه إلاَّ بهذين الأمرين (إلاَّ على العمل أو الكلام.وأمَّا عقيدةُ القلب فلا يُكْرَه أحدٌ عليها) فإذا فعل أو صدَرَ منه الكفرُ فإِنَّه كافر بعد إيمانِه (والثانية) تقدَّم قول المصنِّف أنَّها تدلُّ على ما قرَّره من جهتين وتقدَّمت الجهة الأولى وهذه الثانية (قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الباء للسَّبب ، يعني : ذلك بسبب محبتهم الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ يعني الجنَّة (فصرَّح أنَّ هذا الكفر والعذاب) المحكومَ به عليهم في هذه الآية والمترتِّب على ما صدَر منهم (لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل ، أو البُغض للدِّين ، أو محبَّة الكفر ، وإِنَّما سببه) أي صدور الكفر منه ، أنَّه تكلَّم بالكفر لسببٍ وهو أنَّ له في التكلُّم بالكفر شيئاً واحداً ، وهو ( أَنَّ له في ذلك حظَّاً من حظوظ الدُّنيا) يحصُل له فيرتكب هذا المحظورَ لأجل أنَّه لا يحصل له مطلوبَه إلاَّ – والعياذ بالله – بإيثار الحياةِ الدُّنيا (فآثره على الدِّين) على الآخرة.
فالإِنسان الَّذي يُلجِئُه من يُلجِئُه إلى أَنْ يصدُرَ منه الكفرَ له حالاتٍ :
أحدها : أَنْ يمتنِعَ ويصبرَ عليها ، فهذه أفضل الحالات.
الثانية : أنْ ينطِق بلسانِه مع اعتقاد جَنانه الإيمانَ ، فهذا جائزٌ.
الثالثة : أنْ يُكره فيجيبُ و لا يطمئنُّ قلبَه بالإيمان ، فهذا غير معذورٍ وكافرٌ.
الرابعة : أنْ يُطلَب منه و لا يُلجأ ، فيجيب ما وصل إلى حدِّ الإكراهِ ولكن يوافق بلسانِه وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهذا كافرٌ .
الخامسة : أنْ يُذكَر له ولا يصل إلى حدِّ الإكراه ، فيوافق بقلبه و لسانه ، فهذا كافرٌ ))(1) .
وحكم الشيخ برِدَّة من تلفَّظ بكلمةِ الكفر وقال " أنا مسيحيٌّ " رغم أنَّه قالها عِناداً وغضباً ولم يعتقدْها . ففي فتاوى ورسائل الشيخ :
(3906) – ((رِدَّة من قال : هو مسيحيٌّ …
من محمَّد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السموِّ الملكي أمير الرياض المحترم…

السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد :
فنرفق لسموِّكم بهذا ما وردَنا من فضيلة الشَّيخ محمد بن مهيزع المشفوع بشهادات بعض نوَّاب وجماعة مسجد العسيلة وتزكية الشُّهود المذكورين بشأنِ قضيَّةِ عبد الله بن سليمان…
ونشعِر سموَّكم أنَّنا لمَّا رأينا أنَّ المسألة عظيمةٌ لا يُستهان بها أمرنا بإحضار عبد الله بن … المذكور مع الَّذين شهِدوا عليه فحضروا إلينا جميعاً ، وأدَّوا الشهادة أمامنا بحضوره . حاصله : أنَّهم نصحوه عن التَّخلف عن صلاة الجماعة ، وأنَّه عاند ولم ينتصَّح ، وكانت إجابته : أنا حرٌّ أصلِّي في بيتي ، أو في المسجد ، أو لا أصلِّي ، وبعدْ ، أنا أهوى النَّار لنفسي فما تطلبون منِّي ؟ فقالوا له : نحن ما نهوى لك النار ، وأنـت مسلم . فقال : وإذا قلت: إنَّني مسيحيّ . فقالوا له : لست بمسيحيٍّ إنْ شاء الله . فقال: أنا مسيحيّ . وبسؤال عبد الله عن ما شهدوا به عليه أجابَ بأنَّه ساكنٌ في محلَّة البويبية ومن جماعة مسجد البويبية وليس من جماعة مسجد العسيلة ، وأنَّ هؤلاء الأشخاص متغرِّضين لي ، وقد جاءني رجل منهم سابقاً ، وأخيراً جاءوني تلك الليلة فاعتذرْتُ منهم بأنَّني رجلٌ موظَّفٌ ربَّما أكون في الخفارة أو في تحقيقات جنائية ، وفعلاً كنت تلك اللَّيلة في تحقيقات ما رجعت منها إلى بيتي إلاَّ السَّاعة تسعة تقريباً فرقدت، وبعد صلاة الفجر جاءوا إلى بيتي وأخذوا يدقُّون الباب وينفضونه بقوَّة ممَّا أفزع زوجتي وتركت ولدها وجاءتْني فَزِعَة ، فانتبهْتُ وخرجتُ إليهم، فما كان منهم إلاَّ أنْ تكلَّموا علي وقالوا لي : يا حمار ما تصلِّي . فأجبتهم بأنِّي أصلِّي والصَّلاة لله ، ولست بمسيحيٍّ أترك الصَّلاة ، بل أنا مسلمٌ أصلِّي لله ولا أصلِّي خوفاً من أحدٍ ، وأنَّ كلَّ ما نسبوه إليَّ خلاف هذا فلا صحَّة له . وبعد سماع كلامهم تقرَّر توقيف المذكور لَبينما يحضر من يزكِّي الشهودَ ، فحضر من زكَّاهم وثبتت عدالتهم فأحضرناه وبينَّا له أنَّ ما شهد به الشُّهود قد ثبت عليه ثبوتاً شرعياً ، وأَنَّه قد أُدين بتلك الكلماتِ(1) الوَخيمةِ الَّتي صدرت منه ، وأنَّ هذا يُعتبر رِدَّةً صريحةً تخرِجه من الإسلام وتهدِر دمه إنْ لم يتُبْ منها ويظهر التَّوبة والنَّدم والاستغفار والعزم على أَنْ لا يعودَ إلى ما قاله أبداً ، لأَنَّه والعياذ بالله قد خلع رِبقةَ الإسلام من عنقه بقولِه : أنا مسيحيٌّ . وارتدَّ بذلك من الإسلام إلى دين النَّصرانيَّة ، مع مجاهرته بردِّ الحقِّ ، واحتقارِ من قام به ، واستخفافه بأمرِ الصَّلاة الَّتي هي عمود الإسلام ، ومع ما في قوله : إنَّه يهوى النَّار من عدم إيمانه بالجزاء أو الاستخفاف به ، وكلُّ هذه جرائمُ متكررةٌ ، وقد وعظْناه واستَتَبْناه فتابَ إلى الله واستغفر وأظهر التَّوبة والنَّدم على ما بدَرَ منه ، فبلَّغناه بأنَّ عليه أنْ يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله ، وأنْ يتبَّرأ من كلِّ دينٍ يخالف دينَ الإسلام ، ففعل ذلك، وأخبرنَاه بأنَّ عليه أنْ يغتسل غسلَ الإسلام ، وأوصيناه بالمحافظة على شرائع الإسلام ومن ضمْنِها صلاة الجماعة . فاستعدَّ لذلك كلِّه ، فعليه سقط عنه القتل بالتَّوبة ، ولكن نظراً لأَنَّه تجرَّأ على أمرٍ عظيمٍ وهو بين ظهرانيّ المسلمين فإنَّ عليه التعزير البليغ بالضَّرب والحبس بما يراه وليُّ الأمر ليكون زجراً له وردْعاً لأمثاله، ويحضر التَّعزير مندوبٌ من هيئة الأمر بالمعروف.والله يحفظكم))(1) .
وجاء في رسالةٍ أخرى:
(3907) – ((طلب الانضمام إلى الدين المسيحي وقال إنه يتسلى بذلك)):
من محمَّد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السموِّ الملكي أمير منطقة الرِّياض سلَّمه الله…
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد:
فبالإشارة إلى المعاملة المرفوعة إلينا من المحكمة الكبرى بالرِّياض برقم 4259/1 وتاريخ 20/8/1385 بخصوص قضية السَّجين عليّ .. الَّذي طلب برسالته الموجَّهة إلى صوت الإنجيل الانضمام إلى الدِّين المسيحيِّ .
فقد جرى منَّا الاطلاع عليها وعلى التَّحقيق المجرى معه من قِبَل الاستخبارات العامّة
ونفيد سموَّكم أنَّما صدر منه يعتبر رِدَّةً والعياذ بالله ، ولكن قال في جوابه المرفق بالمعاملة بأنَّه يتسلَّى بما كتب ويقطع فراغه بهذا وأمثالِه وهو باقٍ على دينه الإسلام وعلى اعتقاده

فيه ، فلقد سبقه في هذا الجواب منافقون قالوا دون ما قال ، واعتذروا لرسول الله  بأنَّهم كانوا يخوضون ويلعبون ، وأنَّهم لا يعنون ما قالوه ؛ فأنزل الله في حقِّهم قوله تعالى : قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ…
فيتعيَّن إحضار المذكور لدى المحكمة ، وتعاد استِتَابتُه لدى فضيلة رئيسها وتلفُّظُه بالشهادتين ، ومن ثم يؤكَّد عليه وجوب الاغتسال نتيجة الارتداد والعياذُ بالله ، ثمَّ التَّوبة . كما أنَّه ينبغي تعزيره بالسِّجن فقط ، نظراً لمرضه وضعف حاله عن تحمُّل الجزاء بالضَّرب ، ويلاحظ في سجنه عدم التضييقِ عليه . وبالله التوفيق . والسَّلام عليكم ))(1) .
107. العلاَّمة محمَّد الأمين الشنقيطي.ت:1393هـ
قال في " أضواء البيان" عند تفسير قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ (2).
((اعلم أنَّ عدم احترام النَّبي  المشعرُ بالغضِّ منه أو تنقيصِه  والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردَّةٌ عن الإسلام وكفرٌ بالله )).
وفي تفسير قوله تعالى: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا (3)قال:

(( وذكر غيرُ واحدٍ من أهل العلم أنَّ من قذف أُمَّ النبيّ أو قذفه هو  أنَّ ذلك ردّةٌ ، وخروجٌ من دين الإسلام، وهو ظاهـرٌ لا يـخفى )).
108. اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء (بالسعودية):
(( س : يقال إِنَّ الرِدَّة قد تكون فعليَّة أو قوليَّة فالرَّجاء أنْ تبيِّنوا لي باختصارٍ واضحٍ أنواع الرِّدَّة الفعليَّة والقوليَّة والاعتقاديَّة؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه..وبعد:
جـ : الرِّدَّة هي الكفر بعد الإسلام وتكون بالقول والفعل والاعتقاد والشكِّ ، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيَّتَه أو وحدانيَّته أو صفةً من صفاته أو بعض كتبه أو رسله أو سبَّ الله أو رسولَه أو جحد شيئاً من المحرَّمات المجمَعِ على تحريمها أو استحلَّه أو جحد وجوب ركنٍ من أركان الإسلام الخمسة أو شكَّ في وجوب ذلك أو في صدق محمَّد أو غيره من الأنبياء أو شكَّ في البعث أو سجد لصنمٍ أو كوكبٍ ونحوه فقد كفر وارتدَّ عن دين الإسلام . وعليك بقراءة أبواب حكم الرِّدَّة من كتب الفقه الإسلامي فقد اعتنَوا به رحمهم الله . وبهذا تعلم من الأمثلة السَّابقة الرِّدَّة القوليَّة والعملية والاعتقاديَّة وصورة الرِّدَّة في الشكِّ ))(1) .

وجاء فيها أيضاً:
(( س : اعتبارهم تاركَ الصَّلاة كافراً كفراً عملياً والكفر العمليُّ لا يخرِجُ صاحبَه من المِلَّة إلاَّ ما استثنَوْه من سبِّ الله تعالى وما شابهه فهل تارك الصلاة مستثنىً وما وجه الاستثناء ؟
جـ : ليس كلُّ كفر عمليٍّ لا يخرج من ملَّة الإسلام ، بل بعضه يخرج من ملَّة الإسلام وهو ما يدلُّ على الاستهانة بالدِّين والاستهتارُ به كوضع المصحف تحتَ القدم وسبِّ رسول من رسل الله مع العلم برسالتِه ونسبة الولد إلى الله والسُّجود لغير الله وذبح قربانٍ لغير الله ))(1) .
وجاء في الفتوى رقم (20212) وتاريخ 7/2/1419هـ:
…((وأنَّ الكفر يكون بالقول والفعل والتَّرك والاعتقاد والشكِّ كما قامت على ذلك الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة ))(2) .
109. الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز(3):
((سبُّ الدِّين كفرٌ أكبر ورِدَّةٌ عن الإسلام والعياذُ بالله ، إذا سبَّ المسلم دينَه أو سبَّ الإسلام ، أو تنقَّص الإسلام وعابه أو استهزأ به فهذه رِدَّةٌ عن الإسلام ، قال الله تعالى : قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.
وقد أجمع العلماء قاطبةً على أنَّ المسلم متى سبَّ الدِّين أو تنقَّصَه أو سبَّ الرَّسول أو انتقصه أو استهزأ به ، فإنَّه يكون مرتدَّاً كافراً حلالَ الدَّم والمال ، يُسْتَتاب فإنْ تابَ وإلاَّ قتل ))(1) .
ومن ذلك استشهاده بكلام القرطبيّ وابن العربيّ والقاضي عياض موافقاً إيَّاهم بقوله:
((قال الإمام أبو عبد الله محمَّد بن أحمد الأنصاريّ القرطبيّ في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" عند تفسير هذه الآية ما نصُّه : قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يخلو أن يكونَ ما قالوه في ذلك – جِدَّاً أو هزلاً – وهو كيف ما كان كفرٌ ، فإنَّ الهزل بالكفرِ كفرٌ لا خلاف فيه بين الأمَّة )) انتهى المقصود.
وقال القاضي عياض بن موسى – رحمه الله – في كتابه "الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى" (ص 325) ما نصُّه : ((واعلم أنَّ من استخفَّ بالقرآن أو المصحف ، أو بشيءٍ منه ، أو سبَّهما أو جحده أو حرفاً منه أو آية ، أو كذَّب به أو بشيءٍ ممَّا صرَّح به فيه : من حكمٍ ، أو خبٍر ، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علمٍ منه بذلك ، أو شكَّ في شيءٍ من ذلك فهو كافرٌ عند أهلِ العلم بإجماعٍ ، قال الله تعالى : وَإِنَّهُ لكِتَابٌ عَزِيزٌ(41) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42)(1). انتهى المقصود ))(2) .
وفي مجلَّة الفرقان سُئل الشيخ عن الكفر العمليِّ المخرجِ من الملَّة فقال:
" الذَّبحُ لغيرِ الله ، والسُّجود لغير الله ،كفرٌ عمليٌّ مُخرجٌ من الملَّة، وهكذا لو صلى لغير الله أو سجد لغيره سبحانه ، فإنَّه يكفر كفراً عمليَّاً أكبر- والعياذ بالله – وهكذا إذا سبَّ الدِّين ، أو سبَّ الرَّسول ، أو استهزأ بالله ورسوله ، فإنَّ ذلك كفرٌ عمليٌّ أكبر عند جميع أهل السُّنَّة والجماعة ))(3) .
110. الشيخ محمَّد بن صالح بن عثيمين(4) :
(( سئل فضيلة الشيخ : عن شروط الحكم بتكفير المسلم ؟ وحكم من عمل شيئاً مكفِّراً مازحاً ؟
فأجاب – حفظه الله تعالى – بقوله : للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما : أنْ يقوم الدَّليل على أنَّ هذا الشيء مما يكفِّر.
الثاني : انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له ، فإن كان جاهلاً لم يكفر . لقوله تعالى : وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(1) وقوله :وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِل قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لهُمْ مَا يَتَّقُونَ (2) وقوله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (3) .
لكن إن فرَّط بترك التعلُّم والتبيُّن لم يُعذَر ، مثل أنْ يبلغَه أنَّ عمله هذا كفرٌ فلا يتثبَّت ، ولا يبحث فإنَّه لا يكون معذوراً حينئذٍ .
وإنْ كان غير قاصدٍ لعمل ما يكفِّر لم يكفُر بذلك ، مثل أنْ يُكره على الكفرِ وقلبه مطمئنُّ بالإيمان ، ومثل أنْ ينغلق فكرُه فلا يدري ما يقول لشدَّة فرحٍ ونحوه ، كقول صاحب البعير الذي أضلَّها ، ثم اضطجع تحت شجرةٍ ينتظر الموت فإذا بخطامِها متعلقاً بالشجرة فأخذه ، وقال : (اللَّهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك) أخطأ من شدَّة الفرح .
لكن من عمل شيئاً مكفِّراً مازحاً فإنَّه يكفر لأنَّه قصد ذلك ، كما نصَّ عليه أهل العلم ))(4) .
وفي "الـمجموع" أيضاً:
((وسُئِل – حفظه الله - : عن حكم من يمزح بكلامٍ فيه استهزاءٌ بالله أو الرَّسول  ، أو الدِّين ؟
فأجاب بقوله : هذا العمل وهـو الاستهزاء بالله أو رسوله  ، أو كتابه أو دينه ولو كان على سبيل المزْح ، ولو كان على سبيل إضْحاك القوم كفرٌ ونفاقٌ ، وهو نفس الذي وقع في عهد النبي  ، في الَّذين قالوا : "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغبَ بطوناً، ولا أكذبَ ألسُناً ، ولا أجبنَ عند اللِّقاء" . يعني رسول الله،  ، وأصحابَه القراء فنزلت فيهم : وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ))(1) .
111. الشيخ عبد الله بن عبد الرَّحمن الجبرين(2) :
قال في "الجواب الفائق في الرَّدِّ على مبدِّل الحقائق":
((فنحن نستدلُّ بفعل الإنسان على عقيدته ، فمتى رأينا شخصاً وقف عند قبر إنسانٍ معظَّمٍ في نفسه ، وخضع برأسِه ، وتذلَّل ، وأهطع ، وأقنع ، وخشع ، وخفَّض صوته ، وسكنت جوارحُه ، وأحضر قلبه ولبَّه، أعظم مما يفعل في الصَّلاة بين يديّ ربِّه عزَّ وجلَّ وهتف باسم ذلك المقبور ، وناداه نداء من وثق منه بالعطاء ، وعلَّق عليه الرَّجاء ونحو ذلك، فإنَّنا لا نشكُّ أنَّه والحالة هذه يعتقد أنَّه يعطيه سؤلَه ويدفع عنه السوءَ ، وأنَّه يستطيع التصرُّفَ في أمرِ الله ، ففعله هذا دليل سوء معتقده ، فلا حاجة لنا أن نسألَه : هل أنت تعتقد أنَّه يضرُّ وينفعُّ من غير إذنِ الله ؟ فالله تعالى ما كلَّفنا أن ننقِّب عن قلوب النَّاس ، وإنَّما نأخذهم بموجب أفعالهم وأقوالهم الظَّاهرة ، وهذا الشَّخص قد خالف قول الله تعالى : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ (1) .
وقد رأينا خشوعه وتذلُّلَه أمام هذا المخلوق الميِّت ، وذلك هو عين العبادة كما عرفنا، فنحكم عليه بموجب فعلهِ وقولهِ ، بأنَّه قد أشرك بالله وتألَّه سواه))(2) .
ثم قال في "ردِّه على مبدِّل الحقائق":
((ثالثاً : ثم قال الكاتب في الصفحة الثالثة في أول السطر التاسع : أمَّا من اعتقد فيمن يناديه بأنَّه من أهل العطاء ، وما ملَكَ إلاَّ بتمليك الله، ولا يتصرَّف إلاَّ بإذن الله فهو موحِّدٌ .. الخ .
فنقول : لا حاجة لنا في التَّنقيب عن معتقده ، الذي يقوم بقلبه فإنَّه أمرٌ خفيٌّ ، وقد يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، فنحن نأخذه بالظَّاهر فإنَّ أفعالَه تعبِّر عن ما في ضميره ولو حاول تغييرَه لم يستطِعْ ))(3) .
112. الشيخ صالح بن فوزان الفوزان(1) :
جاء في "المنتقى":
((فضيلة الشيخ صالح الفوزان وفَّقه الله لما يحبُّه ويرضاه السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد ..
فقد كثُر الكلام في الآونة الأخيرة بين طَلَبَة العلم حول مسألةٍ مهمَّةٍ تتعلَّق بأصل الدِّين ، وسأذكر بعض الأقوال الَّتي أرجو من الشيخ أنْ يبيِّن هل هي موافقة لعقيدة أهـل السُّنَّة والجماعة ، أم أنَّ فيها شيئاً من الخلل :
1 - قول بعض النَّاس : (إنَّ عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ العمل شرط في كمال الإيمان وليس شرطاً في صِحَّة الإيمان) ، مع أَنَّه من المعلوم أنَّ الإيمان عند أهلِ السُّنَّة قولٌ وعملٌ ، وأنَّه لا إيمانَ إلاَّ بعملٍ كما صرَّح بذلك بعضٌ أئمَّة السَّلف .
2 - قول بعض النَّاس : (إنَّ الكفر المخرِجَ من المِلَّة هو الكفر الاعتقاديُّ فقط ، أمَّا العمل فلا يخرج من المِلَّة إلاَّ إذا كان يدلُّ على اعتقادٍ كالسجود لصنمٍ مثلاً ، فإنَّه يعتبر كفراً لأنَّه يدلُّ على عقيدةٍ في الباطن لا لمجرَّد السُّجود فقط ، ومثله سبُّ الله أو الاستهزاء بالدِّين أو نحوِ ذلك .. فلا يكفر الإنسان بعملٍ مهما كان ) .
أرجو من الشيخ – وفَّقه الله – أنْ يتفضَّل ببيان ما في هاتين المقالَتين من الحقِّ أو الباطل ؟
سائلاً الله تعالى أنْ يوفِّقَه للصَّواب ، وأنْ ينفَعَ به الإسلام والمسلمين.
وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه.
الجواب :
1- القول الأول : هو قول مرجئةِ أهلِ السُّنَّة وهو خطأٌ ، والصَّواب أنَّ الأعمال داخلةٌ في حقيقة الإيمان فهو اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ يزيد بالطَّاعة ، وينقص بالمعصية ، وهذا قول جمهور أهل السُّنَّة لأنَّ الله سمَّى الأعمال إيماناً كما في قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَليْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيـمَانَاً (1)الآيتين. وقال النبي : (الإيمانُ بضعٌ وسبعونَ شعبة) الحديث(2) .
2- هذا في الغالب وهناك أعمال تخرج من الملَّة كترك الصَّلاة تكاسُلاً وكالسِّحر تعلُّمه وتعليمَه ، ومن نطق بكلمة الكفر مختاراً ، وكلُّ عملٍ لابدَّ أنْ يصاحبه قصدٌ ، فلا يعتدُّ بعمل النَّاسي والنَّائم والصغير والمجنون والمكره لعدم القصد . هذا وأنصحُ لهؤلاء أنْ يتعلَّموا قبل أنْ يتكلَّموا لأنَّ الكلام في مثل هذه المسائل خطيرٌ ، ويحتاج إلى علمٍ ))(3) .
وقال أيضاً إجابةً على سؤالٍ:
"وما فعلتَه فيما ذكرته في السُّؤال من أنَّك ذهبت وغيَّرت من مسمـَّى الديانة إلى ديانة غير الإسلام لتحصل على عملٍ ، فهذا شيءٌ خطيرٌ ، ويعتبر رِدَّة عن دين الإسلام ؛ لأنَّك فعلت هذا ، وتظاهرت بغيرِ دين الإسلام ، وانتسبت إلى غير دين الإسلام ، والمسلم لا يجوز له ذلك ، ويجــب عليه أنْ يتمسَّك بدينه ، وأنْ يعتزَّ بدينه ، وأنْ لا يتنازل عنه لطمعٍ من أطماع الدُّنيا ، فالله سبحانه وتعالى لم يستَثْنِ في أنْ يتلفَّظ الإنسان بشيءٍ من ألفاظ الكفر ؛ إلاَّ في حالة الإكراه الملجئ ؛ كما في قوله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ(1)  .
فأنت تظاهرْتَ بغير دين الإسلام وانتسبْتَ لغير دين الإسلام لأجل الدُّنيا وطمع الدُّنيا ، لم تصل إلى حدِّ الإكراه الذي تُعْذَر به ؛ فالواجب عليك التَّوبة إلى الله سبحانه وتعالى ، والمبادرة إلى تغيير هذا الانتساب ، والمبادرة إلى كتابة الدِّيانة الإسلامية في ورقةِ عملِك ، مع التَّوبة إلى الله سبحانه وتعالى ، والنَّدم على ما فات ، والعزم على أنْ لا تعودَ لمثل هذا الشَّيء ؛ لعلَّ الله أنْ يتوبَ علينا وعليك ))(1) .
وقال في "الإرشـاد" :
((ففي هاتين الآيتين الكريمتين مع بيان سببِ نزولهما دليلٌ واضحٌ على كفر من استهزأ بالله ، أو رسولِه ، أو آيات الله ، أو سنَّة رسوله ، أو بصحابة رسولِ الله ، لأنَّ من فعل ذلك فهو مستخفٌّ بالرُّبوبيَّة والرِّسالة وذلك منافٍ للتَّوحيد والعقيدة ، ولو لم يقصِد حقيقة الاستهزاء، ومن هذا الباب الاستهزاءُ بالعلم وأهله وعدمُ احترامهم أو الوقيعةُ فيهم من أجل العلم الذي يحملونه ، وكون ذلك كفرٌ ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء ؛ لأنَّ هؤلاء الِّذين نزلت فيهم الآيات جاءوا معترفين بما صدَر منهم ومعتذرين بقولهم : إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي لم نقصد الاستهزاء والتَّكذيب وإنَّما قصدنا اللَّعِب ، واللَّعِـب ضد الجدِّ فأخبرهم الله على لسان رسوله  أنَّ عذرَهم هذا لا يغني من الله شيئاً ، وأنَّهم كفروا بعد إيمانِهم بهذه المقالة الَّتي استهزءوا بها ، ولم يقبل اعتذارَهم بأنَّهم لم يكونوا جادِّين في قولهم ، وإنَّما قصدوا اللَّعِب ولم يزِدْ  في إجابتهم على تلاوةِ قول الله تعالى : أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُـمْ (2) ؛ لأنَّ هذا لا يدخله المزح واللَّعِبُ ، وإنَّما الواجب أنْ تُحْتَرم هذه الأشياءُ وتُعظَّم ، وليخشع عند آياتِ الله إيماناً بالله ورسوله وتعظيماً لآياته . والخائض الَّلاعب منتقصٌ لها … قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله : فقد أخبر أنَّهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم : إنَّما تكلَّمْنا بالكفر من غيرِ اعتقادٍ له ، بل إنَّما كنَّا نخوضُ ونلعب ، وبيَّن أنَّ الاستهزاء بآياتِ الله كفرٌ ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدراً بهذا الكلام ، ولو كان الإيمان في قلبه لمنعَه أنْ يتكلَّم بهذا الكلام ، والقرآن يبيِّن أنَّ إيمانَ القلب يستلزم العملَ الظَّاهر بحسبه ))(1) .
وقال أيضاً:
((…وأمَّا الكفر فهو الامتناعُ من الدُّخول في الإسلام أو الخروج منه واختيارُ دينٍ غير دين الله إمَّا تكبُّراً وعناداً ، وإمَّا حميَّةً لدين الآباء والأجداد وإمَّا طمعاً في عرَضٍ عاجل من مالٍ أو جاهٍ أو منصبٍ… ويكون الكفر بالعمل كالذَّبح لغير الله والسُّجود لغير الله وعمل السِّحر وتعلُّمه وتعليمِه كما قال تعالى : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالمِينَ(162) لا شَرِيكَ لهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163) (2) يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لعَلكُمْ تُفْلِحُونَ (3) فمن صرف شيئاً من هذه الأعمال لغير الله فإنَّه يكون مشركاً كافراً يعامَل معاملةَ الكفَّار إلاَّ أنْ يتوبَ إلى الله . وقال في السِّحر: وَمَا كَفَرَ سُليْمَانُ وَلكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (1) إلى غير ذلك من أنواع الكفر الَّذي يكون بالقول والفعل كما يكون بالاعتقادِ والشكِّ والتردُّدِ كما قال تعالى : وَدَخَل جَنَّتَهُ ... الآية. فلا يكون الكفر بالتَّكذيب فقط . ثمَّ إنَّه قد يكون الكافر كافراً أصليَّاً لم يدخل في الإسلام أصلاً . وقد يكون كافراً كفر رِدَّة إذا دخل في الإسلامِ ثمَّ ارتكب ناقضاً من نواقضِه الَّتي هي من أنواع الكفرِ ، سواءً كان جادَّاً أو هازلاً أو قاصداً الطَّمع من مطامع الدنيا من الحصول على مالٍ أو جاهٍ أو منصِبٍ إلاَّ من فعل شيئاً من ذلك أو قالَه مكرهاً بقصد دفع الإكراه مع بقاء قلبه على الإيمان كما قال تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(107) أُوْلئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ(109) (2) ))(3) .
وقال في شرحه لـ "كشف الشبهات":
((فالحاصل أنَّ الَّذي يتكلَّم بكلمة الكفر لا يخلو من أربع حالاتٍ :
الحالة الأولى: أنْ يكون معتقداً ذلك بقلبه فهذا لا شكَّ في كفره .
الحالة الثانية: أنْ لا يكون معتقداً بذلك بقلبه ولم يُكره على ذلك، ولكن فعله من أجل طمع الدُّنيا أو مداراة النَّاس وموافقتهم، فهذا كافر بنصّ الآية: ذَلِكَ بِأَنَّهُم اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيا عَلَى الآخِرَةِ، وكذلك في فعل الكفر والشِّرك موافقة أهله وهو لا يحبُّه ولا يعتقدُه بقلبه وإنَّما فعله شحّاً ببلده أو ماله أو عشيرته .
الحالة الثالثة: أنْ يفعل ذلك مازحاً ولاعباً كما حصل من النَّفر المذكورين .
الحالة الرابعة: أَنْ يقولَ ذلك مُكْرهاً لا مختاراً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهذا مرخَّصٌ له في ذلك دفعاً للإكراه، وأمَّا الأحوال الثلاثة الماضية فإنَّ صاحبها يكفر كما صرَّحت به الآيات، وفي هذا ردٌّ على من يقول إنَّ الإنسان لا يُحْكَم عليه بالكفر ولو قال كلمة الكفر أو فعل أفعال الكفر حتّى يُعلَم ما في قلبه، وهذا قولٌ باطلٌ مخالفٌ للنُّصوص ))(1) .
113. الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد(1):
قال في "درء الفتنة":
(( … وأنَّ الكفر يكونُ بالاعتقاد وبالقول وبالفعل وبالشكِّ وبالتَّرك ، وليس محصوراً بالتَّكذيب بالقلب كما تقوله المرجئة ، ولا يلزم من زوالِ بعض الإيمان زوالِ كلِّه كما تقوله الخوارج ))(1) .
وقال :
((للحكم بالرِّدَّة والكفر موجباتٌ وأسبابٌ هي نواقض الإيمان والإسلام ، من اعتقادٍ ، أو قولٍ ، أو فعلٍ ، أو شكٍّ ، أو ترك ، ممَّا قام على اعتباره ناقضاً الدليلُ الواضحُ ، والبرهانُ السَّاطع من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع ))(2) .
وقال بعد أن ضرب أمثلةً لكفرِ الأقوال والأعمال :
((فكلُّ هؤلاء قد كفرَّهم الله ورسوله بعد إيمانهم بأقوالٍ وأعمالٍ صدرت منهم ولو لم يعتقدوها بقلوبِهم ؛ لا كما تقول المرجئة المنحرفون، نعوذ بالله من ذلك ))(3) .
114. "الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة":
((التَّكفير بالقول :
اتَّفق العلماءُ على تكفير من صدر منه قولٌ مكفِّرٌ ، سواءً أقاله استهزاء ، أم عناداً ، أم اعتقاداً لقوله تعالى : قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (1)))(2) ….
(( التَّكفير بالعمل :
نصَّ الفقهاء على أفعالٍ لو فعلها المكلَّف فإنَّه يكفر بها ، وهي كل ما تعمَّده استهزاءً صريحاً بالدِّين أو جحوداً له ، كالسُّجود لصنمٍ أو شمسٍ أو قمرٍ ، فإنَّ هذه الأفعالُ تدلُّ على عدم التَّصديق(3) ، وكإلقاء المصحف في قاذورةٍ ، فإنَّه يكفر وإنْ كان مصدِّقاً ، لأنَّ ذلك في حكم التَّكذيب، ولأنَّه صريحٌ في الاستخفاف بكلام الله تعالى ، والاستخفافُ بالكلام استخفافٌ بالمتكلِّم ))(4) .
تم الكتاب والحمد لله على الإسلام والسنة
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* * *