المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدرس الثاني في شرح الرحبية ( المقدمة)


أبو خالد السلمي.
24-06-03, 10:19 AM
الدرس الثاني في شرح الرحبية
( المقدمة)

قالَ الإمام محمد بن علي الرحبي رَحمَهُ الـلّـهُ تَعالىَ :
[بِـسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِـيمِ]
الشرح : افتتح الناظم نظمه بالبسملة ، اقتداءً بالكتاب العزيز ، واقتداءً بكتب النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يفتتحها بالبسملة ، ولذا استحب أهل العلم افتتاح الكتب والرسائل بالبسملة ، وأما حديث : [ كل أمر ذي بال لا يُبدأ ببسم الله فهو أبتر] فلا يصح ، وقد جعل الناظم البسملة مستقلة عن النظم غير معدودة من أبياته ، وهي طريقة كثير من الناظمين ، والكلام عن البسملة يطول جداً ، فإن أهل العلم يتكلمون عنها من جهات عديدة ، منها : معناها ، وتاريخها ، وإعرابها ، وفضائلها ، وقرآنيتها ، وحكم قراءتها مع الإسرار أو الجهر بها في الصلاة ، وأحكامها في ابتداء السور وفي أجزائها وبين السورتين ، ولذا فقد أفردها بعض أهل العلم بالتصنيف .
وسوف أذكر بإذن الله نبذة عن كل جهة من الجهات السابقة في نقاط سريعة :

1- معناها :
أما معناها الإجمالي فهو : أبتدئ أو أؤلف أو أفتتح تأليفي مستعينا أو متبركا بأسماء الله الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى ، وأما المعنى التفصيلي فهو : ( بسم ) الباء للمصاحبة ، أو للاستعانة ، وأصل اسم سموٌ من السمو ، وهو الارتفاع حذف عجزه وعوض عنه همزة الوصل فوزنه افع وقيل افل من السيما وقيل اعل من الوسم وطولت الباء لتكون عوضا عن حذف همزة الوصل ، والاسم تارة يراد به المسمى ، كما في قوله تعالى ( سبح اسم ربك ) ، وتارة يراد به اللفظ الدال على المسمى ، كما في قولك : الرحمن مشتق من الرحمة ، ولم يقل بالله حذرا من إيهام القسم وليعم جميع أسمائه تعالى ، (الله ) قال ابن كثير ما خلاصته أن لفظ الجلالة ( الله ) اِسْم لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْره تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلِهَذَا لَا يُعْرَف فِي كَلَام الْعَرَب لَهُ اِشْتِقَاق مِنْ فَعَلَ يَفْعَل فَذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنْ النُّحَاة إِلَى أَنَّهُ اِسْم جَامِد لَا اِشْتِقَاق لَهُ وَقَدْ نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيّ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ الشَّافِعِيّ وَالْخَطَّابِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيّ وَغَيْرهمْ وَرُوِيَ عَنْ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ أَنَّ الْأَلِف وَاللَّامَ فِيهِ لَازِمَة قَالَ الْخَطَّابِيّ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول يَا اللَّه وَلَا تَقُول يَا الرَّحْمَن فَلَوْلَا أَنَّهُ مِنْ أَصْل الْكَلِمَة لَمَا جَازَ إِدْخَال حَرْف النِّدَاء عَلَى الْأَلِف وَاللَّام وَقِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقّ وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ رُؤْبَةَ بْن الْعَجَّاج : لِلَّهِ دَرّ الْغَانِيَات الْمُدَّهِ سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي فَقَدْ صَرَّحَ الشَّاعِر بِلَفْظِ الْمَصْدَر وَهُوَ التَّأَلُّه مِنْ أَلِه يَأْلَهُ إِلَاهَة وَتَأَلُّهًا كَمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " قَالَ عِبَادَتك أَيْ أَنَّهُ كَانَ يُعْبَد وَلَا يَعْبُد وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ عَلَى كَوْنه مُشْتَقًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى" وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ " كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ " وَنَقَلَ سِيبَوَيْهِ عَنْ الْخَلِيل أَنَّ أَصْلَهُ إِلَاه مِثْل فِعَال فَأُدْخِلَتْ الْأَلِف وَاللَّام بَدَلًا مِنْ الْهَمْزَة قَالَ سِيبَوَيْهِ مِثْل النَّاس أَصْله أُنَاس وَقِيلَ أَصْل الْكَلِمَة لَاه فَدَخَلَتْ الْأَلِف وَاللَّام لِلتَّعْظِيمِ وَهَذَا اِخْتِيَار سِيبَوَيْهِ . قَالَ الشَّاعِر : لَاه اِبْن عَمّك لَا أَفَضَلْت فِي حَسَب عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي قَالَ الْقُرْطُبِيّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَيْ فَتَسُوسنِي وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء أَصْله الْإِلَه حَذَفُوا الْهَمْزَة وَأَدْغَمُوا اللَّام الْأُولَى فِي الثَّانِيَة كَمَا قَالَ " لَكِنَّا هُوَ اللَّه رَبِّي " أَيْ لَكِنْ أَنَا وَقَدْ قَرَأَهَا كَذَلِكَ الْحَسَن قَالَ الْقُرْطُبِيّ ثُمَّ قِيلَ هُوَ مُشْتَقّ مِنْ وَلِهَ إِذَا تَحَيَّرَ وَالْوَلَه ذَهَاب الْعَقْل يُقَال رَجُل وَالِهٌ وَامْرَأَة وَلْهَى وَمَوْلُوهَةٌ إِذَا أُرْسِل فِي الصَّحْرَاء فَاَللَّه تَعَالَى يُحَيِّر أُولَئِكَ فِي الْفِكْر فِي حَقَائِق صِفَاته فَعَلَى هَذَا يَكُون وِلَاه فَأُبْدِلَتْ الْوَاو هَمْزَة كَمَا قَالُوا فِي وِشَاح إِشَاح وَوِسَادَة إِسَادَة وَقَالَ الرَّازِيّ وَقِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ أَلِهْت إِلَى فُلَان أَيْ سَكَنْت إِلَيْهِ فَالْعُقُول لَا تَسْكُن إِلَّا إِلَى ذِكْرِهِ وَالْأَرْوَاح لَا تَفْرَحُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ لِأَنَّهُ الْكَامِلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى" أَلَا بِذِكْرِ اللَّه تَطْمَئِنّ الْقُلُوب الَّذِينَ آمَنُوا " قَالَ وَقِيلَ مِنْ لَاهَ يَلُوهُ إِذَا اِحْتَجَبَ وَقِيلَ اِشْتِقَاقه مِنْ أَلِهِ الْفَصِيل أَوْلَعَ بِأُمِّهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَاد مَأْلُوهُونَ مُولَعُونَ بِالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ فِي كُلّ الْأَحْوَال قَالَ : وَقِيلَ مُشْتَقّ مِنْ أَلِهَ الرَّجُل يَأْلَه إِذَا فَزِعَ مِنْ أَمْر نَزَلَ بِهِ فَأَلِههُ أَيْ أَجَارَهُ فَالْمُجِير لِجَمِيعِ الْخَلَائِق مِنْ كُلّ الْمَضَارّ هُوَ اللَّه سُبْحَانه لِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَهُوَ يُجِير وَلَا يُجَار عَلَيْهِ " وَهُوَ الْمُنْعِم لِقَوْلِهِ تَعَالَى" وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنْ اللَّه " وَهُوَ الْمُطْعِم لِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَهُوَ يُطْعِم وَلَا يُطْعَم " وَهُوَ الْمُوجِد لِقَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْد اللَّهِ " وَقَدْ اِخْتَارَ الرَّازِيّ أَنَّهُ اِسْم غَيْر مُشْتَقّ الْبَتَّة قَالَ وَهُوَ قَوْل الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ وَأَكْثَر الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَدِلّ عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا لَاشْتَرَكَ فِي مَعْنَاهُ كَثِيرُونَ وَمِنْهَا أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَسْمَاء تُذْكَر صِفَات لَهُ فَتَقُول اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم الْمَلِك الْقُدُّوس فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ قَالَ : فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى " الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ " عَلَى قِرَاءَة الْجَرِّ فَجُعِلَ ذَلِكَ فِي بَاب عَطْف الْبَيَان وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى" هَلْ تَعْلَم لَهُ سَمِيًّا " وَفِي الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ عَلَى كَوْن هَذَا الِاسْم جَامِدًا غَيْر مُشْتَقّ نَظَر وَاَللَّه أَعْلَم. وَحَكَى الرَّازِيّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ اِسْم اللَّه تَعَالَى عِبْرَانِيّ ثُمَّ ضَعَّفَهُ وَهُوَ حَقِيق بِالتَّضْعِيفِ كَمَا قَالَ وَرُوِيَ عَنْ الْخَلِيل بْن أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ لِأَنَّ الْخَلْق يَأْلَهُونَ إِلَيْهِ بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْرهَا لُغَتَانِ وَقِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الِارْتِفَاع فَكَانَتْ الْعَرَب تَقُول لِكُلِّ شَيْء مُرْتَفِع لَاهًا وَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا طَلَعَتْ الشَّمْس لَاهَتْ وَقِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ أَلِهَ الرَّجُل إِذَا تَعَبَّدَ وَتَأَلَّهَ إِذَا تَنَسَّكَ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " وَأَصْل ذَلِكَ الْإِلَه فَحُذِفَتْ الْهَمْزَة الَّتِي هِيَ فَاء الْكَلِمَة فَالْتَقَتْ اللَّام الَّتِي هِيَ عَيْنهَا مَعَ اللَّام الزَّائِدَة فِي أَوَّلهَا لِلتَّعْرِيفِ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَصَارَتَا فِي اللَّفْظ لَامًا وَاحِدَة مُشَدَّدَة وَفُخِّمَتْ تَعْظِيمًا فَقِيلَ اللَّه . (الرحمن الرحيم) صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رحم والرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع وقطع ولقولهم رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة وقيل : رحيم الدنيا . وَرَحْمَن أَشَدّ مُبَالَغَة مِنْ رَحِيم وَفِي كَلَام اِبْن جَرِير مَا يُفْهَم مِنْهُ حِكَايَة الِاتِّفَاق عَلَى هَذَا وَفِي تَفْسِير بَعْض السَّلَف مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَثَر عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : وَالرَّحْمَن رَحْمَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالرَّحِيم رَحِيم الْآخِرَة . زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ غَيْر مُشْتَقّ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاتَّصَلَ بِذِكْرِ الْمَرْحُوم وَقَدْ قَالَ " وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا " وَحَكَى اِبْن الْأَنْبَارِيّ فِي الزَّاهِر عَنْ الْمُبَرِّد أَنَّ الرَّحْمَن اِسْم عِبْرَانِيّ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج فِي مَعَانِي الْقُرْآن : وَقَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى الرَّحِيم عَرَبِيّ وَالرَّحْمَن عَرَبِيّ فَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنهمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاق وَهَذَا الْقَوْل مَرْغُوب عَنْهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقّ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " قَالَ اللَّه تَعَالَى أَنَا الرَّحْمَن خَلَقْت الرَّحِمَ وَشَقَقْت لَهَا اِسْمًا مِنْ اِسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْته وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْته " قَالَ وَهَذَا نَصّ فِي الِاشْتِقَاق فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ وَالشِّقَاق قَالَ وَإِنْكَار الْعَرَب لِاسْمِ الرَّحْمَن لِجَهْلِهِمْ بِاَللَّهِ وَبِمَا وَجَبَ لَهُ . قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ثُمَّ قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد كَنَدْمَان وَنَدِيم . قَالَهُ أَبُو عُبَيْد وَقِيلَ لَيْسَ بِنَاء فَعْلَان كَفَعِيلٍ فَإِنَّ فَعْلَان لَا يَقَع إِلَّا عَلَى مُبَالَغَة الْفِعْل نَحْو قَوْلِك رَجُل غَضْبَان لِلرَّجُلِ الْمُمْتَلِئ غَضَبًا وَفَعِيل قَدْ يَكُون بِمَعْنَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول قَالَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ الرَّحْمَن اِسْم عَامّ فِي جَمِيع أَنْوَاع الرَّحْمَة يَخْتَصّ بِهِ اللَّه تَعَالَى وَالرَّحِيم إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَة الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا " وَقَالَ اِبْن عَبَّاس هُمَا إِسْمَان رَقِيقَانِ أَحَدهمَا أَرَقّ مِنْ الْآخَر أَيْ أَكْثَر رَحْمَة وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا السُّرِّيّ بْن يَحْيَى التَّمِيمِيّ حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن زُفَر سَمِعْت الْعَزْرَمِيّ يَقُول الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الرَّحْمَن لِجَمِيعِ الْخَلْق الرَّحِيم قَالَ بِالْمُؤْمِنِينَ قَالُوا وَلِهَذَا قَالَ " ثُمَّ اِسْتَوَى عَلَى الْعَرْش الرَّحْمَن" وَقَالَ " الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اِسْتَوَى " فَذَكَرَ الِاسْتِوَاء بِاسْمِهِ الرَّحْمَن لِيَعُمّ جَمِيع خَلْقه بِرَحْمَتِهِ وَقَالَ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا فَخَصَّهُمْ بِاسْمِهِ الرَّحِيم قَالُوا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَن أَشَدّ مُبَالَغَة فِي الرَّحْمَة لِعُمُومِهَا فِي الدَّارَيْنِ لِجَمِيعِ خَلْقه وَالرَّحِيم خَاصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ لَكِنْ جَاءَ فِي الدُّعَاء الْمَأْثُور رَحْمَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَرَحِيمهمَا وَاسْمه تَعَالَى الرَّحْمَن خَاصّ بِهِ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْره كَمَا قَالَ تَعَالَى " قُلْ اُدْعُوا اللَّهَ أَوْ اُدْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى " وَقَالَ تَعَالَى " وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك مِنْ رُسُلنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُون الرَّحْمَن آلِهَة يُعْبَدُونَ " وَلَمَّا تَجَهْرَمَ مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب وَتَسَمَّى بِرَحْمَنِ الْيَمَامَة كَسَاهُ اللَّه جِلْبَاب الْكَذِب وَشَهَّرَ بِهِ فَلَا يُقَال إِلَّا مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب فَصَارَ يُضْرَب بِهِ الْمَثَل فِي الْكَذِب بَيْن أَهْل الْحَضَر مِنْ أَهْل الْمَدَر وَأَهْل الْوَبَر مِنْ أَهْل الْبَادِيَة وَالْأَعْرَاب. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الرَّحِيم أَشَدّ مُبَالَغَة مِنْ الرَّحْمَن لِأَنَّهُ أُكِّدَ بِهِ وَالْمُؤَكِّد لَا يَكُون إِلَّا أَقْوَى مِنْ الْمُؤَكَّد . وَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَاب التَّأْكِيد وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَاب النَّعْت وَلَا يَلْزَم فِيهِ مَا ذَكَرُوهُ .

2- تاريخها :
البسملة من هدي الأنبياء السابقين ، وفي كتاب الله تعالى أن نوحا عليه السلام قال عن سفينته ( بسم الله مجراها ومرساها ) ، وقيل إن أول من افتتح رسائله بالبسملة من الأنبياء سليمان بن دواد عليهما السلام ، وكانت العرب تقول في افتتاح كتبها وكلامها : باسمك اللهم وجرى الأمر على ذلك حتى نزلت الآية : ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) فصار البدء بها سنة إلى يومنا هذا ، وعن الأعمش والشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابة" باسمك اللهم " حتى نزلت " باسم الله مجراها " فأمر أن يكتب "بسم الله" فلما نزلت : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) كتب "بسم الله الرحمن" فلما نزلت : (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) كتبها.

3- إعرابها :
الباء حرف جر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب ، واسم : مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره ، وهو مضاف ، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره ، والرحمن نعت مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره ، والرحيم نعت ثان مجرور أيضا وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره ، وقد اجتمع في البسملة أنواع الجر الثلاثة ، فاسم مجرور بالحرف ، ولفظ الجلالة مجرور بالإضافة ، والرحمن والرحيم مجروران بالتبعية .


4- فضائلها :
* أنها سبب لتصاغر الشيطان ، قال ابن كثير رحمه الله : وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي مُسْنَده حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ عَاصِم قَالَ : سَمِعْت أَبَا تَمِيمَة يُحَدِّث عَنْ رَدِيف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : عَثَرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارُهُ فَقُلْت : تَعِسَ الشَّيْطَان فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَان فَإِنَّك إِذَا قُلْت تَعِسَ الشَّيْطَان تَعَاظَمَ وَقَالَ بِقُوَّتِي صَرَعْته وَإِذَا قُلْت بِسْمِ اللَّه تَصَاغَرَ حَتَّى يَصِير مِثْل الذُّبَاب " هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِمَام أَحْمَد وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَابْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيره مِنْ حَدِيث خَاله الْحَذَّاء عَنْ أَبِي تَمِيمَة وَهُوَ الْهُجَيْمِيّ عَنْ أَبِي الْمَلِيح بْن أُسَامَة بْن عُمَيْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْت رَدِيف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَه وَقَالَ " لَا تَقُلْ هَكَذَا فَإِنَّهُ يَتَعَاظَم حَتَّى يَكُون كَالْبَيْتِ وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّه فَإِنَّهُ يَصْغُر حَتَّى يَكُون كَالذُّبَابَةِ" فَهَذَا مِنْ تَأْثِير بَرَكَة بِسْمِ اللَّه وَلِهَذَا تُسْتَحَبّ فِي أَوَّل كُلّ عَمَل وَقَوْل . فَتُسْتَحَبّ فِي أَوَّل الْخُطْبَة لِمَا جَاءَ " كُلّ أَمْر لَا يُبْدَأ فِيهِ بِ " بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " فَهُوَ أَجْذَم وَتُسْتَحَبّ الْبَسْمَلَة عِنْد دُخُول الْخَلَاء لِمَا وَرَدَ مِنْ الْحَدِيث فِي ذَلِكَ . وَتُسْتَحَبّ فِي أَوَّل الْوُضُوء لِمَا جَاءَ فِي مُسْنَد الْإِمَام أَحْمَد وَالسُّنَن مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَسَعِيد بْن زَيْد وَأَبَى سَعِيد مَرْفُوعًا" لَا وُضُوء لِمَنْ لَمْ يَذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ " وَهُوَ حَدِيث حَسَن . اهـ
* أنها مأمور بها عند الذبح "فكلوا مما ذكر اسم الله عليه "
* أنها سبب للبركة في الطعام فعن وحشي بن حرب رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله ، إنا نأكل ولا نشبع ؟ فقال : [ فلعلكم تفترقون] قالوا : نعم ، قال : [ فاجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه ] (رواه أبو داود) وفي حديث جابر رضي الله تعالى عنه : [ .... وإذ دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان :أ دركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال : أدركتم المبيت والعشاء ] (رواه مسلم) .
* والبسملة ساتر لأعين الجن عند خلع الثياب لتبديلها أوعند إتيان الأهل (الزوجة) وتمنع الشيطان من أذى الذرية ، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما : عن النبي صلى الله عليه وسلم : [ لو أن أحدكم أراد أن يأتي أهله فقال : "بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد ، لم يضره الشيطان أبداً ] . وروى ابن ماجه والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم : [ ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول بسم الله ].
* البسملة حافظ من الله تعالى للعبد عند خروجه ودخوله إلى بيته ، فعن أبي مالك الأشعري ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إذا ولج الرجل بيته ، فليقل : اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج ، بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا ، على الله توكلنا ، ثم ليسلم على أهله ] .
* والبسملة شفاء من الأسقام والأوجاع فقد شكا عثمان بن أبي العاص وجعاً يجده في جسده منذ أسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثاً وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر] .



5- قرآنيتها :
اتفق القراء و الفقهاء على أن البسملة بعض آية من سورة النمل و هي قوله تعالى : (إنه من سليمان و إنه بسم الله الرحمن الرحيم ) (1) و على أنها ليست آية في أول سورة براءة و اختلفوا بعد ذلك هل هي آية من الفاتحة و من كل سورة سوى براءة أم لا .
- فذهب الإمام مالك إلى أن البسملة ليست آية من الفاتحة و لا من غيرها من سورالقرآن(2)
-وذهب الإمامان الشافعي و أحمد إلى أن البسملة آية من الفاتحة و من كل سورة سوى التوبة(3)
-و ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن البسملة آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور ماعدا ما بين الأنفال و التوبة ، و لا تعد آية من الفاتحة و لا من غيرها من السور (4)
و أما القراء فقد عدها القراء المكيون و الكوفيون آية من الفاتحة ، و لم يعدوا (أنعمت عليهم) رأس آية ، و على العكس من ذلك فإن القراء المدنيين و البصريين و الشاميين لم يعدوا البسملة آية ، و عدوا (أنعمت عليهم ) آية ، و على هذا فالقراء مجمعون على أن الفاتحة سبع آيات لقوله تعالى ( و لقد آتيناك سبعا من المثاني ) و للأحاديث الواردة في تسمية الفاتحة بالسبع المثاني (5) هذا و قد اتفق القراء على عدم عد البسملة آية مستقلة في أوائل السور سوى الفاتحة ، ومما يرجح عد البسملة آية في سورة الفاتحة ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا قرأتم (الحمد لله ) فاقرؤوا ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، إنها أم القرآن ، وأم الكتاب ، والسبع المثاني ، و (بسم الله الرحمن الرحيم) إحدى آياتها"(6) ________________________
(1)سورة النمل: 30
(2)أحكام القرآن لابن العربي 1 /20
(3)المهذب 1 /71 ، المغني 1 /476
(4)أحكام القرآن للجصاص 1 /11
(5)الإتحاف 118
(6)رواه الدارقطني برقم (118) ، والبيهقي 2/45 ، وصححه الألباني في الصحيحة برقم(1183 )، وفي صحيح الجامع برقم (729) ، والأكثرون على تضعيفه .




6-حكمها في ابتداء السور :
ذهب القراء الأربعة عشر عدا الحسن البصري إلى مشروعية تلاوة البسملة في أول كل سورة سوى التوبة ، و ذهب الحسن البصري إلى مشروعية البسملة في أول الفاتحة خاصة و إلى تركها في أوائل ما سواها من السور خشية توهم أنها آية مما سوى الفاتحة ، و هي عنده ليست آية مما سوى الفاتحة (1)
و أما مذاهب الفقهاء في قراءة البسملة في الصلاة فتتلخص في أربعة مذاهب ، وهي:
أ - وجوب قراءتها في أول الفاتحة ، و استحباب قراءاتها في أول باقي السور عدا براءة و هو مذهب الشافعية و رواية عن أحمد .
ب - استحباب قراءاتها في أول الفاتحة خاصة و هو مذهب الأحناف .
ج- استحباب قراءاتها في أول الفاتحة و أول كل سورة ، و هو المشهور عن أحمد .
د - كراهة قراءتها في أول الفاتحة و أوائل السور في الصلاة المفروضة وجواز أو استحباب قراءاتها في النافلة و هو مذهب المالكية (2)
_______________________
(1)البدور الزاهرة 13 ، القراءات الشاذة 24
(2) انظر : أحكام القرآن لابن العربي 1/20 ، نيل الأوطار 3 /50 ، أحكام القرآن للجصاص 1 /11 ، المغني 1 / 476


7-حكمها بين السورتين :
للقراء مذاهب يطول شرحها في الوصل بين السورتين بالبسملة أو بدونها ، أو بسكتة لطيفة ، ويرجع في تفصيل ذلك إلى كتب القراءات ، و لكن خلاصة مذاهب القراء ما يلي :
أ-الفصل بين السورتين بالبسملة ، و هو مذهب قالون و ابن كثير و عاصم و الكسائي و أبي جعفر.
ب-وصل آخر السورة الأولى بأول الثانية بدون بسملة ، و هو مذهب حمزة و خلف .
ج- جواز البسملة و السكت و الوصل بدون بسملة ، و هو مذهب ورش و أبي عمرو و ابن عامر و يعقوب ، هذا و قد استثنى بعض أهل الأداء السورتين المبدوءتين بلفظ ( لا ) و هما القيامة و البلد ، و السورتين المبدوءتين بلفظ ( ويل ) و هما المطففين والهمزة ، حال وصل هذه السور بما قبلها من السور فقالوا : من قرأ بالسكت في غيرها بسمل ، ومن قرأ بالوصل في غيرها سكت فيها ، و المحققون من أهل الأداء على أنه لا فرق بين هذه السور و غيرها .
و هذه الأحكام تشمل السورتين المتوالتين كالبقرة وآل عمران ، و غير المتواليتين كالبقرة و الأنعام ، لكن لا تشمل السورة إذا وصل آخرها بأول السورة قبلها في ترتيب المصحف ، فلو وصل آل عمران بأول البقرة تعينت البسملة لجميع القراء و لم يجز السكت و الوصل ، و كذلك لو كرر السورة كمن كرر سورة الإخلاص فتلزمه البسملة حينئذ عند الجميع (1)
________________
(1)انظر : الإتحاف 121 ، البدور 14


8-حكمها في أواسط السور سوى سورة براءة :
الذي عليه القراء هو تخيير من أراد أن يقرأ من أواسط السور - وهي مابعد أولها ولو بكلمة - في البسملة وتركها ، قال الإمام الشاطبي رحمه الله : و لا بد منها في ابتدائك سورة سواها و في الأجزاء خير من تلا ( 1) ، و قال صاحب الإتحاف : يجوز البسملة و عدمها في الابتداء بما بعد أوائل السور و لو بكلمة لكل من القراء تخييرا كذا أطلق الشاطبي كالداني في التيسير ، و على اختيار البسملة جمهور العراقيين ، و على اختيار عدمها جمهور المغاربة و منهم من خص البسملة بمن فصل بها بين السورتين كابن كثير و من معه و تركها بمن لم يفصل بها كحمزة و من معه (2)

9-حكم البسملة في أول سورة براءة و في أثنائها :
اتفق القراء و الفقهاء على ترك البسملة في ابتداء سورة براءة ، و كذلك حال وصل سورة الأنفال بها ، لأن جبريل عليه السلام لم ينزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم في أول براءة بأمر الله تعالى ، و لأن البسملة أمان و سورة براءة نزلت بالسيف ، قال الإمام الشاطبي : و مهما تصلها أو بدأت براءة لتنزيلها بالسيف لست مبسملا (3)، و قد اختلف الفقهاء في حكم البسملة في أول التوبة على قولين : هما التحريم والكراهة ، و أما في أثناء سورة التوبة - و لو بعد أولها بكلمة واحدة - فقيل تسن البسملة كما تسن في أثناء غيرها من السور ، و قيل تكره . و قال صاحب الإتحاف : والصواب كما في النشر أن يقال إن من ذهب إلى ترك البسملة في أوساط غير براءة لا إشكال عنده في تركها ، وكذلك من ذهب إلى التفصيل إذ البسملة عندهم في وسط السورة تبع لأولها ، ولا تجوز البسملة أولها فكذا وسطها ، وأما من ذهب إلى البسملة في الأجزاء مطلقا ، فإن اعتبر أثر العلة التي من أجلها حذفت أولها - و هي نزولها بالسيف - كالشاطبي لم يبسمل ، و إن لم يعتبر بقاء أثرها أو لم يرها علة بسمل بلا نظر، و الله أعلم (4)
__________________________
(1)متن الشاطبية 9
(2) الإتحاف 121 و جاء في المطبوعة ( و بتركها من ) ولعل الصواب (و تركها بمن )
(3)متن الشاطبية 9
(4)انظر : النشر 1/259 ، الإتحاف 121 ، البدور 13


10 - الجهر بالبسملة في الصلاة :
ذهب إلى استحباب الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية قبل الفاتحة و قبل السورة طوائف من السلف ، فقد روي ذلك عن عمر و علي و عبد الله بن عمر و ابن عباس وابن الزبير و عمار بن ياسر رضي الله عنهم ، و جماعة من التابعين ، و هو المشهور عن أهل مكة فقهائها و قرائها ، و هو مذهب الإمام الشافعي وأصحابه ، وذهب الجمهور إلى عدم مشروعية الجهر بها و اختلفوا هل تقرأ سرا أم لا على ما تقدم في المسألة السابقة ، و من الجدير بالذكر هنا أن أبا القاسم الهذلي صاحب الكامل روى عن مالك أنه سأل نافعا القارئ عن البسملة فقال : السنة الجهر بها ، فسلم إليه و قال كل علم يسأل عنه أهله (1) ، و قد استفاض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بحث هذه المسألة في رسالة أفردها لمسألة الجهر بالبسملة منشورة ضمن مجموع الفتاوى و قد بين أن أحاديث الجهر بالبسملة إما أن يرويها فقهاء ليس لهم علم بالحديث أو محدثون لا يشترطون الصحة فيما يروونه فقد يكون صحيحا أو ضعيفا ، فقال رحمه الله : و أعجب من ذلك أن من أفاضل الفقهاء من لم يعز في كتابه حديثا إلى البخاري إلا حديثا في البسملة ، و ذلك الحديث ليس في البخاري ، و من هذا مبلغ علمه في الحديث كيف يكون حالهم في هذا الباب أو يرويها من جمع هذا الباب كالدارقطني و الخطيب و غيرهما فإنهم جمعوا ما روي و إذا سئلوا عن صحتها قالوا بموجب علمهم كما قال الدارقطني لما دخل مصر و سئل أن يجمع أحاديث الجهر بها فجمعها فقيل له هل فيها شيء صحيح فقال أما عن النبي صلى الله عليه و سلم فلا و أما عن الصحابة فمنه صحيح و منه ضعيف ، و سئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك فذكر حديثين حديث معاوية لما صلى بالمدينة و قد رواه الشافعي رضي الله عنه - بسنده - أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ، و لم يقرأبها للسورة التي بعدها و لم يكبر حين يهوي ، حتى قضى تلك الصلاة فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان : يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن ،
_____________________________
(1)الروض النضير 9




و كبر حين يهوي ساجدا ، و قال الشافعي - وساق سنده إلى عبيد بن رفاعة أن معاوية رضي الله عنه قدم المدينة فصلى بهم و لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم و لم يكبر إذا خفض و إذا رفع فناداه المهاجرون حين سلم و الأنصار : أي معاوية سرقت الصلاة (1)، إلى أن قال : و ذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به و ليس بحجة كما يأتي بيانه ، فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين أنه ليس في الجهر حديث صحيح و لا صريح فضلا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة امتنع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بالاستفتاح و التعوذ ثم لا ينقل ، و مع هذا فنحن نعلم بالإضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بالبسملة ، كما روي أبو داود في مراسيله عن سعيد بن جبير ، و رواه الطبراني في معجمه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يجهر بها بمكة فكان المشركون إذا سمعوها سبوا الرحمن فترك الجهر فما جهر بها حتى مات ، فهذا محتمل ، و أما الجهر العارض فمثل ما في الصحيح أنه كان يجهر بالآية أحيانا و مثل جهر بعض الصحابة خلفه بقوله ربنا و لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه و مثل جهر عمر بقوله سبحانك اللهم و بحمدك و تبارك اسمك و تعالى جدك و لا إله غيرك و مثل جهر ابن عمر و أبي هريرة بالاستعاذة و مثل جهر ابن عباس بالقراءة على الجنازة ليعلموا أنها سنة و يمكن أن يقال جهر من جهر بها من الصحابة كان على هذا الوجه ليعرفوا أن قراءتها سنة لا لأن الجهر بها سنة و من تدبر عامة الآثار الثابتة في هذا الباب علم أنها آية من كتاب الله و أنهم قرؤوها لبيان ذلك لا لبيان كونها من الفاتحة و أن الجهر بها سنة مثل ما ذكر ابن وهب في جامعه قال أخبرني رجال من أهل العلم عن ابن عباس و أبي هريرة و زيد بن أسلم و ابن شهاب مثله بغير هذا الحديث عن ابن عمر أنه كان يفتتح القراءة بسم الله الرحمن الرحيم فقال ابن شهاب يريد بذلك أنها من القرآن فإن الله أنزلها قال و كان أهل الفقه يفعلون ذلك فيما مضى من الزمان و حديث ابن عمر معروف من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا صلى بسم الله الرحمن الرحيم فإذا قال غير المغضوب عليهم و لا الضالين قال بسم الله الرحمن الرحيم فهذا الذي ذكره ابن شهاب الزهري الذي هو أعلم أهل زمانه بالسنة يبين حقيقة الحال فإن العمدة في الآثار في قراءتها إنما هي عن ابن عباس و أبي هريرة و ابن عمر و قد عرف حقيقة حال أبي هريرة في ذلك (2)، و كذلك غيره رضي الله عنهم أجمعين (3). ___________________________ (1) رواه الحاكم 1/357 ، وقال صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وضعّفه آخرون .
(2)جهر أبي هريرة بالبسملة رواه النسائي برقم (905) وابن حبان برقم (1797) وصححه محققه شعيب الأرناؤوط ، وابن خزيمةبرقم (499)، والدارقطني برقم (114) وصححه .
(3)مجموع الفتاوى 22/416-421


فهذا أهم ما يتعلق بالبسملة ، ويليه إن شاء الله شرح باقي المقدمة .

أبو خالد السلمي.
24-06-03, 10:35 AM
1ـ أَوَّلُ ما نَسْتَفْتِـحُ المَقالا *** بِـذِكْـرِ حَـمْـدِ رَبـِّـنـا تَـعـالىَ
2ـ فالحَمْدُ للهِ على ما أَنْـعَـمـا ***حمداً بِهِ يَجْلُو عنِ الـقَـلْـبِ العَمَى


أي أول ما يفتتح به الناظم قوله _ بعد البسملة _ هو حمد الله تبارك وتعالى ، والحمد لغة هو الوصف بالجميل ، أو هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل ( أي النعم التي وصلت إلى الحامد من المحمود ) ، وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الحامد أو غيره ، ويلاحظ أن تعريف الحمد عرفا هو نفس تعريف الشكر لغة ، ، وأما اصطلاحا فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله ، وقد افتتح الناظم بعد البسملة بالحمد اقتداء بكتاب الله تعالى ، واقتداءً بخطب النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يفتتحها بالحمد ، والمقدمة هي خطبة الكتاب ، وأما حديث { كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب بسم الله الرحمن الرحيم وفي رواية بالحمد لله فهو أجذم } أي مقطوع البركة . الذي رواه أبو داود وغيره فهو حديث ضعيف ، وفي البيت الثاني كرر الناظم حمد الله تعالى على كل ما أنعم به عليه ، واصفا الحمد بأنه يزيل العمى عن القلب ، والمراد بعمى القلب عمى البصيرة الذي حذرنا منه ربنا سبحانه في قوله : (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46) نسأل الله تعالى أن ينير قلوبنا بذكره وطاعته .

أبو خالد السلمي.
24-06-03, 11:01 AM
3ـ ثمَّ الصلاةُ بعدُ والسَّلامُ *** على نَـبِـيٍّ ديـنُـهِ الإِسْلامُ
4ـ محمّدٍ خاتَمِ رُسْلِ رَبـِّـهِ *** وآلِهِ مِن بَـعْـدِهِ وصَحْبِهِ

في هذين البيتين صلّى الناظم وسلّم على النبي وعلى آله وصحبه ، مثنياً على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه دينه الإسلام ، وبأنه خاتم الرسل الكرام .
وقرن بين الصلاة والسلام امتثالا لقول الله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) الأحزاب(56)
وفضائل الصلاة والسلام على المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم :" أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة " و منها قوله صلى الله عليه وسلم : إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ يَعْنِي بَلِيتَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ * .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم :إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا * ، ومنها قول أُبَيٌّ بن كعب رضي الله عنه : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي فَقَالَ مَا شِئْتَ قَالَ قُلْتُ الرُّبُعَ قَالَ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ النِّصْفَ قَالَ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ قَالَ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ .
وأما معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : فعن ابن عباس أن الصلاة من الله على عبده هي الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ، وعن أبي العالية أن صلاة الله تعالى على عبده هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى .
وآل النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن المراد بهم هنا أزواجه وقرابته المؤمنون به ، والأصح أن المراد بهم عند الصلاة عليهم معه كل من تبعه من المؤمنين .
وصحْب النبي صلى الله عليه وسلم جمع صاحب وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك .

خالد الشايع 1
25-06-03, 11:19 AM
أحسنتم شيخنا المبارك ، ونفع بكم وبعلمكم .

أبو خالد السلمي.
02-09-03, 03:38 AM
شيخنا المبجل فضيلة الشيخ خالد الشايع _ حفظه الله _
جزاكم الله خيراً ، ولا نستغني عن توجيهكم ونصائحكم .