المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم ابوال وارواث مأكول اللحم وغير مأكوله ....


زياد الرقابي
05-07-03, 02:36 PM
الحمدلله رب العالمين ....أختلف ارباب المذاهب في أبوال وارواث الحيوان لكن لانعلم خلافا في نجاسة بول الكلب الا ما روى عن داود الظاهري وخالفه فيه جملة من اصحابه منهم ابن حزم كما في المحلى . وخلاف داود ليس بصارف للاجماع عند جمهور اهل العلم وان كان المختار فيه انه صارف للاجماع على الراجح اذا كانت المسألة غير قياسية وكان مستنده في مخالفته للاجماع , مقبول .

وبيان هذه المسألة ( أعنى مسألة بول الحيوان ) ان العلماء قد اختلفوا فيها :

فذهب الحنابلة والمالكية الى ان الابوال تابعة للحوم فما كان من مأكول اللحم كان بوله طاهرا وماكان خلاف ذلك كان نجسا وهو المختار ويأتي التدليل عليه .

وذهب الشافعيه والحنفيه الى انها كلها نجسة مطلقا مأكول اللحم وغير مأكوله .

وذهب داود وشذ بهذا الى طهارة جملة الابوال الا بول الادمي وعذرته وقوله محجوج ورده ابن حزم الظاهرى رحمه الله .وهي معدودة من المسائل التى خالف فيها ابن حزم اصحابه بل ورد عليهم وناقش ادلتهم .

أما دليل الظاهرية على عدم النجاسة فهو البراءة الاصلية أو ما يسمى بالاستصحاب وهو اضعف الادلة على الاطلاق كما قرره غير واحد من اهل العلم ومنهم شيخ الاسلام في غير ما موضع وهو عمدة الظاهرية في الاستدلال ...وأقوى منه استصحاب الحكم الشرعي . وهو على ذلك من اضعف الادلة ايضا .

اذ ان خلو الذمة وترك ما يشغلها اذا عورض بادنى دليل كان دالا على شغولها و كان الدليل اقوى من البراءة الاصلية اذ الاصل التعبد واستقبال الامر . وقد وردت نصوص دالة على نجاسة البول فخرقت الاستصحاب فضعف حكم البراءة العقلية .

أم ادلة الاصحاب وهم الحنابلة وهو التفريق بين مأكول اللحم وغير مأكوله وهو ما ذهب احد الاخوة الى تضعيفه بغير وجه فهي :

الاول : أمر رسول الهدى بأبي هو وأمي العرنيين بشرب ابوال الابل لما اجتو المدينة ولم يجعل الله شفاء هذه الامة في حرم عليها ....وابن حزم رحمه الله عندما عارضه هذا الدليل قال بضعف هذا الحديث ولم يصب رحمه الله فضعفه بجهالة سلمان الشيباني وسليمان ابو اسحاق امام ثقة معروف .

وقد رواه البخارى معلقا بصيغة الجزم موقوفا صحيحا على ابن مسعود رضى الله عنه .

ثانيا : حديثان ضعيفان رواهما الدراقطني وغيره ولفظه ما أكل بلحمه فلا بأس ببوله . أو كما روى ذلك وهما ضعيفان فأن في أحدهما سوار وعلى ضعفه اختلف فيه عليه وصلا وارسالا .

الدليل الثالث : حديث العسرة الذي رواه احمد وابن خزيمة باسناد قوى عن عمر قال : حتى ان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده .

وعليه بوب ابن خزيمه وقال عقبه : لو كان ما ء الفرث اذا عصر نجسا لم يجز لاحد ان يجعله على كبده فينجس ( بعنى بدنه ) وهو غير واجد لماء طاهر يغسل به موضع النجس .

الدليل الرابع : ان رسول الهدى سئل انصلى في مرابض الغنم قال نعم قيل معاطن الابل قال لا .

وقول ابن حزم في الرد علينا في الاستدلال بهذا الحديث بقوله اذا استدللتم به على طهارة بول الغنم كان لزاما الاستدلال به على نجاسة بول الابل وانتم لاتقولون بذلك ...
ليس بلازم اذ انه يصح لو لم يرد نصا آخر مبينا طهارة بول الابل وهو حديث العرنيين .فلا يحتج بقوله علينا .


ولاينبغى لمسلم ان يشك في نجاسة بول غير مأكول اللحم البته فكيف بالكلب الرجس .
وأين هم من حديث أنها ركس روثة حمار ؟؟ وهو يدل على نجاستها وانه لايجوز الاستنجاء بها فهل يقولون باستثناء عذرة الحمار دون بوله .

وابن حزم ناقش ادلة اصحابه واحتج بنجاسة البول مطلقا بقول صلى الله عليه وسلم (عامة عذاب القبر من البول ) وال عنده اما للجنس فتشمل او للاستغراق فتعم وقد يرد عليه ويقال هي للعهد والعهد القريب هنا هو بول الانسان لانه هو المعذب في قبره وللحديث الاخر الذي ثبت في الصحيحين انهما يعذبا وما يعذبان في كبير اما احدهم فكان لايستنزه من بوله .

فدل على ان المقصود هو بول الانسان . فلا يصح استدلال ابن حزم بهذا على عموم نجاسة الابوال ...على صحة هذا القول .

فينبغى للمتفقه في احكام الله وشرعه ان ينظر الى الشريعة منظار الفقيه نظرا شاملا ولا يجتزئ النصوص اجتزاء فان ابن حزم على قوة علمه وسعة فهمة لما سلك هذا السبيل وقع في طوام لو اقسم المسلم على انها خلاف مقصود الشارع ما حنث .

والادلة ليست مقصورة على النص الشرعي كما قرره اهل العلم بل ان من الادلة التدليل العقلي والحس وغيرها بل هي من وسائل فهم النص الشرعي الفهم المطابق لمقصود الشارع .

واني لاعجب من اقوام خالطت السنتهم العجمة ومازجت افهامهم الخفه كيف يجردون النصوص الشرعيه من قرائنها ولوازمها . فيجعلونها بتراء جماء لاتكاد تفهمها العقلاء . فينبغى الترفق في الدعاوى . وبذل العمر في التفقه في دين الله يحتى يحصل الانسان فهما يريه مواطن الخلل وعلما يقيه بواقع الزلل والخطل

زياد الرقابي
08-07-03, 02:39 PM
للفائدة .....

الجامع الصغير
09-07-03, 11:22 AM
جزاك الله خيْرًا ..

أبو عبدالله النجدي
09-07-03, 11:23 PM
أخي الشيخ زيــــــــــــــــــــاد، سدده المولى


بارك الله جهدكم ....

قولكم ( وخلاف داود ليس بصارف للاجماع عند جمهور اهل العلم ) .


هل يمكن إثبات هذا عن الجمهور ؟ حفظك الله ..

زياد الرقابي
09-07-03, 11:58 PM
أخي الفاضل الشيخ ( ابو عبدالله النجدي ) رعاه الله .

مستندي في حكاية هذ القول عن الجمهور أمرين :

الاول : كثرة ما وقفت عليه من عدم الاعتداد بقولهم عن كثير من العلماء وكثرة ما نقل من الاجماع على حكم ومعلوم فيه مخالفة الظاهرية مع نقلهم لها الا انهم بعد حكايتها ينقلون الاجماع فيه .


الثاني : منصوص عن اهل العلم منهم فيما اذكر :

النووي رحمه الله في اكثر من موضع من كتبه حيث حكاه عن الجمهور ومن ذلك في كتابة شرح صحيح مسلم وفي المجموع في ابواب الطهارة بل و في أكثر من موضع ولعلي اراجعه لانقل لك نصه ومحله . الا انكم رعاكم الله لو تقصيتم لوجدتموه حيث اني بعيد عن منزلى .

ومنهم ابو العباس القرطبي وتلميذه ابو عبدالله .

والجويني في كتابه البرهان ...و قد نقل الزركشي في البحر المحيط جملة من اقوالهم في عدم الاعتداد ونسبه الى الجمهور .
وأبو بكر بن العربي في العواصم . على تعصبه عليهم .

وكل هؤلاء او اكثرهم قد نصوا على ان عدم الاعتداد هو قول الجمهور حتى ان النووي كثير ما يقول ومخالفة داود لاتضر الاجماع كما عليه الاكثر وأهل التحقيق .

وذكرت هذا لان بعض اهل العلم قالوا ان العلماء لم يقصدوا الظاهرية بعدم الاعتداد بل عنوا ابن حزم فاردت ان ابين انهم قصدوا الظاهرية عيانا .

ولكن الامر الذي ندين الله به الاعتداد بمخالفتهم كما هو عليه جملة من المحققين من اهل العلم من امثال ابن القيم ومن المتأخرين سماحة الشيخ عبدالعزيز .
الا انه لايعتد بهم في المسائل القياسية اذ انهم ينكرونه فلا يصح خرقهم للاجماع ( ان وجد ) في مثل هذه المسائل .

لو رجعتم الى ترجمة داود في سير اعلام النبلاء لوجدت بعض النقول عن من ذكرت لك . ان لم تخن الذاكرة .


واعذرني اخي على العجلة مع تشويش الذهن . لكن قد لايحصل لي دخول على الشبكة الا بعد يومين فأحببت المبادرة بالاستفادة منكم .

زياد الرقابي
05-09-03, 07:20 AM
وهناك دليل خامس على قول الاصحاب وهو القول المختار ذكره شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله .

هو ان رسول الله صصص قد طاف بالبيت على ظهر ناقته وقد امر الله بتطهير البيت ( أن طهرا بيتي .. الاية ) والعجماوات لاتعقل فلو كانت ابوالها وبعارها غير طاهره ما طاف بالناقة التى قد يخرج منا شيئا ينجس المسجد الحرام فدل على طهارة الخارج منها .


وكنت قد خشيت ان حديث الاتان ( حديث ابن عباس ) ومرورها بين الصفوف يعترض على هذا الدليل ثم تبين لي انه لا اعتراض عليه .

عبدالرحمن الفقيه.
06-09-03, 02:39 AM
أحسنت وأجدت بارك الله فيك
وللإمام ابن تيمية رحمه الله كلام نافع جدا حول هذه المسألة في مجموع الفتاوى(21/534-587)

ولكن يبقى إشكال في روث الطاهر غير مأكول اللحم
فيحتاج لبحث أكثر ، فكانت الحمير والهرر مثلا موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وغالبا لايسلم من يركب الحمير من عرقها وروثها ونحو ذلك
فحتاج المسألة لبحث ومناقشة سددك الله.

زياد الرقابي
07-09-03, 08:10 PM
أخي الحبيب الشيخ( ابوعمر ) رعاه الله وسدده ,,,


اولا : اود ان انبه الى ان الادلة اكثر من هذا ولكن لم نذكر الا القوى منها فقد استدلوا مثلا على طهارة بول مأكول اللحم بما فعله سفهاء قريش مع حبيبنا ورسولنا صصص من جعل الفرث عليه وهو يصلى و وجه الاستدلال عدم قطعه للصلاة لورود النجاسة ولايخفاكم ما يعترض هذا الاستدلال .

وكذلك قالوا ما زال الناس يستخدمون ويبيعون ابعار الابل و الغنم دون نكير .


وهذا القول هو قول فقهاء أهل الحديث وهو القول الوسط بين قولين وعليه اكابر فقهاء الحديث كأحمد ومالك وابن خزيمة وابن المنذر وابن تيمية وغيرهم .

أما فيما يتعلق بغير مأكول اللحم : فأما ما كان من عرقه ولعابه فالاصل فيه الطهارة فهو طاهر والدليل ما ذكرتم من أستخدام الرسول واصحابه له ولعدم وجود الدليل على نجاسة العرق واللعاب الا ما ما كان من جنس السبع .

والقول بأنه لم يرد الامر من التطهر من عرق الهر ولعابهم ( نقول ) لورود الدليل المستثنى له من الاصل وهو كونها من ( الطوافين ) وما ينتج عنه من مشقة و القاعدة في هذا أن ( المشقة تجلب التيسير ) .

أما فيما يتعلق بابوالها فكون انها مما يكثر استخدامه ولم يأت الامر بالتطهر من ارواثها وابوالها .

الدليل هنا ( أخص من الدعوى ) فالعلة ان الحمار والهر وغيرهم من جنس ( الطوافين ) وقد اشار رسول الله الى العلة في عدم التنجيس وهو المشقة . وليس بسببب طهارتها .

فلا يستقيم حمل الدليل على ما لم يكن من جنس الطوافين من غير مأكول اللحم .

ونحن مع هذا ننازع في ابوال الطوافين والخارج منها اذ ان الاذى الخارج لايشق التحرز عنه كما هم الصبيان الصغر فالقول عند من يقول بطهارة أبوال غير مأكول اللحم القول عندهم هو نجاسة ابوال الصبيان بتفصيل معروف ...والصبيان يشق التحرز من الخارج منهم ومع هذا يجب غسله ولايكون طاهرا . لان المشقة الحاصلة ليست كمشقة لغوب الهر والحمار في الاواني .

ومن الادلة على ان روث غير مأكول اللحم نجس قوله صصص كما في حديث التطهر وهذا عند ابن خزيمة في صحيحة عندما اتاه ابن مسعود بحجرين و ( روثة حمار ) قال انها ركس .

والركس هو النجس وتفسير النسائي له غريب من جهة اللغة بقوله انه طعام الجن ؟؟

ولايعرف هذا في اللغة ولعله قصد تفسير المعنى ( معنى رده لهذه الروثة ) حتى لاينجس طعام الجن .

وهذا لايستقيم لانه لايصح ان يقال انه ( نجس ) لانه منع من التطهر لمعنى اخر فوق ذلك .

ومن الادلة على انها روثة حمار ماورد في سنن ابن ماجة من قوله
( رجس ) والرجس هو النجس .

ومن الادلة التعليلة على نجاسة بول غير المأكول ان الاصل في الابوال النجاسة ورود استثناء المأكول للادلة السابقة ويبقى البقية على الاصل لاتخرج منه الا بدليل .

ومنها ان ما اباح الله لحمه ولبنه الخارج من بين فرث ودم لنا سائغا , قد طيب الله لحمه ودمه غير المسفوح ...وحرم غير المأكول وحرم دمه ولحمه وأمر رسول الله بكفأ القدور التى فيها لحم الحم رالاهلية كما في خيبر .

فكيف بابوالها والاذى الخارج منها فناسب هذا هذا , واما الاستدلال بالمشقة فتقدم ان ( الدليل اخص من الدعوى ) .
ومن الادلة القياس أذ ان بول الادمي نجس وهو محرم الاكل .
وكذلك بول ما حرم أكله يكون حراما .

عبدالرحمن الفقيه.
07-09-03, 10:30 PM
أحسنت بارك الله فيك ، والقصد سددك الله وزادنا وإياك علما هو مدارسة هذه المسألة المفيدة ، وننتظر تحريراتكم وفوائدكم سلمكم الله
وما ذكرته من توجيهات فهي موفقه ومسددة
وأما مسألة بيع الروث ففيه خلاف بين أهل العلم

وكذلك الحمار والبغل اختلف أهل العلم في سؤرها مع أنها قد لاتوصف بالسبعية
جاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية رحمه الله
وَسُئِلَ عن سؤر البغل والحمار ‏:‏ هل هو طاهر‏؟‏ (21/620-621)
فأجاب ‏:‏
أما سؤر البغل والحمار فأكثر العلماء يجوزون التوضؤ به‏.‏ كمالك والشافعي، وأحمد في إحدي الروايتين عنه‏.‏
والرواية الأخري عنه مشكوك فيه‏.‏ كقول أبي حنيفة، فيتوضأ به ويتيمم‏.‏
والثالثة‏:‏ أنه نجس؛ لأنه متولد من باطن حيوان نجس، فيكون نجساً كلعاب الكلب؛ لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهرة‏:‏ ‏(‏إنها من الطوافين عليكم والطوافات‏)‏ فعلل طهارة سؤرها لكونها من الطوافين علينا والطوافات، وهذا يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة، وهذا من حجة من يبيح سؤر البغل والحمار‏.‏ فإن الحاجة داعية إلى ذلك، والمانع يقول ذلك مثل سؤر الكلب، فإنه مع إباحة قنيته لما يحتاج فيه إليه نهى عن سؤره‏.‏
والمرخص يقول‏:‏ إن الكلب أباحه للحاجة، ولهذا حرم ثمنه، بخلاف البغل والحمار، فإن بيعهما جائز باتفاق المسلمين‏.‏ والمسألة مبنية على أسآر السباع، وما لا يؤكل لحمه‏.‏

وقال كذلك (21/520)
أما مقاود الخيل ورباطها فطاهر باتفاق الأئمة؛ لأن الخيل طاهرة بالاتفاق‏.‏

ولكن الحمير فيها خلاف‏:‏ هل هي طاهرة أو نجسة، أو مشكوك فيها‏؟‏ والصحيح الذي لا ريب فيه أن شعرها طاهر؛ إذ قد بينا أن شعر الكلب طاهر، فشعر الحمار أولى‏.‏

وإنما الشبهة في ريق الحمار هل يلحق بريق الكلب أو بريق الخيل‏؟‏
وأما مقاودها وبراذعها فمحكوم بطهارتها، وغاية ما فيها أنه قد يصيبها بول الدواب وروثها‏.‏

وبول البغل والحمار فيه نزاع بين العلماء‏.‏ منهم من يقول‏:‏ هو طاهر ومنهم من ينجسه، وهم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة‏.‏
لكن هل يعفي عن يسيره‏؟‏ على قولين‏.‏ هما روايتان عن أحمد‏.‏ فإذا عفي عن يسير بوله وروثه، كان ما يصيب المقاود وغيرها معفوًا عنه‏.‏ وهذا مع تيقن النجاسة‏.‏
وأما مع الشك، فالأصل في ذلك الطهارة، والاحتياط في ذلك وسواس، فإن الرجل إذا أصابه ما يجوز أن يكون طاهرًا ويجوز أن يكون نجسًا لم يستحب له التجنب على الصحيح، ولا الاحتياط، فإن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مر هو وصاحب له بميزاب فقطر على صاحبه منه ماء‏.‏ فقال صاحبه‏:‏ يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس‏؟‏ فقال عمر‏:‏ يا صاحب الميزاب لا تخبره، فإن هذا ليس عليه‏.‏
وعلى القول بالعفو، فإذا فرش في الخانات وغيرها على روث الحمير ونحوها، فإنه يعفي عن يسير ذلك‏.‏ وأما روث الخيل فالصحيح أنه طاهر، فلا يحتاج إلى عفو، ولا يجب عليه شيء من ذلك إذا دخل الحضر، وسواء كانت يده رطبة من ماء أو غير ذلك، فإنه لا يضره من المقاود‏.‏ وغسل المقاود بدعة لم ينقـل ذلك عن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بل كانوا يركبونها‏.‏ وامتن الله عليهم بذلك في قوله تعالى ‏:‏ ‏{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 8‏]‏، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة يركبها، وروي عنه‏:‏ أنه ركب الحمار، وما نقل أنه أمر خُدَّام الدواب أن يحترزوا من ذلك‏.‏

عبدالرحمن الفقيه.
07-09-03, 10:38 PM
وأما مسألة أن الأصل في الأبوال النجاسة فقد ينازع فيها، وكذلك معنى الركس وأنه النجس وقد نبه إلى ذلك أيضا ابن تيمية رحمه الله
ولعلي أسوق كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله للفائدة

وقَالَ ـ رحمَهُ الله‏:‏ (534-586)
أما بعد، فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام المشروعة تصويرًا وتقريرًا وتأصيلا وتفصيلا، فوقع الكلام في شرح القول في حكم منى الإنسان وغيره من الدواب الطاهرة، وفي أرواث البهائم المباحة‏:‏ أهى طاهرة أم نجسة‏؟‏ على وجه أحب أصحابنا تقييده، وما يقاربه من زيادة ونقصان، فكتبت لهم في ذلك، فأقول ولا حول ولا قوة إلا باللَّه‏.‏
هذا مبنى على أصل، وفصلين‏.‏ أما الأصل‏:‏
فاعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة ـ على اختلاف أصنافها وتباين أوصافها ـ أن تكون حلالا مطلقًا للآدميين، وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ملابستها ومباشرتها، ومماستها، وهذه كلمة جامعة، ومقالة عامة، وقضية فاضلة عظيمة المنفعة، واسعة البركة، يفزع إليها حملة الشريعة، فيما لا يحصى من الأعمال‏.‏ وحوادث الناس، وقد دل عليها أدلة عشرة ـ مما حضرنى ذكره من الشريعة ـ وهى‏:‏ كتاب الله، وسنة رسوله، واتباع سبيل المؤمنين المنظومة في قوله تعالى‏:‏ ‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}‏ ‏[‏النساء‏:‏59‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 55‏]‏‏.‏ ثم مسالك القياس، والاعتبار، ومناهج الرأي، والاستبصار‏.‏
الصنف الأول‏:‏ الكتاب، وهو عدة آيات‏.‏
الآية الأولى قوله تعالى‏:‏ ‏{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 29‏]‏، والخطاب لجميع الناس‏.‏ لافتتاح الكلام بقوله‏:‏ ‏{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 21‏]‏، ووجه الدلالة أنه أخبر، أنه خلق جميع ما في الأرض للناس مضافًا إليهم باللام، واللام حرف الإضافة، وهي توجب اختصاص المضاف بالمضاف إليه، واستحقاقه إياه من الوجه الذي يصلح له، وهذا المعنى يعم موارد استعمالها‏.‏ كقولهم‏:‏ المال لزيد، والسرج للدابة، وما أشبه ذلك فيجب إذًا أن يكون الناس مملكين ممكنين لجميع ما في الأرض فضلاً من الله ونعمة، وخص من ذلك بعض الأشياء وهي الخبائث؛ لما فيها من الإفساد لهم في معاشهم، أو معادهم، فيبقى الباقي مباحًا بموجب الآية‏.‏
الآية الثانية‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 119‏]‏، دلت الآية من وجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه وبخهم وعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه قبل أن يحله باسمه الخاص، فلو لم تكن الأشياء مطلقة مباحة لم يلحقهم ذم ولا توبيخ؛ إذ لو كان حكمها مجهولا، أو كانت محظورة لم يكن ذلك‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 119‏]‏، والتفصيل التبيين، فبين أنه بين المحرمات، فما لم يبين تحريمه ليس بمحرم‏.‏ وما ليس بمحرم فهو حلال؛ إذ ليس إلا حلال أو حرام‏.‏
الآية الثالثة‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏13‏]‏، وإذا كان ما في الأرض مسخرًا لنا، جاز استمتاعنا به كما تقدم‏.‏
الآية الرابعة‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا}‏ الآية ‏[‏الأنعام‏:‏ 145‏]‏، فما لم يجد تحريمه، ليس بمحرم‏.‏ وما لم يحرم، فهو حل، ومثل هذه الآية قوله‏:‏ ‏{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 173‏]‏؛ لأن حرف‏:‏ ‏[‏إنما‏]‏ يوجب حصر الأول في الثاني، فيجب انحصار المحرمات فيما ذكر‏.‏ وقد دل الكتاب على هذا الأصل المحيط في مواضع أخر‏.‏
الصنف الثاني‏:‏ السنة والذي حضرني منها حديثان‏:‏
الحديث الأول‏:‏ في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أعظم المسلمين جرمًا من يسأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته‏)‏‏.‏ دل ذلك على أن الأشياء لا تحرم إلا بتحريم خاص، لقوله‏:‏ لم يحرم، ودل أن التحريم قد يكون لأجل المسألة، فبين بذلك أنها بدون ذلك ليست محرمة، وهو المقصود‏.‏
الثاني‏:‏ روى أبو داود في سننه عن سلمان الفارسي قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من السمن والجبن والفراء فقال‏:‏ ‏(‏الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه‏)‏‏.‏ فمنه دليلان‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه أفتى بالإطلاق فيه‏.‏
الثاني‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏وما سكت عنه فهو مما عفا عنه‏)‏، نص في أن ما سكت عنه فلا إثم عليه فيه، وتسميته هذا عفوًا كأنه ـ والله أعلم ـ لأن التحليل هو الإذن في التناول بخطاب خاص، والتحـريم المنع من التناول كذلك، والسكـوت عنه لم يؤذن بخطاب يخصه، ولم يمنع منه، فيرجع إلى الأصل، وهو ألا عقاب إلا بعد الإرسال، وإذا لم يكن فيه عقاب، لم يكن محرما وفي السنة دلائل كثيرة على هذا الأصل‏.‏
الصنف الثالث‏:‏ اتباع سبيل المؤمنين، وشهادة شهداء الله في أرضه الذين هم عدول الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، المعصومين من اجتماعهم على ضلالة، المفروض اتباعهم، وذلك أنى لست أعلم خلاف أحد من العلماء السالفين‏:‏ في أن ما لم يجئ دليل بتحريمه فهو مطلق غير محجور‏.‏ وقد نص على ذلك كثير ممن تكلم في أصول الفقه وفروعه، وأحسب بعضهم ذكر في ذلك الإجماع يقينا أو ظنا كاليقين‏.‏
فإن قيل‏:‏ كيف يكون في ذلك إجماع، وقد علمت اختلاف الناس في الأعيان قبل مجيء الرسل، وإنزال الكتب، هل الأصل فيها الحظر أو الإباحة‏؟‏ أو لا يدرى ما الحكم فيها‏؟‏ أو أنه لا حكم لها أصلا‏؟‏ واستصحاب الحال دليل متبع، وأنه قد ذهب بعض من صنف في أصول الفقه من أصحابنا وغيرهم على أن حكم الأعيان الثابت لها قبل الشرع مستصحب بعد الشرع، وأن من قال‏:‏ بأن الأصل في الأعيان الحظر استصحب هذا الحكم حتى يقوم دليل الحل‏.‏
فأقول‏:‏ هذا قول متأخر لم يؤثر أصله عن أحد من السابقين‏.‏ ممن له قدم، وذلك أنه قد ثبت أنها بعد مجىء الرسل على الإطلاق، وقد زال حكم ذلك الأصل بالأدلة السمعية التي ذكرتها، ولست أنكر أن بعض من لم يحط علما بمدارك الأحكام، ولم يؤت تمييزًا في مظان الاشتباه، ربما سحب ذيل ما قبل الشرع على ما بعده‏.‏ إلا أن هذا غلط قبيح لو نبه له لتنبه مثل الغلط في الحساب لا يهتك حريم الإجماع، ولا يثلم سنن الاتباع‏.‏
ولقد اختلف الناس في تلك المسألة‏:‏ هل هي جائزة أم ممتنعة‏؟‏ لأن الأرض لم تخل من نبى مرسل؛ إذ كان آدم نبيًا مكلمًا حسب اختلافهم في جواز خلو الأقطار عن حكم مشروع، وإن كان الصواب عندنا جوازه‏.‏
ومنهم من فرضها فيمن ولد بجزيرة، إلى غير ذلك من الكلام الذي يبين لك ألا عمل بها، وأنها نظر محض ليس فيه عمل‏.‏ كالكلام في مبدأ اللغات وشبه ذلك، على أن الحق الذي لا راد له أن قبل الشرع لا تحليل ولا تحريم، فإذًا لا تحريم يستصحب ويستدام، فيبقى الآن كذلك، والمقصود خلوها عن المآثم والعقوبات‏.‏
وأما مسلك الاعتبار بالأشباه والنظائر واجتهاد الرأى في الأصول الجوامع، فمن وجوه كثيرة ننبه على بعضها‏.‏
أحدها‏:‏ أن الله ـ سبحانه ـ خلق هذه الأشياء وجعل فيها للإنسان متاعا ومنفعة‏.‏ ومنها ما قد يضطر إليه وهو ـ سبحانه ـ جواد ماجد كريم رحيم غنى صمد، والعلم بذلك يدل على العلم بأنه لا يعاقبه ولا يعذبه على مجرد استمتاعه بهذه الأشياء وهو المطلوب‏.‏
وثانيها‏:‏ أنها منفعة خالية عن مضرة فكانت مباحة كسائر ما نص على تحليله، وهذا الوصف قد دل على تعلق الحكم به النص وهو قوله‏:‏ ‏{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 157‏]‏، فكل ما نفع فهو طيب، وكل ما ضر فهو خبيث‏.‏ والمناسبة الواضحة لكل ذي لب، أن النفع يناسب التحليل، والضرر يناسب التحريم والدوران، فإن التحريم يدور مع المضار وجودًا‏:‏ في الميتة والدم ولحم الخنزير وذوات الأنياب والمخالب والخمر وغيرها مما يضر بأنفس الناس،وعدما‏:‏في الأنعام والألبان وغيرها‏.‏
وثالثها‏:‏ أن هذه الأشياء إما أن يكون لها حكم أولا يكون، والأول صواب، والثاني باطل بالاتفاق، وإذا كان لها حكم، فالوجوب والكراهة والاستحباب معلومة البطلان بالكلية؛ لم يبق إلا الحل‏.‏ والحرمة باطلة لانتفاء دليلها نصًا واستنباطًا، لم يبق إلا الحل وهو المطلوب‏.‏
إذا ثبت هذا الأصل فنقول‏:‏ الأصل في الأعيان الطهارة لثلاثة أوجه‏:‏
أحدها‏:‏ أن الطاهر ما حل ملابسته ومباشرته وحمله في الصلاة‏.‏ والنجس بخلافه، وأكثر الأدلة السالفة تجمع جميع وجوه الانتفاع بالأشياء‏:‏ أكلا وشربًا ولبسًا ومسًا وغير ذلك، فثبت دخول الطهارة في الحل، وهو المطلوب، والوجهان الآخران نافلة‏.‏
الثاني‏:‏ أنه إذا ثبت أن الأصل جوازا أكلها وشربها فلأن يكون الأصل ملابستها ومخالطتها الخلق أولى وأحرى، وذلك لأن الطعام يخالط البدن ويمازجه وينبت منه فيصير مادة وعنصرًا له، فإذا كان خبيثًا صار البدن خبيثًا فيستوجب النار؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به‏)‏‏.‏ والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب‏.‏ وأما ما يماس البدن ويباشره فيؤثر ـ أىضًا ـ في البدن من ظاهر كتأثير الأخباث في أبداننا وفي ثيابنا المتصلة بأبداننا، لكن تأثيرها دون تأثير المخالط الممازج‏.‏ فإذا حل مخالطة الشيء وممازجته، فحل ملابسته ومباشرته أولى‏.‏ وهذا قاطع لا شبهة فيه‏.‏ وطرد ذلك أن كل ما حرم مباشرته وملابسته، حرم مخالطته وممازجته، ولا ينعكس‏.‏ فكل نجس محرم الأكل، وليس كل محرم الأكل نجسًا‏.‏ وهذا في غاية التحقيق‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر، كما يقولونه فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل وما لا يحل نكاحه وشبه ذلك‏.‏ فإنه غاية المتقابلات‏.‏ تجد أحد الجانبين فيها محصورًا مضبوطًا والجانب الآخر مطلق مرسل والله ـ تعالى ـ الهادي للصواب‏.‏
الفصل الأول
القول في طهارة الأرواث والأبوال من الدواب والطير التي لم تحرم وعلى ذلك عدة أدلة‏:‏
الدليل الأول‏:‏ أن الأصل الجامع طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها، فكل ما لم يبين لنا أنه نجس فهو طاهر، وهذه الأعيان لم يبين لنا نجاستها فهي طاهرة‏.‏ أما الركن الأول من الدليل، فقد ثبت بالبراهين الباهرة والحجج القاهرة‏.‏ وأما الثاني فنقول‏:‏ إن المنفي على ضربين‏:‏ نفي نحصره ونحيط به، كعلمنا بأن السماء ليس فيها شمسان ولا قمران طالعان، وأنه ليس لنا إلا قبلة واحدة، وأن محمدًا لا نبي بعده، بل علمنا أنه لا إله إلا الله، وأن ما ليس بين اللوحين ليس بقرآن، وأنه لم يفرض إلا صوم شهر رمضان، وعلم الإنسان أنه ليس في دراهم قبل ولا تغير، وأنه لم يطعم، وأنه البارحة لم ينم، وغير ذلك مما يطول عده، فهذا كله نفي مستيقن يبين خطأ من يطلق قوله‏:‏ لا تقبل الشهادة على النفي‏.‏
الثاني‏:‏ ما لا يستيقن نفيه وعدمه‏.‏ ثم منه ما يغلب على القلب ويقوى في الرأى، ومنه ما لا يكون كذلك‏.‏ فإذا رأينا حكمًا منوطًا بنفي من الصنف الثاني، فالمطلوب أن نرى النفي ويغلب على قلوبنا‏.‏
والاستدلال بالاستصحاب وبعدم المخصص وعدم الموجب لحمل الكلام على مجازه هو من هذا القسم‏.‏ فإذا بحثنا وسبرنا عما يدل على نجاسة هذه الأعيان والناس يتكلمون فيها منذ مئات من السنين فلم نجد فيها إلا أدلة معروفة‏.‏ شهدنا شهادة جازمة في هذا المقام بحسب علمنا ألا دليل إلا ذلك‏.‏
فنقول‏:‏ الاستدلال بهذا الدليل إنما يتم بفسخ ما استدل به على النجاسة، ونقض ذلك‏.‏ وقد احتج لذلك بمسلكين‏:‏ أثرى ونظرى‏:‏
أما الأثري‏:‏ فحديث ابن عباس المخرج في الصحيحين‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال‏:‏ ‏(‏إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير‏.‏ أما أحدهما فكان لا يستتر من البول‏)‏ وروى‏:‏ ‏(‏لا يستنزه ـ‏)‏ والبول اسم جنس محلى باللام، فيوجب العموم‏.‏ كالإنسان في قوله‏:‏ ‏{إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا}‏‏[‏العصر‏:‏ 2، 3‏]‏، فإن المرتضى أن أسماء الأجناس تقتضي من العموم ما تقتضيه أسماء الجموع، لست أقول‏:‏ الجنس الذي يفصل بين واحده وكثيره الهاء ـ كالتمر، والبر، والشجر ـ فإن حكم تلك حكم الجموع بلا ريب‏.‏ وإنما أقول‏:‏ اسم الجنس المفرد الدال على الشيء، وعلى ما أشبهه ـ كإنسان ورجل، وفرس، وثوب، وشبه ذلك‏.‏
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بالعذاب من جنس البول، وجب الاحتراز والتنزه من جنس البول، فيجمع ذلك أبوال جميع الدواب، والحيوان الناطق، والبهيم، ما يؤكل وما لا يؤكل، فيدخل بول الأنعام في هذا العموم، وهو المقصود‏.‏
وهذا قد اعتمد عليه بعض من يدعى الاستدلال بالسمع، وبعض الرأى، وارتضاه بعض من يتكايس، وجعله مفزعًا وموئلاً‏.‏
المسلك الثاني النظري‏:‏ وهو من ثلاثة أوجه‏:‏
أحدها‏:‏ القياس على البول المحرم فنقول‏:‏ بول، وروث، فكان نجسًا كسائر الأبوال، فيحتاج هذا القياس أن يبين أن مناط الحكم في الأصل هو أنه بول وروث، وقد دل على ذلك تنبيهات النصوص مثل قوله‏:‏ ‏(‏اتقـوا البول‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏كان بنـو إسرائيل إذا أصاب ثوب أحدهم البول قرضه بالمقراض‏)‏‏.‏
والمناسبة ـ أيضًا ـ‏:‏ فإن البول والروث مستخبث مستقذر، تعافه النفوس، على حد يوجب المباينة، وهذا يناسب التحريم، حملا للناس على مكارم الأخلاق، ومحاسن الأحوال، وقد شهد له بالاعتبار تنجس أرواث الخبائث‏.‏
الثاني‏:‏ أن نقول‏:‏ إذا فحصنا وبحثنا عن الحد الفاصل بين النجاسات والطهارات، وجدنا ما استحال في أبدان الحيوان عن أغذيتها، فما صار جزءًا فهو طيب الغذاء، وما فضل فهو خبيثه؛ ولهذا يسمى رجيعًا‏.‏ كأنه أخذ ثم رجع أى رد‏.‏ فما كان من الخبائث يخرج من الجانب الأسفل‏:‏ كالغائط والبول والمني والوذي والودي، فهو نجس‏.‏ وما خرج من الجانب الأعلى‏:‏ كالدمع والريق والبصاق والمخاط ونخامة الرأس، فهو طاهر‏.‏ وما تردد كبلغم المعدة ففيه تردد‏.‏
وهذا الفصل بين ما خرج من أعلى البدن، وأسفله، قد جاء عن سعيد بن المسيب ونحوه، وهو كلام حسن في هذا المقام الضيق‏.‏ الذي لم يفقه كل الفقه، حتى زعم زاعمون أنه تعبد محض وابتلاء، وتمييز بين من يطيع وبين من يعصى‏.‏
وعندنا أن هذا الكلام لا حقيقة له بمفرده، حتى يضم إليه أشياء أخر، فَرَّق من فَرَّق بين ما استحال في معدة الحيوان كالروث والقىء وما استحال من معدته كاللبن‏.‏
وإذا ثبت ذلك، فهذه الأبوال والأرواث مما يستحيل في بدن الحيوان، وينصع طيبه، ويخرج خبيثه من جهة دبره وأسفله، ويكون نجسا‏.‏ فإن فرق بطيب لحم المأكول، وخبث لحم المحرم، فيقال‏:‏ طيب الحيوان وشرفه وكرمه لا يوجب طهارة روثه، فإن الإنسان إنما حرم لحمه كرامة له وشرفا، ومع ذلك فبوله أخبث الأبوال‏.‏
ألا ترى أنكم تقولون‏:‏ إن مفارقة الحياة لا تنجسه، وأن ما أبين منه ـ وهو حى فهو طاهر ـ أيضًا كما جاء في الأثر ـ وإن لم يؤكل لحمه ـ فلو كان إكرام الحيوان موجبًا لطهارة روثه، لكان الإنسان في ذلك القدح المعلى‏.‏ وهذا سر المسألة ولبابها‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أنه في الدرجة السفلى من الاستخباث، والطبقة النازلة من الاستقذار‏.‏ كما شهد به أنفس الناس، وتجده طبائعهم وأخلاقهم، حتى لا نكاد نجد أحدًا ينزله منزلة در الحيوان ونسله، وليس لنا إلا طاهر، أو نجس‏.‏ وإذا فارق الطهارات، دخل في النجاسات، والغالب عليه أحكام النجاسات ـ من مباعدته ومجانبته ـ فلا يكون طاهرًا؛ لأن العين إذا تجاذبتها الأصول، لحقت بأكثرها شبهًا، وهو متردد بين اللبن وبين غيره من البول، وهو بهذا أشبه‏.‏
ويقـوى هـذا أنـه قـال تعالى‏:‏ ‏{مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 66‏]‏، قد ثبت أن الدم نجس، فكذلك الفرث؛ لتظهر القدرة والرحمة في إخراج طيب من بين خبيثين‏.‏ ويبين هذا جميعه أنه يوافق غيره من البول في خلقه ولونه وريحه وطعمـه، فكيف يفـرق بينهما مع هـذه الجوامع التي تكاد تجعل حقيقة أحدهما حقيقة الآخر‏؟‏‏!‏
فالوجه الأول‏:‏ قياس التمثيل وتعليق الحكم بالمشترك المدلول عليه‏.‏
والثاني‏:‏ قياس التعليل بتنقيح مناط الحكم وضبط أصل كلي‏.‏
والثالث‏:‏ التفريق بينه وبين جنس الطاهرات فلا يجوز إدخاله فيها، فهذه أنواع القياس‏:‏ أصل ووصل وفصل‏.‏
فالوجه الأول‏:‏ هو الأصل، والجمع بينه وبين غيره من الأخباث‏.‏
والثاني‏:‏ هو الأصل والقاعدة، والضابط الذي يدخل فيه‏.‏
والثالث‏:‏ الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات، وهو قياس العكس فالجواب عن هذه الحجج، والله المستعان‏.‏
أما المسلك الأول‏:‏ فضعيف جدًا لوجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن اللام في البول للتعريف، فتفيد ما كان معروفًا عند المخاطبين، فإن كان المعروف واحدًا معهودًا فهو المراد‏.‏ وما لم يكن ثم عهد بواحد، أفادت الجنس؛ إما جميعه على المرتضى، أو مطلقه على رأي بعض الناس، وربما كانت كذلك‏.‏ وقد نص أهل المعرفة باللسان والنظر في دلالات الخطاب أنه لا يصار إلى تعريف الجنس إلا إذا لم يكن ثم شيء معهود، فأما إذا كان ثَمَّ شيء معهود مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 15، 16‏]‏، صار معهودًا بتقدم ذكره، وقوله‏:‏ ‏{لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ}‏ ‏[‏النور‏:‏ 63‏]‏، هو معين؛ لأنه معهود بتقدم معرفته وعلمه، فإنه لا يكون لتعريف جنس ذلك الاسم حتى ينظر فيه، هل يفيد تعريف عموم الجنس، أو مطلق الجنس فافهم هذا، فإنه من محاسن المسالك‏.‏
فإن الحقائق ثلاثة‏:‏ عامة، وخاصة، ومطلقة‏.‏
فإذا قلت‏:‏ الإنسان، قد تريد جميع الجنس، وقد تريد مطلق الجنس، وقد تريد شيئًا بعينه من الجنس‏.‏
فأما الجنس العام، فوجوده في القلوب والنفوس علمًا ومعرفة وتصورا‏.‏
وأما الخاص من الجنس‏:‏ مثل زيد وعمرو، فوجوده هو حيث حل، وهو الذي يقال له وجود في الأعيان، وفي خارج الأذهان وقد يتصور هكذا في القلب خاصًا متميزا‏.‏
وأما الجنس المطلق مثل الإنسان المجرد عن عموم وخصوص، الذي يقال له نفس الحقيقة، ومطلق الجنس، فهذا كما لا يتقيد في نفسه، لا يتقيد بمحله، إلا أنه لا يدرك إلا بالقلوب، فتجعل محلا له بهذا الاعتبار، وربما جعل موجودا في الأعيان باعتبار أن في كل إنسان حظًا من مطلق الإنسانية فالموجود في العين المعينة من النوع حظها وقسطها‏.‏
فإذا تبين هذا، فقوله‏:‏ فإنه كان لا يستنزه من البول، بيان للبول المعهود، وهو الذي كان يصيبه، وهو بول نفسه‏.‏ يدل على هذا ـ أيضًا ـ سبعة أوجه‏:‏
أحدها‏:‏ ما روى، ‏(‏فإنه كان لا يستبرئ من البول‏)‏ والاستبراء لا يكون إلا من بول نفسه؛ لأنه طلب براءة الذكر، كاستبراء الرحم من الولد‏.‏
الثاني‏:‏ أن اللام تعاقب الإضافة، فقوله‏:‏ ‏(‏من البول‏)‏ كقوله‏:‏ من بوله، وهذا مثل قوله‏:‏ ‏{مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ}‏ ‏[‏ص‏:‏ 50‏]‏، أي أبوابها‏.‏
الثالث‏:‏ أنه قد روى هذا الحديث من وجوه صحيحة‏:‏ ‏(‏فكان لا يستتر من بوله‏)‏ وهذا يفسر تلك الرواية‏.‏
ثم هذا الاختلاف في اللفظ متأخر‏:‏ عن منصور، روى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس‏.‏ ومعلوم أن المحدث لا يجمع بين هذين اللفظين، والأصل والظاهر عدم تكرر قول النبي صلى الله عليه وسلم فعلم أنهم رووه بالمعنى، ولم يبن أى اللفظين هو الأصل‏.‏
ثم إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال اللفظين، مع أن معنى أحدهما يجوز أن يكون موافقًا لمعنى الآخر، ويجوز أن يكون مخالفًا، فالظاهر الموافقة‏.‏ يبين هذا أن الحديث في حكاية حال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، ومعلوم أنها قضية واحدة‏.‏
الرابع‏:‏ أنه إخبار عن شخص بعينه أن البول كان يصيبه، ولا يستتر منه‏.‏ ومعلوم أن الذي جرت العادة به بول نفسه‏.‏
الخامس‏:‏ أن الحسن قال‏:‏ البول كله نجس، وقال ـ أيضًا ـ‏:‏ لا بأس بأبوال الغنم، فعلم أن البول المطلق عنده هو بول الإنسان‏.‏
السادس‏:‏ أن هذا هو المفهوم للسامع عند تجرد قلبه عن الوسواس والتمريح، فإنه لا يفهم من قوله‏:‏ فإنه كان لا يستتر من البول إلا بول نفسه‏.‏ ولو قيل‏:‏ إنه لم يخطر لأكثر الناس على بالهم جميع الأبوال‏:‏ من بول بعير، وشاة وثور، لكان صدقًا‏.‏
السابع‏:‏ أنه يكفي بأن يقال‏:‏ إذا احتمل أن يريد بول نفسه؛ لأنه المعهود، وأن يريد جميع جنس البول، لم يجز حمله على أحدهما إلا بدليل، فيقف الاستدلال‏.‏ وهذا ـ لعمرى ـ تنزل، وإلا فالذي قدمنا أصل مستقر، من أنه يجب حمله على البول المعهود، وهو نوع من أنواع البول، وهو بول نفسه الذي يصيبه غالبًا، ويترشرش على أفخاذه وسوقه، وربما استهان بإنقائه، ولم يحكم الاستنجاء منه‏.‏ فأما بول غيره من الأدميين، فإن حكمه ـ وإن ساوى حكم بول نفسه ـ فليس ذلك من نفس هذه الكلمة، بل لاستوائهما في الحقيقة، والاستواء في الحقيقة يوجب الاستواء في الحكم‏.‏ ألا ترى أن أحدا لا يكاد يصيبه بول غيره، ولو أصابه لساءه ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن أمر موجود غالب في هذا الحديث، وهو قوله‏:‏ ‏(‏اتقوا البول فإن عامة عذاب القبر منه‏)‏ فكيف يكون عامة عذاب القبر من شيء لا يكاد يصيب أحدًا من الناس، وهذا بين لا خفاء به‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أنه لو كان عامًا في جميع الأبوال، فسوف نذكر من الأدلة الخاصة على طهارة هذا النوع ما يوجب اختصاصه من هذا الاسم العام‏.‏ ومعلوم من الأصول المستقرة إذا تعارض الخاص والعام فالعمل بالخاص أولى؛ لأن ترك العمل به إبطال له وإهدار، والعمل به ترك لبعض معانى العام، وليس استعمال العام وإرادة الخاص ببدع في الكلام، بل هو غالب كثير‏.‏
ولو سلمنا التعارض على التساوي من هذا الوجه، فإن في أدلتنا من الوجوه الموجبة للتقديم والترجيح وجوها أخرى من الكثرة والعمل، وغير ذلك مما سنبينه ـ إن شاء الله تعالى‏.‏ومن عجيب ما اعتمد عليه بعضهم، قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أكثر عذاب القبر من البول‏)‏‏.‏ والقول فيه كالقول فيما تقدم ـ مع أنا نعلم إصابة الإنسان بول غيره قليل نادر، وإنما الكثير إصابته بول نفسه‏.‏ ولو كان أراد أن يدرج بوله في الجنس الذي يكثر وقوع العذاب بنوع منه، لكان بمنزلة قوله أكثر عذاب القبر من النجاسات‏.‏
واعتمد ـ أيضًا ـ على قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يصلي أحدكم بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان‏)‏ يعنى البـول والنجـو‏.‏ وزعـم أن هذا يفيد تسمية كل بول ونجو أخبث، والأخبث حرام نجس، وهذا في غاية السقوط؛ فإن اللفظ ليس فيه شمول لغير ما يدافع أصلا‏.‏ وقوله‏:‏ إن الاسم يشمل الجنس كله‏.‏ فيقال له‏:‏ وما الجنس العام‏؟‏ أكل بول ونجو‏؟‏ أم بول الإنسان ونجوه‏؟‏ وقد علم أن الذي يدافع كل شخص من جنس الذي يدافع غيره، فأما ما لا يدافع أصلا، فلا مدخل له في الحديث، فهذه عمدة المخالف‏.‏
وأما المسلك النظري‏:‏ فالجواب عنه من طريقين‏:‏ مجمل، ومفصل‏.‏
أما المفصل فالجواب عن الوجه الأول من وجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ لا نسلم أن العلة في الأصل أنه بول وروث، وما ذكروه من تنبيه النصوص، فقد سلف الجـواب بأن المراد بها بـول الإنسان‏.‏ ومـا ذكروه مـن المناسبة فنقول‏:‏ التعليل‏:‏ إما أن يكون بجنس استخباث النفس واستقذارها، أو بقدر محدود من الاستخباث والاستقذار‏.‏
فإن كان الأول، وجب تنجيس كل مستخبث مستقذر، فيجب نجاسة المخاط والبصاق والنخامة، بل نجاسة المني الذي جاء الأثر بإماطته من الثياب، بل ربما نفرت النفوس عن بعض هذه الأشياء أشد من نفورها عن أرواث المأكول من البهائم، مثل مخطة المجذوم إذا اختلطت بالطعام، ونخامة الشيخ الكبير إذا وضعت في الشراب، وربما كان ذلك مدعاة لبعض الأنفس إلى أن يذرعه القيء‏.‏
وإن كان التعليل بقدر موقت من الاستقذار، فهذا قد يكون حقًا لكن لابد من بيان الحد الفاصل بين القدر من الاستخباث الموجب للتنجيس، وبين ما لا يوجب، ولم يبين ذلك، ولعل هذه الأعيان مما ينقض بيان استقذارها الحد المعتبر‏.‏
ثم إن التقديرات في الأسباب والأحكام إنما تعلم من جهة استقذارها عن الشرع في الأمـر الغالب، فنقـول‏:‏ متى حكم بنجاسة نوع علمنا أنه مما غلظ استخباثه، ومتى لم يحكم بنجاسة نوع، علمنا أنه لم يغلظ استخباثه فنعود مستدلين بالحكم على المعتبر من العلة، فمتى استربنا في الحكم فنحن في العلة أشد استرابة، فبطل هذا‏.‏ وأما الشاهد بالاعتبار، فكما أنه شهد لجنس الاستخباث، شهد للاستخباث الشديد، والاستقذار الغليظ‏.‏
وثانيهما‏:‏ أن نقـول‏:‏ لم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل أنه بول ما يؤكل لحمه‏؟‏ وهـذه علة مطـردة بالإجماع منا ومـن المخالفـين لنا في هـذه المسألـة والانعكـاس ـ إن لم يكـن واجبًا ـ فقـد حصل الغـرض‏.‏ وإن كـان شـرطًا في العـلل، فنقـول فيه ما قالوا في اطراد العلة وأولى، حيث خولفوا فيه وعدم الانعكاس أيسر من عدم الاطراد‏.‏
وإذا افترق الصنفان في اللحم والعظم واللبن والشعر، فلم لا يجوز افتراقهما في الروث الروث والبول، وهـذه المناسبـة أبين ‏؟‏ فإن كل واحد من هذه الأجزاء هو بعض من أبعاض
البهيمة، أو متولد منها، فيلحق سائرها قياسًا لبعض الشيء على جملته‏.‏
فإن قيل‏:‏ هذا منقوض بالإنسان فإنه طاهر ولبنه طاهر، وكذلك سائر أمواهه وفضلاته، ومع هذا فروثه وبوله من أخبث الأخباث، فحصل الفرق فيه بين البول وغيره‏.‏
فنقول‏:‏ اعلم أن الإنسان فارق غيره من الحيوان في هذا الباب طردًا وعكسًا، فقياس البهائم بعضها ببعض وجعلها في حيز يباين حيز الإنسان، وجعل الإنسان في حيز هو الواجب، ألا ترى أنه لا ينجس بالموت على المختار، وهي تنجس بالموت، ثم بوله أشد من بولها‏؟‏
ألا ترى أن تحريمه مفارق لتحريم غيره من الحيوان، لكرم نوعه وحرمته، حتى يحرم الكافر وغيره، وحتى لا يحل أن يدبغ جلده، مع أن بوله أشد وأغلظ، فهذا وغيره يدل على أن بول الإنسان فـارق سائر فضـلاته، أشـد من مفارقة بول البهائم فضلاتها، إما لعمـوم مـلابسته حتى لا يستخف بـه، أو لغـير ذلك مما الله أعلم به، على أنه يقال‏:‏ في عـذرة الإنسان وبولـه من الخبث والنتن والقذر ما ليس في عامة الأبوال والأرواث‏.‏ وفي الجملـة، فإلحـاق الأبوال باللحـوم في الطهارة والنجاسـة أحسـن طردًا من غيره‏.‏ والله أعلم‏.‏
وأما الوجه الثاني‏:‏ فنقول‏:‏ ذلك الأصل في الآدميين مسلم، والذي جاء عن السلف إنما جاء فيهم من الاستحالة في أبدانهم، وخروجه من الشق الأعلى أو الأسفل‏.‏ فمن أين يقال‏:‏ كذلك سائر الحيوان، وقد مضت الإشارة إلى الفرق‏؟‏‏!‏ ثم مخالفوهم يمنعونهم أكثر الأحكام في البهائم، فيقولون‏:‏ قد ثبت أن ما خبث لحمه، خبث لبنه ومنيه، بخلاف الآدمى، فبطلت هذه القاعدة في الاستحالة، بل قد يقولون‏:‏ إن جميع الفضلات الرطبة من البهائم حكمها سواء، فما طاب لحمه طاب لبنه وبوله وروثه ومنيه وعرقه وريقه ودمعه‏.‏ وما خبث لحمه، خبث لبنه وريقه وبوله وروثه ومنيه وعرقه ودمعه، وهذا قول يقوله أحمد في المشهور عنه، وقد قاله غيره‏.‏
وبالجملة، فاللبن والمني يشهد لهم بالفرق بين الإنسان والحيوان شهادة قاطعة، وباستواء الفضلات من الحيوان ضربا من الشهادة، فعلى هذا، يقال للإنسان‏:‏ يفرق بين ما يخرج من أعلاه وأسفله لما الله أعلم به، فإنه منتصب القامة نجاسته كلها في أعاليه، ومعدته التي هي محل استحالة الطعام والشراب في الشق الأسفل‏.‏وأما الثدى ونحوه فهو في الشق الأعلى، وليس كذلك البهيمة‏.‏ فإن ضرعها في الجانب المؤخر منها، وفيه اللبن الطيب، ولا مطمع في إثبات الأحكام بمثل هذه الحزورات‏.‏
وأما الوجه الثالث‏:‏ فمداره على الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات فإن فصل بنوع الاستقذار، بطل بجميع المستقذرات التي ربما كانت أشد استقذارا منه، وإن فصل بقدر خاص، فلابد من توقيته، وقد مضى تقرير هذا‏.‏
وأما الجواب العام، فمن أوجه ثلاثة‏:‏
أحدها‏:‏ أن هذا قياس في مقابلة الآثار المنصوصة، وهو قياس فاسد الوضع، ومن جمع بين ما فرقت السنة بينه، فقد ضاهي قول الذين قالوا‏:‏ ‏{إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 275‏]‏، ولذلك طهرت السنة هذا ونجست هذا‏.‏
الثاني‏:‏ أن هذا قياس في باب لم تظهر أسبابه وأنواطه، ولم يتبين مأخذه وما‏.‏‏.‏‏.‏، بل الناس فيه على قسمين‏:‏ إما قائل يقول هذا استبعاد محض، وابتلاء صرف، فلا قياس ولا إلحاق ولا اجتماع ولا افتراق‏.‏ وإما قائل يقول‏:‏ دقت علينا علله وأسبابه، وخفيت علينا مسالكه ومذاهبه، وقد بعث الله إلينا رسولا يزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، بعثه إلينا ونحن لا نعلم شيئًا، فإنما نصنع ما رأيناه يصنع، والسنة لا تضرب لها الأمثال، ولا تعارض بآراء الرجال، والدين ليس بالرأى ويجب أن يتهم الرأى على الدين، والقياس في مثل هذا الباب ممتنع باتفاق أولى الألباب‏.‏
الثالث‏:‏ أن يقال‏:‏ هذا كله مداره على التسوية بين بول ما يؤكل لحمه، وبول ما لا يؤكل لحمه، وهو جمع بين شيئين مفترقين، فإن ريح المحرم خبيثة، وأما ريح المباح فمنه ما قد يستطاب‏:‏ مثل أرواث الظباء، وغيرها‏.‏ وما لم يستطب منه فليس ريحه كريح غيره، وكذلك خلقه غالبًا‏.‏ فإنه يشتمل على أشياء من المباح، وهذا لأن الكلام في حقيقة المسألة، وسنعود إليه إن شاء الله في آخرها‏.‏
الدليل الثاني‏:‏ الحديث المستفيض، أخرجه أصحاب الصحيح وغيرهم من حديث أنس ابن مالك‏:‏ أن ناسًا من عُكْل أو عُرَينة قدموا المدينة فاجتووها فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحُّوا قتلوا راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود ‏.‏ وذكر الحديث‏.‏ فوجه الحجة أنه أذن لهم في شرب الأبوال، ولابد أن يصيب أفواههم وأيديهم وثيابهم وآنيتهم، فإذا كانت نجسة وجب تطهير أفواههم وأيديهم وثيابهم للصلاة، وتطهير آنيتهم، فيجب بيان ذلك لهم؛ لأن تأخير البيان عن وقت الاحتياج إليه لا يجوز، ولم يبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجب عليهم إماطة ما أصابهم منه، فدل على أنه غير نجس، ومن البين أن لو كانت أبوال الإبل كأبوال الناس، لأوشك أن يشتد تغليظه في ذلك‏.‏
ومن قال‏:‏ إنهم كانوا يعلمون أنها نجسة، وأنهم كانوا يعلمون وجوب التطهير من النجاسات، فقد أبعد غاية الإبعاد، وأتى بشيء قد يستيقن بطلانه لوجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن الشريعة أول ما شرعت كانت أخفي، وبعد انتشار الإسلام وتناقل العلم وإفشائه، صارت أبدى وأظهر، وإذا كنا إلى اليوم لم يستبن لنا نجاستها، بل أكثر الناس على طهارتها، وعامة التابعين عليه، بل قد قال أبو طالب وغيره‏:‏ إن السلف ما كانوا ينجسونها‏.‏ ولا يتقونها‏.‏ وقال أبو بكر ابن المنذر‏:‏ وعليه اعتماد أكثر المتأخرين في نقل الإجماع والخلاف، وقد ذكر طهارة الأبوال عن عامة السلف‏.‏ ثم قال‏:‏ قال الشافعي‏:‏ الأبوال كلها نجس‏.‏ قال‏:‏ ولا نعلم أحدًا قال قبل الشافعي أن أبوال الأنعام وأبعارها نجس‏.‏
قلت‏:‏ وقد نقل عن ابن عمر أنه سئل عن بول الناقة، فقال‏:‏ اغسل ما أصابك منه‏.‏ وعن الزهري فيما يصيب الراعي من أبوال الإبل قال‏:‏ ينضح‏.‏ وعن حماد بن أبي سليمان في بول الشاه والبعير‏:‏ يغسل‏.‏ ومذهب أبي حنيفة نجاسة ذلك على تفصيل لهم فيه‏.‏ فلعل الذي أراده ابن المنذر، القول بوجوب اجتناب قليل البول والروث وكثيره، فإن هذا لم يبلغنا عن أحد من السلف، ولعل ابن عمر أمر بغسله كما يغسل الثوب من المخاط والبصاق والمني ونحو ذلك‏.‏ وقد ثبت عن أبي موسى الأشعري أنه صلى على مكان فيه روث الدواب والصحراء أمامه‏.‏ وقال ههنا وههنا سواء‏.‏ وعن أنس بن مالك لا بأس ببول كل ذي كرش‏.‏
ولست أعرف عن أحد من الصحابة القول بنجاستها، بل القول بطهارتها، إلا ما ذكر عن ابن عمر إن كان أراد النجاسة فمن أين يكون ذلك معلوم لأولئك‏؟‏‏!‏
وثانيها‏:‏ أنه لو كان نجسًا فوجوب التطهر من النجاسة ليس من الأمور البينة، قد أنكره في الثياب طائفة من التابعين وغيرهم‏.‏ فمن أين يعلمه أولئك‏؟‏
وثالثها‏:‏ أن هذا لو كان مستفيضًا بين ظهرانى الصحابة، لم يجب أن يعلمه أولئك؛ لأنهم حديثو العهد بالجاهلية والكفر، فقد كانوا يجهلون أصناف الصلوات وأعدادها وأوقاتها، وكذلك غيرها من الشرائع الظاهرة، فجهلهم بشرط خفي في أمر خفي أولى وأحرى، لاسيما والقوم لم يتفقهوا في الدين أدنى تفقه، ولذلك ارتدوا ولم يخالطوا أهل العلم والحكمة، بل حين أسلموا وأصابهم الاستيخام، أمرهم بالبداوة فيا ليت شعري، من أين لهم العلم بهذا الأمر الخفي‏؟‏‏!‏
ورابعها‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في تعليمه وإرشاده واكلاً للتعليم إلى غيره، بل يبين لكل واحد ما يحتاج إليه، وذلك معلوم لمن أحسن المعرفة بالسنن الماضية‏.‏
وخامسها‏:‏ أنه ليس العلم بنجاسة هذه الأرواث أبين من العلم بنجاسة بول الإنسان الذي قد علمه العذارى في حجالهن وخدورهن، ثم قد حذر منه للمهاجرين والأنصار الذين أوتوا العلم والإيمان، فصار الأعراب الجفاة أعلم بالأمور الخفية من المهاجرين والأنصار بالأمور الظاهرة، فهذا كما ترى‏.‏
وسادسها‏:‏ أنه فرق بين الأبوال والألبان وأخرجهما مخرجًا واحدًا‏.‏ والقران بين الشيئين ـ إن لم يوجب استواءهما ـ فلابد أن يورث شبهة، فلو لم يكن البيان واجبًا، لكانت المقارنة بينه وبين الطاهر موجبة للتمييز بينهما إن كان التمييز حقًا‏.‏
وفي الحديث دلالة أخرى فيها تنازع، وهو أنه أباح لهم شربها، ولو كانت محرمة نجسة لم يبح لهم شربها، ولست أعلم مخالفًا في جواز التداوي بأبوال الإبل‏.‏ كما جاءت السنة؛ لكن اختلفوا في تخريج مناطه فقيل‏:‏ هو أنها مباحة على الإطلاق، للتداوى وغير التداوي‏.‏ وقيل‏:‏ بل هي محرمة، وإنما أباحها للتداوي‏.‏ وقيل‏:‏ هي مع ذلك نجسة، والاستدلال بهذا الوجه يحتاج إلى ركن آخر، وهو أن التداوي بالمحرمات النجسة محرم، والدليل عليه من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن الأدلة الدالة على التحريم مثل قوله‏:‏ ‏{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏، و‏(‏كل ذي ناب من السباع حرام‏)‏‏.‏ و‏{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 90‏]‏، عامة في حال التداوي وغير التداوي، فمن فرق بينهما، فقد فرق بين ما جمع الله بينه وخص العموم، وذلك غير جائز‏.‏
فإن قيل‏:‏ فقد أباحها للضرورة، والمتداوي مضطر فتباح له، أو أنا نقيس إباحتها للمريض على إباحتها للجائع بجامع الحاجة إليها‏.‏
يؤيد ذلك أن المرض يسقط الفرائض من القيام في الصلاة والصيام في شهر رمضان، والانتقال من الطهارة بالماء إلى الطهارة بالصعيد‏.‏ فكذلك يبيح المحارم؛ لأن الفرائض والمحارم من واد واحد‏.‏
يؤيد ذلك أن المحرمات من الحلية واللباس مثل الذهب والحرير قد جاءت السنة بإباحة اتخاذ الأنف من الذهب‏.‏ وربط الأسنان به، ورخص للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير من حكة كانت بهما، فدلت هذه الأصول الكثيرة على إباحة المحظورات حين الاحتياج‏.‏ والافتقار إليها‏.‏
قلت‏:‏ أما إباحتها للضرورة فحق، وليس التداوي بضرورة لوجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن كثيرًا من المرضى أو أكثر المرضى يشفون بلا تداوٍ، لاسيما في أهل الوبر والقرى‏.‏ والساكنين في نواحي الأرض يشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل، أو دعوة مستجابة، أو رقية نافعة، أو قوة للقلب، وحسن التوكل، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير الدواء‏.‏ وأما الأكل فهو ضروري، ولم يجعل الله أبدان الحيوان تقوم إلا بالغذاء، فلو لم يكن يأكل لمات‏.‏ فثبت بهذا أن التداوي ليس من الضرورة في شيء‏.‏
وثانيها‏:‏ أن الأكل عند الضرورة واجب‏.‏ قال مسروق‏:‏ من اضطر إلى الميتة، فلم يأكل فمات، دخل النار، والتداوي غير واجب ومن نازع فيه‏:‏ خصمته السنة في المرأة السوداء التي خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الصبر على البلاء ودخول الجنة، وبين الدعاء بالعافية‏.‏ فاختارت البلاء والجنة‏.‏ ولو كان رفع المرض واجبًا، لم يكن للتخيير موضع، كدفع الجوع، وفي دعائه لأبي بالحمى، وفي اختياره الحمى لأهل قباء، وفي دعائه بفناء أمته بالطعن والطاعون، وفي نهيه عن الفرار من الطاعون‏.‏
وخصمه حال أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء، حين لم يتعاطوا الأسباب الدافعة له مثل أيوب ـ عليه السلام ـ وغيره‏.‏
وخصمه حال السلف الصالح، فإن أبا بكر الصديق ـ رضى الله عنه ـ حين قالوا له‏:‏ ألا ندعو لك الطبيب‏؟‏ قال‏:‏ قد رآني‏.‏ قالوا‏:‏ فما قال لك‏؟‏ قال‏:‏ قال‏:‏ إني فعال لما أريد‏.‏ ومثل هذا ونحوه يروي عن الربيع بن خيثم المخبت المنيب الذي هو أفضل الكوفيين، أو كأفضلهم وعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الهادي المهدي، وخلق كثير لا يحصون عددًا‏.‏
ولست أعلم سالفًا أوجب التداوي، وإنما كان كثير من أهل الفضل والمعرفة يفضل تركه تفضلاً واختيارًا لما اختار الله ورضى به، وتسليمًا له‏.‏ وهذا المنصوص عن أحمد وإن كان من أصحابه من يوجبه، ومنهم من يستحبه، ويرجحه‏.‏ كطريقة كثير من السلف استمساكًا لما خلقه الله من الأسباب، وجعله من سنته في عباده‏.‏
وثالثها‏:‏ أن الدواء لا يستيقن، بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض؛ إذ لو اطرد ذلك لم يمت أحد، بخلاف دفع الطعام للمسغبة والمجاعة، فإنه مستيقن بحكم سنة الله في عباده وخلقه‏.‏
ورابعها‏:‏ أن المرض يكون له أدوية شتى، فإذا لم يندفع بالمحرم، انتقل إلى المحلل، ومحال ألا يكون له في الحلال شفاء أو دواء، والذي أنزل الداء، أنزل لكل داء دواء إلا الموت، ولا يجوز أن يكون أدوية الأدواء في القسم المحرم، وهو سبحانه الرؤوف الرحيم‏.‏ وإلى هذا، الإشارة بالحديث المروي‏:‏ ‏(‏إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها‏)‏، بخلاف المسغبة فإنها ـ وإن اندفعت بأي طعام ـ اتفق، إلا أن الخبيث إنما يباح عند فقد غيره، فإن صورت مثل هذا في الدواء فتلك صورة نادرة؛ لأن المرض أندر من الجوع بكثير، وتعين الدواء المعين وعدم غيره نادر، فلا ينتقض هذا ‏.‏ على أن في الأوجه السالفة غنى‏.‏
وخامسها‏:‏ ـ وفيه فقه الباب ـ‏:‏ أن الله ـ تعالى ـ جعل خلقه مفتقرين إلى الطعام والغذاء، لا تندفع مجاعتهم ومسغبتهم إلا بنوع الطعام وصنفه فقد هدانا وعلمنا النوع الكاشف للمسغبة المزيل للمخمصة‏.‏ وأما المرض، فإنه يزيله بأنواع كثيرة من الأسباب‏:‏ ظاهرة وباطنة، روحانية وجسمانية، فلم يتعين الدواء مزيلاً، ثم الدواء بنوعه لم يتعين لنوع من أنواع الأجسام في إزالة الداء المعين‏.‏ ثم ذلك النوع المعين يخفي على أكثر الناس، بل على عامتهم دركه ومعرفته الخاصة، المزاولون منهم هذا الفن، أولو الأفهام والعقول، يكون الرجل منهم قـد أفنى كثيرًا مـن عمره في معرفته ذلك، ثم يخفي عليه نوع المرض وحقيقته، ويخفي عليه دواؤه وشفاؤه، ففارقت الأسباب المزيلة للمرض، الأسباب المزيلة للمخمصة في هذه الحقائق البينة وغيرها‏.‏ فكذلك افترقت أحكامها كما ذكرنا‏.‏ وبهذا ظهر الجواب عن الأقيسة المذكورة، والقول الجامع فيما يسقط ويباح للحاجة والضرورة ما حضرني الآن‏.‏
أما سقوط ما يسقط من القيام والصيام، والاغتسال؛ فلأن منفعة ذلك مستيقنة بخلاف التداوي‏.‏
وأيضًا، فإن ترك المأمور به أيسر من فعل المنهي عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم‏)‏ فانظر كيف أوجب الاجتناب عن كل منهي عنه، وفرق في المأمور به بين المستطاع وغيره، وهذا يكاد يكون دليلاً مستقلاً في المسألة‏.‏
وأيضًا، فإن الواجبات من القيام والجمعة والحج، تسقط بأنواع من المشقة التي لا تصلح لاستباحة شيء من المحظورات، وهذا بين بالتأمل‏.‏
وأما الحلية، فإنما أبيح الذهب للأنف، وربط الأسنان؛ لأنه اضطرار، وهو يسد الحاجة يقينًا كالأكل في المخمصة‏.‏
وأما لبس الحرير للحكة والجرب إن سلم ذلك‏.‏ فإن الحرير والذهب ليسا محرمين على الإطلاق، فإنهما قد أبيحا لأحد صنفي المكلفين، وأبيح للصنف الآخر بعضهما، وأبيح التجارة فيهما، وإهداؤهما للمشركين‏.‏ فعُلم أنهما أبيحا لمطلق الحاجة، والحاجة إلى التداوي أقوى من الحاجة إلى تزين النساء، بخلاف المحرمات من النجاسات‏.‏ وأبيح ـ أيضا ـ لحصول المصلحة في غالب الأمر‏.‏
ثم الفرق بين الحرير والطعام‏:‏ أن باب الطعام يخالف باب اللباس؛ لأن تأثير الطعام في الأبدان، أشد من تأثير اللباس، على ما قد مضي‏.‏ فالمحرم من الطعام لا يباح إلا للضرورة التي هي المسغبة والمخمصة والمحرم من اللباس، يباح للضرورة وللحاجة -أيضا‏.‏ هكذا جاءت السنة، ولا جمع بين ما فرق الله بينه‏.‏ والفرق بين الضرورات والحاجات معلوم في كثير من الشرعيات، وقد حصل الجواب عن كل ما يعارض به في هذه المسألة‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر أيتداوي بها‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إنها داء، وليست بدواء‏)‏‏.‏
فهذا نص في المنع من التداوي بالخمر، ردًا على من أباحه، وسائر المحرمات مثلها قياسًا، خلافًا لمن فرق بينهما، فإن قياس المحرم من الطعام أشبه من الغراب بالغراب، بل الخمر قد كانت مباحة في بعض أيام الإسلام، وقد أباح بعض المسلمين من نوعها الشرب دون الإسكار والميتة والدم بخلاف ذلك‏.‏
فإن قيل‏:‏ الخمر قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها داء وليست بدواء، فلا يجوز أن يقال‏:‏ هي دواء بخلاف غيرها‏.‏ وأيضا، ففي إباحة التداوي بها إجازة اصطناعها واعتصارها، وذلك داع إلى شربها‏.‏ ولذلك اختصت بالحد بها دون غيرها من المطاعم الخبيثة لقوة محبة الأنفس لها‏.‏
فأقول‏:‏ أما قولك‏:‏ لا يجوز أن يقال‏:‏ هي دواء، فهو حق، وكذلك القول في سائر المحرمات على ما دل عليه الحديث الصحيح ‏(‏إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام‏)‏ ثم ماذا تريد بهذا‏؟‏ أتريد أن الله لم يخلق فيها قوة طبيعية من السخونة وغيرها‏؟‏ جرت العادة في الكفار والفساق أنه يندفع بها بعض الأدواء الباردة، كسائر القوي والطبائع التي أودعها جميع الأدوية من الأجسام، أم تريد شيئًا آخر‏؟‏ فإن أردت الأول، فهو باطل بالقضايا المجربة التي تواطأت عليها الأمم، وجرت عند كثير من الناس مجري الضروريات، بل هو رد لما يشاهد ويعاين‏.‏ بل قد قيل‏:‏ إنه رد للقرآن؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏{قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ }‏ ‏[‏البقرة‏:‏219‏]‏، ولعل هذا في الخمر أظهر من جميع المقالات المعلومة من طيب الأبدان‏.‏
وإن أردت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنها داء للنفوس والقلوب والعقول -وهي أم الخبائث- والنفس والقلب هو الملك المطلوب صلاحه وكماله، وإنما البدن آلة له، وهو تابع له مطيع له طاعة الملائكة ربها، فإذا صلح القلب صلح البدن كله، وإذا فسد القلب فسد البدن كله فالخمر هي داء ومرض للقلب مفسد له، مضعضع لأفضل خواصه الذي هو العقل والعلم، وإذا فسد القلب، فسد البدن كله، كما جاءت به السنة، فتصير داء للبدن من هذا الوجه بواسطة كونها داء للقلب‏.‏ وكذلك جميع الأموال المغصوبة والمسروقة فإنه ربما صلح عليها البدن ونبت وسمن لكن يفسد عليها القلب فيفسد البدن بفساده‏.‏
وأما المصلحة التي فيها، فإنها منفعة للبدن فقط، ونفعها متاع قليل فهي ـ وإن أصلحت شيئا يسيرًا ـ فهي في جنب ما تفسده كَلاَ إصلاح وهذا بعينه معني قوله تعالى‏:‏ ‏{فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا }‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 219‏]‏، فهذا لعمري شأن جميع المحرمات‏.‏ فإن فيها من القوة الخبيثة التي تؤثر في القلب، ثم البدن في الدنيا والآخرة ما يربي على ما فيها من منفعة قليلة تكون في البدن وحده في الدنيا خاصة‏.‏
على أنا ـ وإن لم نعلم جهة المفسدة في المحرمات- فإنا نقطع أن فيها من المفاسد ما يربي على ما نظنه من المصالح‏.‏ فافهم هذا فإن به يظهر فقه المسألة وسرها‏.‏
وأما إفضاؤه إلى اعتصارها، فليس بشيء؛ لأنه يمكن أخذها من أهل الكتاب على أنه يحرم اعتصارها، وإنما القول إذا كانت موجودة أن هذا منتقض بإطفاء الحرق بها، ودفع الغصة إذا لم يوجد غيرها‏.‏
وأما اختصاصها بالحد، فإن الحسن البصري يوجب الحد في الميتة ـ أيضًا ـ والدم ولحم الخنزير، لكن الفرق أن في النفوس داعيًا طبيعيًا وباعثًا إراديًا إلى الخمر، فنصب رادع شرعي وزاجر دنيوي ـ أيضا ـ ليتقابلا، ويكون مدعاة إلى قلة شربها، وليس كذلك غيرها مما ليس في النفوس إليه كثير ميل، ولا عظيم طلب‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ ما روي حسان بن مخارق قال‏:‏ قالت أم سلمة‏:‏ اشتكت بنت لي فنبذت لها في كوز، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي، فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا‏؟‏‏)‏ فقلت‏:‏ إن بنتي اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال‏:‏ ‏(‏إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام‏)‏‏.‏ رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه ـ وفي رواية‏:‏ ‏(‏إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم‏)‏ وصححه بعض الحفاظ وهذا الحديث نص في المسألة‏.‏
الوجه الرابع‏:‏ ما رواه أبو داود في السنن‏:‏ أن رجلاً وصف له ضفدع يجعلها في دواء، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال‏:‏ ‏(‏إن نقنقتها تسبيح‏)‏، فهذا حيوان محرم ولم يبح للتداوي‏.‏
وهو نص في المسألة‏.‏ ولعل تحريم الضفدع أخف من تحريم الخبائث وغيرها، فإنه أكثر ما قيل فيها‏:‏ أن نقنقتها تسبيح، فما ظنك بالخنزير والميتة وغير ذلك‏؟‏ وهذا كله بين لك استخفافه بطلب الطب واقتضائه وإجرائه مجري الرفق بالمريض وتطييب قلبه، ولهذا قال الصادق المصدوق لرجل‏:‏ قال له‏:‏ أنا طبيب، قال‏:‏ ‏(‏أنت رفيق والله الطبيب‏)‏‏.‏
الوجه الخامس‏:‏ ما روي ـ أيضًا ـ في سننه ـ يعني‏:‏ أبا داود ـ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدواء الخبيث، وهو نص جامع مانع، وهو صورة الفتوي في المسألة‏.‏
الوجه السادس‏:‏ الحديث المرفوع‏:‏ ‏(‏ما أبالى ما أتيت ـ أو ما ركبت ـ إذا شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من نفسي‏)‏، مع ما روي من كراهة من كره الترياق من السلف على أنه لم يقابل ذلك نص عام، ولا خاص يبلغ ذروة المطلب، وسنام المقصد في هذا الموضع ولولا أني كتبت هذا من حفظي لاستقصيت القول على وجه يحيط بما دق وجل، والله الهادي إلى سواء السبيل‏.‏
الدليل الثالث- وهو في الحقيقة رابع‏:‏ الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم وغيره من حديث جابر بن سمرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال‏:‏ ‏(‏صلوا فيها فإنها بركة‏)‏‏.‏ وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؛ فقال‏:‏ ‏(‏لا تصلوا فيها فإنها خلقت من الشياطين‏)‏‏.‏ ووجه الحجة من وجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه أطلق الإذن بالصلاة، ولم يشترط حائلاً يقي من ملامستها والموضع موضع حاجة إلى البيان، فلو احتاج لبينه، وقد مضي تقرير هذا‏.‏ وهذا شبيه بقول الشافعي‏:‏ ترك الاستفصال في حكاية الحال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقام‏.‏ فإنه ترك استفصال السائل‏:‏ أهناك حائل يحول بينك وبين أبعارها‏؟‏ مع ظهور الاحتمال، ليس مع قيامه فقط، وأطلق الإذن، بل هذا أوكد من ذلك؛ لأن الحاجة هنا إلى البيان أمس وأوكد‏.‏
والوجه الثاني‏:‏ أنها لو كانت نجسة كأرواث الآدميين لكانت الصلاة فيها إما محرمة كالحشوش، والكنف، أو مكروهة كراهية شديدة؛ لأنها مظنة الأخباث والأنجاس‏.‏ فأما أن يستحب الصلاة فيها ويسميها بركة ويكون شأنها شأن الحشوش أو قريبًا من ذلك فهو جمع بين المتنافيين المتضادين، وحاشًا الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك‏.‏
ويؤيد هذا ما روي أن أبا موسي صلي في مبارك الغنم، وأشار إلى البرية وقال‏:‏ ههنا وثَمَّ سواء‏.‏ وهو الصاحب الفقيه العالم بالتنزيل، الفاهم للتأويل، سوي بين محل الأبعار وبين ما خلا عنها، فكيف يجامع هذا القول بنجاستها‏؟‏‏!‏
وأما نهيه عن الصلاة في مبارك الإبل، فليست اختصت به دون البقر والغنم والظباء والخيل، إذ لو كان السبب نجاسة البول، لكان تفريقًا بين المتماثلين، وهو ممتنع يقينا‏.‏
الدليل الرابع- وهو في الحقيقة سابع‏:‏ ما ثبت واستفاض من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على راحلته، وأدخلها المسجد الحرام الذي فضله الله على جميع بقاع الأرض، وبركها حتي طاف أسبوعًا‏.‏ وكذلك إذنه لأم سلمة أن تطوف راكبة، ومعلوم أنه ليس مع الدواب من العقل ما تمتنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود، فلو كانت أبوالها نجسة، لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس، مع أن الضرورة ما دعت إلى ذلك، وإنما الحاجة دعت إليه، ولهذا استنكر بعض من يري تنجيسها إدخال الدواب المسجد الحرام، وحسبك بقول بطلانًا، رده في وجه السنة التي لا ريب فيها‏.‏
الدليل الخامس- وهو الثامن‏:‏ ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏فأما ما أكل لحمه، فلا بأس ببوله ‏)‏ وهذا ترجمة المسألة‏.‏ إلا أن الحديث قد اختلف فيه قبولاً و ردًا، فقال أبو بكر عبد العزيز‏:‏ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال غيره‏:‏ هو موقوف على جابر‏.‏
فإن كان الأول، فلا ريب فيه، وإن كان الثاني، فهو قول صاحب، وقد جاء مثله عن غيره من الصحابة ـ أبي موسي الأشعري وغيره ـ فينبني على أن قول الصحابة أولي من قول من بعدهم، وأحق أن يتبع‏.‏ وإن علم أنه انتشر في سائرهم، ولم ينكروه، فصار إجماعًا سكوتيًا‏.‏
الدليل السادس ـ وهو التاسع‏:‏ الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ساجدًا عند الكعبة، فأرسلت قريش عقبة بن أبي معيط إلى قوم قد نحروا جزورًا لهم، فجاء بفرثها وسلاها فوضعهما على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو ساجد ـ ولم ينصرف حتي قضي صلاته‏.‏ فهذا ـ أيضًا ـ بين في أن ذلك الفرث والسلي لم يقطع الصلاة، ولا يمكن حمله فيما أري إلا على أحد وجوه ثلاثة‏:‏ إما أن يقال‏:‏ هو منسوخ ـ وأعني بالنسخ أن هذا الحكم مرتفع ـ وإن لم يكن قد ثبت ـ لأنه بخطاب كان بمكة‏.‏ وهذا ضعيف جدًا؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا بيقين، وأما بالظن، فلا يثبت النسخ‏.‏ وأيضًا ـ فإنا ما علمنا أن اجتناب النجاسة كان غير واجب ثم صار واجبًا، لاسيما من يحتج على اجتناب النجاسة بقوله تعالى‏:‏ ‏{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}‏‏[‏المدثر‏:‏ 4‏]‏، وسورة المدثر في أول المنزل، فيكون فرض التطهير من النجاسات على قول هؤلاء من أول الفرائض‏.‏ فهذا هذا وإما أن يقال‏:‏ هذا دليل على جواز حمل النجاسة في الصلاة وعامة من يخالف في هذه المسألة، لا يقول بهذا القول، فيلزمهم ترك الحديث‏.‏ ثم هذا قول ضعيف لخلافه الأحاديث الصحاح في دم الحيض وغيره من الأحاديث‏.‏ ثم إني لا أعلمهم يختلفون أنه مكروه، وإن إعادة الصلاة منه أولي، فهذا هذا‏.‏ لم يبق إلا أن يقال‏:‏ الفرث والسلي ليس بنجس وإنما هو طاهر؛ لأنه فرث ما يؤكل لحمه، وهذا هو الواجب ـ إن شاء الله تعالى ـ لكثرة القائلين به وظهور الدلائل عليه‏.‏ وبطول الوجهين الأولين يوجب تعين هذا‏.‏
فإن قيل‏:‏ ففيه السلي وقد يكون فيه دم قلنا‏:‏ يجوز أن يكون دمًا يسيرًا، بل الظاهر أنه يسير‏.‏ والدم اليسير معفو عن حمله في الصلاة‏.‏
فإن قيل‏:‏ فالسلي لحم من ذبيحة المشركين، وذلك نجس، وذلك باتفاق‏.‏ قلنا‏:‏ لا نسلم أنه قد كان حرم ـ حينئذ ـ ذبائح المشركين، بل المظنون أو المقطوع به أنها لم تكن حرمت حينئذ، فإن الصحابة الذين أسلموا لم ينقل أنهم كانوا ينجسون ذبائح قومهم‏.‏ وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه كان يجتنب إلا ما ذبح للأصنام‏.‏ أما ما ذبحه قومه في دورهم لم يكن يتجنبه، ولو كان تحريم ذبائح المشركين قد وقع في صدر الإسلام، لكان في ذلك من المشقة على النفر القليل الذين أسلموا ما لا قبل لهم به، فإن عامة أهل البلد مشركون‏.‏ وهم لا يمكنهم أن يأكلوا ويشربوا إلا من طعامهم وخبزهم‏.‏ وفي أوانيهم، لقلتهم وضعفهم وفقرهم‏.‏ ثم الأصل عدم التحريم ـ حينئذ ـ فمن ادعاه احتاج إلى دليل‏.‏
الدليل السابع ـ وهو العاشر‏:‏ ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الاستجمار بالعظم، والبعر، وقال‏:‏ ‏(‏إنه زاد إخوانكم من الجن‏)‏‏.‏ وفي لفظ قال‏:‏ ‏(‏فسألوني الطعام لهم ولدوابهم، فقلت‏:‏ لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يعود أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم‏)‏، قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فلا تستنجوا بهما، فإنهما زاد إخوانكم من الجن‏)‏‏.‏
فوجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنج بالعظم والبعر ـ الذي هو زاد إخواننا من الجن، وعلف دوابهم ـ ومعلوم أنه إنما نهى عن ذلك؛ لئلا ننجسه عليهم، ولهذا استنبط الفقهاء من هذا أنه لا يجوز الاستنجاء بزاد الإنس‏.‏ ثم إنه قد استفاض النهى في ذلك‏.‏ والتغليظ حتي قال‏:‏ ‏(‏من تقلد وترًا، أو استنجي بعظم، أو رجيع، فإن محمدًا منه بريء‏)‏‏.‏
ومعلوم أنه لو كان البعر في نفسه نجسًا، لم يكن الاستنجاء به ينجسه، ولم يكن فرق بين البعر المستنجي به والبعر الذي لا يستنجي به، وهذا جمع بين ما فرقت السنة بينه‏.‏ ثم إن البعر لو كان نجسًا، لم يصلح أن يكون علفًا لقوم مؤمنين، فإنها تصير بذلك جلالة‏.‏ ولو جاز أن تصير جلالة، لجاز أن تعلف رجيع الإنس، ورجيع الدواب، فلا فرق ـ حينئذ‏.‏ ولأنه لما جعل الزاد لهم ما فضل عن الإنس، ولدوابهم ما فضل عن دواب الإنس من البعر، شرط في طعامهم كل عظم ذكر اسم الله عليه، فلابد أن يشرط في علف دوابهم نحو ذلك، وهو الطهارة‏.‏
وهذا يبين لك أن قوله في حديث ابن مسعود لما أتاه بحجرين وروثة فقال‏:‏ ‏(‏إنها ركس‏)‏، إنما كان لكونها روثة آدمي، ونحوه، على أنها قضية عين، فيحتمل أن تكون روثة ما يؤكل لحمه، وروثة ما لا يؤكل لحمه، فلا يعم الصنفين، ولا يجوز القطع بأنها مما يؤكل لحمه، مع أن لفظ الركس لا يدل على النجاسة، لأن الركس هو المركوس أي المردود، وهو معني الرجيع، ومعلوم أن الاستنجاء بالرجيع لا يجوز بحال، إما لنجاسته وإما لكونه علف دواب إخواننا من الجن‏.‏
الوجه الثامن ـ وهو الحادي عشر ـ‏:‏ أن هذه الأعيان، لو كانت نجسة، لبينه صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولم يبينه، فليست نجسة؛ وذلك لأن هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها ومباشرتهم لكثير منها خصوصًا الأمة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فإن الإبل والغنم غالب أموالهم، ولا يزالون يباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم ـ مع كثرة الاحتفاء فيهم ـ حتي أن عمر ـ رضي الله عنه ـ كان يأمر بذلك‏:‏ تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة وانتعلوا‏.‏ ومحالب الألبان كثيرًا ما يقع فيها من أبوالها وليس ابتلاؤهم بها، بأقل من ولوغ الكلب في أوانيهم، فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها، وعدم مخالطته، ويمنع من الصلاة مع ذلك، ويجب تطهير الأرض مما فيه ذلك، إذا صلي فيها‏.‏ والصلاة فيها تكثر في أسفارهم، وفي مراح أغنامهم، ويحرم شرب اللبن الذي يقع فيه بعرها وتغسل اليد إذا أصابها البول، أو رطوبة البعر ـ إلى غير ذلك من أحكام النجاسة ـ لوجب أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا تحصل به معرفة الحكم، ولو بين ذلك لنقل جميعه أو بعضه، فإن الشريعة وعادة القوم توجب مثل ذلك، فلما لم ينقل ذلك علم أنه لم يبين لهم نجاستها‏.‏
وعدم ذكر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها، وعدم النهى عنه، والتقرير دليل الإباحة، ومن وجه أن مثل هذا يجب بيانه بالخطاب، ولا تحال الأمة فيه على الرأي؛ لأنه من الأصول لا من الفروع‏.‏ ومن جهة أن ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه، لاسيما إذا وصل بهذا الوجه‏.‏
الوجه التاسع ـ وهو الثاني عشر‏:‏ وهو أن الصحابة والتابعين وعامة السلف قد ابتلي الناس في أزمانهم بأضعاف ما ابتلوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك عاقل في كثرة وقوع الحوادث المتعلقة بهذه المسألة‏.‏ ثم المنقول عنهم أحد الشيئين‏:‏ إما القول بالطهارة، أو عدم الحكم بالنجاسة، مثل ما ذكرناه عن أبي موسي وأنس وعبد الله بن مغفل أنه كان يصلي وعلى رجليه أثر السرقين‏.‏ وهذا قد عاين أكابر الصحابة بالعراق، وعن عبيد بن عمير قال‏:‏ إن لي غنمًا تبعر في مسجدي،وهذا قد عاين أكابر الصحابة بالحجاز،وعن إبراهيم النخعي أنه سئل فيمن يصلي وقد أصابه السرقين، قال‏:‏ لا بأس، وعن أبي جعفر الباقر ونافع مولي ابن عمر أنه أصابت عمامته بول بعير فقالا جميعًا‏:‏ لا بأس‏.‏ وسألهما جعفر الصادق وهو أشبه بالدليل على أن ما روي عن ابن عمر في ذلك من الغسل، إما ضعيف، أو على سبيل الاستحباب والتنظيف، فإن نافعًا لا يكاد يخفي عليه طريقة ابن عمر في ذلك، ولا يكاد يخالفه، والمأثور عن السلف في ذلك كثير‏.‏
وقد نقل عن بعضهم ألفاظ إن ثبتت فليست صريحة بنجاسة محل النزاع، مثل ما روي عـن الحسن أنـه قال‏:‏ البـول كله يغسـل، وقـد روي عنه أنه قال‏:‏ لا بأس بأبوال الغنم، فعلم أنه أراد بول الإنســان الذكر والأنثي، والكبير والصغير‏.‏ وكذلك ما روي عن أبي الشعثاء أنه قال‏:‏ الأبوال كلهـــا أنجـــاس‏.‏ فلعله أراد ذلك إن ثبت عنه‏.‏ وقـد ذكرنا عن ابن المنذر وغـيره، أنه لم يعرف عن أحد من السلف القول بنجاستها ومن المعلوم الذي لا شك فيه أن هـذا إجماع على عـدم النجاسة، بل مقتضاه أن التنجيس مـن الأقوال المحـدثة فيكون مـردودًا بالأدلة الدالة على إبطال الحـوادث، لاسيما مقالة محـدثـة مخالفة، لما عليه الصدر الأول‏.‏ ومن المعلوم أن الأعيان الموجودة في زمانهم ومكانهم إذا أمسكوا عن تحريمها وتنجيسها مع الحاجة إلى بيان ذلك،كان تحريمها وتنجيسها ممن بعدهم بمنزلة أن يمسكـوا عـن بيان أفعال يحتاج إلى بيان وجـوبها لو كـان ثابتًا،فيجيء من بعدهم فيوجبها‏.‏
ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكروا وجوبًا ولا تحريمًا، كان إجماعًا منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم ـ وهو المطلوب ـ وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام، وهي أصل عظيم ينبغي للفقيه أن يتأملها، ولا يغفل عن غورها، لكن لا يسلم إلا بعدم ظهور الخلاف في الصدر الأول، فإن كان فيه خلاف محقق بطلت هذه الطريقة والحق أحق أن يتبع‏.‏
الوجه العاشر ـ وهو الثالث عشر في الحقيقة‏:‏ أنَّا نعلم يقينًا أن الحبوب من الشعير والبيضاء والذرة ونحوها، كانت تزرع في مزارع المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، ونعلم أن الدواب إذا داست، فلابد أن تروث وتبول، ولو كان ذلك ينجس الحبوب، لحرمت مطلقًا، أو لوجب تنجيسها‏.‏
وقد أسلمت الحجاز واليمن ونجد وسائر جزائر العرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وبعث إليهم سعاته وعماله يأخذون عشور حبوبهم من الحنطة وغيرها، وكانت سمراء الشام تجلب إلى المدينة، فيأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون على عهده، وعامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع‏.‏ وكان يعطي المرأة من نسائه ثمانين وسق شعير من غلة خيبر، وكل هذه تداس بالدواب التي تروث وتبول عليها‏.‏ فلو كانت تنجس بذلك لكان الواجب على أقل الأحوال تطهير الحب وغسله، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولا فعل على عهده، فعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يحكم بنجاستها‏.‏
ولا يقال‏:‏ هـو لم يتيقن أن ذلك الحب الذي أكله مما أصابه البول، والأصل الطهارة؛ لأنا نقـول فصاحب الحب قد تيقن نجاسة بعض حبه واشتبه عليه الطاهر بالنجس، فلا يحل له استعمال الجميع، بل الواجب تطهير الجميع، كما إذا علم نجاسة بعض البدن أو الثوب أو الأرض وخفي عليه مكان النجاسة، غسل ما يتيقن به غسلها، وهو لم يأمر بذلك‏.‏
ثم اشتباه الطاهر بالنجس نوع من اشتباه الطعام الحلال بالحرام، فكيف يباح أحدهما من غير تحرٍ‏؟‏ فإن القائل إما أن يقول يحرم الجميع‏.‏ وإما أن يقول بالتحري‏.‏ فأما الأكل من أحدهما بلا تحرٍ، فلا أعرف أحدًا جوزه‏.‏ وإنما يستمسك بالأصل مع تيقن النجاسة ولا محيص عن هذا الدليل، إلا إلى أحد الأمرين‏:‏ إما أن يقال بطهارة هذه الأبوال والأرواث، أو أن يقال‏:‏ عفي عنها في هذا الموضع للحاجة‏.‏ كما يعفي عن ريق الكلب في بدن الصيد على أحد الوجهين، وكما يطهر محل الاستنجاء بالحجر في أحد الوجهين إلى غير ذلك من مواضع الحاجات‏.‏
فيقال‏:‏ الأصل فيها استحل جريانه على وفاق الأصل، فمن ادعي أن استحلال هذا مخالف للدليل لأجل الحاجة، فقد ادعي ما يخالف الأصل، فلا يقبل منه إلا بحجة قوية، وليس معه من الحجة ما يوجب أن يجعل هذا مخالفًا للأصل‏.‏
ولا شك أنـه لو قام دليل يوجب الحظر، لأمكن أن يستثني هذا الموضع، فأما ما ذكر مـن العموم الضعيف والقياس الضعيف، فدلالة هذا الموضع على الطهارة المطلقة أقوي من دلالـة تلك على النجاسـة المطلقة، على مـا تبين عنـد التأمل‏.‏ على أن ثبوت طهارتها والعفـو عنها في هذا الموضع أحد موارد الخلاف، فيبقي إلحاق الباقي به بعدم القائل بالفرق‏.‏
ومن جنس هذا‏:‏ الوجه الحادي عشر ـ وهو الرابع عشر‏:‏ إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها بالبقر ونحوها، مع القطع ببولها وروثها على الحنطة، ولم ينكر ذلك منكر، ولم يغسل الحنطة لأجل هذا أحد، ولا احترز عن شيء مما في البيادر لوصول البول إليه‏.‏ والعلم بهذا كله علم اضطراري ما أعلم عليه سؤالاً، ولا أعلم لمن يخالف هذا شبهة‏.‏
وهذا العمل إلى زماننا متصل في جميع البلاد، لكن لم نحتج بإجماع الأعصار التي ظهر فيها هذا الخلاف؛ لئلا يقول المخالف أنا أخالف في هذا‏.‏ وإنما احتججنا بالإجماع قبل ظهور الخلاف‏.‏
وهذا الإجماع من جنس الإجماع على كونهم كانوا يأكلون الحنطة ويلبسون الثياب ويسكنون البناء، فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع ونتيقن أنهم كانوا يأكلون ذلك الحب ويقرون على أكله، ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب ونتيقن أن لابد أن تبول على البيدر الذي يبقي أيامًا ويطول دياسها له، وهذه كلها مقدمات يقينية‏.‏
الوجـه الثاني عشرـ وهو الخامس عشر ـ‏:‏ أن الله تعالى قال‏:‏ ‏{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}‏‏[‏الحج‏:‏ 26‏]‏، فأمر بتطهير بيته الذي هو المسجد الحرام، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمـر بتنظيف المساجد، وقال‏:‏ ‏(‏جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏الطواف بالبيت صلاة‏)‏‏.‏ ومعلوم قطعًا أن الحمام لم يزل ملازمًا للمسجد الحرام لأمنه، وعبادة بيت الله، وأنه لا يزال ذرقه ينزل في المسجد، وفي المطاف والمصلي‏.‏ فلو كان نجسًا لتنجس المسجد بذلك، ولوجب تطهير المسجد منه‏:‏ إما بإبعاد الحمام، أو بتطهير المسجد، أو بتسقيف المسجد، ولم تصح الصلاة في أفضل المساجد، وأمها وسيدها، لنجاسة أرضه، وهذا كله مما يعلم فساده يقينًا‏.‏
ولابد من أحد قولين‏:‏ إما طهارته مطلقًا، أو العفو عنه‏.‏ كما في الدليل قبله، وقد بينا رجحان القول بالطهارة المطلقة‏.‏
الدليل الثالث عشر ـ وهو في الحقيقة السادس عشر‏:‏ مسلك التشبيه والتوجيه فنقول ـ والله الهادي ـ‏:‏ اعلم أن الفرق بين الحيوان المأكول وغير المأكول إنما فرق بينهما لافتراق حقيقتهما، وقد سمي الله هذا طيبًا، وهذا خبيثًا‏.‏
وأسباب التحريم‏:‏ إما القوة السبعية التي تكون في نفس البهيمة، فأكلها يورث نبات أبداننا منها فتصير أخلاق الناس أخلاق السباع، أو لما الله أعلم به، وإما خبث مطعمها كما يأكل الجيف من الطير، أو لأنها في نفسها مستخبئة كالحشرات، فقد رأينا طيب المطعم يؤثر في الحل، وخبثه يؤثر في الحرمة، كما جاءت به السنة في لحوم الجلالة ولبنها وبيضها، فإنه حرم الطيب لاغتذائه بالخبيث، وكذلك النبات المسقي بالماء النجس، والمسمد بالسرقين عند من يقول به‏.‏ وقد رأينا عدم الطعام يؤثر في طهارة البول، أو خفة نجاسته، مثل الصبي الذي لم يأكل الطعام‏.‏ فهذا كله يبين أشياء‏:‏
منها‏:‏ أن الأبوال قد يخفف شأنها بحسب المطعم كالصبي، وقد ثبت أن المباحات لا تكون مطاعمها إلا طيبة، فغير مستنكر أن تكون أبوالها طاهرة لذلك‏.‏
ومنها‏:‏ أن المطعم إذا خبث وفسد، حرم ما نبت منه من لحم ولبن وبيض، كالجلالة والزرع المسمد، وكالطير الذي يأكل الجيف‏.‏ فإذا كان فساده يـؤثر في تنجيس ما توجبه الطهارة والحل، فغير مستنكر أن يكون طيبه وحله يؤثر في تطهير ما يكون في محل آخر نجسًا محرمًا‏.‏ فإن الأرواث والأبوال مستحيلة مخلوقة في باطن البهيمة، كغيرها من اللبن وغيره‏.‏
يبين هذا ما يوجد في هذه الأرواث من مخالفتها غيرها من الأرواث في الخلق والريح واللون، وغير ذلك من الصفات، فيكون فرق ما بينها فرق ما بين اللبنين والمنبتين، وبهذا يظهر خلافها للإنسان‏.‏
يؤكد ذلك ما قد بيناه من أن المسلمين من الزمن المتقدم ـ وإلى اليوم في كل عصر ومصر ـ مازالوا يدوسون الزروع المأكولة بالبقر، ويصيب الحب من أرواث البقر وأبوالها، وما سمعنا أحدًا من المسلمين غسل حبًا،ولو كان ذلك منجسًا أو متقذرًا، لأوشك أن ينهوا عنها وأن تنفر عنه نفوسهم نفورها عن بول الإنسان‏.‏
ولو قيل‏:‏ هذا إجماع عملي لكان حقًا، وكذلك مازال يسقط في المحالب من أبعار الأنعام، ولا يكاد أحد يحترز من ذلك؛ ولذلك عفا عن ذلك بعض من يقول بالتنجيس، على أن ضبط قانون كلي في الطاهر والنجس مطرد منعكس لم يتيسر، وليس ذلك بالواجب علينا بعد علمنا بالأنواع الطاهرة والأنواع النجسة، فهذه إشارة لطيفة إلى مسالك الرأي في هذه المسألة، وتمامه ما حضرني كتابه في هذا المجلس، ‏{وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ }‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏‏.

المقرئ.
07-09-03, 11:18 PM
وجدت نفسي مرغما ومغرما في المشاركة بموضوعكم مع أني أجدني محرجا من مقارعة أمثالكم ولكن أرجو المعذرة ومشاركتي ستكون على صورة مسائل اقتداء بأبي عبد الله القرطبي رحمه الله :

المسألة الأولى : نجاسة بول الكلب :
الظاهرية خالفوا الإجماع المنقول وله دليل أثري على ذلك :
وهو ماذكره البخاري في صحيحه معلقا ووصله أبو داود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك

ووإسناده صحيح واختلفوا في ثبوت " وتبول " وهي في بعض نسخ البخاري وذكرها أبو نعيم في مستخرجه على البخاري

المسألة الثانية : خلاف الظاهرية :

المسألة مشهورة وقد مر علي أثناء قراءتي في الفتاوى كلام لشيخ الإسلام في خلاف الظاهرية ولكني لا أذكر موضعه الآن لكنه قال كما في موضع قريب مني وهو يتكلم عن مسألة من المسائل قال : وخلاف ابن حزم شاذ مسبوق بالإجماع "

المسألة الثالثة :

من أدلة أصحابنا على طهارة مأكول اللحم : أن الناس كانوا يدوسون الحبوب بالأبقار والإبل ولاشك أنها كانت تنزل روثها وبولها أثناء الدياسة ولم يأمر الرسول صلى الله غليه وسلم بالتحرز منها

المسألة الرابعة :
استدلاكم بحديث " إنها ركس " قد ينازع الدليل بما ثبت في الصحيحين في قوله عن لحم الحمر الأهلية " إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس " ونحن لا نقول بأن اللحم نجس ولا يخفاكم ما قيل في قول الله تعالى " إنما الخمر والمسير والأنصاب والأزلام رجس "

المسألة الخامسة :
قولكم : {ومن الادلة التعليلة على نجاسة بول غير المأكول ان الاصل في الابوال النجاسة ورود استثناء المأكول للادلة السابقة ويبقى البقية على الاصل لاتخرج منه الا بدليل }

أظن أن بعض المخالفين لا يوافقون على هذا الأصل بل يرون أن النجاسة لا بد لها من دليل خاص وما لم يرد نجاسته بنصه فيبقى على الأصل وهو الطهارة ويضعفون أدلة كل من ذهب إلى أن الأصل في الأبوال هو النجاسة

المسألة السادسة :

وأما قولكم : ومنها ان ما اباح الله لحمه ولبنه الخارج من بين فرث ودم لنا سائغا , قد طيب الله لحمه ودمه غير المسفوح ...وحرم غير المأكول وحرم دمه ولحمه وأمر رسول الله بكفأ القدور التى فيها لحم الحم رالاهلية كما في خيبر .فكيف بابوالها والاذى الخارج منها فناسب هذا هذا }

ألا ترون أن هذا ينتقض بالمرأة فلبنها طاهر وبولها نجس

أخي المتمسك لولا أني أجد لذة وفائدة في النقاش معكم ما أتعبت يدي وعيني وكتبت لكم ما كتبت فأرجو أن تواصل فكم من مستفيد ومنتفع بطريقة نقاشكم وبكثرة فوائدكم

محبكم : المقرئ = القرافي

المقرئ.
07-09-03, 11:29 PM
لم أعلم بردكم ولذا تكررت الفوائد فالمعذرة

زياد الرقابي
09-09-03, 01:55 AM
الاخ الفاضل الحبيب المقرئ رعاه الله ,,,

جزاكم الله خيرا على فوائدكم النافعة :

أما فيما يتعلق بالمسألة الرابعة وهي قولكم (( استدلاكم بحديث " إنها ركس " قد ينازع الدليل بما ثبت في الصحيحين في قوله عن لحم الحمر الأهلية " إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس " ونحن لا نقول بأن اللحم نجس ولا يخفاكم ما قيل في قول الله تعالى " إنما الخمر والمسير والأنصاب والأزلام رجس " )) .

*** أقول : ان الرجس هو القذر ويأتي بمعنى النجس , و النجاسة هي من جنس المستقذرات .

وهي على قسمين ( حسية ) و ( معنوية ) وقد وردت في كتاب الله على الوجهين فاما النجاسة المعنوية فمن امثلتها الاية التى ذكرتم .

ومن الامثلة على ان الرجس تأتي بمعنى النجاسة الحسية قوله تعالى في سورة الانعام ( أو لحم خنزير فأنه رجس ) .

ومنه ما ورد في الصحيح من قوله عن لحوم الحمر الاهلية فأنها رجس او نجس .

والعبرة في تحديد اي الوجهين هو المراد يكون بالقرائن . وقد دلت القرينة عندنا في لحوم الحمر على ان المقصود هو الرجس الحسي والدليل الامر بكفى القدور ونبذها وقوله كما في الرواية الاخرى عنه
أنها ( نجس ) .




أما قولكم : (( ألا ترون أن هذا ينتقض بالمرأة فلبنها طاهر وبولها نجس )) .

أقول هذا لاينتقض لان المرأة لم يبح لنا لحمها بخلاف الانعام فهي مباحة اللحم .

وتعليل شيخ الاسلام بقوله ان التحريم انما كان للتكريم لايخرجه من المراد .

وبيان هذا ان الحيوان ( ناطقا او من العجموات ) على قسمين :

1- مباح الاكل فبوله طاهر .

2- محرم الاكل فبوله نجس . سواء كانت علة التحريم النجاسة او غيرها اذ البغل طاهرا اللعاب والعرق غير انه محرم اللحم .

وهذا التقسيم هو موضع الخلاف ... اذ انه عند البعض على ثلاثة اقسام :

1- مباح الاكل فبوله طاهر .

2- طاهر غير مباح الاكل ( فهم يقولون ان بوله طاهر لعدم الدليل على النجاسة ) .

3- نجس كالسباع فبوله نجس او وجد النص على نجاسة بوله وهو طاهر كالانسان .



__________________

أخي الشيخ ابو عمر رعاه الله ,,,,

كنت اظن ان القول بأن الركس بمعنى ( الرجيع ) خطأ والاستدلال بقوله تعالى ( أركسهم ) لايستقيم لانه يلزم ان يكون ( الركس ) الوارد بالفتح وليس بالكسر ! وأظني قد أخذته من ابن حجر رحمه الله .

غير اني وقفت على كلام لابي عبيد يقوى هذا القول كما في غريب الحديث له . وهو حجة في هذا الباب .

فقلقل هذا القول بعض ما كان متقررا عندي .

والحقيقة اخي ابا عمر ان كلام شيخ الاسلام يدعوا للتأمل لقوته وجلالته غير اني اجد في نفسي ان هناك فرقا كبيرا بين مأكول اللحم وغير مأكوله ؟

وكما قال ابن حجر رحمه الله (( وقياس غير المأكول على المأكول غير واضح لان الفرق متجه -- لو ثبت ان روث المأكول طاهر -- ( قلت وقد ثبت هذا بحمد لله )) .

لانه اذا ثبت ان بول الانسان الطاهر البدن ( نجس ) بل وخبيث كما قال
صصص ( ولا وهو يدافعه الاخبثان ) فكيف ببول الحمار والبغل ؟ اما مأكول اللحم فقد طيب الله لنا جسده بل وجعل في بعض الخارج منه دواء كبول الابل ....

الا اني في شوق الى توضيح منكم رعاكم الله حول الراجح في هذا الامر والذي ترونه اليق بنصوص الشارع , كما تعودنا منكم دوما .لان المسألة قد اضطربت عندي من جهة الاستدلال .

والله يحفظكم ويرعاكم ,,,,,

عبدالرحمن الفقيه.
09-09-03, 04:18 PM
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم
أما القول الصحيح الراجح فهو ما تفضلت به سابقا حفظك الله من التفريق بين مأكول اللحم وغير مأكوله، فالذي لايؤكل فيه خبث كما قال تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) ، وأما ما يحتاج الناس له كثيرا كالحمار والبغل ونحوه فيعفى عن يسيره لأن المشقة تجلب التيسير وحكمها قريب من الهرة في كونها من الطوافين ، والله أعلم.
وجزاك الله خيرا على إفادتنا بهذه المسائل.

أبو يوسف التواب
11-05-07, 02:34 AM
سبحان الله
كنتُ أنوي بعد أن قطعتُ شوطاً في قراءة هذا الحوار الجميل أن أقولها وأضيفها، فوجدتُ الشيخ زياداً حفظه الله قد سبقني بها وقالها:
"لأنه اذا ثبت أن بول الانسان الطاهر البدن ( نجس ) بل وخبيث كما قال ( ولا وهو يدافعه الاخبثان ) فكيف ببول الحمار والبغل؟ اما مأكول اللحم فقد طيب الله لنا جسده بل وجعل في بعض الخارج منه دواء كبول الابل ...."
فغير المأكول لا يصح قياسه على المأكول المستثنى. والله أعلم
ويتأيد هذا بحديث القلتين؛ وفيه النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من الدواب والسباع، وهذا الحديث يدل على أن الماء القليل "قد" يتأثر ويتغير بشرب الدواب والسباع منه، فإذا كان هذا في سؤرها فما الحال في أبوالها وأرواثها التي هي من جملة الخبائث؟!.

تنبيه: حمل قوله صلى الله عليه وسلم عن الروثة: (إنها ركس) على أنه مجرد إخبار بأن الروثة رجيع غريب جداً، فإنه يؤدي القول به إلى كون الكلام لا فائدة منه.

وقول الشيخ الفقيه حفظه الله: (وأما ما يحتاج الناس له كثيراً كالحمار والبغل ونحوه فيعفى عن يسيره لأن المشقة تجلب التيسير، وحكمها قريب من الهرة في كونها من الطوافين) قد يكون له وجه، فمع أن بولها وخرءَها نجس -حتى الهرة- إلا أنه يعفى عن يسير ذلك للمشقة، وهي رواية في مذهب الإمام أحمد.

جزاكم الله خيراً وأحسن إليكم..
مثال للحوار الفقهي النافع الذي أتمنى أن يحتَذى في الملتقى.

سليمان المصرى
12-05-07, 03:14 PM
اخى الكريم جزاك الله خيرا عن بحثك النافع ولكنك قلت ان خلاف داود الظاهرى فيما كان غير قياسى معتبر ولكن ابو داود غالبا مثل بن حزم لا يقول بالاجماع وراجع كلامه رحمه الله فى مقدمة المحلى

أبو يوسف التواب
13-05-07, 06:04 AM
أخي سليمان
قصد الشيخ زياد وفقه الله أن المسألة إذا كانت مما لا دَخل للقياس فيه فإن قولهم يُعتَد به، ولا يصح أن نقول: أجمع المسلمون على كذا "مع ثبوت مخالفتهم"، فتصبح المسألة خلافية لا موطن إجماع.
لعلي قد بينتُ.

سليمان المصرى
18-05-07, 03:27 PM
ولكن من لا يقول بالاجماع هل يقدح في ثبوته؟
ولو اجتمع المجتهدين فى عصر من العصور على مسالة من المسائل ولو للحظه هل يقدح مخالفته بعد انعقاده؟
فالاجماع مصطلح له معناه والمسائل المجمع عليها احيانا يخالفها البعض-لسبب او لاخر- فيسمون قوله قولا شاذا ولا يخرجونه من الاجماعات
فما اقصده ان الاجماع لو خالفه ظاهرى مطلقا لا تعتبر مخالفته لان الاجماع قطعى الثبوت قطعى الدلاله

الجعفري
18-05-07, 05:11 PM
جزاكم الله خيرا

أبو يوسف التواب
27-05-07, 02:01 AM
ما رأي الشيخ عبدالرحمن الفقيه فيما ذكرتُه بالمشاركة (15) حتى أستفيد منه جزاه الله خيراً.

لجـيــن
10-09-14, 05:43 PM
جزاكم الله خيرا

رياض العاني
10-09-14, 09:01 PM
بارك الله عز وجل بجميع المشاركين وزادهم من فضله