المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات ومقدمات حول [منهج المتقدمين والمتأخرين في الصناعة الحديثية]


خليل بن محمد
25-03-02, 02:14 PM
مقال الشيخ الدكتور : إبراهيم اللاحم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،
وبعد
فإن المتأمل في مسيرة نقد السنة النبوية منذ عصر الرواية إلى وقتنا الحاضر- لابد أن يلاحظ وجود اختلاف في الأحكام النهائية على بعض الأحاديث بين نقاد السنة في عصور الرواية –أي في القرون الثلاثة الأولى- وبين نقاد السنة بعد هذه العصور إلى وقتنا الحاضر ،ويلاحظ أيضاً أنه كلما تأخر الزمن بعدت الشقة ،واشتد بروز الاختلاف .
فيلاحظ كثرة ما صحح من أحاديث قد حكم عليها الأولون بالنكارة والضعف ،وربما صرحوا ببطلانها ،أو بكونها موضوعة ،وقد يقول المتقدم : هذا الباب –أي هذا الموضوع- لا يثبت ،أو لا يصح فيه حديث ،فيأتي المتأخر فيقول: بل صح فيه الحديث الفلاني،أو الأحاديث الفلانية .
وهكذا يقال في التصحيح،ربما يصحح المتقدم حديثاً فيأبى ذلك المتأخر ،وربما-في الحالين-توارد الأولون وتتابعت كلماتهم على شيء ،ومع ذلك لا يلتفت المتأخر إلى هذا الإجماع ،أو شبه الإجماع.
وليس ما تقدم بالشيء اليسير ،بل هو موجود بكثرة بالغة أوجبت أن يثور في نفوس كثير من العلماء والباحثين السؤال التالي : هل هذا الاختلاف سببه اختلاف الاجتهاد في تطبيق قواعد متفق عليها بين الجميع ؟ فإذا قال أحمد –مثلاً- هذا الحديث منكر ،أو لا يصح ،وقال ابن جرير ،أو ابن حزم ،أو ابن القطان ،أو النووي ،أو السيوطي، أو أحد المشايخ المعاصرين : بل هو حديث صحيح ،أو في غاية الصحة- فسبب ذلك راجع إلى اختلاف اجتهاد الإمامين ،في تطبيق قواعد لا يختلفون عليها ،وإنما يقع الاختلاف في الاجتهاد في تطبيقها ،أو أن سبب الاختلاف هذا في جل الأحاديث التي وقع فيها الاختلاف مبني على اختلافهم في تقرير القواعد والضوابط التي على أساسها تصحح الأحاديث وتضعف ،فالأول يسير على قواعد ،ما لبث أن أغفلت عند المتأخرين، أو هذبت حتى لم يبق فيها روح ، وحل محلها قواعد جديدة .
من يجيب بالجواب الأول لا جديد عنده ، فالمسألة مسألة اجتهاد ، وليس هناك شيء يستحق المناقشة ، وباب الاجتهاد لا يصح إغلاقه ،وإن دعى إلى ذلك بعضهم ، بل قد يكون مع المتأخر-هكذا يقول- زيادة علم .
غير أن نفراً ليس بالقليل عددهم لم يرضوا بالجواب الأول ،ويقولون :بل الأمر راجع في حقيقته إلى اختلاف في القواعد ،إما عن عمد ،كما صرح به بعضهم ،فيقول: ذهب المحدثون إلى كذا ،والصواب خلافه ،وإما عن غير عمد ، بحيث يسير على قاعدة يظن أن المتقدم يسير عليها أيضاً .
ويضيف بعض هؤلاء فيقول: على أن جانباً من الموضوع لا يتعلق بالقواعد ،إذ هو يتعلق أساساً بشخص الناقد في الوقت الأول ،وشخص الناقد في الوقت المتأخر ، فالناقد في ذلك الوقت تهيأ له من العوامل النفسية ،والمادية ما يجعل أحكامه أقرب إلى الصواب .
والمهم هنا هو ما يتعلق بقضية القواعد التي خالف المتأخر فيها المتقدم ،إذ يبرز هؤلاء مجموعة قواعد يقولون إنها هي القواعد الأساس ،ويتفرع عنها قواعد أخرى ، وهذه القواعد هي :

أولاً : تجزئة حال الراوي .

فالمتقدم قد يكون الراوي عند ثقة في جانب ،كبعض شيوخه ،أو روايته عن أهل بلد ،أو إذا حدث من كتابه ،ضعيف في جانب آخر ، فيضعف المتقدم ما يرويه في الجانب الذي هو ضعيف .
على حين يميل المتأخر إلى طرد حال الراوي ، إما نصاً فيأبى تجزئة حال الراوي ،وإما تطبيقاً ، كأن يضعف الأولون ما يرويه معمر بن راشد عن ثابت البناني ،ويقولون إنها نسخة فيها مناكير ،أو ما يرويه عبد العزيز الداروردي عن عبيد الله بن عمر ، بينما لا يلتفت المتأخر إلى ذلك ،فهذه كتبهم وتحقيقاتهم يصححون أمثال هذين الطريقين ،وربما ذكروا أنهما على شرط الشيخين أو أحدهما .

ثانياً : الأصل في الراوي أنه لم يسمع ممن روى عنه ، حتى يثبت ذلك بطريق راجح .

هكذا يقرر المتقدم ، على حين أن الأصل عند المتأخر أنه متى روى عنه وأمكنه أن يسمع منه فهو متصل ،وهو على السماع حتى يثبت خلاف ذلك .

رابعاً : إذا روى الحديث جماعة عن شيخ لهم ،وزاد بعضهم زيادة في إسناد الحديث ، كوصله أو
رفعه ، أو في متن الحديث ، فإن المتقدم يسير على قاعدة : النظر في كل زيادة بحسبها .فقد تقوم
القرائن والأدلة على حفظها ،وقد تقوم على ضعفها ، في حين يسير المتأخر على قاعدة : زيادة الثقة مقبولة . وطرد هذه القاعدة ،وتصحيح هذه الزيادات .

خامساً : تعدد الطرق من راو واحد قد يكون سببه اضطرابه أو اضطراب من يروي عنه ، ولهذا تدرس بعناية ، فقد يكون بعضها صواباً ،وبعضها خطأ ، وقد يتبين أن كثرة الطرق ترجع إلى طريق واحد ، وما يظن أنه شاهد ليس كذلك ، لأنه خطأ من بعض الرواة في تسمية الصحابي مثلاً ، بل قد يكون ما يظن أنه شاهد هو كاشف لعلة في الحديث الذي يراد الاستشهاد له ،على هذا يسير المتقدم ،ويخالفه المتأخر ،فيجوِّز كثيراً أن الطريقين محفوظان بل قد يذهب إلى عدد من الطرق والأوجه .

سادساً : كثرة الطرق قد لا تفيد الحديث شيئاً ، هذه قاعدة أساسية عند المتقدم ، فبعد دراسته لها يتبين له أنها أخطأ ،أو مناكير ،وهذه عنده لا يشد بعضها بعضاً ،في حين أن المتأخر أضرب عن هذا صفحاً ،فمتى توافر عنده إسنادان أو ثلاثة ،أو وجد شاهداً رأى أنها اعتضدت ورفعت الحديث إلى درجت القبول.

سابعاً : المتن قد يكشف علة فنية في الإسناد ، أو يساعد على تأكيد علة ظاهرة .
هذه قاعدة مهمة يسير عليها الناقد في العصر الأول ، فالمتون يعرض بعضها على بعض ،وتتخذ وسيلة عند تصادمها على كشف علة في الإسناد خفية،أو ضمها إلى علة قائمة أصلاً في الإسناد فيزداد
الحديث ضعفاً.
في حين يرفع المتأخر شعاراً ينادي فيه بدراسة الأسانيد بمعزل عن المتون،فالمتون يمكن التعامل معها
بعد النظر في الإسناد،وليس قبل،ولهذا كثر عندهم التعرض للجمع بين الأحاديث،وربما التكلف في
ذلك ،فتتردد عندهم عبارات:تعدد القصة،الحادثة مختلفة،هذا حديث وذاك حديث،هذا ناسخ للأول ......الخ .
هذه أبرز المعالم للمنهج الذي يسير عليه المتقدم ، ويخالفه فيها المتأخر ،وهناك غيرها أيضاً .
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه المخالفات ليست مجموعة في كل شخص ممن تأخر ،فإن بين المتأخرين بعض الاختلاف في هذه القواعد أيضاً ، لكنها موجودة في مجموعهم ،وهي السبب الرئيس
للاختلاف في تصحيح الأحاديث وتضعيفها .
هكذا يقرره بعض طلبة العلم ،من المنتسيبين لهذا العلم الشريف .
ولا شك أن لكل جواب من الجوابين على السؤال المطروح أنصاره وأعوانه ،ويسرناً جداً المشاركة في هذا الموضوع المهم رغبة في الوصول إلى الحقيقة ما أمكن ،مع رجائنا بالتزام الأدب العلمي في الحوار والمناقشة.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

ابوصالح
25-03-02, 06:36 PM
الأخ راية التوحيد ــ لاتعجل علي وأمهلني ــ

ألا ترى أن علماءنا كمثل الشيخ ابراهيم اللاحم /الشيخ سليمان العلوان /الشيخ عبد الله السعد /الشيخ حاتم الشريف / الشيخ عبد الرحمن الفقيه ـ ابوعمر الأزدي ــ الشيخ طارق عوض الله /الشيخ علي الريشان ......وغيرهم ممن لم أذكره

قد ساهم هؤلاء على نشر مذهب المتأخرين في إحجامهم عن الكتابه في منهج المتقدمين وترك الميدان حتى ظن النشئ أن المنهج المعاصر هو الصحيح.
قد كنت في حديث مع الشيخ ابراهيم حول هذا الموضوع قبل ثلاث سنوات وذكر ان هناك ــ على ما أظن ــ كتاب سوف يصدر عن هذا الموضوع وحتى الآن لم أر شيئا للشيخ ــــــ قواعدنا سليمة ولانؤلف /وقواعدهم مخالفة للمتقدمين ومؤلفاتهم تعج بها المكتبات/ ولانريد منهج المتأخرين ينتشر !! هذا محال

عذرا ما قلته ليس تجريحا ولا تنقصا لأحد ولكن ــ لعلها غيره ــ



أخوك المحب (ابو صـــــــــــــــــا لح )

هيثم حمدان
25-03-02, 06:52 PM
وفّق الله الشيخ ابراهيم اللاحم على هذا الموضوع القيّم.

وبارك الله في الأخ راية التوحيد على نقله.

-------------------

الأخ أبا صالح:

جزاك الله خيراً على غيرتك.

أبشر أخي الحبيب فإنّه من الواضح أنّ المنهج الحديثي الحق في انتشار.

وكيف لا ينتشر وهو يُحارب الشذوذ والنكارة في الحديث ... وبالتالي في الفقه.

كيف لا ينتشر وهو يتماشى مع سائر الجوانب الشرعيّة والفطرة البشريّة.

احمد بخور
25-03-02, 10:07 PM
الشيخ ابراهيم الآحم من مشائخي في جامعة الامام فرع القصيم وكنا نتكلم معه عن منهج المتقديم فيقول هذا منهج سينصره الله ولو بعد حين

مظفر
26-03-02, 12:24 AM
لا شك ان الله ينصر الحق ولكن سنة الله في خلقه ألا يحصل النصر الا ببذل الأسباب ، ومنها الكتابة والنشر ، ولذا اذكر أن بعض من كتب عن سبب انتشار منهج حسن البنا وسيد قطب و الألباني وغيرهم ممن انتشر فكرهم انهم كانوا يكتبون وينشرون بقدر المستطاع ، وكذلك منهج المتقدمين لابد من اشباعه بالكتابة حتى يمكن ان ينتشر ويعم ،اما أن نطلب من الشباب وطلبة العلم أن يفهموا هذا المنهج دون أن نشبعه شرحا وايصاحا فبعيد جدا

خليل بن محمد
26-03-02, 08:52 PM
بارك الله فيك

وأوافقكم في كل ما ذكرتم

خليل بن محمد
26-03-02, 08:53 PM
قال الشيخ المحدث ( عبد الله السعد ) في تقديم للكتاب المستطاب (( منهج المتقدمين في التدليس )) للشيخ الفاضل : ناصر الفهد .

ومعرفة هذا المنهج – أعني منهج المتقدمين – في هذه المسألة وغيرها من قضايا الصناعة الحديثية أمر لا بد منه كما في باقي العلوم الشرعية (1) ؛ لأن أهل العلم ليسوا على منهج واحد في الصناعة الحديثية ، بل على مناهج متعددة ، فعلى هذا لا بد من معرفة طريقتهم ثم السير عليها.
* قال أبو الفرج ابن رجب رحمه الله تعالى:
(وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دونه أئمة الحفاظ وقد هجر في هذا الزمان درس حفظه وفهمه ، فلو لا التصانيف المتقدمة فيه لما عرف هذا العلم اليوم بالكلية ، ففي التصانيف فيه ونقل كلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جداً، وقد كان السلف الصالح مع سعة حفظهم وكثرة الحفظ في زمانهم يأمرون بالكتابة للحفظ ، فكيف بزماننا هذا الذي هجرت فيه علوم سلف الأمة وأئمتها ولم يبق منها إلا ما كان منها مدوناً في الكتب لتشاغل أهل الزمان بمدارسة الآراء المتأخرة وحفظها) اهـ. من (شرح العلل) ص 74 بتحقيق / السامرائي.
*وقال أبو الفضل ابن حجر رحمه الله تعالى مبيناً جلالة المتقدمين في هذا الفن وعلو كعبهم في هذا العلم.
(وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين ، وشدة فحصهم ، وقوة بحثهم ، وصحة نظرهم ، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم(2) في ذلك، والتسليم لهم فيه) اهـ من (النكت) 2/726.
* وقال أبو الوفا بن عقيل مبيناً اختلاف الفقهاء والمحدثين في الحكم على الأحاديث بعد أن ذكر حديثاً ضفعه أحمد بعد أن سئل عنه وهو حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : (أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة) قال أحمد : (ليس بصحيح ، والعمل عليه ، كان عبد الرزاق يقول: عن معمر عن الزهري مرسلاً).
قال ابن عقيل: (ومعنى قول أحمد (ضعيف) على طريقة أصحاب الحديث ، وقوله (والعمل عليه) كلام فقيه يعول على ما يقوله الفقهاء من إلغاء التضعيف من المحدثين لأنهم يضعفون بما لا يوجب ضعفاً عند الفقهاء ، كالإرسال والتدليس والتفرد بالرواية ، وهذا موجود في كتبهم ، يقولون: وهذا الحديث تفرد به فلان وحده …) اهـ من (الواضح في أصول الفقه) 5/21-22.
قول ابن عقيل في تفسير كلام أحمد في قوله (والعمل عليه): (كلام فقيه يعول على ما يقوله الفقهاء من إلغاء التضعيف من المحدثين …) ليس بصحيح فالإمام أحمد ضعف هذا الحديث لأن معمراً حدث به بالبصرة فأخطأ فيه ووصله وعندما حدث به في اليمن أرسله كما رواه عنه عبد الرزاق ، وحديث معمر باليمن أصح من حديثه بالبصرة ، وقد خالف الحفاظ من أصحاب الزهري معمراً في هذا الحديث ، ولذلك ذهب أكثر الحفاظ إلى تضعيف حديث معمر كما قال أحمد ، فقال البخاري عنه (هذا الحديث غير محفوظ) وحكم مسلم في كتابه (التمييز) على معمر بالوهم فيه ، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: (المرسل أصح). ينظر (تلخيص الحبير) 3/192.
وأما قول أحمد (والعمل عليه) فلا شك في هذا لأن القرآن والإجماع يدلان على ذلك وليس كما قال ابن عقيل أن أحمد يأخذ بقول الفقهاء في تصحيح هذا الحديث. فميز ابن عقيل بين طريقة المحدثين والفقهاء.
* وقال شيخه القاضي أبو يعلى في (إبطال التأويلات) 1/140 تعليقاً على كلام أحمد في حكمه على حديث عبد الرحمن بن عايش بالاضطراب ، قال: (فظاهر هذا الكلام من أحمد التوقف في طريقه لأجل الاختلاف فيه ، ولكن ليس هذا الكلام مما يوجب تضعيف الحديث على طريقة الفقهاء) اهـ.
والشاهد من هذا اختلاف مناهج أهل العلم في الصناعة الحديثية ، وأنهم ليسوا على منهج واحد كما يقول بعض الإخوان وأن في هذا تفريقاً للأمة ، وأنه ليس هناك من له منهج خاص في الصناعة الحديثية إلا محيي الدين النووي ، فهذا القول لاشك في بطلانه وحكايته في الحقيقة تغني عن رده.
*قال تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح) ص 152 في بيان مذاهب أهل العلم واختلاف مناهجهم في حد الحديث الصحيح ، قال: (اللفظ الأول ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على عدالة الراوي العدالة المشترطة في قبول الشهادة على ما قرر في الفقه ، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسنداً ، وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذاً ولا معللاً ، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء فإن كثيراً من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء ، وبمقتضى ذلك حد الحديث الصحيح بأنه: الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً ولو قيل في هذا الحديث الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف ومن شرط الحد: أن يكون جامعاً مانعاً) اهـ.
قلت : وقول ابن دقيق هذا يدل على اختلاف أهل العلم في حد الحديث الصحيح وتباين طرائقهم في ذلك كما تقدم.
وقوله: ما اشترطه أهل الحديث في حد الحديث الصحيح: أن لا يكون شاذاً ولا معللاً ، وأن في هذين الشرطين نظراً عند الفقهاء تقدم هذا فيما قال القاضي أبو يعلى وابن عقيل من تضعيف الإمام أحمد للحديثين السابقين: أن هذا لا يجري على طريقة الفقهاء.
ولذلك قال أبو عبد الله بن القيم في (زاد المعاد) 5/96-97.
(وليس رواية هذا الحديث مرسلة(3) بعلة فيه ، فإنه قد روي مسنداً ومرسلاً، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادة ومن وصله مقدم على من أرسله فظاهر ، وهذا تصرفهم في غالب الأحاديث فما بال هذا خرج عن حكم أمثاله ؟ وإن حكمنا بالإرسال كقول كثير من المحدثين فهذا مرسل قوي …) اهـ.
* وقال ابن رجب ناقداً الخطيب البغدادي في بعض منهجه في كتابه (الكفاية) في مبحث (زيادة الثقة) وأنه لم يسلك منهج من تقدم من الحفاظ وإنما سلك منهج المتكلمين وغيرهم ، فقال ص 312 من (شرح العلل):
(ثم إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب (الكفاية) للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء وهذا يخالف تصرفه في كتاب (تمييز المزيد) … اهـ.
* وقال برهان الدين البقاعي في (النكت الوفية على الألفية) ص 99 مبيناً طريقة كبار الحفاظ في تعارض الوصل والإرسال في الحديث والرفع والوقف وزيادة الثقات وناقداً لابن الصلاح الذي خلط في هذه المسألة طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين فقال:
(إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين ، فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظراً آخر لم يحكه وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه وذلك أنهم يحكمون بحكم مطرد وإنما يدورون في ذلك مع القرائن …)(4) اهـ.
قلت : وقد سلك كثير من المشتغلين بعلم الحديث طريقة الفقهاء والمتكلمين من الأصوليين واختلط الأمر عليهم ، ولذلك كثرت مخالفتهم لكبار الحفاظ في أحكامهم على الأحاديث فصححوا ما أعله كبار الحفاظ وضعفوا ما صححه كبار الحفاظ.
* قال عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في مقدمته لكتاب (الفوائد المجموعة) للشوكاني مبيناً تساهل كثير من المتأخرين في حكمهم على الأحاديث:
(إنني عندما أقرن نظري بنظر المتأخرين أجدني أرى كثيراً منهم متساهلين وقد يدل ذلك على أن عندي تشدداً لا أوافق عليه غير أني مع هذا كله رأيت أن أبدي ما ظهر لي ناصحاً لمن وقف عليه من أهل العلم أن يحقق النظر ولا سيما من ظفر بما لم أظفر به من الكتب التي مرت الإشارة إليها) اهـ من المقدمة لكتاب (الفوائد المجموعة) ص8.
وقال أيضاً في (الأنوار الكاشفة) ص 29: (وتحسين المتأخرين فيه نظر) اهـ. ولذلك تجد أن بعض أهل العلم بالحديث ينبهون على طريقة من تقدم من الحفاظ في القضايا الحديثية التي يعالجونها.
* قال أبو عبد الله بن القيم في (الفروسية) ص 62 مبيناً الطريقة السليمة والمنهج الصحيح الذي كان يسلكه أئمة الحديث في الحكم على الراوي وراداً على من خالف هذا المنهج فقال:
(النوع الثاني من الغلط: أن يرى الرجل قد تكلم في بعض حديثه وضعف في شيخ أو في حديث فيجعل ذلك سبباً لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجد ، كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظاهر وغيرهم) اهـ.
* وقال أبو الفرج بن رجب في بيان منهج أئمة الحديث في قضية التفرد في الحديث والتفرد في بعض الألفاظ في الحديث:
(وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه أنه(5) لا يتابع عليه ، ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه ، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً ولهم في كل حديث نقد خاص ، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه) اهـ من (شرح العلل).
* وقال أيضاً ص 272 من (شرح العلل) في اشتراط اللقاء حتى يحكم للخبر بالاتصال: (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله علي بن المديني والبخاري وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله …) اهـ.
* وقال أيضاً ص 311 من (شرح العلل) في مسألة الاختلاف في وصل الأخبار أو إرسالها أو تعارض الوقف مع الرفع: (وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضاً …) اهـ.
والكلام في هذا يطول.
وعلى هذا فيستحسن بيان (منهج المتقدمين) أو (أئمة الحديث) في قضايا علم الحديث التي وقع فيها خلاف مثل العلة والشذوذ والتفرد وزيادة الثقات وغيرها من القضايا ، وقد بين بحمد الله تعالى أهل العلم هذه القضايا ، فدونك مثلاً (شرح العلل) لابن رجب ، و(النكت على ابن الصلاح) لابن حجر وغيرها.

خليل بن محمد
26-03-02, 08:54 PM
* الحواشي :
(1) مثل ما حصل في باب الاعتقاد من مخالفة الكثير لطريقة السلف في (علم التوحيد) وتكلموا في ذات الله وصفاته بأدلة العقول وتركوا الكتاب والسنة فأدى هذا بهم إلى إنكار أسماء الله وصفاته وعلوه على خلقه فضلوا وأضلوا.
ومثل ما حصل أيضاً في أبواب الفقه من التعصب لأقوال العلماء والاقتصار عليها في التفقه دون التفقه في الكتاب والسنة والرجوع إليهما ، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى (عجبت لمن عرف الإسناد وصحته يذهب إلى قول سفيان).
وقال أبو الفرج ابن رجب رحمه الله تعالى: (ومن ذلك – أعني محدثات العلوم - ما أحدثه فقهاء اهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية ورد فروع الفقه إليها سواء خالفت السنن أو وافقتها طرداً لتلك القواعد المقررة وإن كان أصلها مما تأولوه على نصوص الكتاب والسنة ، لكن بتأويلات يخالفهم غيرهم فيها. وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام على من أنكروه من فقهاء الرأي في الحجاز والعراق وبالغوا في ذمه وإنكاره.
فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولاً به عند الصحابة ومن بعدهم أو عند طائفة منهم ، فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به ...) اهـ (من فضل علم السلف على الخلف).
ومن ذلك ما حصل في علم أصول الفقه من سلوك طريقة المتكلمين وإدخال علم الكلام المذموم في أصول الفقه.
قال أبو المظفر السمعاني في (قواطع الأدلة) 1/5-6: (وما زلت طول أيامي أطالع تصانيف الأصحاب في هذا الباب ، وتصانيف غيرهم ، فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام ورائق من العبارة ، ولم يداخل حقيقة الأصول على ما يوافق معاني الفقه ، ورأيت بعضهم قد أوغل وحلل وداخل غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل وسلك طريقة المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه ، بل لا قبيل لهم فيه ولا دبير ولا نقير ولا قطمير (ومن تشبع بما لم يعط فقد لبس ثوبي زور) … )اهـ.
وغير ذلك مما خالف فيه كثير من الناس طريقة السلف ، وما زال أهل العلم بحمد الله تعالى ينبهون على ذلك ويدعون إلى السير على منهج السلف الصالح.
ولا يظن أنني عندما أدعو إلى السير على طريقة الأئمة المتقدمين في علم أصول الحديث أنني أدعو إلى عدم الأخذ بكلام من تأخر من أهل العلم والاستفادة منهم ، هذا لم أقل به ولا يقول به عاقل ، ومع الأسف ظن بعض الإخوان هذا ، ثم عندما ظن هذا الظن السيئ وتخيل بعقله هذا الرأي الفاسد أخذ يرد بسذاجة واضحة على هذا القول حتى إنه عندما أراد أن يؤيد رأيه ضرب مثلاً بأبي الفداء ابن كثير وأتى بمثال يبين فيه أن ابن كثير يستطيع أن ينقد الأخبار ويبين العلل التي تقدح في صحة الحديث!!
فيا سبحان الله! هل هذا الإمام الجليل ، والحافظ الكبير يحتاج إلى أن نأتي بمثال حتى يشهد له بالعلم بالحديث؟ ومؤلفاته كلها تشهد بعلو كعبه في هذا العلم وتمكنه من صناعة الحديث حتى كأن السنة بين عينيه ، حتى أن طالب العلم ليعجب من هذا العالم الجليل عندما يسوق الأخبار من كتب الحديث بأسانيدها ثم يؤلف بينها ويتشبه في هذا بمسلم بن الحجاج وأبي عبد الرحمن النسائي هذا مع الكلام على أسانيدها ونقد متونها وهو رحمه الله تعالى من البارعين في نقد المتون ، حتى إنه عندما يتكلم في باب من أبواب العلم يغنيك عن الرجوع إلى كتب كثير كما فعل عندما ساق حجة الرسول r منذ خروجه من المدينة إلى مكة إلى رجوعه ، ويأخذك العجب من استحضاره وقوة علمه وجلالة فضله ، وهذا جزء يسير من كتابة النفيس (البداية والنهاية) الذي ذكر فيه بدء الخليقة إلى قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الرسول r إلى زمنه يسوق النصوص من كتاب الله ومن السنة النبوية ومما جاء عن الصحابة والتابعين وهلم جرا. وتفسيره النفيس الذي أتى فيه بالعجب وفسر فيه القرآن بالقرآن ، وبالسنة والآثار التي جاءت عن الصحابة والتابعين. فمن أنكر علم هذا الفاضل إما أن يكون إنساناً غاية في البلادة أو ممن أعمى الله بصره وبصيرته ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومما يستغرب من هؤلاء الإخوان أنهم قالوا: لا تقولوا (مذهب المتقدمين) وهذا عجيب لأنه:
أولاً: لا مشاحة في الاصطلاح.
ثانياً: أن أهل العلم استخدموا ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى النقل عنهم.
ثالثاً: أن هذا الاسم مطابق للمسمى كما هو ظاهر.
رابعاً: أي فرق بين أن يقال (مذهب المتقدمين) أو (أهل الحديث) أو (أئمة الحديث) أو نحو ذلك؟
خامساً: إن هذه الكلمة لا تخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً ، وإنما هو اصطلاح مثل باقي الاصطلاحات ، لا يدعو إلى مثل هذا الإنكار الذي جرى من هؤلاء الإخوان ، والعجيب أيضاً أن هؤلاء الإخوان أخذوا يدعون إلى مثل ما نقول به ، فقالوا: ينبغي دراسة مناهج المحدثين. وأي فرق بين الدعوة إلى دراسة (مناهج المحدثين) أو دراسة (منهج المتقدمين) ، فالأول هو الثاني ولا فرق ، وإن كان فرق عندهم فليبينوه ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(2)الذي يظهر أن الحافظ ابن حجر لا يقصد التقليد الأعمى وإنما يقصد المتابعة لهم والسير على مناهجهم.
(3) كذا.
(4) بعض الكلمات كانت غير واضحة – بالنسبة لي – في المخطوط فنقلتها من (توضيح الأفكار).
(5) في المطبوع: أن.

خليل بن محمد
27-03-02, 02:06 PM
اختلاف الحكم على الحديث، بين المتقدمين والمتأخرين

س/ أحياناً نجد بعض الأحاديث التي حكم عليها علماء الحديث قديماً بالضعف كابن حبان، وأبي حاتم، وابن خزيمة وغيرهم . وهذه الأحاديث حكم عليها علماء حديث معاصرون بالتصحيح أو العكس . فلمن يكون الترجيح ؟
فهناك من يقول نأخذ قول العلماء الأوائل؛ لأنهم أقرب عهداً برواة الحديث، وبالسلف الصالح . وهناك من يقول إن الترجيح للمعاصرين؛ لأنهم أوتوا من سبل البحث والتحقيق ما لم يؤتَ أولئك . نرجو التوضيح .
أجاب على السؤال فضيلة الشيخ عمر المقبل المحاضر في جامعة الإمام فرع القصيم .
الجواب :
الحمد لله ، وبعد : فهذا السؤال يتصل بقضية كثر الكلام فيها في الآونة الأخيرة ، ولعلي أجمل الجواب في ست نقاط :
الأولى : : لا ريب أن الأصل هو التعويل والرجوع إلى الأئمة المتقدمين ، وهذا ليس خاصاً بعلم الحديث بل في كل علم من علوم الشريعة .
الثانية : من حيث العموم فأئمة الحديث المتقدمون أعلم من المتأخرين ، وأدقّ نظراً ، وأقرب عهداً بعصور الرواية والتدوين -كما ذكر السائل- فقد شاهدوا جمعاً غفيراً من حملة الآثار ورواة الأسانيد ، ووقفوا على كتبهم وأصولهم التي يروون منها ، فتحصّل عندهم ، وتهيأ لهم من ملكة النقد ، والقدرة على التمحيص ما لم يتهيأ لغيرهم ممن أتى بعدهم ، خاصة في أدق وأجل علوم الحديث ، وهو علم (العلل ) الذي برز فيه جمع من الأئمة الكبار كابن المديني ، وأحمد ، والبخاري ، ومسلم ، والنسائي ، والدارقطني ، وغيرهم .
الثالثة : إذا تقرر أن الأئمة المتقدمين لهم من المزايا والخصائص ما ليس لغيرهم ممن أتى بعدهم ، فإنه يجب التسليم لقولهم إذا اتفقوا ولم ينقل عنهم اختلاف ، ولو خالفهم بعض المتأخرين ، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله : (( فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله ، فالأولى اتباعه في ذلك ، كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه)) (انظر : النكت 2/711) وللعلائي ، وابن كثير ، والسخاوي رحمهم الله كلام يدور حول هذا المعنى ، فينظر : اختصار علوم الحديث: 79 ، وفتح المغيث 1/237 .
الرابعة : هذا الذي سبق فيما إذا اتفق المتقدمون على الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف ، فأما إذا اختلفوا ، فإن كان الشخص قادراً على المقارنة والترجيح أخذ بما تطمئن إليه نفسه ، وإن كان لا يقدر فيقلد من يرى أنه أعلم بهذا الشأن ، كما بيّن ذلك غير واحد من الحفاظ المتأخرين كالعلائي رحمه الله . (ينظر : فتح المغيث 1/237) .
الخامسة : : أن قول بعض الناس إن سبب ترجيح قول المعاصرين لكونهم أوتوا من سبل البحث والتحقيق ما لم يكن للأوائل ، فالحقيقة أن هذا الكلام لا يصدر ممن له أدنى اطلاع ومعرفة بأقدار الأئمة، وما آتاهم الله عز وجل من سعة الاطلاع العجيب ، والفهم الدقيق ، والنظر العميق في الأحاديث ، وطرقها وعللها ، ومعرفة أحوال رواتها على وجه الدقة . ويكفي أن يعلم السائل الكريم أن المتأخرين لم يظفروا بكثير من الطرق التي كانت معروفة عند الأئمة المتقدمين .

ثم أين يقع علم المعاصرين الذين علم أكثرهم في كتبه، مع علم الأئمة المتقدمين الذين أكثر علمهم محفوظ في صدورهم ، يأتون به متى شاؤوا ؟! ولا ريب أن هذا كلّه لا يعني انتقاص أقدار العلماء المتأخرين - ومنهم المعاصرون - حاشا وكلا، بل لهم فضل وأثر كبير في نفع الأمة، وخدمة السنة، فكم نفع الله بكتبهم وتحريراتهم ! وإنما المقصود بيان منازل أولئك الأئمة ومعرفة أقدارهم على وجه الإيجاز الشديد -رحم الله الجميع – .
السادسة : : أن السائل - بارك الله فيه - قرن في سؤاله بين ثلاثة من الأئمة وهم : أبو حاتم الرازي ، وابن خزيمة ، وابن حبان . ومع الاتفاق على جلالة هؤلاء الأئمة إلاّ أن أهل العلم بالحديث يقدمون أبا حاتم على ابن خزيمة ، كما يقدمون ابن خزيمة على تلميذه ابن حبان رحم الله الجميع.
فأبو حاتم له طريقة متميزة في النقد على مشرب الأئمة الكبار : أحمد ، والبخاري ، وأبي داود ، والنسائي ، وغيرهم . وابن خزيمة مع موافقته في كثير من الأحيان لمشرب الأئمة، إلاّ أنه أحياناً - مع تلميذه ابن حبان - لهما طريقة في النقد لا يوافقهما عليها الأئمة الكبار، ومن سار على طريقتهم.
ومقصودي من هذا التنبيه : أن تُعلم أقدار الأئمة ، وأن الله تعالى فضّل بعضهم على بعض في العلم والفهم ، فينبغي أن يلاحظ هذا ويعتبر عند النظر في كلامهم ، والله أعلم .

خليل بن محمد
27-03-02, 09:45 PM
مقال الشيخ الدكتور : تركي الغميز

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فإن علم السنة علم جليل الخطر، عظيم الأثر، وقد نهض بخدمته علماء أجلاء، ورجال فضلاء من أفذاذ هذه الأمة المحمدية المرحومة، كانت لهم بمعرفته يد طولى، حيث ذبو الكذب عن حديث المصطفى r ونفوا الخطاء والغلط، وبينوا الصحيح من السقيم ، وعانوا في سبيل ذلك ما عانوا من نصب وعناء ، وأجرهم على الله تعالى ، ولقد كان لهم في معرفة ذلك وتمييزه قواعد عظيمة ، ومسالك دقيقة ، مبنية على سعة الحفظ وقوة الاطلاع ، والمعرفة الدقيقة بأحوال الرواة والمرويات .
ولقد كان أئمة الحديث في عصور الازدهار من أمثال شعبة بن الحجاج ، ويحي القطان ، وابن مهدي ، وأحمد بن حنبل ، وابن معين ، وابن المديني ، والبخاري ،ومسلم ،وأبي داود ،و الترمذي ، والنسائي ، وأبي زرعة ،وأبي حاتم وغيرهم – على نهج واحد وطريق متحد في عمومه مبني على النظر الدقيق،والتفتيش العميق في أحوال الرواة والمقارنة بين المرويات لتمييز الخطأ من الصواب .
وكان هذا المنهج واضحاً لهم تمام الوضوح كما هو واضح لمن اطلع على كلامهم وتأمل في أحكامهم ، وكتبهم بين أيدينا ، وهي شاهدة وناطقة بذلك ، وهذا لا يعني رفع الاختلاف بينهم ، بل الاختلاف واقع ، ولكن مع اتحاد الأصول العامة التي يسيرون عليها، وإنما ينتج الاختلاف في التطبيقات الجزئية لاختلاف النظر وتفاوت العلم بينهم في ذلك . فقد يطلع أحدهم على ما لم يطلع عليه الآخر ، وقد ينقدح في ذهن أحدهم مالم ينقدح في ذهن الآخر ، وقد يشدد أحدهم ويتسمح الآخر ، إلا أن ذلك لا يخرج عن الأصل العام الذي يسيرون عليه .
ثم ضعف علم السنة بعد ذلك ، وتكلم فيه من لم يتقنه ، وكثر ذلك ، حتى ظهرت قواعد جديدة ، وآراء غريبة في تمييز الصحيح من السقيم ، وقد قام بتطبيق هذه القواعد جملة من الفقهاء والأصوليين وغيرهم ، ثم تبناها بعض متأخري المحدثين ، وجعلوها قواعد في علم السنة امتلأت بها كتب المصطلح.ولازال كثير ممن عنى بخدمة السنة يطبق هذه القواعد المتأخرة في التمييز بين الصحيح و السقيم إلى هذا العصر ، ومن هنا انقسم الكلام في هذا العلم إلى قسمين وانتسبت إلى مدرستين ، وصار على منهجين :
الأول : منهج المتقدمين من أئمة الحديث ، كمن سبق ذكرهم ومن أهم ما يتميز به هذا المنهج ما يلي :
1 ــ القاعدة عندهم في النظر عند الاختلاف بين الرواة -كاختلاف في وصل وإرسال أو رفع ووقف أو زيادة ونقص ونحو ذلك - مبنية على التأمل الدقيق في أحوال الرواة المختلفين والتأمل التام في المتن المروي ، فلا يحكمون للواصل مطلقاً سواء كان ثقة أو غير ثقة ، ولا يحكمون للمرسل – أيضاً – مطلقاً ، وكذا الزائد والناقص الخ .. وإنما يتأملون في ذلك فإن دلت القرائن على صواب المُرسِل حكموا به ، وإن دلت على صواب الواصل حكموا به ، وهكذا بقية الاختلاف ، وهذا أمر ليس بالهين ، بل يستدعي بحثاً دقيقاً ، ونظراً متكاملاً ، وتأملاً قوياً ، في الموازنة بين ذلك ، وإنما ساعدهم على هذا سعة حفظهم وقوة فهمهم وقربهم من عصر الرواية .
ولأجل هذا الأمر فإنهم لا يحكمون على إسنادٍ بمفرده إلا بعد أن يتبين أن هذا الإسناد سالم من العلل ، كما قال ابن المديني "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" .
2 ــ ومن أهم ما تميز به عمل الأئمة المتقدمين التفتيش في حديث الراوي ، وتمييز القوي منه وغير القوي ، وذلك أن الراوي قد يكون ثقة ، إلا أن في حديثه شيئاً في بعض الأحوال ، أو الأوقات ، أو عن بعض الشيوخ ، أو نحو ذلك ، فهم يهتمون بتمييز ذلك والتنبيه عليه ، وبناءً عليه فقد يكون الحديث خطاءً وإن كان راويه ثقة ، ولأجل هذا فإنهم قد جعلوا أصحاب الرواة المشاهير على طبقات متفاوتة بعضهم أتقن من بعض وهكذا .
3 ــ ومن القضايا المهمة في هذا أن الأئمة المتقدمين كانت لهم عناية خاصة بنقد المتون ، والتنبيه على ما وقع فيها من خطأ ووهم ، وهذا كثير في كلامهم .
فهذه جملة من القضايا والميزات المهمة التي تميز بها عمل الأئمة المتقدمين في نقد السنة وتمييز صحيحها من سقيمها ، وليس القصد من ذلك الحصر ، فإن هناك قضايا أخرى متعلقة بإثبات السماع وعدمه والاتصال والانقطاع ، وأخرى في التدليس وغير ذلك .
المنهج الثاني : منهج المتأخرين أو منهج الفقهاء والأصوليين ومن تبعهم من متأخري المحدثين وقد تميز هذا المنهج بميزات أيضاً ، ومن أهمها ما يلي :
1 ــ أهم ما يتميز به هذا المنهج أنهم قعدوا قواعد نظرية ثم طردوها ، مع أنهم قد يختلفون في بعض هذه القواعد ، فمن قواعدهم أن زيادة الثقة مقبولة مطلقاً ، دون تحرٍ في ذلك هل أصاب الثقة في هذه الزيادة أو أخطأ ، فإذا اختلف في وصل حديث وإرساله أو وقفه ورفعه ، وكان الواصل أو الرافع ثقة فقوله هو الصواب ، ومنهم من يقول المرسل هو المصيب لأن هو المتيقن ، فهذه قاعدة أخرى مقابلة للقاعدة السابقة ، وكل هذا مجانب المنهج أئمة الحديث ،ولهذا ذكر ابن رجب أن هذه الأقوال كلها لا تعرف عن أئمة الحديث المتقدمين . ويترتب على قاعدتهم في زيادة الثقة فروع كثيرة ليس المقصود حصرها .
2 ــ وتبعاً للقاعدة السابقة في زيادة الثقة – أيضاً – فقد برز بوضوح في عمل المتأخرين الحكم على الأسانيد مفردة دون النظر في بقية طرق الحديث التي قد تظهر علة قادحة في هذا الإسناد المفرد ، وفي هذا المنهج هدم لجزء كبير مما اشتملت عليه كتب العلل، ولهذا قل اهتمامهم بهذه الكتب ، حتى لا تكاد تذكر إلا قليلاً مع أهميتها البالغة وجلالة مؤلفيها.
3 ــ ومما يميز منهج المتأخرين أنهم لا يعتنون كثيراً بالتفريق بين أحاديث الراوي ، لأنهم لما حكموا بأنه ثقة ألزموا أنفسهم بقبول كل ما روى، ولهذا ظهر في العصور المتأخرة الحرص على إبداء كلمة مختصرة في الحكم على الراوي لتكون عامة في جميع رواياته .
4 ــ ومن الأمور الظاهرة في منهج المتأخرين المبالغة الظاهرة في تقوية النصوص المعلولة بعضها ببعض ، وقد أسرف بعض المعاصرين في هذا جداً، وحتى قُوِّيَّ الخطأ بالخطأ فصار صواباً ،ولا شك أن تقوية النصوص بعضها ببعض أمر وارد عند أئمة الحديث المتقدمين ولكن ذلك على نطاق معين ،وله شروط وضوابط ، ولم يراعها كثير من المتأخرين.
وبناءاً على الاختلاف في المنهج بين المتقدمين والمتأخرين من خلال النقاط السابقة وغيرها مما لم أذكره ، ظهر اختلاف شديد وتباين واضح في الحكم على الأحاديث ، فوجدنا مئات الأحاديث التي نص الأئمة المتقدمون على ضعفها أو أنها خطأ ووهم ،قد صححها بعض المتأخرون ، وصار الأمر كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من أن بعض المتأخرين عمدوا إلى أحاديث هي خطأ عند بعض الأئمة المتقدمين فصححها هؤلاء المتأخرون ثم عارضوا بها النصوص الثابتة فاحتاجوا إلى الجمع بينها فجاءوا بأوجهٍ مستنكرة في الجمع بين هذه النصوص. وما ذكره أمر واقع لا شك فيه ، بل اضطر بعض المتأخرين إلى تبني أقوال مهجورة وآراء شاذة في بعض المسائل تبعاً لتصحيحه لبعض النصوص الساقطة والأوهام والأخطاء .
والنتائج المترتبة على الاختلاف بين المنهجين عظيمة جداً ، وتمثل خطراً جسيماً على علم السنة إذ يُنسَب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت عنه ،بل ما يعلم أنه أخطئ عليه فيه، وهذه نتيجة طبيعية للفروق الكبيرة بين المنهجين.

خليل بن محمد
28-03-02, 01:31 PM
مقال الشيخ الدكتور حاتم الشريف

قال في أحد أجوبته لهذا المنتدى المبارك :

سؤاله الأول : عن التفريق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين في التصحيح والتضعيف ، وهل هذا التفريق سائغ ؟
ويطلب البيان الشافي في ذلك 0
أما البيان الشافي فهو حري بمصنف كامل ، وهو ما قمت به بفضل الله ومنته ، من نحو ثلاث سنوات 0 وإنما أخرت طباعته ونشره استكمالا لبعض الجوانب غير الأساسية المتعلقة بالموضوع ، فعسى أن ييسر الله تعالى نشره قريبا (بإذنه عز وجل) 0
لكني سوف أذكر بعض الأمور التي تجلى وجه الحق في هذه المسألة :
أولاً : لايتردد أحد ممن له علاقة بعلم الحديث أن أئمة النقد في القرن الثالث والرابع ، من أمثال ابن معين وابن المديني وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وأبي حاتم وأبي زرعة وابن خزيمة والعقيلي وابن أبي حاتم وابن عدي وابن حبان والدارقطني وأمثالهم = أنهم أعلم( بمراتب كثيرة ) من المتأخرين من أمثال الذهبي وابن حجر والسخاوي والسيوطي فمن جاء بعدهم إلى المعاصرين 0
ثانياً : لايشك أحد ممن له علاقة بعلم الحديث وبعلمائه وتراجمهم وأخبارهم أن أئمة الحديث ممن سبق ذكر أعيانهم أسلم الناس قلبا ( وفكرا) من العلوم الدخيلة على العلوم الإسلامية التي أثرت فيها تأثيرا سيئا ، كعلم المنطق ووليده علم الكلام ، وأنهم في هذا الأمر ليسوا كعامة المتأخرين ممن تأثروا بتلك العلوم : بطريق مباشر أو غير مباشر ( كما بينت ذلك في المنهج المقترح) 0
ثالثاً : لايخفى على أحد أن علم الحديث كان خلال القرون الأولى حيا بين أهله ؛ لأنهم هم الذين سايروا مراحل نموه وتطوره ، وواجهوا الأخطار التي أحدقت به بما يدفعها ، وهم الذين وضعوا قواعده وأتموا بناءه ، حتى اكتمل 0 وأنه بعد ذلك ابتدأ في التناقص ، حتى وصل الى درجة الغربة ( كما صرح بذلك ابن الصلاح ت 643ه) 0ولذلك غمضت على المتأخرين كثير من معالمه ، وخفيت عليهم معاني بعض مصطلحاته ، وصاروا يصرحون في مواطن كثيرة ( بلسان الحال والمقال) أنهم مفتقرون الى الإستقراء والدراسة لأقوال المتقدمين ومناهجهم لاستيضاح معالم علم الحديث ومعاني مصطلحاته التي كانت حية واضحة المعالم عند المتقدمين ( كما سبق) 0
ولذلك كنت قد وصفت المتقدمين في كتابي ( المنهج المقترح) ب ( أهل الإصطلاح )، ووصفت المتأخرين بأنهم ( ليسوا من أهل الإصطلاح) ؛ لأنهم ( أعني المتأخرين) مترجمون لمعاني مصطلحات المتقدمين ،
ومستنبطون لمعالم علمهم : أصولا وفروعا ، وليس لهم دور آخر سوى ذلك ، إلا أن يحفظوا لنا الأوعية التي تركها المتقدمون ( وهي الكتب)0
وبذلك يظهر لنا الفرق الكبير بين الفريقين ، إنه كالفرق بين : من كان من أهل الإحتجاج بلغته من العرب ( فهم أهل اللغة)، ومن جاء بعد انقراض هؤلاء ممن صنف كتب اللغة 0 بل من جاء بعدهم بزمن ، بعد أن أفسد علم المنطق من علوم اللغة ما أفسده في العلوم الأخرى ، وبعد أن ضعف العلم باللغة كما ضعفت العلوم الأخرى!!!
وإذا كان الأمر بالنسبة للمتقدمين والمتأخرين على ما سبق شرحه ، فهل يشك أحد أن هناك فرقا بين المتقدمين والمتأخرين ؟!!!
وإني لأسأل : إذا تكلم في علم من العلوم رجلان ، أحدهما : أعلم به ، بل هو من مبدعيه وواضعيه 0 وثانيهما : أقل علما به بمراتب ، بل قصارى شأنه أن يفهم كلام الأول ويستوضح منهجه = أيهما سيكون أولى بمعرفة الحق في مسائله ؟ ومن منهما سيكون قوله أصوب وأسد 0
وبصراحة أكثر : إذا صحح أحد المتأخرين حديثا ، لن يؤثر على تسديد حكمه أنه :
1 ــ أقل علما من المتقدمين .
2 ــ وأنه قد تأثر فكره وعقله بمناهج غريبة عن علم الحديث .
3 ــ وأنه ما زال مفتقرا لفهم واستيضاح بعض معالم علم الحديث 00؟!!
وإذا قرر أحد المتأخرين قاعدة من قواعد نقد الحديث في القبول والرد ، أو أصل أصلا في إنزال الرواة منازلهم جرحا أو تعديلا ، ثم وجدنا أن تلك القاعدة أو ذلك الأصل يخالف ولا يطابق التقعيد الواضح أو المنهج اللائح من أقوال أو تصرفات الأئمة المتقدمين = فمن سيتردد أن المرجع هم أهل الاصطلاح وبناة العلم ( وهم المتقدمون )؟!!! إني – بحق – لا أعرف أحدا يخالف في ذلك ؛ لأني لا أتصور طالب علم يخفى عليه مأخذه !
أما قول من يقول : إن المتأخرين من علماء الحديث ( كالذهبي والعراقي وابن حجر والسخاوي والسيوطي) أعرف الناس بمنهج المتقدمين في قواعد الحديث , وأنهم نصروا مذهبهم = فإني أقول له :
أولاً : فإذا اختلف المتأخرون ( وما أكثر ما اختلفوا فيه : من تعريف الحديث الصحيح 000إلى المدبج ومعناه) = فمن هو الحكم ؟ وإلى ماذا المرجع ؟ أو ليس هو تطبيقات المتقدمين وأحكامهم وأقوالهم ؟
أم أن هذا القائل لتلك المقالة يريد منا أن نقفل باب الاستقراء والدراسة لأقول الأئمة المتقدمين ؟!!!
ما أشبه الليلة بالبارحة ! كنا – معشر أتباع الدليل – نذكر الأدلة لمقلدة المذاهب ، ونعجب بل نستنكر قول المقلدين المتعصبين : إن إمامنا أعرف بهذه الأدلة منكم ، وكل من خالف قول إمامنا إما مؤول أو منسوخ !! ثم أرى بعض أتباع الدليل يرجعون إلى مثل هذا القول !!!
فإن كان ذلك القائل لايريد منا إقفال باب الاستقراء والدراسة لأقوال الأئمة المتقدمين ، بل هو مؤيد لهذا المنهج = فما الذي يستنكره على دعاة هذا المنهج ؟! وأخشى ما أخشاه أنه بذلك يؤصل ( من حيث يشعر أو لم يشعر) منهج التقليد الأعمى ، وينسف أصل السلفية العظيم ، وهو الرجوع الى الدليل الصحيح ،وهذا ما نراه في بحوث ودراسات كثير من المعاصرين من المخالفين لنا في منهج دراسة علوم الحديث 0 فأصبحنا ضحكة لأهل البدع : نجتهد في الفروع الفقهية ، ونقلد في علوم الحديث !! ونرضى أن نعد أخطاء العلماء العقدية ، ونستشنع أن يخطأ أحد منهم في تفسير مصطلح من المصطلحات!!!
فإنا لله وإنا اليه راجعون 0
ثانياً : أضف الى ذلك كله في الرد على تلك المقالة : أن المتأخرين الذين تصدوا إلى علم الحديث تأليفا وبيانا لقواعده وشرحا لمصطلحاته قد أخطئوا في بعض ما قرروه، وهذا يعترف به المخالف قبل المؤالف0
وبجمع بعض تلك الأخطاء بعضها الى بعض ، وبعد دراستها لمعرفة سبب وقوع ذلك العالم فيها 0 ولمعرفة ما اذا كانت مجرد خطأ جزئي أم أنها خطأ منهجي = تبين أن بعض تلك الأخطاء سببها خطأ منهجي، أي في طريقة دراسة ذلك العالم لتلك المسائل ومنهجه في تناولها 0 وهذا ما أثبته بوضوح كامل في كتابي ( المنهج المقترح) ، وبينت دواعيه التاريخية والعلمية والعقدية والفكرية ، واستدللت له بأدلة واقعية من أخطاء بعض العلماء 0
وذلك الخطأ المنهجي في دراسة المصطلح لدى المتأخرين لم يتناول كل دراستهم ، ولذلك أصابوا في كثير من مباحث علم الحديث ، لما طبقوا المنهج الصواب ، الذي لاندعوا – اليوم – إلا اليه 0
لكن ظهور ذلك المنهج الخطأ لدى بعض العلماء المتأخرين كان أثره واتساع دائرة تطبيقه تدريجيا ، إلى العصر الحديث 0 فكان ( المنهج المقترح ) أول كتاب يبين بجلاء أن خطا المتأخرين في علوم الحديث ىليس دائما خطأ جزئيا كغيره من الأخطاء التي يمكن استدراكها بسهولة ، ولا يكون له خطورة على العلم ذاته0 بل إن بعض تلك الأخطاء نتجت عن خطأ منهجي خطير ، قائم ( في وجهه اللسافر ) على مشاحة أهل الاصطلاح اصطلاحهم ، وعلى مناقضة أصحاب التقعيد تقعيدهم !! وكان ( المنهج المقترح) بعد ذلك أول كتاب أيضا يبين معالم المنهج الصحيح لفهم المصطلح ، بوضع خطوات واضحة له0
وفي الختام :
فإني أنصح كل من فاته أجر وشرف السبق إلى إحياء منهج المتقدمين ، أن يبادر إلى مسايرة ركب هذا المنهج ، الذي يزداد أتباعه يوما بعد يوم ( بحمد الله تعالى) 0 ولا تقعدن بك ( أخي) حظوظ النفس ( من الحسد والكبر) عن فضيلة الرجوع الى الحق، فهذا لن يزيدك إلا كمدا وغما وإثما بزيادة ظهور الحق وأهله ؛ فإن الحق يغلب ولا يغلب ، وإن بدت للباطل دولة ، فغلبة البرهان لاتكون إلا للحق في كل زمان 0

خليل بن محمد
28-03-02, 03:10 PM
سألت الشيخ : سلمان العلوان ( عبر الهاتف ) هذا السؤال :

[س] ما رأيكم فيمن يفرق بين المتقدمين والمتأخرين في علم الحديث.
الجواب :
لا شك أن هناك تفرقة عظيمة.
أولاً : العلماء المتقدمين لا يُعلون رواية المدلّس إلا إذا ثبت تدليسه، والمتأخرين ـ لاسيما المعاصرين ـ يُعلون رواية المدلس حتى ولو لم يثبت تدليسه ، حتى أنهم يُعلون رواية الحسن البصري وأبي إسحاق السبيعي وقتادة وهذا كله غلط.
ثانياً : المتقدمون لا يصححون ولا يحسنون حديثاً في الشواهد ويخالف الأصول، والمعاصرون يصححون.
ثالثاً : المتقدمون يعتبرون القرائن في زيادة الثقة وروية المجهول، والمتأخرون لا، فإنهم يقبلون زيادة الثقة مُطلقاً، وهذا مذهب الأصوليين ، وليس مذهب المحدثين .

[ تنبيه : ذكر الشيخ أن المسألة تحتاج مزيد بحث ]

ابن معين
28-03-02, 06:50 PM
بارك الله فيك أخي راية التوحيد على هذا الجهد المبارك .
وهل من الممكن أن تتحفني بمصدر مقالة الدكتور تركي الغميز المفيدة .
ولعلي إذا انتهيت من بحث عندي حول ( علم العلل : تعريفه ، وأهميته ، وأئمته ، وطرق معرفته ، ومصادره ) أن أنشره في هذا المنتدى المبارك إن شاء الله تعالى .

خليل بن محمد
28-03-02, 07:15 PM
أهلاً بالشيخ ( هشام الحلاّف )

بالنسبة ــ شيخنا ــ لمقالة الشيخ الغميز ، فقد نُشرت في موقع الشيخ ( سلمان العودة ) حفظه الله ( لإسلام اليوم ) ، وهذا رابطه :


http://www.islamtoday.net/articles//show_articles_content.cfm?catid=74&artid=301#2

وأعانك الله في بحثك في ( العلل ) ، فإني في شوق له ، وبخاص أني في هذه الأيام أقرأ في كتاب (( علل الدارقطني )) .

خليل بن محمد
28-03-02, 09:10 PM
مقال الشيخ الدكتور : حمزة المليباري .
قال في كتابه المستطاب (( الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين )) [ الطبعة الثاني ] :
من هم المتقدمين ومن هم المتأخرين من المحدثين ؟
وما حاجتنا إلى معرفة ذلك في قسمي علوم الحديث : النظري والتطبيقي ؟
وهل يصح أن نضفي على المناهج والمفاهيم المتفق عليها لدى المتأخرين شرعية مطلقة لتفسير نصوص المتقدمين وتأويل مصطلحاتهم في مجال التصحيح والتضعيف ، أو في مجال الجرح والتعديل ؟
وما مصداقية ذلك التفسير إذا لم تعتبر فيه الخلفية العلمية لتلك المصطلحات ، وأساليب أصحابها في استعمالها ؟
ومن الجدير بالذكر أن معرفة الإجابة الدقيقة عن هذه التساؤلات أمر لا بد منه لمن يتعامل مع نصوص المتقدمين في مجال التصحيح والتضعيف والجرح والتعديل ، التي تزخر بها مصادر الحديث وكتب الرجال ، وذلك لتفادي التلفيق بين المناهج المختلفة عند تحديد مفاهيم المصطلحات ودلالات النصوص ذات الطابع النقدي .
ولذا نرى من الضروري أن نشرح مواقف الأئمة تجاه مسألة التفريق بين المتقدمين و المتأخرين بوجه عام في قسمي علوم الحديث : النظري والتطبيقي ، ثم نسلط الضوء على الأمور التاريخية التي أدت إلى تباين المنهج بينهم في ذلك عموما، حتى تكون الإجابة على تلك التساؤلات واقعية دقيقة .
التفريق بين المتقدمين و المتأخرين واقع تاريخي يجب احترامه :
سبق لي ذكر مسألة التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في كتابي " نظرات جديدة في علوم الحديث" ، لكني أعيدها هنا بشيء من التفصيل لأمرين :
الأول : استدراك بعض النقائص التي دفعت ببعض الإخوة إلى إساءة الظن بنا ، وتعكير صفاء هذا الموضوع الذي نحن بحاجة ماسة إلى بلورته وإثرائه ، من أجل التحرر من الإشكالات المعقدة كافة حول كثير من أنواع علوم الحديث، وفهم ما تحويه مصطلحاتها من الأبعاد النقدية فهما صحيحاً متكاملاً،والتأصيل لمنهج المحدثين النقاد في تصحيح الأحاديث وتعليلها، دون خلطه بمناهج الفقهاء وعلماء الكلام والأصول، بإذن الله سبحانه وتعالى.
الثاني : أن هذه المسألة تشكل نقطة أساسية لموضوع هذا البحث.
إن قضية التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في قسمي علوم الحديث: النظري والتطبيقي ، ليست فكرة محدثة كما يتصورها بعضنا ، ولا هي بدعة منكرة ، ولا هي مجرد خاطرة خطرت ببالنا كما اتهمنا بها بعض آخر ، وإنما هي فكرة قديمة نوه بها قبلنا علماء التحقيق والتدقيق من المتأخرين أنفسهم . وما دعاني إلى إثارتها من جديد إلا إحياء منهج المحدثين النقاد المتقدمين في تصحيح الأحاديث وتعليلها ، بعد أن لمست في كثير من البحوث والدراسات المعاصرة انتهاج منهج ملفق بين منهج المحدثين النقاد وبين منهج الفقهاء وعلماء الأصول ، ثم إلصاقه بنقاد الحديث .
موقف العلماء من التفريق بين المنهجين :
ونسوق هنا من النصوص ما يحدد لنا بدقة مواقف العلماء تجاه قضية التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في التصحيح والتضعيف وما يتعلق بهما من القضايا والمسائل .
قال الحافظ الذهبي ( رحمه الله تعالى ) : " يا شيخ ارفق بنفسك والزم الإنصاف ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشزر ولا ترمقنهم بعين النقص ، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا حاشا وكلا ، وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال : من أحمد ؟ وما ابن المديني ؟ وأي شئ أبو زرعة وأبو داود ؟ فاسكت بحلم أو انطق بعلم ، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث فلا نحن ولا أنت ، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل 1 .
ثم قال في ترجمة الإسماعيلي صاحب المستخرج على صحيح البخاري : " صنف ( يعني الإسماعيلي ) مسند عمر رضي الله عنه ، طالعته و علقت منه وابتهرت بحفظ هذا الإمام ، وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين 2 .
والجدير بالذكر أن الذهبي قد أدرج الإسماعيلي المتوفى سنة 371 هـ ، من المتقدمين ، على الرغم من قوله بأن " الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين ثلاث مائة سنة " 3 .
و قال أيضاً :" وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث ، فإن أولئك الأئمة ، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول وعرفوا عللها ، وأما نحن فطالت الأسانيد وفقدت العبارات المتيقنة ، وبمثل هذا ونحوه دخل الدخل على الحاكم في تصرفه في المستدرك " 4 .
وقال الحافظ ابن حجر : " وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين ، وشدة فحصهم ، وقوة بحثهم ، وصحة نظرهم ، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه ، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد ، كالترمذي ، وكأبي حاتم ابن حبان ، فإنه أخرجه في صحيحه ، وهو معروف بالتساهل في باب النقد ، ولا سيما كون الحديث المذكور في فضائل الأعمال " 5 .
وقال السخاوي :" ولذا كان الحكم من المتأخرين عسراً جداً ، وللنظر فيه مجال ، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه و طائفة ، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ، وهكذا إلى زمن الدارقطني البيهقي ولم يجئ بعدهم مساو لهم ولا مقارب أفاده العلائي ، وقال : فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمداً لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح ا.هـ 6
يعني السخاوي بقوله هذا ، أن تصحيح الحديث أو تعليله بناء على معرفة ما يحيط به من القرائن يصعب على المتأخرين ، بخلاف المتقدمين لتبحرهم في علم الحديث وتوسعهم في حفظه .
وقال الحافظ العلائي بعد أن سرد آراء الفقهاء وعلماء الأصول حول مسألة زيادة الثقة :" كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحي بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل و البخاري وأمثالهم يقتضي أن لا يحكم في هذه المسألة ـ يعني زيادة الثقة ـ بحكم كلي ، بل عملهم في ذلك دائر على الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في حديث حديث" 7 .
وقال الحافظ ابن حجر في المناسبة نفسها :" والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي ويحي القطان وأحمد بن حنبل و يحي بن معين وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي الدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ، ولا يعرف عن أحد منهم قبول الزيادة " 8 .
وهذه النصوص واضحة وجلية في مدى احترام أئمتنا فكرة التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في مجال الحديث وعلومه ، وشعورهم العميق بالفوراق العلمية الأخذة في تبلورها بينهم بقدر كبير في معالجة مسائل علوم الحديث ، تنظيراً وتطبيقاً .
كما أن هذه النصوص تحمل إشارة واضحة إلى أن كلمة " المتقدمين " يقصدون بها نقاد الحديث ، باستثناء المعروفين منهم بالتساهل في التصحيح : كابن خزيمة وابن حبان والحاكم . بينما يعنون بالمتأخرين غير النقاد ممن كان يقبل الأحاديث ويردها بعد الدارقطني ، من الفقهاء وعلماء الكلام وغيرهم ممن ينتهج منهجهم ، أو يلفق بينه وبين منهج المحدثين النقاد ، كما هو جلي من سياق كلام الحافظ العلائي والحافظ ابن حجر ، إذ إن تعقيبهما الذي نقلته آنفا كان بعد سرد آراء علماء الطوائف ـ وهم الفقهاء ، وعلماء الكلام والأصول ، وعلماء الحديث حول مسألة زيادة الثقة . ولذلك ينبغي أن يكون الحد الفاصل بينهم منهجياً أكثر من كونه زمنياً .
هذا وقد كان استخدام لفظتي " المتقدمين والمتأخرين " مألوفاً في كتب مصطلح الحديث وغيرها ، مما يبرهن به على وجود تباين بينهم في استخدام المصطلحات عموماً ، الأمر الذي يفرض على الباحث في علوم الحديث أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار عند شرح المصطلحات والنصوص ذات الطابع النقدي ، لا سيما في الأنواع التي توسعت مفاهيمها وضوابطها في العصور المتأخرة ، كطرق التحمل والأداء ، والجرح والتعديل .

[ يتبع ]

خليل بن محمد
28-03-02, 09:18 PM
[ تابع مقال الشيخ حمزة المليباري ]



إن أول موضع من كتب المصطلح في التفريق بين المنهجين :
ولعل أول موضع من كتب المصطلح يشد انتباه القراء إلى ضرورة التفريق بين المناهج المختلفة في قسمي علوم الحديث : النظري والتطبيقي هو مبحث الصحيح .
فقد قال ابن الصلاح :" الصحيح ما اتصل سنده بالعدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة " . ثم أشار إلى أن هذا التعريف على منهج أهل الحديث حين قال : " فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلا ف بين أهل الحديث " 9 . وتبعه في ذلك كل من صنف في مصطلح الحديث عموماً ، متفقين على أن هذا التعريف إنما هو على منهج المحدثين دون غيرهم من الفقهاء و علماء الأصول .
وذلك لأن الفقهاء و علماء الأصول لم يشترطوا في الصحيح أن يكون الحديث خاليا من أسباب الشذوذ والعلة المتفق عليها عند المحدثين . ويتجلى ذلك بوضوح في مسألة زيادة الثقة ، ومسألة ما يتفرد به الثقة من الأحاديث ، ومسألة تعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع ، و مسألتي الشاذ والمنكر ، إذ كان موقف الفقهاء و علماء الأصول تجاه هذه المسائل هو قبول ما يرده نقاد الحديث .
ولهذا قال ابن دقيق العيد : ومداره ( يعني الصحيح ) بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التيقظ ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة على ما قرر في الفقه ، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندا . وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذا و لا معلـلا ، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء ، فإن كثيراً من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء10 .
وقال أيضاً في شرح الإلمام : " إن لكل من أئمة الفقه والحديث طريقاً غير طريق الآخر ، فإن الذي تقتضيه قواعد الأصول و الفقه أن العمدة في تصحيح الحديث عدالة الراوي و جزمه بالرواية ، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي و عدم غلطه ، فمتى حصل ذلك و جاز ألا يكون غلطا وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه . فأما أهل الحديث فإنهم قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول ثم تقوم لهم علل تمنعهم عن الحكم بصحته " وقال الصنعاني معقباً عليه : وهو صريح في اختلاف الاصطلاحين في مسمى الصحيح من الحديث كما قررناه " 11 .
وقال أبو الحسن بن الحصار الأندلسي ( 611هـ) " إن للمحدثين أغراضاً في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط ، ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه روي موقوفاً أو مرسلاً ، وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفته من هو أعدل منه ، أو أحفظ . وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول ، أو آية من كتاب الله تعالى ، فيحمله ذلك على قبول الحديث ، والعمل به ، واعتقاد صحته ، وإذ لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة " 12 .
وإن كان في قول أبي الحسن الأندلسي بعض المؤاخذات العلمية التي سأبديها قريباً فإن هذه النصوص أفادتنا عموماً بضرورة التفريق بين الفقهاء و علماء الأصول وبين نقاد الحديث في تنظير قواعد التصحيح و التضعيف وتطبيقاتها ، لئلا تكون المفاهيم حولها ملفقة بين مناهجهم المختلفة . ومعلوم أن هذه القواعد إنما تؤخذ عن المحدثين النقاد ، دون غيرهم ، ويجب التسليم لهم في ذلك ، ولذا قال الحافظ ابن حجر :" يتبين عظم موقع كلام المتقدمين ، وشدة فحصهم ، وقوة بحثهم ، وصحة نظرهم ، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه " 13
وقال أيضاً :" ... فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله ، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه " 14
وقال ابن كثير :" أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن ( أي في جرح الرواة ) فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب ، وذلك للعلم بمعرفتهم ، و اطلاعهم ، واضطلاعهم في هذا الشأن ، واتصفوا بالإنصاف والديانة ، والخبرة والنصح ، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكا أو كذاباً أو نحو ذلك فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفه في مواقفهم ، لصدقهم وأمانتهم و نصحهم " 15 .
وقال السخاوي : فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح ا.هـ16
وهذا الإمام السبكي يسجل لنا ما صدر من الإمام الجويني ـ وهو أحد أئمة علم الكلام والأصول ـ من بالغ التقدير والاحترام لمنهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف ، وذلك بعد أن أدرك خطأه في طريقة تصحيحه للأحاديث ، والاحتجاج بها ، وهذا نصه :
" كان الشيخ أبو محمد قد شرع في كتاب سماه ( المحيط ) عزم فيه على عدم التقيد بالمذهب ،وأنه يقف على مورد الأحاديث لا يعدوها ، ويتجنب جانب العصبية للمذاهب فوقع إلى الحافظ أبي بكر البيهقي منه ثلاثة أجزاء ، فانتقد عليه أوهاما حديثية ، وبين أن الآخذ بالحديث الواقف عنده هو الشافعي ، رضي الله تعالى عنه ، وأن رغبته عن الأحاديث التي أوردها الشيخ أبو محمد إنما هي لعلـل فيها ، يعرفها من يتقن صناعة المحدثين " .
"فلما وصلت الرسالة إلى الشيخ أبي محمد قال : هذه بركة العلم ، ودعا للبيهقي ، وترك إتمام التصنيف ، فرضي الله عنهما ، لم يكن قصدهما غير الحق والنصيحة للمسلمين ، وقد حصل عند البيهقي مما فعله الشيخ أبو محمد أمر عظيم ، كما يظهر من كلامه في هذه الرسالة " ا.هـ17
ومن المفيد أن ننقل هنا بعض ما ورد عن البيهقي في رسالته المذكورة يقول :
" وكنت أسمع رغبة الشيخ رضي الله عنه في سماع الحديث والنظر في كتب أهله ، فأشكر إليه ، وأشكر الله تعالى عليه ، وأقول في نفسي ، ثم فيما بين الناس : قد جاء الله عز وجل بمن يرغب في الحديث ويرغب فيه من بين الفقهاء ، ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم ، من جملة العلماء ، وأرجو من الله أن يحيي سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار ، حيث أماتها أكثر فقهاء الأمصار بعد من مضى من الأئمة الكبار الذين جمعوا بين نوعي علمي الفقه والأخبار ، ثم لم يرض بعضهم بالجهل به حتى رأيته حمل العالم به بالوقوع فيه ، والإزراء به والضحك منه وهو مع هذا يعظم صاحب مذهبه ويجله ، ويزعم أنه لا يفارق في منصوصاته قوله ، ثم يدع في كيفية قبول الحديث ورده طريقته ، ولا يسلك فيها سيرته ، لقلة معرفته بما عرف ، وكثرة غفلته عما عليه وقف، هل نظر في كتبه ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره ، واعتماده فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره ! فنرى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجبا على كل من انتصب للفتيا ، فإما أن يجتهد في تعلمها أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه ، ولا يجمع عليه وزران ، حيث فاته الأجران ، والله المستعان وعليه التكلان "
" ثم إن بعض أصحاب الشيخ ـ أدام الله عزه ـ وقع إلى هذه الناحية فعرض علي أجزاء ثلاثة مما أملاه من كتابه المسمى ( بالمحيط ) فسررت به ورجوت أن يكون الأمر فيما يورده من الأخبار على طريقة من مضى من الأئمة الكبار ، لائقاً بما خص به من علم الأصل والفرع ، موافقاً لما ميز به من فضل العلم والورع " 18
والذي يبدو من مضمون الرسالة المشار إليها آنفاً أن معاصري الإمام البيهقي من فقهاء الشافعية سلكوا في قبول الأحاديث والاحتجاج بها مسلكاً يناهض منهج إمامهم الشافعي وغيره من المتقدمين من أصحاب الحديث والأثر . وعلى الرغم من دفاع الإمام البيهقي عن المحدثين النقاد و منهجهم في التصحيح والتضعيف ، وقبول الإمام الجويني ذلك منه بحفاوة ورحب صدر ، فإن اللاحقين من الفقهاء استمروا في تساهلهم في تصحيح الأخبار وقبولها والاحتجاج بها .
ويتجلى ذلك بوضوح بما قاله ابن الجوز ي:" فرأيت أن إسعاف الطالب للعلم بمطلوبه يتعين خصوصا ً عند قلة الطلاب،لا سيما لعلم النقل ،فإنه أعرض عنه بالكلية حتى إن جماعة من الفقهاء يبنون على العلوم الموضوعة " يعني: أنهم يستدلون بالأحاديث الموضوعة 19. والله أعلم .
وقال في موضع آخر : " رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث مزجاة ، يعول أكثرهم على أحاديث لا تصح ، ويعرض عن الصحاح ، ويقلد بعضهم بعضاً فيما ينقل " 20
وقال الإمام النووي " وأما فعل كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك واعتمادهم عليه ( يعني ما رواه الضعفاء ) فليس بصواب بل قبيح جداً ، وذلك لأنه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به ، فإنهم متفقون على أنه لا يحتج بالضعيف في الأحكام ، وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفا ، أو بسؤال أهل العلم إن لم يكن عارفا . والله أعلم " 21
ملاحظات حول قول أبي الحسن الأندلسي :
وأما ما زعمه أبو الحسن الأندلسي ( رحمه الله تعالى ) " أن للمحدثين أغراضا في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط ، ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك ، وأن الفقيه قد يعلم صحة الحديث بموافقة الأصول ، أو آية من كتاب الله تعالى ، فيحمله ذلك على قبول الحديث ، والعمل به ، واعتقاد صحته ، وإذا لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة " 22 .
فيرده ما سبق سرده من نصوص الأئمة هذا من حيث الجملة .
وأما من حيث التفصيل فقوله " إن المحدثين بالغوا في الاحتياط " بعيد عن الدقة ، وذلك لأن منتهج المحدثين في التصحيح و التضعيف لم يكن قائما على التخمين والاحتياط ، وإنما على تتبع القرائن والملابسات ، ولذلك فإنهم حين أعلـوا الحديث المرفوع بالموقوف يعني أن القرائن نبهتهم على أن رفع الحديث خطأ ، وليس لمجرد وجود المخالفة بين الموقوف و المرفوع ، أو بين المتصل والمرسل ، وليس لأنهم مبالغون في الاحتياط ، ويمكن أن نصفه بذلك إذا كان منهجهم في ذلك مجرد تخمين وظن ، دون تعويل على القرائن والملابسات .
وأما طعنهم في الراوي فليس كما قال الأندلسي : إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفته من هو أعدل منه ، أو أحفظ ، يطعن فيه النقاد ، وإنما طعنوا فيه لكثرة مخالفته الصواب و كثرة تفرده بما ليس له أصل ، وليس لمجرد أنه قد خالف من هو أعدل منه ، دون لجوء إلى ما يحف به من القرائن .
وأما الجملة الأخيرة فتعد غريبة منه رحمه الله تعالى ، وهي وليدة خلط بين قضيتين مختلفتين تتميز كل منهم عن الآخر بالضوابط ، إذ موافقة القول المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم الأصول أو الآية القرآنية لا تعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله بالضرورة، والذي ذكره أبو الحسن الأندلسي إنما هو من حيث محتوى النص ، فسلامته من الخلل تتم بانسجامه مع الأصل الثابت أو الإجماع ، وأما من حيث روايته وإضافته إلى شخص ما فينبغي أن يكون خاضعا لقواعد النقل و الرواية . وبمجرد أن يكون نص ما قد وافق الآية القرآنية لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله بالضرورة إذا لم يكن من رواية الكذاب.
ومن المعلوم أن النقل له قواعد وضوابط ، كما للعقل قواعد وضوابط، ولا ينبغي إخضاع أحدهما لقواعد الآخر إلا في حالات معينة وبطريقة علمية منهجية ، وبالتالي فما لا يمنع العقل وقوعه لا يلزم إضافته إلى شخص ، ما لم يثبت عنه نقلا ، وكيف إذا كان الآمر يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الخطب فيه جلل والعاقبة وخيمة .
وعلى كل فقد ظهر جليا مما سبق أن أئمة الفقه والأصول كانوا يقعدون القواعد وينظرون المسائل فيما يخص التصحيح والتعليل والقبول والرد والجرح والتعديل وفق ما يقتضيه التجويز العقلي المجرد ، كما سبق الإشارة إلى ذلك في نص الإمام ابن دقيق العيد ، وكذا نص أبي الحسن الأندلسي ، وبالتالي يكون من الإنصاف العلمي أن لا يعد ذلك منهجا علميا يوازي منهج المحدثين النقاد .
[ يتبع ]

خليل بن محمد
28-03-02, 09:33 PM
و[ تابع مقال الشيخ حمزة المليباري ]

ربما نجد في نصوص بعض المتأخرين أن المحدثين يضعفون الأحاديث لعلة غير قادحة ، وأنهم يضعفون الحديث لاختلاف رواته على شيوخهم في اسم الصحابي ، ويعدون مثل هذا الاختلاف علة تقدح في صحة الحديث . و أما الفقهاء فلا يعدونه قادحا لأن الحديث في جميع الاحتمالات يكون من رواية الصحابي ، ولا يضر الإبهام في اسمه لثبوت عدالة الصحابة ، مما يوهم القارئ المستعجل أن الفقهاء هم في غاية من الدقة في التصحيح و التضعيف . أقول : كلا ثم كلا ، فإن ذلك النوع من الخلاف لن يكون مقياسا لمعرفة دقة الفقهاء في التصحيح و التضعيف و مرونتهم في ذلك ، وهذا في الواقع أمر سهل ، بل لا يرد أحد من النقاد الأحاديث من أجله ، وإنما يرفض فقط أن يحدد الراوي بأنه فلان ، لوقوع اضطراب حوله ، دون أن يقدح ذلك في صحة الحديث.
وأما الخلاف الجوهري المتمثل في كون الحديث موقوفا أو مرفوعا ، أو كون الحديث مرسلا أو متصلا ، أو كون الحديث بزيادة أو بدونها فيعد ذلك كله من العلل القادحة فقط إذا توفرت القرائن على أن رفعه أو وصله أو زيادته خطأ محض من راويه أيا كان هذا الراوي ، ولم يكن ذلك مبنيا على مجرد تخمين ، أو تجويز عقلي .
في حين يعد الفقهاء هذا النوع من الاختلاف عللا غير قادحة ، نظرا لكون راوي ذلك ثقة أو صدوقا ، وأن الزيادة منه مقبولة عندهم إذ كانوا يجوزون عقليا صدور ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم صارفين النظر عما يحيط بتلـك الزيادات من ملابسات وقرائن . ولذا فعلى المنصف أن يتأمل : أي منهج يتسم بالدقة المتناهية التي تقتضيها مكانة السنة النبوية ، منهج المحدثين النقاد الذي يقوم على تتبع القرائن والملابسات ؟ أو منهج الفقهاء و الأصوليين الذي يعتمد على التجويز العقلي ؟ 23.
وفي ضوء ما سبق ذكره يمكن لنا القول : من كان منهجه في التصحيح و التضعيف هو النظر في عدالة الراوي واتصال السند فهو على طريقة الفقهاء ، وعليه جرى عمل كثير من المتأخرين من أهل الحديث عموما ، وهو ظاهر لكل من يتتبع كتب الفقه وأحاديث الأحكام ، وكتب التخريجات ، وكذلك المعاصرون ينتهجون المنهج نفسه ، كما نرى ذلك في كثير من بحوثهم ودراساتهم . غير أنهم يتفاوتون في ذلك بقدر ممارستهم بمنهج المحدثين النقاد .
هذا وقد تبلور التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في تقعيد قواعد القبول والرد في مناسبات أخرى في علوم الحديث ، كمبحث تعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع ، ومبحث زيادة الثقة ، ومبحث الاستخراج ، ومبحث الشاذ المنكر.
يقول الحافظ العلائي في صدد بيان هذا التباين :
" فأما إذا كان رجال الإسناد متكافئين في الحفظ أو العدد ، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شئ من ذلك ، مع أن كلهم ثقات محتج بهم ، فههنا مجال النظر واختلاف أئمة الحديث والفقهاء ."
" فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث بل غالبهم جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا ، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى ، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكموا لها ، وإلا توقفوا عن الحديث وعللوه بذلك ، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث ، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص ، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات ، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة ، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده ".
" وأما أئمة الفقه والأصول ، فإنهم جعلوا إسناد الحديث ورفعه كالزيادة في متنه يعني كما تقدم تفصيله عنهم . ويلزم على ذلك قبول الحديث الشاذ كما تقدم " 24.
و قال الحافظ ابن حجر : " وهذا ( يعني قبول زيادة الثقة ) قول جماعة من أئمة الفقه والأصول ، وجرى على هذا الشيخ محي الدين النووي في مصنفاته " 25 .
وقال الحافظ العلائي : " فهذا ( قبول زيادة الثقة ) كلام أئمة الأصول ممن وقفت عليه ، وأما أئمة الحديث فالمتقدمون منهم كيحي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ، ومن بعدهما كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين ومسلم والنسائي والترمذي وأمثالهم ، ثم الدار قطني و الخليلي ، كل هؤلاء يقتضي تصرفهم في الزيادة قبولا وردا الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث ، ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث ، وهذا هو الحق والصواب كما سنبينه إن شاء الله تعالى " 26 ثم استثنى العلائي منهم الإمام الحاكم وابن حبان لتساهلهما في التصحيح .
وهذه النصوص كلها واضحة وجلية في التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في مسألة التصحيح والتضعيف وما يلحق بهما من المسائل والضوابط ، وأن المتقدمين هم نقاد الحديث ، وأن المتأخرين هم الفقهاء وعلماء الكلام والأصول ومن تبعهم في المنهج من أهل الحديث ، دون النظر إلى الفاصل الزمني في التفريق .
ولذا أطلق السخاوي بقوله السابق : " ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرا جدا ، وللنظر فيه مجال ، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي و نحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة ، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ، وهكذا إلى زمن الدار قطني والبيهقي ، ولم يجئ بعدهم مساو لهم ولا مقارب" 27 .
ومن هنا يتجلى وهاء ما ذكره الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ( رحمة الله عليه ) في سبيل دفاعه عن حديث عون بن عبدالله الخزار عن مالك عن الزهري عن نافع عن ابن عمر مرفوعا موضوع ترك رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام ، وعن صحته ، مع أن الراوي قد انفرد به مخالفا للثابت عن مالك ثم عن الزهري ثم عن نافع ثم عن ابن عمر ثم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ونص بعض النقاد على أنه باطل ، وأوضح ذلك الشيخ الألباني رحمة الله عليه .
بيان مواضع أخرى من كتب المصطلح استخدم فيها العلماء مصطلحي المتقدمين والمتأخرين :
كتب المصطلح تزخر بلفظي المتقدمين والمتأخرين في كثير من المسائل ، ومنها طرق التحمل والأداء ، والجرح والتعديل ، حيث كان هذان الموضوعان محل عناية لدى المتأخرين ، على الرغم من اختلاف تخصصاتهم العلمية وتوجهاتهم الفكرية ، إذ الأولى تشكل نظم التعليم التي من شأنها أن تطور وفق مقتضيات العصر ، ويـتأثر بذلك جميع العلوم . وأما الثاني فدخل فيها الفقهاء والأصوليون من باب مسألة الشهادة ، وأطنبوا فيها حتى تعرضت لخلط الآراء القديمة و الجديدة ، ومعلوم أن معظم المؤلفين في كتب المصطلح هم أصحاب تخصص فقهي أو أصولي أو تاريخي مع وجود تفاوت كبير فيما بينهم من حيث الفهم والممارسة والاهتمام .
استعمال مصطلحي " المتقدمون" و " المتأخرون " أمر شائع في كتب المصطلح:
وأسرد هنا ـ على سبيل المثال دون استيعاب ـ تلك المواضع التي ورد فيها مصطلحا "المتقدمين" و " المتأخرين" من غير ترتيب موضوعي لها ، أو توضيح ملابسات تلك المسائل التي تعرضت للتباين المنهجي بينهم , إذ الغاية هي مجرد عرض لهذه المواضع ليقف القارئ على أنني لم أحدث شيئا جديدا في قضية التفريق بين المتقدمين والمتأخرين . وأنا على يقين أن القارئ على علم بذلك .
[ يتبع ]

خليل بن محمد
28-03-02, 09:41 PM
[ تابع مقال الشيخ حمزة المليباري ]

1- قال الحافظ ابن حجر ( رحمه الله تعالى ) : " وكذا خصصوا ( الإنباء ) بـ ( الإجازة ) التي يشافه بها الشيخ من يجيزه ، وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم ، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل ، وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته . نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط ، لأنه صار حقيقة عرفية عندهم فمن تجوز عنها احتاج إلى الإتيان بقرينة تدل على مراده وإلا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح ، فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين 28 .
2- و قال أيضا : " والإنباء بمعنى الأحبار عند المتقدمين جزما " 29 .
3- وقال أيضا : " قوله ( أنبأنا أبو إسحاق ) كذا هو بلفظ الإنباء ، وهو في عرف المتقدمين بمعنى الإخبار والتحديث وهذا منه " 30 .
4-وقال أيضا :" وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين ، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه ، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين ، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة " 31 .
يلاحظ أن موضوع هذا النص فيما يخص تأويل حديث عذاب الميت ببكاء أهله .
5- وقال ابن الصلاح :" التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين ، فيكتبون لا بن خمس فصاعدا ( سمع ) ، ولمن لم يبلغها ( حضر ) أو ( أحضر ) " 32 ، ونقله عنه اللاحقون في كتب المصطلح .
6- وقال السخاوي :" فاعلم أنه قد تقدم اغتفار الكلمة والكلمتين ، يعني سواء أخلتا أو إحداهما بفهم الباقي ، لا لأن فهم المعنى لا يشترط ، وسواء كان يعرفهما أم لا ، والظاهر أن هذا بالنسبة إلى الأزمان المتأخرة ، وإلا ففي غير موضع من كتاب النسائي ، يقول :( وذكر كلمة معناها كذا ) لكونه فيما يظهر لم يسمعها جيدا وعلمها " 33.
7- وقال أيضا " وخص بعضهم الاستواء بالأزمان المتأخرة التي حصل التسامح فيها في السماع بالنسبة للمتقدمين لكونه آل لتسلسل السند إذ هو حاصل بالإجازة " 34 .
8- وقال أيضا نقلا عن أبي العلاء الحسن بن أحمد الهمداني العطار : " لم أر في اصطلاح المتقدمين من ذلك شيئا ، غير أن نفرا من المتأخرين استعملوا هذه الألفاظ ، ولم يروا بها بأسا ، ورأوا أن التخصيص و التعميم في هذا سواء " 35 .
9- وقال في موضع آخر نقلا عن ( توضيح النخبة ) : " إن القول بها توسع غير مرضي ، لأن الإجازة الخاصة المعينة مختلف في صحتها اختلافا قويا عند القدماء، وإن كان العلم استقر على اعتبارها عند المتأخرين فهي دون السماع بالاتفاق " 36.
10- وقال أيضا : وهذه الألفاظ إن كثر استعمالها لذلك بين المتأخرين من بعد الخمسمائة وهلم جرا فما سلم من استعمالها مطلقا من الإبهام وطرف من التدليس ، أما المشافهة فتوهم مشافهة بالتحديث ، وأما الكتابة فتوهم أنه كتب إليه بذلك الحديث بعينه ، كما يفعله المتقدمون " 37 .
11- وفي 2/119 : " نعم اصطلح قوم من المتأخرين على إطلاقها فيها "( يعني لفظة " أنبأنا " في الإجازة ) إلى أن قال :" وراعى في التعبير به عن الإجازة اصطلاح المتأخرين ، لا سيما ولم يكن الاصطلاح بذلك انتشر" .
12- وفي 2/132 " لكن إذا صح عند أحد من المتقدمين كما عليه ابن الصلاح ، أو المتأخرين على المختار ما حصل الإعلام به من الحديث حصل الوثوق به " .
13- وفي 2/206 : " وكذا خص بعض المتشددين الجواز بما إذا لم يخرج الكتاب عن يده بعارية أو غيرها ، قال بعضهم : وهو احتياط حسن يقرب منه صنيع المتقدمين أو جلهم في المكاتبة " .
14- وقال في 2/208 : " فإن حديث المتقدمين من كتبهم مصاحب غالبا بالضبط و الإتقان الذي يزول به الخلل ، حتى إن الحاكم أدرج في المجروحين من تساهل في الرواية من نسخ مشتراة أو مستعارة غير مقابلة لتوهمهم الصدق في الرواية منها بخلاف المتأخرين في ذلك فهو غالبا عري عن الضبط والإتقان ، وإن نوقش في أصله كما تقرر في محله ".
15- وفي 2/249: " وإن اصطلح المتأخرون على التصرف في أسماء الرواة وأنسابهم بالزيادة والنقص و بزيادة تعيين تاريخ السماع " إلى أن قال : " وهو توسع أشار ابن دقيق العيد إلى منعه " .
16- وفي 2/256 : كما جوزه ( يعني تقديم المتن على السند ) بعض المتقدمين من المحدثين ، وكلام أحمد يشعر به ، فإن أبا داود سأله هل لمن سمع كذلك أن يؤلف بينهما ؟ قال :نعم ، وبه صرح ابن كثير من المتأخرين فقال : الأشبه عندي جوازه ".
17- وفي 2/269 : " وفعله ( يعني أن يجمع بين الروايات مع بيان الفروق فيما بينها ) من المتأخرين عياض فقال في الشفاء : وعن عائشة و الحسن وأبي سعيد وغيرهم في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم يزيد على بعض".
18- وفي 2/281 : " وقد فعله جماعة من المتأخرين ، وبالغ بعض المتساهلين فكان يقرأ عليه الماشي حال كونه راكبا ، وذلك قبيح منهما " .
19- وفي 2/283 : " و كذلك الشافعي قد أخذ عنه العلم في سن الحداثة وانتصب لذلك ، في آخرين من الأئمة المتقدمين والمتأخرين " .
20- وفي 2/292 : " واعلم أن القراء في هذه الأعصار المتأخرة ، بل وحكاه ابن دقيق العيد أيضا قد تسامحوا في ذلك وصار القارئ يستعجل استعجالا يمنع السامع من إدراك حروف كثيرة ، بل كلمات ، وقد اختلف السلف في ذلك ".
21- وفي 3/18- 19 : " وعلو الصفة عند أئمة الحديث بالأندلس أرجح من علو المسافة ، خلافا للمشارقة ، يعني المتأخرين ، ولأجل هذا قال العماد بن كثير : إنه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى باقي الفنون ، ونحوه قول شيخنا : وقد عظمت رغبة المتأخرين فيه حتى غلب ذلك على كثير منهم بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه " ، ثم نقل عن ابن دقيق العيد قوله : " وقد عظمت رغبة المتأخرين في طلب العلو ، حتى كان سببا لخلل كثير في الصنعة ، ولم يكن فيه إلا الإعراض عمن طلب العلم بنفسه بتمييزه إلى من أجلس صغيرا ، لا تمييز له ولا ضبط ولا فهم ، طلبا للعلو وتقدم السماع " .
22- وفي 3/26 : " لو جمع بين سندين أحدهما أعلى بأيهما يبدأ فجمهور المتأخرين يبدؤون بالأنزل ليكون لإيراد الأعلى بعده فرحة ، وأكثر المتقدمين بالأعلى لشرفة " . ثم أورد لذلك الأمثلة من صحيح البخاري و صحيح مسلم .
وهذه النصوص كلها توضح وقوع فوارق منهجية لا فتة الانتباه بين المتقدمين والمتأخرين فيما يخص طرق التحمل والأداء ، وأن مصطلح " المتأخرين " هنا يشمل جميع علماء الطوائف الثلاث : أئمة الفقه ، وأئمة الأصول و الكلام ، وأهل الحديث ، كما يظهر ذلك لمن يتتبع مبحث طرق التحمل والأداء وما يتعلق بهما من مسائل في كتب المصطلح حيث إن حضور هؤلاء الأئمة جميعا في تقعيد ما يتعلق بها واضح وجلي ، منهم القاضي أبو بكر الباقلاني ( ت 403هـ) ، وأبو الفتح سليم الرازي ( ت 447هـ ) ، وأبو إسحاق الشيرازي ( ت 476هـ ) وابن الصباغ (ت 477هـ) ، وأبو إسحاق الاسفرائيني ( ت 418هـ) وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي وإمام الحرمين (ت 478هـ) ، والمازري ، والماوردي ( ت 450هـ ) ، وغيرهم ممن عاصر الحافظين المشهورين : البيهقي ( ت 458هـ ) ، والخطيب البغدادي ( 460هـ ) ، ولاحقيهما كالآمدي ( ت 631 هـ) ، وابن الحاجب ( ت 646هـ ) .
وأما الموضوعات الأخرى التي نص فيها العلماء على تباين منهجي بين المتقدمين والمتأخرين فهي كالآتي : قال السخاوي " ولا شك أن في المتكلمين في ذلك من المتأخرين من كان من الورع بمكان كالحافظ عبد الغني صاحب الكمال في معرفة الرجال المخرج لهم في الكتب الستة ، الذي هذبه المزي وصار كتابا حافلا ، عليه معول من جاء بعده ، واختصره شيخنا وغيره ، ومن المتقدمين من لم يشك في ورعه كالإمام أحمد " 38 .
23- وقال أيضا : " قد شغف جماعة من المتأخرين القائلين بالتاريخ وما أشبهه كالذهبي ثم شيخنا بذكر المعائب ولو لم يكن المعاب من أهل الرواية ، ولذلك غيبة محضا " 39 .
24- وقال أيضا: " لعل ابن معين لا يدري ما الفلسفة ، فإنه ليس من أهلها ، ولذا كان الجهل بالعلوم و مراتبها والحق والباطل منها أحد الأوجه الخمسة التي تدخل الآفة منها في ذلك ، كما ذكره ابن دقيق العيد ، وقال : إنه محتاج إليه في المتأخرين أكثر لأنه الناس انتشرت بينهم أنواع من العلوم المتقدمة و المتأخرة حتى علوم الأوائل .." إلى أن قال : " و المتقدمون قد استراحوا من هذا لعدم شيوع هذه الأمور في زمانهم " 40
25- وفي 3/360 : " فنسب الأكثر من المتأخرين منهم كما كانت العجم تنسب للأوطان ، وهذا وإن وقع في المتقدمين أيضا فهو قليل ، كما أنه يقع في المتأخرين أيضا النسبة إلى القبائل بقلة " .
[ تابع ]

خليل بن محمد
28-03-02, 09:48 PM
[ تابع مقال الشيخ حمزة المليباري ]

26- وقال السخاوي 6: " ليس يمكن في عصرنا ( يعني التصحيح والتحسين ) ، بل جنح لمنع الحكم بكل منهما في الأعصار المتأخرة الشاملة له ، واقتصر فيهما على ما نص عليه الأئمة في تصانيفهم المعتمدة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف ، محتجا بأنه ما من إسناد إلا في روايته من اعتمد على ما في كتابه عريا عن الضبط والإتقان " 41 .
27- وقال أيضا " لكن قد وافق اختيار ابن الصلاح جماعة من المتأخرين " 42 .
28- وقال أيضاً : " وبسعيد ( يعني سعيد بن المسيب الذي روي عنه أنه لا يحتج بالمرسل ) يرد على ابن جرير الطبري من المتقدمين ،وابن الحاجب من المتأخرين ادعاءهما إجماع التابعين على قبوله ( أي المرسل43)"
29- وقال أيضا : " إن ما تقدم في كون ( عن ) وما أشبهها محمولا على السماع ، والحكم له بالاتصال بالشرطين المذكورين ، هو في المتقدمين خاصة ، وإلا فقد قال ابن الصلاح : لا أرى الحكم يستمر بعدهم فيما وجد من المصنفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه ( ذكر فلان ) ( قال فلان) و نحو ذلك ، أي فليس له حكم الاتصال إلا إن كان له من شيخه إجازة "44 ، إلى أن قال في 163 : " وكثير بين المنتسبين إلى الحديث استعمال ( عن ) في ذا الزمن المتأخر أي بعد الخمسمائة إجازة " .
30- وقال في 1/166 من فتح المغيث : " وإلا فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن ، كابن مهدي والقطان وأحمد و البخاري عدم المراد حكم كلي ، بل ذلك دائر مع الترجيح ، فتارة يترجح الوصل و تارة الإرسال وتارة يترجح عد الذوات على الصفات ، وتارة العكس ، ومن راجع أحكامهم الجزئية تبين له ذلك .. إلى أن قال : ويتأيد كل ذلك بتقديم البخاري نفسه للإرسال في أحاديث أخر لقرائن قامت عنده .. هذا حاصل ما أفاده شيخنا مع زيادة و سبقه لكون ذلك مقتضى كلام الأئمة العلائي ومن قبله ابن دقيق العيد و غيرهما " .
31 – وفي 1/222 : " ولذا حكم غير واحد من الحفاظ كالنووي في الخلاصة وابن عبد الهادي وغيره من المتأخرين باضطراب سنده " .
32- وفي 1/333 : الثالث عشر : في عدم مراعاة ما تقدم في الأزمان المتأخرة وأعرضوا أي المحدثون فضلا عن غيرهم في هذه الدهور المتأخرة عن اعتبار اجتماع هذه الأمور التي شرحت فيما مضى في الراوي و ضبطه فلم يتقيدوا بها في عملهم لعسرها وتعذر الوفاء بها ، بل استقر الحال بينهم على اعتبار بعضها .. " .
33- قال الحافظ السيوطي نقلا عن الحافظ العراقي : " وهو الذي عليه عمل أهل الحديث ، فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا : فمن المعاصرين لابن الصلاح أبو الحسن ابن القطان الفاسي صاحب كتاب ( الوهم والإيهام ) صحح فيه حديث ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ، ومنهم الحافظ ضياء الدين المقدسي جمع كتابا سماه ( المختارة ) التزم فيه الصحة ، وصحح الحافظ زكي الدين المنذري ، ثم صحح الطبقة التي تلي هذه فصحح الحافظ شرف الدين الدمياطي ، ثم تقي الدين السبكي ، قال : ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهلية ذلك منهم ، إلا أن منهم من لا يقبل ذلك منهم ، وكذا كان المتقدمون ربما صحح بعضهم شيئا فأنكر عليه تصحيحه " 45
34- وقال أيضا : " لكن قد يقوى ما ذهب إليه ابن الصلاح بوجه آخر ، وهو ضعف نظر المتأخرين بالنسبة إلى المتقدمين " 46.
35- وقال أيضا نقلا عن ابن الصلاح : " وفيما قاله مسلم نظر ، قال : ولا أرى هذا الحكم يستمر بعد المتقدمين فيما وجد من المصنفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه : ( ذكر فلان ) أو ( قال فلان ) أي فليس له حكم الاتصال "47 .
36-وقال أيضا : " والذي عليه عمل غير واحد من المتأخرين كابن دقيق العيد والمزي أن لذلك حكم العنعنة " 48 .
37- وقال في ص 180 من تدريب الراوي : " من الأمور المهمة تحرير الفرق بين الرواية و الشهادة ، وقد خاض فيه المتأخرون " .
38- وفي ص 181: " فالمختار عند المتأخرين أنه إن كان جازما بنفيه بأن قال ما رويته أو كذب علي ، ونحوه وجب رده لتعارض قولهما مع أن الجاحد هو الأصل " .
39- و قال الحافظ ابن حجر : " تنبيه : حاصل كلام المصنف أن للفظ ( عن ) ثلاثة أحوال : أحدها أنها بمنزلة ( حدثنا ) و ( أخبرنا ) بالشرط السابق ، الثاني : أنها ليست بتلك المنزلة إذا صدرت ( عن ) عن مدلس ، وهاتان الحالتان مختصتان بالمتقدمين ، وأما المتأخرون وهم من بعد الخمسمائة وهلم جرا فاصطلحوا عليها للإجازة، فهي بمنزلة أخبرنا " 49 .
40- وقال أيضا : " وقد أفرط بعض المتأخرين فجعل الانقطاع قيدا في تعريف المعلول ، فقرأت في (المقنع ) للشيخ سراج الدين ابن الملقن ، قال : ( ذكر ابن حبيش في كتاب علوم الحديث : أن المعلول أن يروي عمن لم يجتمع به كمن تتقدم وفاته عن ميلاد من يروي عنه ، أو تختلف جهتهما ، كأن يروي الخراساني مثلا عن المغربي، ولا ينقل أن أحدهما رحل عن بلده " 50.
41- ونختم هذا بما قاله العلامة محمد أنور شاه الكشميري في كتابه فيض الباري ، وهذا نصه :
" وليعلم أن تحسين المتأخرين ، وتصحيحهم ، لا يوازي تحسين المتقدمين فإنهم كانوا أعرف بحال الرواة لقرب عهدهم بهم ، فكانوا يحكمون ما يحكمون به ، بعد تثبت تام ، ومعرفة جزئية ، أما المتأخرون فليس عندهم من أمرهم غير الأثر بعد العين ، فلا يحكمون إلا بعد مطالعة أحوالهم في الأوراق ، وأنت تعلم أنه كم من فرق بين المجرب والحكيم ، و ما يغني السواد الذي في البياض عند المتأخرين ، عما عند المتقدمين من العلم على أحوالهم كالعيان ، فإنهم أدركوا الرواة بأنفسهم ، فاستغنوا عن التساؤل ، والأخذ عن أفواه الناس ، فهؤلاء أعرف الناس ، فبهم العبرة ، وحينئذ إن وجدت النووي مثلا يتكلم في حديث ، والترمذي يحسنه ، فعليك بما ذهب إليه الترمذي ، ولم يحسن الحافظ في عدم قبول تحسين الترمذي ، فإن مبناه على القواعد لا غير ، وحكم الترمذي يبني على الذوق والوجدان الصحيح ، وإن هذا هو العلم ، وإنما الضوابط عصا الأعمى " 51 .
هكذا تضافرت النصوص على استخدام مصطلحي " المتقدمون والمتأخرون " مؤكدة بأهمية التفريق بين المناهج المختلفة في قسمي علوم الحديث: النظري والتطبيقي ، ونحن إذ نطرح ذلك من جديد فإننا نقصد بذلك بلورة هذه الفكرة ، لضرورة العودة إلى منهج المتقدمين في معرفة صحة الحديث وضعفه ، وتحديد معاني المصطلحات التي استخدموها في مجال النقد ، أو الجرح و التعديل ، مستعينا في ذلك بالتعريفات التي ذكرها المتأخرون في كتب المصطلح.
والذي أثار غرابتي وعجبي أن المناوئين لمسألة التفريق بين المتقدمين والمتأخرين كانوا يفرقون بينهم ، ويستخدمون هذين المصطلحين بين حين وآخر عند تناولهم مسائل علوم الحديث ، لقد سمعت من بعض الشيوخ يصف هذا المنهج بأنه محدث وبدعة في الدين ، وفي الوقت ذاته يفرق بينهم عشرات المرات في تحرير معنى الحسن وغيره من مسائل علوم الحديث .
[يتبع ]

خليل بن محمد
28-03-02, 09:55 PM
[ تابع مقال الشيخ حمزة المليباري ]


وفي ضوء ما تقدم من النصوص نستطيع أن نلخص ما يلي :
1-ورد في بعض النصوص ما ينص على أن الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين هو الخمسمائة سنة الهجرية .
2-وكان موقف العلماء موحداً حول وجود تباين جوهري بين المتقدمين والمتأخرين في التصحيح والتضعيف .
3-الأسماء الواردة في قائمة المتقدمين هم : شعبة والقطان وابن مهدي ونجوهم ، وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة ، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وهكذا إلى زمن الدارقطني والخليلي والبيهقي .
4-فاتضح بذلك أن البيهقي هو خاتمة المتقدمين .
5-وأن هذه الأسماء إنما ذكرت على سبيل المثال لا على سبيل الحصر .
6-ويبرهن بذكر هذه الأسماء على أن قصدهم بالمتقدمين هم نقاد الحديث .
7-وأدرج الذهبي الإسماعيلي (371هـ) في زمرة المتقدمين ، رغم قول الذهبي بأن الحد الفاصل بينهم هو القرن الثالث الهجري .
8-وأن الأسماء الواردة في قائمة المتأخرين هي : ابن المرابط ، وعياض ، وابن تيمية ، وابن كثير ، وعبد الغني صاحب الكمال ، والذهبي ، والحافظ ابن حجر ، وابن الصلاح ، وابن الحاجب ، والنووي ، وابن عبد الهادي ، وابن القطان الفاسي ، وضياء الدين المقدسي ، وزكي الدين المنذري ، وشرف الدين الدمياطي ، وتقي الدين السبكي ، وابن دقيق العيد ، والمزي .
9-و تضم هذه القائمة ـ كما ترى ـ أهل الحديث وأهل الفقه والأصول . وأطلق عليهم جميعاً مصطلح " المتأخرين " .
10- صرح السيوطي بضعف نظر المتأخرين بالنسبة إلى المتقدمين ، هذا بالطبع فيما يخص الحديث وعلومه فقط ، ولم يكن( رحمه الله ) شاذا في ذلك ، بل يؤيده ما سبق ذكره من نصوص الأئمة ، ولهذا قال الحافظ ابن حجر بوجوب تسليم الأمر للمتقدمين في مجال التصحيح و التضعيف وتنظير القواعد المتعلقة بهما .
وفي نهاية هذا التلخيص نعود ونقول مرة أخرى إن أئمتنا قد استخدموا مصطلحي المتقدمين والمتأخرين ، لوجود تباين منهجي بينهم في التصحيح والتضعيف ، وتنظير ما يتعلق بهما من المسائل والقواعد ، ولتفاوتهم في التكوين العلمي في مجال الحديث وحفظه و نقده .
وبعد هذا يكون من المفيد أن ننظر في العوامل التاريخية التي أدت إلى وقوع ذلك التباين ، وهذا ما أذكره في الفقرات التالية .
العوامل التاريخية التي أدت إلى وقوع ذلك التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين :
إذا نظرنا في المراحل الزمنية التي مرت عليها السنة النبوية وقمنا بتحليل ما يميزها بعضها عن بعض من أساليب التعلم والتعليم ، وطبيعة الحركات العلمية العامة ، نجد أنها تنقسم إلى مرحلتين متميزتين يكاد كل واحد منهما يستأثر بخصائص منهجية وسمات علمية ، على الرغم من أن اللاحقة منهما ما هي إلا امتداد للسابقة .
[ ويليه الحواشي ]

خليل بن محمد
28-03-02, 09:59 PM
الحواشي :
1-الحافظ الذهبي ، تذكرة الحفاظ ص : 726 -826
2-المصدر السابق ، ص : 849
3-ميزان الاعتدال 1/4
4-الموقظ : ص 46( تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ط : 2 ، سنة 1412هـ ، دار البشائر الإسلامية ، بيروت )
5- النكت على كتاب ابن الصلاح 2/726 ( تحقيق الشيخ ربيع المدخلي ، ط: 1، الجامعة الإسلامية ) ، وأما قول الحافظ ابن حجر في معرض تعقيبه على ابن الصلاح في مسألة التصحيح في العصور المتأخرة :" فيلزم على الأولِ( يعني قول ابن الصلاح : فأل الأمر إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة ) تصحيح ما ليس بصحيح ، لأن كثيراً من الأحاديث التي صححها المتقدمون اطلع غيرهم من الأئمة فيها على علل خطها عن رتبة الصحة ، ولا سيما من كان لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن " ( النكت 1/270) فيعني به تصحيح المتساهلين من المتقدمين ، كابن خزيمة وابن حبان والحاكم ، دون التعميم على جميع المتقدمين النقاد ، ولذا عقبه بقوله " فكم في كتاب ابن خزيمة من حديث محكوم منه بصحته ، وهو لا يرتقي عن ربتة الحسن " . ولذا فإن قول الحافظ ابن حجر هذا لا يتعارض مع الذي نقلناه عنه من ضرورة الرجوع إلى تصحيح المتقدمين وتعليلهم ، وتسليم الأمر لهم فيهما . والله أعلم .
6- الحافظ السخاوي ، فتح المغيث 1/237 ( الناشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ، ط2 سنة 1388هـ ) .
7- نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني في " النكت على كتاب ابن الصلاح " 2/604، والصنعاني في توضيح الأفكار 1/312.
8- الحافظ ابن حجر ، شرح نخبة الفكر ص:13، وانظر أيضاً كتابه " النكت على مقدمة ابن الصلاح " 2/692.
9- علوم الحديث المشهور بـ" مقدمة ابن الصلاح " ص : 11-13 ( تحقيق نور الدين عتر ، ط : 3، سنة 1418هـ )
10- الاقتراح في بيان الاصطلاح ص : 186( تحقيق عامر حسن الصبر ي ، ط : 1، سنة 1417، دار البشائر الإسلامية ، بيروت )
11- ـ توضيح الأفكار 1/23
12- ـ نقله الحافظ في كتاب النكت على ابن الصلاح 2/128ـ 131 ( مناهج المحدثين ص : 25)
13- النكت على كتاب ابن الصلاح 2/726
14-النكت 2/711. انظر اختصار علوم الحديث ص:64
15- اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث : 79
16- فتح المغيث 1/237 . وتوضيح الأفكار 1/344 ، والنكت 2/604ـ605
17- طبقات الشافعية الكبرى 5/76ـ 77 للإمام السبكي ( تحقيق محمود محمد الطناحي ، ط : 1، سنة 1967م )
18-طبقات الشافعية الكبرى ، ص :81-82
19- الموضوعات 1/3
20- التحقيق في اختلاف الحديث 1/3
21-شرح النووي لصحيح مسلم 1/126
22- نقله الحافظ في كتاب النكت على ابن الصلاح 2/128- 131 ( مناهج المحدثين ص:25)
23- هذا الموضوع مشروح بتفاصيل دقيقة في كتاب جديد للمؤلف عنوانه " كيف ندرس علوم الحديث " .
24- نقله الحافظ في النكت على كتاب ابن الصلاح ـ النوع الثامن عشر : معرفة العلل ـ 2/712
25- ـ المصدر السابق ـ في النوع السادس عشر : معرفة زيادات الثقات 2/688
26-ـ نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد ص : 209-210( تحقيق بدر بن عبدالله ، ط : 1،سنة 1416هـ ، دار ابن الجوزي )
27-فتح المغيث 1/327 ، وتوضيح الأفكار 1/344 ، و النكت 2/604-605
28- فتح الباري شرح صحيح البخاري 1/145
29-المصدر السابق 5/400
30- المصدر السابق 2/563
31- المصدر السابق 3/155
32-مقدمة ابن الصالح ص :130
33- فتح المغيث 2/48
34-المصدر السابق 2/58
35- المصدر السابق 2/68
36-ت المصدر السابق 2/73
37-المصدر السابق 2/118
38- فتح المغيث 3/323
39- فتح المغيث 3/324
40- المصدر السابق وفي 3/327
41- فتح المغيث 1/44
42- المصدر السابق 1/51
43- المصدر السابق 1/136
44- المصدر السابق 1/162
45- تدريب الراوي ، ص : 71( دار الكتب العلمية ، سنة 1417هــ ، بيروت )
46- المصدر السابق ص : 73
47-المصدر السابق ، ص : 114
48- المصدر السابق ، ص : 117
49- النكت على كتاب ابن الصلاح ـ النوع الحادي عشر : المعضل 2/586
50- المصدر السابق ـ النوع الثامن عشر : العلل ـ 2/746
51- فيض الباري 4/414، 415

أنتهى ما أردت نقله من كتاب (( الموازنة )) للشيخ المليباري ، الطبعة الثانية .

طالب الحق
29-03-02, 05:42 PM
تأملتُ في المنكرين على الأخوة التعبير "بمنهج المتقدمين" فوجدتهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأوَّل: لا يدري أصلاً ما مراد الأخوة "بمنهج المتقدمين" وظنّ أن الأخوة يقدحون في العلماء المتأخرين أمثال المزي والذهبي وابن حجر وغيرهم –رحمة الله على الجميع- وأنهم لا يرجعون إلى كتبهم ويسفهون آرائهم ، وهذا الظن –ولاشك- خاطي جداً-وما ذكر ونقل عن المشايخ يكفي في التوضيح والبيان لم يريد الحق- وهذا القسم يُعَرّف المراد "بمنهج المتقدمين" ويُتلطف معه لأنه جاهل، ومن جهل شيئاً عاداه، وفي الغالب أنّ هؤلاء يرجعون كما هو مشاهد.
القسم الثاني : حاسدٌ. لمَّا رأى القبول وُضع –من الله- لبعض العلماء وطلبة العلم بسبب نشرهم علم السلف وفضلهم وإحياء مناهجهم حَسَدهم؛ لأنه يريد الفضل والصدارة له، وما عَلِمَ المسكينُ أنَّه بقدر ما تُجلّ السلف وتُخلص في نشر علومهم بقدر ما يجعل الله لك القبول والرضى، ولا ممسك لفضل الله ورحمته.
القسم الثالث: مقلدٌ لا يفهم ما يخرج من رأسه، رأى الصياحَ فصاحَ !! وهذا لا نطيل الكلام معه لأنه سلّم عقله لغيره!!.

خليل بن محمد
12-04-02, 03:38 PM
أخي طالب الحق

أحسنت فكلامك جميل

عبدالله العتيبي
30-05-02, 03:59 AM
جمع مبارك وشامل وفقكم الله جميعا

المنصور
31-07-02, 11:36 PM
لي تعقيب أرجو من الجميع تأمله جيداً جداً:
أرى والله أعلم أن مسائل المصطلح لم تتغير على مر السنين وهي مبثوثة والحمد لله في مصنفات أهل العلم عبر القرون ، ولازال كل عصر يخرج لنا من تصفونهم أنتم بأنهم على منهج المتقدمين ، أما أنا فلا أقول بهذا المصطلح ، لأني إن قلت به فيلزمني كذلك القول به في بقية علوم أهل الإسلام - لاعلوم أهل الكلام - إذاً مالذي يحدث ، فالواقع أننا نرى انحرافاً عن المنهج الصحيح في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ؟
الجواب والله أعلم ذو شقين :
1- قد يجتهد أحد العلماء في تتبع مسائل المصطلح والنظر فيها وتأمل كلام الأئمة الأوائل واقتفاء آثارهم في الجانب النظري ، ثم إذا جاء الى التخريج والتطبيق فقد ينشط وقد يضعف ، وهذا الأمر له أسباب كثيرة جداً ، ولعل من أبرزها : الرغبة في كثرة المؤلفات---- الرغبة في البروز على حساب حديث نبينا صلى الله عليه وسلم ، وهذا إن كان قليلاً في السابقين فهو في وقتنا كثير نوعًا ما ---- إلى غير ذلك من الأسباب كالمرض والضعف وقلة المراجع ......الخ .
وأنت لوسألت هؤلاء عن المسألة الاصطلاحية هل قمت بمراجعتها في الكتب المعتمدة في المصطلح ؟ لأجاب بالنفي ، ولقال لك : الحقيقة أنني خريج كتب التخريج .
فمثلا : مسألة زيادة الثقة .... هذه المسألة لازالت كتب المصطلح تتناقل أن القول الصحيح أنه لابد من تتبع القرائن ثم الحكم على ضوء ذلك ، فالقول الصحيح مبثوث في الكتب ....وهذا الكلام يقال في جميع فنون العلم كذلك .
2- يجب أن نسعى جاهدين لتقرير مسائل المصطلح من طريقين :
أ- بيان طريقة الأئمة في كل أبواب المصطلح دون أن ندعي منهجاً للمتقدمين ، باعتبار أن هذا المنهج موجود يصيبه من بحث عنه شأنه شأن بقية العلوم ، وأن الذي ينبغي أحياؤه هو : روح المحدث الباحث عن الصواب ... ومن هنا ينبغي أن نحذر من إحياء مسألة المتقدمين والمتأخرين دون إحياء روح البحث والهمة في تتبع الطرق والروايات فنقع فيما نقدنا الناس فيه ، فطالب علم الحديث ينبغي أن يتقرر لديه أنه يصحح أو يضعف كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه أن يخلع من رأسه كل غرض دنيوي ، فالتجارة ليس هذا أحد ميادينها.
ب - التطبيق العملي المرافق للدراسة النظرية ، وهنا ينبغي دراسة الأمثلة الصحيحة والواضحة ، مع تربية الطالب على احترام وتقدير أقوال أئمة هذا الفن ، مع كشف حال من يدعي من المحققين المعاصرين أنه
وقف على طريق أو شاهد لم يقف عليه أئمة هذا الفن.
والخلاصة - عندي - أن من اجتهدفي مسألة المتقدمين والمتأخرين لم يصب العنوان الصحيح : وهو: ضرورة بذل الوسع والجهد في التصحيح والتضعيف، مع عدم إغفال كلام نقاد الحديث المعتبرين ...والله أعلم.

عبدالله بن عبدالرحمن
09-02-03, 09:40 PM
اللهم ارزقنا اتباع منهج السلف المتقدمين من أهل العلم أهل القرون المفضلة ، فقد كانوا على الجادة في ديانتهم وعلمهم

الجامع الصغير
27-06-03, 04:54 PM
هل طبعت مقالات الشيخ المليباري في كتاب ؟

ابو حسان
27-06-03, 06:49 PM
السلام عليكم

لعل لي- وانا علمي قاصر في علم الحديث -وجهة نظر لان لي مشاركة بسيطة في هذا العلم
اقول قضية علم المتقدمين والمتاخرين سببها عندي :
علم الحديث جمد بعد القرن التاسع للهجرة الى بداية القرن الثالث عشر ثم اعيد بيد الغماريين والكتانيين وغيرهم من اهل الهند ثم احمد شاكر ثم الشيخ ناصر -رحمهم الله جميعا -وكل المذكورين كان مسلكهم في علم الحديث واصوله تبعا للحافظ ابن حجر وابن الصلاح ولم يستطيعوا ان يجاوزوهم فكانت نشاة علم الحديث واحيائه على منهج هولاء المحدثين سيما الشيخين شاكر وناصر ،وسيما بعد نقد الشيخ ناصر رحمه الله منهج الشيخ السعد

والحقيقة لحصر مسالة الخلاف اقول
ان كثيرا من الاحاديث لا يختلف منهج المتقدمين والمتاخرين فيها
ويجب حصر المسائل لكسر هوة الخلاف
1 العلل فان المتاخرين اهملوا كثيرا من العلل
2بعض الامور كالتدليس والنكارة وزيادة الثقة تحتاج لزيادة نظر
3يعتب بعض الناس لماذا لم يكثر من التاليف على منهج المتقدمين بينما اكثر الذين على منهج المتاخرين والسبب ان علم الحديث اصبح سهلا جدا على منهج التاخرين ولذلك سلك فيه من هب ودب


حل هذه المشكلة يكون في راي على عدة مراحل :

1جمع موسوعات لاحكام العلماء على غرار موسوعة ابن حجر في الاحاديث مثل موسوعة لابن رجب وابن القيم وابن كثير وابن تيمية والعراقي والعلائي وغيرهم
2 جمع موسوعة لاحكام كل العلماء المتقدمين مثل احمد وابن المديني والدارقطني وغيرهم

طبعا عمل الموسوعة الاولى ايسر لتوافر مولفاتهم وقد يسر الله لي المشاركة والاشراف علىموسوعة ابن حجر وانهيت ولله الحمد موسوعة ابن القيم وابن رجب وانا الان في ابن كثير نسال الله الصدق والقبول
اما المسوعة الثانية فتحتاج لجهد اكبر وليست متعسرة وعندي خطة لها
وفائدة هذه الموسوعات انها تبين لنا النتائج النهائية لما وصل اليه هولاء العلماء ومن ثم اجراء مقارنة بين المتقدمين والمتاخرين

3 جمع موسوعة لكل كتب العلل او الا حاديث المعللة
4 جمع اقوال المتقدمين في علم المصطلح
بهذه النقاط سنحصر هذه المشكلة وسنوجد قاعدة علمية طيبة

والله من وراء القصد

عبدالرحمن الفقيه
22-02-05, 07:39 PM
جزاكم الله خيرا
وتنظر هذه الروابط للفائدة
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=17499

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=7584

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?p=7969#post7969

أبو عمر الطائي
13-04-06, 11:46 AM
أخي المنصور:
بارك الله فيك لي على كلامك ثلاث ملاحظات:
الأولى:مسألة نشاط المحدث وفتوره لاينبغي أن تعطى أكبر من حجمها فهي عارضة في الحال لا أصل و إن وجدت فسوف يظهر
التباين بين المنهجين في حال نشاطه والعبرة بما يغلب لابما يعرض.

الثانية:لايشك أحد أنه وجد الباحث الجاد المتعمق المخلص حتى ممن هم على منهج المتأخرين
فالقدح في صدقهم وجديتهم مجانبة للصواب ومع ذلك وقعوا في منهج المتأخرين وساروا عليه مما يدل أن هناك شيئاً متقرراً يسبرون عليه (رحمهم الله)
الثالثة:لا شك ولا ريب أن هناك مرتزقة في سائر العلوم لكن لايعني هذا أنه إذا أخطأ عالم قلنا في نيته أو أنه مرتزق يتربح من العلم مايتربح لا أحد معصوم من الخطأ والزلل سواء على مستوى الأخطاء الفردية أو المنهجية وهذا هو المحك فقد يكون الخطأ ليس في المفردات من المسائل بل قد يكون في المنهج القائم وهذا يصعب تقبله وأيضاً يصعب الحكم به لاعتماده على السبر والتقسيم
أيضاً وجد أهل علم مخلصون لله ينافحون عن السنة (نحسبهم كذلك والله حسيبهم)ولا أحد يقدح بهم لكنهم أخطؤا في المنهج ولايلزم من بيان الحق فيهم كراهيتهم أو بغضهم أو عدم الاستفادة من علمهم فهذا شئ وذاك شئ آخر وتأمل كلام النقاد في الرواة وأحياناً يكون المنتَقَد من علماء المسلمين وقضاتهم . (وجزيت خيرا وزوجت بكرا وأنجب لك طفلا)

ابن القاضي الأثري
14-04-06, 01:00 AM
جزاكم الله خيراً

ابو صهيب العنزي
20-08-06, 06:54 AM
جزى الله كل من قام على إثراء هذا المنتدى بهذه المقالات والردود الجميلة اللتي عندما يراها الطالب يطمئمن بأن طلبة العلم كثير و أن هذا العلم - علم السنة النبوية- محفوظ بحفظ الله له شاء من شاء و أبى من أبى ، يقول عز و جل : " إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون " و حفظ السنة يتبع حفظ القرآن بلا شك فهذا مفسر و مكمل لهذا .
و عندي تعقيب على بعض الأخوة :
و هو أني أشعر أن المشكلة في عدم إثراء المكتبات بمؤلفات تحمل منهج من تقدم ، هو أن أغلب المشايخ اللذين في بلاد الحرمين - حرسها الله و بلاد المسلمين أجمعين - ممن يفرقون بين المنهجين لم يتفرغوا كثيرا للتأليف و لكن تجد دروسهم كثيرة مما جعل هذا على حساب هذا و خاصة أنه صار لديهم كثير من الطلاب فهم يعطون أوقاتهم كثيرا للطلبة و للدروس و قد يكون هذا و الله أعلم على حساب التأليف ، وكذلك ولله الحمد تجد أن الفسح للدروس و عدم المضايقات الكثيرة في البلاد من أسباب الإكثار من الدروس . أما في الخارج مثل مصر و الأردن أو سوريا و غيرهم لا تكاد تجد دروس مثل كثافة الدروس في مدينة الرياض فضلا عن المملكة ككل ، و بالتالي الطلاب أقل ، وبالتالي التفرغ للتأليف و بذل الطاقة فيه و خاصة كما فضل بعض الأخوة أن بعض المشايخ اللذين نهجوا منهج المتأخرين هم الأكثر اللذين ألفوا و زاحموا المكتبات بكتبهم ممن هم في الخارج اسأل الله أن يرحمنا و يرحم الميت منهم و يغفر لنا و للميت منهم إنه على كل شيء قدير . والله أعلم .

مصطفي سعد
21-08-06, 01:12 AM
بارك الله فيك يا شيخ خليل والشيخ عبد الرحمن الفقيه

أبو أميمة السلفي
22-08-06, 08:32 PM
جزاكم الله خيرا على جهدكم

محمد آصف
23-01-07, 07:03 PM
للرفع

أبوصـالح
25-01-07, 01:37 AM
وهذا جواب للشيخ العلامة سلمان العودة (http://www.islamtoday.net/pen/show_question_content.cfm?id=8217)- وفقه الله لكل خير-



لدي استفسار عن قضية تحسين الأحاديث بالطرق والشواهد، فهذه القضية تساهل بها المتأخرون كثيراً، ولم أجد عنها بياناً شافياً عند المتقدمين، فهلا تفضلت - إن سمح وقتك- بإرشادي إلى المراجع التي قد تفيدني في هذا المجال.كما أود لو أن أعرف رأيك في مقالة كتبتها عن صحيفة عمرو بن شعيب، ونشرها فضيلة الدكتور بسام فرج في موقعه:http://www.islamicnoor.com/amr_bin_shuaib.aspإذ إن الذي أعلمه أنك تضعّف الصحيفة الصادقة، وأخشى أن يكون قد فاتني شيء مهم في بحثي.



الجواب

نعم، مسألة التساهل بتحسين الأحاديث أو تصحيحها بالطرق والشواهد ظاهرة لدى عدد من المتأخرين منذ قرون وإلى اليوم، ولم يكن هذا دأب المتقدمين، وقد كتب في هذه المسألة وأخواتها من متعلقات العلة والشذوذ عدد من الباحثين، منهم: الدكتور حمزة المليباري، والدكتور الشريف حاتم العوني، والدكتور الأستاذ إبراهيم اللاحم، وفي موقعنا عرضت دراسة بحثية متنوعة المصادر حول هذه الموضوعات، فلعلك اطلعت على نافذة ((بحوث ودراسات))، أما عن عمرو بن شعيب وسلسلة إسناده فلي فيها بحث صغير منشور في موقعنا تجده في خزانة المراسلات.

عبد الحليم قاسم محمد
27-01-07, 11:54 AM
جز الله خيراً كل من شارك في هذا الموضوع القيم.

وأقول: أن للشيخ ماهر ياسين الفحل حفظه الله بحثاً قيما في هذه المسألة.

يمكن تحميله أو قراءته على الرابط أدناه:

http://www.saaid.net/book/open.php?cat=91&book=2879

امين ابو الحارث
05-12-07, 01:04 PM
نريد من أصحاب المنتدى أن يبعثوا لنا بالرد العلمي والبيان الشافي في مسألة المتقدمين والمتأخرين ,لأنه قد كثر الخلط في هذه المسألة بين الغالي والجافي والبعض الآخر بعيد عن فهم هذه الجزئية .

كريم البحيرى
06-01-08, 02:59 PM
قول للشيخ أبي إسحاق الحويني:


في شريط ماتع للشيخ، اسمه " أسئلة حول تخريج الأحاديث "، وهو موجود في موقع " طريق الإسلام "، طرح عليه هذا السؤال:
هناك أيضا مقولة الآن تنتشر بين طلبة العلم، يعني أن أقوال العلماء المتأخرين ما يُأْخَذُ بهم، فنحن نعتمد على أقوال العلماء المتقدمين في هذا العلم، يعني لو جاء مثلا الذهبي أو الحافظ ابن حجر، وهو متأخر عندهم، وتكلم في هذا العلم ، لا يؤخذ عنه كلامه، لا بد نرجع إلى الأصل: العلماء المتقدمين، فما رأيك في هذا ؟ وهل سمعت عنه ؟
فأجاب الشيخ قائلا:
ج 7: نعم، طبعا سَمِعْت، أنا أجيب بجواب إجمالي، لأن الجواب التفصيلي مكانه واسع:

لا مانع أن تُبحث هذه المسألة بحثا علميا، لكن بين أهله. مسألة تعليل المتقدمين والمتأخرين، هذه مسألة مشهورة، لكن الخطورة في المسألة: دخول الصغار في هذه القضية، الخطورة البالغة أن يدخل صغير حدث له من العمر أربع سنوات في علم الحديث، ويقول: أنا لا أحتج بالذهبي ولا بابن حجر، ولا أحتج بالخطيب البغدادي، ولا أحتج بفلان، إنما أحتج بتعليل فلان. المسألة تناقش .. يعني مثلا .. تعليل المتقدمين تعليل إجمالي في الغالب، كثيرا ما يُعِلّون تعليلا إجماليا، فمثلا يسأل أبو حاتم الرازي عن حديث فيقول: هذا خطأ، ويسكت! خطأ من أين ؟ من المخطئ ؟ وما وجه الخطأ ؟ و .. و .. الخ ..... بعض المتأخرين يأتي فيقول: أما قول أبي حاتم "خطأ" فلا وجه له، طيب .. كلمة "لا وجه له " لأنه لم يظهر للمتأخر وجه تخطئة أبي حاتم الرازي مع ثقة الرجال، لأن المتقدمين مع جلالتهم ليسوا بمعصومين، وما كان قولهم قانونا لا يجوز الخروج عليه، والله تبارك وتعالى ما احتجر الصواب لفلان على فلان ، ولا أعطاه للمتقدمين وحجبه عن المتأخرين ، بل جعل العلم شيئا مقصورا بين عباده، يفتح للمتأخر منه ما أغلقه عن المتقدم. فإذا انطلقنا من هذه المسألة .. الذي يأتي فيقول: أنا آخذ بتعليل أبي حاتم الرازي وأرد المتأخر، نقول له: ما الحجة في قبولك أبي حاتم الرازي ؟ يعني: لما أنت الآن تتبنى قول أبي حاتم الرازي أن هذا الحديث خطأ، أنا أسألك: أين وجه الخطأ ؟ يمكن أن تقول لي: أبو حاتم أعلم، إذن، دخلنا في التقليد، وهذا علم المجتهدين .. علم الحديث علم المجتهدين، فلما يأتي فيقول: أنا قلدت أبا حاتم الرازي، أقول له شيئا أحسن من هذا: لو أن البخاري صحح حديثا وأبو حاتم أعله، وكلاهما من المتقدمين، فماذا نفعل ؟ يعني : البخاري أودعه في صحيحه ، وهو إمام كبير ثقة فحل، وأبو حاتم الرازي قال: هذا خطأ، أو الإمام مسلم وضع في الصحيح حديثا وأعله أبو حاتم الرازي ؟ وفي العلل عدة أحاديث هي في صحيح مسلم، ويقول أبو حاتم الرازي إنها خطأ، فبأي القولين تأخذ، وكلاهما من المتقدمين .. دعك من المتأخرين ؟ .. ما هو الدليل الذي ترجح به قول هذا على ذاك ؟ إن قال: أنا أرجح قول فلان على فلان .. هذا نفس الكلام الذي أحتج أنا به في ترجيح كلام المتأخر على المتقدم أحيانا، فالمسألة ليست جديدة، لكن الجديد، أو الخطير في المسألة أن يدخل الصغار في هذا الفن، بالذات في معترك الأقران الكبار الفحول، يعني مثلا أنه دخل في ماء ضحل، لكنه أَوْغَلَ في البحر. و - الجواب ما زال إجماليا حتى الآن - مما يدل على أن القضية التي تبناها هؤلاء تحتاج إلى نظر: أن الكبار من أئمة الفن ما تكلم أحد منهم ولا تبنى هذه القضية، فاليوم : رجل له ستين سنة أو سبعين سنة في الفن، يمارس ، وعنده ذكاء ، وعنده ملكة وتبحر واطلاع، أم رجل له أربع سنوات فقط في علم الحديث ؟ أيهما أولى أن يأخذ بقوله إجمالا ؟ مع أننا نعتقد أن الصواب قد يكون مع الصغير أحيانا ، لكن إجمالا يكون الصواب يكون مع الكبير ، فما وجدنا حتى الآن عالما ممن يشار إليه بالبنان ، الآن في الأرض تبنى هذه الدعوة، فهذا – على الأقل – يعطي علامة استفهام، يقال لهذا الرجل: قف. لكن القضية طويلة، والبحث فيها طويل مثلها.

العجيب، أنهم يجعلون الخطيب البغدادي أول المتأخرين، والدارقطني آخر المتقدمين. فيقال: إن الدعاوي يستدل لها، لا بها ، فما هو الدليل على أن الخطيب البغدادي من المتأخرين ؟ يعني - مثلا - الدارقطني توفي سنة 385 هـ ، يقولون: هذا آخر المتقدمين، مَنْ مِنَ السابقين قال إن الدارقطني آخر المتقدمين ؟ هذه مجرد دعوى .. طيب .. لو مثلا مات أحد سنة 390 هـ، هذا متقدم أو متأخر ؟ أم نجعله في البرزخ، على الأعراف، نجعله لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء ؟ 385 هـ هذا آخر المتقدمين .. طيب 386 نلحقه بمن ؟ و387 ؟ ونبقى نمشي سنة وراء سنة، إلى أن يقول لنا: هنا في هذا المكان الفيْصَل، نقول له: ما الدليل على أن هذا هو الفيصل ؟ ولماذا الخطيب البغدادي يكون أول المتأخرين ؟ مع أنهم يردون كلام الخطيب.

أنا أدري لماذا جعلوه أول المتأخرين: لأن الخطيب البغدادي هو الذي فَصَّلَ هذا العلم، وكل من جاء بعده نسج على منواله، فلو أنه قال إن الخطيب البغدادي من المتقدمين لَلَزِمَهُ القول بأن كل ما أتى بعده يجري على سنن المتقدمين، لكنهم لما رأوا أنه ليس هناك أحد قبل الخطيب سطر علوم الحديث ولا قيدها، ولا وضع لها ضوابط ولا قوانين .. إذن يكون هذا من المتقدمين، إنما لو قال إن الخطيب من المتقدمين، فَكُلُّ النسج على منواله، وبالتالي تُهْدَمُ الدَّعوى، فاضطر أن يقول إن الخطيب البغدادي هو أول المتأخرين والدارقطني آخر المتقدمين.

ومع أن هذه مجرد دعوى لا دليل عليها، فلم يقل أحد من العلماء قط إن الدارقطني هو آخر المتقدمين، لكن أنا كشفت – في ظني – أنهم قالوا إن الخطيب أول المتأخرين لهذه العلة التي ذكرتها ، والله - تبارك وتعالى - يهدي المسلمين لما يحب ويرضى.
انتهى.

امين ابو الحارث
07-01-08, 02:19 PM
جزاك الله خيرا ايها الاخ الفاضل على هذه الاحالة المباركة .فاي معلومة حول هذا الموضوع اطلعني عليه .حتى يتسنى لي جمع الموضوع من جميع جوانبه.وانا الان في طور الجمع نسال الله تعالى انا يوفقنا واياك الى ما فيه رضاه بمنه وكرمه