المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول تقسيم الرخصة عند الحنفية


محمد رشيد
27-11-03, 10:40 PM
السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته

من المعروف لدى الحنفية تقسيمهم الرخصة إلى قسمين :

1 ـ رخصة ترفيه / و هي التي يجوز فيها الأخذ بالعزيمة ، كالنطق بكلمة الكفر .

2 ـ رخصة إسقاط / و هي التي لا يجوز فيها الأخذ بالعزيمة ، كأكل الميتة للمضطر .

و هذا الذي ذهبوا إليه أنكره (ابن قدامة ) كما جاء في روضته ، و ذكر أن الرّخص كلّها يجوز فيها الأخذ بالعزيمة ، أي أنها كلّها رخص ترفيه .

وجه الاستفسار / ما دام أن الجمهور يخالفون الحنفية في هذا الأصل ، فكيف نوجه قولهم بتأثيم من امتنع عن أكل الميتة حتى مات ؟

وجزاكم الله تعالى خير الجزاء

زياد الرقابي
27-05-04, 02:50 AM
الاخ الفاضل : محمد بن رشيد وفقه الله .


ابن قدامة رحمه الله قد تابع الغزالي في هذا الامر .

و الجمهور أيضا يقاربون الحنفيه في التقسيم فهم يقسمون الرخص الى : واجبة الاخذ , وغير واجبة الاخذ ( ومنه مباح ومندوب ) , وللشافعيه وجه مشهور حكاه الجويني في أن ما وجب الاخذ به فليس برخصة .

أما ما ذهب اليه الغزالي وتابعه ابن قدامة في مسألة أكل الميتة فهو : أنه يجوز أن تسمى : عزيمة ويجوز ان تسمى رخصة من جهة أخرى , لاجتماع الامرين فهو سمى رخصه لانه فيه اباحة محرم وسمى واجب لان فيه فعل واجب .


وللعلم فقد ذهب بعض العلماء الى عدم وجوب أكل الميته وهو وجه عندنا في المذهب .

أما قولكم :

ـ رخصة ترفيه / و هي التي يجوز فيها الأخذ بالعزيمة ، كالنطق بكلمة الكفر .

2 ـ رخصة إسقاط / و هي التي لا يجوز فيها الأخذ بالعزيمة ، كأكل الميتة للمضطر .



** فهذا التمثيل لعلكم تعيدون النظر فيه !

لان الحنفيه يقصدون برخص الترفيه ما ثبت تحريمه ولكن سقط الاثم عن فاعله بطريق الرخصة ويدخل فيه أكل لحم الميته .

ومنه النطق بكلمة الكفر .

ويقصدون برخص الاسقاط : الرخص الاصلية مثل الآصار والاغلال التى أسقطت عن هذه الامة .

ويقصدون بها أيضا انقلاب الفعل المحرم الى مباح مثل شرب الخمر للمضطر .

والحقيقة ان هذا النوع يتشابه جدا مع النوع السابق في كثير من الصور .

ولا أدري لماذا جعله الحنفيه قسما آخر , غير ان علمائهم يذكرون ان الفرق بين القسمين أن أكل الميتة انما يرتفع فيه الاثم مع بقاء أصل الحرمة ؟

وأما القسم الثاني : فيرتفع التحريم نفسه !!

والله أعلم ! فأن هذه المسألة عند الحنفيه لم أفهمها على وجهها رغم الجهد , لان التفريق غير متجه هو نظريا متجه جدا لكن عمليا غير متجه أبدا , ولعلى اُتيت من سوء فهمي والله أعلم .

زياد الرقابي
27-05-04, 02:55 AM
.

محمد رشيد
28-05-04, 02:11 AM
السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته

جزاك الله تعالى خير الجزاء أخ زياد و بارك فيك ،،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ

بالنسبة لاعتراض ابن قدامة رضي الله عنه فهو في محله من حيث إن الحنفية فعلا قسموا الرخصة إلى قسمين و رأوا أن الأخذ بالعزيمة أفضل في كلا القسمين ،،
و لكن وجه تقسيمهم إنما هو باعتبار وجود الحكم و تراخيه ،،

و في الحقيقة فإن تقسيم الحنفية كان فيه بعض الإسهاب في كتبهم ــ أو بمعنى أحق كان فيه نوع إحاطة بالصور ــ
و بعض هذه الصور قد لا يطلق عليها رخصة أصلا إلا من باب المجاز ــ كما سيظهر لك ــ

فالحنفية قسموا الرخصة على أربعة أقسام :

الأول // ما استبيح مع وجود المحرم ـ وهو الدليل ـ و قيام حكم الدليل ـ وهو الحرمة ـ
أي (( ما عومل معاملة المباح بنفي العقاب مع قيام التحريم ودليله ))
أمثلة /
1 ـ الإكراه بالقتل على كلمة الكفر
2 ـ الإكراه على الإفطار في رمضان
3 ـ الإكراه على إتلاف المال المحترم
4 ـ و أن يترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر خوفا على نفسه
5 ـ و الإكراه بالجماية على عبادته كإحرامه مثلا
6 ـ الإكراه على تناول مال الغير

قال النسفي في المنار / ( و حكمه أن الأخذ بالعزيمة أولى حتى لو صبر كان شهيدا )

أقول ـ محمد رشيد ـ : صنيع الحنفية في كتبهم يشعر بأن جواز الأخذ بالعزيمة إنما هو متوقف على اعتبار عدم ضياع حق العبد إن أخذ بالعزيمة

ففي المثال الأول يرون أن حق العبد يضيع إن أخذ بالعزيمة و هو إزهاق روحه ، في حين أنه لو أخذ بالرخصة فلن يضيع حق الله تعالى لكون الكفر ليس حقيقيا و الإيمان محله القلب

و في المثال الثاني يرون أن العبد لو أخذ بالعزيمة زهقت روحه ، في حين أنه لو أخذ بالرخصة و أفطر فلم يضع حق الله تعالى لإمكان القضاء

و في المثال الثالث يرون أن حق العبد يضيع بإزهاق روحه في حين أن حق الغير لا يضيع لإمكان الضمان

و في الصورة الرابعة لا يضيع حق الله تعالى إلا صورة لا معنى ليقاء اعتقاد الفرضية

و عليه فلا يكون من هذا القسم ما لو أخذ المسافر أو المريض بالعزيمة ـ الموهومة ـ فامتنع عن الطعام حتى قتل أو مات ؛ لأنهما أبيح لهما الإفطار بدليل خارج .. فلو أمسك حتى مات فقد ضيع حق نفسه و ليس هناك حق لله تعالى يحفظ حتى نقول بالأخذ بالعزيمة ، فتترجح المفسدة خالصة في حق نفسه .

و استدل في التلويح حين كلامه على هذا القسم بما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ قال / رسول الله . قال : فما تقول فيّ ؟ قال / أنت أيضا . فخلاّه . و قال للآخر : ما تقول في محمد ؟ قال / رسول الله . قال : فما تقول فيّ ؟ قال / أنا أصم .. فأعاد عليه ثلاثا .. فأعاد جوابه .. فقتله ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال // أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى ، و أما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له .
و الله أعلم بصحة الحديث من ضعفه ، و لكن عدم شهرته مع شهرة السنن تدل على ضعفه ، و لا دخل لذلك في صلب مسألتهم رضي الله عنهم ،،،
هذا هو النوع الأول من الرخصة عندهم
********************
الثاني // ما استبيح مع وجود المحرم ـ وهو الدليل ـ و لكن تراخى الحكم عن الدليل حتى يزول العذر .
أي (( ما عومل معاملة المباح بنفي العقاب مع قيام الدليل دون الحكم ))
و معنى قيام الدليل هنا دون الحكم أي قيام السبب الذي من أجله يفيد الدليل الحكم

و مثاله / الترخيص للمسافر بالإفطار ، فإنه لو أفطر فقد أتى مباحا مع قيام سبب الحرمة و هوالتلبس بشهر رمضان و دليل الحرمة قائم و هو الأمر بصيامه و الإجماع على وجوبه ، و لكن تأخر التحريم لسبب خارج وهو قوله تعالى ( فعدة من أيام أخر )
و حكم هذاالقسم أيضا أن العزيمة أولى ، فالصيام أولى في حقه من الإفطار و ذلك اعتبارا بالسبب القائم للحرمة و هو شهود الشهر ــ و المريض في ذلك كالمسافر ــ
*********************
الثالث // و هذا لا يطلق عليه رخصة إلا من باب المجاز كما ذكروا
و هو (( ما وضعه الله تعالى عنا من الإصر و الأغلال التي كانت على الأمم السالفة ))
كقطع العضو الخاطئ ، و كقرض مكان النجاسة قرضا .... إلخ مما كان من شرع غيرنا ووضعه الله عنا ــ تبارك هو الرؤوف الرحيم ــ
فهم يقولون بأنها رخصة مجازا لشبهها بالرخصة الحقيقية ، و المانع من حملها على الرخصة الحقيقية هو عدم قيام المانع أو الدليل على المنع ، بل قد نسخ ذلك نسخا من شرعنا و الحمد لله على تخفيفه
*********************
الرابع // (( ما سقط عن المكلفين مع كونه مشروعا في الجملة في غير صورة الترخيص ))

ومثاله قصر الصلاة للمسافر ، فالمأمور به في السفر هو القصر
و هذا القسم أيضا يطلق عليه رخصة مجازا ، لأنه لما كان المأمور به هو القصر فكان هو العزيمة ، و إنما أطلق عليه رخصة لمشابهته الرخصة من ةوجه التخفيف ، فالحمد لله على توالي نعمه

أقول ـ محمد رشيد ـ : وهذا قد يسبب الخلط بالقسم الثاني ، و لكن الضابط في الفرق بينهما أن الرخصة في القسم الثاني كانت بسبب تأخر الحكم مع بقاء سبب العزيمة و هو وجود رمضان مثلا في حال الإفطار للمسافر ،، و أما في القسم الرابع فقد رفع السبب نفسه فكان السفر سببا بقصر الصلاة ، و كأن فرض الصلاة في السفر هي الصلاة المقصورة ...
وهذا هو ما يسمى عند الحنفية ( رخصة الإسقاط ) كما صرح بذلك عامة الحنفية و منهم ابن الهمام في فتح القدير و نقله عنه ابن نجيم في ( فتح الغفار بشرح المنار ) ،، لا كما تقولون [ ويقصدون برخص الاسقاط : الرخص الاصلية مثل الآصار والاغلال التى أسقطت عن هذه الامة ]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
هذا ما أذكره من دراستي لفتح الغفار بشرح المنار لابن نجيم رضي الله تعالى عنه
و ما ذكرتموه عنهم صحيح ، إلا في مسألة اصطلاحية لا مشاحة فيها

فقولكم : (( لان الحنفيه يقصدون برخص الترفيه ما ثبت تحريمه ولكن سقط الاثم عن فاعله بطريق الرخصة ويدخل فيه أكل لحم الميته .))
المراد به هنا في التقسيم المذكور القسم الأول المذكور

و قولكم : (( ويقصدون بها أيضا انقلاب الفعل المحرم الى مباح مثل شرب الخمر للمضطر ))
يراد به في التقسيم المذكور القسم الثاني ، و لكن ليس هو مما يطلق عليه رخصة إسقاط ،، ثم تمثيلكم بشرب الخمر للمضطر لا أراه صحيحا ــ والله أعلم ــ لأن شرب الخمر بقي فيه الدليل وهو الآية وبقي فيه الحكم وهو الحرمة و لكن عومل معالمة المباح من حيث عدم المؤاخذة فكان من القسم الأول ..
و خير ما يمثل به لهذا القسم هو الترخيص بالإفطار للمسافر لأن سبب الحرمة قائم و هو شهر رمضان و لكن تراخى الحكم ــ تأقيتا ــ لحين زوال العذر

و أما سؤالك (( ولا أدري لماذا جعله الحنفيه قسما آخر , غير ان علمائهم يذكرون ان الفرق بين القسمين أن أكل الميتة انما يرتفع فيه الاثم مع بقاء أصل الحرمة ؟ ))

فأقول / سبب جعل الحنفية له قسما آخرا ــ والله تعالى أعلم و المسألة ظنية ــ أنه في القسم الأول وهو الذي يعامل فيه معاملة المباح مع يقاء الدليل و الحرمة لو صبر على ما يكره عليه فإنه لا يأثم بل له الأخذ بالعزيمة على إطلاقها لقيام الدليل على التحريم

و أما في الصورة الثانية وهي التي تراخى فيها التحريم لحين زوال الحكم فإنه لو صبر فيها فقتل فإنه يأثم .. لماذا ؟
لأن الدليل الخارجي على الإباحة في هذه الحال فصار كمن هو العزيمة في حقه أن يأتي بما أذن له فيه ..

و للتوضيح أنقل لكم من فتح الغفار لابن نجيم ما يشير إلى ذلك ، يقول ابن نجيم //
(( قيدنا بهما لأنه لو مريضا أو مسافرا لا يكون ترخصه من هذا القسم ــ أي الأول ــ لأنه لو لم يفطر حتى قتل كان آثما لأنه لما أبيخ لهما الإفطار صار رمضان في حقهما كشعبان )) فتح الغفار 2 / 76 حلبي

و مما يؤكد ذلك قوله عن القسم الأول : (( [ و حكمه ]أي هذا النوع من الرخصة [ أن الأخذ بالعزيمة أولى ] لبقاء المحرم و الحرمة جميعا [ حتى لو صبر كان شهيدا ] لما فيه من رعاية حق الله تعالى صورة و معنى بتفويت حق نفسه صورة و معنى )) فتح الغفار 2 / 76 حلبي

فانتبه إلى التعليل بالجواز في الصورة الأولى بأن فيه حفظ لحق الله تعالى فاغتفر في مقابله حق نفسه ،،

ثم انتبه إلى أن هذا التعليل غير متوفر في الصورة الثانية حيث إنه لما تراخى حكم التحريم لدليل خارج كقوله تعالى ــ فعدة من أيام أخر ــ فليس هناك حق مطالب به من الله تعالى ، فبقي إزهاقه حق نفسه فحرم ـ والله تعالى أعلم ـ .

هذا أخي ما رأيت و فهمت و يحتمل الخطأ من أوسع أبوابه

و جزاك الله تعالى خير الجزاء على اهتمامك بالمشاركات
و أسأله تعالى أن يبارك فيك و يزيدك علما و شرفا و إخلاصا ــ آمين ــ

زياد الرقابي
28-05-04, 05:44 AM
الاخ الفاضل محمد بن رشيد وفقه الله ,,,


جزاكم الله خيرا على الايضاح والبيان , وتقسيمات الحنفيه الاصولية ميالة الى حصر الصور ثم بناء التقسيم عليها خلاف طريقة الجمهور .

والتقسيم الذي ذكرتموه من الممكن جعله على قسمين وهو جعل الرخص ( حقيقية ) و ( غير حقيقة ) .

وكل قسم منها يندرج تحته قسمان . وهذ من باب الحصر ليس الا .

أما ما ذكرتم من التفريق بين القسمين الثاني والرابع فهو قوى جدا ومتجه .

نسأل الله يوفقنا وأياكم لكل خير .