المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماذا تقولون في هذا الكلام لابن رجب


أبو منال
18-12-03, 01:08 AM
قال ابن رجب رحمه الله في "فضل علم السلف على الخلف" :

ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة. وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه. ومنهم من استحل قتله، منهم مكي بن إبراهيم شيخ البخاري وغيره. والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل: ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد ولا خوض في معانيها ولا ضرب مثل من الأمثال لها : وإن كان بعض من كان قريباً من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئاً من ذلك اتباعاً لطريقة مقاتل فلا يقتدى به في ذلك إنما الإقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك. ومالك. والثوري والأوزاعي. والشافعي. وأحمد. واسحق. وأبي عبيد. ونحوهم.


هل علينا إمرار آيات الصفات وأحاديثها من غير
- تفسير
- ولا تكييف
- ولا تمثيل
- ولا ضرب مثل من الامثال لها
- ولا خوض في معانيها ؟


وهل من رابط بين كلام ابن رجب وقول الامام أحمد رحمه الله عندما سال عن ايات الصفات : "ولا كيف ولا معنى" ؟

حارث همام
18-12-03, 04:00 AM
ابن رجب لم يقل لاتذكر معانيها، وإنما نهى عن الخوض في معانيها، كما كان يفعل مقاتل وأصحابه، وهؤلاء رموا بالتشبيه وزعموا أنهم كانوا يقولون يد كيدي ونحو ذلك.
========================================
وأرجو مراجعة الرابط التالي للاستزادة:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?threadid=3271&highlight=%CA%DD%D3%ED%D1+and+%C7%E1%D5%DD%C7%CA

قال اللامي:
قال الإمام إسحاق بن راهوية رحمه الله تعالى في ما رواه عنه أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه (( السنة )) :

(( و لا يعقل نبي مرسل و لا ملك مقرب تلك الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب تبارك و تعالى ، ( فأما أن يدرك أحد من بني آدم معنى تلك الصفات فلا يدركه أحد ) .

و ذلك أن الله تعالى وصف من صفاته قدر ما تحتمله عقول ذوي الألباب ، ليكون إيمانهم بذلك ، و معرفتهم بأنه الموصوف بما وصف به نفسه ، و لا يعقل أحد منتهاه و لا منتهى صفاته .

و إنما يلزم المسلم أن يثبت معرفة صفات الله بالاتباع و الاستسلام كما جاء ، ( فمن جهل معرفة ذلك حتى يقول : إنما أصف ما قال الله و لا أدري ما معاني ذلك ) ، حتى يفضي إلى أن يقول بمعنى قول الجهمية : يده نعمة ، و يحتج بقوله : (( أيدينا أنعاما )) و نحو ذلك فقد ضل سواء السبيل )) .

انظر (( التسعينية )) لشيخ الإسلام ابن تيمية ( طبعة مكتبة المعارف ، 2 / 423 ) .

و نخلص من كلام إسحاق رحمه الله إلى أن من أطلق من العلماء المتقدمين القول عن الصفات (( بلا كيف ، و لا معنى )) إنما يعني بنفي المعنى هنا هو : نفي الإدراك التام للصفة كما في النقل السابق عن إسحاق رحمه الله .

و إلا فالأئمة ينكرون على أهل التفويض تفويضهم كما هو قول إسحاق : (( فمن جهل معرفة ذلك حتى يقول إنما أصف ما قال الله و لا أدري ما معاني ذلك )) .

و ذلك لأن المفوضة لمعاني الصفات إنما فوضوا لأنهم ظنوا أن معاني الصفات فيها ما هو باطل في حق الله تعالى ففوضوها - و هذا نتيجة أنهم أثبتوا معنى ما لهذه الصفات شعروا أم لم يشعروا - و لذلك تجد إسحاق رحمه الله يقول عن هذا المفوض : (( حتى يفضي إلى أن يقول بمعنى قول الجهمية ، يده نعمة )) .

وقال أبوعبدالله الريان:
وهذا الذي نقلته عن السلف رحمهم الله يخطئ في فهمه بعض الناس وينسبون إليهم خطأ القول ( بالتفويض ) الذي هو شر من ( التعطيل ) .

والحق أن معاني نصوص ( صفات الله تعالى ) معلومة ، أما كيفيتها فلم يقل أحد من الأنبياء والمرسلين ولا أتباعهم من المؤمنين أن ( ذلك معلوم ) .

كما قال الإمام عبدالعزيز بن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من السلف قالوا : ( إنالا نعلمُ كيفيةَ ما أخبرَ اللهُ عن نفسهِ وإن كُنا نعلم تفسيرَه ومعناه )
[ درء تعاض العقل والنقل ( 1/ 207 ) ].

ثم إنه قد يرد عن السلف نهي عن ( تفسير هذه الصفات ) وفي الحقيقة أنه نهي عن ( تفسيرها كتفسير المبتدعة من الجهمية ومن شابههم ) فنهي السلف كان عن (( تفسير المبتدعة من الجهمية )) وأتباعهم من الفلاسفة وأهل الكلام ، فنهوا عن مثل تلك التفسيرات المخالفة لدين الإسلام .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد حِكاية مذهب السلف : (( قوله : ( من غير تفسير ) أراد به تفسير ( الجهمية المُعطلة ) الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات ( ونقل عن الإمام أبي عُبيد أنه قال: ( ما أدركنا أحداً يُفسرها ) ثم قال : ( وقد أخبر أنه ما أدرك أحداً من العلماء يفسرها أي تفسير الجهمية )) أهـ
[ مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ا بن تيمية ( 5/ 50 – 51 ) ]

فقولهم : ( أمرُّوها كما جاءت بلا كيف ) نهيٌ عن السؤال عن الكيفية ، وأنه لا يعلم أحد كيفية صفات الله إلا الله تعالى ، فمعنى صفات الله معلومة لكن كيفيتها مما استأثر الله تعالى بعلمه .


وأيضا قد ينسب بعض الناس إلى السلف القول : بأن صفات الله من ( المتشابه ) وهذا أيضا خطأ عظيم ، ونسبته إلى السلف رحمهم الله باطلة .
فالقول بأنها من (( المتشابه بإطلاق )) خطأعظيم منشأه هو (( عدم المعرفة التامة بمذهب السلف )) رحمهم الله تعالى ، وهذه ظاهرة توجد عند كثيرٍ من أهل الطوائف ينسبون للسلف أقوالاً لم يقولوا بها ، ويجعلونها مذهب السلف ، والسلف منها براء .
قال شيخ الإسلام بن تيمية : (( فإن فُرضَ أنَّ أحداً نقلَ مذهبَ السلفِ كما يذكره ، فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف كأبي المعالي ،
وأبي حامد ، وابن الخطيب وأمثالهم ، ممن لم يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يُعدُّون به من عوام أهل الصناعة فضلاً عن خواصها ، ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلماً وأحاديثهما إلا بالسماع كما يذكر ذلك العامة ، ولا يميزون بين الحديث الصحيح المتواتر عند أهل العلم بالحديث وبين الحديث المفترى المكذوب ، وكتبهم أصدقُ شاهدٍ بذلك ففيها عجائب… ))
[ مجموع الفتاوى ( 4 / 71 – 72 )]

ولا يخفى عليكم جواب الإمام مالك رضي الله عنه حينما سُئل عن الإستواء ( كيف استوى ) ؟؟

فأجاب بقوله : (( الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا مبتدعا )) ثم أمر به فأخرج

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( فبيَّن أن الاستواء معلوم وأن كيفية ذلك مجهولة ، ومثل هذا يوجد كثير في كلام السلف،ينفون علم العباد بكيفية صفات الله وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله،فلا يعلم ماهو إلا هو ))
[ التدمرية بتحقيق د / السعوي وفقه الله ص 98 – 99 ]

فَـعُلمَ من هذا أن السلف كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى ويثبتونها على الوجه اللائق بالله تعالى ، أما كيفية صفات الله تعالى فلم يقل أحد منهم إنه يعلم ذلك ، كما مر معنا في الوقفة الأولى ،

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيميه : (( وما أعلم أحداً من سلف الأمة ولا من الأئمة لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية ، ونفى أن يعلم أحد معناه وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنـزلة الكلام الأعجمي الذي لا يُفهم ، ولا قالوا : إن الله يُنَـزِّلُ كلاماً لا يَفهمُ أحدٌ معناه ، وإنما قالوا: ( كلماتٌ لها معانٍ صحيحةٍ ) وقالوا في أحاديثِ الصفاتِ: ( تُمرُّ كما جاءت ) ونهوا عن تأويلات ( الجهمية ) وردوها وأبطلوها التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه… ))

[ انظر مجموع الفتاوى ( 13 / 294 و 295 ) ]


و قال شيخ الإسلام بن تيمية : (( ولو كان القوم – أي السلف – قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه لما قالوا: ( الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ) ولما قالوا: ( أمروها كما جاءت بلا كيف ) فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهولا بمنـزلة حروف المعجم ، فقولهم : ( أمروها كما جاءت) يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظاً دالةً على معاني… ))

[ مجموع الفتاوى ( 5 / 41 ) ]


وحقيقة (( القول بالتفويض )) هي أن فيه فيه (( نسبةُ الجهل إلى الأنبياء والمرسلين )) وأنهم كانوا (( يجهلون معاني )) نصوص صفـات الله تعالى وأنهم كانـوا (( يخـاطبـوننا بما لم يكونوا يعرفوا معناه )) .

وهذا القول من أعظم الظلم وهو من جنس قول أهل الإلحاد والتحريف .
قال شيخ الإسلام بن تيمية : (( فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الملائكة ولا السابقون الأولون ، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثيراً مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه ، بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه …ومعلوم أن هذا قدحٌ في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه هدى وبياناً للناس وأمرَ الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله )) .

[ درء تعارض العقل والنقل باختصار ( 1 / 204 ) ]

وقال أيضاً رحمه الله : (( وحقيقة قول هؤلاء في الـمُخاطِبِ لنا : أنه لم يبين الحق ولا أوضحه مع أمره لنا أن نعتقده ، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه ، بل دلَّ ظاهره على الكفر والباطل وأراد منا أن لا نفهم شيئاً أو أن نفهم مالا دليل عليه فيه ، وهذا كله مما يُعلم بالاضطرار تنـزيه الله ورسوله عنه ، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد ))

[ درء تعارض العقل والنقل باختصار ( 1 / 201 – 202 ) ]

ولهذا لما سُئل الإمامُ ( أبو جعفر الترمذي ) فقيه بغداد وعالمها عن كيفية نزول الله تعالى ؟؟ قال : (( النـزول معقول والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ))
قال الإمام الحافظ الذهبي معلقاً على هذا الكلام : (( صدق فقيه بغداد وعالمها في زمانه ، إذ السؤال عن النـزول ماهو ؟ عيٌّ ، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمةٍ غريبةٍ في اللغة ، وإلا فالنـزول والكلام والسمـع و البصـر والعلـم والاستـواء عبـاراتٌ جليلـةٌ واضحـةٌ للسَّامع ، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعةٌ للموصوف وكيفية ذلك مجهولة عند البشر وكان هذا الترمذي من بحور العلم والعُباد الورعين مات سنة 295 هـ )) أهـ .

[ العلو للعلي الغفار الذهبي ص 156 ]


فالقول بأن رأي السلف هو : (( السكوت عن آيات الصفات وأحاديثها وتفويض علم معناها إلى الله …)) أن هذا القول غير صحيح عن السلف ولم يقل به أحد من السلف أبداً ، بل أحدثه جماعة من الخلف من المتأخرين من ( الأشاعرة المعتزلة ) ظناً منهم أن هذا هو مذهب السلف ، وهم بريئون منه كما مرَّ معنا .
ولذلك قال الإمام الحافظ الذهبي : (( المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالةً مُولَّدةً ما علمت أحداً سبقهم بها ، قالوا : هذه الصفات تُمَر كما جاءت ولا تُأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد …))

[ العلو للعلي الغفار ، للذهبي ص 183 ]

ولذلك كان القول بالتفويض هو أحد القولين اللذين يقول بهما الأشاعرة المتأخرون والآخر هو التأويل وكلاهما هو المعتمد عندهم في كتبهم ،
كما قال ناظمهم : ( وكلُّ نصٍ أوهم التشبيها أوِّلهُ أو فَوِّض ورُم تنـزيها )
[ انظر منظومة الجوهرة ]

فتبين بهذا أن القول بالسكوت عن معاني نصوص الصفات وتفويض ذلك إلى الله تعالى قولٌ مبتدع لم يقل به السلف أهل السنة والجماعة ،

قال العلامة الخزرجي رحمه الله تعالى :

واخجلتا من مقالٍ لا أساسَ لهُ ،، ،، زوراً على اللهِ من ينطـقْ به يَهُنِ

أهَلْ يُخاطبُنا مولــى العبادِ بمـا ،، ،، لم يَدرِ معناهُ هـذا قول مُفْـتَــتَنِ

أهَلْ يقولُ لنا قـولاً ومَقْصَـــدُهُ ،، ،، غيرَ الذي قالهُ إخفـاءَ مُندَفِـنِ

أهَل يُخاطِبُنـا ظَهـراً ويُبــطنهُ ،، ،، عنَّا فما القصدُ من جَدواهُ بالعلَنِ

هذي مقالةُ جهمٍ والذينَ مضوا ،، ،، على طريقتـهِ وهناً على وهـنِ

بقيَّةٌ بَقِيَتْ من شـؤمِ فِـتـنتـهِ ،، ،، من نفخِ إبليسَ بالتعطيلِ والضغنِ

طوائفٌ رأسُها إبليسُ يُرْشِدُهم ،، ،، إلى الرَّدى وسبيلِ الغيِّ والشَّطَنِ

[ منظومة العلامة الخزرجي ضمن كتاب شهود الحق ]


والله الموفق

خالد بن عمر
18-12-03, 11:01 AM
جزاك الله خيرا أخي الفاضل " حارث همام "
وجعلك شوكة في حلوق المبتدعة

******************
هذا كلام ابن رجب رحمه الله كاملا حول المسألة التي سأل عنها السائل

قال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه النافع " فضل علم السَّلف على علم الخلف "
بعد كلامه عن الخوض في القدر ثم الكلام عن الخوض في سرِّ القدر ، قال :
(( ومن ذلك _ أعني محدثات الأمور _ ما أحدثه المعتزلة ، ومن حذا حذوهم من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته وهو أشد خطرا من الكلام في القدر ، لأن الكلام في القدر كلام في أفعاله ، وهذا كلام في ذاته وصفاته .
وانقسم هؤلاء إلى قسمين :
أحدهما :
من نفى كثيرا مما ورد به الكتاب والسُّنة من ذلك لاستلزامه عنده التشبيه بالمخلوقين ، كقول المعتزلة : لو رؤي لكان جسما ، لأنه لا يرى إلا في جهة ، وقولهم : لو كان له كلام يسمع لكان جسما .
ووافقهم من نفى الاستواء ، فنفوه لهذه الشبهة ، وهذا طريق المعنزلة والجهمية .
وقد اتفق السَّلف على تبديعهم وتضليلهم ، وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى الكتاب والسُّنة والحديث من المتأخرين .

والثَّاني :
من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ، ورد على أولائك مقالتهم ، كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم ، وتابعهم طائفة من المحدِّثين قديما وحديثا ، وهو أيضا مسلك الكرَّامية ، فمنهم من أثبت لإثبات الصِّفات الجسم ، إما لفظا أو معنى ،
ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة. وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه. ومنهم من استحل قتله، منهم مكي بن إبراهيم شيخ البخاري وغيره.
والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل: ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد ولا خوض في معانيها ولا ضرب مثل من الأمثال لها : وإن كان بعض من كان قريباً من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئاً من ذلك اتباعاً لطريقة مقاتل فلا يقتدى به في ذلك إنما الإقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك. ومالك. والثوري والأوزاعي. والشافعي. وأحمد. واسحق. وأبي عبيد. ونحوهم.

وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلمين فضلا عن كلام الفلاسفة ، ولم يُدخِل ذلك في كلامه من سلم من قدح وجرح
وقد قال أبو زرعة الرازي : كل من كان عنده علم فلم يصن علمه واحتاج في نشره إلى شيء من الكلام فلستم منه . ا.هـ

********************

وقد فصَّل الإمام ابن رجب - رحمه الله - بكلام بديع حال المتأثرين بالمتكلمين ، وحال السلف رحمهم الله في شرحه لحديث (( الجهنميين )) في كتابة القيِّم " فتح الباري " (5/95_107) حديث رقم [ 806 ]



وقال : { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ } [الفجر :22] .
ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئاً من ذلك ، ولا أخرجوه عن مدلوله ، بل روي عنهم ؛ يدل على تقريره والإيمان به وامراره كما جاء .؟
وقد روي عن الإمام أحمد ، أنه قال في مجيئه : هو مجيء أمره .
وهذا مما تفرد به حنبل عنه .
_ فمن أصحابنا من قال : وهم حنبل فيما روى ، وهو خلاف مذهبه المعروف المتواتر عنه .
وكان أبو بكر الخلال وصاحبه لا يثبتان بما تفرد به حنبل ، عن أحمد رواية .

_ ومن متأخريهم من قال : هو رواية عنه ، بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما .

_ ومنهم من قال : إنما قال ذلك إلزاماً لمن ناظره في القرآن ، فأنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن ، فقال : إنما يجيء ثوابه ، كقوله : { جاء ربك } ، أي : كما تقولون أنتم في مجيء الله ، أنه مجيء أمره .
وهذا أصح المسالك في هذا المروي .

وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق :
[ # ] فمنهم من يثبت المجيء والإتيان ، ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات ، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه.
[ ## ] ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره.
[ ### ] ومنهم من يقر ذلك ، ويمره كما جاء ، ولا يفسره ، ويقول : هومجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه .
وهذا هو الصحيح عن أحمد ، ومن قبله من السلف ، وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة .

وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية ؛ لأن جهماً وأصحابه أول من أشتهر عنهم أن الله تعالى منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات ، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات ، فقبلوا ما دلت على ثبوته بزعمهم ، وردوا مادلت على نفيه بزعمهم ، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم .
وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال ، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله اسماء ما أنزل الله بها من سلطان ، بل هي افتراء على الله ، ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله .

وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك – مع كثرته وأنتشاره – من باب التوسع والتجوز ، وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة ، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة، وهو من جنس حمل الباطنية نصوص الإخبار عن الغيوب كالمعاد والجنةوالنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة ، وحملهم نصوص الامروالنهي على مثل ذلك ،وهذا كله مروق عن دين الإسلام .
ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه ، إلا خوفاً من الوقوع في مثل ذلك ، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك وتحذير الأمة منه؛ فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين ، فكيف كان ينصحون الأمة فيما يتعلق بالاحكام العملية ويدعون نصيحتمهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات ، هذا من أبطل الباطل . ...

وقد صح عن ابن عباس أنه أنكر على من أستنكر شيئاً من هذه النصوص ، وزعم أن الله منزه عما تدل عليه :
فروى عبد الرزاق في (( كتابه)) عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : سمعت رجلاً يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة : ((تحاجت الجنة والنار )) ، وفيه :
(( فلا تمتلي حتى يضع رجله )) – أو قال : (( قدمه – فيها )) .
قال : فقام رجل فانتفض ، فقال ابن عباس : ما فرق هؤلاء ، يجدون رقة عند محكمة ، ويهلكون عند متشابهه .
وخَّرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده )) عن عبد الرزاق .
ولو كان لذلك عنده تأويل لذكره للناس ولم يسعه كتمانه .

وقد قابل هؤلاء المتكلمين طوائف آخرون ،فتكلموا في تقرير هذه النصوص بأدلة عقلية ، وردوا على النفاة ، ووسعوا القول في ذلك ، وبينوا أن لازم النفي التعطيل المحض .


وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الامة : فهي الكف عن الكلام في ذلك من الطرفين ، وإقرار النصوص وإمرارها كما جاءت ، ونفي الكيفية عنها والتمثيل .
وقد قال الخطابي في (( الأعلام )) : مذهب السلف في أحاديث الصفات :
الإيمان ، وإجراؤها على ظاهرها ، ونفي الكيفية عنها .
ومن قال : الظاهر منها غير مراد ، قيل له : الظاهر ظاهران : ظاهر يليق ببالمخلوقين ويختص بهم ، فهو غير مراد ، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام ، فهو مراد ، ونفيه تعطيل .
ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية ، الذي يحسن به الظن المتكلمون : إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام ، فوقعوا في تشبيهه بالمعاني ، والمعاني محدثة كالأجسام ، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات .
وهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول ، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول .
وأما أهل العلم والايمأن ، فيعلمون أن ذلك كله متلقى مماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلَّم وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه ، ولا عدول عنه ، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه ، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله الصحيحة ما ظاهرة كفر أو تشبيه ، أو مستحيل ، بل كل ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته له رسوله ، فإنه حق وصدقٍ ، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه ، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته ، فكذلك في صفاته .
وما أشكل فهمه من ذلك ، فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم ، أنهم يقولون عند المتشابهات : ] آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [[آل عمران :7] .
وما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في متشابه الكتاب ، أنه يرد إلى عالمه ، والله يقول الحق ويهدي السبيل .
وكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت ، من غير تشبيه ولا تمثيل ، ولا تحريف ولا تعطيل .

قال أبو هلال : سأل رجل الحسن عن شيء من صفة الرب عز وجل ، فقال : أمروها بلا مثال .
وقال وكيع : أدركت إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعراً يحدثون بهذه الأحاديث ، ولا يفسرون شيئاً .
وقال الأوزاعي : سُئل مكحول والزهري عن تفسير هذه الأحاديث ، فقالا : أمرها على ما جاءت .
وقال الوليد بن مسلم : سألت الأوزاعي ومالكاً وسفيان وليثاً عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن ،فقالوا : أمروها بلا كيف .
وقال ابن عيينة : ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ، ليس لأحد أن يفسره إلا الله عز وجل .
وكلام السلف في مثل هذا كثير جداً .
وقال أشهب : سمعت مالكاً يقول : إياكم وأهل البدع ، فقيل : يا أبا عبد الله : وما البدع ؟
قال : أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وعلمه وقدرته ، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان .
خرّجه أبو عبد الرحمن السُلمي الصوفي في كتاب ((ذم الكلام )) .
وروى – أيضاً - بأسانيده ذم الكلام وأهله عن مالك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ،وابن مهدي ، وأبي عبيد ، والشافعي ، والمزني ، وابن خزيمة .
وذكر ابن خزيمة النهي عنه عن مالك والثوري و الأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى ومحمد بن يحيى الذهلي .
وروى –أيضاً – السلمي النهي عن الكلام وذمه عن الجنيد وإبراهيم الخواص .
فتبين بذلك أن النهي عن الكلام إجماع من جميع أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ،وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين .
ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها ، وتمر كما جاءت عندهم : قوله تعالى :
] وَجَاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ [ [الفجر :22] ونحو ذلك مما دل على إتيانه ومجيئه يوم القيامة .
وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما .
وعندهما : أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره .
وكذلك قاله الفضيل بن عياض وغيره من مشايخ الصوفية أهل المعرفة .
وقد ذكر حرب الكرماني أنه أدرك على هذا القول كل من أخذ عنه العلم في البلدان ، سمى منهم : أحمد وإسحاق والحميدي وسعيد بن منصور .
وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بـ – الإبانة - ، وهو من أجل كتبه ، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه ، كالبيهقي وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن عساكر وغيرهم .
وقد شرحه القاضي أبو بكر ابن الباقلاني .
وقد ذكر الأشعري في بعض كتبه أن طريقة المتكلمين في الاستدلال على قدم الصانع وحدوث العالم بالجواهر والأجسام والأعراض محرمة عند علماء المسلمين .
وقد روي ذم ذلك وإنكاره ونسبته إلى الفلاسفة عن أبي حنيفة .
وقال ابن سريج : توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين : الشهادتان ، وتوحيد أهل الباطن من المسلمين : الخوض في الأعراض والأجسام ، وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلَّم بإنكار ذلك .
خرّجه أبو عبد الرحمن السلمي .
وكذلك ذكره الخطابي في رسالته في - الغنية عن الكلام وأهله - .
وهذا يدل على أن ما يؤخذ من كلامه في كثير من كتبه مما يخالف ذلك ويوافق طريقة المتكلمين فقد رجع عنه ، فإن نفي كثير من الصفات إنما هو مبني على ثبوت هذه الطريقة .
قال الخطابي في هذه الرسالة في هذه الطريقة في إثبات الصانع : إنما هو شيء أخذه المتكلمون عن الفلاسفة ، وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة ، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء ، فأما مثبتوا النبوات ، فقد أغناهم الله عن ذلك ، وكفاهم كلفة المؤنة في ركوب هذه الطريقة المتعرجة التي لا يؤمن العنت على من ركبها ، والإبداع والانقطاع على سالكها .
ثم ذكر أن الطريق الصحيحة في ذلك : الاستدلال بالصنعة على صانعها ، كما تضمنه القرآن ، وندب إلى الاستدلال به في مواضع ، وبه تشهد الفطر السليمة
المستقيمة .
ثم ذكر طريقتهم التي استدلوا بها ، وما فيها من الاضطراب والفساد والتناقض والاختلاف .
ثم قال : فلا تشغل –رحمك الله- بكلامهم ، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم ؛ فأنها سريعة التهافت ، كثيرة التناقض ، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه ويفارقه ، فكل بكل معارض ، وبعضهم ببعض مقابل .
قال : وإنما يكون تقدم الواحد منهم وفلجه على خصمه بقدر حظه من الثبات والحذق في صنعة الجدل والكلام ، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة لهم ، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم […] تقودها وطردها ، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق […] وه مبطلاً ، وحكموا بالفلج لخصمه عليه ، والجدل لا يقوم به حق [...]به حجة .
وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين ، كلاهما باطل ، ويكون الحق في ثالث غيرهما ، فمناقضة أحدهما صاحبة غير مصحح مذهبه ، وإن كان مفسداً به قول خصمه ؛ لأنهما مجتمعان معاً في الخطأ ، مشتركان فيهِ ، كقول الشاعر :
حجج تهافتت كالزجاج تخالها *** حقاً ، وكلٌ واهن مكسور
ومتى كان الأمر كذلك ، فإن أحد من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي نصرها أصلاً صحيحاً ، وإنما هو أوضاع وأراء تتكافأ وتتقابل ، فيكثر المقال ، ويدوم
الاختلاف ، ويقل الصواب ، كما قال تعالى : ] وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ [النساء :82] ، فأخبر تعالى أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده ، وهو من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة ؛ لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل .
وذكر بقية الرسالة ، وهي حسنة متضمنة لفوائد جليلة ، وإنما ذكرنا هذا القدر منها ليتبين به أن القواعد العقلية التي يدعي أهلها أنها قطعيات لا تقبل الاحتمال ، فترد لأجلها –بزعمهم –نصوص الكتاب والسنة ، وتصرف عن مدلولاتها ، إنما هي عند الراسخين شبهات جهليات ، لا تساوي سماعها ، ولا قراءتها ، فضلا عن أن يرد لأجلها ما جاء عن الله ورسوله ، أو يحرف شيء من ذلك عن مواضعه .
وإنما القطعيات ما جاء عن الله ورسوله من الآيات المحكمات البينات ، والنصوص الواضحات ، فترد إليها المتشبهات ، وجميع كتب الله المنزلة متفقة على معنى واحد ، وإن ما فيها محكمات ومتشابهات ، فالراسخون في العلم يؤمنون بذلك كله ، ويردون المتشابهة إلى المحكم ، ويكلون ما أشكل عليهم فهمه إلى عالمه ، والذين في قلوبهم ريع يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فيضربون كتاب الله بعضه ببعض ، ويردون
المحكم ، ويتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة ، ويحرفون المحكم عن مواضعه ، ويعتمدون على شبهات وخيالات لا حقيقة لها ، بل هي من وسواس الشيطان وخيالاته ، يقذفها في القلوب .
فأهل العلم وإلايمان يمتثلون في هذه الشبهات ما أمروا به من الاستعاذة بالله ، والانتهاء عما ألقاه الشيطان ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلَّم ذلك من علامات الأيمان ، وغيرهم فيصغون إلى تلك الشبهات ، ويعبرون عنها بألفاظ مشتبهات ، لا حرمة لها في نفسها ، وليس لها معنىً يصح ، فيجعلون تلك الألفاظ محكمة لا تقبل التأويل ، فيردون كلام الله ورسوله إليها ، ويعرضونه عليها ، ويحرفونه عن مواضعه لأجلها .
هذه طريقة طوائف أهل البدع المحضة من الجهمية والخوارج والروافض والمعتزلة ومن أشبههم ، وقد وقع في شيء من ذلك كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث والفقه والتصوف من أصحابنا وغيرهم في بعض الأشياء دون بعض .
وأما السلف وأئمة أهل الحديث ، فعلى الطريقة الأولى ، وهي الأيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه أثبته له ، مع نفي التمثيل والكيفية عنه ، كما قاله ربيعة ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء، وروي عن أم سلمة أم المؤمنين ، وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول ، وكذلك القول في سائر الصفات ، والله سبحانه وتعالى الموفق .
وقوله صلى الله عليه وسلَّم : (( فأكون أول من يجوز بأمته )) حتى يقطع الجسر بأمته ، وروي : ((يجيز )) ، وهما لغتان ، يقال : جزت الوادي وأجزته ، وهما بمعنى .
وعن الأصمعي ، قال : أجزته : قطعته ، وجزته : مشيت عليه .
وقوله : ((منهم الموبق بعمله )) –أي : الهالك .
وقوله : ((ومنهم المخردل )) ، هو بالدال المهملة والمعجمة- : لغتان مشهورتان ، والمعنى : المقطع ، والمراد –والله أعلم- : أن منهم من يهلك فيقع في النار ، ومنهم من تقطعه الكلاليب التي على جسر جهنم ، ثم لا ينجو ولا يقع في النار .
وقيل : معناه أنه ينقطع عن النجاة واللحاق بالناجين .
والمقصود من تخريج الحديث بطوله في هذا الباب : أن أهل التوحيد لا تأكل النار منهم مواضع سجودهم ، وذلك دليل على فضل السجود عند الله وعظمته ، حيث حرّم على النار أن تأكل مواضع سجود أهل التوحيد .
واستدل بذلك بعض من يقول : إن تارك الصلاة كافر ؛ فإنه تأكله النار كله ، فلا يبقى حاله حال عصاة الموحدين.
وهذا فيمن لم يصلِ لله صلاة قط ظاهر .
وقوله : ((امتحشوا)) أي : احترقوا ، وضبطت هذه الكلمة بفتح التاء والحاء . وفي بعض النسخ بضم التاء وكسر الحاء .
و((الحبة)) –بكسر الحاء – قال الأصمعي : كل نبت له حب فاسم جميع ذلك الحب : الحبة .
وقال الفراء : الحبة : بذور البقل .
وقال أبو عمرو : الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار .
وقال الكسائي : الحبة بذر الرياحين ، وأحدها حبة ، وأما الحنطة فهو الحب لا غير –يعني : بالفتح .
و((الحميل)) : ما حمله السيل من كل شيء ، فهو حميل بمعنى محمول ، كقتيل بمعنى مقتول .
ويأتي الكلام على باقي الحديث في موضع آخر – أن شاء الله تعالى . ا.هـ