المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب الحج من فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله (الجزء الخامس)


عبدالرحمن الفقيه.
24-01-04, 04:52 AM
هذا الجزء الخامس من فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله والمختص بكتاب الحج
وقد انتهينا بحمد الله من كتاب جميع الفتاوى إلى الثالث عشر ولعلنا ننزلها بعد الحج كاملة بإذن الله

الجزء الخامس
الحج
(الكعبة والمشاعر)( )
الكعبة
(1170 – ابدال سقف الكعبة الأعلى بسقف أسمنت، وترميم الجدران أو السقف الأسفل من أطيب كسب، منع تذهيب السقف، أو تفضيضه، أو تمويهه).
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه. وبعد: -
فقد جرى الاطلاع على قرار الهيئة العلمية – المزلفة من فضيلة الشيخ عبدالملك بن إبراهيم رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحجاز، وفضيلة الشيخ عبدالله بن جاسر، وفضيلة الشيخ علوي عباس مالكي المدرس بالمسجد الحرام، وفضيلة الشيخ محمد الحركان رئيس المحكمة الكبرى بجدة، بمشاركة محمد بن لادن مدير الإنشاءات الحكومية، ومحمد صالح قزاز، والمعلم حسين عجاج، والمهندسين الفنيين طارق الشراف وطه قرملي – المفيد أنهم بعد كشفهم على بيت الله المعظم، ونظرهم فيه النظر الدقيق في سقفه وحيطانه، وجدوا أن البيت المطهر يشتمل على سقفين بينهما فراغ بمقدار متر واحد تقريبًا، وأنهما مكونان من الأخشاب. وظهر لهم أن أكثر هذه الأخشاب قد تآكلت أعوادها مع الزمن، وأن بجدار البيت المطهر عدة تصدعات وأشطاب وبروز في مواقع مختلفة، مما يدل على وجود خلل في الجدار، وخصوصًا في الجدار الشمالي والجدار الغربي، وظاهر به( ) الترميمات السابقة التي حصلت فيه في أزمان مختلفة، وتبين لهم بإجماع الرأي ضرورة تغيير السقف الأعلى وإزالته وعمل سقف مسلح بدلا منه. أما السقف الأسفل فيبقى على وضعه الحاضر بشرط أن يرمم وتغير الأعواد والأخشاب الخاربة، ويوضع أعواد جديدة بدلا منها عنها. كما رأوا تغيير السقف الأعلى بسقف مسطح تعمل تحته ميدة من المسلح تحيط بالجدر جميعها، وترمم الجدر القديمة الترميم اللازم بالطرق الفنية المتبعة، على أن يبقى السقف الثاني الأسفل على وضعه الحاضر، ويرمم ترميمًا كاملا. وكما رأوا أيضًا ضرورة ترميم الكسوة الرخامية المحيطة بالجدار من الداخل وتثبيتها في أماكنها كما كانت، على أن يلاحظ إجراء الترميمات التي تظهر حين مباشرة العمل بما في ذلك السلالم المؤدية إلى السطوح، وعلى ما ذكر حصل التوقيع منهم. وقد ظهر في ما يلي: -
أولاً: أنه لا بأس بما قررته الهيئة ووقعت عليه بهذا الصدد.
ثانياً: يمتنع شرعًا أن تظهر الميدة المذكورة في القرار عن سمت حيطان البيت المطهر الأصلية خشية الزيادة في بيت الله تعالى ما ليس منه.
ثالثاً: تكون عمارة البيت المطهر من أطيب كسب.
رابعاً: يمتنع شرعًا أن يذهب السقف أو يفضض أو يموه بأحد النقدين. والله ولي التوفيق.
قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
(الختم)
(ص – م128 في 19 – 1 – 1377هـ)
(1171 – من دخل البريد أو من كنزها)
لقد رأيت أن ألفت نظر جلالتكم بصورة خاصة أني أرى حفظكم الله أن تكون عمارة سقف الكعبة وترميمها من دخل البريد، لأنه أحل وأطيب من غيره. هذا إن لم ير جلالتكم عمارتها من المال الذي بداخل الكعبة. والله يتولاكم.
(الختم) (ص – م في 15 – 1 – 1377هـ)
(1172 – ابدال الطار الفضي على الحجر بذهب)
فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم
أدام الله بقاكم الطار الذي على الحجر الأسود قد خرب من طول الزمن، وكنا نرى قضه في هذه السنين، ولكنا لا نرى فيه فائدة للترقيع، وهذه حماية للحجر الأسود، وكما يعرفون أدام الله وجودكم أن أعز شيء في الدنيا هو بيت الله الحرام، وحيث أنه من فضة فأنا رأيت أنه يعوض من ذهب. أولاً لياقة بمقامه وحرمته، وثانيًا الذهب أنفع من الفضة. أحببنا إخباركم قبل الابتداء، لأن قصدنا هو المظهر الطيب والمثابة إن شاء الله( ).
(سعود)
(9393 في 16 – 3 – 1375هـ)
(1173 – وصل قطع الحجر الأسود بشريط ذهبي)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس الديوان الملكي الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: -
فقد جرى الاطلاع على الأوراق المرفقة بخطاب الديوان العالي رقم 15 – 1 – 916 وتاريخ 9 – 4 – 76 بخصوص الاقتراح الذي تقدم به محمد طاهر الكردي حول إصلاح قطع الحجر الأسود ووصلها بشريط ذهبي يتمكن الناس من تقبيل الحجر.
وأحيطكم علمًا أنما اقترحه من تعرض الحجر الأسود غير وجيه؛ لأن ذلك مما يسبب كونه ملعبة بحسب الاقتراحات. وهو لم يعلل إلا بعدم التمكن من التقبيل تمامًا. ويمكن الحصول على كل الغرض أو بعضه بجعل أعلى الطوق الفضي أقل وأضعف مما هو عليه الآن.
وأما اقتراحه حول مقام إبراهيم وما يلقى فيه من أوراق وغيرها فنحيطكم علمًا أن المقام تحت البحث بما هو أكبر من هذا مما يندرج فيه هذا الاقتراح. والله يحفظكم.
حرر في 11 – 4 – 1376هـ.
(ص – ف 249 في 15- 4 – 1376هـ)
(1174 – تحلية باب الكعبة والميزاب)
قوله: ويحرم أن يحلى مسجد أو يموه سقف أو حائط بنقد.
حتى هذا الذهب الذي على باب الكعبة حرام ولا يحل، وأصل وضعه من بعض الملوك بعدما مضى عصر الصحابة وملوك العدل في الجملة، بعد ذلك حلي باب الكعبة، وإلا فهو لا يجوز، وكذلك الميزاب.
(تقرير)
(1175 – تعليق لوح من ذهب على الكعبة)
الرياض جلالة الملك المعظم أيده الله
ج 18520 أطلعت على البرقية الواردة من إبراهيم السليمان بشأن إقتراح طاهر الكردي عمل لوح من ذهب يعلق بالكعبة مشتملاً على المواد التي ذكرها( ).
وأرفع لجلالتكم أن هذا اقتراح غير سديد، وأنه مخالف للشرع، وليس من تعظيم الكعبة، فإن تعظيمها إنما هو بما عظمها الله به ورسوله، وليس في تعظيم الله ورسوله لها شيء من جنس هذه الأمور أبدا، ونحمد الله إذ وفق جلالتكم لالتماسكم في ذلك الحكم الشرعي وعدم التفاتكم لما يخالف ذلك من الاقتراحات. سدد الله خطاكم، وأطال عمركم.
محمد بن إبراهيم
(ص – م 742 في 18 – 6 – 1375هـ)
(1176 – بيع كسوة الكعبة للتبرك بها لا يجوز والكعبة ذاتها لا يتبرك بها. الحكمة في مسح الركنين، وتقبيل الحجر، والالتزام) ( ).
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم
أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: -
فقد تلقيت خطابكم رقم 1538 في 14 – 11 – 1379هـ بصدد ثوب الكعبة المشرفة وأحطت علمًا بما فيه.
ومن المعلوم حفظكم الله أنكم حينما تسألونني عن هذه المسألة – أعني مسألة ثوب الكعبة وأمثالها – إنما تسألونني عن الوجه الشرعي لا عن الرأي. وحينئذ أذكر لجلالتكم ما بلغنا من الآثار السلفية في هذا الصدد.
قال في كتاب "القرى لقاصد أم القرى": باب ما جاء في تجريد كسوة الكعبة وقسمتها بين الحاج وأهل مكة، وبيان حكم بيعها. عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان ينزع ثياب الكعبة في كل سنة فيقسمها على الحاج فيستظلون بها عن الشمس بمكة. وعن ابن أبي مليكة قال: كانت على الكعبة كسي كثيرة من كسوة أهل الجاهلية من الأنطاع والأكسية والأنماط، وكان ركامًا بعضها فوق بعض، فلما كسيت في الإسلام من بيت المال صار يخفف عنها الشيء بعد الشيء، فقال شيبة بن عثمان: لو طرحت عنها ما عليها من كسي الجاهلية حتى لا يكون مما مسه المشركون شيء لنجاسته، فكتب في ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان، فكتب: أن جردها، وبعث إليه بكسوة من ديباج وقباطي وحبرة. قال: فرأيت شيبة جردها حتى لم يبق عليها شيئًا مما كان عليها وخَلقَ جدرانها كلها وطيبها ثم كساها تلك الكسوة التي بعث بها معاوية إليها، وقسم الثياب التي كانت عليها بين أهل مكة وكان ابن عباس حاضرًا في المسجد الحرام وهم يجردونها، قال: فما رأيته أنكر ذلك ولا كرهه. وعن ابن أبي جريج، عن عبدالحميد ابن جبير بن شيبة، قال: جرد شيبة بن عثمان الكعبة قبل الحريق فخلقها وطيبها. قلت: وما تلك الثياب. قال: من كان نحو أنطاع وحبر، وكان شيبة يكسو منها حتى رأى على امرأة حائض من كسوتها فدفنها في بيت حتى هلكت – يعني الثياب. وعن عطاء بن يسار: قال: قدمت مكة معتمرًا فجلست إلى ابن عباس في صفة زمزم وشيبة يومئذ يجرد الكعبة، قال عطاء بن يسار: فرأيت جدرها، ورأيت خلوقها وطيبها، ورأيت تلك الثياب قد وضعت بالأرض، ورأيت شيبة يومئذ يقسمها، فأخذت يومئذ كساءً من نسج الأعراب، فلم أر ابن عباس أنكر شيئًا مما صنع شيبة. قال عطاء: وكانت قبل هذا لا تجرد، وإنما يخفف عنها بعض كسوتها. وعن عائشة رضي الله عنها: أن شيبة بن عثمان دخل عليها، فقال: يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تجتمع عليها فتكثر فنعمد إلى بئار فنحفرها ونعمقها فندفن فيها ثياب الكعبة لئلا تمسها الحائض والجنب. فقالت له عائشة ما أصبت، وبئس ما صنعت، لا تعد لذلك فإن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لمسها من حائض أو جنب؛ ولكن بعها فاجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين وابن السبيل. أهـ.
فاتضح مما قدمناه حكم ثياب الكعبة بعدما تسلب لابدالها بجديدة كما اتضح أنه ليس أحد من السلف يرغب في القطعة من قطع كسوة الكعبة فيتبرك بها. والذين يتولون قسمتها إذ ذاك يقصدون بها سد حاجة الفقراء المحتاجين إلى الاكتساء بها ونحوه لا يقصدون أن يتبركوا بها، ولا يقع ذلك؛ لأن أهل ذلك الزمن يعرفون أنه من المنكرات. أما زمننا هذا زمن الخرافات وزمن الغلو والتبرك بغير الله الذي هو الواقع الآن في كسوة الكعبة، فنجدهم يبيعون القطعة الصغيرة منها بالثمن الكثير على الحاج الغريب لأجل التبرك بها، وهذا لا يجوز، وتمكينهم من ذلك لا يجوز شرعًا؛ بل هو من معاونتهم على الإثم والعدوان. ومعتقدكم بحمد الله ودينكم ودعوتكم هو التوحيد، ومجانبة الشرك، ووسائله من التبرك وغيره.
والكعبة نفسها زادها الله تشريفًا لا يتبرك بها؛ ولهذا لا يقبل منها إلا الحجر الأسود فقط، ولا يمسح منها إلا هو والركن اليماني فقط وهذا المسح والتقبيل المقصود منه طاعة رب العالمين واتباع شرعه؛ ليس المراد أن تنال اليد البركة في استلام هذين الركنين، وقد قال الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قبل الحجر الأسود: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"( ). وقد ورد في الحديث: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه"( ).
والتزام الكعبة المعروف ليس في التمسح بحال؛ إنما هو إلصاق الخد والصدر واليدين( ): إشتياقًا تارة، وأسفًا على الفراق تارة، وذلاً لله تعالى وخشية تارة أخرى.
ولو تجرد المقام من محذور تبرك الجهال بتلك الكسوة لساغ لولي أمر المسلمين إعطاؤها آل الشيبي، أو تفريقها على فقراء المسلمين كسوة ونحو ذلك. هذا إذا كان أصلها من بيت المال. أما إن كانت من غير بيت المال فحكمها حكم فواضل الأوقاف. لكن إعطاؤها آل الشيبي أو غيرهم ممن يبيعها البيع المعهود الآن قطعًا على الحاج الغريب فيه المحذور الذي قدمنا، وهو التبرك الذي هو من أنواع الشرك. والسلام عليكم ورحمة الله.
(ص م 3838 في 2 – 1 – 1380هـ) ( )
(1177 – توسيع المطاف، وازالة بناية بئر زمزم، والمقامات الثلاثة، وتنحية المنبر، وباب بني شيبة، ودفن الحفرة( ) ومنع تقسيم المطاف)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه، وبعد: -
فقد جرى الاطلاع على ما رأته وقررته الهيئة العلمية المؤلفة من فضيلة الشيخ عبدالملك بن إبراهيم رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحجاز، والشيخ عبدالله بن جاسر، والسيد فضيلة الشيخ عباس مالكي، وفضيلة الشيخ محمد الحركان رئيس المحكمة الكبرى بجدة، بمشاركة محمد بن لادن مدير الإنشاءات الحكومية، ومحمد صالح القزاز، والمعلم حسين عجاج، والمهندسين الفنيين طارق الشواف وطه قرملي، حول توسيع المطاف، بعد نظرهم فيه النظر الدقيق، وتأملهم فيما حواليه من إزالة بئر زمزم الحالية، وإقامة بناية أخرى مكانها تحت الأرض، بحيث يصير سقفها مساويًا لأرض المطاف، وبحيث تبقى سقاية الحاج من بئر زمزم على وضعها الحاضر، وإزالة المقامات الثلاثة المحيطة بالمطاف، وضم أرضها إلى أرض المطاف، بحيث تكون سعة المطاف دائرية حول الكعبة المطهرة، في حدود الفضاء الذي يحصل بعد إزالة المقامات الثلاثة وبناية بئر زمزم. وما رأوه من أن كلا من مقام إبراهيم والمنبر وباب بني شيبة يبقى. وإرتياؤهم سد الحفرة الموجودة عن يمين الواقف أمام باب الكعبة المكرمة، وأن من المصلحة عمل حاجز دائري بقسم المطاف إلى قسمين: بحيث يكون القسم القريب من الكعبة المطهرة خاصًا بالرجال: والقسم الآخر خاصًا بالنساء. كل ذلك تأملته.وقد ظهر لي ما يلي:
أولاً: جواز دفن الحفرة التي في المطاف عن يمين الواقف أمام الكعبة المطهرة كما في القرار. وهذا قد اتفق عليه في العام الماضي.
ثانياً: جواز توسيع المطاف بإدخال المقامات الثلاثة وإدخال بئر زمزم بالشكل المبقي لأصلها كما في القرار المذكور.
ثالثاً: أما ما ذكر في القرار من بقاء مقام إبراهيم والمنبر وباب بني شيبة بصفتهن في المطاف فهذا غير ظاهر. وفيه من التضييق للمطاف، وإيقاع بعض الجهلة في شيء من الاعتقاد الفاسد بالطواف بالمقام، ومضايقة المصلين للطائفين وعكسه وتمكين الجهال من التمسح به وهم مارون في الطواف كما يمسح الركن اليماني والحجر الأسود ما هو معلوم.
وما عرف من التاريخ الصحيح والآثار لموضع حجر المقام مقام إبراهيم والمواقع التي كان بها والتنقلات التي وقعت له لأسباب عديدة يفيد أن لا محذور في تنحيته من مكانه الذي هو به الآن إلى جانب المطاف بعد التوسيع؛ لضرورة الضيق والازدحام الشديد. وهذا هو رأي كثير من العلماء المعاصرين، ولأن المقصود هو الصلاة خلف حجر المقام في أي مكان كان فيه الحجر من المسجد. وبطريق الأولى تنحية المنبر، وباب بني شيبة عن موضعهما الآن.
رابعاً: وأما ما رأته الهيئة: أن من المصلحة عمل حاجز دائري بقسم المطاف إلى قسمين: بحيث يكون القسم القريب من الكعبة المعظمة خاصًا بالرجال، والقسم الآخر خاصًا بالنساء. فهذا فيما يظهر لا يحصل به المقصود المذكور، مع ما فيه من التضييق للمطاف ولاسيما أيام الموسم ومزيد الازدحام... والله ولي التوفيق.
قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(الختم)
(ص – م 3731 في 21-1-1377هـ)
(مقام إبراهيم)
(1178 – اتفاق العلماء مع سماحته على نقل المقام أولا، واستطلاع الآراء)
من محمد من إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة
الملك سعود بن عبدالعزيز المعظم أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: -
فقد اطلعت على خطاب جلالتكم رقم 27-214-74 تاريخ 16-1-1381هـ وما بطيه، وذلك القرار المرفوع إلى مقام جلالتكم من علماء مكة المكرمة الشيخ علوي مالكي، والشيخ محمد يحيى أمان، والشيخ محمد أمين كتبي، بشأن مقام إبراهيم المتضمن موافقتهم على تنحيته عن موضعه الحالي ونقله إلى مكان آخر من المسجد حتى يتسع المطاف للطائفين.
ونعرض لأنظار جلالتكم أن هذا هو ما نراه ووافقنا عليه، وفقًا لما تقتضيه الأصول الشرعية.
أما ما استطلع جلالتكم رأيي فيه حول انتداب شخص يسافر إلى البلاد الإسلامية للتشاور مع العلماء الموجودين فيها بشأن ذلك. فهذا لا أراه مناسبًا؛ لأنه إذا سافر شخص وقصدهم في بلدانهم وتتبعهم في محلاتهم فإنه مع أن هذا الإجراء سيكون فيه تمديد وتطويل فإنه سيفتح ثغرة كبيرة ومجالاً واسعًا لإحداث أفكار واتصالات من بعضهم مع بعض قد ينشأ عنها تشويش وتوليد أغراض واحتياجات تربك الأمر وتجعل النتيجة عكسية، بل الذي أراه أن يعقد اجتماع في مكة المكرمة يدعى إليه العلماء المشهورين من تلك الأقطار مع العلماء في نجد والحجاز، ويبحث الموضوع بين الجميع، ثم يتخذ بشأنه القرار اللازم. وهذا أسرع وأنجز وأبعد عن تدخل أهل الأغراض. وإن تأخر الاجتماع إلى وقت الحج القادم حتى يشاهدوا ويعاينوا بأنفسهم الزحمة فهو أحسن. وإن رأيتم جلالتكم تعجيله فالنظر والأمر لله ثم لجلالتكم، تولاكم الله بتوفيقه.
(ص – م 240 في 18-1-1381هـ)
الجواب المستقيم
في جواز نقل مقام إبراهيم
(1179 – رسالة مطولة لسماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم في جواز تأخير مقام إبراهيم)( )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل في كتابه الكريم (وما جعل عليكم في الدين من حرج) والصلاة والسلام على خاتم رسله، الذي أتى بالحنيفية السمحة، وعلى آله وصحبه، ومن لسبيلهم نهج، وبعد: -
فإنه لما كثر الوافدون إلى بيت الله الحرام في عصرنا هذا الذي توفر فيه من وسائل نقلهم ما لم يتوفر قبل، وازدادوا زيادة لم تعهد فيما مضى، أدى ذلك إلى وقوع الطائفين في حرج شديد فيما بين المقام وبين البيت، ولذلك قدمت الرابطة الإسلامية رغبتها إلينا في أن نكتب رسالة في حكم تأخير المقام عن ذلك الموضع إلى موضع في المسجد الحرام قريب منه محاذ له رفعًا للحرج، فاستخرت الله تعالى. وكتبت إجابة لها هذه الرسالة. ورتبتها على ما يلي: -
1- بيان وضع المقام في عهد النبوة، وأن أول من أخره عنه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه.
2- إيراد أدلة القائلين بأن موضع المقام هو موضعه في عهد النبوة، والجواب عنها.
3- سرد العلل التي علل بها تأخير عمر المقام، وترجيح التعليل برفع الحرج عن الطائفين.
4- بيان حكم تأخير المقام اليوم عن موضعه إلى موضع في المسجد الحرام قريب منه محاذ له.
والله أسأل أن يكون هذا الجواب خالصًا لوجه الكريم. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
بيان موضع المقام في عهد النبوة، وأن أول من أخره عمر بن الخطاب
ثبت عن السلف الصالح أن مقام إبراهيم عليه السلام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه في سقع البيت وأن أول من أخره عن ذلك الموضع عمر بن الخطاب. وممن ثبت ذلك عنه من أعيانهم المذكورون فيما يلي: -
1- أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها عند البيهقي، قال في "سننه": أخبرنا أبوالحسن بن الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبوبكر أحمد بن كامل( ) حدثنا أبواسماعيل محمد بن اسماعيل السلمي. حدثنا أبوثابت، حدثنا الدراردي( ) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة( ) رضي الله عنها أن المقام كان زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أهـ. صحيح الحافظ ابن كثير إسناده في تفسيره في الكلام على آية المقام. وقواه الحافظ في "فتح الباري" في كتاب التفسير في الكلام على تلك الآية، قال (ج8 ص137): أخرج البيهقي عن عائشة مثله أي مثل ما روى عن عطاء وغيره من التصاق المقام بالبيت إلى أن أخره عمر بسند قوي، ولفظه: أن المقام كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر. أهـ كلام الفتح.
ولا يرد على جزم رواية أبي ثابت المذكورة. شك رواية يعقوب بن حميد بن كاسب عند الفاكهي. قال يعقوب: حدثنا عبدالعزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال عبدالعزيز أراه عن عائشة: أن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في سقع البيت. فإن يعقوب بن حميد بن كاسب ليس بشيء، قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": قريء على العباس بن محمد الدوري أنه سأل يحيى بن معين عن يعقوب بن كاسب فقال ليس بشيء. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: هو ضعيف الحديث. وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": يعقوب بن حميد بن كاسب ليس بشيء مكي. وقال العقيلي في "الضعفاء": حدثنا زكريا الحلواني قال: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه: وسألته عنه: فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول فدفعنا، ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها. أهـ.
2- عروة بن الزبير. قال عبدالرازق في "مصنفه": عن معمر: عن هشام بن عروة: عن أبيه" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبابكر وعمر بعض خلافته كانوا يصلون صقع البيت حتى صلى عمر خلف المقام". وأصرح من هذه الرواية ما روى عبدالرحمن بن أبي حاتم في "العلل" عن أبي زرعة: عن أبي ثابت. عن عبدالعزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أن المقام كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه" وتقدم هذا الحديث رواه أبواسماعيل محمد بن اسماعيل السلمي. عن أبي ثابت، عن الدارودري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. والروايتان ثابتتان، فدل ذلك على أن عروة روى هذا الحديث عن خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فكان يحدث به عنها تارة، ويتكلم به تارة أخرى من غير أن يسنده إليها. فروى عنه بالوجهين.
3- عطاء وغيره من أصحاب ابن جريح عند عبدالرازق، قال في "مصنفه": عن ابن جريح. قال سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من رفع المقام فوضعه موضعه الآن، وإنما كان في قبل الكعبة. صحح الحافظ ابن حجر العسقلاني إسناده في "فتح الباري ج8 ص137" قال في كلامه على المقام في "كتاب التفسير": كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر إلى المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبدالرزاق في "مصنفه" بسند صحيح عن عطاء وغيره.أهـ.
ومعنى قول ابن جريج: "يزعمون". يقولون. من باب استعمال الزعم في القول المحقق، نظير ما رواه البخاري في صحيحه في (باب إذا حرم طعامًا) وقوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) ( ) قال البخاري: حدثنا الحسن ابن محمد، حدثنا الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا" الحديث. وذكر الحافظ في شرح قول الراوي: زعم عطاء: أن أهل الحجاز يطلقون الزعم بمعنى القول، وقرر الحافظ هو والنووي أن ذلك الاستعمال كثير. قال النووي في شرح قول ضمام ابن ثعلبة: "يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك" قال: قوله: "زعم" و "تزعم" مع تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه دليل على أن "زعم" ليس مخصوصًا بالكذب والقول المشكوك فيه؛ بل يكون أيضًا في القو المحقق والصدق الذي لاشك فيه، وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "زعم جبريل كذا". وقد أكثر سيبويه وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبوالخطاب، يريد بذلك القول المحقق، وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم، ونقله أبوعمرو الزاهد في "شرح الفصيح" عن شيخه أبي العباس ثعلب، عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين. أهـ. وقال الحافظ في "الفتح" في كتاب العلم في شرح قول ضمام بن ثعلبة المتقدم: إن الزعم يطلق على القول المحقق أيضًا، كما نقله أبوعمرو الزاهد في "شرح فصيح ثعلب". وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل. في مقام الاحتجاج. ومما استدل به الحافظ في "فتح الباري" لاستعمال الزعم بمعنى القول المحقق قول عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في حديثه في المواقيت: "ويزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ويهل أهل اليمن من يلملم" يعني ابن عمر بقوله "يزعمون" الصحابة. قلت: ويشهد لكون "يزعمون" في رواية عبدالرزاق المتقدمة عن ابن جريج عن عطاء وغيره من أصحاب ابن جريج بمعنى القول المحقق رواية عبدالرزاق الأخرى التي ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ( ) فإنه قال: عبدالرزاق، حدثني ابن جريج، عن عطاء وغيره من أصحابنا، قالوا: أول من نقله – أي المقام – عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقول ابن جريج في هذه الرواية: "قالوا" يفسر قوله في الرواية الأولى: "يزعمون"( ).
4- مجاهد عند عبدالرزاق، قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ( ) قال عبدالرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. صححه الحافظ في "فتح الباري – في كتاب التفسير ج8 ص137" وذكر ابن كثير في تفسيره أنه أصح مما في رواية ابن مردوية عن مجاهد من أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حوله( ) وعبارة ابن كثير بعد ذكر أثر مجاهد هذا: هذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاده بما تقدم .أهـ. يعني ابن كثير بما تقدم الآثار التي أوردها قبل ذلك بأسانيد قوية عن عائشة وعطاء وغيره من أصحاب ابن جريج وسفيان بن عيينه.
5- بعض مشايخ مالك، ففي "المدونة" في ج2 في قطع شجر الحرم من "كتاب الحج" ما نصه: قال مالك: بلغني أن عمر ابن الخطاب لما ولي وحج ودخل مكة أخر المقام إلى موضعه الذي هو فيه اليوم، كان ملصقًا بالبيت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وقبل ذلك، وكان قدموه في الجاهلية مخافة أن يذهب به السيل، فلما ولي عمر أخرج أخيوطة كانت في خزانة الكعبة قد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت إذ قدموه مخافة السيل، فقاسه عمر، فأخرجه إلى موضعه اليوم، فهذا موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وعلى عهد إبراهيم. أهـ.
6- سفيان بن عيينة عند ابن أبي حاتم في تفسيره، قال فلي تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) حدثنا ابن أبي عمر العدني( ) قال: قال سفيان( ): كان المقام في سقع البيت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه. وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا. صحح الحافظ في "فتح الباري" إسناده في "كتاب التفسير ج8 ص137" في شرح باب قول الله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وصحح هذا الحديث قبل صاحب "فتح الباري" الإمام عبدالرحمن بن أبي حاتم بإيراده في تفسيره الذي ذكر في أوله أن جماعة من إخوانه طلبوا منه تفسيرًا مختصرًا بأصح الأسانيد وحذف الطرق. ثم قال: فأجبتهم إلى مسألتهم، وبالله التوفيق، وإياه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتحريت إخراج ذلك بأصح الأخبار إسنادًا، وأشبهها متنًا، فإذا وجدت التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أذكر معه أحدًا من الصحابة ممن أتى بمثل ذلك؛ وإذا وجدته عن الصحابة فإن كانوا متفقين ذكرته عن أعلاهم درجة بأصح الإسناد وسميت موافقيهم بحذف الإسناد، فإن لم أجد عن الصحابة ووجدته عن التابعين عملت فيما أجد عنهم ما ذكرته من المثال في الصحابة، وكذلك أجعل المثال في أتباع التابعين وأتباعهم. أهـ ما ذكره ابن أبي حاتم في مقدمة تفسيره، وهو دليل على صحة هذا الحديث.
7- الواقدي( ) عند ابن جرير الطبري في تاريخه، قال في حوادث سنة ثمان عشرة: وزعم – أي الواقدي – أن عمر رضي الله عنه حول المقام في هذه السنة في ذي الحجة إلى موضعه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت قبل ذلك. أهـ. وذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية": أن الواقدي لم ينفرد بهذا، وعبارته ج7 ص93: قال الواقدي( ) وغيره: في هذه السنة – أي سنة ثمان عشرة في ذي الحجة منها حول عمر المقام، وكان ملصقًا بجدار الكعبة، فأخره إلى حيث هو الآن؛ لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين. ثم قال ابن كثير: قلت: ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنة.
8- مشايخ ابن سعد قال في "الطبقات الكبرى" في ترجمة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: قالوا: وهو الذي أخر المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت. أهـ.
هذه جملة من أعيان السلف الذين صرحوا بأن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في سقع البيت، وأن أول من أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد جزم بما صرحوا به غير واحد من أئمة المتأخرين منهم الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" والحافظ ابن كثير في "التفسير" و "البداية والنهاية" والشوكاني في "فتح القدير" قال الحافظ في الفتح ج8 ص137 في باب (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) من كتاب التفسير: كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت، إلى أن أخره عمر رضي الله عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن. أخرجه عبدالرزاق في "مصنفه" بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضًا. وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه: أن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر، وأخرج ابن مردوية بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حوله، والأول أصح. وقد أخرج أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة قال: كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحوله عمر، فجاء سيل فذهب به، فرده عمر إليه. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بالبيت أم لا. أهـ.
وبهذا ظهر رجوع الحافظ عما كتبه في باب (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) من كتاب الصلاة؛ فإنه كتب ما نصه: قد روى الأزرقي في "أخبار مكة" بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة فأتى به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر، فاستثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول فأعاده إليه، وبنى حوله فاستقر ثم إلى الآن( ). أهـ. وهذا الذي كتبه الحافظ في "كتاب الصلاة" سبق قلم نبه على رجوعه عنه بالصواب الذي ذكره في "كتاب التفسير" وكان يصنع ذلك تارة فيما سبق به القلم، ويصرح تارة بالرجوع عما كتبه أولا. ومما صرح فيه بالرجوع ما يلي:
1- قوله في ج8 ص16 في الباب الذي بعد (باب منزل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح) في الكلام على حديث أبي شريح العدوي في تعظيم حرمة مكة: قال: (قوله: العدوي) كنت جوزت في الكلام على حديث الباب في الحج أنه من حلفاء بني كعب، وذلك لأني رأيته في طريق أخرى الكعبي، نسبة إلى كعب بن ربيعة بن عمرو بن لحي، ثم ظهر لي أنه نسب إلى بني عدي بن عمرو بن لحي وهم أخوة كعب، ويقع هذا في الأنساب كثيرًا.
2- قوله في شرح حديث عباد بن تميم، عن عمه، قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى" في (باب الاستلقاء في ج11 ص68): تقدم بيان الحكم في أبواب المساجد من "كتاب الصلاة" وذكرت هناك قول من زعم أن النهي عن ذلك منسوخ، وأن الجمع أولى، وأن محل النهي حيث تبدو العورة، والجواز حيث لا تبدو، وهو جواب الخطابي ومن تبعه، ونقلت قول من ضعف الحديث الوارد في ذلك وزعم أنه لم يخرج في الصحيح، وأوردت عليه بأنه غفل عما في "كتاب اللباس" من الصحيح. والمراد بذلك صحيح مسلم، وسبق القلم هناك فكتبت صحيح البخاري، وقد أصلحته في أصلي.
3- قوله في "باب الدعاء على المشركين" ج11 ص162 في الكلام على قول البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا الأنصاري، حدثنا هشام بن حسان، حدثنا محمد بن سيرين، حدثنا عبيدة، حدثنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا" الحديث قال الحافظ: قوله: حدثنا هشام بن حسان. يرجح قول من قال في الرواية التي مضت في الجهاد من طريق عيسى بن يونس، حدثنا هشام، أنه ابن حسان، وكنت ظننت أنه الدستوائي، ورددت على الأصيلي حيث جزم بأنه ابن حسان، ثم نقل تضعيف هشام بن حسان يروم رد الحديث، فتعقبته هناك، ثم وقفت على هذه الرواية فرجعت عما ظننت ..الخ.
ويدل على رجوع الحافظ عما كتبه في "كتاب الصلاة" إلى ما بينه في "كتاب التفسير" تعذر الجمع بين تصحيح الحافظ أسانيد تلك الروايات الأزرقية التي تذكر أن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن وهو الذي رده إليه عمر بعدما ذهب به السيل وبين تصحيحه في "كتاب التفسير" أسانيد روايات كون المقام أزق البيت إلى أن أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأن الروايات الأزرقية التي أشار إليها ليس فيها شيء صحيح صريح، كما سنبينه فيما بعد أن شاء الله عند الكلام على تلك الروايات، مع ذكر كلام الحافظ فيمن تكلم فيه من رواتها، ليتبين أن ما ذكره في "كتاب الصلاة" في الروايات الأزرقية كما لا يتفق مع ما في "كتاب التفسير" لا يتفق مع كلامه في رواة تلك الروايات الأزرقية في كتبه في "الجرح والتعديل".
وقال الحافظ ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية" ج1 ص162 تحت عنوان (ذكر بناية البيت العتيق) في الكلام على مقام إبراهيم عليه السلام: قد كان هذا الحجر ملصقًا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فأخره عن البيت قليلاً؛ لئلا يشغل المصلون عنده الطائفين بالبيت. وقال في الجزء السابع من التاريخ المذكور "البداية والنهاية" ص13 في الكلام على حوادث سنة ثمان عشرة: قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام، وكان ملصقًا بجدار الكعبة( ) أخره إلى حيث هو الآن؛ لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين.
وقال في "التفسير" في الكلام على قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى): قلت: قد كان هذا المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب، في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، وأنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا – والله أعلم – أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين الذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وهو الذي أنزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) قد كان – أي المقام – ملتصقًا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى). أهـ ما جمعناه من تاريخ ابن كثير وتفسيره وقال العلامة الشوكاني في "فتح القدير" في تفسير آية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى): وهو – أي المقام – الذي كان ملصقًا بجدار الكعبة، وأول من نقله عمر بن الخطاب كما أخرجه عبدالرزاق والبيهقي بأسانيد صحيحة، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. أهـ.
أدلة القائلين بأن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد النبوة، والجواب عنها
إستدل القائلون بأن موضع مقام إبراهيم عليه السلام هذا الذي هو فيه اليوم هو موضعه في عهد النبوة بأمور نذكرها مع الإجابة عنها فيما يلي: -
(الأول): ما رواه الحافظ أبوبكر بن مردويه، قال أخبرنا ابن عمر وهو أحمد بن محمد بن حكيم، أخبرنا محمد بن عبدالوهاب ابن أبي تمام، أخبرنا آدم وهو ابن أبي إياس في تفسيره، أخبرنا شريك، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعه هذا، قال مجاهد: وكان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.
والجواب عن هذا ما ذكره الحافظان: ابن كثير في تفسيره، وابن حجر العسقلاني في "فتح الباري". قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية الكريمة (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) بعد ذكر هذا الأثر الذي رواه ابن مردوية: هذا مرسل عن مجاهد وهو مخالف لما تقدم من رواية عبدالرزاق عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وهذا أصح من طريق ابن مردويه، مع اعتضادها بما تقدم( ). أهـ.
وقال الحافظ في "الفتح" ج8 ص137 في باب (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) من كتاب التفسير: أخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد "أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حوله" والأول أصح. أهـ.
ووجه ضعف سنده أن فيه شريكًا النخعي، وإبراهيم بن المهاجر وهما ضعيفان.
أما "شريك" فقد روى علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد تضعيفه جدًا. وقال ابن المثنى: ما رأيت يحيى ولا عبدالرحمن حدثا عن شريك شيئًا. وروى محمد بن يحيى القطان، عن أبيه قال: رأيت تخليطًا في أصول شريك، وقال ابن المبارك: ليس حديثه بشيء. وقال الجوزجاني: سي الحفظ مضطرب الحديث مائل. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: أخطأ شريك في أربعمائة حديث وقال الدارقطني: ليس شريك بالقوي فيما ينفرد به. وقال عبدالجبار ابن محمد: قلت ليحيى بن سعيد: زعموا أن شريكًا إنما خلط بآخره قال مازال مخلطًا. نقل هذا عن هؤلاء الأئمة الحافظ – الذهبي في "ميزان الاعتدال".
وأما إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي فقد قال العقيلي في "الضعفاء": حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا صالح بن أحمد، قال حدثنا علي، قال قلت ليحيى: إن إسرائيل روى عن إبراهيم بن المهاجر ثلاثمائة حديث. قال: إبراهيم بن المهاجر لم يكن بالقوي، حدثنا محمد، حدثنا صالح، عن علي، قال: سئل يحيى بن سعيد عن إبراهيم بن المهاجر وأبي يحيى القتات فضعفهما. حدثنا عبدالله، قال: سألت أبي عن إبراهيم بن المهاجر، فقال: كان كذا وكذا( ) وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": إبراهيم بن المهاجر الكوفي ليس بالقوي. ونقل الحافظ في "تهذيب التهذيب" عن النسائي: أنه صرح أيضًا في الكنى بأنه ليس بالقوي في الحديث، قال الحافظ: وقال ابن حبان في الضعفاء: هو كثير الخطأ. وقال الحاكم: قلت للدارقطني فإبراهيم بن المهاجر؟ قال: ضعفوه، تكلم فيه يحيى بن سعيد وغيره. قلت: بحجة قال: بلى، حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وقد غمزه شعبة أيضًا. قال الحافظ: وقال أبوحاتم: ليس بالقوي، هو وحصين وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، ومحلهم عندنا محل الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج به. قال: عبدالرحمن بن أبي حاتم قلت لأبي: ما معنى لا يحتج بحديثهم. قال: كانوا قومًا لا يحفظون فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطرابًا ما شئت. أهـ ما في "تهذيب التهذيب".
(الثاني): مما استدل به القائلون بأن موضع مقام إبراهيم عليه السلام اليوم هو موضعه في عهد النبوة ما في "مغازي موسى بن عقبة" في سياق خبر فتح مكة بلفظ: وأخر – أي رسول الله صلى الله عليه وسلم – المقام إلى مقامه اليوم وكان ملتصقًا بالبيت.
والجواب عن هذا أن هذا المنقول عن مغازي موسى بن عقبة يخالف ما تقدم عن عائشة وعروة شيخ موسى بن عقبة ومشائخ ابن جريج، وهو أن أول من حول المقام إلى مقامه اليوم عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ولذلك لم يلتفت الحافظ ابن كثير الذي نقل هذا عن مغازي موسى بن عقبة إليه؛ بل جزم بخلافه.
(الثالث): مما استدلوا به ما رواه الأزرقي في "تأريخ مكة" قال: حدثني جدي، قال حدثنا عبدالجبار بن الورد، قال سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام هذا الذي هو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فرده بمحضر الناس.
والجواب عنه بأمرين:
"أحدهما": أن راوي هذا عن ابن أبي مليكة عبدالجبار بن الورد، وهو وإن كان ثقة يخالف في بعض حديثه، قال البخاري في "تأريخه الكبير": يخالف في بعض حديثه. واعتمد العقيلي على كلام البخاري هذا فذكره في "الضعفاء" ثم قال: حدثني آدم بن موسى، قال سمعت البخاري قال: عبدالجبار بن الورد المكي يخالف في بعض حديثه. انتهى كلام العقيلي. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" في عبدالجبار بن الورد: صدوق، يتهم.
"الثاني": أن ما قاله ابن أبي مليكة على فرض ثبوته عنه لم يأخذه عن الصحابة فيما يرى المحب الطبري صاحب "القرى" بل إنما فهمه من سياق رواية كثير بن المطلب عن أبيه قصة احتمال سيل أم نهشل المقام. ولا يسعنا مادام الأمر كذلك أن تقدم ذلك الفهم على تصريح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأن المقام كان ملصقًا بالبيت في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه( ). وكلمة "هو موضعه" التي فهم منها ابن أبي مليكة ذلك يفسرها ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند صحيح عن ابن عيينة أنه قال: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فحوله عمر إل مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه. الحديث المتقدم. فإن هذا يدل على أن الموضع الذي سأل عنه عمر ليرد المقام إليه الموضع الذي وضعه فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول مرة؛ لا موضعه في عهد النبوة.
(الرابع): مما استدل به القائلون بأن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد النبوة ما رواه الأزرقي في "تأريخ مكة" قال: حدثني جدي، قال حدثنا سليم بن مسلم( ) عن ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر. عن عبدالله بن السائب وكان يصلي بأهل مكة، فقال: أنا أول من صلى خلف المقام حين رد في موضعه هذا، ثم دخل عمر وأنا في الصلاة فصلى خلفي صلاة المغرب. ووجه الاستدلال به أن أقول عبدالله بن السائب (حين رد في موضعه) هذا يفهم منه أن له موضعًا قبل التحويل. فيلزم منه أنه موضعه في عهد النبوة.
والجواب عن هذا: أن سياق عبدالرزاق أحسن من سياق سليم ابن مسلم: فقد قال عبدالرزاق في "مصنفه": عن ابن جريج، عن محمد بن عياد بن جعفر وعمر بن عبدالله بن صفوان وغيرهما: أن عمر قدم فنزل في دار ابن سباع، فقال يا أبا عبدالرحمن: صل بالناس المغرب، فصليت وراءه، وكنت أول من صلى وراءه حين وضع، ثم قال: فأحسست عمر وقد صليت ركعة فصلى ورائي ما بقي. أهـ. فكلمة (حين وضع) في رواية عبدالرزاق هذه هي التي غيرها سليم بن مسلم بقوله: (حين رد في موضعه هذا). وسليم بن مسلم غير مأمون على عقيدته ولا على الحديث كما بينه الأئمة. قال العقيلي في "الضعفاء": حدثنا محمد، قال حدثنا عباس، قال سمعت يحيى ذكر سليم بن مسلم المكي، فقال: كان ينزل مكة، وكان جهميًا خبيثْا. وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": سليم ابن مسلم الخشاب متروك الحديث. أهـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان": سليم بن مسلم المكي الخشاب الكاتب عن ابن جريج، قال ابن معين: جهمي خبيث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أحمد: لا يساوي حديثه شيئًا. قال الحافظ وقال أبوحاتم في ترجمة سليم: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بقوي. وقال مرة: متروك. أهـ المراد من كلام الحافظ في "لسان الميزان".
(الخامس): مما استدلوا به ما ذكره الأزرقي في "تأريخ مكة" بعد ما ساق حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في وجه الكعبة حذر الطرقة البيضاء. روى عن جده أنه قال: قال داود: وكان ابن جريج يشير لنا إلى هذا الموضع، ويقول: هذا الموضع الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الموضع الذي جعل فيه المقام حين ذهب به سيل أم نهشل إلى أن قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرده إلى موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وبعض خلافة عمر رضي الله عنه إلى أن ذهب به السيل.
والجواب عن هذا أن ما ذكره الأزرقي عن ابن جريج يخالف ما صح عن مشايخ ابن جريج عطاء وغيره من رواية ابن جريج عنهم، فقد تقدم أن عبدالرزاق روى في "مصنفه" بسند صحيح أنهم قالوا: إن عمر أول من رفع المقام فوضعه موضعه الآن( ).
(السادس): مما استدلوا به ما رواه الأزرقي في "تأريخ مكة" قال: حدثني جدي، حدثنا داود بن عبدالرحمن، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب ابن أبي وداعة السهمي، عن أبيه( ) عن جده، قال: كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة الكبير قبل أن يردم عمر بن الخطاب الردم الأعلى، وكان يقال لهذا الباب باب السيل، قال فكانت السيول ربما دفعت المقام عن موضعه وربما نحته إلى وجه الكعبة، حتى جاء سيل في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقال له سيل أم نهشل، وإنما سمي بأم نهشل أنه ذهب بأم نهشل إبنة عبيدة بن أبي أحيحة سعيد ابن العاص فماتت فيه، فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتى وجد بأسفل مكة، فأتى به فربطه إلى أستار الكعبة في وجهها، وكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فأقبل عمر فزعًا فدخل بعمرة في شهر رمضان وقد غبي موضعه وعفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال أنشد الله عبدًا عنده علم في هذا المقام، فقال المطلب( ) بن أبي وداعة السهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك، فقد كنت أخشى عليه، فأخذت قدره من موضعه إلى الركن، ومن موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط وهو عندي في البيت.

عبدالرحمن الفقيه.
24-01-04, 04:54 AM
فقال له عمر: فاجلس عندي وأرسل إليها، وأتي بها، فمدها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس وشاورهم، فقالوا نعم هذا موضعه، فلما استثبت ذلك عمر رضي الله عنه وحق عنده أمر به فاعلم ببناء ربضه تحت المقام ثم حوله، فهو في مكانه هذا إلى اليوم. أهـ.
والجواب عنه أن المراد بالموضع المذكور في هذا الخبر الموضع الذي وضعه فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول مرة، وهو الذي سأل عنه ليضعه فيه المرة الثانية، بدليل رواية ابن أبي حاتم المتقدمة عن أبيه، عن ابن أبي عمر العدني، عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) الآية: قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه – الخبر المتقدم.
(السابع): مما استدلوا به ما رواه الأزرقي في "أخبار مكة" قال: حدثني ابن أبي عمر، قال حدثنا ابن عيينة، عن حبيب بن أبي الأشرس، قال: كان سيل أم نهشل قبل أن يعمل عمر الردم بأعلى مكة، فاحتمل المقام من مكانه فلم يدر أين موضعه، فلما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل من يعلم موضعه، فقال المطلب ابن أبي وداعة أنا يا أمير المؤمنين قد كنت قدرته وذرعته بمقاط وتخوفت عليه هذا من الحجر إليه، ومن الركن إليه، ومن وجه الكعبة إليه، فقال: إيت به، فجاء به فوضعه في موضعه هذا، وعمل عمر الردم عند ذلك. قال سفيان: فذلك الذي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه أن المقام كان عند سقع البيت، فأما موضعه الذي هو موضعه فموضعه الآن، وأما ما يقول الناس إنه كان هناك موضعه فلا. قال سفيان: وقد ذكر عمرو بن دينار نحوًا من حديث ابن أبي الأشرس هذا لا أميز أحدهما عن صاحبه.
والجواب عن هذا: أن ما ذكره ابن أبي الأشرس وذكر عمرو بن دينار نحوه من سؤال عمر عن موضع المقام لا يدل على أن مراد عمر موضع المقام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ بل الذي دلت عليه رواية ابن أبي حاتم المتقدمة عن سفيان بن عيينة أن سؤال عمر رضي الله عنه إنما هو عن الموضع الذي وضعه فيه أول مرة ليضعه فيه المرة الثانية.
مع أن أمر حبيب بن أبي الأشرس هين؛ لأنه لا يحتج به. قال البخاري في "التأريخ الصغير": قال: أحمد: متروك. وقال في "الضعفاء الصغير": منكر الحديث. وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": حبيب بن حسان وهو حبيب بن أبي الأشرس كوفي متروك الحديث. قال العقيلي في "الضعفاء": حدثنا محمد بن زكريا، قال حدثنا محمد بن المثنى، قال: ما سمعت يحيى ولا عبدالرحمن حدثا عن سفيان عن حبيب بن حسان بن أبي الأشرس شيئًا. حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا عباس بن محمد، قال: سمعت يحيى بن معين، قال: حبيب بن أبي الأشرس كوفي، ليس حديثه بشيء، وقال في موضع آخر: حبيب بن حسان ليس بثقة، وكانت له جاريتان نصرانيتان فكان يذهب معهما إلى البيعة. وقال في موضع آخر. حبيب بن حسان بن الأشرس هو حبيب بن هلال، ليس بشيء. حدثنا الخضر بن داود، قال حدثني أحمد بن محمد ابن هانيء، قال سألت أبا عبدالله وذكر حبيب بن حسان فقال: متروك الحديث. حدثني آدم بن موسى، قال سمعت البخاري قال: حبيب بن حسان الكوفي هو حبيب بن أبي الأشرس منكر الحديث. أهـ كلام العقيلي. وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": قريء على العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: حبيب بن حسان بن أبي الأشرس وهو حبيب بن هلال روى عنه مروان الفزاري وليس بثقة، وقال: سمعت أبي يقول: حبيب بن حسان موجه صالح البغدادي وليس بقوي, منكر الحديث أحيانًا. أهـ وقال ابن حبان في "كتاب المجروحين" في حبيب بن أبي الأشرس: منكر الحديث جدًا، وكان قد عشق امرأة نصرانية، وقد قيل أنه تنصر وتزوج بها، وأما اختلافه على البيعة من أجلها فصحيح. مكحول سمعت جعفر بن أبان يقول: سئل يحيى بن معين وأنا شاهد عن حبيب بن حسان، فقال: ليس بثقة، كان يذهب مع جاريتين له إلى البيعة. أهـ. وفي "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمة حبيب بن أبي الأشرس، قال أبوداود: ليس حديثه بشيء، روى عنه سفيان ولا يصرح به. وقال أبوبكر ابن عباس: لو عرف الناس حبيب بن حسان لضربوا على بابه الختم. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبوأحمد الحاكم. ذاهب الحديث. أهـ.
وأما رواية الأزرقي عن عروة أنه قال: فأما موضعه الذي هو موضعه فموضعه الآن. الخ.
فيعارضها ما روى عبدالرزاق في "مصنفه" عن معمر، عن هشام ابن عروة، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر بعض خلافته كانوا يصلون سقع البيت، حتى صلى عمر خلف المقام، وما روى ابن أبي زرعة، عن أبي ثابت، عن عبدالعزيز الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه. أن المقام كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولاشك في أنه إذا وقع التعارض بين رواية أبي الوليد الأزرقي مؤرخ مكة وبين روايتي عبدالرزاق وابن أبي حاتم تقدم رواية عبدالرزاق وابن أبي حاتم على رواية أبي الوليد الأزرقي مؤرخ مكة؛ لأنهما يحملان شهادات أئمة الحديث في زمانهما بالإمامة في الحديث. وأما أبوالوليد الأزرقي مؤرخ مكة. فلم نر شهادة أي معاصر له، ولم يرها قبلنا الفاسي على سعة اطلاعه، ولذلك يقول في "العقد الثمين": لم أر من ترجمة، وإني لأعجب من ذلك. وأما الذين لم يعاصروه فأقدم من رأيناه تعرض له منهم ابن النديم صاحب "الفهرست" قال فيه بعد ذكر نسبه: أحد الأخباريين وأصحاب السير، وله من الكتب "كتاب مكة" وأخبارها وجبالها وأوديتها كتاب كبير. أهـ. وهذا لا يغني شيئًا؛ لأمرين:
"أحدهما": أن الغالب على الأخباريين والسيريين عدم الاعتناء بالروايات، وفي ذلك يقول الحافظ العراقي في "ألفية السيرة":
وليعلم الطالب أن السيرا تجمع ما صح وما قد أنكرا
"الثاني": أن "ابن النديم" قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان": هو غير موثوق به، ومصنفه المذكور يعني "الفهرست" ينادي على مصنفه بالاعتزال والزيغ، نسأل الله السلامة، ثم قال الحافظ: لما طلعت كتابه ظهر لي أنه رافضي معتزلي؛ فإنه يسمى أهل السنة الحشوبة، ويسمى الأشاعرة المجبرة، ويسمى كل من لم يكن شيعيًا عاميًا، وذكر في ترجمة الشافعي شيئًا مختلقًا ظاهر الافتراء. أهـ. ومراد الحافظ بذلك الشيء المختلق الظاهر الافتراء قول ابن النديم في "الفهرست" ص294-295: بخطه يعني أبا القاسم الحجازي أيضًا: قرأت، قال ظهر رجل من بني أبي لهب بناحية المغرب، فحمل إلى هارون الرشيد ومعه الشافعي، فقال الرشيد للهبي: سمت بك نفسك إلى هذا. قال: وأي الرجلين كان أعلى ذكرًا وأعظم قدرًا جدي أم جدك، أنت ليس تعرف قصة جدك وما كان من أمره، وأسمعه كل ما كره لأنه استيل. قال فأمر بحبسه، ثم قال للشافعي: ما حملك على الخروج معه، قال: أنا رجل أملقت وخرجت أضرب في البلاد طلبًا للفضل، فصحبته لذلك، فاستوهبه الفضل بن الربيع فوهبه، فأقام بمدينة السلام مدة، فحدثنا محمد ابن شجاع الثلجي قال كان يمر بنا في زي المغنين على حمار وعليه رداءً محشًا وشعره مجعد. ثم وصف ابن النديم الشافعي بشدة التشيع، وذكر حكاية عن آخرين من نوع الإفتراء الذي ذكر أولا.
ثم بعد ابن النديم الحافظ عبدالكريم بن محمد السمعاني صاحب كتاب "الأنساب" قال في "الأنساب": الأزرقي هو أبوالوليد محمد بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي صاحب كتاب "أخبار مكة" وأحسن في تصنيف ذلك الكتاب غاية الإحسان، روى عن جده ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني وغيرهما، روى عنه أبو محمد إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعي أهـ. وليس في هذا كبير فائدة من ناحية ترجمة أبي الوليد الأزرقي؛ لأن في إمكان كل من نظر في كتابه "أخبار مكة" أن يتحصل على مشايخه وعلى من روى ذلك الكتاب عنه؛ لأن جميع ذلك موجود في أخبار مكة، ومجرد كلمة روى فلان عن فلان، وروى عنه فلان، وأخرج له فلان: لا يروي الغلة، ولا يشفي العلة، كما بينها الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة كتابه: "تهذيب التهذيب".
وأما ثناء السمعاني على كتاب "أخبار مكة" فلا يوصله إلى درجة تقديم ما فيه على ما في مصنفات الإمامين الشهيرين: عبدالرزاق وابن أبي حاتم.
ثم بعد ابن السمعاني الإمام النووي قال في الكلام على حجر إسماعيل عليه السلام: قد وصفه الإمام أبوالوليد الأزرق في "تاريخ مكة" فأحسن وأجاد. وقد بحثنا عن قول النووي هذا فوجدناه يعتقد في مؤرخ مكة أنه هو جده الإمام أحمد بن محمد ابن الوليد الأزرقي، بدليل قوله في "المجموع" ج7 ص464 بعد ذكر حدود الحرم: هكذا ذكر هذه الحدود أبوالوليد الأزرقي( ) في كتاب مكة، وأبوالوليد هذا أحد أصحاب الشافعي الآخذين عنه الذين رووا عنه الحديث والفقه. وقد نبه العلامة الفاسي في "العقد الثمين" على وهم الإمام النووي في هذا، قال: وهم النووي في قوله في "شرح المهذب" بعد أن ذكر في حدود الحرم نقلا عن "أبي الوليد الأزرقي" هذا: أنه أخذ عن الشافعي وصحبه وروي عنه، وإنما كان ذلك وهمًا لأمرين. أحدهما أن الذين صنفوا في طبقات الفقهاء الشافعية لم يذكروا في أصحاب الشافعي إلا أحمد بن محمد بن الوليد جد أبي الوليد هذا. والأمر الثاني أو أن أبا الوليد هذا روى عن الإمام الشافعي لأخرج عنه في تاريخه، لما له من الجلالة والعظمة كما أخرج عن جده وابن أبي عمر العدني وإبراهيم بن محمد الشافعي ابن عم الإمام الشافعي. ثم قال الفاسي: والسبب الذي أوقع النووي في هذا الوهم أن أحمد الأزرقي جد أبي الوليد هذا يكنى بأبي الوليد فظنه النووي هو، والله أعلم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكلام النووي فإنه ممن يعتمد عليه، وهذا مما لا ريب فيه. أهـ المراد من كلام الفاسي.
وأما تأريخ وفاة مؤرخ مكة الأزرقي فقد بيض السمعاني في الأنساب لما بعد المائتين منها، وتعرض لتاريخ وفاته بعده محمد بن عمر بن عزم التونسي، وصاحب كشف الظنون، وصاحب هداية العارفين؛ لكن أخطأوا فيها، وبيان ذلك فيما يلي:
أما محمد بن عمرو بن عزم فيقول في "دستور الأعلام بمعارف الأعلام": الأزرقي إلى جده الأزرق صاحب "تاريخ مكة" محمد ابن عبدالله بن أحمد سنة مائتين وأربع، وجده أحمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق بن عمر بن الحارث بن أبي شمر الغساني المكي، روى عن سفيان بن عيينة وداود بن عبدالرحمن العطار، وروى عنه حفيده سنة مائتين واثنى عشر. أهـ. وهذا غير صحيح: لا من ناحية الجد، ولا من ناحية الحفيد. أما الجد فلأنه حدث بواقعة بعد تاريخ مائتين واثنى عشر، ففي الجزء الأول من تاريخ الحفيد ص194 ما نصه: قال أبو الوليد: قال قال جدي: أول من أثقب النفاطات بين الصفا والمروة في ليالي الحج وبين المأزمين – ماء زمي عرفة – أمير المؤمنين إسحاق المعتصم بالله طاهر بن عبدالله ابن طاهر سنة تسع عشرة ومائتين فجرى ذلك إلى اليوم( ) أهـ. وأما الحفيد مؤرخ مكة فقد وجدناه حدث بحادث سنة ثلاث وأربعين ومائتين، ففي الجزء الأول من تاريخه ص171 ما نصه: قال أبوالوليد: أمر أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله بإذالة( ) القميص القباطي حتى بلغ الشاذروان الذي تحت الكعبة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين. أهـ.
وأما صاحب "كشف الظنون" فقد قال في الكلام على تواريخ مسكة: الإمام أبوالوليد محمد بن عبدالكريم المتوفي سنة ثلاث وعشرين مائتين. أهـ. وهذا غلط في اسم والد مؤرخ مكة؛ فإن اسمه عبدالله، لا عبدالكريم، وغلط في تأريخ وفاته، لما تقدم في الرد على التونسي.
وقد تبع صاحب "كشف الظنون" في الغلط التأريخي إسماعيل في "هداية العارفين". وتنبه الكناني لغلط صاحب "كشف الظنون" في تأريخ وفاة أبي الوليد الأزرق: ذكر عنه في الرسالة المستطرفة أنه أرخ وفاته بسنة ثلاث وعشرين ومائتين، ثم قال: لكن جده – أي جد أبي الوليد – أحمد المذكور ذكر في "التقريب" أنه توفي سنة سبع عشرة، وقيل إثنتين وعشرين ومائتين. فيبعد عليه أن يكون حفيده مؤرخ مكة توفي في السنة المذكورة، أو لا يصح ذلك بالكلية ولم يذكر الكناني من ناحية الأزرقي شيئًا يجدي.
لماذا أخر عمر بن الخطاب المقام
علل تأخير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه المقام بأربعة أشياء، نذكرها مع الكلام عليها:
1- خشية عمر لما كثر الناس أن يطئوه بأقدامهم، لما رواه الفاكهي كما في "شفاء الغرام" ج1 ص307 قال: حدثنا الزبير ابن أبي بكر، قال حدثنا يحيى بن محمد بن ثوبان، عن سليم، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنه قال: كان المقام في وجه الكعبة، وإنما قام إبراهيم عليه حين ارتفع البيت فأراد أن يشرف على البناء، قال: فلما كثر الناس خشي عمر بن الخطاب أن يطئوه بأقدامهم فأخره إلى موضعه الذي هو به اليوم حذاء موضعه الذي كان قدام الكعبة. أهـ.
وهذا في سنده سليم بن مسلم الراوي عن ابن جريج، وقد تقدم أنه جهمي خبيث متروك الحديث.
2- مما علل تأخير عمر بن الخطاب رضي الله عنه مقام إبراهيم عليه السلام عن موضعه الأول رده إلى الموضع الذي كان فيه في عهد النبوة. وقد بينا فيما تقدم أن صريح ما يستند إليه هذا التعليل غير صحيح، وغير الصريح يفسره ما تقدم عن سفيان بن عيينة، أنه قال: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه، فإن هذا يدل على أن عمر إنما رده إلى الموضع الذي وضعه فيه أول مرة.
3- مما علل به تأخير عمر بن الخطاب رضي الله عنه المقام رده إلى موضعه في عهد إبراهيم الخليل عليه السلام، لما في رواية المدونة المتقدمة بلفظ: فلما ولي عمر أخرج أخيوطة كانت في خزانة الكعبة قد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت إذ قدموه مخافة السيل، فقاسه عمر فأخرجه إلى موضعه اليوم، فهذا موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وعلى عهد إبراهيم. أهـ.
وهذا تعارضه رواية الفاكهي عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في سياق قصة بناء البيت بلفظ: فلما بلغ – أي إبراهيم عليه السلام – الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقًا بالبيت( ). كما يعارضه ما ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ج8 ص137 فلي باب (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) من كتاب التفسير قال: كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر رضي الله عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبدالرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عصاء وغيره، وعن مجاهد أيضًا. أهـ. فهاتان الروايتان هما المانعتان من قبول ما في رواية المدونة( ).
ولا يقال. إن رواية المدونة تتأيد برواية ابن الجوزي في "تأريخ عمر بن الخطاب" في باب ذكر ما خص به في ولايته مما لم يسبق إليه عن عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: كان مقام إبراهيم لاصقًا بالكعبة حتى كان زمن عمر بن الخطاب، فقال عمر: إني لأعلم ما كان موضعه هنا ولكن قريش خافت عليه من السيل فوضعته هذا الموضع، فلو أني أعلم موضعه الأول لأعدته فيه، فقال رجل من آل عايذ بن عبدالله بن عمر بن مخزوم. أنا والله يا أمير المؤمنين أعلم موضعه الأول، كنت لما حولته قريش أخذت قدر موضعه الأول بحبل وضعت طرفه عند ركن البيت الأول أو الركن أو الباب، ثم عقدت في وسطه عند موضع المقام، فعندي ذلك الحيل، فدعا عمر بالحبل فقدروا به، فلما عرفوا موضعه الأول أعاده عمر فيه، قال عمر. إن الله عز وجل يقول: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).
فإن هذه الرواية يمنع من اعتبارها أن ابن الجوزي لم يذكر سندها إلى عبدالرحمن بن أبي الزناد، وما في عبدالرحمن بن أبي الزناد من المقال، ففي "الجرح والتعديل": حدثنا عبدالرحمن، حدثنا محمد بن إبراهيم، قال سمعت عمرو بن علي، قال: كان عبدالرحمن حدثنا صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: عبدالرحمن بن أبي الزناد؟ قال: مضطرب الحديث. حدثنا عبدالرحمن قريء على العباس بن محمد النوري، عن يحيى بن معين أنه قال: عبدالرحمن بن أبي الزناد دون الدراوردي لا يحتج بحديثه. حدثنا عبدالرحمن، سئل أبي: عبدالرحمن بن أبي الزناد؟ فقال: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو أحب إلي من عبدالرحمن بن أبي الرجال ومن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم. حدثنا عبدالرحمن، قال: سألت أبا زرعة عن عبدالرحمن بن أبي الزناد، وورقاء، والمغيرة ابن عبدالرحمن، وشعيب بن أبي حمزة: من أحب إليك ممن يروى عن أبي الزناد؟ قال: كلهم أحب إلي من عبدالرحمن بن أبي الزناد. أهـ. ما في "الجرح والتعديل". وقال النسائي في "الضعفاء والمتروكين": عبدالرحمن بن أبي الزناد ضعيف. أهـ. وفي كتاب "المجروحين" لابن حبان في ترجمة عبدالرحمن بن أبي الزناد: أنه كان ممن ينفرد بالمقلوبات عن الأثبات، قال: وكان ذلك من سوء حفظه وكثرة خطئه فلا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد. وفي "الميزان": أن من مناكيره حديث "من كان له شعر فليكرمه" وحديث "الهرة من متاع البيت".
ومما يمنع اعتبار رواية ابن أبي الزناد المذكورة ما روى عبدالرزاق، عن معمر، عن حميد، عن مجاهد، قال: كان المقام إلى جنب البيت، وكانوا يخافون عليه عافية السيول، وكانوا يطوفون خلفه، فقال عمر للمطلب بن أبي وداعة السهمي: هل تدري أين كان موضعه الأول. قال: نعم. قدرت ما بينه وبين الحجر الأسود، وما بينه وبين الباب. وما بينه وبين زمزم، وما بينه وبين الركن عند الحجر. قال تأتي بمقداره، فجاء بمقداره فوضعه موضعه الأول. أهـ.
فإن في هذه الرواية أن الذي دل عمر بن الخطاب على موضعه الأول سهمي لا مخزومي، وهذا أشهر من رواية ابن الجوزي عن ابن أبي الزناد.
4- مما علل به تأخير عمر المقام مخافة التشويش على الطائفين قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة – أي سنة ثمانية عشر – في ذي الحجة منها حول عمر منها المقام، وكان ملصقًا بجدار الكعبة، فأخره إلى حيث هو الآن، لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين. نقله عن الواقدي وغيره الحافظ ابن كثير في الجزء السابع من تاريخه "البداية والنهاية" ص93. ثم قال الحافظ ابن كثير: قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنة. أهـ. وإلى هذه العلة مال الحافظان: ابن كثير في التأريخ. وابن حجر في "فتح الباري" في كتاب التفسير، قال ابن كثير في التاريخ المذكور ج1 ص164: قد كان هذا الحجر.. أي مقام إبراهيم عليه السلام – ملصقًا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخره عن البيت قليلاً لئلا يشغل المصلون عنده الطائفين بمبيت. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ج8 ص137: كان عمر رأى أن إبقاءه – أي مقام إبراهيم عليه السلام – يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين، فوضع في مكان يرتفع به الحرج. أهـ.
حكم تأخير المقام اليوم نظراً للحرج
أثبتنا فيما تقدم أن مقام إبراهيم عليه السلام كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر الصديق وبعض خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سقع البيت، ثم أخره عمر أول مرة مخافة التشويش على الطائفين، ورده المرة الثانية حين حمله السيل إلى ذلك الموضع الذي وضعه فيه أول مرة. ومادام الأمر كذلك، فلا مانع من تأخير المقام اليوم عن ذلك الموضع إلى موضع آخر في المسجد الحرام يحاذيه ويقرب منه. نظرًا إلى ما ترتب اليوم على استمراره في ذلك الموضع من حرج أشد على الطائفين من مجرد التشويش عليهم الذي حمل ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أن يؤخره عن الموضع الذي كان فيه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وصدر خلافة عمر. وبتأخيره نظرًا لما ذكرنا نكون مقتدين بعمر بن الخطاب المأمور بالاقتداء به ونرفع الحرج من ناحية أخرى عن الأمة المحمدية التي دلت النصوص القطعية على رفع الحرج عنها، قال الشاطبي في "الموافقات": إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع. كقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ( ) وسائر ما يدل على هذا المعنى كقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ( ) وقوله: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) ( ) وقوله تعالى: (ما كان على النبي من حرج في ما فرض الله له) ( ) وقوله: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)( ) قال الشاطبي: وقد سمي هذا الدين الحنيفية السمحة لما فيه من التسهيل والتيسير، وأطال الشاطبي في ذلك، وذكر أن قصد الشارع من مشروعية الرخص رفع الحرج عن الأمة. وقال السيوطي في "الأكليل": قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) هو أصل القاعدة: المشقة تجلب التيسير. وقال أبوبكر ابن العربي في "أحكام القرآن" في تفسير الآية الكريمة (وما جعل عليكم في الدين من حرج) قال: كانت الشدائد والعزائم في الأمم فأعطى الله هذه الأمة من المسامحة واللين ما لم يعط أحد قبلها. وقال عبدالرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر. عن قتادة في قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) قال من ضيق، وقال: أعطيت هذه الأمة ثلاثًا لم يعطها إلا نبي: كان يقال للنبي اذهب فليس عليك حرج، وقد قال الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ويقال للنبي. أنت شهيد على قومك، وقال الله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس) ( ) ويقال للنبي: سل تعط، وقال الله تعالى: (أدعوني أستجب لكم).أهـ.
وفي كلام الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ما يدل على أن تأخير عمر بن الخطاب المقام عن موضعه الأول إلى موضعه اليوم من قبيل رفع الحرج عن الأمة، ونصه (ج8 ص137): كان عمر رأى أن إبقاءه – أي مقام إبراهيم عليه السلام – في الموضع الأول يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين، فوضع في مكان يرتفع به الحرج. أهـ.
ومثل نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن المقام إلى رفع الحرج نظره إليه أيضًا في شأن المطاف حينما كثر الناس فوسعه وتبعه في ذلك عثمان، ففي "الأحكام السلطانية" للماوردي ما نصه: كان أي المسجد الحرام فناء حول الكعبة للطائفين، ولم يكن له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه جدار يحيط به، فلما استخلف عمر رضي الله عنه وكثر الناس وسع المسجد، واشترى دورًا هدمها وزادها فيه، وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا، ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد ذلك، واتخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه، وكان عمر رضي الله عنه أول من اتخذ جدارًا للمسجد، فلما استخلف عثمان رضي الله عنه ابتاع منازل فوسع بها المسجد، وأخذ منازل قوم ووضع لهم أثمانها، فضجوا منه عند البيت، فقال إنما جرأكم على حلمي عنكم، فقد فعل بكم عمر رضي الله عنه هذا فأقررتم ورضيتم، ثم أمر بهم إلى الحبس حتى كلمه فيهم عبدالله بن خالد بن أسد فخلى سبيلهم، وبنى للمسجد الأروقة. فكان عثمان رضي الله عنه أول من اتخذ للمسجد الأورقة. أهـ. المراد من كلام الماوردي في الأحكام السلطانية. وهو آخر البحث. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.
(الختم)
(وطبعت هذه الفتوى مع نصيحة الإخوان في مكة دار الثقافة للطباعة والزنكوغراف)
نصيحة الاخوان
ببيان بعض ما في نقض المبان لابن حمدان من الخبط والخلط والجهل والبهتان
تأليف
صاحب السماحة مفتي الديار السعودية
الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: - فإني لما اطلعت على تعقيب الشيخ سليمان بن حمدان على رسالة الشيخ عبدالرحمن المعلمي في موضوع نقل المقام وجدت في ذلك التعقيب مما لا يليق ما يلي: -
1- تأسيس بحثه على أسس غير متينة: كدعواه أن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد إبراهيم الخليل عليه السلام ولم يزل فيه إلى أن جعلته قريش في سقع البيت مخافة السيل، ودعواه اتفاق الروايات على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من أخر المقام عن سقع البيت يوم الفتح إلى الموضع الذي هو فيه اليوم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل ركعتي الطواف خلف المقام قبل حجة الوداع، وأن من السلف من فسر المقام بالبقعة التي خلف المقام في موضعه اليوم، وبنى على ذلك أنه لو انتقل المقام تعينت الصلاة خلفه في الموضع الأول لا في الموضع الأخير، وأن تقديم الطائفين في آيتي تطهير البيت ليس للأهمية.
2- مهاجمته الروايات التي لا تؤيد أساسًا من هذه الأسس التي سلكها: تارة بالطعن في رواتها ومصححيها من الأئمة( ). وتارة بحملها على غير محملها، وتارة بدعوى الشذوذ فيها.
3- ترفيع الأزرقي – أبي الوليد مؤرخ مكة – على إمامي المغازي والسير محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر الواقدي.
4- دعوى أن كلمة "المفتى الأكير" عند الإطلاق لا تنصرف إلا إلى الله عز وجل، ففي إطلاقها على المخلوق منازعة الرب في الأكبرية.
5- محاولته تضليل المعلمي وإخراجه عن دين الإسلام بدعاوي لم نجد لها مبررًا في كلام المعلمي، وإلزامات لا تستلزمها عبارات المعلمي ولا يرتضيها. لهذا كله أرشدت الشيخ سليمان بن حمدان إلى أن لا ينشر تعقيبه مادام بهذا الوضع. فلم يكن منه بدل قبول إرشادي إلا أن بادر إلى طبعه وتوزيعه دون أن يغير شيئًا مما ذكرناه.
وبناء على ذلك رأيت من الواجب أن أقو بكتابة رد على تعقيبه مرتب على تسعة فصول: الفصل الأول – فيما طعن في رواته ومصححيه من الروايات، والجواب عنه. الفصل الثاني – فيما حمله من الروايات على غير محمله، والجواب عنه. الفصل الثالث – في فيما ادعى فيه الشذوذ من الروايات، وتزييف دعواه. الفصل الرابع فيما عزاه إلى بعض السلف الصالح في تفسير المقام، والجواب عنه.
الفصل الخامس – في رد دعواه اتفاق الروايات على أن أول من حول المقام عن سقع البيت النبي صلى الله عليه وسلم.
الفصل السادس – في رد كلامه في آيتي تطهير البيت.
الفصل السابع – في الرد على ترفيعه الأزرقي على ابن إسحاق والواقدي.
الفصل الثامن – في ذكر كلامه حول لفظة "المفتي الأكبر" والرد عليه.
الفصل التاسع – في ذكر دعاواه الشنيعة حول المعلمي، والجواب عنها. ولم يحملني على كتابة هذا الرد إلا إحقاق الحق وإبطال الباطل، وهذا أوان الشروع في المقصود. فأقول وبالله التوفيق:
فصل: في ما طعن في رواته
من الروايات، والجواب عنه
سلك صاحب النقض مسلك الطعن فيمن روى أو صحح ما يخالف رأيه في المقام، وقع ذلك منه في عدة روايات نذكرها مع الإجابة عنها.
أولها: رواية الإمام الشهير عبدالرزاق عن ابن جريج، قال حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قالوا: أول من نقله – أي المقام – عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال صاحب النقض ص: 114 أنكره – أي هذا الحديث – ابن جريج راويه بقوله: سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من رفع المقام، كما جاء مصرحًا به في رواية ابن أبي عروبة من طريق عبدالرزاق نفسه، فاختصر ذلك عبدالرزاق في مصنفه بعد اختلاطه بحذف "يزعمون"، وهو تصرف يحيل المعنى، فلا تجوز رواية ذلك عن ابن جريج. إلا مقرونة بإنكاره، لأن الزعم قول يكون مظنة الكذب). وقال في نفس الصفحة: (فأما قول عطاء ومن وافقه على رأيه فلم يستند فيه إلى دليل؛ بل هو مجرد رأي، والرأي لا يعد علمًا، ولا يدخل في حده، لأن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل. والرأي ليس من ذلك، فلا يصلح أن يكون حجة).
هكذا قال صاحب النقض. ولا يخفى ما في عبارته من التحامل على عطاء وغيره من مشائخ ابن جريج، وعلى عبدالرزاق. والجواب عما ذكره من وجوه:
"أولها": أن قول ابن جريج في الرواية التي ذكرها صاحب النقض: (يزعمون) لا يعني به ابن جريج اتهام عطاء وغيره من مشائخه بالكذب كما توهمه صاحب النقض حاشاه من ذلك، وإنما ذلك من استعمال الزعم في القول المحقق، وهو كثير في الأحاديث. من أمثلته ما روى البخاري في صحيحه في "باب إذا حرم طعامًا، وقوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) قال البخاري: حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زبيب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً" الحديث في سبب نزول الآية المذكورة، وقد ذكر الحافظ في "الفتح" في كلامه على هذا الحديث: أن أهل الحجاز يطلقون الزعم بمعنى القول.
ومع هذا فمشائخ ابن جريج من التابعين الذين نقل صاحب النقض في نقضه ص41 عن ابن القيم أن الكذب لم يكن معروفًا فيهم، فلا ندري كيف ينقل ذلك هناك عن ابن القيم، ثم يستجيز هنا أن مشائخ ابن جريج من التابعين كذبوا وتبرأ منهم ابن جريج، لا لشيء سوى أنهم رووا ما يخالف رأيه في المقام. وممن سبق العلامة ابن القيم إلى ما نقله صاحب النقض عنه من تبرئة التابعين من الكذب الإمام عبدالرحمن بن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل" قال ص9: "أنا محمد بن يحيى، أنا العباس بن الوليد النرسي، نايزيد ابن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة في قوله عز وجل: (والذين اتبعوهم بإحسان) ( ): التابعين، فصاروا برضوان الله عز وجل لهم وجميل ما أثنى عليهم بالمنزلة التي نزههم الله بها عن أن يلحقهم مغمز أو تدركهم وصمة؛ لتيقظهم وتحرزهم وتثبتهم، ولأنهم البررة الأتقياء الذين ندبهم الله عز وجل لإثبات دينه وإقامة سنته وسبله، فلم يكن لاشتغالنا بالتمييز بينهم معنى، إذ كنا لا نجد منهم إلا إمامًا مبرزًا مقدمًا في الفضل والعلم ووعي السنن وإثباتها، ولزوم الطريقة واحتبائها، رحمة الله ومغفرته عليهم أجمعين؛ إلا ما كان ممن ألحق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس يلحقهم، ولا هو في مثل حالهم لا في فقه ولا علم ولا حفظ ولا إتقان ولا ثبت ممن قد ذكرنا حالهم وأوصافهم ومعانيهم في مواضع من كتابنا هذا، فاكتفينا بها وبشرحها في الأبواب مستغنية عن إعادة ذكرها مجملة أو مفسرة. في هذا المكان. أهـ.
"الثاني": - أن رواية (قالوا) التي اعتبرها صاحب النقض تصرفًا محرمًا محيلا للمعنى واختصارًا من عبدالرزاق ليست إلا تفسيرًا للرواية الأخرى "يزعمون" وقد اعتمد الحافظ ابن كثير في تفسيره على رواية قالوا، وعزاها إلى عبدالرزاق، فلا وجه لتحريم الرواية بها، كما أنه لا وجه للتشكيك في روايات الإمام الشهير عبدالرزاق، فإن ذلك ليس بسهل عند المحدثين، وفيه يقول الحافظ الذهبي في الميزان في "ترجمة علي بن المديني": لو ترك حديث علي وصاحبه محمد وشيخه عبدالرزاق وعثمان بن أبي شيبة وإبراهيم بن سعد وعفان وأبان العطار وإسرائيل وأزهر السمان وبهز بن أسد وثابت البناني وجرير بن عبدالحميد لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الأثار، واستولت الزنادقة ولخرج الدجالون. أهـ كلام الذهبي.
"الثالث": - أن رواية "يزعمون" التي توهم صاحب النقض أنها ليست في مصنف عبدالرزاق – موجودة في المصنف، ولفظ المصنف هكذا: عبدالرزاق، عن ابن جريج، قال سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من رفع المقام فوضعه موضعه الآن، وإنما كان قي قُبُل الكعبة. أهـ.
"الرابع": - أن ما ذكره عطاء في شأن المقام ليس من قبيل الرأي؛ بل هو من الأخبار عن الأمور التي لا مجال للرأي فيها( ) ولاشك أن اعتماده فيما ذكره من ذلك على النقل، وقد سمع كما في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم من أم المؤمنين عائشة( ) التي روي عنها البيهقي بسند صحيح أنها قالت: إن المقام كان زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فمن الجائز أن يكون تلقى ما ذكره عن عائشة مادام أدركها وسمع منها؛ بل لو سلكنا مسلك صاحب النقض في رواية الأزرق عن ابن أبي مليكة حيث زعم أن مضمونها تلقاه ابن أبي ملكية عن ثلاثين صحابيًا الذين أدركهم لقلنا بأن عطاء أخذ ذلك عن مائتين من الصحابة الذين ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" أنه سمع منهم. وعلى كل حال فكلام صاحب النقض في عطاء لا يؤثر في مكانته المعروفة عن أئمة العلم، فقد روى ابن سعد في "طبقاته" قال: أخبرنا أحمد بن عبدالله بن يونس، قال: أخبرنا أبوشهاب، عن ليث، عن عبدالرحمن، قال: والله ما أرى إيمان أهل الأرض يعدل إيمان أبي بكر، وما أرى إيمان أهل مكة يعدل إيمان عطاء، قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال حدثنا سفيان، عن سلمة، قال: ما رأيت أحدًا يريد بهذا العلم وجه الله غير هؤلاء الثلاثة: عطاء، وطاووس، ومجاهد. قال أخبرنا علي بن عبدالله بن جعفر، قال حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية قال: كان عطاء يتكلم، فإذا سئل عن المسألة كأنما يؤيد. رواه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" بزيادة: يعني أن الله عز وجل يؤيده ويلهمه الصواب. وأكبر من هذا ما رواه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن أبي زرعة، ناقبيصة، ناسفيان، عن عمر بن سعيد، عن أمه، قالت: قدم ابن عمر مكة فسألوه، فقال ابن عمر: تجمعون لي المسائل وفيكم ابن أبي رياح. وذكر الحافظ في "تهذيب التهذيب" نحو هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
"الرواية الثانية" من الروايات التي تعرض صاحب النقض لرواتها بالطعن رواية "المدونة" و "الطراز" عن مالك، المتضمنة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ولي وحج ودخل مكة أخر المقام إلى موضعه الذي هو فيه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه وقبل ذلك، وكان قدموه في الجاهلية مخافة السيل فأخرجه إلى موضعه اليوم. كانت هذه الرواية مخالفة لدعوى صاحب النقض أن موضع المقام اليوم هو موضعه في عهد النبوة، فحمله ذلك على أن يقول ص35-36: (هذا الذي قاله – أي مالك – بناءٌ منه على استصحاب الحال الذي كان عليه المقام تحت البيت بوضع أهل الجاهلية، وكأنه لم يبلغه تحويل النبي صلى الله عليه وسلم للمقام من تحت البيت إلى موضعه الذي هو فيه الآن، فظن أنه مازال تحت البيت إلى أن رده عمر رضي الله عنه، ولم يبلغه أيضًا رد عمر للمقام لما حمله السيل على وجهه، فظن أن المقاط الذي أتى به المطلب وقيس به موضعه خيوط قديمة قيس بها موضعه حين حوله تحت البيت. هذا الذي يتعين حمل كلامه عليه) هذا نص نقض المباني. وفيه من نسبة التساهل إلى مالك ما لا يخفى. والذي أوجب صاحب نقض المباني حمل الرواية المذكورة عليه من أنه ظن من مالك لا تعطيه عبارتا "المدونة" و "الطراز" اللتان استند إليهما؛ فإنهما صريحتان في أن ما ذكره مالك من قبيل روايته عن غيره، لا من قبيل ظنه. وإليك عبارتيهما: قال سحنون في "المدونة" ج2 ص211 قال: - أي ان القاسم –. (وقال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب لما ولي وحج ودخل مكة أخر المقام إلى موضعه الذي هو فيه اليوم، وقد كان ملصقًا بالبيت في عند النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وقبل ذلك، وكان قدموه في الجاهلية مخافة أن يذهب به السيل، فلما ولي عمر أخرج أخيوطة كانت في خزانة الكعبة قد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت إذ قدموه مخافة السيل، فقاسه عمر فأخرجه إلى موضعه اليوم، فهذا موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وعلى عهد إبراهيم( ) أهـ.
وقال الفقيه سند بن عنان المالكي في كتابه المترجم "بالطراز": وروى أشهب، عن مالك، قال: سمعت من يقول من أهل العلم: إن إبراهيم عليه السلام أقام المقام وقد كان ملصقًا بالبيت في عهد النبي صلى الله عليه وسيلم وأبي بكر رضي الله عنه وقبل ذلك، وإنما ألصق إليه لمكان السيل مخافة أن يذهب به. فلما ولي عمر – أي ابن الخطاب رضي الله عنه – أخرج خيوطًا كانت في خزانة الكعبة – وقد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت في الجاهلية إذ قدموه مخافة السيل، فقاسه عمر وأخوه إلى موضعه إلى اليوم. فقول مالك في رواية "المدونة": (بلغني) وقوله في رواية الطراز: (سمعت من التصاق المقام بالبيت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقياس عمر ما بين البيت وما بين المقام بالأخيوطة التي كانت في خزانة الكعبة) كل ذلك مما رواه مالك عن غيره؛ لم يتكلم فيه بالظن، وشأن مالك أرفع من أن يتكلم في أمر وقع قبل أن يخلق بظنه، فإن ذلك محض الكذب الذي لا ينسبه إلى مالك إلا من لا يعرف مكانته.
"الرواية الثالثة": من الروايات التي تعرض صاحب النقض لمن رواها وصححها بالطعن رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني، قال قال سفيان: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه. وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا. أهـ. حاول صاحب النقض ص111 إسقاط الاستدلال بهذا الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم في تفسيره الذي التزم فيه أصح الأحاديث، وصححه الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري". وبرر صاحب النقض مخالفته لهما بأمرين مما يرجع إلى السند: أحدهما أن هذا الحديث مما حدث به سفيان ابن عيينة بعد اختلاطه. الثاني: تجويز كون هذا الحديث هو الحديث الموضوع الذي قال أبوحاتم رآه عبد العدني حدث به عن ابن عيينة، وصرح صاحب النقض بأن نسبة هذا الحديث إلى سفيان لا تصح. ولا يخفى ما في كلامه هذا من قلة المبالاة بتصحيح ابن أبي حاتم، وابن حجر العسقلاني، والتحامل على سفيان بن عيينة. والجواب عما ذكر بما يلي: -
أما دعوى اختلاط "سفيان بن عيينة": فمستندها ما رواه محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي، عن يحيى بن سعيد القطان، قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء. وهذا المستند استبعده الذهبي في "الميزان" وعده غلطًا من ابن عمار، معللاً ذلك بأن القطان مات في صفر سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج ووقت تحدثهم عن أخبار الحجاز. قال: فمتى تمكن يحيى بن سعيد من أن يسمع اختلاط سفيان ثم يشهد عليه بذلك والموت قد نزل به، ثم قال الذهبي: فلعله بلغه ذلك في أثناء سنة سبع؛ مع أن يحيى متعنت في الرجال جدًا، وسفيان ثقة مطلقًا. قال: ويغلب على ظني أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع.. ووافق الذهبي على استبعاد رواية ابن عمار الحافظ العراقي في "التقييد والإيضاح" و"طرح التشريب". وصحح رواية ابن عيينة المذكورة الحافظ ابن حجر في تفسيره الذي التزم فيه الأصح.
وأما قول صاحب النقض: (لعل الحديث الموضوع الذي رآه أبوحاتم عند العدني هو هذا) أي حديث المقام، فيرده أنه ليس من المعقول أن يعبر أبوحاتم العدلي برؤية حديث موضوع( ) عنده ثم يرتضي روايته عنه بعد ذلك، ويرويه عنه ابنه في تفسيره الذي اشترط فيه أن لا يورد إلا أصح الأخبار إسنادًا وأشبهها متنًا، وتصحيح الحافظ ابن حجر من أئمة المتأخرين مما يشهد ببطلان هذه الدعوى أيضًا.
وأما نفي صاحب النقض صحة هذا الحديث عن سفيان. فمن غرائبه؛ إذ لازم كلامه أن رواة هذا الحديث تحملوا مسئولية اختلاق هذا الحديث، وجاملهم من صححه من الحافظ( ) ولا ينبغي لصاحب النقض أن يتهم ابن أبي حاتم وأباه أباحتم وابن حجر العسقلاني بهذه التهمة التي لا تليق بمكانتهم.
"الرواية الرابعة" – من الروايات التي تعرض صاحب النقض لرواتها بالطعن – رواية النسائي في سننه، قال النسائي: أخبرنا حاجب ابن سليمان المنيجي، عن ابن أبي رواد، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء: عن أسامة بن زيد، قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فسبح في نواحيها وكبر ولم يصل ثم خرج فصلى خلف المقام ركعتين". حاول صاحب النقض مراعاة لما قرره في نقضه من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل خلف المقام قبل حجة الوداع، حاول الطعن في النسائي بهذه الرواية، فقال ص136: (إن المعروف من مذهب أبي عبدالرحمن النسائي أنه يخرج عن كل من لم يجمع على تركه وإن كان مجروحًا. وادعى صاحب النقض أن رواية النسائي هذا الحديث من قبيل التساهل الذي حمل عليه المذهب المذكور؛ لأن في سنده حاجب بن سليمان وعبدالمجيد بن أبي رواد وكلاهما مطعون فيه. أما حاجب فيقول ص136، 137: قال الحافظ ابن حجر: قال الدارقطني في "العلل": لم يكن له كتاب وإنما كان يحدث من حفظه، وذكر له حديثًا وهم في متنه رواه عن وكيع، عن هشام، عن أبيه. عن عائشة "قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ" قال: والصواب عن وكيع بهذا الإسناد "كان يقبل وهو صائم". وقال مسلمة بن قاسم: روى عن عبدالمجيد بن أبي رواد أحاديث منكرة. وأما عبدالمجيد ابن أبي رواد فيقول ص137: قال – أي الحافظ – في "التقريب": صدوق، يخطيء، وكان مرجئًا، أفرط ابن حبان فقال متروك). هذا ما ذكره صاحب النقض من ناحية سند هذا الحديث، والجواب: عنه بما يلي:
أما ما ذكره عن أبي عبدالرحمن "النسائي" فليس القصد منه ما ظنه من أنه متساهل؛ بل القصد منه كما في "توضيح الأفكار" للصنعاني ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني، قال: إنما أراد بذلك – أي تحرجه عمن لم يجمع على تركه – إجماعًا خاصًا، وذلك أن كل طبقة من طبقات الرجال لا تخلو عن متشدد، ومتوسط. فمن الأولى، شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه. ومن الثانية يحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبدالرحمن، ومن الثالثة يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد
. ومن الرابعة أبوحاتم والبخاري، وأبوحاتم أشد من البخاري. فقال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى يجمع الجميع على تركه) ( ) ثم قال الحافظ ابن حجر: فإذا تقرر ذلك ظهر أن ما يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبوداود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه. أهـ.
وثناء أهل الحديث على النسائي كثير من ضمنه ما ذكره الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" قال: قال الحاكم: سمعت علي بن عمر الحافظ – يعني الدارقطني – غير مرة يقول: أبوعبدالرحمن – يعني النسائي – مقدم على كل من يذكر بهذا العلم في عصره، هو أعرفهم بالصحيح والسقيم، وأعلمهم بالرجال، قال: وقال الدارقطني: سمعت أباطالب الحافظ يقول: من يصبر على ما يصبر عليه أبوعبدالرحمن – يعني النسائي – كان عنده أحاديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث بها، وكان لا يرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة. وقال الدارقطني: كان أبوبكر الحداد الفقيه كثير الحديث. ولم يحدث عن أحد غير أبي عبدالرحمن النسائي فقط، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى. وقال ابن يونس: كان إمامًا في الحديث ثقة ثبتا حافظًا. وقال الصنعاني في "توضيح الأفكار": قال الذهبي في "النبلاء": هو – أي النسائي أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، وهو جابر في مضمار البخاري وأبي زرعة.
وأما ما نقله صاحب النقض عن الدارقطني حول "حاجب بن سليمان المنبجي" فقد تعقبه الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" في باب الوضوء في الكلام على الحديث الذي تكلم فيه الدارقطني، قال الزيلعي: لقائل أن يقول: هو تفرد ثقة، وتحديثه عن حفظه إن كان أوجب كثرة خطئه بحيث يجب ترك حديثه فلا يكون ثقة، ولكن النسائي وثقه. وإن لم يكن يوجب خروجه عن الثقة فلعله لم يهم. وكان نسبته إلى الوهم بسبب مخالفة الأكثرين له. وقال الزيلعي: حاجب لا يعرف فيه مطعن. وقد حدث عنه النسائي. ووثقه وقال في موضع آخر: لا بأس به. أهـ.
وقد عاب العلامة ابن القيم في "تهذيب سنن أبي داود" ج5 ص316 طريقة من يرى الرجل قد تكلم فيه بسبب حديث رواه وضعف من أجله فيجعل ذلك سببًا لتضعيف حديثه أين وجده. فيضعف من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بصحته. وقال ابن القيم في كلامه على ذلك: هذا باب قد اشتبه كثيرًا على غير النقاد. والصواب ما اعتمده أئمة الحديث ونقاده من تنقية حديث الرجل وتصحيحه. والاحتجاج به في موضع، وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر. وهذا فيما إذا تعددت شيوخ الرجل ظاهر كإسماعيل ابن عياش في غير الشاميين، وسفيان بن حسين في غير الزهري، ونظائرهما متعددة. وإنما النقد الخفي إذا كان شيخه واحدًا كحديث العلاء بن عبدالرحمن مثلا، عن أبيه عن أبي هريرة، فإن مسلمًا يصحح هذا الإسناد ويحتج بالعلاء، وأعرض عن حديثه في الصيام بعد انتصاف شعبان وهو من روايته وعلى شرطه في الظاهر، ولم ير إخراجه لكلام الناس في هذا الحديث. وتفرده وحده به. وهذا أيضًا كثير يعرفه من له عناية بعلم النقد ومعرفة العلل. وهذا إمام الحديث البخاري يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابع عليه، ويحتج به في صحيحه، ولا تناقض منه في ذلك. أهـ كلام ابن القيم. والغرض منه أنه لا يلزم من وهم الراوي في بعض ما رواه أن يحكم على جميع ما رواه بالوهم، وصاحب النقض قد ذكر مثل ذلك في ص83.
وأما قول مسلمة بن قاسم في حاجب: روى أحاديث منكرة. فلا يقتضي ترك روايته؛ لما ذكره السخاوي في "فتح المغيث" من أن كلمة روى فلان أحاديث منكرة لا تقتضي الترك. قال: كيف وقد قال أحمد في محمد بن إبراهيم التيمي: يروي أحاديث منكرة، وهو ممن اتفق عليه الشيخان. أهـ. قلت ولهذا نرى مسلمة بن قاسم الذي قال في حاجب: روى أحاديث منكرة. يقول بعد ذلك: وهو – أي حاجب – صالح يكتب حديثه. وقد حذف صاحب النقض هذه العبارة، واقتصر على ما يعتبره جرحًا في حاجب الذي وثقه الإمام النسائي( ) وأمانة العلم توجب خلاف هذا الصنيع.
وأما عبدالمجيد بن أبي رواد. ففي "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر العسقلاني من توثيق الأئمة له ما يغنينا عن التعلق بكلام من طعن فيه، فقد قال الحافظ: قال المروزي عن أحمد: كان مرجئًا قد كتبت عنه. قال المروذي: وكان أبو عبدالله يحدث عن المرجيء إذا لم يكن داعية ولا مخاصمًا. قال: وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل عن ابن معين: ثقة ليس به بأس. وقال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد: ذكر يحيى بن معين عبدالمجيد فذكر من نبله وهيبته، وكان صدوقًا، ما كان يرفع رأسه إلى السماء، وكانوا يعظمونه. وقال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، حدثنا عنه أحمد ويحيى بن معين. وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل": قريء على العباس بن محمد الدوري. قال سمعت يحيى بن معين يقول: ابن علية عرض كتب ابن جريج على عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد فأصلحها له، فقلت ليحيى ما كنت أظن أن عبدالمجيد كذا. قال يحيى: كان أعلم الناس بحديث ابن جريج، ولكن لم يكن يبذل نفسه للحديث. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: قريء على العباس. قال: سمعت يحيى بن معين وسئل عن عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد فقال: ثقة. وقال: أخبرنا عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إلي. قال: سئل يحيى بن معين وأنا أسمع: عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد. فقال: ثقة ليس به بأس. أهـ. قلت: وقد أكثر عمدة صاحب النقض الأزرقي في "تأريخ مكة" من الرواية عن عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد.
"الرواية الخامسة": من الروايات التي طعن صاحب النقض في رواتها رواية البيهقي في سننه، قال: أخبرنا أبوالحسن بن الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبوبكر أحمد بن كامل، حدثنا أبوإسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا أبوثابت، حدثنا الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن المقام كان زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه. هذا الحديث صححه ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى). وقوى الحافظ ابن حجر إسناده في "فتح الباري" في كتاب التفسير ج8 ص137. ورغم هذا كله زعم صاحب النقض ص136 أن هذا الحديث لم يصح عن عائشة، وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أن في إسناد البيهقي أحمد بن كامل وعبدالعزيز ابن محمد الدراوردي، يقول صاحب النقض في أحمد بن كامل: ذكروا أنه كان يعتمد على حفظه فيهم. وكان متساهلاً ربما حدث من حفظه بما ليس في كتابه. ويقول في الدراوردي: ذكروا أنه كان يحدث من كتاب غيره فيخطيء. الثاني: مما استند إليه في تضعيف هذا الحديث قول ابن أبي حاتم في "كتاب العلل": سمعت أبازرعة لا يرويه – أي حديث المقام المذكور – عن عائشة، إنما يرويه عن هشام، عن أبيه فقط. وجزم في ص118 بأن هذا الحديث إنما هو من كلام عروة.
والجواب عن ذلك بما يلي:
أما "أحمد بن كامل": فالذي تكلم فيه بما ذكره صاحب النقض الدارقطني؛ لا جميع المحدثين كما توهمه عبارة صاحب النقض، ولم يقبل ذلك من الدارقطني، ولذلك تعقبه الذهبي في كتابه "العبر في خبر من غبر" بقول الحسن بن زرقويه في أحمد بن كامل: لم تر عيناي مثله، وقال الذهبي في "الميزان" في ترجمة أحمد بن كامل: لينه الدارقطني، وقال: كان متساهلاً ومشاه غيره.
وأما "عبدالعزيز الدراوردي" فقد قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": أخبرنا أبوبكر بن أبي خيثمة فيما كتب إلي، قال سمعت يحيى بن معين يقول: عبدالعزيز الدراوردي صالح ليس به بأس. قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن عبدالعزيز بن محمد يعني الدراوردي؛ ويوسف بن الماجشون، فقال: عبدالعزيز بن محمد محدث، ويوسف شيخ. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا ابن أبي خيثمة فيما كتب إلي، قال: سمعت معصبًا الزبيري يقول: مالك بن أنس يوثق الدراوردي. أهـ. وقال الحافظ ابن التركماني في "الجوهر النقي" في باب النفر يصيبون الصيد ج1 ص351: الدراوردي احتج به الشيخان وبقية الجماعة. وقال ابن معين: ثقة حجة، وثقة القطان، وأبوحاتم وغيرهما. أهـ. وأما ما ذكره صاحب النقض عن علل ابن أبي حاتم. فلا يؤثر في رواية السلمي الحديث عن أبي ثابت عن الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ لأن كون أبي زرعة لم يسمع هذا الحديث إلا موقوفًا على عروة لا يمنع أن يسمعه السلمي مسندًا إلى عائشة كما وقع، وهو ثقة يجب قبول زيادته.
"الرواية السادسة": من الروايات التي تعرض صاحب النقض لرواتها بالطعن الرواية التي أشار إليها ابن كثير بقوله: وقد كان المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي يمنة الداخل من الباب. قال صاحب النقض ص104: كأنه – أي ابن كثير – يشير بقوله هذا إلى موضع الخلوق من إزار الكعبة. ثم قال صاحب النقض: (وإني لأعجب من قوله – أي ابن كثير: ومكانه معروف اليوم. من أين له معرفة أن ذلك الموضع الذي ذكره مكان المقام في عهد إبراهيم عليه السلام، وما دليله عليه، ولعله أخذ هذا عن بعض المؤرخين الذين ينقلون ما قيل من غير نظر في صحة القول من عدمها كابن جبير في أخبار رحلته) وصرح بعد ذلك بأن ما ذكره ابن كثير تخمين لا دليل عليه. إلى هذا الحد وصل تحامل صاحب النقض على الحافظ ابن كثير، وما ذكره حوله خلاف المعروف عنه من التحري في كتاباته. وقد شهد له الحافظ بالتحقيق والنقد. قال الحافظ الذهبي في المعجم المختص: وهو – أي ابن كثير – فقيه متقن ومحدث محقق ومفسر نقاد. وما ذكره ابن كثير في مكان المقام أنه كان إلى جانب الباب مما يلي يمنة الداخل من الباب رواه الإمام الحافظ سليمان بن سالم المشهور بالكلاعي في "كتاب الاكتفاء في مغازي المصطفى، والثلاثة الخلفاء". روى عن أبي الجهم أنه قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت. وأدخل الحجر في البيت جعل المقام لاصقًا بالبيت عن يمين الداخل. أهـ.
وأما موضع الخلوق من إزار الكعبة الذي استجاز صاحب النقض حمل كلام ابن كثير عليه. فقد نقل صاحب النقض في نقضه عن محمد بن سراقة العامري أنه موضع المقام قبل تحويله. قال صاحب النقض ص41 و ص42: ذكر الفقيه محمد بن سراقة العامري في كتاب "دلائل القبلة" في موضع المقام عند الكعبة: ومن الباب – يعني باب البيت إلى مصلى آدم عليه السلام حين فرغ من طوافه وأنزل الله عليه التوبة وهو موضع الخلوق من إزار الكعبة أرجح من تسعة أذرع، وهناك كان موضع مقام إبراهيم عليه السلام وصلى النبي صلى الله عليه وسلم عنده حين فرغ من طوافه ركعتين وأنزل الله عليه: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ثم نقله صلى الله عليه وسلم إلى الموضع الذي هو فيه الآن، وذلك إلى عشرين ذراعًا من الكعبة؛ لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه، أو يترك الناس الصلاة خلفه لأجل الطواف، ثم حمله السيل في أيام عمر وأخرجه من المسجد، فأمر عمر رضي الله عنه برده إلى موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. أهـ. ففي هذه العبارة وإن لم يمل صاحب النقض إلى ما فيها من جهة موضع المقام دلالة على أن ما ذكره ابن كثير ذكره محمد بن سراقة العامري الذي هو ممن اعتمد عليه صاحب النقض في أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من أخر المقام إلى موضعه اليوم – معرضًا عن الروايات الصحيحة المثبتة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول من أخره إلى ذلك الموضع.
"الرواية السابعة": من الروايات التي تعرض صاحب النقض لرواتها بالطعن رواية عبدالرزاق بلفظ: كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر رضي الله عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن. اعتبر صاحب النقض هذه الرواية من كلام الحافظ ابن حجر، فتعقبها بقوله ص103: (هذا قول لا دليل عليه، وإنما قاله – أي ابن حجر – تقليدًا لابن كثير). والذي أوقع صاحب النقض في هذا عدم تدبر عبارة "فتح الباري" إذ لو تدبرها لعلم أن ما ذكره الحافظ رواية لا رأي، ونصه ص137 ج8: كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر رضي الله عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن. أخرجه عبدالرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضًا، وأخرجه البيهقي عن عائشة بسند قوي، ولفظه: أن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر. ثم قال الحافظ: قد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة، قال: كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحوله عمر، فجاء سيل فذهب به، فرده عمر إليه. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بالبيت أم لا.
ومما تعرض صاحب النقض فيه للحافظ ابن حجر قوله تعقيبًا على ما في "فتح الباري" في بحث المقام بلفظ: (تهيأ له – أي لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه – ذلك – أي تأخير المقام عن موضعه الأول، لأنه الذي أشار باتخاذه مصلى، وأول من عمل المقصورة الموجودة الآن على المقام) قال صاحب النقض تعقيبًا على هذا ص158: (لا صحة لما ذكره ابن حجر في الفتح أن عمر أول من عمل المقصورة الموجودة الآن على المقام) وصرح في ص157 بأن هذا الكلام علو عن التحقيق.
أقول: قول الحافظ ابن حجر (وأول من عمل المقصورة الموجودة الآن على المقام) ليس معطوفًا على قوله (لأنه الذي أشار باتخاذه مصلى) كما توهمه صاحب النقض، فإن عطفه عليه يقتضي اعتباره تعليلا ثانيًا لتهييء تأخير المقام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. وبطلان ذلك واضح لمن له أدنى إلمام بالعلم، فضلا عن الإمام الحافظ ابن حجر؛ ولهذا تعين أن يكون قول الحافظ: (وأول من عمل المقصورة) ابتداء كلام بيض الحافظ لتكملته ولم يتيسر له ذلك ففي سلوك هذا المسلك غنية عن التحامل على إمام مثل الحافظ ابن حجر العسقلاني، وقد أشار المعلمي إلى ما ذكرناه حول هذه العبارة بإيجاز، ولو سلك صاحب النقض هذا المسلك كان أحسن من مسلكه.

عبدالرحمن الفقيه.
24-01-04, 04:56 AM
(فصل) في ذكر كلمة المفتي الأكبر والرد عليها( )
قال صاحب النقض ص188: وأما وصفه لفضيلة المفتي "بالأكبر" كما اعتاده بعض من لا علم عنده وجعله ديدنه في خطاباته لفضيلته، فهذا خطأ واضح، بل زلة كبرى، لأن المفتي الأكبر هو الله جل وعلا؛ لأن الفتوى هي بيان الحكم للسائل، والله سبحانه هو الذي شرع الأحكام وبينها لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد أخبر تعالى عن توليه لمنصب الفتوى في قوله: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب) ( ) وقال (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) ( ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في قصة السحر: "أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي"( ) وفتوى أهل العلم إنما هو مجرد التبليغ عنه لما أفتى به، والأخبار بأنه أمر بكذا ونهي عن كذا وأحل كذا وحرم كذا، والمفتي في الحقيقة هو الله عز وجل. وبما أن الوصف "بالأكبر" أفعل تفضيل مطلق يقتضي تفضيل الموصوف بالأكبرية على غيره، وهذا لا يليق إلا بالله، لأن هذا الوصف لا يصدق إلا عليه، ولا ينصرف عند الإطلاق إلا إليه، فإطلاقه على المخلوق تهجم على مقام الربوبية في الفتوى، ومنازعة له في الأكبرية. هذا نص نقض المباني حول كلمة "المفتي الأكبر".
وجوابنا عنه أن تقليب الشخص بلقب "المفتي الأكبر" ليس القصد منه التفضيل المطلق، ولا منازعة الرب في الأكبرية؛ بل القصد منه أنه مرجع غيره من المفتين الذين يعتبر مرجعًا لهم، كما أن تلقيب غير الرسول صلى الله عليه وسلم بلقب "الإمام الأعظم" ليس القصد منه التهجم على منصب الرسول الذي هو الإمام الأعظم، إنما القصد أنه أعظم بالنسبة إلى من هو أعظم منه( ). وقد أطلقت لفظة "المفتي الأعظم" قديمًا على بعض العلماء ففي كتاب "الاعلام بأعلام بيت الله الحرام" للقطب الحنفي إطلاق لقب المفتي الأعظم على أبي السعود، ففي ص26 منه ما نصه: أرسل – أي السلطان سليمان خان – إلى مفتي الإسلام، سلطان العلماء الأعلام، مولانا أبي السعود أفندي، المفتي الأعظم، يستفتيه عن حكم الله في هذه المسألة – أي مسألة تتعلق بإصلاح شيء من الكعبة – وكان هذا الإطلاق في زمن العلماء الأعلام أمثال الهيتمي والشيخ نور الدين علي بن إبراهيم وغيرهما، ولم يسمع أن أحدًا منهم اعتبر التلقيب بذلك اللقب "المفتي الأعظم" منازعة للربوبية، وذلك لمعرفتهم بالمقصود بهذه الكلمة ونظيراتها.
وأما إسناد الإفتاء بصيغة الفعل المقيد إلى الله تعالى في القرآن فلا يستلزم تسمية الله عز وجل باسم المفتي؛ فإن باب الأفعال أوسع من باب الأسماء، كما بينه العلامة ابن القيم في كتبه، قال في "مدارج السالكين" ج3 ص415 في الكلام على الواجد: أطلق الله على نفسه أفعالاً لم يتسم منها باسم الفاعل: كأراد، وشاء، وأحدث. ولم يسم بالمريد، و الشائي، والمحدث. كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. وقد أخطأ أقبح خطأ من اشتق له من كل فعل اسمًا وبلغ بأسمائه زيادة على الألف، فسماه الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد، ونحو ذلك. وكذلك باب الإخبار عنه بالإسم أوسع من تسميته به؛ فإنه يخبر عنه بأنه شيء وموجود ومذكور ومعلوم ومراد ولا يسمى بذلك. ومر ابن القيم في هذا البحث إلى أن قال: وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى. وقال في "سفر الهجرتين" بعد كلام طويل فيما لا يصح إطلاقه على الله عز وجل: من هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقها له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه أسماء مطلقًا فأدخله في أسمائه الحسنى، فاشتق له اسم الماكر، والخادع، والفاتن، والمضل، والكاتب، ونحوها. من قوله: (ويمكر الله) ( ) ومن قوله: (وهو خادعهم) ( ) ومن قوله: (لنفتنهم فيه) ( ) ومن قوله: (يضل من يشاء) ( ) وقوله: (كتب الله لأغلبن) ( ) وهذا خطأ من وجوه:
"أحدها" أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه الأسماء، فإطلاقها عليه لا يجوز.
"الثاني" أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة، فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الإسم عند الإطلاق.
"الثالث" أن مسمى هذه الأسماء ينقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به، وإلى ما يذم، فيحسن في موضع، ويقبح في موضع، فيمتنع إطلاقه عليه تعالى من غير تفصيل.
"الرابع" أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي تسمى بها سبحانه، فلا يجوز أن يسمى بها؛ فإن أسماء الرب سبحانه كلها حسنى، كما قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) ( ) وهي التي يحب سبحانه أن يثني عليه ويحمد ويمجد بها دون غيرها.
"الخامس" أن هذا القائل أو سمي بهذه الأسماء، وقيل هذه مدحتك وثناء عليك. فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعد هذا مدحة، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون علوًا كبيرا.
"السادس" أن هذا القائل يلزمه أن يجعل من أسمائه اللاعن والجائي والآلي والذاهب والتارك والمقاتل والصادق والمنزل والنازل والمدموم والمدمر وأضعاف أضعاف ذلك، فيشتق له اسمًا من كل فعل أخبر به عن نفسه، وإلا تناقض تناقضًا بينًا، ولا أحد من العقلاء طرد ذلك، فعلم بطلان قوله. والحمد لله رب العالمين. أهـ.
ويضاف إلى ما ذكرناه في هذا البحث أن المقصود بالإفتاء في الكتاب والسنة الإجابة عن المشكل، كما بينه الراغب في "مفردات القرآن" وابن الأثير في "النهاية" قال الراغب: الفتيا والفتوى: الجواب عما يشكل من الأحكام. ويقال: استفتيته فأفتاني بكذا، قال: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن) ( ) (فاستفتهم) ( ) (أفتوني في رؤياي) ( ). وقال ابن الأثير في "النهاية": يقال: أفتاه في المسألة، يفتيه. إذا أجابه، والإسم الفتوى. ومنه الحديث "الإثم ما حاك في صدرك... وإن أفتاك الناس"( ). وأما المفتي في الإصطلاح ففي "منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل" لابن الحاجب ما نصه: أما المفتي فالعالم بأصول الفقه وبالأدلة السمعية التفصيلية واختلاف مراتبها. وقال الشاطبي في "الموافقات" ج4 ص258: المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرق الانحلال. وقال ابن القيم في "اعلام الموقعين": حكم الله ورسوله يظهر على أربعة السنة: لسان الراوي، ولسان المفتي، ولسان الحاكم، ولسان الشاهد. فالراوي يظهر على لسانه لفظ حكم الله ورسوله. والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبط من لفظه. والحاكم يظهر على لسانه الإخبار بحكم الله وتنفيذه. والشاهد يظهر على لسانه الأخبار بالسبب الذي يثبت حكم الشارع.
فصل – في دعاواه حول المعلمي والجواب عنها
ادعى صاحب النقض على المعلمي دعاوي لا تليق، نذكرها مع الإجابة عنها في ما يلي:
1- دعواه أن قول المعلمي (وأن في معنى التطهير إزالة كل ما يمنع من أداء هذه العبادات أو يعسرها أو يخل بها، كأن يكون في موضع الطواف ما يعوق عنه من حجارة أو شوك أو حفر) ادعى صاحب النقض أن مراد المعلمي بهذه العبارة تطهير البيت من مقام إبراهيم عليه السلام، ورتب على هذه الدعوى لوازم باطلة قبيحة يقول لا مفر للمعلمي منها ولا محيد له عنها هي كما يلي:
1- أن إبراهيم واسماعيل عليهما السلام لم يفعلا ما أمرهما الله به من تطهير البيت حيث تركا المقام في موضعه الذي هو فيه الآن.
2- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطهر البيت التطهير التام يوم الفتح حيث كسر الأًصنام والأوثان وأزالها عن البيت وترك المقام.
3- إعتبار مقام إبراهيم الذي أمر الله بأن يتخذ منه مصلى في معنى الأصنام، فالمقام بهذا الاعتبار في معنى ما يتطهر منه وهي الأصنام.
4- أنه لا يجوز أن يتخذ من المقام مصلى، وذلك مناقضة لأمر الله بذلك.
5- وجوب إخراج المقام من الحرم حيث أن تأخيره عن محله إلى موضع آخر من المسجد لا يتم به تطهير البيت.
وذكر صاحب النقض أن ما ذكره المعلمي من أن إزالة ما يمنع من أداء تلك العبادات في معنى التطهير لا دليل عليه من لغة ولا شرع، ولم يذكره أحد من المفسرين، وهو غير صحيح، وقال: إن الطهارة ضد النجاسة حسية كانت أو معنوية فهما ضدان لا ثالث لهما ولا واسطة بينهما. والجواب على الجميع بما يلي:
أما اتهامه المعلمي بأنه إنما يقصد بتلك العبارة تطهير البيت من مقام إبراهيم. فلم نجد في رسالة المعلمي ما يبرره، ونعيذه بالله من أن يقول ذلك. وأما اللوازم القبيحة التي زعم صاحب النقض أن لا مقر للمعلمي منها ولا محيد عنها، فلا نرى أنها تلزم المعلمي، لا لمجرد حسن الظن به فقط باعتباره عالمًا خدم الأحاديث النبوية وما يتعلق بها، بل لأمرين:
"أحدهما": تصريحاته في رسالته بما يبرؤه من تلك اللوازم القبيحة، ففي تطهير ابراهيم واسماعيل عليهما السلام البيت يقول ص3: أقام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام البيت على الطهارة بأوفى معانيها) قال هذا بعد أن ذكر ما جاء عن السلف في تفسير تطهير البيت بالتطهر من الشرك والأوثان والريب وقول الزور والرجس والآفات. وفي تطهير النبي صلى الله عليه وسلم البيت يوم الفتح أشار ص59 إلى قيامه صلى الله عليه وسلم بإزالة الشرك وآثاره عند البيت، وذكر أن ذلك هو الأهم.
وفي حقوق مقام إبراهيم عليه السلام يقول ص42، 43: (وللمقام حقوق: الأول القرب من الكعبة، الثاني البقاء في المسجد الذي حولها. الثالث البقاء على سمت الموضع الذي هو عليه) وهذه الحقوق التي أثبتها للمقام لا يتصور أن يثبتها له من يعتبره في معنى الأصنام. وفي اتخاذ مقام إبراهيم مصلى يقول ص36 قال البخاري في صحيحه في أبواب القبلة: (باب قوله تعالى): (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ( ) ثم ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أنه سئل عن رجل طاف بالبيت للعمرة ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة) وقال ص38: (ثبت في حديث عطاء عن أسامة عند النسائي بسند رجاله ثقات" ثم خرج أي النبي صلى الله عليه وسلم – فصل خلف المقام ركعتين وقال هذه القبلة) وذكر في ص61-62 أن حكم الصلاة خلف المقام يتعلق بالمقام لا بالموضع الذي خلفه قال: (إن الحكم المتعلق بالمقام وهو اتخاذه مصلى أي يصلي إليه لو كان يختص بموضع لكان هو موضعه الأصلي الذي انتهى إليه إبراهيم في قيامه عليه لبناء الكعبة وقام عليه فيه بالأذان بالحج، ونزلت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وهو فيه، وصلى إليه النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا تلا في بعضها الآية وهو فيه. فلما أجمع الصحابة رضي الله عنهم على تأخيره وانتقل الحكم وهو الصلاة إليه معه ثبت قطعًا أن الحكم يتعلق به لا بالموضع، إلا أنه يراعى ما راعوه من بقائه إلى ضيق ما أمامه على الطائفين) أهـ. في هذه العبارة دليل على احتفاظ المعلمي للمقام بحقوقه التي منها اتخاذه مصلى سواء انتقل من موضعه اليوم أو لم ينتقل، واشتراطه لنقله عن موضعه اليوم إلى موضع آخر البقاء على السمت الخاص في المسجد والقرب من الكعبة. هذا لا يمكن الجمع بينه وبين محاولة صاحب النقض إلزام المعلمي اعتبار المقام في معنى الأصنام.
"الثاني": أن المعلمي لا يرضى هذه اللوازم على فرض أن في كلامه ما يستلزمها. ولازم القول الذي لا يرضاه القائل بعد ظهوره لا تجوز إضافته إليه. كما بينه ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية. قال العلامة ابن القيم في "اعلام الموقعين" ص250 ج3 في بحث ترك الحبل: أما من عداه – أي الشارع – فلا يمنع عليه أن يقول الشيء ويخفى عليه لازمه. ولو علم أن هذا لازمه لما قاله، فلا يجوز أن يقال هذا مذهبه، ويقول ما لم يقله. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "القواعد النورانية" ص118، 119: لازم قول الإنسان نوعان: أحدهما لازم قوله الحق. فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره. وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب. والثاني لازم قوله الذي ليس بحق. فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين: ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه لكونه قد قال ما يلزمه وهو لم يشعر بفساد تلك القول ولا بلزومه. وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب، أم ليس بمذهب. هو أجود من إطلاق أحدهما. فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله وإن كان متناقضًا.
وأما اعتبار إزالة ما يعوق عن الطواف من شجر أو شوك أو حجر أو حفر في معنى التطهير المأمور به، فيدل عليه ما رواه الأزرقي في "أخبار مكة" قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء عن عبيد بن عمير الليثي (طهر بيتي) من الآفات والريب. قال ابن جريج الآفات الشرور.أهـ. ولاشك أن الشجر والشوك والحفر في موضع الطوف من الشرور.
وأما زعم صاحب النقض أن الطهارة لا تكون إلا في مقابلة نجاسة حسية أو معنوية. فيرده( ) ما رواه الأزرقي في "تأريخ مكة" ج1 ص17 قال: حدثني جدي، قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال حدثني علقمة بن أبي علقمة، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: طيبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره، ولاشك أن التطهير هنا ليس في مقابلة نجاسة لا معنوية ولا حسية، إذ لا وجود لشيء من ذلك عند البيت أيام تحدثت بذلك عائشة رضي الله عنها، بل دعوى وجود شيء من ذلك عند البيت وقت أمر إبراهيم عليه السلام بتطهيره تحتاج إلى دليل صحيح عن المعصوم، ولذلك يقول الحافظ ابن كثير في "تفسيره": يحتاج إثبات هذا – أي كون الأصنام تعبد عند البيت قبل إبراهيم عليه السلام – إلى دليل عن المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم. أهـ. قلت: ولعله لهذا قال السدي في تفسير (طهرا بيتي) ابنيا بيتي.
الدعوى الثانية: من دعاوي صاحب النقض على المعلمي فسر التطهير في آيتي (طهر بيتي) و (طهرا بيتي) بالتهيئة، وقوله إثر ذلك: التطهير شيء، والتهيئة شيء آخر. فتفسيره التطهير بالتهيئة تأويل مردود، لأنه صرف لمعاني الآيات عما دلت عليه إلى غيره، والبيت وما حوله مهيؤ لمن يعبد الله فيه من عهد إبراهيم عليه السلام، والتهيئة لا تنفي وجود الشرك فيه المأمور بتطهيره منه؛ ولهذا كان أهل الجاهلية يحجون البيت ويطوفون به مهيأ لهم مع شركهم وعبادتهم للأصنام عنده، وهذا يدل على أن التهيئة غير التطهير.
أقول: تصفحنا رسالة المعلمي من أولها إلى آخرها لنجد فيها موضعًا واحدًا فسر فيه (طهر بيتي) يهييء و (طهرا بيتي) يهيئا فلم أجد شيئًا من ذلك؛ بل الذي وجدناه في ص3 من رسالته مما يتعلق بتفسير التطهير ما يلي:
1- أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا: من الأوثان والريب وقول الزور والرجس. ذكره ابن كثير وغيره، وقال البغوي: قال ابن جبير وعطاء: طهرا من الأوثان والريب وقول الزور. وأخرج ابن جرير عن عبيد بن عمير قال: من الآفات والريب. هذا الذي وجدناه في رسالة المعلمي، وهو الذي ذكر أنه أعم معنى للتطهير. وبعد ذلك قال المعلمي: أقام إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – البيت على الطهارة بأوفى معانيها – يعني بأوفي المعاني ما نقله قبل ذلك عن أئمة التفسير مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعبيد بن عمير.
وأما قول المعلمي: (فثبت الأمر بأن يهيأ ما حول البيت تهيئة تمكن الطائفين والعاكفين والمصلين من أداء هذه العبادات بدون خلل ولا حرج) فهذا لا يعني به المعلمي تفسير التطهير في الآيتين الكريمتين بالتهيئة كما توهمه صاحب النقض؛ بل إنما أخذ المعلمي الأمر بالتهيئة كما توهمه صاحب النقض؛ بل إنما أخذ المعلمي الأمر بالتهيئة من تعلق (للطائفين والعاكفين والركع السجود) بـ (طهرا) بدليل قوله إثر ما قدمناه عنه في تفسير التطهير وإقامة إبراهيم وإسماعيل إياه بأوفى المعاني، قال: وقوله: (للطائفين) الآية تدل على أنه – مع أن التطهير مأمور به لحرمة البيت – فهو مأمور به لأجل هذه الفرق – الطائفين، والعاكفين، والقائمين، والركع السجود – لتؤدي هذه العبادات على الوجه المطلوب). ففي هذا الصدد قال: (فثبت الأمر أن المعلمي فسر التطهير بالتهيئة لا يرد عليه قول صاحب النقض: (والتهيئة لا تنفي وجود الشرك فيه المأمور بتطهيره منه) لأن تهيئة إبراهيم الخليل عليه السلام لبيت الله بامر الله لا يمكن أن تجتمع مع الشرك، بل لابد أن تكون كاملة أتم الكمال. بقي أن يقال: إن تفسير التطهير بالتهيئة ليست تفسيرًا لفظيًا للتطهير. والجواب عن هذا أن التزام التفسير اللفظي طريقة المتأخرين. أما المتقدمون فلا يلتزمون التفسير اللفظي كما قرره الإمامان ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في مصنفاتهما، واستسهلا لذلك ما لا يتنافى مع الحق من تفاسير الصوفية المعبر عنها بالإشارات. وإليك نصهما بذلك:
قال العلامة ابن القيم في "التبيان في أقسام القرآن" ص79: تفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون. وتفسير على المعنى. وهو الذي يذكره السلف. وتفسير على الإشارة والقياس. وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم. وهذا لا بأس به بأربعة شروط: أن لا يناقض معنى الآية، وأن يكون صحيحًا في نفسه، وأن يكون في اللفظ إشعار به، وأن يكون بينه وبين الآية ارتباط وتلازم. فإذا اجتمعتت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا. أهـ. وقال في تفسير قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) ( ) ص23: دلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي، قال البخاري في صحيحه في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به. وهذا أيضًا من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنه لا يلتذ بقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم به حقًا وأنزله على رسوله، ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج بوجه من الوجود. أهـ.
وقال ابن القيم في "مدارج" السالكين ص416 ج ثاني في الكلام على الإشارات الصوفية: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الصحيح منها ما يدل عليه اللفظ بإشارة من باب قياس الأولى. قلت: مثاله قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) ( ) ثم بعد كلام طويل في تفسير الآية قال: فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون لكرامتها على الله فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر، وسمعته يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة"( ): إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب من دخول البيت، فكيف تلج معرفة الله عز وجل ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتليء بكلاب الشهوات وصورها، فهذا من إشارة اللفظ الصحيحة. ومن هذا أن طهارة الثوب الطاهر والبدن إذا كانت شرطًا في صحة الصلاة والاعتداد بها فإذا أخل بها كانت فاسدة، فكيف إذا كان القلب نجسًا ولم يطهره صاحبه فكيف يعتد له بصلاته وإن سقطت المطالبة، وهل طهارة الظاهر إلا تكميل لطهارة الباطن. ومن هذا أن استقبال القبلة في الصلاة شرط لصحتها وهي بيت الرب، فتوجه المصلي إليها ببدنه وقلبه شرط، فكيف تصح صلاة من لم يتوجه بقلبه إلى رب القبلة والبدن، بل وجه بدنه إلى البيت ووجه قلبه إلى غير رب البيت. وأمثال ذلك من الإشارات الصحيحة التي لا تنال إلا بصفاء الباطن وصحة البصيرة وحسن السيرة وحسن التأمل والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية بعد ذكر نوع من إشارات الصوفية الباطلة قال في "شرح حديث النزول": منها – أي إشارات الصوفية – ما يكون معناه صحيحًا وإن لم يكن هو المراد باللفظ وهو الأكثر في إشارات الصوفية، وبعض ذلك لا يجعل تفسيرًا بل يجعل من باب الاعتبار والقياس، وهذه طريقة صحيحة علمية كما في قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) وقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب" فإذا كان ورقة لا يمسه إلا طاهر البدن، فمعناه لا تهتدي بها إلا القلوب الطاهرة، وإذا كان الملك لا يدخل بيتًا فيه كلب فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبًا فيه أخلاق الكلب المذمومة. ولا تنزل الملائكة على هؤلاء. وهذا لبسطه، وضع آخر. أهـ.
قلت: ومن قبيل التفسير الغير اللفظي تفسير السدي (طهرا) في قوله تعالى: (أن طهرا بيتي): بأمنا. رواه عنه الأزرقي في "أخبار مكة" وروى عنه ابن كثير في تفسيره أنه قال في تفسر (طهرا): إبنيا. وكذلك تفسير يمان (طهرا بيتي) بقوله: خلقاه، وبخراه. ذكره عنه القرطبي في تفسيره.
"الدعوى الثالثة": من دعاوي صاحب النقض على المعلمي: دعواه أن ما كتبه في بحث المقام إنما هو من قبيل الاحتيال بالباطل، أخذًا من قول المعلمي في أول رسالته (حاولت فيها – أي في الرسالة تنقيح الأدلة ودلالتها على وجه التحقيق) قال صاحب النقض: هذا يدل على أنه – أي المعلمي – لم يجد من الأدلة ما يصح الاستناد عليه في ذلك؛ لأن المحاولة إنما تكون في ما فيه مشقة وصعوبة ولا يتأتى إلا بالاحتيال – هذا معنى كلامه ومقتضاه في اللغة. قال صاحب "النهاية": والمحاولة طلب الشيء بحيلة. وكلا الأمرين اللذين ذكرهما غير جائز شرعًا. هذا نص نقض المباني. وهو مبنى على أن المحاولة لا تستعمل إلا في الاحتيال بالباطل وهو مردود. قال صاحب لسان العرب في مادة "حول" ما نصه حاول الشيء محاولة رامه قال رؤية: (حول حمد وانتجار المؤتجر) فهذا يدل على أن المحاولة لا تستلزم الاحتيال بالباطل كما أدعاه صاحب النقض. وما ذكره عن "النهاية" وهو في النهاية بصيغة التمريض "قيل" وذكر صاحب النهاية قبل ذلك حديثًا يدل على أن المحاولة لا تتلازم مع الاحتيال بالباطل وهو "بك أصاول، وبك أحاول"( ) وهذه الرواية التي ذكرها صاحب النهاية ذكرها أيضًا المرتضي في "تاج العروس" ثم قال: قال الأزهري: معناه – أي لفظ "أحاول" – بك أطالب. ومن قبيل المحاولة التي لم تكن بالطرق الباطلة قول حسان بن ثابت الأنصاري شاعر النبي صلى الله عليه وسلم:
قوم إذا حاربوا ضــروا عدوهم
أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
هذا مع أن كلمة الحيلة نفسها لا تستلزم الباطل كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "إقامة الدليل على إبطال التحليل" ص82 – 83 ج3 من مجموعة الفتاوى الكبرى قال: ليس كل ما يسمى في اللغة حيلة أو يسميه بعض الناس حيلة أو يسمونه آلة مثل الحيلة المحرمة حرامًا. فإن الله سبحانه قال في تنزيله: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) ( ) فلو احتال المؤمن المستضعف على التخلص من بين الكفار لكان محمودًا في ذلك. ومر شيخ الإسلام في كلامه إلى أن قال: وحسن التحيل على حصول ما فيه رضي الله ورسوله أو دفع ما يكيد الإسلام وأهله سعي مشكور. قال: والحيلة مشتقة من التحول وهو نوع من الحول: كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود. وكالأكلة والشربة من الأكل والشرب. ومعناها نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي هو التحول من حال إلى حال هذا مقتضاها في اللغة، ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض، وبحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فإن كان المقصود أمرًا حسنًا كانت حيلة حسنة، وإن كان قبيحًا كانت قبيحة.أهـ. وقال صاحب "المحكم": الحول والحيل والحيلة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل كل ذلك الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف. أهـ. نقله عن صاحب المحكم الإمام النووي في "تهذيب الأسماء واللغات". وقول صاحب النقض: لم يجد – أي المعلمي – من الأدلة ما يصح الاستناد عليه. خلاف الواقع؛ فإن رسالته مملوءة بالأدلة الثابتة. لا بالحيل الباطلة. والله أعلم، وصل الله على نبينا محمد وصحبه وسلم( ).
(1181 – ترك نقله مؤقتا لقصد استقامة الأحوال)
وهنا كلمة حول المقام:
المقام نعرف ان موضعه ليس معينا ذاتًا من الأرض، بخلاف الكعبة. ما ورد في المقام يفيد أنه ماله موضع معين؛ فإنه مرة صار عند البيت، ومرة كان في مكانه. وهذا صار مرتين أو ثلاثًا. إنما المتعين أن يكون بنسبة من البيت.
واختلف هل هذا موضعه الأول، وجعل عند البيت لعارض؟ وهل واضعه النبي. أو عمر؟.
وهذا الاختلاف يفيد أنه ليس عند العلماء نزاع أنه ليس من حين نزل منه إسماعيل وإبراهيم أن موضعه هذا. أو أنه ما صار فيه تغيير، ما قال هذا أحد؛ بل هو كان فيه تنحية بالاتفاق، والذي رجحه ابن حجر أن الذي نحاه عمر.
وحينئذ إذا عرض عارض جاز تنحيته عن المطاف بلا إشكال، وتنحيته من الموضع الذي هو فيه قرب البيت على جانب المسجد أو قريب من طرف المسجد لئلا يتعثر به الطائفون، ولكون الصلاة خلفه مشروعة، ولا يحصل زحمة لمن يقصد الصلاة عنده، هذه مصلحة، ودرء مفسدة ظاهرة، فإذا اقتضت المصلحة تنحيته فإنه لا مانع من ذلك.
وقد ألف المعلمي رسالة وذكر ما يتعلق بها، وهو أحسن في تعليقه وكتبنا عليها تعليقًا بسيطًا "تقريظ" وتكلم بعض من لا علم عنده بدون علم أن هذا مكانه أو نحو هذا.
وحين صار هذا الشيء وخشي من خوض الجهال ناس يقولون كذا... رؤي من المصلحة أن يترك الآن، ليس أنه أشكل لما سمعنا بعض القول؛ لكن حيث أنه سيشوش أناس، فاستشار الملك ورؤي أن يترك.
وبحث المقام وتنحيته ليس هو عندي فقط؛ بل هذا مقتضى ما ظهر للمشايخ عند أصل البحث في المسألة، بحث كم مرة، هذا الذي رأوه صوابا، للتعليل السابق.
لكن المقصود استقامة الأحوال، وأن يكون الناس على نظر واحد.
ولكن بعد هذا التوسيع يكون الضرر منه أشد؛ فإنه إذا كان فيه ستين أو مائة وجاءوا كلهم وحاذوا المقام؛ بل يوجد عليهم خلل في طوافهم فيجعل كأنه يقبل على البيت في خطواتع يخطوها.
(تقرير)
(1182 – اختصار هيكل المقام بعد توقف بعض المشايخ)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم
أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد
فنتيجة للاجتمع المنعقد بيننا وبين العلماء لبحث المواضيع المتعلقة بمنى وبكسوة الكعبة المشرفة ومقام إبراهيم، فقد صدر بشأن ذلك القرار المتخذ من الجميع المعروض لأنظار جلالتكم من طي هذا. تولاكم الله بتوفيقه.
(الختم)
(ص – م57 في 2/1/1380هـ)
(القرار)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد: فبناء على رغبة إمام المسلمين حفظه الله في بحث عدة موضوعات دينية هامة فقد جرى بحثها واستعراضها وهي:
1- البنايات التي في منى بما فيها الأحواش والبيوت الخربة التي لا تصلح للسكنى.
2- الكسوة العتيقة للكعبة الشريفة، وكيف يكون مصيرها.
3- تنحية مقام إبراهيم عن موضعه الحالي نتيجة الزحام.
وقد ظهر لنا ما يلي:
1- لا يسوغ بأي حال من الأحوال البناء في منى، وعليه فإنه يجب أن ترفع أيدي أرباب الدور المتهدمة عن تلك الدور، ويعوضوا عن ماله قيمة من أنقاضها، ثم تهدم وتسوى الأرض، كما يجب عدم جميع الأحواش المستقلة التي لا تتبع البيوت وتسويتها بالأرض وإزالة جميع المتحجرات والتأسيسات والمراسيم التي يراد بها التملك.
أما الأحواش التابعة للبيوت المبنية فتنقسم إلى قسمين: أحدهما الأحواش الواسعة الزائدة على حاجة البيوت. فهذه يجب هدم الزائد منها عن حاجة البيت. ويبقى ما هو بقدر حاجة البيت فقط. والثاني ما كان أصله بقدر حاجة البيت فقط. فهذا الذي بمقدار حاجة البيت المبني يكون تبعاً له. وإذا أزيلت تلك البيوت كما هو مقتضى الحكم الشرعي أزيلت معه الأحواش التابعة لها.
2- يشكل هيئة دائمة لمراقبة منى. تتكون من أربعة أشخاص. ويجب أن يكونوا أمناء. أقوياء، حتى تحصل بهم المحافظة التامة، وتربط هذه الهيئة بجهة دينية: إما برئاسة القضاء، أو برئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحجاز.
3- يتعين على الحكومة توسعة شارع الجمرات بقدر كاف، ويقسم طريقين: أحدهماللذاهبين. والآخر للراجعين، ويجعل بينهما حاجز. ومن ضرورة توسعة هذا الشارع المذكور أن تؤخذ الدور الواقعة في الشارعين القديمين ما بين جمرة الوسطى وجمرة العقبة.
4- يتعين جعل مظلة من شينكو او نحوه لتقي الحجاج حرارة الشمس تبتدي هذه المظلة من الجمرة الأولى وتنتهي إلى جمرة العقبة.
أما موضوع الكسوة العتيقة للكعبة المشرفة فإنه ليس لآل الشيبي في هذه الكسوة حق من حيث الشرع، لكن حيث كان الولاة المتقدمون قد عودوهم إعطاءهم إياها. وكانوا متشوفين لذلك، ولهم مكانة لدانتهم لهذا البيت المطهر، فينبغي للإمام وفقه الله أن يعوضهم عنها من بيت المال ما يراه كافيًا لتطيب نفوسهم. ولا يدفع الكسوة إليهم، لما يفضي إليه ذلك من بيعها المنتهي إلى حصولها في أيدي الجهلة المتعلقين بها على وجه التبريك والتمسح بها الذي لا تجيزه الشريعة، لكن تحفظ تلك الكسوة في مكان مصون تحت أيدي حفاظ لها أمناء. ولو تلفت بأرضه أو غيرها فإن ذلك لا يضر شرعًا، وأكثر ما فيه أنه فوات جزء من المال. وارتكاب ذلك أسهل من ارتكاب ما يجر العوام والجهال إلى ما هو محظور شرعًا. وفي ذلك حراسة لعقائد الناس.
أما تنحية مقام إبراهيم عن موضعه الآن شرقًا ماما ليتسع المطاف. فحيث توقف بعض المشائخ في ذلك. اتفق الرأي من الجميع على اختصار هذا الهيكل الذي على المقام الآن بجعله مترًا في متر فقط، والباقي يبقى توسعة في المطاف، فيكون من المطاف من وجه، وزيادة في مصلى الركعتين من وجه آخر، إذا فقدت الزحمة صارت صلاة الركعتين يه وفيما خلفه من المصلى الأول، وإذا وجدت الزحمة انشغل هذا الزائد بالطائفين وصلى المصلون ركعتي الطواف خلفه. ويحسن أن يوضع مظلة تقي المصلين خلف المقام حر الشمس. وتكون جملونًا من خشب، وينبغي أن يكون شبك المقام ضيقًا جدًا بحيث لا يتمكن الجهال من إدخال الأوراق فيه. وينبغي أيضًا أن ترفع الكسوة التي على حجر المقام ويوضع عليه مكانها زجاج سميك جدًا حتى يراه الناس ويعرفوا أنه حجرن ويلزم إحضار عالمين وقت قيام المهندس وعماله بعملية ما ذكر، حتى يتم تطبيق ما سلف ذكره بحضرتهما وتحت إشرافهما.
اما المنبر فيزال من مكانه، ويعمل من خشب، ويكون متحركًا بعجلات حتى يتمكن من إحضاره في محله وقت الحاجة، وعلى هذا حصل التوقيع:
عبدالملك بن إبراهيم آل الشيخ
عبدالعزيز بن عبدالله بن باز

محمد بن إبراهيم آل الشيخ
عبدالله بن جاسر

علوي عباس مالكي
عبدالله بن عمر بن دهيش

محمد بن علي الحركان
حسن بن عبدالله بن حسن

عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم

عبدالعزيز بن ناصر الرشيد

أمين الكتــبي محمــد يحيى أمـــان
(1183 – تغطية الحاجز الحديدي للمقام بسلك نايلون)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس الديوان العالي
الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على المعاملة المحالة إلينا بخطاب الديوان العالي رقم 16/2/2417 وتاريخ 25/9/76هـ الخاصة باقتراح مديرية الأوقاف العامة بمكة بتغطية الحاجز الحديدي لـ "مقام إبراهيم" بالسلك النايلون صيانة له من إلقاء الأوراق التي ترمى فيه( ).
نفيدكم أنه إذا كانت التغطية لمجرد تحصين المقام عما يلقى فيه ولم تكن بصورة كسوة وجمال فهذا لا بأس به إن شاء الله. والله يحفظكم. حرر في 17/10/1376هـ.
(ص ف 841 في 18/10/1376هـ)
(1184 – حدود المسعى بعد العمارة الجديدة)
(برقية): الحوية، جلالة الملك المعظم أيده الله
ج30144: من خصوص قرار الهيئة في حدود المسعى قد أطلعنا عليه فوجدناه صوابًا. وقد أعدنا أوراق القرار المذكور إلى محمد سرور مصحوبة بفتوانا بمقتضى ما جاء فيه: حفظكم الله وتولاكم. محمد بن إبراهيم
(ص م 1396 في 23/10/1374هـ)
(مضمون القرار)
تأملت قرار الهيئة المنتدبة من لدن سمو وزير الداخلية، وهم فضيلة الأخ الشيخ عبدالملك بن إبراهيم. وفضيلة الشيخ عبدالله ابن دهيش. وفضيلة الشيخ عاوي مالكي. حول حدود موضع السعي مما يلي الصفا. المتضمن أنه لا بأس بالسعي في بعض دار آل الشيبي والأغوات المهدومتين هذه الأيام توسعة، وذلك البعض الذي يسوغ السعي فيه هو ما دفعه الميل الموجود في دار آل الشيبي إلى المسعى فقط وهو الأقل، دون ما دفعه هذا الميل إلى جهة بطن الوادي مما يلي باب الصفا وهو الأكثر؛ فإنه لا يسوغ السعي فيه. فبعد الوقوف على هذا الموضع في عدة رجال من الثقات رأيت هذا القرار صحيحًا، وأفتيت بمقتضاه، قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص م 1386 في 19/10/1374)
(نص القرار الوارد من الهيئة المشكلة رقم 35 في 23/9/74هـ)
بناء على الأمر الشفوي المبلغ إلينا بواسطة الشيخ محمد حابس رئيس ديوان سمو وزير الداخلية الأمير عبدالله الفيصل. القاضي أنه يأمر سموه بوقوفنا نحن الموقعين أدناه على "الميل" القائم هناك والبارز حينئذ، وذلك بعدما صدرت إرادة جلالة الملك المعظم بإضافة دار آل الشيبي ومحل الأغوات الواقعين بين موضع السعي من جهة الصفا وبين الشارع العام الملاصق للمسجد الحرام مما يلي باب الصفا. وتقرير ما يلزم شرعًا بشأن "الميل" المذكور. فقد توجهنا فوقفنا على "الميل" المذكور. وصحبنا معنا مهندسًا فنيًا، وجرى البحث فيما يتعلق بتحديد عرض المسعى مما يلي الصفا، فرأينا هذا الميل يقع عن يسار الخارج من باب الصفا القاصد إلى الصفا. وفي مقابل هذا الميل من الجهة الغربية على مسامتته ميل آخر ملتصقًا بدار الأشراف الناعمة فاصل بينها طريق الخارج من باب الصفا في سيره إلى الصفا. وما بين الميل الأول المذكور الذي بركن دار الشيبي المنتزعة ملكيتها حالا والمضافة إلى الصفا وبين الميل الذي بركن دار المناعمة ثمانية أمتار وثلاثون سنتيمًا. هي سبعة عشر ذراعًا، ومن دار المفتاح التي تقع بين الساعي من الصفا إلى الميل الأول الواقع بدار الشيبي تسعة عشر مترًا ونصف متر. ومن الميل الذي بدار الشيبي إلى درج الصفا للحرم الشريف خمسة وعشرين مترًا وثمانين سنتيمًا، كما أن بين الميل الذي يقرب الخاسكية ببطن الوادي والميل الذي يحاذيه بركن المسجد الحرام ستة عشر مترًا ونصف متر، كما أن بين الميل الذي بدار العباس وباب العباس ستة عشر مترًا ونصف متر تقريبًا، هذا التقرير الفني من حيث المساحة.
ثانيًأ – قد جرت مراجعة كلام العلماء فيما يتعلق بذلك، قال في صحيح البخاري: (باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة) وقال ابن عمر رضي الله عنه: السعي من دار ابن عباد إلى زقاق بني أبي حسين. قال في "الفتح" صحيفة 394 جلد 3: نزل ابن عمر من الصفا حتى إذا حاذى باب بني عباد سعى، حتى إذا انتهى إلى الزقاق الذي يسلك بين دار بني أبي حسين ودار بنت قرضة. ومن طريق عبيدالله بن ابي يزيد قال: رأيت ابن عمر يسعى من مجلس ابن عباد إلى زقاق ابن أبي حسين. قال سفيان: هو ما بين هذين العلمين. انتهى. والمقصود بهذا والله أعلم سعيه في بطن الوادي. ولم نجد للحنابلة تحديدًا لعرض المسعى وجاء في "المغني" صحيفة 403 جلد 3: أنه يستحب أن يخرج إلى الصفا من بابه، فيأتي الصفا، فيرقى عليه حتى يرى الكعبة، ثم يستقبلها، قال في "الشرح الكبير" صحيفة 405 جلد3: فإن ترك مما بينها شيئًا (أي ما بين الصفا والمروة) ولو ذرعًا لم يجزءه حتى يأتي به. انتهى.
هذا كلامهم في الطول. ولم يذكروا تحديد العرض. وقال النووي في "المجموع" شرح المهذب جلد 8 صحيفة 76: "فرع" قال الشافعي والأصحاب: لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو مر وراء موضع السعي في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه؛ لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف، قال أبوعلي البندنجي في كتابه "الجامع": موضع السعي بطن الوادي، قال الشافعي في القديم: فإن التوى شيئًا يسيرًا أجزأه. وإن عدل حتى يفارق الوادي المؤدي إلى زقاق العطارين لم يجز، وكذا قال الدرامي: إن التوى في السعي يسييرًا جاز. وإن دخل المسجد أو زقاق العطارين فلا. والله أعلم. انتهى. وقال شمس الدين محمد الرملي الشافعي المتوفي سنة 1004 هجرية في "نهاية المحتاج" شرح المنهاج صحيفة 383 جلد 3 ما نصه: ولم أر في كلامهم ضبط عرض المسعى، وسكوتهم عنه لعدم الاحتياج إليه، فإن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة، ولو التوى في سعيه عن محل السعي يسيرًا لم يضر كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه. انتهى. وفي "حاشية تحفة المحتاج" شرح المنهاج صحيفة 98 جلد 4 ولما ذكر النص الذي ذكره صاحب المجموع عن الإمام الشافعي قال: الظاهر أن التقدير لعرضه بخمسة وثلاثين أو نحوها على التقريب، إذ لا نص فيه يحفظ من السنة، فلا يضر الاءلتواء اليسير لذلك، بخلاف الكثير فإنه يخرج عن تقدير العرض ولو على التقريب.
ثالثًأ – قد جرت مراجعة كلام المؤرخين، فذكر أبوالوليد محمد ابن عبدالله الأزرقي في صحيفة 90 في "المجلد الثاني" ما نصه بالحرف: وذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى العلم الذي بحذائه على باب دار العباس بن عبدالمطلب وبينهما عرض السعي خمسة وثلاثون ذراعًا ونصف ذراع، ومن العلم الذي على باب دار العباس إلى العلم الذي عند دار ابن عباد الذي بحذاء العلم الذي في حد المنارة وبينهما الوادي مائة ذراع وإحدى وعشرين ذراعًا. انتهى. وقال الإمام قطب الدين الحنفي في صحيفة 101 في تاريخه المسمى بـ "الاعلام" لما ذكر قصة تعدي ابن الزمن على اغتصاب البعض من عرض المسعى في سلطنة الملك الأشرف قاينباي المحمودي إلى أن قال: قاضي مكة وعلماؤها أنكروا عليه. وقالوا له في وجهه أن عرض المسعى كان خمسة وثلاثين ذراعًا، وأحضر النقل من تاريخ الفاكيه وذرعوا من ركن المسجد إلى المحل الذي وضع فيه ابن الزمن أساسه فكان سبعة وعشرين ذراعًا. وقال باسلامه في تاريخه "عمارة المسجد الحرام" صحيفة 299: ذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى المسجد إلى العلم الذي بحذائه على دار العباس بن عبدالمطلب وبينهما عرض المسعى( ) ستة وثلاثون ذراعًا ونصف. ومن العلم الذي على باب دار العباس إلى العلم الذي عند دار ابن عباد الذي بحذاء العلم الذي في حد المنارة وبينهما الوادي مائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعًا. انتهى.
رابعًا – جرت مراجعة صكوك دار الشيبي، فوجد من أقدمها صك مسجل بسجل المحكمة الكبرى بمكة بعدد (57) محرم عام 1171 هجرية قال في حدودها: شرقًا الحوش الذي هو وقف الواقب، وغربًا الصفا وفيه الباب، وشاما الدار التي هي وقف خاسكي سلطان، ويمنًا الدار التي هي وقف الأيوبي، قال المسجل: ولم يظهر ما يدل على حدود السعي، كما جرى سؤال أغوات الحرم الشريف المكي عن تاريخ وحدود دارهم التي أضيفت إلى ما هناك، فذكروا أن دارهم في أيديهم من نحو ثمانمائة سنة وليست لها صكوك ولا وثائق. هكذا.
وحيث أن الحال ما ذكر بعاليه، ونظرًا إلى أنه في أوقات الزحمة عندما ينصرف بعض الجهال من أهل البوادي ونحوهم من الصفا قاصدًا المروة يلتوي كثيرًا حتى يسقط في الشارع العام فيخرج من حد الطول من ناحية باب الصفا والعرض معًا ويخالف المقصود من البينية – بين الصفا والمروة. وحيث أن الأصل في السعي عدم وجود بناء وأن البناء حادث قديمًا وحديثًا. وأن مكان السعي تعبدي، وأن الالتواء اليسير لا يضر، لأن التحديد المذكور بعاليه العرض تقريبي، بخلاف الالتواء الكثير كما تقدمت الإشارة إليه في كلامهم فإننا نقرر ما يلي:
(أولاً) لا بأس ببقاء العلم الأخضر موضوع البحث الذي بين دار الشيبي ومحل الأغوات المزالين؛ لأنه أثري، والظاهر أن لوضعه معنى، ولمسامته ومطابقته الميلين ببطن الوادي مكان السعي، ولا بأس من السعي في موضع دار الشيبي لأنها على مسامته بطن الوادي بين الصفا والمروة، على أن لا يتجاوز الساعي حين يسعى من الصفا أو يأتي إليه إلى ما كان بين الميل والمسجد مما يلي الشارع العام، وذلك للاحتياط والتقريب.
(ثانيًا) أننا نرى عرض كل ما ذكرناه بعاليه على أنظار صاحب السماحة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم حفظه الله تعالى.
هذا ما تقرر متفقًا عليه بعد بذلنا الوسع، سائلين من الله تعالى السداد والتوفيق.
الهيئة
علوي بن عباس المالكي عبدالملك بن إبراهيم
الشيخ عبدالله بن دهيش
(هذا القرار حصلت عليه من ديوان رئاسة مجلس الوزراء)
(قرار آخر)
(جميع ما ادخلته العمارة الجديدة داخل في مسمى المسعى)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فبناء على أمركم الكريم المبلغ إلينا من الشيخ يوسف ياسين في العام الماضي حول تنبيه الابن عبدالعزيز على وضع الصفا ومراجعة ابن لادن لجلالتكم في ذلك، وحيث قد وعدت جلالتكم بالنظر في موضوع الصفا ففي هذا العام بمكة المكرمة بحثنا ذلك، وتقرر لدى ولدى المشايخ: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ علوي عباس المالكي، والأخ الشيخ عبدالملك بن إبراهيم، والشيخ عبدالله بن دهيش، والشيخ عبدالله بن جاسر، والشيخ عبدالعزيز ابن رشيد: على أن المحل المحجور بالأخشاب في أسفل الصفا داخل في الصفا، ماعدا فسحة الأرض الواقعة على يمين النازل من الصفا فإننا لم نتحقق أنها من الصفا. أما باقي المحجور بالأخشاب فهو داخل في مسمى الصفا. ومن وقف عليه فقد وقف على الصفا كما هو مشاهد، ونرى أن ما كان مسامتًا للجدار القديم الموجود حتى ينتهي إلى صبة الأسمنت التي قد وضع فيها أصياخ الحديد هو منتهى محل الوقوف من اليمين للنازل من الصفا. أما إذا نزل الساعي من الصفا فإن الذي نراه أن جميع ما أدخلته هذه العمارة الجديدة فإنه يشمله اسم المسعى، لأنه داخل في مسمى ما بين الصفا والمروة، ويصدق على من سعى في ذلك أنه سعى بين الصفا والمروة. هذا وعند إزالة هذا الحاجز والتحديد بالفعل ينبغي حضور ك من المشائخ: الأخ الشيخ عبدالملك، والشيخ علوي المالكي، والشيخ عبدالله بن جاسر والشيخ عبدالله بن دهيش، حتى يحصل تطبيق ما قرر هنا، وبالله التوفيق.
(ص م 403 في 3/1/1380هـ)
(1185 – ترك حجارة الصفا والمروة كما كانت وما يكفي العربات في استكمال السعي)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس ديوان جلالة الملك
وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد أطلعنا على المعاملتين المحالتين إلينا بخطابكم رقم 15/5/1466 وتاريخ 19/4/1377هـ ورقم 15/5/1617 وتاريخ 19/4/1377هـ حول اقتراح عضو اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام محمد طاهر الكردي تأليف لجنة من علماء المذاهب الأربعة لبيان مبدأ السعي ومنتهاه في الصفا والمروة، وذلك بأن يكسر صخر الصفا والمروة، ولا يبقى درج مطلقًا، بل يبقى جدار سميك فقط في آخر الصفا. وجدار آخر ينتهي في آخر المروة يبدأ السعي منه وينتهي إليه، معللآً ذلك يتيسير حصول السعي في العربات على استكمال السعي بين الصفا والمروة.
وبعد تأمل الاقتراح المذكور ظهر لنا أنه يتعين ترك الصفا والمروة على ما هما عليه أولاً. ويسعنا ما وسع من قبلنا في ذلك، ولو فتحت أبواب الاقتراحات في المشاعر لأدى ذلك إلى أن تكون في المستقبل مسرحًا للآراء، وميدانًا للاجتهادات، ونافذة يولج منها لتغيير المشاعر وأحكام الحج، فيحصل بذلك فساد كبير. ويكفي في حصول وصول العربات التي تحمل المرضى والعاجزين إلى ما يحصل به الوصول إلى ما يكفي الوصول إليه في استكمال السعي، يكفي في ذلك إعادة أرض المسعى إلى ما كانت عليه قبل هذا العمل الجديد، أو يجمع بين هذه المصلحة ومصلحة انخفاض المسعى، بأن يجعل ما يلي كلا من الصفا والمروة متصاعدًا شيئًا فشيئًا حتى يكون ما يلي كلا منهما على حالته قبل هذا العمل الجديد، ولا مشقة في ذلك، مع المحافظة على ما ينبغي المحافظة عليه من بقاء المشاعر بحالها وعدم التعرض لها بشيء، ولا ينبغي أن يلتفت إلى أماني بعض المستصعبين لبعض أعمال الحج واقتراحاتهم، بل ينبغي أن يعمل حول ذلك البيانات الشرعية بالدلائل القطعية المشتملة على مزيد البحث والترغيب في الطاعة والتمسك بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته في المعتقدات والأعمال، وتعظيم شعائر الله ومزيد احترامها، والله يحفظكم في 4/5/1377هـ.
(ص – ف 5520 في 8/5/1377هـ) ( )
(مساحة الصفا والمروة، واستبدال الدرج بمزلقان، ونهاية أرض المسعى – في قرار مشايخ) ( )
في يوم الثلاثاء الموافق 10/2/1378هـ اجتمعتت اللجنة المكونة من كل من: الشيخ عبدالملك بن إبراهيم، والشيخ عبدالله بن جاسر، والشيخ عبدالله بن دهيش، والسيد علوي مالكي، والشيخ محمد الحركان، والشيخ يحيى أمان، بحضور صالح قزاز وعبدالله ابن سعيد مندوبي الشيخ محمد بن لادن، للنظر في بناء المصعدين المؤديين إلى الصفا( ) ولمعرفة ما إذا كان في ذلك مخالفة للمصعد الشرعي القديم، وذلك بناء على الأمر السامي المبلغ للجنة من وزارة الداخلية برقم 1053 في 28/1/78هـ وجرى الوقوف أولاً على المصعدين المذكورين الذي جرى بناؤهما هناك من قبل مكتب مشروع توسعة المسجد الحرام. وبعد الدراسة والمذاكرة فيما بين اللجنة اتضح أن المصعد الشرقي المواجه للمروة هو مصعد غير شرعي، لأن الراقي عليه لا يستقبل القبلة كما هو السنة، وإذا حصل الصعود من ناحية فلا يتأتى بذلك استيعاب ما بين الصفا والمروة المطلوب شرعًا. وبناء على ذلك فإن اللجنة رأت إزالة ذلك المسعد، والاكتفاء بالمصعد الثاني المبني في موضع المصعد القديم، لأن الراقي عليه يستقبل القبلة كما هو السنة، كما أن المصعد والنزول من ناحيته يحصل به الاستيعاب المطلوب شرعًا. ونظرًا لكون المصعد المذكور يحتاج إلى التوسعة بقدر الإمكان ليتهيأ الوقوف عليه من أكبر عدد ممكن من الساعين فيما بين الصفا والمروة، وليخفف بذلك الضغط خصوصًا في أيام المواسم وكثرة الحجيج، وبالنظر لكون الصفا شرعًا هو الصخرات الملساء التي تقع في سفح جبل أبي قبيس، ولكون الصخرات المذكورة لاتزال موجودة للآن وبادية للعيان، ولكون العقود الثلاثة القديمة لم تستوعب كامل الصخرات عرضًا. فقد رأت اللجنة أنه لا مانع شرعًا من توسيع المصعد المذكور بقدر عرض الصفا.
وبناء على ذلك فقد جرى ذرع عرض الصفا ابتداء من الطرف الغربي للصخرات إلى نهاية محاذاة الطرف الشرقي للصخرات المذكورة في مسامتة موضع العقود القديمة، فظهر أن العرض المذكور يبلغ ستة عشر مترًا، وعليه فلا مانع من توسعة المصعد المذكور في حدود العرض المذكور، على أن يكون المصعد متجهًا إلى ناحية الكعبة المشرفة، فيحصل بذلك استقبال القبلة كما هو السنة، وليحصل الاستيعاب المطلوب شرعًا.
وبالنظر لكون الدرج الموجود حاليًا هو 14 درجًا، فقد رأت اللجنة أن تستبدل الستة الدرجات السفلى منها بمزلقان يكون انحداره نسبيًا، حتى يتمكن الساعي من الوصول إلى نهايتها باعتباره من أرض المسعى، وليتحقق بذلك الاستيعاب المطلوب شرعًا، ثم يكون ابتداء الدرج فوق المزلقان المذكور، ويكون من ثم ابتداء المسعى من ناحية الصفا.
ثانيًا: كما وقفت اللجنة أيضًا على المروة، فتبين لها بعد الاطلاع على الخرائط القديمة والحديثة للمسعى، وبعد تطبيق الذرع للمسافة فيما بين الصفا والمروة كما نص على ذلك الإمام الأزرقي والإمام الفاسي في تأريخهما بأن المسافة المذكورة تنتهي عند مراجعة موضع العقد القديم من المروة، وهو الموضع الذي أقيم عليه الجسر في البناية الجديدة، وبذلك يكون المدرج الذي أنشيء أمام الجسر والذي يبلغ عدده ستة عشرة درجة جميعه واقع في أرض المسعى.
وقد يجهل كثير من الناس ضرورة الصعود إلى نهاية الست عشرة درجة المذكورة ويعودون من أسفل الدرج كما هو مشاهد من حال كثير من الناس فلا يتم بذلك سعيهم، لذلك رأت اللجنة ضرورة إزالة الدرج المذكورة. وبعد تداول الرأي مع المهندسين والاطلاع على الخريطة القديمة تقرر استبدال الدرج المذكورة بمزلقان يتحدر نسبيًا إبتداء من واجهة الجسر المذكور إلى النقطة التي عينها المهندسون المختصون بمسافة يبلغ طولها 31مترًا، وبذلك يتحتم على الساعين الوصول إلى الحد المطلوب شرعًا وهو مكان العقد القديم الذي وضع في مكانه الجسر الجديد باعتبار المزلقان المذكور من أرض المسعى، ثم تكون الثلاث الدرج التي تحت الجسر هي مبدأ الصعود للمروة، وتكون هذه النقطة هي نهاية السعي من جهة المروة، وعلى ذلك حصل التوقيع.
(هذا القرار وجدته عند فضيلة الشيخ عبدالله بن دهيش أحد أعضاء اللجنة)
(1186 – طريق العربات)
وكذلك تسهيلاً للسعي بين الصفا والمروة على العجزة يمكن عمل خط تمر عليه عربات من داخل المسعى ومعلقة في جدرانه تذهب من طريق وتعود من الطريق الثاني.
(ص – م في 28/7/1117هـ)
وقد استغنيت عن أولها بفتاوي أبسط منها.
(1187 – حدود منى)
من شفير وادي محسر الغربي إلى جمرة العقبة. بعضهم يدخل جمرة العقبة في نفس منى، وبعضهم يقول حد منى إليها نفسها وهي خارجة من الحد إلا أنها لاصقة به. ومتى في العرض كل ما انحدر به السيل إلى متى كله تبع متى، وهو ما بين الجبلين الأيمن والأيسر وجميع التلاع التي فيه. (تقرير)
(الجمرات)
(1188 – توسيع ما حول جمرة العقبة)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس الديوان العالي
الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فبالإشارة إلى خطابكم رقم 15/5/3175 وتاريخ 11/8/1375هـ المرفق به الأوراق الدائرة حول توسيع ما حول جمرة العقبة.
نفيدكم أنه قد جرى الاطلاع على قرار رئيس المحكمة الشرعية الكبرى بمكة بهذا الخصوص، وترى الموافقة عليه على أساس أن يكون الأخذ من الجبل المذكور الذي تستند عليه جمرة العقبة بطريقة التسهيل فقط – على أن لا يمس الشاخص والحوض وما يليه، ويكون الوصول إلى المرمى من تلك الجهة سهلاً – وتبقى الجهة التي فوق العقبة مرتفعة ارتفاعًا يتناسب مع الموضع المذكور واسم العقبة وحرمة المشعر المذكور، مع العلم أن التسامح في التسهيل المذكور نظرًا للحالة الحاضرة ووجود الزحام الذي ينشأ عنه ما ينشأ من أضرار، ولولا ذلك أبقى كل شيء على ما كان عليه. وإليكم برفقه جميع الأوراق لإجراء اللازم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(ص – ف 947 وتاريخ 1/9/1375هـ)
(1189 – دائرة المرمى لا توسع، ولا يغير الشاخص الزمي من فوقه، التخفيف من الجدار، النهي عن الكتابة عليه)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فبالإشارة إلى خطاب سموكم رقم 1318 – 2 وتاريخ 29/4/1383هـ المرفق بقصاصة جريدة الندوة من عددها 1151 المؤرخ في 23/5/82هـ المنشور فيها اقتراحات الشيخ طاهر الكردي حول جدار جمرة العقبة الخلفي المكتوب عليه: (لا يجوز الرمي من هنا) وما ارتآه من أن الكتابة لا تكفي لتتبيه الناس، واقتراحه أن يوضع ميكرفون يشبه الناس على ما ذكر، كما يقترح أن يزاد في بناء الجدار حتى يحاذي رأس الجمرة، وأن يبنى من الخلف طول نحو أربعة أمتار أو خمسة. وذكرتهم أن اللجنة العامة لمشاريع مناطق الحج رأت في قرارها رقم 14-8 إحالة هذا الاقتراح إلينا لإبداء ما تراه. وهل الرمي من خلف الجمرة غير جائز؟ وإذا كان جائزًا فترغبون إيضاح الطريقة التي يزال بها الجدار الحالي.
أولاً: من ناحية جواز رمي جمرة العقبة من فوقها، فهذا جائز شرعًا، بتصريح أهل العلم من المذاهب الأربعة وغيرهم، ولا نعلم أحدًا قال إن رميها من وفقها غير صحيح، وإنما رميها من بطن الوادي هو السنة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم فهو أفضل وأكمل بلاشك. وأما رميها من فوقها فصحيح ومجزي قولا واحدًا، ونحن نسوق هنا عبارات العلماء لاطلاع اللجنة الموقرة وغيرها، بل واطلاع الرأي العام.
أما كلام علماء الحنابلة فقال الموفق في "المغني" صحيفة 427" : وإن رماها – يعني جمرة العقبة – من فوقها جاز، لأن عمر رضي الله عنه جاء والزحام عند الجمرة فرماها من فوقها، والأول أفضل. أهـ. وقال في "الإقناع وشرحه" جزء 2 صحيفة 450: ذكره في "المنتهى وشرحه" و "الغاية" وغيرها من كتب المذهب.
وأما كلام علماء الشافعية فقال الإمام الشافعي في "الأم" جزء ثاني صحيفة 213: ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ومن حيث رماها أجزأه. وقال النووي في "شرح صحيح مسلم" جزء 9 ص42. وقد أجمعوا على أن من حيث رماها سواء استقبلها أو جعلها يمينه أو عن يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وقف وسطها ورماها، والاختلاف في الأفضل. أهـ.
وأما كلام المالكية فقال فلي"شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، للإمام أبي الحسن جزء أول صحيفة 477 و 478: وللرمي شروط صحة: وهي ثلاثة. وشروط كمال: وهي سبعة. وذكر السابع رميها من بطن الوادي فلو رماها من فوقها أجزاء. وقال في "الفواكه الدواني": على رسالة ابن أبي زيد القيرواني صحيفة 374:: ولا فرق في الإجزاء بين كون الرامي واقفًا أمام البناء أو تحته أو خلفه، لأن القصد إيصال الحصيات إلى أسفل البناء. أهـ.
وأما كلام الحنيفية فقال: في "المبسوط" للسرخسي جزء رابع ص66 قال: وإن رمي جمرة العقبة من فوق العفبة أجزأه، وقد بينا أن الأفضل أن يرميها من بطن الوادي، ولكن ما حول ذلك الموضع. كله موضع الرمي، فإذا رماها من فوق العقبة فقد أقام النسك في موضعه فجاز. أهـ. وقال في "فتح القدير" على الهداية جزء ثاني صحيفة 174. ولو رماها من فوق العقبة أجزأ، لأن ما حولها موضع النسك، والأفضل أن يكون من بطن الوادي، لما روينا. قال في شرحه: قوله: ولو رماها من وفق العقبة أجزأه. إلا أنه خلاف الستة، ففعله صلى الله عليه وسلم من أسفلها سنة، لا لأنه متعين، ولذا ثبت رمي خلق كثير في زمن الصحابة من أعلاها كما ذكرناه آنفًا من حديث ابن مسعود، ولم يأمرهم بالإعادة ولا أعلنوا بالنداء بذلك في الناس.
ثانيًا: من ناحية بناء الجدار الحالي والكتابة عليه (لا يجوز الرمي من هنا) الموجودة الآن. فهذا غلط محقي لا تعلم له مسوغًا وقد نهينا عن هذا من يتصل بنا في أيام الموسم وغيرها، فيتعين محو الكتابة، وهدم البناء، وتسهيل طريق الرمي للناس من جميع جوانب جمرة العقبة كغيرها من الجمرات.
ثالثًا: رغبة سموكم إيضاح الطريقة التي يزال بها الجدار الحالي حيث كان الرمي من فوق الجمرة جائزًا. فذلك راجع إلى نظر المختصين يمثل هذا، إلا أنه يتعين إبقاء الرمي – وهو الحوض – على ما كان عليه فلا يزاد فيه ولا ينقص منه، بل يبقى حسب حالته السابقة كنصف دائرة والشاخص في جانبها الشمالي، فإذا نزل من طول الجدار المذكور وخفف من عرضه تمكن الناس من الرمي من تلك الجهة، أما الشاخص فيبقى على حالته قائمًا ملاصقًا لجدار الجمرة الشمالي، ويجعل لما ارتفع عنه عن جدار الجمرة بترة ملازقة له تخالف لونه وتكون أطول منه بقليل وأعرض منه بقليل، لتحول بين الشاخص وبين من في الجهة الشمالية، تحتى لا يغتر أحد فيرمي ظهر الشاخص من شمال ويظنه هو المرمى. أما جوانب الرمي التي من يمين الشاخص والبترة وعن شمالهما والتي هي زائدة عن محاذاة الشاخص عرضًا فتنزل حتى تحاذي جدار الجمرة الجنوبي ليتمكن الناس من الرمي منها. وينبغي أن يكون إصلاح ما ذكر بحضرة مندوب من قبلنا لإيضاح معنى ما قررناه، وتطبيق ما تضمنته الفتوى. والسلام عليكم.
(ص – ف 1260 في 2/7/1383هـ)
(1190 – إنشاء دور ثان للجمار الثلاث ومظلات حولها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة معالي وزير الحج والأوقاف
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد اطلعنا على خطابكم رقم 1667 – 1 في 11/4/1382هـ حول إنشاء دور ثان للجمار الثلاث، وإقامة مظلات حولها، كما أطلعنا على صورة الخرائط والمواصفات التي وضعت لهذا المشروع.
ونفيدكم أننا لا نرى مانعًا من ذلك بشرط الاتيان على الغرض المقصود، والخلو من أي محذور شرعي. وفق الله الجميع، وجعل هذا العمل نافعًا، والسلام عليكم.
(ص – ف 1060 في 25/6/1382هـ)
(1191 – لا يجوز البناء في منى، ولا تصح الصلاة فيما غصب منه)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم سعود بن عبدالعزيز أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
ثم حفظكم الله لقد اطلعت على خطاب الشيخ حمود التويجري لجلالتكم، المؤرخ في 9/11/76هـ المتضمن النصيحة حول البناء في متى.
والحقيقة حفظكم الله أن ما ذكره هو عين الصواب، وكما أن المسجد الحرام لا يجوز لأحد أن يبني فيه منزلا، فهذا المشعر كذلك.
ومن استولى على شيء منه تملكًا وصلى فيه فصلاته غير صحيحة، لأنه صلى في مكان غصب. فالله الله إمام المسلمين في كف هذه الأيدي الغاصبة عن هذا المشعر الذي هو موضع هذه العبادة الخاصة إلى يوم القيامة. واغتصاب شيء منه أعظم من اغتصاب أملاك المسلمين المحترمة المنصوص عليها وعلى غيرها في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم. ألا هل بلغت" رواه أبوداود. وفق الله جلالتكم لما يحبه ويرضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (الختم)
(ص – م 2074 في 3/11/1376هـ)
(ديوان رئاسة مجلس الوزراء)
(1192 – اتفاق العلماء على عدم جواز البناء في منى وهدم الأبنية القديمة والحديثة)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد تلقينا خطابكم الكريم المؤرخ في 11/12/78هـ واطلعنا على ما ذكرتموه حول منى، والتماسكم ما لدي في حكم هذه المسألة وأن أجمع الإخوان العلماء وآخذ ما لديهم في ذلك. وأحيط جلالتكم بما يأتي:
1- أنه لاشك أحد في حسن قصد جلالتكم وإرادتكم الخير للمسلمين وما ينفعهم حالا ومستقبلا، وهذا شيء معروف، فجزاكم الله خير الجزاء وزادكم هدى وتوفيقا.
2- قد جمعنا من قدرنا عليه من المشائخ الذين حضروا في منى وهم إخوتي: الشيخ عبداللطيف، الشيخ عبدالملك، الشيخ عبدالله ابن حميد، الشيخ عبدالعزيز بن باز، السيد الشيخ علوي مالكي، الشيخ عبدالله بن جاسر، الشيخ عبدالله بن دهيش، الشيخ عبدالله ابن عقيل، وعرضنا المسألة – أعني مسألة منى – على بساط البحث، وقد اجتمع الرأي واتفقت الكلمة من الجميع أن إحداث شيء من النباء في منى أمر لا يصح شرعًا، لأن ذلك يقضي قطعًا على تفويت اشتراك الحجاج من المسلمين فيه، ولما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا نبني لك بيتًا تستظل به؟ قال: لا. منى مناخ من ساق"( ).
نحن والمشائخ المذورون متفقون على وجوب هدم ما كان بمنى من الأبنية القديمة والحادثة وعدم جواز بقائها، وإن كان عند أحد مستند في بقاء شيء منها فليحضره، وأنتم ولله الحمد رائدكم الحق وما يتمشى مع الأمر الشرعي، نسأل الله أن يتولاكم بتوفيقه. والسلام عليكم ورحمة الله.
(ص – م 367 في 14/12/1378هـ)
(وهذه أيضًا من الديوان( )
(1193- منع الأوقاف من بناء حوش تابع لها في منى)
من محمد بن إبراهيم إلى معالي وزير الحج والأوقاف بالنيابة
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد جرى اطلاعنا على خطابكم رقم 10821 وتاريخ 21/8/85هـ بخصوص طلبكم منا الإذن لكم بالبناء في الحوش التابع للأوقا في منى بجوار مسجد الخيف.
وتعلمون بارك الله فيكم ان البناء في منى غير جائز شرعًا، وأن تضرر الحجاج الآن وتشكي بعضهم من عدم وجود محلات يقيمون فيها في منى ايام النحر والتشريق ناشيء في الغالب من قيام مبان فيها أقيمت على سبيل الغصب والاعتداء، إذ الإحياء فيها محرم شرعًا، ومخالف لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله "منى مناخ من سبق"( ) لهذا تعتذر من إجابة طلبكم، وتأمل أن نتلقى منكم بصفتكم أحد المسئولين عن الحج ووسائل تيسيره ما يساعد على إزالة هذه المباني المغتصبة، لتكون منى كما أرادها صلى الله عليه وسلم "مناخ من سبق" والسلام عليكم.
مفتي البلاد السعودية
(ص – ف 3162 – 1 في 16/11/1385هـ)
(1194 – وتملكها والوقف بها غير صحيح)
من محمد بن إبراهيم إلى معالي وزير الحج والأوقاف بالنيابة.
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فبالإشارة إلى خطابكم رقم 732/5 وتاريخ 26/12/85هـ بخصوص رغبتكم منا إعطاءكم الإذن في البناء داخل حوش الأوقاف في منى. وذكركم أن البناء المراد إقامته داخل حوش الأوقاف، وفي منطقة لا مضايقة منها على الحجاج.
ونفيدكم أننا لا نرى مشروعية البناء في منى مطلقًا، وما ذكرتموه من تملك الأوقاف لهذا الحوش أو تملك غيرها من أي جهة كانت فهو تملك غير صحيح، وما كان أساسه باطلا فمقتضياته وملتزماته باطلة بالطبع. وقد كان الأولى بمعاليكم بصفتك المسئول مباشرة عن الحج وراحة الحجاج أن تغتنم منا فرصة موقفنا هذا من هذه المباني المقامة في منى ظلمًا وعدوانًا لتوحيد جهود يرجى أن يكون لها من النتائج الإيجابية ما يعيد لمنى حرمتها وإشاعتها لعموم الحجاج لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالسبق، كما قال صلى الله عليه وسلم "منى مناخ من سبق" هذا ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، والسلام عليكم.
مفتي البلاد السعودية
(ص – ف 697 - 1 في 6/3/1386هـ)
(1195 – ولم يصرح لأحد بالبناء)
من محمد بن إبراهيم إلى معالي وزير الحج والأوقاف بالنيابة سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد
فبالإشارة إلى خطابكم رقم 527 – و وتاريخ 1/11/1385هـ بخصوص تعقيبكم على خطابكم الموجه إلينا بعدد 253 – وتاريخ 6/8/1385هـ حول ما ذكرتموه من عزمكم على إنشاء مظلات وغرف للأوقاف داخل الحوش التابع للأوقاف في منى، وتذكرون أن وزارة الدفاع قد صرح لها ببعض الإنشاءات من فلل وخلافها، وقد أجبناكم أننا لا نوافق على البناء في مشاعر الحج مطلقًا، لحرصنا على توفير الراحة لحجاج بيت الله الحرام، ولما فيه من التضييق عليهم، ولمخالفته لقوله صلى الله عليه وسلم: "منى مناخ من سبق"( ) أما القول بأن وزارة الدفاع قد صرح لها بالبناء فلم يصدر منا لها إذن به. ولاشك أنها في الحكم كغيرها. ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد. والسلام عليكم.
مفتي البلاد السعودية
(ص – ت 3262 – 1 في 23/11/85هـ)
(1196 – حجز قطعتين لفرق صيانة العين)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد جرى الإطلاع على المعاملة المحالة إلينا رفق خطاب سموكم برقم 16523 وتاريخ 20/9/1378هـ بشأن قطعتي الأرض اللتين ترغب مصلحة عين زبيدة في حجزهما لها في منى لنزول فرق صيانة الماء والعمال والسيارات الوايتات ايام التشريق – المشتملة على قرار الهيئة المشكلة لهذا الغرض. وبتتبع المعاملة، ونأمل قرار الهيئة المتضمن تقريرهم بالاتفاق ان تضم القطعة المذكورة إلى إدارة عين زبيدة للاستنفاع بها في المصلحة الخيرية. إلى آخر ما قرروا.
نفيدكم أن هذا لا يجوز، وأن منى مشعر حرام يستوي العاكف فيه والباد، قال الله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلنا للناس سواء العاكف فيه والباد، ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) ( ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "منى مناخ من سبق". ويجب إزالة الأبنية الحديثة التي ظهرت مضايقتها لحجاج بيت الله الحرام وتجلي ضررها عليهم. فكيف بقرار الهيئة المشار إليه. ونفيد سموكم أننا لا نوافق عليه، ولا نقره، لما ذكرنا، ونأمل أن تتخذ الحكومة في شأنها ما يزيل الضرر ويكفل الراحة للحجاج والله يحفظكم.
(ص – في 982 في 27/10/1387هـ)
(1197 - وإنشاء سبيل في منى وغرفة ماتور)
حضرة المكرم القائم بأعمال الرئاسة بالمنطقة الغربية المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
نشير إلى خطابكم رقم 1916 في 17/2/82هـ ومشفوعة المعاملة الخاصة بطلب محمد عبدالقادر باشراحيل التصريح له بإنشاء سبيل وغرفة ماتور فوقه (بمنى) لغرض عمل سبيل لله تعالى، وما دار حول ذلك بينه وبين الأمانة..الخ.
ونفيدكم أن إنشاء السبيل وغرفة الماتور بمنى غير جائز، ولا يمكن السماح له بإقامة ذلك في منى، خاصة وأن الحكومة وفقها الله قد عملت على توفير ذلك، وإذا كان يقصد عمل الخير فأعمال البر وطرق الخير كثيرة. ونعيد لكم بطيه كامل الأوراق. والله يحفظكم.
رئيس القضاة
(ص – ق 1609 – 3 في 15/5/1382هـ)
(1198 – دورات المياه وخزانات الماء داخل المظلات)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة معالي وزير الحج والأوقاف بالنيابة
السلام علكيم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
نشير إلى خطابكم رقم 108 وتاريخ 30/3/85هـ حول دورات المياه وتوفير المياه وضرورة ذلك فلا مانع من إيجاد دورات المياه وخزانات الماء، وتكون داخل المظلات فقط بحيث لا تأخذ شيئًا من الأرض البيضاء المخصصة لنزول الحجاج. أما بناء مطابخ فلا ينبغي. والله يحفظكم.
(ص – م 1982 في 15/5/1385هـ) ( )
(1199 – بناء مظلة لحارس خزان في أعلى الجبل)
من محمد بن إبراهيم إلى الأخ المكرم مدير عام مصلحة عين زبيدة والعزيزية سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد وصلنا كتابك رقم 511 في 11/3/81هـ وفهمنا ما تضمنه من استفتائك عن حكم بناء مظلة فوق خزان مياه الشرب لحارس هذه المياه، حيث أن الضرورة تقتضي تعيين حارس للخزان يكون مسئولا عن صيانة الماء وحفظه من التلوث والأيدي، ولا مظلة لهذا الحارس تقيه حرارة الشمس. إلى آخر ما ذكرت.
ونفيدك أنه مادام الخزان في علو الجبل، والمطلوب إقامة مظلة فوق الجدران للحارس المذكور، وليس ذلك في مواقع سكن الحجاج ولا في طرقهم، فنرجو ألا يكون هناك مانع من ذلك، وبالله التوفيق.
والسلام عليكم.
(ص – ف 351 في 22/3/1381هـ)
(1200 – طرق منى ومنعطفاتها تبع لها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم أمين العاصمة
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد اطلعنا على الإعلان المنشور في صحيفة الندوة الصادرة في يوم الأربعاء الموافق 23/10/1381هـ بشأن أراضي وشوارع منى. وهذا نص الإعلان (تلقت أمانة العاصمة نظر العموم أن جميع أراضي وشوارع ومنعطفات منى هي تابعة لها، وسوف تقوم بتوزيعها على المواطنين في الوقت المناسب مجانًا وبدون أي أجرة، وليس لأي شخص حق التصرف في تأجيرها أو خلافه مطلقًا سواء كانوا من قريش أو خلافهم. ولإعلام الجميع بذلك صار نشره). وحيث أن منى مناخ من سبق كما ورد بذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أحببنا الاستفسار عن معنى ما نشرته أمانة العاصمة بهذا الصدد. والسلام عليكم.
(ص – ف 1332 في 29/10/1381هـ)
(1201 – وليس لمن بنى فيها حق الانقاض)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم أمين العاصمة
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فنشير إلى خطابك المرفق رقم 6072 – خ وتاريخ 9/10/1384هـ بشأن مباني منطقة منى التي لا توجد بأيدي أهلها مستندات رسمية وقد نزعت منهم لصالح التوسعة في تلك المنطقة، وذكرتم بأنه قد رصد لأصحابها تعويضات لدى الأمانة، وأن تسليمها متوقف على صدور صكوك من كاتب العدل، وترغبون إشعاركم بما نراه.
وعليه نشعركم بما يلي:
أولاً: إن منى مناخ من سبق ولا يحل البناء فيه، فأيدي هؤلاء كأيدي الغاصبين.
ثانيًا: إن هؤلاء ليس معهم حجة تجعل لهم شبهة تقتضي تعويضهم، فأنقاضها حينئذ ليس لها حرمة، لأنها لم توضع على أساس شرعية، ولذا فإنا لا نتمكن من تبليغ كاتب العدل حول ما ذكرتموه بشيء. والله يتولاكم. والسلام عليكم.
رئيس القضاة
(ص – ق 11191 – 1 في 9/11/1384هـ)
(1202 – ومن كان بناؤه باذن في سفح الجبل فيعوض عن الانقاض ويعطى في غير المشاعر وما لا يضيق على الحجاج)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد جرى الإطلاع على ما أبداه فضيلة رئيس المحكمة الشرعية الكبرى بمكة برقم 457 – 1 وتاريخ 7/3/77هـ حول طلب قبيلة قريش إثبات تملك لما بنوه من البيوت بآخر سوق العرب بسفح جبل بمنى بحجة الإذن لهم بالبناء على هذه الأرض بدلا من الأراضي التي أخذت منهم لتوسعة منى. وامتناع فضيلة رئيس المحكمة الكبرى في ذلك، تعليلاً بما ثبت شرعًا من اختصاصها منازل للحجاج أيام منى لكون الأرض التي عليها تلك الأبنية من منى، لقوله صلى الله عليه وسلم "منى مناخ من سبق"( ) وبنقض رئاسة القضاء بمكة لحكم الشيخ حسن مشاط عضو المحكمة الكبرى، المتضمن الحكم لبعض قريش على وكيل عين زبيدة بما أدعوه بما شمل بعض المشاعر المرفقة صورته. فوجد ما أبداه فضيلة رئيس المحكمة الكبرى صحيحًا.
وحيث ثبت أن بناء المذكورين بإذن فيعوضون عن بنائهم، ويناسب أيضًا إعطاؤهم أراضي ليست في مشعر من المشاعر، ولا في موضع يحصل به التضييق على الحجاج. والله يحفظكم.
(ص – ف 1222 في 2/11/1377هـ)
(1203 – منح امتياز مجزرة بمنى لا يجوز)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس الديوان العالي الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فبالإشارة إلى خطابكم رقم 8935 في 1/10/1372هـ المرفق به المعاملة المقدمة من النيابة بصدد الاقتراح المتقدم به عبدالكريم شريف حول طلبه الموافقة على منحه "امتياز مجزرة منى" ليستفيد من الفضلات، على أن يتعهد بحفظ اللحوم ببرادات لتبقى صالحة لتوزيعها على الفقراء. إلى آخر ما شرحه حول الموضوع.
فاتضح عدم جواز موافقته، فإنه يجب ويتحتم إلغاء جميع الامتيازات المتقدم بطلبها حول هذا الموضوع، لعدة محاذير شرعية:
منها: أن مثل هذا لا يصح شرعًا – لو كان ذلك الطلب للامتياز مطلوبًا في مجزرة دنيوية لا تعلق لها بالعبادات الدينية ومناسك الحج.
ثانيًا: أن في ذلك من مخالفة المقصود الشرعي من نسك النسائك ونحو وذبح القرابين في ذلك الموضع المقدس ما لا يخفى. وهؤلاء وإن أظهروا أو ظن غيرهم إمكان بقاء الأمر الشرعي بحاله فهو غلط واضح، والأمر الشرعي والمقصود الديني من هذه النسائك وأنها لا تجتمع مع اقتراحات هؤلاء أبين من الشمس في رابعة النهار.
وهاهنا عدة طرق كل واحد منها يخفف وطأة الأمور المخرفة، أو نحسم مادتها بالكلية. فإذا طلب بيان ذلك حصل إن شاء الله. والله يحفظكم.
(ص – م5 – 11 – 1382هـ) ( )
(1204 – الأمر السامي لا يراد به قطعًا شيئًا يخالف الشرع)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم فضيلة مدير أعمال
كتابة عدل مكة المكرمة سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على خطابك المرفوع لنا برقم 259 وتاريخ 28/2/1384هـ حول الأبنية في منى، وما وردكم أخيرًا من صورة خطاب سمو أمير منطقة مكة برقم 478 في 24/2/84هـ المعطوف على خطاب سمو وزير الداخلية، والمتضمن أمر صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء برقم 256 وتاريخ 13/1/84هـ.
ونفيدك بأن الأمر السامي لا يراد به قطعًا شيئًا يخالف الشرع المطهر، ومسألة الأبنية في منى سبق أن كتبنا أنها موضوعة بغير حق والله يتولاكم. والسلام.
رئيس القضاة
(ص – ق 1429 – 3 في 15 – 5- 1384هـ)
(1205 – نقض حكم بالتملك في منى)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..وبعد:
فقد جرى الاطلاع على المعاملة المحالة إلينا رفق خطاب سموكم برقم 22007 في 25/11/78هـ حول شكوى أحمد خليفة النبهاني من تكليفه بتسليم قطعة الأرض الواقعة ضمن محدوده في منى، المشتملة على الحكم الشرعي الصادر من الشيخ حسن مشاط، وعلى صورة ضبط جلسات المحاكمة. ويتتبع المعاملة، ومرفقاتها ودراستنا الحكم الشرعي الصادر فيها من الشيخ حسن مشاط عضو المحكمة الكبرى بمكة.
نفيد سموكم أن منى مشعر حرام لا يجوز تملك أرضها والاختصاص بها، بل يستوي العاكف فيها والباد. وقال الله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد، ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) ( ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "منى مناخ من سبق"( )
وقد سبق أن كتبنا لسموكم حول منى وحكم تملك أراضيها والاختصاص بها، وذكرنا لسموكم أنه يجب إيقاف الأبنية التي ظهر مضايقتها لحجاج بيت الله الحرام. وتجلى ضررها عليهم. ونحن لا نوافق على ما حكم به القاضي المذكور، ولا نقره، ونأمل أن تتخذ الحكومة في شأنها ما يزيل الضرر، ويكفل الراحة للحجاج ويحقق ما عناه الدين الإسلامي الحنيف من استواء العاكف فيه والباد. والله يحفظكم.
(الختم)
(ص – م 266 في 15/2/1379هـ)
(1206 – اقتراح اقامة بوابة لمدخل منى)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
أمير منطقة مكة المكرمة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على خطاب سموكم رقم 2139 – 3 وتاريخ 29/4/1383هـ المرفق بما كتبه لكم أمين العاصمة باقتراحه إقامة بوابة لمدخل منى على حدها، ليعرف الحجاج حدودها الشرعية فلا يتعدونها، وما أرتاته اللجنة العامة لمشاريع مناطق الحج من إحالة ما ذكر إلينا لمعرفة وجهة الشريعة في هذا.
وعليه فقد جرى منا تأمل ما ذكر. ولم نجد له مأخذًا شرعيًا، إذ لم يفعله أو يقل به أحد من سلف الأمة وأئمتها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فسوف يترتب على وضع البوابة من الازدحام وتراكم الناس وعرقلة سير المرور ما لا يخفى، ولهذا نرى أن يكتفي بما وضع على حدودها من علامات وأنصاب، وإن كانت غير مستوعية فتزاد بما تحصل به الكفاية، ويكتب عليها الكتابة المفهمة بأن هذه حدودها.
أما ما أشار إليه سموكم من مشكلة ضيق منى، وأنها لا تتسع الآن لجميع الحجاج نظرًا لزيادتهم في السنن الأخيرة وكثرة السيارات والخيام وغير ذلك فإن هذه الناخية رهن الدراسة، وهي تستدعي المزيد من التعمق في البحث، وسنوافيكم بالجواب إن شاء الله، والسلام عليكم.
(ص – ف 1292 – 1 وتاريخ 5/7/1383هـ)
(1207 – استنكار خبر إقامة ملعب في مزدلفة)
"برقية"
صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله الرياض
بلغني أنه سيتخذ موضع ملعب بناحية وراء مني في طرف مزدلفة، ومن المعلوم حفظك الله أن هذا حرم ومشعر، ولا يصح للملاعب، فهو لإقامة ذكر الله، والركعة فيه بمائة ألف ركعة. فالواجب منع ذلك وأرجو أن هذا الخبر ليس له صحة، كما أنه وإن سولت لأحد نفسه محاولة ذلك فإن عندكم من تقوى الله تعالى وتعظيم هذه المشاعر المفضلة ما يحصل منه نفي ذلك وعدم السماح به. وبرقيتي هذه زيادة تنبيه ولفت نظر، وإلا ففي غيرتكم وشعوركم بما يجب تجاه هذه المشاعر من الاحترام والصيانة كفاية.
محمد بن إبراهيم
(ص – م 2378 في 25/6/1380هـ)
(1208 – حدود عرفة، ووضع أعلام لها، وتوصيات)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
أمير منطقة مكة حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد
فبالإشارة إلى خطابكم رقم 121 وتاريخ 8/1/88هـ عطفًا على ما وردكم من سمو وزير الداخلية. المتضمن صدور الأمر الملكي بتشكيل لجنة لتحديد حدود عرفة، مكونة من عدد من طلبة العلم وأهالي تلك الجهة الذين يعرفون حدودها، ليقفوا على نفس المحل، ويقوموا بتحديدها، ووضع علامات واضحة عليها.
وعليه فقد اخترنا لذلك لجنة مكونة من كل من: الشيخ عبدالله ابن جاسر، والشيخ سليمان العبيد، والسيد علوي عباس مالكي، والشيخ عبدالعزيز بن فوزان. وكتبنا لهم بذلك برقم 3615 وتاريخ 22/8/88هـ فاعتمدوا ذلك. ومنهم كل من الشريف فائز الحارثي. و الشريف محمد بن فوزان الحارثي، والشريف شاكر ابن هزاع أبوبطين، وكل من: خيشان حامد القرشي وأخيه كريدم من بادية قريش، والشيخ محسن بابصيل، والمهندس فؤاد كامل حوا وهما من قبل وزارة الأوقاف. وقد وقفوا على عرفة ومشوا على حدودها وراجعوا النصوص الشرعية الواردة في هذا وكلام أهل العلم وطبقوه على واقع الأرض على حسب ما فهموه منها، ووضعوا بذلك قرارهم المرفق برقم بدون وتاريخ 17/10/88هـ وبرفقه خارطة وضعوها توضح حدود عرفة من جميع جوانبها، وقد تأملنا ما قرروه ومعنا جملة من الإخوان الذين يعتمد عليهم في مثل هذا. وبدراسة القرار المذكور والخارطة المرفقة له( ) ومراجعة ما أمكن الاطلاع عليه من كلام أهل العلم لم نجد ما يلاحظ عليه.
وعليه فلا مانع من إجازة ما ذكروه والعمل به، فتوضع على الحدود أعلام كبيرة عالية مخالفة لأعلام الحرم من حيث الارتفاع واللون وتصميم البناء لئلا يظن أنها من حدود الحرم، وتكون مرتفعة بحيث لا تحول الخيام والسيارات عن رؤيتها، ويكتب عليها كتابة واضحة بالنيلون وباللغات المشتهرة بأنها حدود عرفة.
كما نلفت النظر إلى ما ذكرته اللجنة من ملاحظة شق الطرق وتمهيدها وسفلتتها في جهات عرفة خصوصًا الجهة الشمالية والشرقية بوضع هندسي يربطها بالطرق الرئيسية المؤدية لمزدلفة، وتعمم فيها شبكة المياه الكافية، وذلك لتخفيف الضغط والزحام. والله الموفق. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص – ف 3404 – 1 في 1-11-1388هـ)
(كتاب سماحته للمشايخ)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرات أصحاب الفضيلة المشايخ الكرام: الشيخ عبدالله بن جاسر رئيس هيئة التمييز بمكة، الشيخ سليمان بن عبيد رئيس المحكمة الكبرى بمكة، الشيخ السيد علوي عباس مالكي المدرس بالمسجد الحرام، الشيخ عبدالعزيز بن فوزان عضو هيئة التمييز بمكة المكرمة المحترمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فموجبه إعلامكم بأن حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم أصدر أمرًا ساميًا بتشكيل هيئة مؤلفة من طلبة العلم ومن سكان عرفات ومن وزارة الحج والأوقاف، لوضع أعلامًا ظاهرة للعيان على حدود عرفات، ليتسنى لكافة الحجاج رؤيتها والوقوف داخل عرفات على هدى ارشادها في الحج. وأنيط بحضرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة وفقه الله تنفيذ هذا الأمر الجليل.
ولقد رأينا بعد ترو في الأمر أن تمثلوا طلبة العلم في هذه الهيئة، لما لكم من رؤية وخبرة. وهذا أمر لاشك أنكم تدركون أهميته، وأنه يتعين عليكم المشاركة فيه قيامًا بما أوجبه الله من بيان العلم، وحفاظًا على من يجهل حدود عرفات من الحجاج من عدم صحة حجهم. نسأل الله أن يسدد خطاكم ويجعل التوفيق للحق حليفكم والسلام عليكم ورحمة الله.
مفتي الديار السعودية ورئيس القضاة
(الختم)
(ص – م 3615 في 22/8/1388هـ)
(قرار الهيئة)
الحمد لله وحده وبعد: بناء على ما تلقينا من سماحة رئيس القضاة برقم 3615 وتاريخ 22/8/88هـ نحن: عبدالله بن جاسر، وسليمان بن عبيد، والسيد علوي عباس مالكي، وعبدالعزيز بن فوزان، المبني على أمر صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز المعظم بتشكيل هيئة مؤلفة من طلبة العلم ومن سكان عرفات ومن وزارة الحج والأوقاف، لوضع علامات ظاهرة للعيان على حدود عرفات يتسنى لكافة الحجاج رؤيتها، والوقوف داخل عرفات على هدي إرشادها في الحج، وأنه أنيط بحضرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة تنفيذ هذا الأمر الجليل، وقد رأى سماحته – وفقه الله – بعد ترو في الأمر أن تمثل طلبة العلم في هذه الهيئة لما لنا من روية وخبرة في ذلك، وأنه يتعين علينا المشاركة فيه قيامًا بما أوجبه الله من بيان العلم، وحفاظًا على من يجهل حدود عرفات من الحجاج خشية من عدم صحة حجهم.
وعليه فقد اعتمدنا الأمر، واجتمعنا في يوم الخميس الموافق 6/10/1388هـ في عرفات، وبصحبتنا كل من الشريف فائز الحارثي، والشريف محمد بن فوزان الحارثي، والشريف شاكر بن هزاع أبوبطين، واثنين من بادية قريش المقيمين بتلك الجهة وهما خيشان بن حامد القرشي وأخوه كريدم، ومندوب وزارة الحج والأوقاف الشيخ محسن بن الشيخ بابصيل والمهندس فؤاد بن كامل حواريا، واستعرضنا النصوص الشرعية في حدود عرفات من مظانها ككتب المناسك والأحكام والتواريخ والمعاجم. ووقفنا على منتهى جميع جهات عرفات شمالاً وغربًا وجنوبًا وشرقًا. فظهر لنا بعد الدراسة لذلك من جميع النواحي أن تحديد موقف عرفات يرجع فيه إلى ما يلي:
أولاً: ما رواه الإمام أحمد في مسنده برجال ثقات عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "وقفت ها هنا وكل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة" وأصل الحديث في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه.
ثانيًا: ما رواه الأزرقي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرفة، إلى جبال عرنة إلى الوصيق، إلى ملتقى وصيق بوادي عرنة.
ثالثًا: ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله في (الأم ج2 ص179): عرفة ما جاوز وادي عرفة الذي فيه المسجد – وليس المسجد ولا وادي عرنة من عرفة – إلى الجبال المقابلة على عرفة كلها مما يلي حوائط ابن عامر وطريق الحضن، فإذا جاوزت ذلك فليس من عرفة. أهـ.
وهذه الأدلة الثلاثة المتقدمة توضح في مجموعها حدود موقف عرفات من جميع الجهات، وما اطلعنا عليه من كلام العلماء لا يعدو في الغالب أن يكون بيانًا لما تقدم وإيضاحًا له.
وعليه فقد ظهر لنا مما تقدم بعد البحث والتطبيق أن حد موقف عرفة من جهة الشمال الشرقي هو الجبل المشرف على بطن عرنة المسمى بجبل سعد، والذي وصفه صاحب جغرافية شبه الجزيرة العربية حيث قال: وهناك تجد الجبل قد حلق الوادي وقفله أمامك من الشرق بشكل قوس كبير، وعلى طرف القوس من جهة الجنوب طريق الطائف. أهـ. وهذا هو المشاهد من واقع الجبال. وسيأتي مزيد إيضاح له من كلام العلماء رحمهم الله. ويمتد الحد من هذه الجهة مبتدئًا من منتهى الجبل المذكور مما يلي الغرب متجهًا إلى الغرب حتى ينتهي بملتقى وادي وصيق وادي عرنة، وذلك أن وادي وصيق يأتي من ناحية الشرق بالنسبة لجبل سعد متجهًا إلى الغرب ثم ينعطف إلى الجنوب وعندئذ يلتقي بوادي عرنة عندما يقابل منتهى جبل سعد الغربي، فإذا اجتمع وصيق ووادي عرنة صارا واديًا واحدًا يتلاشى معه اسم وصيق ويكون الاسم لوادي عرنة فقط، كما أفاد بذلك أهل المعرفة بتلك الجهة، وتبلغ المساحة من سفح جبل سعد الغربي إلى ملتقى وصيق بوادي عرنة (ألف متر).
ويدل على ذلك ما جاء في أثر ابن عباس المتقدم حيث قال: حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفة إلى الوصيق إلى ملتقى وصيق بوادي عرنة.
ويؤيد هذا أيضًا أن جميع ما اطلعنا عليه من كلام العلماء رحمهم الله متفق على أن حد موقف عرفات من الجهة الشمالية الشرقية هو جبل سعد المذكور، وحد موقف عرفة من الجهة الغربية وادي عرنة. يبتديء من الجهة الشمالية من ملتقى وادي وصيق بوادي عرنة، وينتهي من جهة الجنوب عندما يحاذي أول سفح الجبل الواقع جنوبي طريق المأزمين وطريق ظب والذي طرفه الشمالي قرية نمرة من الجهة الشرقية غربي الواقف هناك وغربي سفح الجبال التي في منتهى طرفه من جهة الجنوب شرقيه بخط مستقيم. وبين وادي عرنة المذكور وبين الموقف علمان كبيران يقعان شمالي شرقي مسجد إبراهيم، وهما الحد الفاصل بين وادي عرنة وبين عرفة، كما ذكر ذلك تقي الدين الفاسي في كتابه "شفاء الغرام"( ) قال: وكان ثمة ثلاثة أعلام، فسقط أحدها وهو إلى جهة المغمس، وأثره بين، ورأيت عنده حجرًا ملقى مكتوب فيه: أمر الأمير الاصفهلار الكبير مظفر الدين صاحب اربل حسان( ) أمير المؤمنين بإنشاء هذه الأعلام الثلاثة بين منتهى أرض عرفة ووادي عرنة، لا يجوز لحاج بيت الله العظيم أن يجاوز هذه الأعلام قبل غروب الشمس. وفيه: كان ذلك بتاريخ شهر شعبان من سنة (605) ورأيت مثل ذلك مكتوبًا في حجر ملقي في أحد العلمين الباقيين، وفي هذين العلمين مكتوب: أمر بعمارة علمي عرفات، وأضاف كاتب ذلك هذا الأمر للمستظهر العباسي. ثم قال: وذلك في شهر سنة أربع وثلاثين وستمائة. أهـ.
وقال في "مواهب الجليل" شرح مختصر خليل: وعرفة متسعة من جميع الجهات. والمحتاج إليه من حدودها ما يلي الحرم، والاختلاف فيه. ولئلا يجاوزه الحاج قبل الغروب: وقد صار ذلك معلومًا بالأعلام التي بنيت، وكانت ثلاثة، فسقط منها واحد وبقي اثنان، مكتوب في أحدها: إنه لا يجوز لحاج بيت الله أن يجاوز هذه الأعلام قبل غروب الشمس. أهـ.
وقد يقول قائل: إن ما جاء في حديث جابر الذي في مسلم وغيره "حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة" بفهم منه بأن نمرة من عرفة. ويجاب عن ذلك بأننا لم نر من استشكل هذا من العلماء. وقال صاحب "المنهل العذب" على شرحه لهذا الحديث: أي لما قارب، لأن نمرة قبل عرفة. أهـ. يؤيد ذلك ما جاء في حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن خطب وصلى بعرفة ركب حتى أتى الموقف يعني أرض عرفة. كما أوضح ذلك في "المنهل العذب" المورود. شرح سنن أبي داود.
وأيضًا فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أن عرنة تمتد عرضًا إلى أعلام حدود الحرم. الأمر الذي يتضح منه بأن ذلك جميعه خارج عن حدود عرفة.
ثم يأخذ الحد من العلم الجنوبي من العلمين المذكورين بالاتجاه إلى ما بين الجنوب والغرب بخط مستقيم إلى أن يصل إلى المنارة الواقعة شرقي شمال مسجد إبراهيم القديم، وبين العلم الجنوبي المذكور وبين مسجد إبراهيم سبعمائة وأربعة وستون ذراعًا بذارع الحديد، كما ذكر ذلك الفاسي.
ثم إن الحد يأخذ متجهًا إلى الجنوب من منتهى مسجد إبراهيم القديم إلى الجهة الجنوبية حتى يصل إلى منتهى عرفة من جهة الجنوب الموضح عنه بعاليه. ومنه يتضح بأن"مسجد إبراهيم" القديم الذي ذرعه مبتدؤه من الناحية الغربية إلى منتهاه من الناحية الشرقية (مائة وستون ذراعًا) كما ذكره الأزرقي في "تأريخ مكة" خارج عن موقف عرفات. وقد قال بعض أهل العلم: إن مقدم المسجد – أعني القديم – في وادي عرنة، ومؤخره في عرفات. وهو قول إمام الحرمين الجويني، والقاضي حسين، والرافعي، وجماعة من الخراسانيين. قالوا: ويتميز ذلك بصخرات كبار فرشت هناك. وقيل إن جميع المسجد من عرفة وأن جداره الغربي لو سقط لسقط على بطن عرنة قال ذلك في "البحر العميق" نقلا عن الطرابلسي وغيره. ولكن الأولى بأخذ قول الجمهور في أن جميع المسجد القديم خارج عن حدود عرفة فلا يصح الوقوف فيه كما أوضحنا ذلك بعاليه، ولأن الأخذ بهذا القول أحوط لهذه العبادة العظيمة الخطرة. أما الزيادة التي أدخلت فيه بعهد حكومتنا الحاضرة وفقها الله فإنها داخلة في موقف عرفات. وإن كانت هذه الزيادة خارجة في رأي العين عن مسامتة العلمين اللذين وضعهما ملك الإربل إلى جهة الغرب قليلاً. لأننا لم نسر من العلماء رحمهم الله من استثنى شيئًا مما كان خارج المسجد القديم من الجهة الشرقية وأدخله في حدود عرفة، بل صرح بعضهم بأن الإنسان إذا خرج من المسجد – أعني القديم – يريد الوقوف فقد دخل عرفة من حين يخرج( ).
ويدل على هذا الحد ما رواه الإمام أحمد في مسنده برجال ثقات، عن جبير بن مطعم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وقفت هاهنا وكل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة" وأصل الحديث في صحيح مسلم وقد تقدم. فدل قوله صلى الله عليه وسلم: "وارفعوا عن بطن عرنة" إن وادي عرنة ليس من موقف عرفة، إذ لو كان منه لما أمر بالرفع عنه، والأمر بالرفع يقتضي النهي عن الاتيان، بل لما كان وادي عرنة ملاصقًا لموقف عرفة ومشابهًا له احتاج إلى التنبيه من المرشد الأعظم صلوات الله وسلامه عليه لأمته، كما وأنه لو كان وادي عرنة المذكور موقفًا والنهي عن الوقوف فيه لعلة أخرى لوضحها الشارع صلى الله عليه وسلم. فلم ينقل عنه صلوات الله وسلامه عليه جواز الوقوف بوادي عرنة، ولا عن أحد من أصحابه بعده، بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بنمرة إلى أن زالت الشمس، ثم أتى بطن الوادي فخطب الناس خطبته المشهورة، وصلى الظهر والعصر جمعًا، ثم ذهب إلى الصخرات. وقال: "وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف" الحديث. ولم يقل هذا إلا بعد ان ذهب من نمرة ومن المسجد معًا الأمر الذي يتضح منه عدم دخول المسجد وما ب عده من الجهة الغربية في مسمى عرفة التي هي مكان الوقوف.
وقد صرح بذلك كثير من الأئمة والعلماء الأعلام كأحمد بن حنبل والشافعي حيث قال الشافعي وهو المكي القرشي في "الأم": وعرفة ما جاوز وادي عرنة الذي فيه المسجد، وليس المسجد ولا وادي عرنة من عرفة. وقال النووي في "الإيضاح": واعلم أنه ليس من عرفات وادي عرنة ولا نمرة ولا المسجد المسمى مسجد إبراهيم ويقال له أيضًا مسجد عرفة، بل هذه المواضع خارجة عن عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة وهذا نص الشافعي. أهـ. وقال في "المجموع": أما مسجد إبراهيم فقد نص الشافعي على أنه ليس من عرفات. وان من وقف به لم يصح وقوفه. وقال القشيري: والمسجد الذي يصلي فيه الإمام اليوم يوم عرفة هو في بطن عرنة، فإذا خرج منه الإنسان يريد الوقوف فقد صار في عرفة من حين يخرج. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ونمرة كانت قرية خارج عن عرفات من جهة اليمين. فيقيمون بها إلى الزوال كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي وهو موضع النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى فيه الظهر والعصر وخطب وهو في حدود عرفة ببطن عرفة. وهناك مسجد يقال له مسجد إبراهيم، وإنما بني في أول دولة بني العباس. أهـ. وقال ابن القيم رحمه الله: نمرة قرية، غربي عرفات، وهي خراب اليوم. نزل بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت له. ثم سار حتى أتي بطن الوادي من أرض عرنة فخطب الناس، وموضع خطبته لم يكن من الموقف. فإنه خطب بعرنة وليست من الموقف. فهو صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة. وخطب بعرنة، ووقف بعرفة. أهـ.
وقد يقول قائل: إن ما بين العلمين المذكورين أعلاه واللذين وضعهما ملك الاربل في عام 605 وبين مجرى وادي عرنة في الوقت الحاضرب مسافة لا يقل عرضها عن (مائة متر) وهي مرتفعة عن مجرى عرنة، فكيف لا تكون داخلة في حدود موقف عرفة.
فيقال: إن هذين العلمين قد وضعا منذ سبعمائة وثلاثة وثمانين عامًا. ولم يغيرا على مر السنين بل أبدا ممن نقلنا عنهم ذلك أعلاه ومن غيرهم. الأمر الذي يدل على أنهما حد مجرى وادي عرنة حينذاك. وأيضًا فإن سهول عرفة كلها رمال تنتقل. الأمر الذي يتلمح منه أن مجرى وادي عرنة القديم يشمل هذا المرتفع ولا يزول الحكم بالارتفاع بسبب تراكم الأتربة بهبوب الرياح وجريان السيل، وقد يشتد سيل الوادي في بعض الأحيان فيعلو عليه ويزيله. وقد ذكر أهل الخبرة من أهل تلك الجهة أنه عند اشتداد السيل بعلو هذا المرتفع.
وتبلغ المساحة لهذا الحد ابتداءً من ملتقى وصيق بوادي عرنة من الجهة الشمالية إلى منتهاه من الجهة الجنوبية الموضح ذلك أعلاه (خمسة آلاف متر). كما وأن المساحة التي بين جبل الرحمة إلى ملتقى وصيق بوادي عرنة تبلغ (ثلاثة آلاف متر). ومن جبل الرحمة إلى مسجد إبراهيم قدر ميل، كما صرح بذلك النووي رحمه الله في "الإيضاح" حيث قال: وبين المسجد والجبل الذي بوسط عرفات. المسمى جبل الرحمة قدر ميل. وجميع تلك الأرض يصح الوقوف فيها. وتبلغ مساحة المسجد من ركنه الشمالي الشرقي إلى ركنه الجنوبي الشرقي (23ذراعًا) كما ذكر ذلك الأزرقي في "تاريخ مكة" كما وأن مساحة ما بين منتهى مسجد إبراهيم من الجهة الشرقية الجنوبية وبين منتهى الحد الجنوبي الغربي (ألف وثلاثمائة متر). وتبلغ المساحة إبتداء من ملتقى الحد الجنوبي بالغربي إلى جبل الرحمة (ثلاثة كيلو متر). ويحد موقف عرفات من الجهة الجنوبية الجبال المقابلة للجبل الشمالي المسمى الآن بجب لسعد والواقعة يمين الذاهب إلى الطائف. ويمتد الحد من الجهة الغربية مبتدئًا من سفح الجبل الغربي من الجبال المذكورة بخط مستقيم جنوبي متجهًا إلى الجبل الواقع جنوبي طريق المأزمين وطريق ضب حتى يلتقي بمجرى وادي عرنة، وبهذا ينتهي الحد من الجهة الجنوبية الغربية وتبلغ مساحته (ألف وخمسمائة متر) وتبلغ مساحته ما بين منتهى سلسلة الجبال المذكورة من جهة الغرب إلى جبل الرحمة (2600م). أما منتهاه من الجهة الجنوبية الشرقية فهو منعطف سلسلة الجبال الجنوبية المذكورة من جهة الشرق والذي اخترق معه في الوقت القري طريق للسيارات الذاهبة إلى الطائف والمقابل لمنتهى جبل سعد من جهته الجنوبية والواقع شرقي المقاهي المعروفة بأم الرضوم. فتكون قرية عرفات وما أدخله الحد المذكور من حوائط ابن عامر داخل جميع ذلك في عرفات.
ويدل على هذا الحدما تقدم من قول الشافعي في "الأم" من أن عرفة ما جاوز وادي عرنة الذي فيه المسجد. وليس المسجد ولا وادي عرنة من عرفة إلى الجبال المقابلة على عرفة كلها مما يلي حوائط ابن عامر وطريق الحضن. فإذا جاوزنا ذلك فليس من عرفة. وقال في "فتح مسالك الرمز" لعبد الرحمن عيسى الحنفي: وحد عرفة ما بين الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال المقابلة لعرفة مما يلي حوائط ابن عامر وطريق الحضن. وما جاوز ذلك فليس منها. أهـ. وقال الموفق في "المغني": وحد عرفة من الجبال المشرفة على عرفة إلى الجبال المقابلة له مما يلي حوائط ابن عامر، وهذه عبارة الشرح الكبير، والكافي، والإقناع، والمنتهى، والغاية. وما ذكر من قول الإمام الشافعي وفقهاء الحنابلة يدل على أن حد عرفة من هذه الجهة هي سلسلة الجبال المذكورة المقابلة لجبل سعد.
ويزيد هذا الحد وضوحًا ما قاله الطبري في "القرى" نقلاً عن البلخي: حائط ابن عامر غير عرنة. ويقربه المسجد الذي يجمع فيه الإمام الظهر والعصر. وهو حائط نخل وفيه عين تنسب إلى عبدالله بن عامر بن كريز. قلت: وهي الآن خراب. وقال ياقوت في "معجم البلدان" نقلاً عن البنا: قرية عرفة قرية فيها مزارع وخضر ومباطخ، وبها دور حسنة لأهل مكة ينزاونها يوم عرفة. الموقف منها على صيحة. وقال النووي في "المجموع" و "الإيضاح": قال بعض أصحابنا: لعرفات أربع حدود: الأول ينتهي إلى حافة المشرق. الثاني إلى حافة المشرق. الثاني إلى حافة الجبال التي وراء أرض عرفات. الثالث إلى البساتين التي تلي قرية عرفات. وهذه القرية على يسار مستقبل الكعبة إذا وقفت بأرض عرفات. الرابع ينتهي إلى وادي عرنة.
ويشهد بذلك أيضًا مشاهدة العيان فإنه بوقوفنا على هذه الجهة بعرفات وجدنا آثارًا لتلك الحوائط منه الجهة الجنوبية وهو ما كشفته الرياح من آثار المصانع والبرك الكبار والأساسات القوية التي تشير إلى أنه كان فلي الموضع قصور وحوائط وجوابي واسعة تليق بمكانة هذا الرجل ااشهير. والذي قال ابن الأثير عنه: إنه أول من اتخذ الحياظ بعرفة وأجرى فيها العين.
كما أنه بسؤالنا من اتفقنا به من القاطنين بتلك الجهة من زمن قديم وهم قريش عن موضع حوائط ابن عامر أشاروا إلى جنوب بعرفات حيث الآثار المذكورة، ومثل هؤلاء تعتبر إفادتهم دليلاً مستقلاً بذاته لتلقيهم ذلك عن أسلافهم جيلاً بعد جيل.
وأيضًا فإن عرفة محاطة من الشرق والشمال بالجبال الشاهقة، ومن الغرب بوادي عرنة، فلم يبق موضع قابل لأن يكون حوائط وبساتين سوى هذا الموضع.
ويحد موقف عرفات من الجهة الشرقية جبل عرفات المسمى الآن بجبل سعد والواقع شرقي جبل الرحمة والممتد على شكل قوس من جهة الشمال إلى جهة الجنوب كما أوضحنا ذلك بعاليه. وينتهي هذا الحد من الجهة الجنوبية بمنعطف سلسلة الجبال الجنوبية من جهة الشرق. والدليل على ذلك قول ابن عباس رضي الله عنه المتقدم من: أن حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عونة إلى جبال عرفة إلخ.. وقول الإمام الشافعي المتقدم أيضًا: وعرفة ما جاوز وادي عرنة الذي فيه المسجد، وليس المسجد ولا وادي عرنة من عرفة. إلى الجبال المقابلة على عرفة كلها مما يلي حوائط ابن عامر وطريق الحضن الخ.. وتبلغ المساحة لهذا الحد إبتداء من جبل الرحمة إلى ملتقى الحد الجنوبي بجبل سعد بطريق الذاهب إلى الطائف (ألف وسبعمائة متر).
وحاصل ما تقدم هو: أن حد موقف عرفة من الجهة الشمالية الشرقية جبل سعد. و من الجهة الغربية الأعلام الواقعة بين الموقف وبين وادي عرنة ومنتهى مسجد إبراهيم القديم من الجهة الشرقية. يبتديء هذا الحد من الجهة الشمالية بملتقى وصيق بوادي عرنة. وينتهي من الجهة الجنوبية عندما تحاذي سفح الجبل الواقع جنوبي طرثق المأزمين وطريق ضب من الجهة الشرقية غربي الواقف هناك وسفح الجبل الغربي من الجبال الشرقية شرقي الواقف هناك بخط مستقيم. ومن الجهة الجنوبية وجوه سلسلة الجبال الجنوبية من جهة الشمال والمخترق معها طريق الطائف الآن( ) وينتهي من الجهة الغربية بوادي عرنة.

عبدالرحمن الفقيه.
24-01-04, 04:57 AM
هذا وليعلم أن وجوه الجبال المحيطة بعرفات داخلة في الموقف كما ذكر ذلك إمام الحرمين حيث قال: ويطيف بمنعرجات عرفات جبال وجوهها المقبلة من عرفات. وأن قرية عرفات وما أدخله الحد الجنوبي من حوائط ابن عامر داخل في الموقف، ويشهد لهذا ما قاله الماوردي عن الشافعي: حيث وقف الناس من عرفات في جوانبها ونواحيها وجبالها وسهولها وبطاحها وأوديتها.الخ... ويستأنس لهذا بحديث عروة بن مضرس "والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه" الحديث( ) ولما جاء في السنن أن يزيد بن شيبان كان في مكان بعيد من موقف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "كونوا على مشاعركم هذه".
كما أن وادي عرنة والمرتفع الذي بين العلمين وبين مجرى الوادي حاليًا ومسجد إبراهيم القديم ووادي وصيق جميع ذلك خارج حدود موقف عرفات كما أوضحنا ذلك في مواضعه.
هذا وليعلم بأنه لا فضيلة الوقوف على الجبل الذي يقال له جبل الرحمة، بل كره الإمام مالك رحمه الله الوقوف على جبل الرحمة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا يسن صعوده إجماعًا.
هذا ما ظهر لنا من حدود هذا الموقف العظيم الهام بعد الاستقصاء للأدلة وتتبع الآثار والمعالم التي يهتدي بها إلى معرفة الحدود، وبعد سؤال أهل الخبرة والمعرفة من أهل مكة ومن سكان تلك الجهة.
هذا ونوصي بأن يوضع على الحدود التي أوضحناها والتي لم تحدد بعد أعلامًا كبيرة عالية لا يقل ارتفاعها ومتانتها عن أعلام حدود الحرم، ويكتب عليها باللغات المشتهرة بأنها حدود الموقف وأن من وقف خارجًا عنها فلا يصح حجه، وأن يكون بين كل علمين مائتا متر على الحد الأقصى.
كما توصي اللجنة أيضًا بأن يشق في جميع عرفات طرق متعددة. وخاصة الجهة الشمالية والشرقية. بوضع هندسي يربطها بالطرق الرئيسية المؤدية إلى مزدلفة، وتعمم فيها شبكة مياه كافية ليحصل بذلك تخفيف الضغط والازدحام خاصة وقت الانصراف. أهـ.
والله نسأله أن يوفق ولاة الأمر إلى ما فيه صلاح الأمة وهداها إلى الصراط القويم. وأن ينصر دينه ويعلي كلمته. وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه. وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
رئيس محكمة التمييز للمنطقة الغربية: عبدالله بن جاسر.
رئيس المحكمة الشرعية الكبرى: سليمان بن عبيد.
المدرس بالمسجد الحرام: علوي عباس مالكي
عضو هيئة التمييز: عبدالعزيز بن فوزان
(هذا القرار وجدته عند فضيلة الشيخ سليمان العبيد عضو الهيئة المذكورة وأحد تلاميذ الشيخ البارزين).
(1209 – بناء المظلات في عرفة ومنى)
من محمد بن إبراهيم إلى معالي وزير الحج والأوقاف بالنيابة. سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فقد جرى اطلاعنا على خطابكم رقم 253 – د وتاريخ 4/1/85هـ بخصوص ذكركم أن مشاريع هذا العام قد اشتملت على إبدال سقف المظلتين المخصصتين لإيواء الحجاج التافهين بعرفات بأسقف من الأسمنت المسلح بدلا من الأسقف المصنوعة من الجملون التنك والخشب، وعلى إنشاء دور ثان من المظلات على عنابر التائهين بمنى فوق المظلات الحالية. إلى آخر ما ذكرتم. وطلبكم منا الإذن لكم بمباشرة البناء.
ونفيدكم - مع أنه لا يخفى عليكم – أن البناء في المشاعر غير سائغ شرعًا، لما فيه من التضييق على الحجاج، ولا نريد أن نمثل لكم بحال منى، وكيف أن البنايات فيها صارت موضع الشكوى والمضايقات لحجاج بيت الله الحرام.
لهذا فإننا نعتذر من إجابة طلبكم، ونأمل أن نجد منكم بصفتكم أحد المسئولين عن الحج ما يساعد على تنفيذ قوله صلى الله عليه وسلم (منى مناخ من سبق) ( ) وكذلك الحال في بقية المشاعر والسلام عليكم.
مفتي البلاد السعودية
(ص – ف 3161 – 1 وتاريخ 16/11/1385هـ)
(أحكام المناسك)
(1210 – الحج واجب، والعمرة فيها الخلاف)
ومن واجبات الدين على المستطيع وأحد أركان الإسلام حج بيت الله الحرام. قال الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) ( ) وقال أبوهريرة رضي الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا"( ) الحديث.
وعلى الحاج أن يجتنب في حجه الرفث والفسوق والمراء. وأن لا يقصد بحجه رباء ولا سمعة. وأن يطيب نفقته في الحج. وأن لا تكون من كسب حرام، فبذلك يبر حجه. ويتحقق له الثواب الجزيل وهو الجنة كما في الحديث: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"( ) . وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن كثيراً ممن يحج لا يهتم منذه الفريضة. فلا يتعلم أحكامها، ولا يسأل أهل العلم عن ذلك. وقد قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ( ) ولهذا يقع من كثير من هؤلاء الإخلال ببعض الواجبات وفعل بعض المحظورات مما قد يفسد حجه من أصله أو ينقصه التنقيص الذي يأثم به.
(من نصيحة عامة صدرت بتاريخ 14-98-73 هـ ذكرت هذا القدر منها هاهنا)
أما العمرة فالصحيح أنه لا دليل على وجوبها، فإن الآية فيمن شرع فيه فلو نوى قطعه فليس له رفضه، وكذلك العمرة لو نوى رفضها، فإنه لا يخرج من هاتين العبادتين بحال حتى فاسدهما بمضيان فيه. (تقرير)
(1211 – الشرطي هل يجوز له الحج بدون أذن مرجعه)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم فارس بن ناهي العنزي سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فقد جرى اطلاعنا على استفتائك بخصوص ذكرك أن لك بالخدمة العسكرية ست سنوات، وأنك كل سنة تحاول الحج فلم يؤذن لك. ونسأل: هل يجوز لك الحج بدون إذن من مرجعك؟
ونفيدك أنك إذا كنت مستطيعًا للحج فيتعين عليك أداؤه حيث أنه أحد أركان الإسلام، ويخشى على من تركه مستطيعًا أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا. وأما ذكرك أن مرجعك لا يأذن لك بالحج فلا نتصور ذلك، وأنت اعرض كتابنا هذا على مرجعك فإنه حسن. والسلام عليكم.
مفتي البلاد السعودية
(ص – ف 3302 – 1 في 24/11/1385هـ) ( )
(1213 – التحذير من ادخال الصغير في النسك وعدم اخراجه)
النسا يختلفون: أما الصحابة فإنهم يدخلونه في النسك ويخرجونه منه. أما بعض أهل الوقت فهم يدخلونه فيه ولا يخرجونه منه.فأفاتته فضيلة خير من الوقوع في مأثم. فهناك شروط وأشياء تخفى على العوام. (تقرير)
(1214 – شروط الطواف به راكبًا أو محمولاً)
يشترط أن يكون ركوبه وجهة حامله بحيث إذا مشى حامله فإذا البيت عن يساره: إما أن يجلسه على كتفه ورجليه متدلية إلى صدر الحامل، او يفحجه على عنقه الذي هو (العك) أو يسند ظهر الصبي على صدره ويلقفه بيده. وإلا لو جعل وجهه إلى الكعبة بأن طاف (مويرك) فلا يصح أو (مويرك) من الناحية الأخرى أو وجهه خلف، لأن أحد شروط الطواف أن يجعلها عن يساره.
وإذا طاف الولي ناويًا هذا الطواف للصبي( ) وكان صغيرًا دون التمييز فهذا الطواف للصغير. ولو نواه الكبير لنفسه فلا يكون للصغير. أو نواهما جميعًا فلا يكون لا للصغير ولا للكبير. (تقرير)
(1215 – الطواف راكبًا للعذر فقط)
الذي يظهر من كلام الشيخين موافقة كلام الأصحاب أنه لا يصح راكبًا إلا لعذر. وماجاء من طواف النبي راكبًا فإنه لعذر وهو خشية حطمة الناس عليه. وهو أنهم يزدحمون عليه حجة وتعظيمًا وأخذًا للمناسك عنه( ). (تقرير)
قوله: وبعد النفقات الشرعية على الدوام.
ليس المراد إلى أن يموت، بل المراد أنها مادامت هكذا من حالها ودرها عليه لكفاء بكل حال لا في حال عن حال. (تقرير)
(1216 – الخفارة، والرفق، والجنود، والأدلاء)
قوله: بلا خفارة.
هذا عند الأصحاب. وعند غيرهم أنها إذا كانت قليلة فلا تمنع الوجوب. وهذا هو الظاهر، لأن الإنسان يدفع القليل ولا يعده شيئًا. ثم هذا الرفق غير الخفارة. والجند الذين تبعثهم الولاة مع الحجاج غير الخفارة. والذين تدفع لهم الخفارة لا تحل لهم، ولا يجوز الدفع لهم، لكن بالنسبة إلى غرض هذا الحاج كل ما صار واجبًا أو مندوبًا أو لمصلحة فيه راجحة فإن الإنسان يدفع إلى الظلمة ما يتخلص من شرهم، وهولا إثم عليه لأنه دعا إليه الداعي. أما ما يعطاه الأدلاء ومن يبعهثم ولي الأمر مع الحجاج فهؤلاء إذا أعطوا شيئًا جاز لهم أخذه إن لم يعطوا، لأنهم يتحملون المسئولية والذب عن الحجاج.
وهذا فيمن يرسلهم في كلام الشيخ.
والأدلاء لا يلزمهم أن يدلوا.
وإن أعطوا من بيت المال فإنه شيءئ يصلح الدفع لهم منه.
(تقرير)
(ثلاث مسائل)
(1217- والده غني وعاجز عن الحجد فأقام من يحج عنه من ماله)
(1218 – ولد عمه مختل الشعور إلى أن مات)
(1219 – عمته غنية وماتت ولم تحج)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم محمد بن محمد بن علي القحطاني سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
سألت في كتابك المؤرخ في 11/8/1387هـ عن ثلاثة أسئلة:
الأول: كان والدك غنيًا وعاجزًا عن الحج فأقمت من يحج عنه فرضه بإذنه من ماله فحج عنه فهل تصح هذه الحجة عنه؟
الجواب: إذا كان الأمر كما ذكرت فالحجة واقعة عن أبيك إذا كان الشخص الذي حج عنه قد حج عن نفسه. فإذا كان لم يحج عن نفسه فلا تقع هذه الحجة عن والدك، بل يحج عنه من ماله.
الثاني: ولد عمك مختل الشعور، وعاش إلى أن مات على هذه الحال فهل يجب عليه الحج؟
الجدواب: لا يجب عليه حج. لقوله صلى الله عليه وسلم، "رفع القلم عن المجنون حتى يفيق" الحديث( ).
الثالث: كانت عمتك هدية بنت علي غنية في حياتها، وماتت ولم تحج. فهل تجب الحجة في مالها؟ أو أنك تتبرع عنها بحجة لها؟
الجواب: يجب أن يحج عنها من مالها. وإن تبرعت عنها جاز لك، والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص – ف 3340 – 1 في 24/8/1387هـ)
(1220 – هل يحج عن المبيت من وطنه. وإذا أوصى بنسك نفل وأطلق)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم توفيق علي يوسف سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ., وبعد:
فقد جرى الاطلاع على استفتائك الموجه إلينا بخصوص سؤالك عن مسألتين: إحداهما سؤالك هل يجوز أن تقوم والدتك بالحج عن والدك. علمًا بأن والدتك أدت فريضة الحج.
والجواب: الحمد لله مادامت والدتك قد أدت فريضة الحج عليها فلا مانع من حجها عن والدك.
الثانية: سؤالك: هل يتعين أن يؤجر بالحج عن الميت من مكان وفاته، أو أنه لا يلزم ذلك؟
والجواب: إذا كانت الحجة فريضة الإسلام فتجب في ماله إن كان قد استطاع في حياته. من حيث وجبت عليه: إي من بلده. فإن كان له وطنان فمن أقرب وطن. قال في "الإنصاف": ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة بلا نزاع. وسواء فرط أو لا، يكون من حيث وجب عليه على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. أهـ.
أما إن أوصى بنسك نفل وأطلق فلم يقل من محل كذا. جاز أن يفعل عنه من ميقاته. ما لم تمنع منه قرينة كجعل مال يمكن الحج به من بلده فيستناب به منه. وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
(ص – ف 937 – 1 في 11/2/1385هـ)
(1221 – حج عن والديه تطوعًا وهما على قيد الحياة)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبدالله الربيعان المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فقد وصلنا كتابك الذي تستفتي به عن جواز حجك لوالديك تطوعًا وهما على قيد الحياة. مع أنهما قد حجا عن أنفسهما فريضة الإسلام. وتسأل عن ذلك.
والجواب: الحمد لله ماداما قد حجا عن أنفسهما فريضة الإسلام فحجك عنهما تطوعًا جائز وصحيح. وأنت بهذا مأجور، ويصل الثواب إليهما إنشاء الله. وهذا من اهداء القرب، وقد قال الفقهاء في ذلك: وأي قربة فعلها مسلم من دعاء واستغفار أو حج أو قراءة أو غير ذلك وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت نفعه ذلك، قال الإمام أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، للنصوص الواردة في ذلك. والله أعلم. والسلام عليكم.
مفتي البلاد السعودية
(ص – ف 3075 – 1 في 25/11/1384هـ)
(1222 – قضى فريضته: وأراد أن يتنقل عنهوهو قادر)
ج: لعله يصح. وليس فعل السلف. (تقرير)
(1223 – كفيف أصم أبكم وله وكيل. فهل يحجج عنه، ويوصى، ويزوجه)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبدالعزيز بن إبراهيم بن مفرج سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على الاستفتاء الموجه إلينا منك بصدد ابن عمك محمد بن دخيل الخنيزان، وأنه كفيف البصر أصم أبكم، وأن بيك وكالة عليه في اصلاح ماله وحفظه والقيام بشئونه وتسأل: هل يجوز لك أن تكتب له وصية بثلث ماله في أضحية وغيرها، وهل لك أن تثيب من يحج عنه من ماله، وتذكر أنه يرغب الزواج وأنه ملح في ذلك.
ونفيدك أنه ليس لك كتابة وصية له بثلث ماله لا في أضحية ولا في غيرها. أما الحج عنه فإذا لم يحج حجة الإسلام وكان لا يستطيع فهم الإشارات بمناسك الحج لاسيما نيات المناسك فإنه يحجد عنه من ماله. أما زواجه فعليك بالاجتهاد في تزويجه. والسلام عليكم.
(ص – 58/1 في 28/2/1384هـ)
(1224 – نساء من أميركا يدعين الاسلام ويردن الحج بلا محارم)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
وزير الداخلية حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد جرى اطلاعنا على خطابكم رقم 1363/6 وتاريخ 29/3/88هـ ومشفوعاته الأوراق المتعلقة بإسلام المرأة (ليليان كرويا) الأمريكية الجنسية على يد الحاج حسين خروب أحد أئمة المساجد في أمريكا، ورغبتها السماح لها بأداء فر يضة الحج. وتذكرون ان وزارة الخارجية أومأت إلى أن السفارة هناك تتلقى طلبات مماثلة من سيدات يعتنقن الدين الإسلامي ويرغبن الحج وليس لديهم محرم وتطلبون رأينا في ذلك.
ونفيد سموكم: أن دعوى الإسلام لا تكفي؛ بل لابد لاعتبارها من ثبوت شرعي لدى حاكم شرعي. والحاج حسين خروب غير معروف لدينا. هذه ناحية، ومن ناحية أخرى فعلى فرض ثبوت دعوى إسلامها وإسلام غيرها ممن يدعين الإسلام من النساء، فغير خاف عليكم أن الحج مفروض على المسلم المستطيع، لقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ( ) ومن شروط الاستطاعة بالنسبة للنساء وجود محرم للمرأة في سفرها من بلادها للحج حتى رجوعها. فإذا لم تجد لها محرمًا سقط عنها وجوب الحج عليها. واعتبرت في حكم من لم يستطع إليه سبيلا. لإفادتكم بذلك. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص – ف 1279 – في 7/6/88هـ)
(1225 – السفر بزوجة ابن ابنته)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم قاضي محكمة الارطاوي
سلمه الله
فقد وصلنا خطابكم رقم بدون وتاريخ 18/8/1382هـ وفهمنا ما جاء فيه من السؤال عن جواز سر الرجل بزوجة ابن ابنته.
ونفيدكم أن الرجل محرم لزوجة ابن ابنته. وله السفر بها في غير معصية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(ص – ف 1584 في 23/8/1382هـ)
(1226 – المحرم في الحج، والخلوة)
من محمد بن إبراهيم لى المكرم مصباح فوزي قيصراوي
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
وصلنا معروضك، وفهمت ما ذكرت بخصوص سؤالك عما إذا كان يصح بقاء عمتك البالغة من العمر سبعين معك في السكن والحال أنك متزوجة من رجل أجنبي من عمتك، وعما إذا كان يصح أن يصير محرمًا لها عند سفرها إلى الحج والعمرة حسبما ذكرت.
والجوابك هو أن الزوج المذكور ليس محرمًا لعمتك. أما سكناها معكما في البيت فهذا لا مانع منه بشرط أن لا يخلو بها زوجك حال غيابك عن البيت. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص – ف 2584 – 1 في 5/9/1388هـ)
(1227 – تريد الحج ولها ابن عمره 13سنه ومع رجل وعائلته)
الحمد لله وحده. تقدم إلينا عبدالقادر باجنيد المقيم في جدة باستفتاء هذا نصه:
لا يخفاكم أن لي بنت خال شقيق متزوجة، وزوجها مسافر من أربعة أو خمسة شهور، وهي عندي بداري ولم تؤد فريضة الحج، وقصدها تحج صحبة عائلتي، ولم نتمكن من استئذان زوجها لأنه بمصر بالمستشفى. فهل يجوز لي أن أصحبها وعائلتي لأداء الحج وهو فريضة الحج أم لا. أفتونا ولكم الأجر. وللمذكورة ولد عمره 11 أو 13 سنه من آخر، وهو بصحبتها للحج. ويطلب الجواب عليه 30/11/1375هـ
والجواب: الحمد لله. لا بأس أن تحج فريضتها في معيتكم، حيث كان موجودًا في المعية جماعة نساء موثوقات. مضافًا إلى ذلك وجود ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، فإنه وإن لم تتم فيه شروط المحرمية فإن ذلك منجبر بجماعة النساء الثقات كما وضحت لكم، فإنه يكتفي بمجرد جماعة النساء الثقات عند طائفة من أهل العلم. أملاه الفقير إلى عهفو الهل محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(الختم)
(ص – م 2043 في 2/11/1375هـ)
(1228 – والوقت يختلف – بالنسبة إلى حجها مع النساء المأمونات)
س: إذا كانت مع جماعة نساء مأمونات.
ج : هذا قول لبعض أهل العلم.
والأحوال تختلف، فتختلف الأحكام باختلاف الأحوال. فإذا صار الفساد فاشي. فمثل هذه الأزمان لا ينبغي أدنى نظرة إلى هذا القول، حتى النسساء يتخدعن، وتعدم غيرتهن إذا رأين رجلا يداخلها، فلا يبين، ولا يرفعن بأمره، لقلة الدين.
لكن إذا كان قصيرًا فأباحه بعض أهل العلم محتجًا بقصة إمرأة الزبير وذهابها إلى ناحية من نواحي المدينة، فأخذ منه بعض أهل العلم جواز مثل ذلك، وهو كذلك.
وهذا يختلف بالدين والبلد والغيرة، والتصون في النساء يختلف، قد تنتهب المرأة من الطريق، أو تستخرج من بيتها: إما بالحيل، أو بالمواطأة.
(تقرير)
(1229 – س: إذا مات محرمها في الحج؟
ج: إذا وجد محرم بشيء يحتمل فإنه يجلب، وإلا فتسافر ولو، لكن لا تسافر في محل يكون خطرًا على نفسها. (تقرير)
(1230 – وإذا أريد ابعاد امرأة فلابد من محرم، لا يصلح شرطي ولا غيره)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد اطلعنا على خطاب سموكم برقم 824 وتاريخ 13/1/79هـ المعطوف على خطاب وزارة الداخلية حول استفسارها عما يجب اتباعه في حالة صدور حكم على امرأة وليس لها محرم: هل يجوز إبعادها بمصاحبة شرطي؟
والجواب: لا يجوز سفر امرأة مع شرطي ولا غيره ممن ليس محرمًا لها منفردين، بل لابد من محرم، فإن عدم أو امتنع من السفر بها دفع له أجرة من مالها، فإن لم يتكن لها مال دفع له أجرته من بيت المال، فإن امتنع ووجد جماعة نساء مسافرات إلى الجهة التي سيجرى إبعادها لها أو أي جهة أخرى يحصل بها التغريب سافرت معهن بغير محرم حيث أمن عليها من الفساد في الطريق وفي البلد التي ستنفى إليها، وإلا بقيت في بلدها. والله يحفظكم.
(ص – ف 283 – 7/3/1379هـ)
(1231 – إذا أنقذها من الغرق أو قامت بتربيته وهو رضيع، وإذا لم يدخل بها ولده: هل يكون محرمًا لها)
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة رئيس محكمة الدوادمي
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد جرى اطلاعنا على خطابكم رقم 1844 وتاريخ 18/8/88هـ ومشفوعة الاستفتاء المرفوع من عبدالله بن سبيل حول سؤاله عن أربع مسائل:
الأولى: ما تقولون في الأنثى إذا أنقذها رجل من غرق او حريق أو هدم أو نحوه هل يكون بذلك محرمًا لها؟
الجوابك لا يكون بذلك محرمًا له؛ لأن المحرمية لا تكون إلا بنسب او سبب مباح كمصاهرة أو رضاع أو ملك يمين.
الثانية: الطفل الذي تقوم بتربيته وهو رضيع امرأة أجنبية إلا أنه لم يمس لها ثدي هل يكون محرمًا لها؟
الجواب: لا يكون محرمًا لها؛ لما ذكرنا أن المحرمية لا تكون إلا بنسب أو سبب مباح.
الثالثة: رجل له ولد تزوج بالمرأة ثم مات قبل أن يدخل بها هل يعتبر هذا الوالد محرمًالها؟
الجواب: نعم يكون محرماً لها ولو لم يدخل بها ولده مادام قد عقد له عليها( ).
(ص – ف 3209 – 1 في 6/7/1389هـ)
(1232 – اشتراط عدالة المحرم الرضيع)
ولا تشترط عدالة المحرم. وذكر بعضهم اشتراط العدالة في الرضيع، وهو جيد. (تقرير)
(1233 – النيابة الشرعية في الحج)
نعرف أن النائب الشرعي الصحيح: من له رغبة في الحج ولا عنده ما يحج به. أو عنده ولكن يميل إلى أنه يبذل أحد.
أما غيره كما يفعه كثير من الناس فليس بحاج, ولا تصح نيابته، وهذا من المفسدات من حيث النية.
ثم الحج الآن على سبيل الجمعالة فهو داخل في البحث السابق وأولى، من لا يريد إلا الدنيا وليس بكثير. ويتصور في الثاني أكثر. فإذا كان المال قليلاً فهذا بما يبين رغبته.
الحاصل فرق بين من حج ليأخذ، ومن أخذ ليحج. (تقرير)
(1234 – استنابة الشيعي عن السني، والمرأة عن الرجل، والعكس)
من محمد بن إبراهيم إلى عبدالكريم مرهون
السلام عليكم ورحمة الله وبكراته.. وبعد:
فقد كتب إلينا في شأن المتوفاة التي تريد الإحجاج عنها تسأل: هل يجوز أن ترسل عنها رجلا، وعلى فرض الجواز هل هناك مانع من استنابة شيعي جعفري عنها وهي سنية. وهل تنال بالحج عنها أجر حججة كاملة كما لو كانت حية وحجت بنفسها، وما ثواب من حج عنها. كما تسأل في كتابك عن ذبح العقيقة عنها هل يعد صدقة. وعما يفعل بعظم تلك العقيقة؟
الجواب: أما إرسال الرجل للحج عنها بالنيابة فجائز. لما رواه البخاري في (باب من مات وعليه نذر) من صحيحه عن عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما. أنه قال: "أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أختي نذرت أن تحج وأنها ماتت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو كان عليها دين أكنت قاضية قال نعم قال فاقضي الله فهو أحق بالوفاء" وعقد البخاري في (كتاب الحج) من صحيحه بابًا للحج والنذور. والرجل يحج عن المرأة. استدل فيه لحج الرجل عن المرأة بما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحجد فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها. قال: نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته. قالت نعم فقال: اقضوا الله فإن الله أحق بالقضاء" يقصد البخاري بالاستدلال بهذا الحديث أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "اقضوا" شامل للرجال والنساء. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": لا خلاف في جواز حج الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، ولم يخالف في جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل إلا الحسن بن صالح. أهـ.
وأما استنابة الشيعي عن السنية فلا ينبغي؛ لاختلال شرط الاستنابة في النسك في الشيعي، وهو العدالة. قال العلامة ابن حجر الهييثمي في "الفتاوي الكبرى": يجب على الوصي ألا يستأجر أو يجاعل إلا عدلا على المعتمد؛ لأنه منصرف عن الغير، وكل متصرف عن الغير يلزمه الاحتياط، وغير الثقة لا يوثق منه بأن يحج عن الميت وإن شوهد؛ لأن المدار على النية وهي أمر قلبي لا اطلاع لأحد عليها. ومر الهيثمي إلى أن قال: وبه يعلم أنه لا فرق بين من استؤجر أو جوعل لأداء فرض أو تطوع كنفل حج أوصي به؛ لأن ذلك وإن كان تطوعًا في الأصل إلا أنه بالوصية صار واجب الأداء. وما وجب أداؤه لا يخرج عن عهدته بفعل الفاسق؛ لأنه غير أمين، ومشاهدة أفعاله لا تمنع خيانته، لارتباطها بالنية، ولا مطلع لأحد عليها. أهـ.
والتصرف الممنوع في هذا للوصي يمنع لغيره من باب الأولى.
وأما ما تناله المتوفاة من الجر إذا حج عنها. فظاره النصوص الواردة فيمن حج عنه أن لها أجر حجة كاملة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: "حج عن أبيك" وقال للمرأة: "حجي عن أمك": فأخبر أن الحج نفسه هو الذي يقع عن الميت، فيكون له ثوابه. وبهذين النصين رد ابن القيم رحمه الله في "كتاب الروح" زعم من قال: بأن الميت المحجوج عنه لا ينال من الثواب إلا ثواب الإنفاق على من حج عنه.
وأما الذي يقوم بالحج بالنيابة عن المبيت فله أجر الحج إن كان متطوعًا بذلك، قال أبوداود في "مسائل الإمام أحمد" روايته عنه: سمعت أحمد قال له رجل: أريد أن أحج عن أمي اترجو أن يكون لي اجر حجة أيضً. قال: نعم تقضي دينًا كان عليها. أهـ. وهذا هو ظاهر ما رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حج عن ميت فللذي حج عنه مثل أجره، ومن فطر صائمًا فله مثل أجره، ومن دعا إلى خير فله مثل فاعله".
وأما إن كان الحاج عن الميت مستأجرا ففي "الفتاوي الكبرى" لابن حجر ج2 ص96-97 ما نصه: من استؤجر للحج أو غيره فإن كان الباعث على نحو الحج لأجرة ولولاها لم يحج لم يكن له ثواب. وإلا فله الثواب بقدر باعث الآخرة. وفي اخيتارات شيخ الإسلام ابن تيمية للعلامة البعلي( ) ما نصه: والمستحب أن يأخذ الحاج عن غيره ليحج، لا أن يحج ليأخذ. فمن أحب إبرار الميت برؤية المشاعر يأخذ ليحج، ومثله كل رزق على عمل صالح. ففرق بين من يقصد الدين والدنيا وسيلة. وبين عكسه. فالأشبه أن عكسه ليس له في الآخرة من خلاق. والأعمال التي يختص فاعلها ان يكون من أهل القربة: هل يجوز إيقاعها على غير وجه القربة. فمن قال لا يجوز ذلك لم يجز الاجارة عليها. لأنها بالعوض تقع غير قربة، وإنما الأعمال بانيات، والله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه ومن جوز الإجارة جوز إيقاعها على غير وجه القربة، وقال: تجوز الإجارة عليها لما فيها من نفع المستأجر. أهـ.
وأما العق عن البالغ في "البوسيط" ما نصه: ولا يعق عن كبير، وفسر النووي هذه العبارة في المجموع (شرح المهذب ص431 ج8) بقوله: معناه لا يعق عن البالغ غيره. وعلى القول بجواز العقيقة عن الميت فهي تقطع إربًا، وتطبخ بماء وملح، ويوكل منها، ويتصدق. وفي كسر عظامها خلاف. فقد روى عن عائشة أم المؤمنين وجابر بن عبدالله وعطاء أنهم نهوا عن كسر عظام العقيقة. وإليه ذهب الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل. وجاء في ذلك حديث مرسل رواه أبوداود في مراسيله من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين: "وابعثوا إلى القابلة منها برجل وكلوا وأطعموا ولا تكسروا عظمًا" وذهب الإمام مالك بن أنس وشيخه الزهري إلى أنه لا بأس بكسر عظام العقيقة، لأنه لم يصح في المنع من ذلك شيء، ولا في كراهيته سنة يجب المصير إليها. وقد جرت العادة بكسر عظام اللحم. وفي ذلك مصلحة أكله وتمام الانتفاع به. ولا ملحة تمنع من ذلك، وقد أطال ابن القيم البحث في هذا في "كتاب تحفة الوةود بأحكام المولود" ومال إلى المنع. والله الموفق.
(ص – ف2816 في 16/11/1384هـ)
(1235 – الحج مقدم على الوصايا وعلى الميراث)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم مدير عام الإذاعة والصحافة والنشر الأستاذ عبدالله بالخير سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبراكاته .. وبعد:
فقد وصل إلى كتابكم رقم 5411 وتاريخ 1/11/1375هـ واطلعت على السؤال الموجه للإذاعة السعودية من حافظ أحمد بجدة وصورته: أنا فلسطيني لاجيء من يافا قمت بأداء فريضة الحج العام السابق ووالدي متوفي، فهل يحق لي بأن أقوم بالنيابة عنه بأداء فريضة الحج؟ كما أرجو أن تعرفني ما هي النبية التي أنويها قبل أداء الفريضة، ولكم الشكر. أهـ. وطلبكم الإجابة على ذلك.
والجواب: الحمد لله، إن كانت حجة الإسلام قد وجبت على هذا المتوفي قبل وفاته فهي فرض عليه ودين من الديون مقدم على الوصايا وعلى الميراث. فإن خلف من المال بعد مؤن التجهيز وبعد الحقوق المتعلقة بعين التركة من رهن وأرض جناية ما يبلغ الحج من وطنه تعين أن يستناب عنه من وطنه ولم تؤد حجة ابنه الساكن بجدة عنه فريضة الإسلام. وإن كان ما خلف قليلاً بمقدار ما يبلغ من جسدة أو مثل مسافتها أو لم يخلف مالا أصلا أو مات قبل أن تجب عليه فإن حج ابنه المذكور في اسؤال عنه صحيح. والأدلة على صحة النيابة من السنة معلومة معروفة. كما أن التفصيل والتقييد الذي أسلفناه معلوم معروف أدلته وتعليله في كلام أهل العلم.
وأما طلب السائل أن يعرف النية التي ينويها عند إحرامه. فإنه ينوي بقلبه أنها عن والده، ويندب أن يتلفظ باسم والده في مبدأ تلبيته، فيقول: لبيك عن والدي فلان ويسميه باسمه. وصلى الله على نبينا محد وآله وصحبه وسلم. والسلام عليكم. (الختم)
(ص – م 2063 في 5/12/1375هـ)
(باب المواقيت)
(1236 – الجحفة ورابغ. وحفر القناة)
الجحفة الآن خراب بسبب الحمى، لكن الآن رابغ أبعد عن مكة منها بشيء قليل. فالذي يحرم من رابغ متقدم على الميقات بشيء يسير فلم يتجاوز الميقات. وقيل سنوات كانت مصر متصلة بالجزيرة. ولكن حفر الإنجليز حيلة ومكيدة خلطوا بين البحرين الأبيض والأحمر، حفروا الترعة ليتصلوا بذلك من قريب إلى جهة عدن وما حواليه، بل إلى الهند. وهم اتخذوا ذلك مكيدة تمكنوا بها من مكايد كثيرة، وقد حفر في أول هذا القرن. (تقرير)
(1237 – قرن المنازل)
قرن المنازل هو وادي السيل. وما يتوهمه أنسا هناك أنه جبل يقال له قرن فهو غلط، بل الإسم هو للوادي.
ومما يفيد أنه ليس جبلا أنه لو كان هو الجبل لكانت إناخة الناس حوله يحرمون منه ولا تركوا هذا مع اتصال الوراثة عن السلف مع ما هو معروف في اللغة أنه هو هذا الوادي.
ثم على الجهة الأخرى في أعلاه هو الذي يسميه أهل الطائف "المحرم" فالمحرم والسيل الواحد. لا ينبغي أن يحرم من خارج الوادي من البيوت التي على حافته. ومن أحرم من ناحيته لا يقال عليه فدية، ولكن الاحتياط من بطن الوادي. (تقرير)
(1238 – الاحرام بأحد النسكين من وادي محرم أحرام من قرن المنازل)
الحمد لله مصليًا مسلمًا على رسول الله.
لا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ووقت لأهل الشام الجحفة، ووقت لأهل اليمن يلملم، ووقت لأهل نجد قرنا. ووقت لأهل العراق ذات عرق، فأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، قال: فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فملهة من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها" ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن" قال ابن عمر: وذكر لي ولم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم" وعن ابن الزبير أنه سمع جابرا سئل عن المهل فقال أحسبه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم" رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقت لأهل العراق ذات عرق" رواه أبوداود والنسائي، وعن ابن عمر قال لما فتح هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا، وإنه جور عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرنا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم. قال فحد لهم ذات عرق. رواه البخاري. ولا منافاة بين هذا وبين توقيت عمر رضي الله عنه إياها كما هو معلوم في مواضعه. وعن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق" رواه أحمد وأبوداود والنسائي.
وهذه الأسماء لهذه المواقيت أسماء أعلام على مواضع معلومة معروة مشهورة لدى سكانها أو مجاوريها وغيرهم. إلا أن لسكانها ونحوهم من الإحاطة بها علمًا ودقة المعرفة بأعيانها ما ليس لغيرهم؛ لذلك لم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم المسافات التي بينها وبين الحرم لا بالأميال ونحوها ولا بالمراحل، كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يحد واحدًا منها بحد ولم يصفه بصفة وإنما اقتصر على ذكر أسمائها.
إذا عرف هذا فإنه لا خلاف بين أهل العلم فيما اقتضته الأحاديث من أن "قرن المنازل" ويقال: "قرن" بدون إضافة هو ميقات أهل نجد والطائف ونحوهم.
وقد حصل في تعيين قرن المنازل عدة أوهام:
أحدها – وهو أفحشها – قول من قال: إنه جبل مطل على عرفة أملس كأنه بيضة في تدوره.
والثاني – وهم من قال: إنه جبل قرب قرية المغاسل التي يحرم منها جماهير أهل نجد والطائف ومن تبعهم؛ إذ لا جبل هناك بهذا الإسم أصلا. وعلى تقدير وجوده فإنه لا منافاة بينه وبين مانحن بصدده؛ إلا أحد يزعم أن الإحرام منه نفسه بحال، ولا أحد في قديم الزمان ولا حديثه توخي الإحرام من نفس ذلك الجبل المزعوم.
الثالث – وهو مفرع عن الوهم الثاني وهو تسمية ذلك القرن بقرن الثعالب؛ إذ قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى.
والوهم الرابع – قول من قال: إنه قرية المغاسل وما قاربها فقط؛ وأن بقية الوادي لا يدخل في مسمى الميقات.
وهذه الأوهام إنما صدرت منه عن عدم الإحاطبة علمًا بالناحية التي فيها هذا الميقات. فجاء بعدهم أقوام أخذوها عنهم لحسن الظن بهم.
ولهذا تجد في كتب المعتنين ببيان تفصيل أودية الجزيرة وجبالها وحزومها وسهولها وغير ذلك من العلم ما هو أقرب إلى الصواب من كلام كثير من شراح الحديث وكلام الفقهاء من أهل البلاد النائية؛ ولهذا نجد عبارة صاحب "القاموس المحيط" ما لفظه: وميقات أهل نجد وهي بلدة عند الطائف أو اسم الوادي كله. أهـ.
والحق الذي لا مرة فيه أن "قرن المنازل" إسم للوادي جميعه: أسفله، وأعلاه، وأوسطه، ومن جملته القرية المذكورة وما قاربها.
وكنت قبل أن أحج فريضتي عام ثلاث وأربعين أظن قرن المنازل جبلا، ولهذا لما وصلت إلى الميقات ومكثت ساعات للتهيؤ للإحرام سالت حامد أمير تلك القرية إذ ذات عن جبل قرن. قال: ما حوالينا جبل يسمى قرنا، ثم أشار إلى جبل بعيد عن الوادي. وقال: إلا أن يكون ذلك، وقال أيضًا: إن الوادي نفسه يسمى قرنا. قاله لي في هذه الحجة أو في حجة أخرى بعدها، وإلى جنبي رجال من جماعته من أهل تلك القرية ولم يردوا فيما قاله: من أن قرنا هو نفس الوادي، ومن حينئذ استقر لدي ما ذكره من أنه اسم للوادي نفلسه لكونهم سكان هذا الوادي. وقد كنت قديمًا أسمع باسم "المحرم" وأن من أهل الطائف من يحرم منه، ثم بعد اتصل إلى علمي أن محرمًا هو أعلى وادي قرن، فعلمت أنه إنما اتخذ ميقاتًا من أجل أنه نفس ذلك الوادي، وحديث ابن عباس وابن عمر وغيرهما في المواقيت تنص على توقيت النبي صلى الله عليه وسلم قرنا.
ثم منذ سنوات وبعد أن سعي في تسهيل طريق كرا وغلب على الظن نجاح ذلك سرت إلى مزيد الاحتياط لهذا الميقات المسمى محرمًا، فعهدت إلى لجنة علمية مؤلفة من عالمين فاضلين لديهما من الملكة العلمية والخبرة الوطنية والثقة والنباهة ما لا يوجد عند كثير من أضرابهما. وهما: الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن جاسر رئيس هيئة تمييز الأحكام بالمنطقة الغربية حاليًا، والشيخ محمد بن علي البيز رئيس محكمة الطائف – أن يذهاب إلى وادي محرم المذكور وينظرا أهو أعلى وادي قرن المسمى بالمغاسل والمسمى عند آخرين بالسيل أم لا، فذهبا ونظرا وبذلا وسعهما واستصحبا ولابد في مسيرهما خبراء من أهل تلك الناحية، وتحصل لديهما أنه هو أعلى وادي قرن المنازل وكتبا لنا بذلك كتابة صريحة واضحة بأنه هو أعلى وادي قرن المنازل، وهذان العالمان مكيان طائفيان نجديان لديهما من دقة السبر والاهتمام من هذه العبادة ومراقبتها المكانية والزمانية ما يعرفه كل من خبر حالهما.
وبالجملة فإن لدى أهل مدينة الطائف علمائهم وخبرائهم ولاسيما اهل وادي محرم من معرفة ذلك ما ليس لدي غيرهم، وصاحب الدار أعلم بما فيها، وأهل مكة أدرى بشعابها، وقد صرحت كثير من وثائق عقارات أهل وادي محرم الموجودة في سجلات محكمة الطائف بما لا يدع للشك مجالا أن وادي محرم هو وادي قرن. ففي ثنتين وعشرين وثيقة ما معناه: باع فلان من فلان بن فلان العقار الفلاني الكائن في وادي قرن. هكذا مقتصرًا على كلمة قرن. كما أن هناك ثمان وثائق أيضًا مصرح فيها بقرن المنازل نقتصر على المقصود منها اختصارًا. فمنها في 28 جماد الأولى عام 1263 حجة تقتضي برهن عثمان القاري على مساعد بن جابر البستان الكائن بالدار البيضاء بقرن المنازل. ومنها في 8 صفر عام 1166 حجة تقضي بمشترى هليل بن أحمد بن عيسى الخضيري من رداد بن مهينة الخضيري نصيبه من كامل البستان المسمى بستان الشعب والبلاد المسماة أم الجرين والبلاد المسماة البير الكائن جميع ذلك بوادي قرن المنازل بصنيعة الخضرة من نواحي الطائف. ومنها في 20صفر عام 1266 حجة تقضي بمشترى محمد بن رواس هليل بن مسعود القرني ما هو لوصيه من كامل الركيب المسمى ركيب اليماني الكائن بوادي قرن المنازل بالدار البيضاء بصنيعة الصياغين. ومنها في 20 صفر عام 1266 اشترى عثمان قاري من هليل بن سعود القرني ما هو لوصية عوده بن مسعود القرني. وذلك كامل الركيب المسمى ركيب العوجاء الكائن بقرن المنازل بالدار البيضاء من نواحي الطائف. ومنها في 17 ربيع الأول عام 1266 حجة تقضي بهية جيره بنت علي ابن نجلا القرني الاخيضري لأبيها أحمد بن عابد نصيبها من كامل القطعة المسماة بين الغبيثن وبستان بير الجلة الكائن بوادي قرن المنازل بضيعة الخضرة. ومنها في 8 ربيع الآخر عام 1270 حجة تقضي بوقفية كامل البلدتين المشتملتين على عدة ركبان الكائنين في بجباجب ووادي قرن المنازل بالدار البيضاء من نواحي الطائف. ومنها في 24 ذي القعدة عام 1270 حجة تقضي بمشترى ظافر بن غازي الخضيري القرني من عبدالله بن عبدالهل الفقيه كامل نصيبه من الركيب المسمى ركيب يعثب الكائن بوادي قرن المنازل في ضيعة النجاجرة من نواحي الطائف. وفي 13 شوال حجة تقضي باستحقاق سالمة بنت سالم بن أحمد بن مثيبهب القرني ثلث غلال الوقف كامل البلاد المسماة أم الرقيعة والبلاد أم الخضرة والبلاد أم الجناب والبلاد سقم والبلاد أم الشوحطة وأم الصفة وقطعة ابن نجلا والبلاد الطويلة الكائن جميع ذلك في وادي قرن المنازل من نواحي الطائف.
ولست هذه الثلاثون وثيقة المشار إلى بعضها أو المصرح بمضمون البعض الآخر هي كل ما في سجلات محكمة الطائف الكبرى؛ لأنه لم يتتبع من السجلات لهذا الغرض إلا القليل، ولا تظن أن تلك العقارات هي في أسفل الوادي المسمى بالسيل الذي يحرم منه الحجاج بل كلها أو أكثرها في أعلاه المسمى وادي محرم كالدار البيضاء وقرية المشائخ وغيرهما.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
مفتي الديار السعودية
محمد بن إبراهيم
(ص – م ونشرت هذه الفتوى في الجريدة)
(1239 – ركاب الطائرات والبواخر من أين يحرمون)
س: الذين يصلون جدة ما أحرموا.
ج: هذه مسألة الطائرة إذا مرت ميقاتًا فهو ميقاتها. وإن مروا مع طريق لا يحاذي الميقات فيحمر إذا حاذى الميقات عن يمينه أو عن يساره. ويحتاط فيقدم شيئًا ليس بكثير إحتياطًا، لأنها تمر بسرعة. من ذلك الطائرات الذاهبة من نجد هي كغيرها. والذين يمرون من طريق "سواكل" فهو من جهة جدة بحر. والذي يكون من البحر يحاذي يلملم. وبعض الناس يجوز للذي يحاذي رابغ من جدة، وليس الأولى لقوله "وميقات.." مع "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن". فالذي يفتون به أنهم لا يتجاوزون الميقات إلا محرمين، هو أقرب لدلالة الحديث. (تقرير)
(1240 – ومتى يغتسلوا، ويصلوا الركعتين)
"المسألة الثالثة": وهي ما ذكرته عن الاغتسال للإحرام، وصلاة الركعتين إذا ركب الإنسان الطائرة وأراد أن يحرم.
والجواب: أما الاغتسال فإذا كان أسهل له إذ اغتسل من البلد قبيل أن يركب الطائرة فلا بأس، لأن الوقت قريب. وأما الركعتان فيصليهما وهو في نفس الطائرة قبيل أن يحاذي الميقات بحيث يتمكن من التجرد من المخيط وارتداء لباس الإحرام وصلاة الركعتين قبل ان يحاذي الميقات. فإذا حاذى الميقات أهل بنكه، وإن تمكن من الركوع والسجود في الطائرة فذاك وإلا فيوميء إيماء كراكب السفينة( ) .
(1241 – عمرة المكي)
واختيار الشيخ أنه لا عمرة على المكي، والحجة معه، وليس في المسألة إلا إعمار عائشة من التنعيم وهي قضية عين. واعتمار ابن الزبير ومن معه لعله أراد أنها تحية للكعبة بعد تجديد عمارتها وهو اجتهاد منه. وفرق بين شيء يفعل لعارض وبين شيء يجعل سنة لكل حاج، فلا تجعل المرة دليلاً لكل شخص في كل حين. (تقرير)
(1242 – تجاوز الميقات بغير إحرام)
سئل عن متعدي الميقات بغير إحرام وهو غير قاصد الحج والعمرة.
فأجاب: إن كان قاصدًا الحج والعمرة من أصل سفره فهذا إذا تعدى الميقات فعليه دم بلا نزاع؛ للسنة الظاهرة، وإن أمكنه أن يرجع قبل الإحرام رجع وأحرم ولا شيء عليه.
وقوله "ممن أراد الحج والعمرة" يحتج به من يذهب إلى أن مريد تجارة أو زيارة الأرحام لا يلزمه إحرام. والمعروف لزوم ذلك، لزوم كل مريد مكة بحج أو عمرة أو غير ذلك. وهو من خصائص مكة، وهذا أحد القولين أو الثلاثة، وأحمد وأكثر أهل العلم وقول ابن عباس، ويقولون إنه خرج مخرج الغالب فلا يكون قيدًا؛ لأن الغالب قصد مكة لذلك.
(تقرير عام 1378هـ)
(1243 س: الذي يمر بمكة و هو يريد جدة.
ج: هذا لا يريدها. هذا مرور( ).
(1244 – الذي يروح للطائف ويجيء)
ج: أما الذي ما يحرم فعليه دم، يروح للطائف ويجيء ما أحرم كما يفعله كثير من الناس وهو شيء لا ينبغي( ).
أدخل على العامة كلمة ما أدري من أين جاءتهم. أنه لا يحرم إلا إذا كان أكثر من أربعين. إنما في هذا مسألة المتكرر. وأما هذا التفصيل أربعين فلا أعرف له أصلاً. (تقرير)
لو كان يتردد بين مكة والطئاف حطاب أو يريد فهذا يجوز له التخطي من دون إحرام لمشقة ذلك.
أما لو اتفق له أنه يأتي مكة في الشهر أربع مرات فهذا لا يحل له تجاوز الميقات بغير إحرام. والذين يفتون وهم ليسوا علماء مجتهدين إنما هذا اجتهاد شهواني لا يجوز.
ولا ينبغي أن تكون هكذا مسائل الدين هذا يقول وهذا يقول ويتتبع الناس الرخص يضيع الدين بهذا أو تنتقض عراه؛ بل ينبغي الحيطة لأمر الدين. وأن يكون قولهم واحدًا. وفعلهم واحدًا، ولا يفتى إلا بدليل. (تقرير عام 65)
ومن أحرم داخل الميقات فإنه آثم. وناقص حجه، ولا يبطل، ويفدى. (تقرير)
(1245 – تجاوز يلملم إلى جده)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم أحمد عبدالرزاق محمد الصديق سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد جرى إطلاعنا على الاستفتاء الموجه إلينا منك بخصوص ذكرك أنك قدمت من الهند في الباخرة قاصدًا نسك العمرة، وأنك لم تحرم بها إلا في جدة حيث أنك تجاوزت الميقات "يلملم" وتسال هل يجب عليك شيء لقاء تجاوزك الميقات.
والجواب: الحمد لله. الإحرام بالنسك من الميقات أحد واجباته فمن أراد الحج أو العمرة ثم تجاوز الميقات دون الإحرام بما أراده من نسك فعليه دم شاة، فإن لم يستطع صام عشرة أيام. وبالله التوفيق. والسلام.

مفتي الديار السعودية

(ص – ف 1392 – 1 في 4/5/1386هـ)
(باب الإحرام)
(1247 – المخيط، وما في معناه)
المخيط كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه، بأن يكون على قدر البدن كله، كأن يكون له جيب وأكمام. أو على نصفه كالقميص والصديري والفنيلة، وسواء كان مخيطًا أو منسوجًا بصفة على البدن فلو كان ما فيه خيط فكذلك، أو على تقدير عضو منه كالشراب ودسوس اليدين.
ولو كان إزاره قطعتين أو ثلاث أو رداؤه فهذا ليس مخيطًا، إنما المحظور عليه أن يلبس ما مثله مفصل على البدن أو بعض البدن العبرة أن هذا يقصد للرفاهية.
والجبة مثلها المشلح سواء أدخل يديه أو لا، والنصف مثل السراويل – وهو إسم للمفرد – وقول العامة: سروال. غلط. وجمعه سراويلات ومقدار الرجل مثل الخف. (تقرير)
(1247 – س: حزام البندق
ج: لا يحتزم، إلا إذا كان خوف فتنة وإلا فلا.
(تقرير)
(1248 – س: ساعة اليد هل يجوز للمحرم لبسها.
ج: لا يظهر الجواز. وذكروا أنه لا يجوز عقد خيط على الساق. (تقرير)
(1249 – س: هل يحط مشبك في الرداء؟
ج: لا. هذا أخو الابرة، وذكروا أنه لا يعقد ولا غيره.
(تقرير)
(1250 – س: قولهم: ونيته شرط. هل يقصدون أنه يتلفظ بالنية
ج: لا. وإن قصدوه ففيه ما فيه كما يأتي( ).
لكن كثير من العامة يحسبون أن الإحرام هو التلبية، أو إذا لبسوا. فهذا يجزي لهم ذلك لأنهم ينوون بهذا. فالعامي إذا لبس الإحرام ولبى فهو كاف منه وهذه نييته؛ بل بمجرد لبسه يكون محرمًا، بدليل أنه لا يجدد شيئًا بعد ذلك. وإذا قلنا: لابد من شيء آخر. ما صح له حج ولا عمرة. (تقرير)
(1251 – الاشتراط)
الاشتراط: يندب في حق من كان به عذر كالمريض والخائف. أما إنسان ليس به مرض ويشترط ذلك فليس بظاهر؛ ولهذا ما جاء في تلبية النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه. إنما جاء في حديث ضباعة التي هي مريضة. (تقرير)
(1252 – إذا نزلوا بعد العمرة إلى جدة ثم حجوا منها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم
سعود بن عبدالعزيز أيده الله
السلام عليكم ورحمةن الله وبركاته.. وبعد:
حفظك الله، من خصوص عوائلكم وخدامكم وجميع من قدموا إلى مكة المكرمة متمتعين بالعمرة إلى الحج وبعد إحلالهم من العمرة نزلوا إلى جدة وأحرموا بالحج من جدة وخرجوا إلى منى. فهؤلاء ليس عليهم فدي، لأن من شرط وجوب دم التمتع أن لا يسافر المتمتع بين العمرة والحج مسافة قصر فأكثر.
أحببنا إشعاركم بذلك تولاكم الله بتوفيقه. وأدام حياة جلالتكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في 4/12/1373هـ ( ).
(1253 – فتوى في الموضوع)
الحمد لله وحده. سألتني العنود بنت سعود قائلة: إنني صمت رمضان في جدة، وأحرمت بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة في جدة، وأكملت مناسك الحج. فهل علي من فدية؟
فأفتيتها: بأنه لا فدية عليها هي ومن معها ممن عملوا كعملها.
كما سألتني أيضًا عن بعض التابعين لها ممن أحرم في شهر الحج متمتعًا وسافر إلى جدة بعد إكماله مناسبك العمرة. ثم أحرم بالحج مفردًا في اليوم الثامن من ذي الحجة من جدة.
فأفتيتها بأن المذكورين لا فدية عليهم أيضًا حي قطعوا تمتعهم بالسفر إلى جدة وهي مسافة قصر. قال ذلك الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص – م 2428 في 12/12/1383هـ)
(1254 – قاعدة فيمن يلزمه الفدي ومن لا يلزمه)
سؤال ثانيك من الذي يلزمه الفدا في الحج، ومن الذي ما يلزمه؟
الجواب: الحمد لله. الذي أفرد الحج فهذا ما عليه فدا بحال. والقارن عليه الفدا بكل حال. والتمتع وهو الذي يعتمر في أشهر الحج – وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة – فهذا إن كان من حاضري المسجد الحرام وهم أهل مكة ومن حواليها دون مسافة قصر مثل: الشرائع، والزيمة، وجدة، وبحرة، ووادي فاطمة، ونحوهن. فهذا ليس عليه فدا. وحكم المقيم بمكة من غير أهلها حكم أهل مكة. وأما المتمتع الذي ليس من حاضري المسجد الحرام إذا سافر بعد عمرته مسافة قصر وهي مسيرة يومين بسير الإبل ثم رجع إلى مكة محرمًا بالحج فقط وبقي على إحرامه إلى الحج فهذا ليس عليه فدا. قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ وصلى الله على محمد. (الختم)
(ص – م في 1/12/1376هـ)

عبدالرحمن الفقيه.
24-01-04, 04:58 AM
(1255 – إذا اشترى الفدية من خارج الحرم وهو متمتع وقصده ذبحها عن دم المتعة - ك–ا لو اشتراها من السيل أو بهبة ثم قدم بها مكة وهو متمتع - ف–ذا سائق الهدي من خارج الحرم، فلا يحل إلا بعد الفراغ من أعمال الحج وذبحه في منى.
وقد بحث في هذه المسألة بين الإخوان قبل سنوات فتحصل من البحث أنه يشبه القارن. (تقرير)
(1256 – لو كان إنسان وصل مكة لا للحج. ثم بدا له، فيحج فرضه، ويكون مكبًا( ).
(1257 – س: إذا زاد على التلبية المعهودة "لبيك اللهم لبيك لبيك...".
ج: جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لبيك ذا المعارج" ولكن اللفظ الأول هو الأصل. وهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن زاد فهو من باب المأذون فيه. ولو اقتصر لكانت كافية شافية في المقام، فهي تلبيته صلى الله عليه وسلم. (تقرير العمدة)
(باب محظورات الاحرام)
(1258 – تداوي المحرم بالابر جائز)
وصل إلى دار الإفتاء من الأخ محمد المعلمي بمكة المكرمة – مكتبة الحرم الشريف – سؤال عن استعمال الإبر المعروفة باسم "الشرنقة" في الحج هل يوجب على الحاج الفدية( ) حيث أنه يخرج منه الدم بسبب ذلك.
فأجاب سماحة المفتي بالجواب التالي:
يجوز للمحرم أن يتداوى بالإبرة المذكورة. ولا يوجب عليه خروج الدم بسبب استعمالها شيئًا. لما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم" وروى البخاري في (باب الحجامة للمحرم) من صحيحه عن ابن بحينة رضي الله عنه أنه قال: "احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم بلحي جمل (إسم موضع) في وسط رأسه" قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" في شرح هذا الحديث: استدل بهذا الحديث على جواز القصد وبط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع الضرس وغير ذلك من وجوه التداوي. إن لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي عنه المحرم من تناول الطيب وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك. أهـ. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه في (باب ما للمحرم أن يفعله) من كتاب (الأم): أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء وطاووس أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم" ثم قال الشافعي: فلا بأس أن يحتجم المحرم من ضرورة أو غير ضرورة، ولا يحلق الشعور، وكذلك يفتح العرق ويبط الجرح ويقطع العضو للدواء ولا شيء عليه في شيء من ذلك، فلو احتاط إذا قطع عضوًا فيه شعر افتدى كان أحب إلي، وليس ذلك عليه بواجب، لأنه لم يقطع الشعر، إنما قطع العضو الذي له أن يقطعه، ويختتن المحرم ويلصق عليه الدواء ولا شيء عليه. أهـ. المراد من كلام الإمام الشافعي في (الأم).
والخلاصة: أن استعمال الشرنقة في الحج جائز، ولا يترتب عليه الفدية. والله أعلم.
(من فتاوى الإذاعة في 20/1/1385هـ)
(1259 – تغطية الأقرع رأسه)
سئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف عن كشف رأس الأقرع.
فأجاب: إن كان إذا كشف رأسه يخشى عليه ضرر مرض أو غيره فيجوز أن يغطيه بشمسية أو غيرها، ويلزمه فدية صيام ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو يذبح شاة. هو بالخيار. وإن ترك الكشف حياء من الناس من غير مضرة فليس له رخصة، وإن غطاه فهو عاص آثم.
(الدرر السنية جزء 4 ص399 الطبعة الثانية)
(1260 – قوله: أو استظل في محمل راكبًا أولى فدى
هذا على رواية. والرواية الأخرى وهي اختيار الموفق وجماعة من الأصحاب أن في ذلك الكراهة فقط، وهي أولى وأصح وأقوى إن شاء الله أن لا يكون محرمًا بل مكروهًا وهو الراجح. (تقرير)
(1261 – قوله: ولا يعقد عليه رداء ولا غيره
فإن عقده لم يحل ويفدى.
واختيار الشيخ وهو قول آخر في المذهب أن له أن يعقده مطلقًا. سواء على ما ينكشف أولى، وهو أولى، فإن التنفيذ غير موثوق بخلاف العقد.
ولكن يصير هنا احتياط: إذا كان ممكن التنفيذ ويتعاهده، ويكون خارجًا من الخلاف.
قوله: إلا ... هميانًا.
والهيمان المسمى "الكسر" يشد وسطه فيه النفقة، فهو مباح لأجل الحاجة له في إحرامه، أو يحفظ شيئًا يخشى عليه لو لم يستصحبه. (تقرير)
(1262 – قوله: أو شم طيبا
س: التطيب بالعود الذي يوضع على الجمر.
ج: كذلك. لكن هذا إذا شمه قصدًا.
أما لو ابتلى به فشمه بدون قصد فهو كمن سقط عليه طيب يبادر إلى إزالته. (تقرير)
(1263 – س: الصابون الممسك
ج: هو طيب؛ بل بعضه أحسن من بعض الأطياب المتوسطة.
(تقرير)
(1264 – س: النعناع
ج: ليس من الطيب؛ بل هو أولى من الريحان الفارسي، الريحان الفارسي يشبه اليشموم، وهو وإن كانت رائحته طيبة فليس من الطيب، بخلاف الريحان المعروف فإنه طيب طريًا ويابسًا.
(تقرير)
س: البرتقال.
ج: هذا فاكهة. (تقرير)
(1465 – س: الزعفران في القهوة والهيل والقرنفل
ج: الزعفران يجتنب في القهوة وهو طي، والهيل صار يجدتنب عند كثير ممن يحج من أهل نجد؛ إلا أنه في الآخر كأنه اتحد القول أنه ليس طيبًا، ولم نسمع أحدًا يتوقف فيه من حين حجينا إلى الآن، يلحق بالأدم والتوابل، والقرنفل من التوابل أيضًا.
(تقرير)
(1266 – ونقل كلام العلماء فيها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم فضيلة قاضي
محكمة الأرطاوي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فقد وصل إلينا كتابك رقم 138 وتاريخ 2/11/1382هـ هو المرفق بالسؤال عن جواز استعمال الزعفران للمحرم والقهوة ونحوها من المشروبات والمأكولات.
والجواب: الحمد لله، لاشك أن الطيب من محظورات الإحرام. وأن الزعفران من الطيب، فمادام المحرم مأمورًا باجتناب الطيب فهذا يعم جميع أنواع الاستعمال من استعماله في بدنه أو في فراشه أو في ملبس أو مشرب أو مأكل أو غير ذلك، صرح بذلك الفقهاء قال في "الإنصاف": إذا أكل ما فيه طيب يظهر طعمه وريحه فدى، ولو كان مطبوخًا أو مستة النار، بلا نزاع أعلمه. أهـ.
وقال في "الإقناع" ولو ذهبت رائحته وبقي طعمه، لأن الطعم يستلزم الرائحة، ولبقاء المقصود منه، فإن بقي اللون دون الطعم والرائحة فلا بأس بأكله لذهاب المقصود منه. وأما قياسك له على الهيل إذا وضع في القهوة فغير مسلم؛ لأن الهيل والقرنفل ليسا من الطيب بل من التوابل. وأما الزعفران فقد ورد فيه حديث بخصوصه وهو حديث ابن عمر قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم. فقال: لا يلبس القميص ولا العمامة – وفيه – ولا ثوبًا مسه زعفران ولا وؤس" رواه الجماعة، والسلام عليكم.
(ص – ف 1291 – 1 في 5/7/1783هـ)
(1267 – تربية الحمام في الحرم ونثر الحبوب له)
"الثاني": ما حكم تربية الحمام في الحرم، ونثر الحبوب له فيه والوقف عليه، وجعله مصرفًا من مصارف الطعام الذي يجب على الحاج.
والجواب: لا يجوز شيء من ذلك. أما عدم جواز تربيته في الحرم ونثر الحبوب له فيه فلما يترتب على ذلك من عدم نظافة الحرم، وقد ثبت في البخاري عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في جدار القبلة مخاطًا أو بزاقًا أو نخامة فحكة" وثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر".
وأما عدم جواز الوقف عليه؛ فلأن الوقف إذا كان على غير مسجد ونحوه فلابد أن يكون مالكًا.
وأما عدم جواز صرف كفارة المحظور إليه؛ فلأنها حق من حقوق المساكين، فقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: "أيؤذيك هوام رأسك. قال: نعم. قال: احلقه وأنسك شاة أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين".
(ص – ف 1673 – 1 في 27-6-1386هـ)
(1268 – قتل الجراد إذا دخل الحرم)
(برقية) الرياض
صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء المعظم وفقه الله
ج 8055 في 12/6/76هـ الجراد الذي دخل الحرم وحصل منه أضرار يحل قتله في الحرم دفعًا لضرره؛ لأن حكمه حينئذ حكم الصائل. لإحاطتكم. محمد بن إبراهيم
(ص – م 1485 في 13/6/1379هـ)
(1269 – الوطء في الحج بعد التحلل الأول)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم صالح المناع المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد
فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن رجل حج بزوجته ثم واقعها بعد التحلل الأول، ثم طافا طواف الإفاضة بعد ذلك. وتسأل: عن ما يجب عليهما؟
والجواب: الحمد لله. الوطيء بعد التحلل لا يفسد الحج، سواء كان مفردًا أو قارنًا، وإنما يفسد الإحرام فقط – بمعنى أنه لا يصح منه طواف الإفاضة حتى يخرج إلى الحل فيحرم ثم يدخل إلى مكة فيطوف طوا الإفاضة في إحرام صحيح ليجمع بين الحل والحرم.
وعليه فدية شاة تذبح في الحرم وتطعم المساكين ولا يأكل منها شيئًا، وعلى الزوجة فدية شاة أخرى إن كانت مطاوعة، فإن كانت مكرهة فلا شيء عليها. والسلام.
مفتي البلاد السعودية
(1871 – 1 في 18/7/1384هـ)
(1270 – لا يلزم المرأة اتخاذ عود أو عصابة لرفع جلبابها عن وجهها)
تحفظ النساء بأشياء غير مسنونة كالعود الذي تجعل في مقدم رأسها، أو عمامة تعصب بها رأسها، وكل هذين بدعة.
وقولهم: لا يمس وجهها. هذا لم يقله أحد، وليس منصوصًا.
وحديث "وإحرام المرأة في وجهها" لا يصح. فالصحيح أنه لا بأس إذا مس وجهها، بل هو واجب إذا مر الرجال ولو مس وجهها فلا فدية، ولا حرج، ولا تجعل شيئًا يعديه( ).
والصحيح أنه ليس ممنوعًا تغطية وجهها مطلقًا كما في قول عائشة: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من على رأسها على وجهها، فإذا جاووزونا كشفناه" ولم تذكر فدية. (تقرير)
(باب الفدية) ( )
(1271 – وجوب الدم (الهدي) بطلوع فجر يوم عرفة، وقبله لا يجب.
فعلى هذا لو صام قبل يوم النحر اعتقادًا أنه لا يجد ثم وجد يوم النحر فالصحيح أن صيامه يجزيه، لأن فعله سائغ له. فالراجح أنه لا يجب عليه دم وقد صام. (تقرير)
(1272 – قوله: وإن أخرها عن أيام متى صامها بعد وعليه دم مطلقاً.
ورواية متوسطة أنه لا شيء عليه إذا أخرها لعذر؛ بل يقضيها. أما لغير عذر ما ذكروا. وقيل لا شيء عليه أبدا. والراجح إن شاء الله أنه إذا أخره لعذر أنه يصوم الثلاثة ولا شيء عليه.
(تقرير)
(فصل)
(1273 – قوله رفض إحرامه أو لا.
وعند الأصحاب أنه يستمر فيه بعد أن يرفضه، وأنه يجزيه عن حجة الإسلام.
ولكن إذا رفضه فالظاهر أن أجره يبطل، لأنه أبطل نيته وكمله عابثًا، ولم أحفظ فيه كلامًا قبل الآن. والأولى أنه يحتاط ويحج ثانية لأن حجدته تلك أقل أحوالها أن تكون ناقصة أو باطلة لأن الأعمال بالنيات ولا يكتب للإنسان من العمل إلا ما أتقنه وحفظه بنية صالحة.
(تقرير)
(1274 – قوله: وتقليم وحلاق، لأنه إتلاف.
ولكن الصحيح إن شاء الله أنه لا شيء فيه مع الجهل والنسيان، لأحاديث إسقاط الحرج. وفي هذا الحديث المذكور هنا "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وفيه شيء من الضعف ولكنه معضود بالآية، وبحديث ابن عباس "قد فعلت" وقوله: (إلا من أكره) ( ). وأما كونه إتلافًا، فإنه يستخلف. وأيضًا هو لا قيمة له ولا يساوي شيئًا. فالصحيح إن شاء الله أنه لا شيء في الحلق والتقليم في الإحرام مع النسيان( ). (تقرير)
(باب صيد الحرم)
س: الحرمل؟
ج: قد يشبه الشجر وقد لا يشبهه. (تقرير)
س: هل ما قطع يستعمل، أو لا؟
ج: يفهم من كلامهم أنه لا ينتفع به. (تقرير)
(1276 – س: إذا كان الشوك في طريق المارة.
ج: فيه بحث إذا كان في طريق مارة وتتأذى منه.
ولعل محل البحث إذا لم يكن في صحراء – أو اتفق أن الفج أو الشعيب كله أشجار جوزه بعض ومنعه بعض. والظاهر الجواز لأنه يتأذى بذلك، ولو لم يقطع بالمنجل بل ترك لراحلة تمر.
ثم إذا قطع فهل فيه جزاء؟ فيه جزاء. (تقرير)
(1276 – التصديق على قرار حدود حرم المدينة)
من محمكد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة
ورئيس مجلس الوزراء حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فترفع لجلالتكم المعاملة المتعلقة بتحديد حدود حرم المدينة المنورة الواردة إلينا من فضيلة رئيس المحكمة الكبرى بالمدينة برقم 2052 وتاريخ 26/2/87هـ مرفقة بقرار اللجنة العلمية المشكلة للنظر في ذلك. وقد اطلعنا على القرار المذكور رقم 662 وتاريخ 18/2/89 فلم نر فيه ما يوجب الملاحظة عليه بشيء، لأن هذه هيئة علمية معتضدة ببعض رجال ثقات لهم تمام العلم بهذا الشأن قد وقفت على نفس الحدود وقررت ما ظهر لها فيه. نؤمل الاطلاع عليه والأمر حوله بما يلزم. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص – ف 2236 – 1 في 17/4/13898هـ)
(نص القرار)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد:
فبناء على الأوامر الصادرة بتحديد حرم المدينة المنورة من رئيس مجلس الوزراء برقم 2953 في 25/2/1378هـ ومن سماحة مفتي الديار السعودية برقم 3317-1 وتاريخ 12/11/1386هـ ومن وزارة الداخلية برقم 1867 وتاريخ 8/3/1378هـ ومن إمارة المدينة برقم 4248 وتاريخ 15/3/1378هـ ومن المحكمة الكبرى بالمدينة برقم 1139 وتاريخ 25/3/78هـ وهذه الأوامر مرفقة بالمعاملة التي بين يدي اللجنة والواردة أخيرًا إلى سماحة المفتي من رئيس المحكمة الكبرى بالمدينة برقم 2052 وتاريخ 26/2/87هـ وتنص هذه الأوامر على تشكيل لجنة علمية لمعرفة مواضع حدود الحرم المدني ووضع علامات عليها. وقد شكلت اللجنة المذكورة من كل من: فضيلة الشيخ محمد الحافظ القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة رئيسًا. وكل من: السيد محمود أحمد، والسيد عبيد مدني، والشيخ عمار بن عبدالله، والشيخ أبوبكر جابر، والأستاذ أسعد طرابزوني أعضاء.
وقد اجتمعت اللجنة فور تشكيلها، وقامت بما عهد إليها؛ غير أنه أشكل عليها نقاط وارتأت عرضها على سماحة المفتي الأكبر، وعندما رفعت المعاملة إلى سماحته أمر بأن يكون مع اللجنة مندوب من قبل سماحته ليجتمع باللجنة، ويقفوا جميعًا على حدود الحرم، ويعرفوا مسميات تلك الحدود: ثم يعود المندوب إلى سماحته بما يتحصل عليه من معلومات تطبيقية. إلى آخر ما جاء بخطاب سماحته رقم 1715 في 23/11/80هـ الموجه إلى رئيس مجلس الوزراء. وبناء على ما ذكر فقد وصل إلى المدينة المنورة فضيلة الشيخ عبدالله بن عقيل عضو دار الإفتاء مندوبًا من قبل سماحة المفتي الأكبر، واجتمع باللجنة المشار إليها، وجرى العمل على ما يأتي:
أولاً: جرى دراسة ما جاء في المعاملة من أوامر، وما اشتملت عليه من بيانات، بما فيها الأوراق المتضمنة نقل الأحاديث ولآثار الواردة في حدود حرم المدينة، وكلام العلماء عليها من أهل المذاهب الثلاثة وغيرهم، ماعدا علماء الحنفية فليس في مذهبهم إثبات حرم للمدينة أصلاً، وناقشتها مناقشة دقيقة. فمن مات ورد من الأحاديث في هذا ما رواه أبوهريرة رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ما بين لا بتي المدينة" وعن ابي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: لو رأيت الضياء بالمدينة ترتع ما ذعرتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بين لابتيها حرام" رواهما البخاري، وعن زيد بن عاصم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة" وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها يريد المدينة" وعن أنس مرفوعًا: "اللهم إني أحرم ما بين جبليها" وعن علي رضي الله عنه مرفوعًا: "المدينة حرم ما بين عين وثور". وعن أبي سعيد مرفوعًا "إني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها". جميع هذه الأحاديث رواها مسلم.
وقد تضمنت النصوص الواردة في هذا تحديد الحرم: باللايتين تارة، وبعير وثور تارة، وبالمأزمين تارة، وبالجبلين تارة. وأحاديث اللايتين أكثر من أحاديث الجبلين. والجبلان هما عير وثور. والمأزمان هما الجبلان. فأما عير وثور فخارجان عن الحرم كما هو الأصل في التحديدات. وأما اللايتان فداخلتان في الحرم لما يلي:
أ – قصة بني حارثة حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم ثم التفت فقال بل أنتم فيه" ومنازلهم في سند الحرة الشرقية مما يلي العريض، وحصنهم باقية آثاره حتى الآن. فدل على أن هذه الحرة من الحرم، وهي محاذية لعير وثور، فكأنه صلى الله عليه وسلم لما التفت فرأى عيرًا قال لهم بل أنتم في الحرم.
ب - قصة سعد بن أبي وقاص حينما أخذ سلب الرجل الذي وجده يقطع الشجر في العقيق. والعقيق ليس حرة، بل هو واد منقطع عن الحرة الغربية وأبعد منها عن المدينة، ولكن القسم الأعلى منه مامت لجبل عير من الشمال والغرب.
ج – حديث تحريم ما بين حرتيها وجمامها. والجماوات الثلاث معروفة، وتقع بعد العقيق وبعد الحرة الغربية كما هو مشاهد.
د – أن الحرة الغربية تبدأ من عند باب العنبرية وتمتد غربًا. والحرة الشرقية تبدأ من نهاية شارع أبي ذر بطريق المطار بنحو مائتي متر، فلو لم تقل بأنهما داخلتان في الحرم لخرجت جملة كثيرة من منازل المدينة عن الحرم، ولا قائل بهذا من أهل العلم الذين أطلعنا على كلامهم.
هـ - ذكر العلماء مسافة الحرم بريدا في بريد، واستدلوا بما ورد في هذا، ولا يمكن تطبيق هذه المسافة إلا إذا أدخلنا الحرتين، لأن الحرتين قريبتان من الحرم، بخلاف الجبلين فبعيدان جدًا بالنسبة إلى قرب اللابتين.
وقد أخذت الهيئة المساحة من الجهات الأربع من المسجد إلى "عير" جنوبًا، وعن المسجد إلى "ثور" شمالا، ومن المسجد إلى الحرة الغربية عند محاذاة "عير" غربًا، ومن المسجد إلى الحرة الشرقية عند محاذاة "ثور" شرقًا، فكانت المسافة متقاربة في الجميع، وتبلغ أحد عشر كيلومترًا تقريبًا بعداد السيارة وإن كانت السيارة لا تسير باتجاه واحد بل تأخذ يمينًا ومشالا حسب سهولة الخط، ولكن هذا يعطي فكرة تقريبية للمسافة من الجهات الأربع، وهذه المسافة مقاربة لإثنى عشر ميلاً الواردة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم قال: "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لايتي المدينة، وجعل اثنى عشر ميلاً حول المدينة حمى" وهذا من أدلة من قال بريدا في بريد، لأن البريد أربع فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. والمسافة التي بين عير وثور من الناحية الشرقية تقدر بمائتي عشر ميلاً، ومثلها المسافة التي بينهما من الناحية الغربية.
ثانيًا: مشت اللجنة على مواضع الحدود لتطبيق ما ناقشوه من النصوص وما فهموه منها وكان ممشاها على ما يلي:
1- وصلت اللجنة إلى جبل "ثور" ويقع خلف أحد من الشمال الشرقي، طلعت فوقه ووجدته كما وصفه العلماء (جبل صغير بالنسبة إلى جبل أحد، والجبال التي حوله بتدوير، وليس بمستطيل، لونه يقرب إلى الحمرة، خلف أحد من الشمال الشري) وبينه وبين أحد مقدار خمسين مترًا تقريبًا.
2- ثم انتقلت اللجنة إلى "اللابة الشرقية" ووجدت حسرة ذات حجارة سوداء نخرة كأنها أحرقت بالدار، وتنقطع هذه الحسرة في بعض المواضع خصوصاً في جهتها الشمالية، وتمتد في مواضع ولاسيما جهتها الجنوبية، فكأنها حرارة متعددة، وهذه الحسرة تسمى: حسرة واقم. ويفصلها عن "أحد" وادج قناة، وعن "ثور" مسيل وادي الشطاة وسفح "أحد" الشرقي وسفح جبل وغيره، وتشمل منازل بني حارثة وبين ظفر وبني عبد الأشهل وبني معاوية، كما تشمل منطقة العريض وما حولها من المصانع والبساتين وبعاث المسمى الآن بالمبعوث إلى العوالي وقربان ومنازل بني قريظة وبين النضير. ولم يكن الحد في هذه الحسرة واضحاً كوضوحه من جهة الجبلين – عير، وثور – لهذا مشت اللجنة وسط الحرة في موضع متوسط بين عير وثور ووقفت هناك لتتحقق لها المسافة بين الجبلين وتتمكن من أخذ مقاسها.
3- ثم انتقلت اللجنة إلى طرف "عير" من هذه الناحية – أعني الناحية الجنوبية الشرقية – ووقفت قريبًا من الجبل مما يلي سد بطحان، وعرفت مقياس مسافته لجبل ثور مع متوسط اللابة الشرقية، وتقرر أن تبدأ الحدود من طرف عير الجنوبي الشرقي مدخلة سد بطحان ومذينيب، وتتقاد ببتر متواصلة مع وسط الحرة بعد كل ثلاثة كيلوات بتر كبيرة ملونة يكتب عليها حد الحرم إلى أن تصل جبل ثور من الشمال الشرقي مخرجة جبل وغيره ومدخلة جميع جبل أحد والخزان الذي حوله والمصانع وما حولها من البساتين ومنطقة العريض والعوافي وقربان إلى امتداد سد بطحان حتى يحاذي طرف عير من الشرق.
4- ثم انتقلت الهيئة إلى طرف "عير" من الناحية الجنوبية الغربية مما يلي ذا الحليفة، لأن عيراً جبل كبير مستطيل، فقربت الهيئة من طرفه، ووقفت على ربوة بسفحه، وتطلعت إلى ما حوله وما يحاذيه من اللابة الغربية والشمالية الغربية.
5- انتقلت اللجنة إلى "الحرة الغربية" وهي أقرب إلى المدينة من الحرة الشرقية، فالغربية تبدأ من عند باب العنبرية كما مر، وهي من جنس الشرقية في كونها تنقطع في مواضع ولاسيما في جهتها الشمالية كما هو مشاهد عند مسجد القبلتين حيث يوجد هناك فضاء واسع فيه المزارع والرمال والسباخ وتتخللها الطرق والعيون والأودية إلى أحد والجرف وما حوله. وتمتد الحرة من الناحية الجنوبية إلى أن تدنو من شرقي عير قريبًا من طرف الحرة الشرقية من ناحية قباء، ويفصل بينها وبين الحرة الشرقية بساتين قباء وقربان والعوالي ووادي مهزور ومذينيب وجفاف وبطحان والرانونة.
وقد مضت اللجنة من "عير" إلى "أحد" لتصل منه إلى "ثور" وسلكت في أثناء ممشاها مع الطريق الجديد الموضوع للأجانب ومن لا يريد دخول المدينة ويسمى بالتحويلة. ويبدأ من نهاية البيداء آخر الخط الآتي من جدة قبل أن يصل إلى ذي الحليفة ثم يتجه شمالاً تاركًا المدينة على يمينه، ورأت اللجنة هذا الطريق في أثنائه مسامتا لما بين عير وثور من هذه الناحية. إلا أنه قد تجاوزها من أوله وآخره. فقررت اللجنة أن توضع البدأ( ) من طرف عير الغربي متجهة إلى الغرب ثم إلى الشمال الغربي فتدخل ذا الحليفة والعقيق وسد عروة والجمارات الثلاث وبنايات الجامعة الإسلامية والقصور الملكية والجرف وبئر رومة وما حولها من البساتين إلى أحد، كل هذه داخلة في حدود الحرم، فإذا وصلت على ما سامتها من التحويلة صارت التحويلة هي الحد، فتوضع البتر على جانبها الشرقي، وتستمر البتر مع هذه التحويلة حتى تحاذي ثور خلف أحد من الشمال الشرقي، وحينئذ تأخذ البتر ذات اليمين صوب الجنوب لتلتقي بالبتر التي مر ذكرها في الحرة الشرقية، وتترك التحويلة لأنها تستمر شرقًا حتى تصل شارع المطار. وبهذا تصبح حدود الحرم ثابتة من جميع جهاتها سواء حدد من عير إلى ثور، أو باللايتين، أو بإثنى عشر ميلاً وهي بريد في بريد كما سبق إيضاح ذلك وأخذ مسافته.
ونظرًا لأن هذه أعمال هندسية وتحتاج إلى مهندس فني فينبغي تعميد بلدية المدينة بهذا ليقوم مهندسوها بمسحها مسحًا فنيًا، مع وضع خارطة تفصيلية لحدود
الحرم بناء على تحديد هذه اللجنة، ووضع العلامات اللازمة على ضوء ما ذكرنا، ويكون ذلك بإشراف الشيخ محمد الحافظ.
ولا يفوتني أن نذكر هنا تتميماً للفائدة أن حرم المدينة يخالف حرم مكة في ثلاثة أشياء.
أولاً: أن صيده وقطع شجره لا جزاء فيه بخلاف حرم مكة.
ثانيًا: أن من أدخله صيدًا من خارج الحرم جاز له إمساكه وذبحه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا عمير ما فعل النغير" وهذا بخلاف حرم مكة.
ثالثًا: جواز قطع ما تدعو حاجة الفلاحين إليه من آلات الحرث والرحل كالمساند وغيرها.
هذا ما جرى دراسته وتحريره بعد كمال التحري وبذل الجهد، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على نبينا محمد وآله وحبه وسلم أجمعين.
هيئة تحديد حدود حرم المدينة المنورة
أبوبكر جابر محمد أحمد محمد الحافظ
أسعد طرابزوني عمار بن عبدالله عبيد مدني
مندوب دار الافتاء/ عبدالله بن عقيل
(1277 – قوله: وهي أفضل من المدينة
الجمهور معهم الأدلة التي هي أصرح في التفضيل، وهي كثيرة. والمدينة فيها فضيلة وهي التي بعد مكة، وبعدها بيت المقدس.
(تقرير)
(1278 – خلط ابن عقيل في الموازنة)
قول ابن عقيل في الفنون: الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، فأما والنبي فيها فلا.
أما جسد المصطفى صلى الله عليه وسلم وكونه أفضل من سائر المخلوقات على المشهور( ) لكن ذكر الحجرة معه هذه العبارة ما هي معروفة عند السلف، وإن كان ابن القيم ذكرها في البدائم ولا تعقبها فهو شيء مرجوح، وكلام الشيخ عبدالرحمن وهو موجود على هوامش بعض شروح الزاد ظاهر.
ونسج منها أهل الغلو، أهل الغلو لا يفهمون مراد ابن عقيل، فإن كثيرًا من الجهال يفضلون الحجرة على الكعبة.
فالكلام على النبي معروف، والكلام على الحجرة معروف، أما جمعهما في كلام واحد فهذا شيء مرجوح. (تقرير)
(باب دخول مكة)
(1279 – قوله: فإذا رأى البيت رفع يديه وقال ما ورد. والظاهر أنه يقول ما يقال في بقية المساجد أيضًا( ).
(تقرير)
(1280 – تقبيل الحجر الأسود أول ما يبدأ طوافه( ). والسنة أن لا يزاحم عليه. وهو غير مشروع في حق النساء( ) وكذلك الرمل ليس مشروعًا للنساء، والبعد عن البيت مشروع في حقهن وليس مشروعًا قربهن، وذلك لكونهن عورة، وفي التقبيل جنس مزاحمة الرجال، فتوفير ستر عورتها متعين مطلوب، وهذه الأشياء مندوبة. (تقرير)
(1281 – يسن استلام الحجر الأسود في كل مرة من طوافه، ولا يسن له تقبيله في كل طوفة، ما روي ذلك عن النبي، ولا جاء ما يدل عليه، فلا يكون سنة، بخلاف استلام الركنين فإنه مندوب في كل مرة إن لم تكن زحمة. (تقرير)
(1281 م – قوله: فإن شق أشار إليه.
أما اليماني فيحتاج إلى دليل، إن جاء دليل فعلنا وإلا فلا، فإن حصل استلام وإلا فلا يشير. (تقرير)
(1282 – لا يجوز التبرك بما مس الكعبة لا الكسوة ولا الطيب وهو شيء ما عرفه السلف الذين هم أعظم الناس تعظيمًا لشعائر الله. العامة يأتون بطيب يمسحونه على الكعبة ثم يمسحونه. أما طيبها هي فلا يؤخذ. (تقرير) ( )
(1283 – الدعاء الثابت في الطواف "ربنا آتنا في الدنيا حسنة" الخ. هذا مندوب، وثابتة به السنة أنه كان يقوله بين الركنين، وبقية الأدعية ما فيها شيء ثابت فيه. فالحقيقة أن الذكر مشروع في الطواف والسعي وحال رمي الجمار وبعرفة ومزدلفة لاسيما بعد طلوع الفجر، بل ذكر الله مشروع في كل زمان ومكان، إلا أمكنة خاصة. أمكنة خاصة. ومن أفضل ما يقول في الطواف قراءة القرآن. وفي بعض هذه الأدعية أشياء بعضها آثار ولم يجيء فيها نص يتعين أنها ذكر، لم يرد عن النبي ولا عمن يلحق قوله وفعله بالسنة. (تقرير)
(1284 س: كيف يدعو؟
ج: يسمع نفسه إسماعًا. لكن الذي يشوش المطوف بل يروع من يتروع إذا كان إلى جنبه، فضلا عن أن يكون شوش على الذاكرين ذكرهم. هذا باطل. (تقرير)
(1285 – السر في جعل البيت عن اليسار)
والسر في ذلك في كلام بعض الفقهاء قالوا: لأن القلب في الجانب الأيسر، لأنه محل الإيمان بالله، وأما كلام الشيخ( ) فقال: إن الحركة الدورية تعتمد اليسار. وهذا ما هو لازم أنا نعرفه، إن عرفناه فذاك وإلا فهي عبادة على الحكمة والمصلحة (تنزيل من حكيم حميد) فجميع تصرفات الشرع على الحمد والعلم والحكمة. فله كمال الحمد في خلقه، وكمال الحمد في شرعه ودينه.
ولكن أمر آخر وهو كأن اليمين إذا كانت من الجانب الذي لا يدار يصير أنشط، واليمين تدور أكثر مما تدور اليسار، وإذا كانت تطوف فتطوف اليمين أكثر. وفيه شرف هي التي تدور بالبدن. أهل الدواب يجعلون أقوى الدواب هي الطرفاء. واليمين للأخذ والعطاء. هذا أما أفهمه أنه أنشط. وأيضًا اليمين تقوى من الأعمال ما لا تقوى عليه اليسار، فتكون اليمين كأنها متحركة واليسار – لا – نسبيًا. إن قيل: ما تعنينا الحركة الدورية، قيل: اليمين أنشط. (تقرير)
(1286 – النطق بالنية)
النطق بالنية عند الطواف كالنطق بها عند الصلاة، فهو بدعة، ما فعلها النبي ولا أصحابه ولا السلف، ولا منسوبًا إلى الأئمة الأربعة. نعم فهم من كلام الشافعي ما لا يدل عليه كلامه( ).
(تقرير)
(1287 – الكلام حال الطواف)
كونه يجيء غريب فتشفق أن تأخذ أخباره وأنت في الطواف، هذا لا ينبغي، وإن كان جنس الكلام مباحًا. هذا شغل عن الذكر، والطواف ذكر، فالذي لا بأس به من رد السلام والأمر بقضاء حاجة أو نحو ذلك. أما الذي يفعله بعض الناس يكثرون من فضول الكلام فلا ينبغي وينقص الطواف. (تقرير)
(1288 – الصلاة خلف المقام) ( )
س: صلاة المرأة خلف المقام؟
ج: إذا كان زحمة فتتركه، مثل ترك تقبيل الحجر، والمرأة عورة فتجتنبه. وذكر ابن رشد أنه لا يندب في حق المرأة بالإجماع، ولا أدري عن حكاية الإجماع، وكلام الأصحاب أنها لا تزاحم الرجال، ويفهم منه أن المرأة لها أن تقبل وتستلم إذا كان الطائف نساء أو لا زحمة، ولكن كلام ابن رشد لا أقل من أن يكون قول الجمهور. (تقرير)
(فصل)
ثم بعد صلاة الركعتين يأتي إلى الحجر ويستلمه. وهذه السنة مهجورة الآن، وإتيانه للحجر استلام فقط لا يقبله.
(تقرير)
س: ولو لم يقصد السعي.
ج: النبي فعله حين طاف، لم يذكر شيء إلا إذا كان يقصد السعي.
(تقرير)
(1289 – إذا لم ير البيت وهو على الصفا)
وإذا كان يرى الآن مع شيء من الأبواب فذاك، وإذا لم يره بالذات فيقف موقف استقباله حين كان يرى. (تقرير) ( )
س: رفع اليدين في الصفا والمروة مسنون.
ج: نعم هو الظاهر. (تقرير)
(1290 – الذكر الوارد هنا وغير الوارد)
قوله: وقال وما ورد، ومنه الحمد لله على ما هدانا.
يفيد أن هناك أشياء واردة منها هذا فلتراجع الكتب المبسوطة كالمغني للموفق والمهذب للنووي وكذلك كتب الحديث من متون أمهات وشروح ليحصل على أعيان الوارد في ذلك، ثم الوارد هو الذي ينبغي، والدعاء بغيرها جائز، إلا أنه لا يجوز الاعتداء. أما الذي ليس فيه اعتداء فباب الرب مفتوح لعباده يسألونه حوائجهم. إلا أنه ينبغي أن تكون له رغبة لصلاح القلب والنية والدعاء لنصرة الدين وأئمة المسلمين.
إذا كان فيه شيء وارد فالوارد أفضل. وتعلم أن أفضل الدعاء الأدعية التي فيها التوحيد، فإنه يجتمع فيها دعاء العبادة ودعاء المسألة.
(تقرير)
(1291 – ما بين الميلين، ومن يندب له السعي شديدًا)
قوله: فإذا بقي بينه وبينه ستة أذرع سعى شديدًا.
هذا هو مبتدأ الوادي – وادي ابراهيم – ويسمى الأبطح، فإنه كطان مجراه أولاً هو المرسوم بين الميلين، لكن نحي لأجل التوسعة، فيسرع أكثر من الطواف سعيًا لا يلحقه مشقة، ويستثنى حامل المعذور، والنساء عورات المطلوب سترهن، وأيضًا من شأنهن الضعف. أما لو كان على بعير أو سيارة أو عربة فإنه لا يسعى شديدًا.
(تقرير)
س: محرم المرأة إذا وصلا الميلين.
ج: لا يبعد عنها فإنه يخشى عليها من الضياع أو من الأطماع. (تقرير)
(1293 – وينبغي له ندبًا أن يستشعر حالة هاجر ليس معها إلا طفلها، فإذا ذكر ذلك الإنسان دعاه إلى خشية ربه، كما أن في الدخول يستشعر دخول النبي مكة ومعه أصحابه في حالة ما دخلوا الأبطح( ).
(تقرير)
(1294 – س: إذا أقيمت الصلاة وهو في السعي.
ج: يصلي، ثم إذا رجع فيبني على ما مضى، لكن يبتدأ الشرط الذي قطع في أثنائه من أوله، ومثله في الطواف، وكذلك الجنازة.
(تقرير)
(1295) قوله: المرأة لا ترقى الصفا والمروة.
والأحوط على كلام الأصحاب أن ترقى واحدة، والظاهر أن الشيء اليسير الذي يكون فيه مشقة يعفي عنه، ولكن الأحوط هو أن لا يدع شيئًا إذا كان قولا لبعض العلماء، لئلا يبقى شيء من حزازات، فإن العامي قد يترك مسنونًا فيعتقد أن حجه باطل ولا تطيب نفسه.
(تقرير) ( ) .
آخر الجزء الخامس
ويليه
الجزء السادس
وهو بقية كتاب الحج( ) والأمر بالمعروف وكتاب الجهاد

عبدالرحمن الفقيه.
24-01-04, 05:01 AM
( باب صفة الحج والعمرة )
(1296 ـ قوله : والأفضل من تحت الميزان )
هذا الأفضل في كلام الأصحاب ، وهذا على حسب شيء رووه عن أ؛مد ،ورأوا أنه من المذهب . ولكن يحتاج إلى برهان أن ذلك أفضل ولا أذكر برهاناً على ذلك ، الأحاديث المشار إليها كافية واضحة ما أحرموا إلا من البطحاء .
وحديث ابن عباس " حتى أهل مكة من مكة"( ) والنبي حج قارناً والآخرون وهم أكثر الصحابة ذكروا أنهم ما أهلوا إلا من البطحاء . (تقرير)
(1297 ـ احرام من رجع إلى مسكنه في جده منها لا من مكة )
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم سعود بن عبد العزيز أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :ـ
ثم حفظكم الله من خصوص إحرامكم بالحج لابد أن يكون من جدة ، وكذلك أيدكم الله تفهمون من ينبه على كافة خدامكم واخوياكم بذلك حتى لا يقع منهم ما وقع من بعضهم في العام الماضي من الإحرام بالحج من مكة ، فإن من أحرم بالحج من مكة منهم يلزمه دم ، لأنه فوّت واجباً وهو إحرامه من مكانه وهو منزله الذي سار منه ، وأصل قصده من هذا السير الذهاب إلى الحج . والله يتولى جلالتكم بتوفيقه . ( ص ـ م في 6/12/1375هـ ) .
(1298 ـ تفريق الجماعات في منى وعرفة ومزدلفة لا ينبغي )
قوله : ويصلي مع الإمام استحباباً .
أولاً لأنه جمع أكبر ، لما في الأحاديث " صلاة الرجل .." ( ) ثم أيضاً لا يخلو من زيادة فائدة ، فإن المأموم لا يعدم خيراً من الإمام ، فإما أن يستفيد من الإمام أو نائبه .
ثم هذا التفريق الذي كل خبرة( ) وحدها هذا ما ينبغي ، إنما ينبغي أن يصلي أكبر عدد ممكن إذا وجد مكان متسع ، وإن لم يحصل فالتفرق جائز . (تقرير)
(1299 ـ قوله : ويخطب الامام ، أو نائبه )
يخطب الذي استنابه في الحج ، أو نائبه في الصلاة هنا ، أو نائب الحج يستنيب نائباً عنه على حسب الحاجة ، وإ ذا استناب الإمام أو نائبه فليكن عالماً . (تقرير)
(1300 ـ الجمع بعرفة من حين تزول ، القريبون من عرفة يترخصون )
الجمع بعرفة من حين تزول الشمس ، سواء كان في الصيف أو الشتاء ، شديد الحر ، أولا ، ولا يشرع الإبراد في هذا ، لأن فيه السنة المشهورة ، ولأن الناس جاءوا متصدين لأعمال الحج ، والوقوف يجمع أهل مكة وأهل نواحي مكة والبعيدين منها .
لكن القريبين من عرفة لا يترخصون عند الأصحاب . والقول الثاني أن لهم الجمع والقصر ، وهو الصحيح ، وهذا جار على أحد أصلين : إما أن يقال : إن حكم سفر المناسك غير حكم الأسفار الأخر ، أو على أصل آخر وهو اختيار الشيخ أن مسافة القصر لم يثبت فيها تحديد . (تقرير)
(1301 ـ الأفضل في حالة الوقوف )
قوله : أن يقف راكباً .
كونه راكباً أسهل له من الأرض ، الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حجة الوداع وقفوا راكبين على رواحلهم ، فهذا أصل وحدة كاف .
وقد قرر شيخ الإسلام وابن القيم كذلك أن الأفضل الحال التي هي مناسبة للحاج .
الآن إن كان على سيارة أرفق به وأتم في حقه فهو الأفضل ، و إن كان نزوله في الخيمة أرفق به فنزوله في الخيمة أفضل ، فالحالة التي توفر عليه ما يحتاج له من حضور القلب ومن كمال الدعاء والذكر هي المراد .
أما من حيث المكان فشيء آخر .
ثم ما تقدم أنه يفعل ماهو الأرفق به لا مانع من أن ينتقل من حال إلى حال ، ليس في ذلك منع من شيء من هذه الأمور ولا مرجوحية فيها .
نعم محل النبي صلى الله عليه وسلم يقف فيه ، إلا أن الاستقرار أولى إذا لم يدع داع لمصلحة الموقف .
ثم ينبغي له الانفراد لحديث جابر ، وأن يكون دعاؤه سراً ، لأن الأصل في الدعاء الاسرار وهو أفضل ، ولا جاء فيه الرفع . (تقرير)
(1302 ـ صعود جبل الرحمة وتسهيل الصعود إليه )
قوله : ولا يشرع صعود جبل الرحمة .
الجهال يعظمونه ويصعدونه ، وهذا أكثر مايروج على الخرافيين أهل تعظيم الأحجار والأشجار ونحوها، أهل التوحيد لا يروج عليهم . (تقرير)
(1303 ـ فتوى في الموضوع )
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وبعد :ـ
فقد جرى اطلاعنا على خطابكم رقم 740 ـ 2 ـ ل وتاريخ 9/2/1386هـ بخصوص ذكركم أن لجنة الحج العليا أوصت باستفتائنا عن مشروعية عمل عدة منافذ من الدرج في جبل الرحمة تخفيفاً للزحام الشديد الحاصل فيه يوم عرفة . إلى آخر ما ذكرتم .
ونفيد سموكم أن الصعود إلى الجبل نتيجة اعتقاد خصوصية شرعية بدعة ، إذ لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من سلف الأمة الصالح أنه صعد الجبل يوم عرفة تقرباً ، وقد كان موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل الجبل عند الصخرات ، وقال صلى الله عليه وسلم :" وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف"( ) .
ولا يخفى سموكم أن العمل لتسهيل الصعود إليه معناه إقرار هذه البدعة ، وتسهيل أمرها ، والمساعدة على أدائها ، وهذا منكر أيضاً ، إذ الدال على الخير كفاعله ، وعكسه ظا هر . وبالله التوفيق والسلام عليكم . (ص ف 2038/1 في 24/7/1386هـ) .
(1304 ـ الوقوف بعرفة ركن )
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم علي بن عسكر سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :ـ
فقد جرى اطلاعنا على استفتائك بخصوص ما ذكرته عن أن جماعة من الحجاج وقفوا يوم عرفة أمام مسجد نمرة إلى جهة مزدلفة إلى انتهاء يوم عرفة ، وتذكر أن فيهم من يؤدي فريضة الحج ، وفيهم من يحج بالنيابة عن غيره ، وتسأل عما يلزمهم .
والجواب لا يخفى أن الوقوف بعرفة أحد أركان الحج ، وأن من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج ، لقوله صلى الله عليه وسلم :" الحج عرفة"( ) ولا شك أنما ذكرته من الموقف التي وقف فيه من سألت عن صحة حجهم ليس من عرفة ، فمن لم يتيسر له منهم أن دخل عرفة بقية يوم عرفة أو ليلة النحر ف يلزمه إعادة حجه إن كان يؤدي فريضة الحج ، أو كان نائباً عن غيره في الحج . أما من تيسر له دخول عرفة بأن ذهب إلى السوق داخلها أو إلى الجبل أو غيره من أراضي عرفة ثم رجع إلى مكانه الذي ذكرت فهذا حجه صحيح ، ويلزمه دم لانصرافه منها قبل الغروب . وبالله التوفيق . والسلام .
مفتي الديار السعودية ( ص ـ ف 1532 ـ 1 في 4/6/1386هـ)
(1305 ـ لا يسقط بالجهل )
كثير من الحجاج يقفون دون عرفة فلا يصح حجهم ، جاهلين ، أو لا . ولكن الناس ينزلون حيث وجدوا حد منازل الناس ويشتبه على بعضهم الحدود التي على عرفة أو حدود مزدلفة ( ) . (تقرير)
(1306 ـ الدفع قبل الغروب )
قد كان بعض الإخوان سهلوا في هذا ، ولكن رجعوا لما اتضحت لهم السنة وقول جماهير أهل العلم ، والبيان .
وقد نزع بحديث عروة من يرى جواز الدفع قبل الغروب ، ولكن هذا غلط واضح ، فإنه ليس نصاً في المسألة ، إنما فيه إطلاق مقيد ، أو عموم مخصوص بالأحاديث الأخر . (تقرير)
(1307 ـ وعليه دم )
تقدم عبد العزيز بن عبد المحسن أبا نمي بسؤال هذا نصه :
نرجو منكم أن ترشدونا عن نفرٍ حجّ هذا الزمان ، وأجبروه رفقاؤه أن يرتحل معهم من عرفة من شأن أن يتقدموا في الطريق قبل الزحام ، وقد خرجوا من حدود عرفة قبل غروب الشمس بخمس دقائق . فماذا يكون عليه في حجه ، وهل بين الجاهل والعارف فرق ، وماذا يكون في حقه وقد وصل إلى نجد . أفتونا مأجورين .
والجواب : الحمد لله . الذين خرجوا من عرفة قبل غروب الشمس يلزم الغني منهم ذبح شاة في مكة تفرق على المساكين هناك . أما الفقير فيلزمه صيام عشرة أيام . ولا فرق بين الجاهل والعارف . وإذا كان قد وصل إلى نجد فيوكل من يثق به في مكة يذبح الشاة ويفرقها على المساكين . والله الموفق . أملاه الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
(الختم) ( ص ـ ف 149 ـ 42 ـ 1 في 25/12/1377هـ)
(1308 ـ الانصراف من عرفة للجنود ،وكذلك الدفع من مزدلفة وتركهم المبيت بمنى)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فجواباً على سؤال سموكم عن حج الجنود الذين يقومون بتنظيم السير في الحج وحفظ الأمن . أُفيد سموكم أنه لا يلزم المذكورين أن يحجوا ، إذ ليس كل من ذهب إلى المشاعر يلزمه الحج . ولو خيروا بعد البيان لهم بأنه لا يلزمهم الحج كانا حسناً . ومن حج منهم حينئذ وانصرف من عرفة قبل الغروب بمقتضى وظيفته فلا إثم عليه في ذلك ، وإنما يلزمه دم فقط ، ومن لم يجد دماً صام عشرة أيام بعد فراغه من الحج ، ومن عاد منهم إلى عرفة في تلك الليلة فلا دم عليه . وإذا اقتضيت المصلحة دفعهم من مزدلفة قبل نصف الليل فلا إثم عليهم في ذلك ، وكذلك إذا دعت المصلحة أيضاً إلى تركهم المبيت بمنى فلا يأثمون كذلك . والله يحفظكم . ( ص ـ م 4336) .
(1309 ـ س : إذا قهرهم راعي السيارة وانصرف بهم ) .
ج ـ عليهم دم ، ويغرمه لهم . (تقرير)
(1310 ـ الدفع من مزدلفة )
بسكينة وركود واطمئنان في سيره وفي هيئته من حيث عدم الانزعاج واضطراب لا حاجة إليه ، وعند الحاجة كشيء يخشى فواته فشيء آخر . ( تقرير )
(1311 ـ تقسيم مزدلفة )
من محمد بن إبراهيم إلى سعادة أمين العاصمة الأستاذ عبد الله عريف المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
بشأن ما ارتآه الشيخ صالح قطان من تقسيم مزدلفة بالنسبة إلى الحجاج الذين يبيتون بها إلى الفجر والذين ينصرفون بعد نصف الليل .
وقد تأملنا ما ذكره ، فلم نجده وجيهاً من الناحية الشرعية وغيرها ، لأن الناس عند انصرافهم من عرفة يصعب ضبطهم وإيقافهم لسؤالهم عن من يريد أن يبيت بمزدلفة إلى الفجر أو سينصرف منها بعد منتصف الليل .
وأيضاً فقد يطرى للذين سيبيتون إلى الفجر أن ينصرفوا بعد نصف الليل ، وبالعكس . وأيضاً فهذه المناسك لمن سبق إليها ، ولا يحل منع من سبق إلى محل من مزدلفة أن يمنع منه لانتظار أحد لم يأت بعد . لهذا وغيره لا ينبغي أن يعول على رأيه المذكور . والسلام عليكم .
مفتي الديار السعودية ( ص ـ ف 674 ـ 1 في 4/3/1386هـ)
(1312 ـ س : إذا وصل مزدلفة بعد ربع ساعة )
جـ : إن أخر إلى وصول العشاء فهذا حسن .وإن جمع قبل ذلك فله وجه ، فإنه مشروع أن يجمع إذا وصل ، ولكن الأول هو الأقرب لمراعاة السنة . (تقرير)
(1313 ـ قوله : وله الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل ، لكن بعض أهل العلم يأبى ذلك ، ويقول إنه ما جاء إلا في حق الضعيف فلا يكون مسوغاً لبقية الناس أن يدفعوا مثلهم ، وهذا هو الأحوط ، لأن الرخصة ما جاءت إلا في حقهم ، والأصل الاستمرار كما فعل النبي وغير الضعفة . ولا يُزال عن الأصل إلا بمجوز متحقق ،وهذا الذي في الضعفة غير متحقق في غيرهم . وإلى هذا ميل الشيخ وابن القيم . والضعف هو كبر السن ، أو المرض ، والثقل ، ونضو الخلقة . وجاء " أن سودة كانت ثبطة فاستأذنت فأذن لها " .
فمن جوز مسألة في الدفع قبل الرسول فعليه إقامة الدليل ، وإلا فلا . في مثل وقتنا هذا يمكن أن يكون دفع الناس لو يدفعون بعد نصف الليل لا يحصلون الرفق ، وذلك أن الكثير وأهل النشاط يدفعون من آخر الليل في السيارات وتصير الزحمة من آخر الليل كما تصير في النهار وقريب من ذلك ، فهذا يؤكد أن لزوم السنة ، ويحتاط لنسكه . وأيضاً لا ينال أرفقية . ( تقرير)
س : النصف يعتبر بالفجر .
ج : الليل الشرعي من غيبوبة الشمس إلى طلوع الفجر . فالبيتوتة من المغرب إلى الفجر . وجاء في حق الضعفة أنه حين يبقى ثلث الليل ،وجاء أنه بعدما غاب القمر ، وهو غير بعيد من تحديده بثلث الليل . ( تقرير ) .
( 1314 ـ صلاة الصبح بغلس فيها )
أحاديث التغليس أكثر ما تفيد أنه بالغ في التبكير ، فيفيد أن السنة أن يبكر بالنسبة إلى أول وقتها .
وليس هو هذا التسرع الذي يفعله كثير من الناس ، بل هو جهل كبير وعدم معرفة للطاعة ، ربما حجه نفل ويترك الفريضة . والفجر هو البياض المعترض ، فإذا اعترض فيندب أن يعجل ، وهذا لأجل إطالة الدعاء في المشعر . ( تقرير )
(1315 ـ صعود المشعر )
صعود المشعر إن قام عليه دليل ، وإ لا فلا ) ( ) (تقرير ) ( )
(1316 ـ س : ما حد الحصى الذي لا يجزى الرمي به )
ج ـ ما أعرف . لعل لو حدد ذلك بما يرمي به الرجل والصيد .
ـ مقدار البيضة أو ما يقاربها ـ فيقال رمى به ، وهو يعد كبيراً . ( تقرير )
س : الذي كبر دمن الحاشي ؟
ج ـ لعله يجزي ، لأنه ليس في العادة أنه يرمي به أحد ، ويوجد لها شيء من المسمى ( تقرير )
س : أو دمنة البعير .
جـ : لعل أقرب ما يحدد به الحذف الناكي كالبيضة . ( تقرير )
(1317 ـ خصائص جمرة العقبة )
هذه الجمرة التي ترمى هنا : لها أربع خصائص اختصت بها على سائر الجمرات بالنسبة إلى ماذكره الأصحاب فقط . أما بالنسبة إلى ما هو القول الصحيح فتصير خمساً (الأول) : أنها ترمى يوم النحر . (الثاني) : صباحاً ( الثالث) من أسفلها (الرابع) لا يوقف عندها (الخامس) أنها تستقبل حال الرمي وتكون القبلة عن يسار الرامي ، بخلاف بقية الجمرات فإنها تستقبل .
وشيء آخر اختصت به يصير " سادساً" ـ وهو لم يُعدّ وهو منها حقيقة ـ : أنها إحدى الحل ، فإنه إذا رماها حل . وإن قيل : إن من خصائصها قطع التلبية ، فيمكن أن يُعَدّ . ولو رميت من فوقها أجزأ عند الأصحاب مثل رمي الناس اليوم( ) (تقرير )
(1318 ـ قوله : ولا يرمي بها ثانياً )
تصير مستعملة عند الأصحاب .
وهذا يحتاج إلى دليل ، ولا دليل عليه ، لكن بكل حال إذا علم أنهاحصاته أو حصاة غيره رمى بها الأولى أن لا يرمي بها : أولا خروجاً من الخلاف ، وأحوط ، واهتماماً بالعبادة . (تقرير)
(1319 ـ قوله : ويندب أن يستقبل القبلة عند جمرة العقبة . هذا معنى كونه من أسفلها . لكن الصحيح أن الذي يندب أن تستقبل هي في جميع رميها ، وكما في حديث ابن مسعود " جعل البيت عن يساره " ( ) (تقرير)
(1320 ـ قوله : ويرمى بعد طلوع الشمس ندباً )
ويجزئ بعد نصف الليل ، إلا أن المسألة هذه فيها خلاف . أما الضعفة فهو ندب في حقهم إن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس ،وإن رموا قبل ذلك جاز ، ولهذا في الحديث "أمرهم أن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس"( ) ولو صح لكان الضعفة كغيرهم .
الحاصل إن وقتها المستقر بعد طلوع الشمس ، والضعفة ظاهر ، وغيرهم بالقياس عليهم على قول ، والقول الآخر لا يجزي غيرهم إلا بعد طلوع الشمس( )
(1321 ـ تقديم ذبح هدي التمتع على يوم النحر لا يجوز ولا يجزي )
سؤالان
الأول : ما وقولكم في تقديم ذبح هدي المتعة قبل يوم النحر : هل في ذلك برهان من السنة صحيح صريح ، أم لا ؟ .
الثاني : ما قولكم في هذه الأفدية التي تفرقها الحكومة على بعض الحجاج ، وما يحصل فيها من التلاعب والكذب وتجرثم الحرام : هل الذي ينبغي استمرارها والحال ما ذكرنا ، أم لا ؟ .
الجواب : عن السؤال الأول : ـ الحمد لله . ليس مع من يجوز تقديم ذبح دم المتعة على يوم النحر حجة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل السنة المعلومة المتفيضة دلت على أن زمن ذبح هدي التمتع والقران هو يوم النحر فما بعده من الأيام التابعة له .
نعم جاء في صحيح مسلم من رواية أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث عن حج النبي صلى الله عليه وسلم قال :" فأمرنا إذا حللنا أننُهدي ويجتمع النفرُ منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث"( ) فزعم بعض الناس أن فيه دلالة على جواز تقديم ذبح دم التمتع على يوم النحر . ولا دلالة صريحة في هذا الحديث على ذلك ،وأكثر ما في الحديث احتماله ذلك ،ولا يعدل عما دلت عليه الأحاديث الصريحة لأمر يحتمل .
ولم يجئ في أحاديث إحلال الصحابة رضي الله عنهم من عمرتهم بمكة زمن حجة الوداع أمره صلى الله عليه وسلم إياهم أن يذبحوا في هذا الحين هدياً ، بل ولا فعله منهم أحد ،كما في حديث جابر الطويل في سياق حج النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه قوله :" فحل الناس وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هديٌ"( ) ا هـ .
ومعناه في حديث ابن عمر ،ومثله في حديث عائشة ،ونظيره في حديث حفصة رضي الله عنهم . فهذه الأحاديث كلها وأمثالها لم يذكر فيها شيء من ذلك ، ولو كان شيء لما أهمل ، إذ هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله .
ودليل آخر على عدم فعل شيء من ذلك ، وهو ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه يوم النحر وكن متمتعات ، فإنه من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بذبح الهدي حين الإحلال من العمرة بمكة ويخالف ذلك في هدايا أزواجه رضي الله عنهن بذبحها يوم النحر ، بل يظهر من هذا موافقة حديث جابر الذي نحن بصدد الكلام في دلالته لسائر الأحاديث في أن ذبح الهدايا ليس إلا يوم النحر . فتكون الفتوى حينئذ بجواز تقديم ذبح دم المتعة على يوم النحر قد اجتمع فيها محذوران .
" أحدهما " : مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
" الثاني " تسبيب الثقاق والنزاع . ولا يخفى أن الشريعة المطهرة ترمي إلى اجتماع القلوب واتحاد القول والعمل في مواطن لا تحصى فيؤخذ من ذلك وغيره أنه ينبغي اتحاد عمل الحجاج في أفعال حجهم .وإذا كان الأمر كذلك فليس أولى القولين بأن يؤخذ به ويجتمع عليه إلا القول الذي دلالة السنة عليه أظهر من الشمس في رابعة النهار .
أما " الجواب " عن السؤال الثاني : فحيث كان الحال في الأفدية التي تدفعها الحكومة لبعض الحجاج قد بلغت إلى ما ذكر في السؤال ، بل وإلى ما هو أفظع منه وأبشع بكثير ، ولا سيما ووقوع ذلك في الحرام والإحرام ، فان ترك الحكومة ذلك خير وأولى من الاستمرار عليه ، بل الذي يظهر والحالة ما ذكر تعين العدول عن ذلك .
فنسأل الله أن يوفق الملك للفت النظر لهذه المسألة برفض تفريق تلك الذبائح ، نصحاً منه للرعية ، وقياماً بالواجبات الشرعية ، وإبعاداً عن أسباب المعاصي والمظاهر الردية . والله الموفق ، وهو سبحانه أعلم بالصواب .
أملاه الفقير إلى مولاه محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه وسلم . 30/11/373 ( هذه من الفتاوى التي طبعت ووزعت )
(1322 ـ فتوى مطولة ـ في : أنه لا يجوز ولا يجزي تقديم دم المتعة قبل يوم النحر ، والجواب عما احتج به من جوزه )
ما قولكم وفقكم الله في تقديم ذبح هدي المتعة على يوم النحر : هل يجزئ ، أم لا ؟ وإذا قال بإجزائه أحد من أهل العلم فما وجه قوله ؟
(الجواب) : الحمد لله . لا يجوز ، ولا يجزئ تقديم ذبح دم المتعة قبل يوم النحر . وإن قال به بعض أهل العلم فالحجج الساطعة والبراهين القاطعة مع جماهير أهل العلم ،ولا دليل مع من خالفهم لا من كتاب ولا سنة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح . وما ذكروه من الأحاديث ،ونسبتهم ذلك إلى بعض الصحابة ، والقياس الذي زعموه ، وإيهامهم قوة الخلاف في ذلك : كل ذلك سيتبين لك فيما يأتي ـ إن شاء الله ـ أنه أشبه شيء بسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً .
وأبدأ بإيراد ما تيسر من الأحاديث الصحيحة المشتملة على أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة المهلين بالقران والمهلين بإفراد الحج ممن لم يسوقوا الهدي بأن يفسخوا الحج إلى العمرة ، فيكونوا بذلك متمتعين بالعمرة إلى الحج :
فروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج ، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ، ومنهم من لم يهد . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس :" من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقتضي حجه ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر ، وليحل ، ثم ليهل بالحج ،وليهد ، فمن لم يجد هدياً فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " الحديث .
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخاً ، فلما قدمنا مكة " أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج" .
وروى البخاري عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال : " أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا ، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلّد الهدي فطفنا بالبيت ، وبالصفا والمروة ، وأتينا النساء ، ولبسنا الثياب ، وقال :" من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله . ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، وإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي ، كما قال تعالى:فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم  إلآ أمصاركم .
وروى البخاري ومسلم عن جابر قال :" أهللنا بالحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة ، فكبر ذلك علينا ، وضاقت به صدورنا، فقال : يا أيها الناس أحلوا فلولا الهديُ معي فعلتُ كما فعلتم .قال : فأحللناحتى وطئنا النساء وفعلنا كما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج " .
ولهما عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال :" قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال :" بما أهللت ، قال : قلت : أهللت بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سُقت من هدي . قلت : لا . قال :" فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل . فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي" .
ولهما عن عائشة ، قالت : " فلما دخلنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرةً إلا من كان معه الهدي قالت : وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر يوم النحر " .
وروى مسلم عن ابن عباس ، قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بالحج فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم .
وله عن أسماء بنت أبي بكر قالت :" خرجنا محرمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : من كان معه هدي فليقم على إحرامه ، ومن لم يكن معه هدي فليحلل ، ولم يكن معي هدي فحللت ، وكان مع الزبير هدي فلم يحل " .
وروى الإمام أحمد عن أنس ، قال : " خرجنا نصرخ بالحج ، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة ، وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ، ولكن سُقت الهدي وقرنت بين الحج والعمرة " . وله عن ابن عمر قال : " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وأصحابه مهلين بالحج فقال : من شاء أن يجعلها عمرةً إلا من كا ن معه الهدي . قالوا يارسول الله : أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منياً . قال : نعم . وسطعت المجامر " .
وروى أبو داود عن الربيع بن سبرة ، عن أبيه ، قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي : يارسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال :" إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم عمرة ، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل ، غلا من كان معه هدي " .
وروى أحمد وابن ماجه عن البراء بن عازب ، قال : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال . فأحرمنا بالحج ، فلما قدمنا مكة قال . اجعلوا حجكم عمرة . قال . فقال الناس : يارسول الله قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة . قال . انظروا ما آركم به فافعلوا ، فردوا عليه القول ، فغضب ، ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان ، فرأت الغضب في وجهه ، فقالت : من أغضبك أغضبه الله ، فقال . ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع " .
وروى البزار في مسنده بإسناده صحيح عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة ، فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة ، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا ، فهابوا ذلك , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحلوا فلولا أن معي الهدي لأحللت ، فحلوا حتى حلوا إلى النساء" .
وروى أبو داود عن أنس ، قال "بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعني بذي الحليفة ـ حتى أصبح ثم ركب ، حتى إذا استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح وكبر ، ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما ، فلما قدم أمر الناس فحلوا ، حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج نحر سبع بدنات بيده قياماً " .
وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن قرط ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن أعظم الأيام عند الله عز وجل يوم النحر ، ثم يوم القرّ ، قال ثور . وهو اليوم الثاني . قال . وقرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمس أو ست فطفقن يزد قن إليه بأيتهن يبدأ ، قال : فلما وجبت جنوبها قال : فتكلم بكلمة خفية لم أسمعها ، فقلت . ما اقال : قال : من شاء اقتطع " .
وروى مسلم من طريق الليث عن أبي الزبير ، عن جابر ، أنه قال :" أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج مفرد ، وأقبلت عائشة بعمرة ، حتى إذا كنا بسرف عركت ، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي ، قال . فقلنا . حل ماذا ؟ قال : الحل كله ، فواقعنا النساء ، وتطيبنا بالطيب ، ولبسنا ثيابنا ، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ، ثم أهللنا يوم التروية " الحديث وروى مسلم أيضاً من طريق أبي خيثمة ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج معنا النساء والولدان ، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يكن معه هدي فليحلل . قال : قلنا . أي الحل ؟ قال . الحل كله ، قال . فأتينا النساء ، ولبسنا الثياب ، ومسنا الطيب ، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج " الحديث .
فهذه بضعة عشر حديثاً مفادها جميعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه عام حجة الوداع القارن منهم والمفرد ممن لم يسق الهدي أن يفسخ الحج إلى العمرة ، ففعلوا . ولم يرد في واحد منها الأمر بأن يهدوا في هذا الحين حين فسخ الحج .
وعلى هذه الأحاديث الثابتة والسنن الشهيرة عول المسلمون منذ عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، لم يثبت أن واحداً من الصحابة ذبح هديه قبل يوم النحر . وما روي عن ابن عباس سيأتي الجواب عنه إن شاء الله . فهؤلاء أحد عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين رووا حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، وماأمر به من فسخ الحج إلى العمرة ، وموافقة الصحابة على ذلك ، ورجوعهم إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم ري الله عنهم وأرضاهم إلى أن ساقوا بقية حجة النبي صلى الله عليه وسلم أو معظمها لم يرو واحد منهم تلك الزيادة التي توهم منها من توهم جواز تقديم ذبح الهدي وهي قوله في الحديث " وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث " .
فصل
وأما المجوزون لتقديم ذبح الهدي قبل يوم النحر ، فقالوا محتجين على ماذهبوا إليه : روى مسلم في صحيحه ورواه أحمد والطيالسي ، ولفظ مسلم قال : حدثني محمد بن حاتم ، حدثنا محمد بن بكر ، أخبرنا ابن جريج أخبرنا أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال :" فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ، ويجتمع النفر منا في الهدي ، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم " في هذا الحديث .
" الثاني " : ما رواه الحاكم في مستدركه بسند على شرط مسلم عن مجاهد وعطاء ، عن جابر بن عبد الله ، قال :" كثرت القالة من الناس فخرجنا حجاجاً حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا أيام قلائل ، أمرنا بالإحلال . قلنا : أيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منياً ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام خطيباً فقال : أبالله تعلمون أيها الناس ، فأنا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هدياً ولحللت كما أحلوا ، فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله ، ومن وجد هدياً فلينحر فكنا ننحر الجزور عن سبعة " قال عطاء ، قال ابن عباس :" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنماً ، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيساً فذبحه عن نفسه ، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أبي خلف فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إصرخ : أيها الناس هل تدرون أي شهر هذا " الحديث .
قال من نقل الحديثين السابقين : ولعل ثالثهما ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري ، عن أنس ، قال :" صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، فبات بها ، فلما أصبح ركب راحلته فجعل يهلل ويسبح ، فلما علا على البيداء لبى بهما جميعاً ، فلما دخل مكة أمرهم أن يحلوا ، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدن قياماً " وفي السنن الكبرى للبيهقي عن ابن وهب ، قال : أخبرني مالك بن أنس ، عن عمرو بن دينار ، أنه قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : من اعتمر في أشهر الحج في شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة فقد استمتع ، ووجب عليه الهدي ، والصيام إن لم يجد هدياً .
والجواب عن الحديث الأول الذي رواه أحمد ومسلم والطيالسي فيما زعمه من أورده أن يقال : لا حجة في هذا الحديث على ما ذهبوا إليه من وجوه :
" أحدهما " أن يقال : لا منافاة بين مدلوله وبين مدلول سائر الأحاديث التي ذكرناها وغيرها في هذا الباب ، فإن فيهن جميعاً نطقاً أو تضمناً أمر النبي صلى الله عليه وسلم للقارن والمفرد الذين لم يسوقا الهدي بالتحلل ، والأمر بالهدي ، والأمر باشتراك السبعة في البدنة .
نعم في هذا الحديث تنسيق أمرهم بالهدي وأمرهم بأن يشترك السبعة في البدنة على أمرهم إياهم بالفسخ بلا فصل ، متبعاً ذلك بهذه الزيادة وهي قوله :" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم" ولم تنسق هذه الأمور في بقية الأحاديث هذا التنسيق الذي في هذا الحديث ، ولم تذكر فيهن تلك الزيادة ، بل جاءت الأوامر في تلك الأحاديث مفصولاً بعضها عن بعض بجمل ، فنشأ عن اختلافها هذا الاختلاف سوء فهم من استدل بهذا الحديث على جواز تقديم الذبح على يوم النحر ، ولم يفرق بين زمن الأمر بالشيء وزمن فعل المأمور به فظن أن الإشارة في قوله " وذلك حين أمرهم " إلخ إشارة إلى زمن الذبح ، وإنما هو الإشارة إلى زمن الأمر ، والمراد أن زمن الأمر بالفسخ . وزمن الأمر بالهدي زمن واحد ، أو أنها تأكيد للجملة الأولى .
ثم الأمر لا يفيد الفورية إلا حيث تجرد عن قرينة متصلة أو منفصلة ، وهو هنا لم يتجرد عن القرينة المنفصلة ، بل جاءت السنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث أن زمن ذبح الهدايا هو يوم النحر ، وذلك : من فعله صلى الله عليه وسلم ، وقوله ، وتقريره . من ذلك ما في المتفق عليه من حديث عائشة ، قالت :" وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر يوم النحر " وهن ما عدا عائشة ممن فسخ الحج إلى العمرة، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم يوم النحر لما نحر ما نحر من هديه " ونحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم " .
والذي لا ريب فيه أنه لم يثبت عن واحد من الصحابة أنه أهدى قبل يوم النحر ، وعلى من زعم خلاف ذلك إقامة الدليل ، وهيهات أن يقيم دليلاً صحيحاً على ذلك .
قال ابن القيم رحمه الله في " زاد المعاد " : وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ذبح هدي العمرة عند المروة ،وهدي القران بمنى ، وكذلك كان ابن عمر يفعل ، ولم ينحر صلى الله عليه وسلم هديه قط إلا بعد أن حل ، ولم ينحره قبل يوم النحر ، ولا أحد من الصحابة البتة ، ولم ينحره أياً إلا بعد طلوع الشمس ، وبعد الرمي . فهي أربعة أمور مرتبة يوم النحر : أولها الرمي ، ثم النحر ، ثم الحلق ، ثم الطواف . وهكذا رتبها صلى الله عليه وسلم ، ولم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس البتة ، ولا ريب أن ذلك مخالف لهديه فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل طلوع الشمس . ا هـ .
" وأيضاً " : إطلاق هذا الإسم وهو " يوم النحر " على اليوم العاشر من أيام ذي الحجة يفيد اختصاصه بذلك اسماً وفعلاً ، وأن لا يشركه في ذلك سواه ، إلا ما قام البرهان عليه كأيام التشريق فإنهن تبع له توسعة لزمن النحر . وإذا قلنا: اليوم العاشر من ذي الحجة يوم النحر .
فهي جملة اسمية معرفة الطرفين ، وهي مفيدة الحصر عند أهل هذا الشأن ، إلا أنه من باب الحصر إلا دعائي ، ولهذا تشركه في ذلك أيام التشريق . ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :" الحج عرفة " أي معظمه لا كله ، لأن البرهان الشرعي أدخل فيه أشياء أخرى من الطواف والسعي ورمي الجمار وغير ذلك .
وحينئذ يتضح أن لا دلالة في الحديث الذي استدلوا به على جواز تقديم الذبح على يوم النحر .
وليُعْلم أن أبا داود الطيالسي لم يشرك مسلماً وأحمد في رواية هذا الحديث ، وأنا أذكر لك ما في " سنن أبي داود الطيالسي" قال رحمه الله : حدثنا أبو داود ، قال حدثنا وهيب بن خالد وساق بسنده إلى جابر بن عبد الله ، قال : " أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تسعاً لم يحج ، ثم أذن للناس في الحج فتهيأ أُناس كثيرون يريدون الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حتى إذا أتى ذا الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر الصديق ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله ، فقال : إغتسلي واستثقري ، ثم أهلي ، ففعلت . قال : فلما اطمأن صدر ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظاهر البيداء أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهللنا لا ننوي إلا الحج ، قال جابر : فنظرت من بصري ومن ورائي وعن يميني وعن شمالي من الناس مشاة وركباناً ، فخرجنا لا نعرف إلا الحج ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، فانطلقنا لا نعرف إلا الحج له خرجنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معنا ، والقرآن ينزل عليه ، وهو يعلم تأويله ، وإنما يعمل بما أمر به ، حتى قدمنا مكة ، فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر فاستمله ، ثم طاف سبعاً ،ورمل في ذلك ثلاثاً ، ومشى أربعاً ، ثم تلا هذه الآية واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى( ) فصلى ركعتين " قال أُبي : وكان يستحب أن يقرأ فيهما بالتوحيد :قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد ولم يذكر ذلك في حديث جابر .
ثم رجع إلى حديث جابر ، قال :" ثم أتى الركن فاستلمه ، ثم خرج إلى الصفا ، وقال : نبدأ بما بدأ الله به وقال إن الصفا والمروة من شعائر الله قال : فرقى على الصفا حتى بدا له البيت ، فكبر ثلاثاً ، وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت بيده الخير ،وهو على كل شيء قدير ، ثم يدعو بين ذلك . قال : ثم نزل فمشى حتى أتى بطن المسيل سعا حتى أصعد قدميه في المسيل ، ثم مشى حتى أتى المروة ، فصعد حتى بدا له البيت ، فكبر ثلاثاً ، وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، هكذا كما فعل ـ يعني على الصفا ـ ثم نزل ، فقال : من لم يكن معه الهدي فليحل وليجعلها عمرة فلو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة فأحلوا . وقدم علي بن أبي طالب من اليمن فرأى الناس قد حلوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بأي شيء أهللت ، قال : قلت : اللهم أُهل بما أهل به رسولك . قال : فإن معي الهدي فلا تحل . قال : فدخل علي على فاطمة وقد اكتحلت ولبست ثياباً صبيغاً ، فأنكر ذلك ، فقال : من أمرك بهذا . قالت : أمرني أبي . فقال محمد بن علي : فكان علي يحدث بالعراق ، قال : ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرقاً على فاطمة في الذي ذكرت ، فقال : صدقت . أنا أمرتها ، قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ، فلما كان يوم النحر نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وسبعين بدنة ، ونحر علي ما غبر ، وكانت مائة بدنة ، فأخذ من كل بدنة قطعة فطبخ فأكل هو وعلي وشربا من المرقة ، وقال سراقة بن مالك بن جعشم : يارسول الله ألعامنا هذا أم للأبد ، فقال : لا بل للأبد ، دخلت العمرة في الحج وشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه " انتهى الحديث . وهو كما ترى عار عن تلك الزيادة .
" الوجه الثاني " الحكم على هذه الزيادة بالفردية والشذوذ ،وهي قوله : " وذلك حين أمرهم أنيحلوا من حجهم " في هذا الحديث فنقول :
روى أحاديث فسخ الحج إلى العمرة في حق القارن والمفرد الذين لم يسوقا الهدي جماعة من الصحابة ينيفون عن العشرة ، وقد تقدمت أسماؤهم وأحاديثهم الدالة على عدم شرعية التقديم لتظاهرها مع كثرتها وصحتها على عدم صحة تلك الزيادة ، ومن جملتهم جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين ، وقد جاءت من طرق متعددة ،ولم يذكر من طريق من طرق واحد من هذه الأحاديث ذكر تلك الزيادة نعم جاءت في طريق واحد من طرق راو واحد من رواة حديث جابر وهو أبو الزبير المكي ، وهي ما رواه أحمد ومسلم من حديث محمد بن بكر البرساني ، حدثني محمد بن حاتم ، حدثنا محمد بن بكر ، أخبرناابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال :" فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية ، وذلك حين أمرهم أنيحلوا من حجهم ـ في هذا الحديث " .
فمدار هذه الزيادة على محمد بن بكر البرساني ، أفترانا ندع أحاديث أكثر من عشرة من الصحابة رووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون تلك الزيادة ، وندع أيضاً رواية العدول والمشاهير عن جابر ـ مجاهد وعطاء ومحمد بن علي بن الحسين ـ الذين هم أشهر من أبي الزبير المكي وأقوى وأوثق منه لرواية أبي الزبير .
هذا لولم يرو عن أبي الزبير إلا من هذا الطريق المشتمل على تلك الزيادة ، فكيف وقد رواه عن أبي الزبير المكي جماعة أئمة وهم مالك بن أنس والليث بن سعد ومطرف وأبو خيثمة وسفيان بن عيينة في آخرين عارياً من تلك الزيادة ووارداً رواية مجاهد وعطاء ومحمد بن علي بن الحسين ،متفقاً ذلك كله مع أحاديث من أسلفنا أسماءهم وأحاديثهم .
أفنترك هذا كله ونأخذ بماانفرد به محمد بن بكر الذي أحسن أحواله أنه صالح الحديث ومخرج له في الصحيحين ، وهذا وأمثاله لا يبلغ به إلى مرتبة أدنى واحد من الثقات الأثبات في هذا الشأن من رواة هذا الحديث عن أبي الزبير ، فضلاً عما فوقه من الثقات ممن هم أكبر وأشهر من هؤلاء عن جابر ، فضلاً عن أحاديث جماعة الصحابة التي أسلفنا ذكرها .
فثبت بذلك فردية هذه الزيادة فردية تمنع الاحتجاج بها ، لا سيما وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج إلى العمرة قضية واحدة لا تعدد فيها حتى يرام الجمع بينها وبين تلك الأحاديث بغير ما ذكرناه .
وهذا يشبه حديث أبي هريرة المرفوع في ذكر الغر المحجلين بالنسبة إلى قوله في الحديث :" فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " فإنها ليست من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هي مدرجة من قول أبي هريرة رضي الله عنه نفسه ، واستدل علماء الحديث على ذلك بأن أصل حديث الغرة والتحجيل رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي هريرة تسعة نفر من الصحابة رضي الله عنهم لم تذكر هذه الزيادة في رواية واحد منهم ، ورواه عن أبي هريرة غير نعيم المجمر تسعة أنفس لم يذكر واحد منهم هذه الزيادة في حديثه عن أبي هريرة ،وإنما انفرد بها عنهم نعيم المجمر .
" الوجه الثالث " : أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمر أولئك الصحابة بأن يذبحوا حين حلوا من عمرتهم وقبل يوم النحر لسارعوا إلى الذبح كما سارعوا إلى لبس الثياب والطيب ومجامعة النساء ، ولو فعلوا لنقل إلينا ، فإنه مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، فلما لم ينقل علم بذلك بطلانه .
وأما" الحديث الثاني " : وهو ما أخرجه الحاكم ، فليس فيه حجة على جواز التقديم من وجهين :
" أحدهما " أن هذا الحديث لا يخالف ما دلت عليه أحاديث الباب ، فنه اشتمل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولئك الصحابة رضي الله عنهم بعدة أوامر (أحدها) : فسخ الحج إلى العمرة .
(الثاني) : أمره من وجد الهدي منهم أن يهدي . (الثالث) : أمره من لم يجد هدياً بأن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله . ولا يلزم من كونه أمرهم بذلك أن يكون الذبح قبل يوم النحر ، كما لا يلزم من قول جابر في هذا الحديث :" كنا ننحر الجزور عن سبعة " أن يكون ذلك قبل يوم النحر ، كما أنه ليس في قوله : قال عطاء قال ابن عباس :" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنماً " إلى آخره ما يدل على أن ذبح سعد للتيس عن نفسه قبل يوم النحر ، وذلك لعدم التصريح فيه ببيان الوقت والمكان ، وقد جاء فيما رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح ما يبين زمن ذبح سعد لذلك التيس ومكانه ، فقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عكرمة مولى ابن عباس ، زعم أن ابن عباس أخبره ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنماً يوم النحر في أصحابه ، وقال :" اذبحوها لعمرتكم فإنها تجزي " فأصاب سعد بن أبي وقاص تيساً .
وبهذا انكشفت الشبهة ،واتضح أن لا حجة فيما استدل به على ما زعمه .
" الوجه الثاني " أن الحاكم رحمه الله وإن صححه وعلم عليه بعلامة شرط مسلم فإن عنده من التساهل في التصحيح ما هو معلوم عن أرباب هذا الشأن، وقد صحح في " مستدركه" أحاديث ساقطة ولكن قيل في الاعتذار عنه إن تصنيفه للمستدرك كان في آخر عمره ، والذهبي رحمه الله لم يصحح هذا الحديث في " التلخيص" .
وأما " الحديث الثالث" : وهو ما أخرجاه في الصحيحين ، عن أنس ، قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، فبات بها ، فلما أصبح ركب راحلته فجعل يهلل ويسبح ، فلما علا على البيداء لبى بهما جميعاً ، فلما دخل مكة أمرهم أن يحلوا ، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدن قياماً " .
(والجواب) : أنه لا يخفى على من له أدنى إلمام بالسنة وأحكام المناسك أن هذه السبع المذكورة هن من المائة التي لم تنحر إلا يوم النحر ، والمشهور والصحيح المعروف ما في الصحيح من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم لما رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ، ونحر علي بقيتها . وجاء في أحاديث تفاصيل غير هذا وأُجيب عنها بأجوبة .
قال ابن القيم رحمه الله : والجواب : أنه لا تعارض بين الحديثين ، قال أبو محمد بن حزم : مخرج حديث أنس على أحد وجوه ثلاثة (أحدها) أنه صلى الله عليه وسلم لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس ، وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين ، ثم زال عن ذلك المكان وأمر علياً فنحر ما بقي .
(الثاني) أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره صلى الله عليه وسلم سبعاً فقط بيده ، وشاهد جابر تمام نحره صلى الله عليه وسلم للباقي ، فأخبر كل منهما بما رأى وشاهد .(الثالث) : أنه صلى الله عليه وسلم نحر بيده منفرداً سبع بدن ، كما قال أنس ، ثم أخذ هو وعلي الحربة معاً فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين ،كما غرفة بن الحارث الكندي : أنه شاهد النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ قد أخذ بأعلى الحربة وأمر علياً فأخذ بأسفلها ونحرا بها البدن ، ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر ـ والله أعلم . ا هـ .
من" الهدي النبوي"
فظهر بما تقدم أن كل ما ورد من الأحاديث والروايات في تفصيل ما نحر النبي صلى الله عليه وسلم وما نحر علي منها أنه في يوم النحر .
وأما ما رواه البيهقي في " السنن" عن ابن عمر أنه قال : من اعتمر في أشهر الحج في شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة فقد استمتع ووجب عليه الهدي ، والصيام إن لم يجد هدياً . فإن هذا من قول ابن عمر نفسه لكن له حكم الرفع ، لأن الصحابي إذا قال شيئاً ليس للرأي فيه مسرح ولم يكن ذلك الصحابي يروي عن بني اسرائيل فإنه يكون لما قاله حكم الرفع ، وابن عمر لا يروي أحاديث بني إسرائيل ، وهذا مما لا مسرح للرأي فيه .
وحاصل هذا الخبر ومدلوله : أن من أحرم بالعمرة في أشهر الحج بأن قال : لبيك عمرة ، سواء قال : متمتعاً بها إلى الحج أو لم يقل ، وسواء نوى ذلك أو لم ينوه ، فإنه متمتع بالعمرة إلى الحج ، كما لو نطق بذلك بلسانه ولا فرق ، فإذا حج تلك السنة التي اعتمر في أشهر حجها فعليه دم المتعة ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، فإنه داخل في معنى قوله تعالى :فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ( ) وهو أيضاً مدلول أحاديث كثيرة .وفي الحقيقة هذا الخبر أجنبي من الدلالة على جواز تقديم ذبح دم المتعة قبل يوم النحر .
وبما ذكرناه في هذا الفصل يظهر بطلان ما ذهب إليه من جوز تقديم ذبح الهدي قبل يوم النحر ، وأنه غلط محض ـ من حيث الرواية ، والدراية .
فصل
وقد استدل بعض من كتب في ذلك بعبارات نقلوها عن جماعة من أهل العلم ، مستند أولئك الجماعة في ذلك أمران :
" أحدهما " ما جاء في بعض الروايات التي ظنوا صلاحيتها للاحتجاج وليست كذلك كما قدمنا .
و " الثاني " شيء من القياس ضمنت بعض تلك النقول .
والجواب عن ذلك من طريقين : مجمل ،ومفصل .
أما" المجمل" فقد أجمع العلماء على أن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وتبين مجمله ، كما قال تعالى :وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون( ) وأنه يجب الرد عند التنازع إلى الله ورسوله كما قال تعالى : ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه على الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً( ) والرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه العزيز ، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً( ) وقال تعالى :ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً( ) والتحاكم إلى الطاغوت يشمل أنواع التحاكم والرد إلى غير الكتاب والسنة .
وقال تعالى :إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم( ) الآية . وعن عدي بن حاتم ، قال : " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية :إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله فقلت : يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم . قال : " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه .
قلت : بلى . قال : فتلك عبادتهم " .
كما أجمعوا على أن الايجاب والتحريم والتشريع ليس إلى أهل العلم ولا إلى الملوك منه شيء ، وإنما هو إلى الله ورسوله فقط ، فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله ، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله ، قال تعالى :أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله( ) وقال تعالى ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون( ) وقال تعالى :ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا عليّ الكذب( ) وإن كل رأي أو اجتهاد أو قياس فهو ساقط لاغ عندما يقوم الدليل الشرعي على خلافه .
ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له : " بم تحكم . قال : بكتاب الله . قال : فإن لم تجد . قال : فبسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ، قال : أجتهد رأيي ، فقال : الحمد لله الذي وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله " وقال ابن عباس : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر . وقال الإمام أحمد : عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان ، والله تعالى يقول :فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم( ) أتدري ماالفتنة؟ الفتنة : الشرك ، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ، وقال الإمام مالك رحمه الله : كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الإمام الشافعي رحمه الله : إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي الحائط ،وقال أيضاً : إذا خالفت قول النبي صلى الله عليه وسلم فاعلموا أني مجنون ، أو كما قال رحمه الله ، وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله : ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال وقال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائناً من كان . وقد طفحت عبارات أئمة الإسلام بهذا المعنى .
والتقليد ليس بعلم إجماعاً ، قال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء على أن المقلد لا يعد من أهل العلم . ا هـ. وإنما قال ذلك رحمه الله لأن العلم هو ما قاله الله ورسوله ، أو قاله الصحابة .وما أحسن قوله من قال :
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين النصوص وبين رأي فقيه
وما أصوب قول من قال :
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلافاً له حط من النظر
وأما " الجواب المفصل " فإن دعوى من ادعى : أن وقت ذبح دم المتعة والقران ليس على حده لا من أوله ولا من آخره دليل لا من الكتاب ولا من الإجماع . فإن هذه دعوى مردودة ، والطرق بينها وبين الوصول إلى الصواب مسدودة . ونص عبارته ) مع أن هذا القول المشهور بتحديد وقت الذبح بيوم النحر وأيام التشريق بعده لم يستند على نص صريح ثابت لا من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسول الله) ا هـ .
وقد اغتر بقول ابن حزم وقلده التقليد الأعمى ، مع أن ابن حزم لم يدع عدم التحديد للوقت من أوله . ألم يعلم المستدل ـ بـ قال : ابن حزم ، وقال : فلان ، وقال : فلان ـ قول النبي صلى الله عليه وسلم :" يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام" وهي " أيام أكلٍ وشرب" ، ألم يعلم أن يوم النحر لا يصام بحال ، وأن أيام التشريق لا يصمن إلا عن دم متعة وقران . أفيظن أن الأعمال التي هي أعمال الأعياد وأنس الأعياد وسرور الأعياد وشعائر الأعياد يستوي فعلها في الأعياد وفعلها في غير الأعياد ، ألا يكفي تواطؤ أوجه السنة الثلاثة : قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وفعله ، وتقريره ـ على ما يقتضي تحديد وقت الذبح المذكور من أوله بطلوع الشمس يوم النحر ، ومن آخره بآخر أيام التشريق ، ولعمري إن الواحد منها كاف فكيف يتظافرها جميعاً .
أفيقول من زعم أنه لا تحديد لذبح دم المتعة لا من أوله ولا من آخره باستواء من ذبح الهدي في هذه الأيام التي نحر فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بالنحر فيها وقرر الذابحين فيها على ذبحهم ومن ذبح قبلها أو بعدها ، وأن كل الفريقين عملوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم " خذوا عني مناسككم " فإن قال ذلك لزمه التسوية بين ما فرق الله بينه شاء أم أبى ، فإن الله سبحانه فرق بين يوم النحر وما يتبعه من أيام التشريق وبين سائر الأيام . فيوم النحر وأيام التشريق خصصن بخصائص وميزن بمميزات من كونهن أعياد أهل الإسلام ، ومن كونهن أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى ، ونحو ذلك والأيام التي يوقع المجوز الذبح فيهن مؤخرات عليهن أو مقدمات مفقودة تلك المزايا وتلك الصفات .
وليعلم أن دم التمتع والقران ليس من الجبران في شيء ، وإنما هو دم نسك مستقل ،وشعيرة من شعائر الحج ، معتبر من حيث الزمان والمكان ،ومن حيث ترتيب أعمال الحج بعضها مع بعض . فالمكان هو منى الذي هو مكان الرمي والحلق والنحر ،والزمان هو من طلوع الشمس يوم النحر إلى آخر أيام التشريق ،وترتيب أعمال الحج من فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث بدأ يوم النحر برمي الجمرة ، ثم بالنحر ، ثم بالحلق ، ثم بطواف الإفاضة ،مع قوله :" خذوا عني مناسككم" ، وندماء الجبران معلومة في مواضعها ، ومعروف وجه تسميتها جبراناً بما لا يوجد مثله في الإنساك ، فإنه سمي دم جبران لجبره ما وقع من النقص في العبادة . والتمتع بالعمرة إلى الحج لا نقصان فيه بحال ، بل هو أفضل الأنساك ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المحرم بالحج مفرداً والقارن بينهما الذين لم يسوقا الهدي بفسخ الحج إلى العمرة ، وتأسف صلى الله عليه وسلم على سوقه الهدي بقوله " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هدياً ولحللت معكم " فأي نقص حينئذ في المتعة حتى يكون دمها دم جبران .
ومما يوضح ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكلوا من لحوم هداياهم ، عملاً بقوله تعالى :فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير( ) ولو كان دم جبران لاختص بالفقراء أو المساكين .
وأما ما نقله من عبارات من جوز تقديم ذبح دم المتعة على يوم النحر من النقول ممن نقل عنهم من العلماء .
فالجواب أن يقال : إن تلك النقول مع طولها متعلقة بوجوب الدم والخلاف فيه . ووقت الوجوب شيء، ووقت الذبح شيء آخر .
والذي يتعلق منه بجواز الذبح قبل يوم النحر قليل جداً . وبيان ذلك أنه نقل عن الموفق رحمه الله ثلاثاً نقول : نقلين من " المغني" والثالث من " الكافي " وليس في واحد منها ما يدل على ذهاب الموفق إلى جواز تقديم ذبح دم المتعة على يوم النحر بحال ، وأكثر ما فيه أنه ذكر ذلك مذهب الشافعي ، واشار إلى وجه ذلك عند الشافعية .
والنقل الثالث عن الموفق من " كتاب الكافي" وليس فيه أيضاً ما يدل على جواز التقديم . ونقل عن ابن مفلح في " الفروع" ثلاثة نقول ، وعن " الإنصاف" نقلاً واحداً ، وأكثر ذلك أو كله يدور حول وقت وجوب الدم .
ولم ينقل التصريح بجواز التقديم إلا عن أبي الخطاب في " الانتصار" والآجري . وحينئذ نقابل قول هذين الحنبليين المجوزين لذلك بشخصين مثلهما من الأصحاب ،ويبقى معنا الإمام أحمد وبقية الأصحاب . وأما كون ذلك رواية عن الإمام أحمد ،فإن أحمد رحمه الله يكون له في المسألة الواحدة روايتان وثلاث روايات وأربع روايات وخمس روايات ، ولا يدل ذلك على صحة كل رواية .
وكذلك ما نقل عن الشافعية والمالكية فهو نظير ما نقله عن الحنابلة من أن أكثره بل إلا النزر القليل حول وقت وجوب الدم ، فالشافعية والمالكية المنقول عنهم ذلك يقابلون بأقوال أمثالهم من أصحابهم ومن الحنابلة . والشافعي وأبو حنيفة يقابلان بأحمد ومالك . وتبقى لنا الأحاديث الكثيرة الصحيحة الثابتة والصحابة والتابعون وكافة العلماء إلا النزر القليل جداً ، كما يبقى لنا القرآن الكريم المفيد عدم جواز تقديم الذبح ، وذلك في قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا( ) ووجه دلالة الآية على ذلك ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال :" لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجل" قال : فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب فجاءت إليه فقالت بلغني أنك قلت كيت وكيت قال : مالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب الله تعالى فقالت : إني لأقرا ما بين لوحيه فما وجدته ، فقال : إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه أما قرأت وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا قالت : بلى ، قال : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، قالت : إني لأظن أهلك يفعلونه ، قال : اذهبي فانظري ، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئاً ، فجاءت فقالت : ما رأيت شيئاً ، قال : لو كان كذا لم تجامعنا" .
وليعلم أنه حيث ذكر بعض الشافعيين فيما نقل عنه ما يقتضي أن تقديم الذبح قيام تقديم أشياء ذكرها .
فيقال : إن " القياس" مردود إذا خالف النص باتفاق الأئمة ، ويمتنع أيضاً القيام فيما انعقد سبب فعله زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفعله ، ومن المعلوم مصادمة هذا القول للنصوص ،وأنه انعقد سببه زمن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، ولم يثبت عنه ذلك فعلاً منه ولا قولاً ولا تقريراً ، بل الذي ثبت عنه وعن خلفائه الراشدين وأصحابه المرضيين خلاف ذلك ،ومتى صح النقل وكان صريح الدلالة فإن القياس الذي بخلافه من أبطل القياس ، وبطلانه من أساسه ،ولا يمكن أن يختلف قياس صحيح مع نقل ثابت صريح ،وحينئذ ليست المسألة من باب تعارض أصلين بحال ، وتقديم صيام ثلاثة الأيام على يوم النحر الذي هو وقت الذبح وجهه ـ والله أعلم ـ حاجة الصيام إلى طول الوقت بخلاف الذبح فإن زمنه بضع دقائق ، فحكمة الشرع اقتضت تقديم الصيام دون الذبح ، وقد أعطي زمن الذبح من التطويل زمناً كافياً وهو بقية يوم النحر مضموماً إليه أيام التشريق الثلاثة ، ولا يقال : ألا يكتفى في سعة الوقت للصيام أن يصمن في أيام التشريق . قيل : لا ، لأنهن أعياد وأيام أكل وشرب ، كما ثبتت بذلك السنة ، نعم يصمن للضرورة إذا لم يبق للصوم زمن إلا ذلك ، كما في الحديث : " لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي" .
وأما ما نقله عن ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه " إعلام الموقعين عن رب العالمين" : من أن الفتوى تختلف باختلاف الأزمة والأمكنة والأحوال والعوائد ، فإنه حق ، لكنه يحتاج في تطبيقه إلى رجال لهم ملكة وقدم راسخ في العلم بمدارك الأحكام ، وناقل كلامه نقل عدة أمثلة لهذا الأصل : منها قوله :إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره ، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تقطع الأيدي في الغزو ،ومنها أن عمر بن الخطاب أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة ، ومنها أن طلاق الثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر واحدة فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم .
فالجواب أن هذه من باب العقوبات الشرعية ، فخفتها وغلظها وإقامتها وترك إقامتها أحياناً هو على حسب المصلحة ، وبعضها أيضاً من (باب درء الحدود بالشبهات) والشريعة الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ،وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما ، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أكملهما .
وهذا لون ، والعبادات الشرعية المحدودة بأوقاتها وأمكنتها لون آخر ، لا يجري فيها ذلك جريانه في العقوبات وما يلحق بها ، فمثلاً الصلوات الخمس منها اثنتان لا يقدمان عن أوقاتهما بحال ، وهما الظهر والمغرب ، ومنها اثنتان لا تؤخران عن أوقاتهما بحال ، وهما العصر والعشاء ،وواحدة لا تقدم عن وقتها ولا تؤخر عنه بحال ، وهي الفجر والإثنتان الأوليان اللتان لا تقدمان على أوقاتهما بحال يجوز تأخيرهما عن أوقاتهما في بعض الأحوال ، والإثنتان اللتان لا تؤخران عن وقتهما بحال يجوز تقديمهما على أوقاتهما في بعض الأ؛وال ، ولو تحقق أول وقت العصر مهاجمة العدو الكفار المسلمين غروب الشمس المهاجمة التي يطول معها قتال المسلمين إياهم ويتمادى إلى غيبوبة الشفق أفيجوز أن تجمع المغرب إلى العصر جمع تقديم لهذا الفادح تعليلاً لوجود القتال ، وكذلك إذا وقع مثل هذا بالنسبة إلى تقديم الفجر مع العشاء أو تأخير العشاء إليها ،ومثل الظهر مع الفجر تقديماً أو تأخيراً ، والفرق بين ما يصح فيه الجمع وبين مالا يصح سواء جمع تقديم أو جمع تأخير مجيء الشريعة المطهرة بالجمع فيما فيه الجمع وعدم مجيئها به في الجانب الآخر ، وتسقط ههنا الآراء وما استند إليها من التعليلات التي الشريعة المحمدية بريئة من اعتبارها كل البراءة . فتقديم العبادة علىوقتها مبطل لها ، وتأخيرها عن أوقاتها لا يكون كذلك في الجملة ، وإنما يكون فاعل ذلك عاصياً .
وابن القيم رحمه الله لم يطلق ، بل قيد اختلاف الفتوى بالنسبة إلى اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد . ولم يجمل ، بل فصل في ذلك بما يزيل اللبس والاشتباه ، فترك إقامة الحد في الغزو ، وترك قطع يد السارق في المجاعة ، وترك إنكار المنكر إذا أفضى إلى ما هو أنكر منه مقيد بهذه الأحوال مخصوص بها وبما يشبهها لا يسري إلى ما عداها بحال .
فمسألتنا وهي " مسألة تقديم الهدي ، وأمثالها " ليست من العقوبات ونحوها في شيء ، بل هي من العبادات المحضة ، والعبادات توقيفية من حيث ذاتها ، ومن حيث مواضعها وأوقاتها ،ولو قيد من كتب في ذلك فتواه بحالة الذبح في هذه السنوات التي لا يوصل فيها إلى كمال عين الغرض المقصود لكان ذلك من باب حلول المشاكل التي منها ما يقبل ومنها مايرد ، وحلول المشاكل شيء ، وإطلاق الجواز من غير قيد شيء آخر ، فإن هذه عبادة مؤقتة بتوقيتها الشرعي زماناً ومكاناً ، كما جاء في الأحاديث التي أسلفنا .
تتمة
لقد انطلقت ألسنة كثير من المتعلمين ، وجرت أقلام الأغبياء والعابثين ، وطارت كل ماطار في الآفاق كلمات المتسرعين ، واتخذت الكتابة في أحكام المناسك وغيرها تجربة لأقلام بعض ، وجنوح الآخرين إلى ابراز مقتضى ما في ضمائرهم وأفهامهم ، ومحبة آخرين لبيان الحق وهداية الخلق ، لكنهم مع الأسف ليسوا من أهل هذا الشأن ، ولا ممن يجري جواده في هذا الميدان ، فنتج عن ذلك من القول على الله وعلى رسوله بغير علم وخرق سياج الشريعة مالا يسع أولي الأمر من الولاة والعلماء أن يتركوا لهم الحبل على الغارب ، ولعمري لإن لم يضرب على أيدي هؤلاء بيد من حديد ، وتوقف أقلامهم عن جريانها بالتهديد والتغليظ الأكيد ، لتكونن العقبى التي لا تحمد ، ولتأخذن في تماديها إلى أن تكون المناسك أُلعوبة للاعبين ، ومعبثة للعابثين ،ولتكونن بشائر بين المنافقين ، ومطمعاً لأرباب الشهوات وسلماً لمن في قلوبهم زيغ من أرباب الشبهات ، وفساداً فاشياً في تلك العبادات ، ومصيبة لا يشبهها مصيبة ، ومثار شرور شديدة عصيبة ، وليقومن سوق غث الرخص ، وليبلغن سيل الاختلاف في الدين والتفرق فيه الزبا .
ولربما يقول قائل : أليس كتاب الله العزيز فينا موجوداً ، وحسام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بيننا محدوداً .
قيل : نعم . ولكن ماذا تغني السيوف المغمدة ، ولم ينل الكتاب العزيز مغزاه ومقصده .
لقد اسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد
والله أعلم ،وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
أملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم آل الشيخ .
حرر في 20/4/1386هـ ( م . ويذكر مدير مكتبه الخاص أنها قد نشرت )

عبدالرحمن الفقيه.
24-01-04, 05:05 AM
(1323 ـ مجازر لذبح الهدي خارج منى)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد اطلعنا على الأوراق المرفقة بخطابكم رقم 2553 وتاريخ 12/11/1386هـ المتعلقة بإنشاء وحدات ذبح لتنظيم النحر بمنى أيام الحج على الطريقة التي اقترحتها لجنة الحج العليا ، وما عرضتم عنه عن مساحة منى ،وسؤالكم عن جواز إنشاء وحدات الذبح في مداخل منى خارج حدودها إلى آخره .
لقد اطلعنا على ماذكرتم ، كما اطلعنا على قرار اللجنة العليا وعلى قرار مجلس الوزراء رقم 317 في 11/2/1386هـ وبتأمل الجميع ظهر ما يلي :
(أولاً) : من ناحية الذبح خارج حدود منى ، فهذا لا شك في جوازه ،وقد صرح العلماء بذلك .
أما الأفضلية ، فالأفضل أن يكون ذبح الدماء المتعلقة بالحج بمنى أما ما يتعلق بالعمرة ، فالأفضل ذبحه بمكة . وكلما كان الذبح بمكان أسهل وأنفع للفقراء للانتفاع باللحم وقلة الاضرار الناتجة عنه والإيذاء بفضلاته فهو أولى .
غير أن هناك نقطة لا يستهان بها ، وهي أن إقامة هذه المباني خارج منى أمر لا ينبغي ، ولا يسوغ شرعاً، لما يفضي إليه من استبدال الذبح الحقيقي بموضع آخر يتخذ مشعراً بدلاً منه ، وهذا من الأحداث بالمناسك والمشاعر بغير مسوغ شرعي ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " نحرتها هنا ومنى كلها منحر" فمنى هي المشعر الشرعي الذي ينزله الحجاج ، ويقيمون فيها أيام منى ،ويبيتون فيها تلك الليالي ، ويذبحون فيه هديهم ونسكهم ، فلا ينبغي أن يجعل لهم موضع يذبحون فيه هديهم غير المشعر ويلزمون بذلك إلزاماً .
فإن استدل مستدل بجواز الذبح بغير منى .
فالجواب : أن مسألة الجواز شيء ، ومسألة إلزام الناس بالذبح خارج منى شيء آخر . وأخشى أن يكون هذا من التشريع الذي لم يأذن به الله . وأن يتطاول العهد فيظن الناس أنه لا يجوز الذبح إلا بهذا المكا ن . ومن المعلوم أن مقصد اللجنة تفادي الأضرار الناتجة عن الذبح بمنى ، ولا ينكر وجود شيء مما أشارت إليه اللجنة ،غير أن إتقان التنظيم ، ورفع الفضلات أولاً بأول ،والاهتمام بذلك مما يخفف ذلك أو يزيلها بالكلية .
(ثانياً) :
لوحظ في تشكيل اللجنة العليا أنه لا يوجد معهم طالب علم ملم بأحكام المناسك يمثل الجهة الشرعية . ونظراً لأن هذه أمور شرعية وتتعلق بالمناسك ،ويطلع عليها الأجانب من طلبة العلم وغيرهم ، فلا ينبغي أن تخلو مثل هذه اللجنة من عضو شرعي يبين للجنة النواحي الشرعية التي يتطرقها المشروع ، لتكون قراراتهم مدعمة بالأدلة الشرعية سليمة من الأشياء التي تتعارض مع الشرع الحنيف .
والله الموفق . والسلام
مفتي الديار السعودية ( ص ـ ف ـ 50 ـ 1 في 5/1/1387هـ)
(1324 ـ الحكمة في شرعية الهدي ، بعض الحجاج يريد أن تكون المشاعر كمصيف أو منتزه ، ومنهم من يرى ابدال الهدي بنقود للفقراء والمشاريع ، ومنهم ... هذه الذبائح يمكن تحصيل المقصود منها والسلامة من أضرارها بطرق)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس تحرير جريدة حراء
الأستاذ / صالح جمال وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد وصلني كتابكم الذي تسألون فيه عن أسئلة تتعلق بذبائح منى . وقد أملينا عليها الجواب المرفق . والسلام عليكم .
حرر في 30/11/1377هـ . ( ص ـ ف 1297 وتاريخ 30/11/1377هـ)
(جواب صاحب السماحة المفتي الأكبر حول أسئلة حراء . وقد جاء جواب الأسئلة مدمجاً ،وبقراءته يتضح جواب الأسئلة جميعاً)
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد :
فإن الهدايا شرعت في الحج اقتداء بخليل الله إبراهيم ، حين أمره الله بذبح ولده إسماعيل ، فامتثل ، ثم فداه الله بذبح عظيم فذبحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه من بعده ، ودرج على ذلك المسلمون جميعاً جيلاً بعد جيل ،وقرناً بعد قرن ،وقد كان ذبح القرابين قديماً في الأمم على اختلاف مذاهبها ،وقد قص الله علينا في القرآن العظيم أن قابيل وأخاه هابيل قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر( ) وكان في الأمم السابقة من لا يقتصر على تقريب الحيوان ، بل كانوا يقربون ذبائحهم من البشر كالكنعانيين والفينيقيين وغيرهم ، وكانوا يقربون ذبائحهم لله ويشركون به غيره ، ويذبحونها على غير اسمه ، وكان فيهم من يحرق هذه القرابين بالنار ، فجاء الإسلام بذبح القرابين من الهدايا والضحايا لله وحده ،وعلى اسمه وحده ، وأمر الله بالأكل منها ،وإطعام الفقراء والمساكين ـ قال الله تعالى:والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف ، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ، لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين( ) .
إن بعض الناس يريد من المشاعر أن تكون كمصيف أو منتزه منظم ،ويريد أن يحصل عليه في الحج أدنى مشقة أو تعب ،ولا أن يشم رائحة كريهة في المشاعر ، ولا أن ترى عينه شيئاً مما يتنافى مع ترفه وحياته التي يعيشها في بلده . والوصول بالمشاعر إلى هذا الحد متعذر ، وذلك لأن أوقات العبادة في هذه المشاعر محدودة ،وكل من الحجاج مطلوب منه عبادة هي مطلوبة من الآخر في وقت واحد ، فإذا اجتمعوا على أداء هذه العبادة فلا بد وأن يحصل بسبب ذلك زحام وروائح كريهة وغير ذلك رغم ما يبذل من عناية وتنظيم .
فمن الحجاج من يصبر ويحتسب ويتحمل ما يجده من المتاعب والآلام والمضايقات ، وقد يتلذذ به ويطمئن له ، لكون ذلك إنما ناله في سبيل الوصول إلى طاعة ربه الذي أمره بالحج إلى بيته ، لينال رضا الله ومغفرته وجنته ، فيهون عليه ما يعترض له في طريقه من أشواك ، وما يلقاه من نصب ومشقة .
ومن الحجاج من يتأثر ويتضايق مما يصيبه من الآلام والمتاعب والمشقة ،ويظهر عليه الجزع وقلة الصبر ، وذلك ناشئ من ضعف الإيمان ، فإنه لو قوي إيمانه بالله وبما أعده الله للحجاج الصابرين المحتسبين من الأجر والثواب لهان عليه كل ما يجده في هذا السبيل .
ومن الحجاج من ليس منهم على الحقيقة ، ولا إرب له في الحج إلا الانتقاد على تشريع الله وعلى الطرق الحكيمة التي أمر الله أن تؤدى عليها هذه العبادات ،ويحاول تغييرها والاجتهاد فيها بحسب ما يملي عليه هواه وشيطانه ، ويريد أن يجعل من الدين نفسه وسيلة إلى تنفيذ مقاصده وأهدافه و غاياته واجتهاداته الخاطئة ، فيتكلم مثلاً في مشروعية الذبح ويقلل من أهميتها ، ويريد أن يبذل الحجاج بدل هذه الذبائح التي شرع الله ذبحها عبادة له وتعظيماً ، وأن يطعم منها القانع والمعتر ،يريد بمجرد رأيه وهواه أن يدفع الحجاج بدلها نقوداً تبذل للفقراء وفي المشاريع الاصلاحية على حد تعبيره ، وهذا شأنه في كثير من التشريع الإسلامي ، يحاول تشريعاً جديداً ، وعملاً لم يأذن به الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ،وقد سمعنا شيئاً من ذلك عن كثير من الناس .
والدين الإسلامي جاء بالخير والصلاح الدنيوي والأخروي ،وهو صالح لكل زمان ومكان ، ومتى تمسك الناس به واهتدوا بهديه وحكموه في جميع أمورهم ،ولم يجدوا في أنفسهم حرجاً من أحكامه ، وسلموا وانقادوا لذلك ، فقد آمنوا حقاً ، وسلكوا طريق النجاة والفلاح والفوز في الدنيا والآخرة ،وإذا أعرضوا عنه واستبدلوا به تشريعات جديدة وقوانين وضعية وضعها أعداء الشريعة وخصوم الإسلام ، ودخلت على المسلمين باسم الحضارة والمدنية وجعلوها المرجع لهم عند النزاع والدستور المقدس في جميع شئونهم واعتقدوها أحكم وأكفل لمصالحهم مما شرعه الله ورسوله فليس لهم حينئذ في الإسلام من نصيب و إن سموا أنفسهم مسلمين ، والعبرة بالحقائق لا بالأسماء وقد قال الله تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكمُوك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما( ) وقال تعالى :ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا . أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً( ) .
والذبائح في الحج يمكن تنظيمها وتحصيل مقصود الشارع منها من الأكل وإطعام فقراء الحرم والتوسعة عليهم والسلامة مما قد يحدث بسبب إلقاء لحومها ونتنها من أضرار صحية ومن ذهابها وعدم الانتفاع بها إذا اتبعت الطرق السليمة التي تتمشى مع حكمة الدين ولا تتنافى ومقاصده الشريفة وتشريعه الحكيم ، فمن ذلك : نقل ما يفضل عن هذه اللحوم إلى فقراء الحرم في مكة وضواحيها وتوزيعها عليهم ، فإن في مكة فقراء كثيرين لا يصل إليهم شيء من هذه اللحوم ولا ينتفعون بشيء منها ، ومن ذلك ذبح بعض الحجاج هديه في مكة يوم النحر وأيام التشريق وعدم تخصيص منى بالذبح ، فإن ذلك سائغ ، كما يدل له حديث " كل منى منحر،وكل فجاج مكة طريق ومنحر" رواه أبو داود . والسنة هي ذبح هدي الحج في منى باتفاق العلماء .
وبعمل ما ذكرناه من نقل هذه اللحوم وتوزيعها على فقراء الحرم وذبح بعض الهدايا في أيام النحر في مكة يحصل بعض مقصود الشارع من ذبح هذه الهدايا وهو إطعام فقراء الحرم من لحمها والتوسعة عليهم في ذلك ،ويسلم من إضاعة هذه اللحوم وعدم الانتفاع بها ، ووجود النتن الحاصل بسبب إلقائها كما هو موجود في هذه الأزمان .
أما إذا فضل شيء من لحوم الهدايا والأضاحي في الحج بحيث لم تؤكل ولم تدخر ولم يمكن إطعامها وتوزيعها على الفقراء وحفظت في ثلاجات ونحوها ووزعت على فقراء الحرم فلا بأس بذلك .
وأما بيع الهدايا والضحايا فيجوز بيعها في حق من ملك تلك اللحوم بصدقة عليه بها أو إهداء إليه منها .
أما صاحب الهدي الذي ذبحه قربة إلى الله عز وجل فلا يجوز له بيع شيء من ذلك .
وفي حفظ هذه اللحوم مصلحة ظاهرة ،والشريعة المطهرة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها .
وترك هذه اللحوم مطروحة على الأرض بدون انتفاع بها فيه إضاعة لهذه اللحوم ،وضرر من الناحية ا لصحية مما يتنافى مع حكمة الدين .
ولكن يجب أن يكون للحجاج الحرية المطلقة في لحوم هداياهم أكلا وصدقة وادخاراً ، ويذبح في أي موضع أراد الذبح ، وتقوم البلدية بدرس الطريقة الكفيلة بدفع الضرر بسبب ما يلقى من الفرث والدماء والسواقط ، وذلك : إما بدفنه ، أو نقله بسرعة إلى مكان بعيد عن منى .
ولا يؤخذ للحفظ إلا ما فضل عن حاجة الناس ..
أما قيام " شركة وطنية" أو غير وطنية في هذا العمل فلا يجوز شرعاً ، وأعمال الشركات معظمها مبني على أمور مخالفة للشرع ، وستحرص الشركة التي ستقوم بهذا العمل على نجاح شركتها ، وعلى تحقيق أرباحها ، مما يدعوها إلى عدم الاقتصار على مايلقى ، بل ربما حداها حرصها إلى أخذ اللحوم من أيدي الناس بحجة أنها قامت بهذا العمل لحفظ الصحة وللمصلحة العامة ، فلا يجوز السماح لشركة أياً كان نوعها بالدخول في هذه الشئون ، لأنها عبادات محضة ، مع ما يترتب على ذلك من الضرر وسوء العاقبة . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
محمد بن إبراهيم ( ص ـ ف 1279 في 30/11/1377هـ)
(1325 ـ قيام الشركات بجمع لحوم الهدايا والضحايا وبيعها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة رئيس مجلس الوزراء حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،وبعد :
فقد جرى الاطلاع على الاقتراح الموجه إلى جلالتكم من خادمكم تركي العطيشان ، المرفق بخطاب مقام رئاسة مجلس الوزراء رقم 385 وتاريخ 8/1/1381هـ حول ملاحظاته على لحوم الفدي والأضاحي في منى وقت الحج ، ورغبتكم الإفادة عما نراه تجاه ما ذكر .
ونفيد جلالتكم أن ماأبداه في معروضه المذكور غير وجيه ، إذا المسألة مسألة نسك ومشاعر ، وليست مسألة تجارة ، والأصل في الهدايا والضحايا أن يأكل منها المهدي ويتصدق ببعضها ويهدي البعض الآخر .ولو جعل على شكل شركة لأضرت بالمساكين الفقراء الذين هم من أهم المقاصد التي لأجلها شرع الهدي ، فالشركة تريد أن تجمع لنفسها وتربح ،وتبذل ما في وسعها لتجمع أكبر عدد ممكن من الهدايا والأضاحي لتكسب منه الربح الكثير ، وهذا ينافي الحكمة التي لأجلها شرع هذا النسك ، وقد ينجم عن شركة كهذه أضرار عظيمة : من منع الفقراء ما يستحقون ، وتهاون الناس بهذه الشعيرة ا لعظيمة ،وضعفها في نفوسهم . أما الاعتناء في أمر هذه الذبائح ، وعمل ما من شأنه حفظها من الضياع ، ومنع الأضرار التي تنجم عنها من روائح وأوساخ ، وما يحدث نتيجة لذلك من الأمراض ، وحفظ ما يتبقى من اللحوم وتوزيعه على فقراء الحرم مما لا يتنافى مع الحكمة الشرعية : فهذا حسن لا يترتب عليه ضرر . وفق الله جلالتكم وأرشدكم إلى ما يحقق المصلحة الدينية والدنيوية . والله يحفظكم( ) .
(ص ـ ف 641 وتاريخ 1/6/1381هـ)
(1326 ـ وإذا نحر الهدي فيفرقه على محاويج الحرم ، سواء من أهل الحرم الساكنين فيه ، أو غيرهم من الحجاج ، أو غيرهم . وتفريقه هو الأولى ، فيكون قد أوصله إلى مستحقه مع كمال اليقين ، فإن لم يفرقه فبعد ما يذبحه يُمَكِنُ ساكن الحرم منه . ( تقرير )
(1327 ـ الحلق عبادة وهو أفضل . ووجه كون حلقه عبادة أن شعره محبوب إليه متخذه للجمال ، فإذا جاد بشعره فهذه قربة . (تقرير)
(1328 ـ بعض الذين يتولون القص يدور دوارة على الرأس . هذا ليس شيئاً ، إنما هو على بعض المذاهب أنه ثلاث ، بل على المذهب الراجح عند الشافعية أنه يكفي شعرة واحدة ، ذكره ابن كثير في التفسير . والصواب أنه لابد من الإتيان على جميعه وإن لم يكن على كل شعرة شعرة . (تقرير)
(1329 ـ وفعل ابن عمر أنه إذا حج أو اعتمر قبض لحيته فما فضل أخذه لا يحتج به ، لأنه روى النهي عن قصها ـ انظر الفتوى الصادرة برقم (1119 في 14/5/1388هـ) .
(1330 ـ ترك الحلق والتقصير ناسياً أو جاهلاً وسافر إلى بدله )
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الرحمن بن إبراهيم بن رميح سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد :
فقد وصل إلينا كتابك المتضمن السؤال عن المسألتين الآتيتين . وقد جرى تأملهما ، والجواب عليهما بما يلي :ـ
أما" المسألة الأولى" وهي ترك الحاج الحلق أو التقصير ناسياً أو جاهلاً وسفره إلى بلده بعد تمام المناسك غير الحلق أو التقصير .
والجواب : أن الحلق أو التقصير نسك لا يتعين أن يفعله في مكة وما حولها ، ولا أن يوالي بينه وبين بقية أعمال الحج ، ولا أن يوقعه في أيام منى . فعلى هذا يحلق أو يقصر متى ذكر إن كان ناسياً ، أو متى علم إن كان جاهلاً في أي محل كان ، ولا شيء عليه إن لم يكن فعل شيئاً من محظورات الإحرام( ) .
(ص ـ ف 14278 في 22/11/1381هـ)
(1331 ـ طاف بعد نصف الليل قبل الرمي )
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة قاضي محكمة العمار سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد جرى اطلاعنا على الاستفتاء الموجه إلينا منكم عن أربع مسائل :
الأولى : إذا كان الحاج بمزدلفة ليلة جمع فأفاض من أراد الإفاضة بعد نصف الليل فطاف قبل الرمي هل في ذلك بأس ؟
والجواب : لا يظهر لنا في ذلك بأس " فما سئل صلى الله عليه وسلم يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال : افعل ولا حرج " ( ) .
(ص ـ ف 4264 في 16/11/1387هـ)
(1332 ـ الخطب في الحج )
بعهم يذكر خطبة في اليوم الثامن يبين فيها أحكام الحج ، لكن لم يقم على هذه الخطبة الرابعة دليل . (تقرير)
(1333 ـ اذا كان مريضاً ومسكنه في جدة فكيف يطاف به ؟)
وأما مسكنه في جدة من الحجاج وكان مريضاً . فهذا يطاف به محمولاً ،ويسعى به في سيارة ونحوها أو محمولاً إذا كان لا يستطيع الطواف والسعي ماشياً( ) .
(ص ـ م في 12/12/1376هـ)
(1334 ـ حجت وحاضت قبل طواف الافاضة هل توكل؟)
" المسألة الثانية " : عن امرأة حجت وحاضت قبل طواف الإفاضة ولما أراد رفقتها السفر إلى بلادهم وكلت وليها يطوف عنها طواف الإفاضة ويسعى عنها ففعل ،وسافروا إلى بلدهم : فهل تصح الوكالة في مثل هذا ؟ مع العلم أن هذه الحجة نفل .
والجواب : ظاهر كلام الفقهاء جواز مثل هذا إذا كان الحج نفلاً ،والذي وكلته قد حج تلك السنة وفرغ من أعمال الحج ، ولا سيما عند الحاجة . والله أعلم والسلام عليكم .
مفتي الديار السعودية ( ص ـ ف 3795 ـ 1 في 19/12/1388هـ)
(1335 ـ يكفي طواف الافاضة عن طواف القدوم )
قوله ... الإمام واختار الأكثر أن القارن والمفرد إن لم يكونا دخلاها قبل ـ يطوفان للقدوم ثم للزيارة ، وأن المتمتع يطوف للقدوم ثم للزيارة .
لكن نعرف أن نص أحمد هذا قال الموفق في " الم غني " لا نعلم أحداً وافق أبا عبد الله ـ يعني من الأئمة والسلف ـ على هذا القول . فعرفنا ضعف هذا القول ،وإن كا ن اختاره الأكثر .والصحيح ما اختاره الشيخ والموفق وابن رجب للعلة السابقة ، ولأنه لم يقم عليه برهان شرعي ، بل الذي في الأحاديث إنما هو طواف الإفاضة ، فيكون القول الأول مرجوح بمرة ، لا يلتفت إليه . (تقرير)
(1336 ـ اذا حاضت قبله في مكة ومسكنها جدة بقيت في مكة)
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، محمد وآله وصحبه .
" السؤال الأول " : وهو إذا جاء النساء المانع( ) في الحج ومساكنهم في جدة فهل لهم ينصون جدة( ) حتى يخلصون وينزلون منها ويقون حجهم ،أو يلزمهم يقعدون في مكة حتى يخلصون ؟
جوابه : الحمد لله . لا يخرجن إلى جدة حتى يطهرن ويطفن طواف الإفاضة ،وعليهن أيضاً طواف الوداع . لكن يكفيهن طواف الإفاضة إذا نوينه عن الإفاضة والوداع ولم يقمن بعده بل بادرن بالخروج من حين يفرغن من سعي الإفاضة . (ص ـ م صورة)
(1337 ـ الا إذا كان في بقائها مشقة)
وقد ذكرت لكم في جوابي السابق عن المرأة التي أتاها المانع وقد بقي عليها طواف الإفاضة وطواف الوداع أنها تبقى بمكة حتى تطهر .
وأوضح لكم زيادة تفصيل ـ أنه إذا كان عليها مشقة في بقائها بمكة من جهة المسكن أو غيرها فإنها تخرج إلى جدة ،ويسقط عنها الوداع . ولكن تكون في حكم الإحرام فلا يقربها زوجها إذا طهرت ، ومن حين تطهر ترجع إلى مكة لتأتي بطواف الإفاضة . وينبغي أن تحرم من جدة في دخولها بعمرة ، فإذا طافت وسعت لعمرتها وقصرت من شعرها حلت من العمرة ، وحينئذ تطوف طواف الإفاضة( ) قاله ممليه الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ ،وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .
(الختم) ( 11/12/1376هـ)
(1338 ـ رجع إلى أهله قبل طواف الافاضة)
الحمد لله : الرجل الذي حج ورجع إلى أهله قبل أن يطوف طواف الإفاضة ـ وهو الطواف الذي بعد الدخول من عرفة ـ يلزمه أن يرجع لمكة ، فإذا وصل إلى الميقات أحرم بعمرة ، فإذا وصل إلى مكة طاف بالبيت لعمرته التي أحرم بها من الميقات ، ثم سعى بين الصفا والمروة ، ثم حلق رأسه لعمرته المذكورة ، وبعد ما يفرغ منها يطوف طواف حجه السابق ، ثم يسعى بين الصفا والمروة ولا شيء عليه غير ذلك ، بل يكون بذلك قد أدى ما عليه من الحجة السابقة . ثم يعرف أنه في هذه المدة لا يقرب امرأته . قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم .
(بخط مدير مكتبه الخاص في 22/1/1374هـ) (الختم)
(1339 ـ حاضت واضطرت أن تسافر مع قافلتها قبل طواف الافاضة)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم محمد علي محمد سليمان عزيز خان سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد جرى الاطلاع على الاستفتاء الموجه إلينا منك بخصوص ذكرك أن امرأة قدمت مع محرمها للحج ، وأنها أتمت مناسك حجها ما عدا طواف الإفاضة فقد حاضت ، واضطرت إلى أن تسافر مع قافلتها دون أن تقضي طواف الإفاضة . وتسأل ماذا يترتب عليها ؟ .
والجواب : الحمد لله . يحرم عليها ما يحرم على من تحلل التحلل الأول وبقى عليه التحلل الثاني ، فيحرم عليها النكاح ودواعيه وعقده طالما بقي الطواف عليها ،كما أنه يلزمها المجيء إلى مكة فوراً متى قدرت على ذلك في أي وقت يتيسر لها القدوم فيه ، فإذا وصلت قرب ميقات تمر به فتحرم بعمرة، ثم تدخل مكة وتقضي مناسك العمرة ، ثم تطوف طواف الإفاضة وبتمامه يتم حجها ، ولا شيء عليها في مقابلة سفرها دون أدائه ثم رجوعها بعد ذلك لتأديته . وبالله التوفيق . والسلام عليكم .
( ص ـ ف 995 ـ 1 في 17/4/1385هـ)
(1340 ـ سافرت إلى جدة قبل الطواف ووطأها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم محمد اسماعيل الصومالي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد وصلنا كتابكم المؤرخ 15/2/1377هـ المتضمن الاستفتاء عن المرأة التي أحرمت مع زوجها من جدة ،وأدت مناسك الحج ، إلا أنها عندما نزلت إلى مكة حاضت ، فسافرت إلى جدة قبل طواف الإفاضة والوداع . وبعد أن طهرت واقعها زوجها قبل طواف الإفاضة والوداع . الخ ..
فالجواب : الحمد لله . سفر المرأة المذكورة إلى جدة قبل إتمامها المناسك لا ينبغي ، بل تقيم بمكة حتى تطهر ، ثم تكمل مناسكها ، لحديث :" أحابستنا هي"( ) لكن لا شيء عليها في سفرها إلى وطنها قبل ذلك ، ووطؤها حينئذ لا يحل لبقاء الإفاضة عليها . وتخير بين ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين . وعليها أن ترجع إلى مكة بعمرة ، فتحرم من جدة ثم تدخل إلى مكة فتطوف وتسعى وتقصر من شعرها . وبعد ذلك تطوف طواف الإفاضة وطواف الوداع . وإن خرجت من مكة عقب فراغها من طواف الإفاضة فوراً فإنه يكفي عن طواف الوداع والسلام .
(ص ـ ف 206 في 29/2/1377هـ)
(1341 ـ لا بد من سعي ثان للتمتع)
القارن فيه خلاف . والصواب الذي عليه الجماهير أنه يجزيه سعي واحد .
أما المتمتع فالمذهب وعند كثير والجمهور أنه لا بد من سعي ثان والقول الآخر أنه يكفيه سعي واحد ويختاره الشيخ وابن القيم . والمسألة فيها أدلة من الجانبين .
والاحتياط وهو الذي علي الفتوى والعمل أنه يسعى ثانياً ، فيه الأحاديث واضحة ،هي في المتبادر أوضح من حجج من قال يكفيه سعي واحد . وأحاديث سعي واحد مجملة تحتمل أن يراد بها القارنين فإن النبي وعدداً من الصحابة كانوا قارنين . فلابد من سعيين هذاك نسك مستقل ، وهذا نسك مستقل ،وصراحة أحاديث هذا الجانب لا يدانيها صراحة أحاديث الجانب الآخر .
واختيار الشيخين أنه يجزيه ، ما قالوا : لا يسعى ، قالوا : يجزيه سعيه الذي سعاه في عمرته . وإمام الدعوة ـ الشيخ محمد ـ وأولاده وأحفاده وتلاميذه وتلاميذهم هم على القول بالسعيين ، ودليله ما تقدم : حديث عائشة ،وحديث ابن عباس أصرح من حديث جابر . (تقرير)
(1342 ـ ندبية الطواف كل وقت )
ثم بعد ذلك مندوب الطواف كل وقت . وكان بعض الناس يحاول أنه لا يستحب ،ويقولون : إن النبي ما جاء عنه ولا طواف ، ولكن هذا قول ما يلتفت إليه ـ فكون الطواف عبادة مستقلة يثاب عليها شيء معلوم معروف عند الأئمة الأربعة وعند الأصحاب ـ فهذا قول لا وجه له وباطل ، فيستحب الإكثار من الطواف ولا سيما في حق الآفاقي ، فإن تطوعه بالطواف أفضل من تطوعه بالصلاة . (تقرير) .
(1343 ـ البقاء بمنى نهاراً)
قوله : ويبيت بمنى .
والمشروع أن يكون في منى نهاره ، لأجل رمي الجمرات ، ولأجل إقامة ذكر الله ـ وإن كان غير واجب لا سيما قرب زوال الشمس إلى الغروب ونحو هذا ـ فإنه مندوب . (تقرير)
(الرمي بعد الزوال ، والموالات)
وكونه بعد الزوال ـ شرط ـ فلو رمى قبل الزوال لم يجزه . ولو لم يرتب لم يجزه .
وأما الموالات ـ ولم يصرحوا بها هنا ولا في كثير من كتب الأصحاب لكن يؤخذ من كلامهم عدم وجوبه ، وذلك أنه صرحوا أنه إذا نسي حصاة جعلها من الأولى لأجل الترتيب ، فهذا يدل على أن الموالاة ليست عندهم شرطاً ، إنما الشرط الترتيب . (تقرير )
(1345 ـ تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك( ) لصاحب السماحة مفتي الديار السعودية فضيلة الشيخ محمد بن ابراهيم )
الحمد لله ، أحمده ، وأستعينه ، وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور نفسي ،ومن سيئات عملي ،واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً .
أما بعد : فإنه لما كان في منتصف ذي الحجة شهر الله الحرام أحد شهور عام خمس وسبعين وثلاثمائة وألف وأنا في بلد الله الحرام مكة المكرمة ، وقع إلى يدي كتاب من الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود ،وبرفقه رسالة ألفها ،وسماها " يسر الإسلام" وبين أشياء من مناسك حج بيت الله الحرام ، ابتدأها بمقدمة تشتمل " أولاً " على مضمون شطر عنوانها الأول ، وهو : يسر هذا الإسلام وتشتمل " ثانياً " على مضمون شطر عنواها الآخر وهو : بيان أشياء من مناسك حج بيت الله الحرام .
وقد ذكر في كتابه إليّ المرفق به هذه الرسالة تأليفه إياها ،وأنه أرسلها إليّ لأنظر ، هذا بعد أن طبع منها الألوف الكثيرة ، وفرقها في نجد والحجاز وكثير من البلاد المجاورة . وهذا من العجيب ، كيف ينشرها هذا النشر الشهير ، ويوزعها هذا التوزيع العميم ،ويكتب إليّ لأخذ رأيي فيها . وكل من اطلع على رسالته من العلماء والطلاب لا يشك ولا يرتاب ، أنه وقع بتأليفها في هوة مردية ، واكتسب بكتابتها سمعة مزرية ، وفاه بجهالة جهلا ، وضلالة في هذا الباب عميا وكنت قد عزمت بعد التوكل على الله أن أكتب ما يبين غلط فمه ، وزلقات قلمه ، ثم بعد التروي ما شاء الله عدلت إلى أن أذكر زلاته لولي أمر المسلمين ، رجاء أن يقوم بما أعطيه من السلطان مقام الرادع لهذا الإنسان ، عما زينته له نفسه من الإقدام على هذا الشأن ، الذي لم يسبقه إليه أحد بما يحمله إلى أن يتوب إلى الله سبحانه ويرجع عما كتبه في هذا الشأن .
ثم لم ألبث إلا قليلاً حتى أرسل إلي ولي أمر المسلمين الملك سعود ـ أيده الله بالحق ـ كتاب هذا الرجل إليه مرفقاً به هذه الرسالة ، ويلتمس الملك سعود حفظه الله بيان ما لدي في ذلك ، فبينت له أن رسالته قد اشتملت من الأغلاط على ما لم يسبقه إليه أحد ، وتضمنت من مخالفة صريح السنة ومعاكسة ما درج عليه السلف الصالح وسائر علماء الأئمة مالا يوافق عليه ، وأنها أول أساس يتخذ لنقض أحكام الحج ، ويسلط أرباب الزيغ والإلحاد أن يسلكوا من طرق نبذ الشريعة ما شاءوا أن يسلكوه ، وأن يصلوا من هد بنائها القوي المحكم ما قصدوه ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، وإعلاء كلمة دينه وظهوره .
وبعد أن كتبت للملك وفقه الله بالحق بمضمون ذلك مضى عليّ زمن غير طويل ، ثلم لم أشعر إلا وقد قدم هذا الرجل إلى بلد الرياض وتحققت بعد أن بإيعاز من الملك أيده الله بالحق إليه للاتصال بنا وبعلماء الرياض للبحث معه فيما يتعلق بهذا الصدد ،وجلس معنا ومع جماعة العلماء مجلسين أو أكثر ، بينا له فيها شفاهاً غلطاته ، ووضحنا له أنه أبعد النجعة في اختياراته ، وبعد تكرار البيان ومزيد الإيضاح ظهر أنه غلط في رسالته عدة غلطات : ما بين غلطة كبرى فاحخشة ، وما بين أخرى دونها ، وما هو دون ذلك ، فأظهر الندم على ما كتب ، وصرح بالتوبة عما إليه حول هذا الصدد قد ذهب ، فقبلنا توبته ، وعرفنا له رجوعه إلى الحق وأوبته ، ودعونا له بالتوفيق وشكرنا الله تبارك وتعالى على هدايته إلى سواء الطريق ،وقررنا معه أن المقام يفتقر إلى أكبر من ذلك ، وأكثر مما هنالك ، من تأليفه رسالة تتضمن رجوعه مدعمة بالأدلة ،ومركزة على أصول تلحقها بفروع الملة ، فأجابنا إلى ذلك ،ووعد بأنه إذا وصل إلى وطنه " قطر " ونال الراحة بالأوبة من السفر : كتب تلك الرسالة ،وضمنها جميع ما يحتاج إلى البيان من غلطاته وأسبابها ، والتصريح بالرجوع عنها عن بسط بما يكفي ويشفي ، وأنه يكفي حالاً كتابة رجوعه وظهور الحق له اختصاراً ،وكتب كتاباً هذا نصه :
بسم الله الرحمن الرحيم
بما أنه تقرر لدى فضيلة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز وسائر المشائخ الحاضرين بأنه حصل الغلط مني في شأن الرسالة المؤلفة في الحج ، وذلك في موضعين منها : القول بتوسعة الوقت للرمي . ورأوا أنه مقدر بما بين الزوال إلى الغروب . ومنها : سقوط الرمي عمن لا يستطيعه حيث قلت به في الرسالة بدون أن يستنيب . ورأوا أن القول به خطأ مني ، وأنه يجب مع العجز الاستنابة ، فعليه فإني أتوب إلى الله من الخطأ فيما قلت ، وأن القول قولهم ، وأنا تابع وراجع عما قلت ، فيتعين على من لا يستطيع أن يستنيب من يرمي مكانه ،وإني أستغفر الله مما جرى به القلم، أو زل به القدم .
قاله معترفاً به على نفسه
عبد الله بن زيد آل محمود .
وقد ذيلت علىكتابه بمانصه :
بسم الله الرحمن الرحيم
أشرفت علىما كتبه الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ،وقد سرني ذلك حيث رجع عما في رسالته المتعلقة بالحج من الأخطاء . ولكن لابد من التصريح برجوعه عن القول بجواز الرمي قبل الزوال وكذلك عن القول بجوازه ليلاً . بعبارة واضحة ، كما أنه لابد أن يزيد بقوله (أنا راجع عن جميع مافي رسالتي المطبوعة المتعلقة بالحج من الخطأ) وأن يصرح في هذا الكتاب بأنه سيكتب رسالة في ذلك ، ويوضح أدلة الصواب في المسائل التي رجع عنها ، ولابد من تأليفه الرسالة فعلاً ، وطبعها بعد أن تعرض علينا ، ثم تفريقه إياها على من فرقت عليهم الرسالة السابقة . والقصد من ذلك ـ والله المطلع ـ نجاته وخلاصه هو ومن اتصلت إليه هذه الرسالة من الزلل والوقوع فيما يخالف الأدلة وجماعة العلماء ، وقد التزم بها اشترطناه عليه أعلاه ، وكتب تحته بقلمه ما نصه :ـ
الحمد لله . نعم إنني قد التزمت لفضيلة الأستاذ المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم بأن أصنف رسالة تقتضي التصريح بالرجوع عما قلت في الرسالة المؤلفة في شأن الحج من خاصة القول بتوسعة الوقت للرمي ، وأني أُصرح تصريحاً ليس بالتلويح في خاصة الرجوع عن القول بذلك ، وأنه لا يجوز لأية شخص في أن يقلدني في القول بذلك مع تصريحي بالرجوع عنه . وكذلك القول الاستنابة في الرمي ، فقد ترجح لدي قول فضيلة المفتي من القول بوجوبه ، وبين الأدلة المقتضية لذلك ، فمن أجله رجعت عن قولي إلى القول بوجوبه ، لأن رأي الجماعة العلماء أقرب إلى العدل والخير والصواب من رأي وحدي ،وسيحصل تأليف رسالة تقتضي التصريح بكل ذلك ـ إن شاء الله تعالى .
قاله عبد الله بن زيد آل محمود
وبعد أن سافر إلى وطنه ،ومضى ما يزيد على شهر بقينا منتظرين إرساله ما وعد به من تأليفه في الرجوع ، ولم نزل عدة أشهر في الانتظار ، حتى أسفر ليل تلك المواعيد عن خيبة الأمل ، وأن الرجل لم يصدق في الموعود ولا عدل ، وأنه بقي في ظلماء جهله ، وفتنته بما به استدل مما هو أشبه شيء بالسراب بقيعة ، ولما لم ينجح فيه الدليل والبيان ، ولم يقبل مشورة أولئك الإخوان ، وكانت المواعيد منه عرقوبية ، ومساعيه حول هذا الصدد وخيمة وبية ، وكانت فتنة الجهال وأرباب الكسل برسالته عظيمة ، ومفضية إلى أن تبقى البراهين الشرعية ليس لها بين الأمة قيمة ، ومؤدية إلى تضليل الأمة، وفتح باب غث الرخص ، وانتهاز الملاحدة واللادينيين في إفساد الدين الفرص ، ومفضية ولا بد بالجهال إلى التوثب بجهالتهم على الشريعة ،وإبداء ما لديهم من توهمات فضيعة ، رجعت إلى ما كنت قد عزمت عليه أولاً : من كشف شبهاته ، والبرهنة عن غلطاته ، ليستقيم السبيل ، ويؤخذ بواضح الدليل ، ويكون المسلمون إخوة متعاونين على التمسك بالدين ، والسير على وفق ما شرعه لهم سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم .
فأقول : أما ما قرره هذا الرج لفي مقدمته من " يسر هذه الشريعة المحمدية " وبعدها كل البعد عن الآصار والأغلال . فأمر لا يختلف فيه اثنان من المسلمين ، ولا يشك فيه سواهم من علماء الملل الأخرى المنصفين ، ولكن لم يرد به هذا الرجل حقاً ، بل أراد به باطلاً من حيث لا يشعر ،وذلك أنه لا يدليل فيها بوجه على ما ذهب إليه ، كما أنه لا دليل فيها بوجه على صحة الصلاة بل ولا صحة ابتدائها قبل دخول الوقت بلحظة لا في حق المريض ولا في حق غيره ، فلو أن قائلاً قال بصحة هذه الصلاة مستدلاً بهذه القاعدة العظيمة ـوهي يسر الشريعة المحمدية وبعدها عن الآصار والأغلال ـ لكان أقل أحواله أن يعد من أجهل الجاهلين . ونظير ذلك لو ا ستدل بها الصائم الذي آلمه الجوع والعطش على جواز الإفطار لعد من الجاهلين الخاطئين ، ومن أعظم الجناة على شريعة رب العالمين ،وكم نزع أرباب الشهوات بهذا الأصل على ارتكابهم ما ارتكبوه من المعاصي . أفيكونون بذلك معذورين ؟ كلا !
ويسر الشريعة المحمدية : مثل إفطار المسافر في رمضان ، وإفطار المريض الذي يضره الصوم ،ونحو ذلك ، وكقصر المسافر الرباعية إلى ركعتين ، وتيمم المريض بشرطه ، وتيمم عادم الماء ، ونحو ذلك مما هو منصوص عليه أو ملحقاً بالمنصوص عليه لتحقق اجتماعه معه في العلة ، وأمثلة ذلك معروفة .
وما علم حكمه من نص الكتاب أو السنة وما يلحق بذلك كإجماع الأمة ونحو ذلك فلا يجوز مخالفته استدلالاً بنصوص يسر الإسلام وبعده عن الحرج .
وأرباب هذا المسلك لا مناص لهم عن أن ينصبوا راية الخلاف بين النصوص ، ويضربوا بعضها ببعض ، ويسلطوا الجهلة على سلوك هذا السبيل الوبي المهلك ،ويبقوا في أعظم حيرة ،ويستعملوا أنواعاً وألواناً من طرق الدرء في نحور النصوص ،وأن تكون لهم الخيرة من أمرهم ، وليهم النظر فيما يلم بهم من حادثة ،وأن يفزع كل إلى ما يشتهي عند الكارثة .
ونظير ذلك ما قرره في هذه المقدمة من ( أن الشريعة بنيت على تحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها) فإنه حق ، وأصل أصيل ،والشأن كل الشأن في التطبيق ، وصدق ذلك عند التحقيق ، فليس كل من استدل بها على رأي رآه يكون مصيباً ، فلا دليل فيه على ما ذهب إليه ، ولا مستأنس له فيه ، فإن كثيراً من المنحرفين عن الصواب لا يزالون يعولون في زعمهم في الانحراف على هذا الشأن ، وهم ليسوا من فرسان هذا الميدان ، وقد أخطأ هذا الرجل في تفريعه على هذه القاعدة بما يعرفه أهل العلم ـ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
وهكذا تقريره علة شرعية الحج ، وأنه إقامة ذكر الله . فإن هذا صحيح ومعلوم بالنصوص ، لكن أخطأ هذا الرجل في هذا المقام ، وذلك أنه جعل ذكر الله المعني ها هنا هو الذكر القولي فقط دون الفعلي ،ولم يعرج على ذكر الله الفعلي في أول بحثه أصلاً ، بل لم يكتف بذلك ،حتى صرح بما يقتضي خروج الذكر الفعلي عن ذلك .
ولم يدر المسكين أن الاذكار الفعلية أعظم شأناً وأهم من الأذكار القولية ، ولهذا كانت أركان الحج وواجباته كلها فعلية ولم يكن منها واحد قولياً ،ورمي الجمار من الأذكار التي هي من واجبات الحج .وأما الأذكار القولية التي يؤتي بها حال رمي الجمار وبعده فليس منها ذكر واجب إجماعاً ، أفلا يستحي رجل هذه بضاعته في أحكام الحج من أن يتكلم فيه ، فضلاً عن أن يكتب ، فضلاً عن أن ينشر ، فضلاً عن المبالغة العظيمة في النشر والتعميم ؟ !!
ويظهر ـ والله أعلم ـ أنه مع جهله حاول الاستهانة بشأن رمي الجمار ،وهذا هو الذي حمله ـ والله أعلم ـ على سلوك هذا المسلك ، وعلى ذكر ما نسبه عن الحافظ ابن جرير رحمه الله فيما حكاه عن عائشة من أنه إذا ترك الرمي وكبر أجزأه .وأبلغ من ذلك ما حكاه قبل ذلك عن بعض أهل العلم أنه قال : إنما أمر الله بالذكر في أيام التشريق ولم يأمر برمي الجمار لأن الذكر هو روح الدين ، وهو الأمر المهم منه ، وقد شرع الرمي لأجله ، وأنه إنما شرع حفظاً للتكبير . انتهى .
ولهذا قال هذا الرجل بعد أن ذكر أنه حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة من حادي عشر ذي الحجة إلى آخره ، ما نصه : وذكر الله في هذه الأيام هو التكبير في أدبار الصلاة ، والدعاء عند رمي الجمار . فأتى هذا الرجل من الفرية على الله ورسوله مالا يخفى على أهل العلم ، وذلك أنه حصر أمر الله تعالى بذكره في الأيام المعدودات في الذكر القولي ، المفيد أن الله لم يأمر بالرمي في هذه الأيام . وباليت شعري من إمام هذا الرجل في ذلك ،وجعل هذا الرجل عمل الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو امتثال أوامر ربه والتشريع لأمته وتفسيره لهذه الآية الكريمة ما زعمه من أنه الأذكار القولية فقط ،مستشهداً عليه بما رواه البخاري في صحيحه ، عن ابن عمر رضي الله عنهما :" أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يُكبِرُ على إثرِ كل خصاة ثم يتقدم ثم يسهل " إلى آخل الحديث ،وبحديث أبي داود ، وفيه " أن ابن عمر كان يدعو هنا بالدعاء الذي كان يدعو به في عرفة " والحديثان لا يدلان على أن رمي الجمار لا يدخل في مسمى الذكر بحال .
ولعمري إن أعلم الخلق بمعان القرآن الكريم وبأحكام الحج هو من أُنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم : قد فسر هذه الآية الكريمة بما فعله وأمر به من واجب كرمي الجمرات ،ومايتبع ذلك من الأذكار القولية المندوبات ، وفسرها بذلك علماء الإسلام متبعين بذلك تفسير سيد الأنام ، صلى الله عليه وسلم برميه الجمار تلك الأيام ،وأمره أمته بذلك . وقد غر هذا الرجل في اقتصاره على الذكر القولي اقتصار كثير من المفسرين عليه في تفسير هذه الآية ، فظن عدم دخول رمي الجمار في ذلك ، وهم إنما تركوه لوضوحه .
قوله : فهذا المنسك الذي شرع للذكر والدعاء والتكبير قد انقلب إلى لغو وصخب وتزاحم وتلاكم وفساد كبير .
أقول : ليس الأمر كما زعمه ، ولا الشأن ما توهمه ، بل ذلك المنسك الشرعي هو هو لم ينقلب هذا الانقلاب ، وإنما انقلب تصور هذا الرجل ، وغاية ما هنالك أنه يوجد من بعض جهلة الأعراب .
ونحوهم شيء من ذلك ،وبعضه غير مقصود ، وما كان منه على وجه لا يؤذي به المزاحم أحداً من الحجاج لأجل الوصول إلى أداء ما أوجب الله عليه من هذا النسك على وجهه الشرعي فهذا غير مذموم ، لا في رمي الجمرات ، ولا في المواضع الأخر مما يتصور فيه الزحام كالطواف والسعي ، بل هو من المأمور به شرعاً ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
قوله : وصار الناس لا يذهبون إليه ألا وهم متذمرون للمحاربة وقصد المغالبة ، يمد بعضهم بعضاً ، ويؤيد بعضهم بعضاً .
يقال : هذا من المجازفة الظاهرة . ولو قال : وصار بعض الناس لكان أقرب إلى الصدق .
قوله : وصار من الصعب الوصول إليها وتحقق وقوع الجمار فيها . وإن أراد الصعوبة التي تحتمل ـ فهو نظير ما في الجهاد في سبيل الله من الصعوبة التي تحتمل ـ فهو نظير ما في الجهاد في سبيل الله من الصعوبة ،وما في صيام رمضان في شدة الصيف من الجوع والعطش الذي جنسه يحتمل ولا يرخص بسبب حصوله في الإفطار والمصير إلى القضاء ،وفي مزاولة هذه الصعوبة والصبر على ما يناله من المكاره من الأجر مالا يعلمه إلا الله . وفي ضمن هذا الكلام من التمهيد لما سيصرح به بعد من سقوط وجوب الرمي مطلقاً من أجل الزحام مالا يخفى .
قوله : وكان لهذا الأمر الذي حقق الخطر ، ووسع دائرة الضرر ، عوامل عديدة ساعدة عليه : منها فتح مشارق الأرض ومغاربها بالآلات الحديثة من كل ما سهل السفر وقصر المسافة ، حتى صارت الدنيا كلها كمدينة واحدة ، وكأن بلدانها على بعدها بيوت متقاربة . إلى آخر كلامه الطويل ، حوالي هذا التدليل والتعليل .
يقال : الحمد لله . لا ينكر أحد حدوث حصول أسباب جديدة مما سهلت الوصول إلى الحج ،ولكن اشتمل كلامه في ذلك على مجازفات لاتخفى ، وعلى القطع والجزم بأشياء لا يجوز الجزم بها بل هذه أشياء أمرها إلى الله ، وربما يظهر من الواقع ما يكذبها .
ولا يفوت على الواقف على ما قررته هاهنا ماعم وطم ودهم وأدلهم من ليل الإدبار عن التسمي باسم الدين ، وتهاون الأكثر من المتسمين به بأركانه الأصولية والفروعية . وبتقدير حصول الحجاج إلى كثرة تبلغ ما تصوره هذا الرجل ، فإن الله سبحانه وتعالى يحدث من أنواع التيسير والتسهيل كوناً وقدراً على يد من يشار من عباده ما يقابل تلك الكثرة ، بحيث لا توجد الصعوبة التي أشار إليها هذا الرجل ، كما أن ربنا سبحانه وتعالى قد شرع ويسر مخرجاً من تلك ا لصعوبة سهلاً مناسباً جارياً على أصول ما بعث به تعالى خير بريته محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الدين السهل السمح الذي هو أبعد شيء عن الصعوبة والآصار والأغلال ، كما سيأتي إيضاحه في موضعه إن شاء الله تعالى .
قوله : وذلك أن الفقهاء قالوا : إن رمي كل يوم من أيام التشريق يدخل بزوال الشمس ويخرج بغروبها ، وأنه لو رمى قبل الزوال أو بالليل لم يجزئه ، ودليلهم في ذلك ما روى البخاري في صحيحه عن جابر قال :" رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضحى وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس " .
يقال نعم : قالوه لهذا الدليل الصحيح الصريح الذي لا معارض له ، وهو ما ساقه هذا الرجل قوله : فظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان . يقال : هؤلاء الذين ذهبوا إلى ذلك متيقنين متحققين أنها سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم هم الصحابة والتابعون والأئمة أجمعون عملاً بقوله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( ) فإن هذا الأمر في الآية الكريمة يشمل ما ثبت بقوله صلى الله عليه وسلم أو بفعله أو تقريره ، وعملاً بقوله تعالى :واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون( ) والأيام المعدودات هاهنا هي أيام التشريق . وهذه الآية الكريمة دليل واضح في وجوب رمي الجمار ، لما فيها من الأمر به .
قوله : ولم يفرقوا بين إمكان الفعل وتعذره ، فكان هذا الفهم هو العامل الأكبر في حصول الضرر ، وتوسيع دائرة الخطر ، لأن التقدير بهذا الزمن القصير قد أفى بالناس إلى الحرج والضيق .
يقال : الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام عندما تقوم الأعذار الشرعية في ترك المأمورات العينية ، يخرجون من ذلك المأزق إلى ما وسعه الله من الرخص الشرعية . إما بالعدول إلى الاستنابة فيما يمكن الاستنابة ،وإما إلى الاكتفاء بالفدية فيما فيه فدية ، كما عرف ذلك في أقوال العلماء المستندة إلى الدليل ، ولا حرج ولا ضيق إلا في حق من لم يعرف الطريق ، ولم يشم رائحة الفهم والتحقيق . قوله : حتى إن هذا ليعد من التكاليف الآصارية ، التي تبطله النصوص الدينية ،وما اشتملت عليه من الرحمة والمصلحة والإحسان والحنان .
يقال : لا يعد هذا من الآصار إلا من انغمس في الإلحاد ، وصرح بما يدل أنه عن الدين قد حاد ، أو منافق قد عاث في الأرض والفساد وتستر بالدين وكان في الحقيقة للدين قد كاد ، أو جاهل قد تزيا بزي أهل العلم وهو منهم في غاية الابتعاد ، فعد ذلك من الحرج ، وتصور أن لا مخرج منه إلا بما أدركه فهمه الذي مرج ، وفارق أفهام السلف الصالح الذين أقاموا من الدين العوج ،وعرفوا الخروج من المضايق بما يسر الله وشرعه من فرج ، وذلك أن الناس إذا عملوا بغث رخصته ، حشدوا جميعاً أو أكثرهم أول النهار خشية حر الشمس أو قبل الفجر فحصل ما فر منه من الزحام ، وفات عليه غرضه الذي حوله قد حام ، لتوسيع هذا الرجل لهم المجال ، وتصريحه بما لم يسبق إليه في الاستدلال ، فإنه صرح ـ كما يأتيك في رسالته ـ بما يقتضي أن حديث " فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال أفعل ولا حرج" أن التحديد في أمثال هذا من باب الاستحباب ، وليس له أي حظ من حكم الإيجاب ، أو يفضي ما قرره إلى تأخيره عن يومه إلى الليل ، فيلقون من مكابدة ظلامه كل ويل ، أو إلى أن يستولي عليهم الكسل ، فيفضي بهم إلى ترك العبادة مطلقاً أو تأخيرها التأخير الموقع في الإثم ، وحينئذ يكون هذا الرجل قد فوتهم المأمور ، وأوقعهم في نظير ما فر منه من المحذور ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
ولعمري لا شيء أحسن من الاعتصام بالكتاب والسنة ،والدرج على ما جرج عليه صدر هذه الأمة ،الذين هم القدوة والأئمة ، الذين عرفوا من مراد الله ورسوله تاصيلاً وتفصيلاً ما حرمه أرباب الدعاوي الكاذبة ، الذين صرحوا فيما كتبوه بأقلامهم بما يقتضي أنهم من أزجى الناس بضاعة في الشريعة المحمدية ، وحظهم اللخبطة الشقاشق ، والمخرفة والتحامق ،وقد قدمنا أ،ه معلوم بالضرورة أن هذا الدين الإسلامي هو دين الرحمة والمصلحة رخصه وعزائمه .
قوله :" والنبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم العيد في أول النهار ، ثم رمى الجمار بقية الأيام فيما بعد الزوال " والكل سنة ، وإنما فعل هذا وهذا توسعة منه على أمته ، وبياناً لامتداد وقته ،كما وسع عليهم في الوقوف بعرفة في المكان والزمان ، فإنه وقف بها بعد الزوال إلى الغروب عند الصخرات ، وقال :" وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " ( ) وقال فيما رواه عروة بن مضرس المزني ، أنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بمزدلفة ، قال : قلت يارسول الله : جئتك من جبل طيء ، أكللت راحلتي ،وأتعبت نفسي ، ولا والله ما تركت من جبل تحب أو يوقف عليه إلا وقفت عليه فهل يجزيني ذلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من شهد صلاتنا هذه ـ يعني بالمزدلفة ـ ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجة وقضى تفثه "( ) وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث على أن وقت الوقوف يدخل بفجر يوم عرفة ،وجعل الأصحاب الوقوف إلى الغروب من الواجبات التي تجبر بالدم ، والحديث لا يقتضيه . والله أعلم .
يقال : مراد هذا الرجل بالسنة هاهنا السنة الاصطلاحية المعرفة عند الفقهاء بتعريف المستحب ـوهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ـ كما يعرف مما سبق من كلامه وما سيأتي منه . ومراده أيضاً أنه كما أن رمي جمرة العقبة يوم النحر أول النهار سنة ،فالرمي في أيام التشريق بعد الزوال سنة ، وأنه يجوز في أيام منى الثلاثة رمي الجمار قبل الزوال ، كما رمى صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة في يوم النحر ضحى ، فقاس رمي الجمار أيام التشريق على رمي جمرة العقبة يوم النحر في توسيع وقته ، فيلزمه حينئذ أن يقيس أيام التشريق على يوم النحر في الاقتصار على رمي جمرة العقبة ولا فرق ،وهذا قياس باطل ، لمخالفته فعله صلى الله عليه وسلم وقد قال مسلم في صحيحه : حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم جميعاً ، عن عيسى بن يونس ، قال ابن خشرم : أخبرنا عيسى عن ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابراً يقول : " رايت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ، ويقول : لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه " .
ورميه صلى الله عليه وسلم في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة ثلاث الجمرات بعد الزوال كما في حديث جابر الصحيح ،وحديث ابن عباس ،وحديث ابن عمر : يبطل هذا القياس من جهة الوقت ، ومن جهة عدم اقتصاره صلى الله عليه وسلم فيهن على رمي جمرة العقبة ورميه صلى الله عليه وسلم الجمرات أيام التشريق بعد الزوال يدل على الوجوب ، لأنه فعله صلى الله عليه وسلم مشرعاً لمته على وجه الامتثال والتفسير ، فكان حكمه حكم الأمر .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " شرح العمدة " : والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر ،وهو داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني مناسككم"( ) انتهى .
وما احتج به هذا الرجل من قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة :" وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف" على توسيع زمن رمي الجمار أيام التشريق بحيث يجوز ويجزي قبل الزوال فهو باطل ، إذ من المعلوم عند كل أ؛د أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم عدم تعيين الموضع الذي وقف فيه عند الصخرات لوقفة الحج ، ولهذا قال :" عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة" ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم بمنى :" نحرت هاهنا ومنى كلها منحر"( ) قال ذاك بعرفة خشية أن يظن أن لا موقف في عرفة إلا الموضع الذي وقف فيه عند الصخرات ، وقال هذا في منى خشية أن يظن أن لا منحر إلا في المكان الذي نحر فيه صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل صلى الله عليه وسلم حين رمى الجمرات أيام التشريق بعد الزوال " رميت هذا الوقت وكل اليوم وقت رمي" فلما قال في الموقف بعرفة والمنحر بمنى ما قال ولم يقل نظيره في وقت رمي الجمار أيام التشريق تبين الفرق بينهما، وأن الرمي أيام التشريق يختص بالوقت الذي رمى فيه ، وأن الموقف بعرفة والمنحر بمنى لا يختص بالمكان الذي وقف فيه والمكان الذي نحر فيه ، وهذا من أوضح الواضحات .
وتوسيع النبي صلى الله عليه وسلم زمن الوقوف لامستفاد من حديث عروة بن مضرس ليس توسيعاً إطلاقياً ،وإنما هو توسيع محدود الأول والآخر . فمن وقف في غير عرفة فلا حج له ، ومن وقف في غير الزمن المحدود في حديث عروة فلا حج له ، فمكان الوقوف وزمانه محدودان بالسنة النبوية ،وزمن الرمي وعدده ومكانه محدودة بالسنة النبوية كما تقدم في حديث جابر وغيره ،فمن لم يكتف في أي عبادة من عبادات الحج بمقدار التوسيع الذي وسعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وقاسها على توسيع زمن أو مكان عبادة أخرى فقد أخطأ ، وقدم بين يدي الله ورسوله ، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله ، فإن العبادات نوعاً وقدراً ووقتاً وكيفية إنما تتلقى من مشكاة النبوة ، والآراء مطرحة والقياس لا قيمة له إذا أشرقت شمس سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
قوله :وجعل الأصحاب الوقوف إلى الغروب من الواجبات التي تجبر بدم ، والحديث لا يقتضيه .
يقال له : ليس هذا قول الأصحاب فقط ، بل هو قول سائر أئمة الدين وعلماء المسلمين إلا من شذ ، بل ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن ذلك من أركان الحج .
ودليل وجوب بقاء الواقف بعرفة إلى غروب الشمس فعله صلى الله عليه وسلم ، مع قوله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني مناسككم"( ) .وتقدم قول شيخ الإسلام في شرح العمدة : إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر .
ولا يظن أن بين ما قررناه ها هنا وبين حديث عروة بن مضرس شيئاً من التنافي ، بل ما قررناه يوافق حديث عروة ويفسره ؛ وذلك أنه ليس في حديث عروة ما يدل على جوز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس أصلاً ؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم : " وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً " يفسره فعله صلى الله عليه وسلم ؛ إنه وقف المسلمين نهاراً إلى غروب الشمس ؛ فدل على أنه واجب ، وعروة لم يصل إلى عرفة إلا ليلاً فقط ؛ لأنه لو كان قد وقف بها نهاراً مع الجمع العظيم ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم فهل لي من حج ، وأكثر ما في حديث عروة صحه حج من وقف بعرفة نهاراً ودفع قبل الغروب ، وقد أخذ الفقهاء بذلك فصححوا وقفته وأوجبوا عليه دماً ظ، كما صححوا وقفة من لم يصل إلى عرفة إلا ليلاً ولم يوجبوا عليه دماً ، وكما صححوا هم وغيرهم وقفة من وقف بعرفة نهاراً وبقي إلى غروب الشمس واعتقدوا أنه هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأو وجوبه عملاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله :" خذوا عني مناسككم " وجمعوا بذلك بين سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومما يدل على عدم جواز الدفع من عرفة قبل الغروب عدم إذن النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة في ذلك مع ما يلقونه في طريقهم من الزحمة وحطمة الناس ، كما رخص لهم في الدفع من مزدلفة آخر ليلة جمع لذلك . ومنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عروة " فقدتم حجة " أي صح ؛ فإن عروة لم يسأل إلا عن صحة حجة كما تفيده كلمة : فهل لي من حج يا رسول الله ووجوب الدم لا يمنع صحة الحج ؛ فإن من ترك واجباً من واجبات الحج عامداً أو ناسياً فعليه دم وحجه صحيح ، ويشهد لاستعمال النبي صلى الله عليه وسلم التمام بمعنى الصحة ما في النسائي وأبي داود مرفوعاً " إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ثم يكبر الله " الحديث .
قوله : ولو كان الأمر كما زعموا أن ما قبل الزوال وقت نهي غير قابل للرمي لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً واضحاً بنص قطعي الرواية والدلالة وأرد مورد التكليف العام ؛ إ ذ لا يجوز في الشرع تأخير بيان مثل هذا عن وقت حاجته ، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في أوقات معلومة .
يقال : أولا جباً لهذا الرجل : كيف يكون عدم النهي عن فعل العبادة المقيدة بوقتها المأمور بها فيه دليلاً على جواز فعل تلك العبادة قبل وقتها ، وهل هذا إلا شرع دين لم يأذن به الله ؟! أما يدر هذا الرجل أن العبادات مبناها على الأمر ؟! أيخفى عليه حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ( ) فإنه يشمل بعمومه إحداث عبادة لم تعلم من الشرع . ويشمل بعمومه أيضاً فعل عبادة مأمور بها لكن فعلها الفاعل في غير وقتها الذي أمر بها فيه كمسألتنا ، ويشمل بعمومه فعل عبادة قد أمر به افيه لكن عملها في مكان غير المكان الذي عين أن تفعل فيه . ونظير ذلك لو فعلها في وقتها الذي أمر أن تفعل فيه وفي المكان الذي أمر أن تفعل فيه لكن زاد فيه أو نقص . وزعم هذا الرجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين المنع من رمي الجمرات أيام منى قبل الزوال منعاً واضحاً بنص قطعي الرواية والدلالة وأرد مورد التكليف العام . زعم باطل ؛ فإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العبادة في أيام منى الثلاث بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير منزل منزلة الأمر العام عند جميع أئمة الإسلام .
ويقال " ثانياًَ " قد ثبت النهي عن رمي هذه الجمرات قبل الزوال ، فروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يقول : لا ترمى الجمرة حتى تزول الشمس . وهذا له حكم الرفع ؛ لا مسرح للرأي فيه.
ويقال " ثالثاً " لا تفتقر الأحكام الشرعية الفرعية في ثبوتها إلى اشتراط قطعية السند ؛ بل تثبت بالأدلة الظنية ، إنها الذي يحتاج في ثبوته إلى كون دليله قعطياً هي الأصول والعقائد ؛ فإنه لا يثبت أصل شرعي بدون دليل قطعي من تواتر أو ما يقوم مقامه ، كما لا تثبت العقائد بدون دليل قطعي من تواتر أو ما يقوم مقامه .
فجمع هذا الرجل هاهنا بين عدة أنواع من الجهل :" أحدها" : إقدامه على أن الجمرات ترمى في كل وقت لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه نهي صريح .
"الثاني" اشتراطه في أدلة الفروع أنها قطعية .
"الثالث" : تصريحه أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم توقيت رمي الجمار الثلاث أيام منى بعد الزوال بأمر عام ، متخيلاً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أيام التشريق أنه فعل فقط ،وأنه لا عموم له ، ولهذا اشتراط كون الدليل وارد مورد التكليف العام ، ولهذا أعرض في رسالته عن حديث " خذوا عني مناسككم" إما عمداً وإما نسياناً له ، سبب وقوعه فيما وقع فيه من الغلط .
وأما استدلال هذا الرجل على جواز رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال بعدم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه ،معللاً بأن المنع من الصلاة أوقات النهي هو لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها . فهو من عظيم جهله ، وذلك للفرق الواضح بين رمي الجمرات وبين نوافل الصلاة المطلقة وصلاة الجنازة ونحوها مما لم يوقت له مما يجوز فعله في كل وقت من ليل ونهار ، لكن نهي عنها في أوقات النهي الخمسة لعلة مشابهة الكفار ونحو ذلك .
أما العبادات المؤقتة من صلاة وطواف ورمي جمار فهي مقيدة بتلك الأوقات ، وفعلها بعد دخولها من جملة شروط صحتها ،ومن لم يعرف الفرق بينهما فهو إلى أن يتعلم أحوج منه إلى أن يفتي ويتكلم .
قوله : وكما نهى ابن عباس والضعفة الذين معه بأن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس ، فبدل الناس قولاً غير الذي قيل لهم فكانوا يدفعون ثم يرمون الجمرة وهم أصحاء أقوياء .
مراد هذا الرجل من استدلاله بنهي النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب عن أن يرموا قبل طلوع الشمس على جواز الرمي أيام التشريق قبل الزوال : أنه كما استفيد من نهيه عن الرمي قبل طلوع الشمس المنع ، فإنه يستفاد من عدم النهي عنه قبل الزوال أيام التشريق الجواز .
فيقال : أولاً : إنما يستقيم هذا فيما أصله الإباحة ،والعبادات ليست كذلك ، إنما هي توقيفية ، فما شرعه الله ورسوله مطلقاً كان مشروعاً كذلك ،وما شرعه مؤقتاً في زمان أو مكان توقت وتقيد بذلك المكان والزمان ، ولا يحتاج الحكم على فساد العبادات إذا فعلت قبله إلى نهي عن ذلك ، إكتفاء بالتوقيت الشرعي ، والتحديد الشرعي ومسألتنا من هذا الباب .
فإن قيل : لم جاء هذا النهي في حق ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب ولم يجيء نهي الناس عموماً عن الرمي قبل الزوال أيام التشريق .
قيل : إنما جاء ذلك في حق ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب لعدم إمكان أخذهم مناسكهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في رميهم جمرة العقبة يوم النحر ، لعدم حضورهم معه صلى الله عليه وسلم الحين الذي يصلون فيه إلى جمرة العقبة ، فكانوا محتاجين لتوقيت رمي الجمرة لهم بالبيان القولي منه صلى الله عليه وسلم فإنهم مستغنون عن ذلك بحضورهم معه صلى الله عليه وسلم حين رميه تلك الجمرة واقتدائهم به ، وأخذهم عنه صلى الله عليه وسلم مناسكهم ،كما قال صلى الله عليه وسلم :" خذوا عني مناسككم" وهكذا هم معه صلى الله عليه وسلم في بقية أعمال الحج التي تعمل يوم النحر وبعده من رمي الجمرات أيام التشريق بعد الزوال .
فأول وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر لغير الضعفة مبين من النبي صلى الله عليه وسلم ببيانين (أحدهما): القولي الذي علمه ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب . و(الثاني) : فعله صلى الله عليه وسلم برميه تلك الجمرة بعد طلوع الشمس على وجه الامتثال والتفسير المنزل منزلة الأمر . فما قبل طلوع الشمس ليس بوقت لرمي الجمرة في حق غير الضعفة ، كما أن أول وقت رمي الجمرات أيام منى الثلاثة مبين بفعله صلى الله عليه وسلم الذي فعله على وجه الامتثال والتفسير المنزل منزلة الأمر ، ولم يحتج هنا للبيان القولي لكون ابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب وسائر الضعفة حاضرين معه صلى الله عليه وسلم، مكتفين في معرفة وقت الرمي بفعله صلى الله عليه وسلم ، فكما استفيد من تحديد أول وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر بطلوع الشمس أن ما قبله لا يصح فيه الرمي ، فإنه استفيد من تحديده الثاني لأول وقت رمي الجمرات أيام التشريق بالزوال أنه لا يصح الرمي قبله .
ويقال "ثانياً" مقتضى استدلال هذا الرجل ـ بكون الشريعة المحمدية شريعة اليسر البعيدة عن الآصار والأغلال على جواز الرمي أيام منى قبل الزوال ـ تجويز الدفع من مزدلفة ليلاً مطلقاً ، وهو مقتضى استدلاله عليه أيضاً بحديث " فما سئل يومئذ عن شيء قدِّم أو أُخِّر إلا قال : افعل ولا حرج" وإلا فما الفرق؟ ! أفتكون هذه حججاً إذا كانت في جانبه ، وإذا كانت في جانب سواه لغت وسقطت .
ويقال أيضاً : السنة فرقت بين الضعفة وغيرهم ، فجوزت الدفع لهم آخر ليلة جمع ،ولم تجوز لواحد منهم الرمي أيام منى قبل الزوال خشية الزحمة ، مما يعلم به أن التوقيت والتحديد لرمي الجمرات تلك الأيام آكد وأبلغ من التحديد والتوقيت للدفع من جمع . أفيكون المجوزون للدفع لغير الضعفة من جمع قبل الوقت الذي دفع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدلين قولاً غير الذي قيل لهم مع وجود جنس الرخصة في حق بعض الحجاج ، ولا يكون من رمي الجمرات أيام منى قبل الزوال الذي لم توجد الرخصة فيه لأحد غير مبدلين قولاً غير الذي قيل لهم ؟ ! هذا في غاية البعد عن العدل والإنصاف .
قوله :ومما يدل على جواز الرمي قبل الزوال ما رواه البخاري في صحيحه ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا مسعر عن وبرة ، قال : سألت ابن عمر متى ارم الجمار قال : إذا رمى إمامك فارمه فأعدت عليه المسألة ، فقال :" كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا"( ) .
يقال : هذا الرجل لبعده عن هذا الشأن ، وعدم استحقاقه أن يجول في هذا الميدان ، أصبح كعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها ، وذلك أن حديث ابن عمر هذا أحد أدلة المسلمين ، على أن سنة سيد المرسلين ، صلى الله عليه وسلم وهديه الواجب الاتباع هاهنا أن لا ترمى الجمرات الثلاث أيام منى إلا بعد زوال الشمس ، نظير حديث جابر وغيره من الأحاديث الدالة على توقيت رمي الجمار الثلاث بما بعد الزوال ، وهذا هو صريح حديث ابن عمر المذكور الذي استدل به هذا الرجل على خلاف .. له ، وذلك في قوله لما أعاد عليه وبرة السؤال : كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا . فأخبر رضي الله عنه أن هديه وهدي سائر أصحابا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو الرمي في أيام منى الثلاثة بعد زوال الشمس . فانخرط هذا الرجل في سلك الذين بدلوا قولاً غير الذي قيل لهم .
والذي غره ما في قول ابن عمر لوبرة حين سأله متى أرم ؟ فقال ابن عمر : إذا رمى إمامك فارمه . فمن أين لهذا الرجل أن هذا الإمام الذي أحال ابن عمر وبرة إلى أن يرمي إذا رمى كان يرمي قبل زوال الشمس ، بل نعلم قطعاً أن هذا الإمام لا يرمي إلا بعد زوال الشمس ، وإلا لزم أن ابن عمر يفتي من سأله بالاقتداء بمن يعلم أنه يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الرمي ، وهذا في غاية البطلان ، ولا سيما وابن عمر قد اشتهر من تعظيم السنة بما يعرفه كل أحد ، ولا سيما أحكام الحج،وقصته مع الحجاج في وقت الوقوف بعرفة وما وضح له من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم معلومه .
وابن عمر رضي الله عنهما راعى هاهنا شيئين لم يراعهما هذا الرجل ، بل قام بالدعاية ضدهما ،وذلك أن ابن عمر عظم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعظم طاعة أُولي الأمر : فأحال وبرة هذه الإحالة تنبيهاً على طاعة الإمام وعدم مخالفته فيما لا يخالف الحق ،وعظم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :" كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" وهذا الرجل لم يبال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين ، وما تمسك به المسلمون من ذلك إلى زمننا هذا ،ولم يبال بأولي الأمر ، بل دعا إلا خلافهم بالدفع من عرفة قبلهم ، والرمي أيام التشريق قبلهم . وتعليل هذا الرجل إحالة وبرة إلى رمي الإمام بعلة سعة الوقت ،واستدلاله على ذلك بأنه لو كان رمي الجمار مؤقتاً بما بعد الزوال لأحاله إليه من أول مرة ، لأن العلم أمانة والكتمان خيانة . تعليل فاسد ،وتقرير ساقط ، ولا يستقيم إلا بعد أن يتحقق أن ذلك الإمام يرمي قبل الزوال وأن ابن عمر عالم بتلك الحال ، ولن يجد هذا الرجل إلى ذلك سبيلاً .
والصواب ـ والله أعلم ـ أن وبرة خشي أو ظن تفويت الإمام السنة بتأخير الرمي عن أول وقته ، فأرشده ابن عمر إلى أن لا يخالف إمامه بشيء لا يخرج عن الحق ، لما في موافقته من المصلحة الظاهرة العامة ولما في مخالفته من أسباب التفرق على الإمام ، المسبب مالا يخفى من الشر والفساد ، فلما كرر وبرة السؤال على ابن عمر رأى أن لا مناص من التنصيص عن الوقت ، فقال :" كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" ولا منافاة بين جواب ابن عمر لوبرة الأول وبين جوابه الثاني . وهذا الذي قررناه هو الحق بلا ريب ، لما فيه من إعطاء النصوص حقها ، والمحافظة على موقف ابن عمر منها ، وطاعة أُولي الأمر بما لا يخالف الحق ـ فلله الحمد والمنة .
وقد دلت السنة على توقيت رمي الجمرات أيام التشريق بما بعد زوال الشمس من وجوه :
"أحدها " ما رواه البخاري في صحيحه ، حدثنا أبو نعيم إلى آخر ما ساقه هذا الرجل إسناداً ومتناً( ) وقد عرفت دلالته على التوقيت .
"الثاني" ما رواه الجماعة عن جابر رضي الله عنه قال :" رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضُحى ،وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس" .
"الثالث" ما رواه أحمد وابن ماجه والترمذي ، قال الترمذي : حدثنا أحمد بن عبدة الضبي البصري ، حدثنا زياد بن عبد الله ، عن الحجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار إذا زالت الشمس" .
" الرابع " ما رواه مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول :" لا تُرمى الجمرة حتى تزول الشمس" وقد تقدم .
" الخامس" ما رواه أحمد وأبو داود ،عن عائشة رضي الله عنها قالت :" أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق ، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها " .
قوله : وأما قولهم : إن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم العيد من أجل أنها تحية منى . فهذا التعليل لا أصل له شرعاً .
يقال : حدى هذا الرجل على اعتراض الفقهاء في هذا التعليل ظنه أن ذلك تعليل لرمي جمرة العقبة يوم النحر قبل الزوال وهم لم يعللوا بها لذلك ، ولم يخطر ببالهم أن أحداً يجوز رمي جمرات أيام التشريق قبل الزوال بصفة الحث على الأخذ بذلك حتى يعللوا رمي جمرة العقبة يوم النحر ضحى بهذا التعليل ،وإنما عللوا بذلك بداءته صلى الله عليه وسلم برمي جمرة العقبة قبل نزوله وقبل النحر والحلق ، وحينئذ يعلم غلط هذا الرجل على الفقهاء لفظاً ومعنى ، وسوء تصوره ،وأنه من شدة وجله في سلوك هذا الطريق،وفلسه في العلم والتحقيق ، يحسب كل صيحة عليه ، فسعى في إبطال هذا التعليل بما لا يجدي عليه شيئاً عند التحصيل ، فقال : وبطلان هذا التعليل واضح بالدليل . يريد حديث " فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال : افعل ولا حرج" .
فيقال :" أولاً " : أين إبطال ما تقدم من التعليل من هذا الدليل ؟
أدل على هذا بمنطوقه ؟ أو بمفهومه ؟ أو غيرهما من أوجه الدلالة؟ ويقال له :" ثانياً" إن لم يكن في هذا الحديث دليل على صحة ذلك التعليل لم يكن فيه ما يبطله ، بل هو على إثباته أدل منه على نفيه . ولا يرد على هذا جوابه صلى الله عليه وسلم عن التقديم والتأخير يومئذ بقوله" افعل ولا حرج" إما لكون ذلك في حق من لم يشعر ، أو مطلقاً ، إذ لا يدل نفي الحرج على استواء التقديم والتأخير ، بل السنة المستقرة أنه يرمي أولاً ، ثم ينحر ثانياً ، ثم يحلق ثالثاً . فأين عمل استقرت به السنة من فعل يعذر صاحبه لأجل الجهل أو أحسن أحواله نفي الحرج عن فاعله ؟ ! شتان ما بينهما .
قوله : وأما قولهم : إنه خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم فنقول : حاشا أن نخالف في سنة من سنن الدين ، أو أن نتبع غير سبيل المؤمنين ، فقد رمى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه يوم النحر قبل الزوال ، ثم رمى بقية الأيام بعد الزوال ،وفعله في الأول كفعله الآخر ، و (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) ( ) .
يقال : لقد كفانا هذا الرجل مؤونة الرد عليه ، فقف وانظر وتأمل واعتبر وزن بذلك علم هذا الرجل وعقله ، فإنه جعل مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غايرت بين وقت رمي الجمرة يوم النحر وبين رمي جمرات أيام التشريق ، فرمى صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضحى ، ورمى جمرات أيام التشريق بعد زوال الشمس ، ولا يكون الحاج عاملاً بقوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة حتى يفعل كما فعل صلى الله عليه وسلم من رمي جمرة العقبة يوم النحر ضحى ورمي ما عداها بعد الزوال ، والمسوي بينهن برميهن كلهن قبل الزوال هو عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعزل . والمقام في الحقيقة غني عن أن يقرر فيه مثل هذا التقرير ، ولكن ضرورة خوض هذا الرجل في هذه الأبحاث بغير علم ومباهتته ومكابرته ألجأتنا إلى هذا التقرير .
قوله : فقولنا بجواز الرمي قبل الزوال ليس من المخالفة في شيء بل هو نفس الموافقة .
يقال : إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرات الثلاث أيام منى بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب ، وأنت أيها الرجل رميت قبل الزوال ، فما المخالفة غير هذا؟ ! إذا لم يكن هذا مخالفة فلا ندري ما المخالفة . ورمي جمرة العقبة يوم النحر هي وظيفة ذلك اليوم وعبادته،وأحكامها تختص بها ، كما أن رمي الجمرات الثلاث أيام منى هي وظائف تلك الأيام ، وأحكامها تختص بها ، فلا يكون وقت عبادة يوم معين وقتاً لعبادات يوم آخر سواء . والتوقيت توقيفي، فما وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبادة يوم كان وقتاً لها فقط ، فقياس جمرات منى في الوقت على وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر باطل ، كبطلان التيمم حال وجود الماء ، إذ من شرط القياس عدم النص ، فوقت رمي الجمار أيام التشريق منصوص عليه ، وإن أبيت إلا البقاء على مارأيت ، فقس أيام التشريق على يوم النحر ،واقتصر على رمي جمرة العقبة فقط فإن قلت : لا أفعل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرات الثلاث ولم يقتصر على جمرة العقبة .
قيل لك : ولا ترم الجمرات قبل زوال الشمس أيام التشريق ، لكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما رماها بعد الزوال ولم يرم قبله .
وأما حكم هذا الرجل على من قال باجزاء رمي الجمرات جميعها إذا أُخرت فلم ترم إلا في آخر أيام التشريق مع منعهم رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال ( بالتناقض) فهو من جهله إنما المتناقض من يمنع تقديم العبادة على وقتها تارة ويجوزه تارة أخرى ، والتسوية بين تقديم العبادة على وقتها وتأخيرها عن وقتها لا يستقيم ، إذ تقديمها على وقتها مبطل لها ، وتأخيرها عن وقتها غير مبطل لها ، إنما فيه التحريم والتأثيم إذا لم يكن معذوراً ، هذا في التأخير المحقق . أما تأخيرها إلى وقت هو وقت لجنسها فلا يحكم عليه بحكم التأخير الحقيقي ، فإنه وقت في الجملة ، كما في حديث عاصم بن عدي( ) .
وزعم هذا الرجل عدم مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذهب إليه بناءً على أمرين :
(أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة قبل زوال الشمس .
(الثاني) أن الفقهاء جوزوا تأخير رمي الجمرات إلى آخر أيام التشريق .
وقد قدمت لك بطلان دليله وفحش غلطه فيما ذهب إليه ، وأنه أصر على القياس لزمه التناقض والانتكاس . وبما قدمته يعرف أن تجويزه رمي الجمار قبل الزوال مطلقاً في أية ساعة شاء من ليل أو نهار بناءً على الأمرين الذين وضحت بطلانهما . وبسقوط أصليه اللذين بنى عليهما يسقط ما لديه من بنيان ، ويستقر الأمر على أن لا محيد له عما عليه المسلمون من اقتفاء سنة سيد ولد عدنان ، وأن يرجع عما اشتملت عليه رسالته من الغلط والبهتان .
قولهه : وهذا مذهب طاووس وعطاء .
يقال له (أولاً) أنت مطالب بثبوت ذلك عنهما .
ويقال له (ثانياً) من طاووس وما طاووس ، ومن عطاء وما عطاء ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كالشمس في رابعة النهار ، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما حين ناظره من ناظره في متعة الحج ،واحتج مناظره عليه بقول أبي بكر وعمر : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقولون : قال : أبو بكر وعمر ، وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه : عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان ،والله يقول :فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم( ) أتدري ماالفتنة؟ الفتنة الشرك ، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك . أفتترك توقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتوقيت سواه ؟ أفتقيس قياساً السنة تأباه ، وكل من أهل العلم لا يرضاه ؟!
قوله : ونقل في " التحفة " عن الرافعي ـ أحد شيخي مذهب الشافعي ـ الجزم بجوازه ، قال : وحققه الأسنوي ،وزعم أنه المعروف مذهباً ،ورخص الحنفية في الرمي يوم النفر لمتعجل قبل الزوال مطلقاً ، وهي رواية عن الإمام أحمد ساقها في " الفروع" بصيغة الجزم بقوله : ويجوز رمي متعجل قبل الزوال .
يقال : إن صح هذا النقل عن الرافعي وتحقيقه عن الأسنوي فإن سبيله سبيل ما قبله من عدم الصلاحية أن تعارض به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل لا يصح أن يعارض به مذهب أمامهما ، فضلاً عن أن تعارض به السنة ، وهو مردود بقول الشافعي : إذا خالف قولي قول النبي صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي الحائط .
قوله : فقد علم مما تقدم من هذه الأقوال أن للاجتهاد في مثل هذه القضية مجال ، وأن من العلماء من قال بجواز الرمي مطلقاً قبل الزوال ومنهم من جوزه لحاجة الاستعجال .
يقال :( أولاً) غاية ما علم مما لفقه هذا الرجل هاهنا وجود جنس الخلاف في تجويزه مطلقاً ، أو بشرط، وأنه روى عن بعض المانعين منه قول آخر بالجواز .
ويقال :(ثانياً) ليس كل خلاف يعول عليه ، إنما يعول على خلاف له حظ من الاستدلال ، وما أحسن ما قيل :
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر
وهذا الخلاف الذي ذكره هذا الرجل لا حظ له من النظر مطلقاً كما عرف ذلك مما تقدم ولا يعد مثل هذا الخلاف من العلم إنما العلم هو ما يستند إلى كتاب أو سنة أو قول الصحابة ، ولله در القائل:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين النصوص وبين رأي فقيه
والحق عند النزاع أن يرد ذلك إلى الله ورسوله ، كما قال تعالى ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا( ) والحق أيضاً رد ما تشابهت دلالته من النصوص إلى المحكم منها ، ومخالف ذلك موسوم بزيغ القلب ، قال تعالى :هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ، وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله( ) .
قوله : ولا شك أن الضرورة الحاصلة بنحو الزحام ، المفضي بالناس إلى الموت الزؤام ، أشد من حاجة الاستعجال .
يقال : من جوزه للاستعجال كالحنفية ومنعه مع الضرورة الموصوفة بهذه الصفة ولم يوجد منها مخرج شرعي فلا شك في غلطه حيث فرق بين متماثلين ، بل جوزه في حال ومنعه في حال هي أولى بالجواز، وقول الحنفية في هذا الباب غير مسلم ،ودعوى هذا الرجل الضرورة الموصوفة بتلك الصفة مردودة ، والزحام إنما هو في بعض الوقت لا في جميعه ، والشريعة المحمدية السهلة السمحة دلت على مخرج من هذه الضرورة لو ثبتت خير من هذا المخرج الذي زعمه هذا الرجل وتصوره لتمشيه على الأصول الشرعية ،ومخرجه هو إنما بناه على شفا جرف هار ، فإن الأعذار والضرورات لا تجوز تقديم عبادة على وقتها بحال ، فلا يجوز للمريض ولا غيره أن يصلي الظهر ولا أن يحرم بها قبل زوال الشمس ،وهكذا سائر الصلوات وكافة العبادات الموقتة بالأوقات من فرائض ومندوبات ،وجمع العصر إلى الظهر للعذر الشرعي تقديماً والعشاء إلى المغرب كذلك ليس من هذا الباب ، إذ الوقتان في حق المعذور كالوقت الواحد ، فكما لا يسوغ تقديم رمي جمرات التشريق يوم النحر ، فلا يسوغ تقديمها في يومها على وقتها الخاص بها ـ وهو الزوال .
قوله : وقد استأذن العباس النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له ، ولم يأمره بالرجوع في النهار لرمي الجمار ، وقيس عليه كل من كان له عذر من مرض أو تمريض صديق يتعاهده أو من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته ، ويلتحق به على الأولى كل من خاف على نفسه وحرمه من مشقة الزحام ، والسقوط تحت الأقدام ، ومثله خوف الخفرة من تكشفها أو ظهور شيء من عورتها . فهذه الأعذار كلها وما أشبهها تسقط وجوب المباشرة للرمي .
يقال : اشتملت هذه الأسطر من التخليط والكذب والجهل والقول على الله بلا علم ما يعرفه من له أدنى إلمام بالشريعة . ورخصة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته شيء معلوم ، وهو يدل على أن المبيت بمنى واجب ، وعلى الرخصة لأهل السقاية ، وقياس أهل العلم أرباب الأعذار المنصوصة في كلامهم على أهل السقاية شيء معلوم معروف .
واستدلال هذا الرجل بقصة العباس على عدم وجوب الرمي باطل ، فإن أكثر ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره أن يعود إلى منى لرمي الجمار . ومن المعلوم أن العباس أعلم من هذا الرجل وأضرابه بأحكام الحج ، وهو لم يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ترك المبيت فقط ، أفيكون استئذانه في ترك الرمي وهما واجبان متغايران ؟!
لا يقول هذا إلا من هو من أجهل الناس بالأحكام ، ودلالة الكلام ، ومن المعلوم أنه يمكن العباس الرجوع إلى منى لرمي الجمار بدون أي مشقة ، وإذا كان وجوب رمي الجمار عليه متحققاً ـ كتحقق وجوبه على غيره ـ فإنه لا يسقط عنه ذلك الواجب المتحقق الوجوب إلا برخصة متحققة ،ولا رخصة هنا في ترك الجمار متحققة ولا مزعومة إلا عند هذا الرجل ، وهذا الرجل لا يدري أي المشروعين آكد : المبيت بمنى لياليه ؟! أم رمي الجمرات نهاره ؟! فالمبيت بمنى إنما شرع بل وجب من أجل رمي الجمار .
وأذكر هاهنا بعض أدلة وجوب رمي الجمار : فمنها قوله عز وجل :واذكروا الله في أيام معدودات( ) فإن هذا أمر ، والأمر يقتضي الوجوب ، ومنها فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله : " خذوا عني مناسككم" ومنها رخصة النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة في تأخير بعض الجمرات ، فإن الرخصة لهم تفيد وجوب الرمي ، ومنها رخصة النبي صلى الله عليه وسلم للعباس في ترك المبيت بمنى ، فإنه من أدلة وجوب الرمي ـ كما سبق ، فإن المبيت بمنى شرع من أجل رمي الجمار ، ووجوب الوسيلة دليل على وجوب الغاية . وقياسه على المبيت باطل لعدم مساواة المبيت للرمي ، فإن الرمي آكد من المبيت لكونه من الغايات ، والمبيت من الوسائل ، ولظهور أدلته ، فإنه ثبت بالدليل القولي بالكتاب والسنة ، وبفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رخص لرعاة الإبل في ترك البيتوتة بمنى لم يرخص لهم في ترك الرمي ، فبطل الإلحاق .
وبفرض وجود الزحام الشديد المسبب للموت أو دونه من كسر أو مرض فإنه لا يسقط الفرضية ، غاية ما يسقط المباشرة ، وحينئذ تجوز استنابة الخائف على نفسه غيره في رمي الجمرات كما يستنيب المريض والعاجز ، وهذا هو المخرج الشرعي الذي تقدمت الإشارة إليه .
ولا يجوز أن يقال : العلة التي أسقطت وجوب مباشرة الرمي عن المنوب عنه هي بعينها موجودة في حق النائب ، وذلك للتفاوت بالجلد والقوة . وإذا عذر الخائف على نفسه والضعيف والمرأة إما مطلقاً لأجل هذا الزحام المذكور أو لغيره من الأعذار لم يباشر الرمي إلا نصف الحجيج مثلاً أو أقل . كما أن مما يخرج من معرة الزحام توخي الزمن الذي لا يكون فيه ذلك الزحام المذكور أو لا يوجد فيه الزحام أصلاً . وبهذا يعلم أن للحجاج من الضرر عدة مخارج .
ثم سأل هذا الرجل سؤالاً ، ليبدي ما لديه حوله من مقال . فقال : وهل يجب عليه أن يستنيب ؟ أم تسقط عنه سقوطاً مطلقاً ؟ فعند الفقهاء من الحنابلة والشافعية وغيرهم أن يستنيب من يرمي عنه كالمعضوب وإن لم يفعل فعليه دم . لكن يرد عليه قاعدة من قواعد الشرع المشهورة وهي أنه لا واجب مع عجز ، ولا حرام مع ضرورة وأنما ترك للعذر وعدم القدرة على الفعل هو بمنزلة الآتي به في عدم الإثم ، لأن الله سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها ، ولقوله تعالى  فاتقوا الله ما استطعتم( ) وفي الحديث :" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"( ) فلم يناسب التضييق بذلك مع العذر ، ولهذا تجب الصلاة بحسب الإمكان ، وما عجز عنه من شروطها وواجباتها سقط عنه ، على أن شروط الصلاة وواجباتها آكد من شروط الحج وواجباته ، فإن واجبات الصلاة إذا ترك منها شيئاً عمداً بطلت صلاته ، وواجبات الحج إذا ترك منها شيئاً عمداً لم يبطل حجه .
يقال : ذكر هذا الرجل جواز الاستنابة في الرمي بشرطه عن الحنابلة والشافعية وغيرهم من العلماء ولم يذكر لهم مخالفاً يبين عدم وقوفه على خلاف في ذلك ، وإنما نصب نفسه مخالفاً للعلماء زاعماً ورود قاعدة " لا واجب مع عجز " على ما ذكروه ، وهي لا ترد عليهم بحال ، فإنهم أسقطوا عنه واجب المباشرة تمشياً مع هذه القاعدة الشرعية ولا يلزم من سقوط واجب المباشرة أن لا يجب شيء آخر .
فإن من العبادات ما يسقط وجوبه للعجز عنه إلى بدل : كواجب القيام في الصلاة ، وكواجب الغسل من الجنابة ،وواجب الوضوء في الصلاة وغير ذلك . ومنها ما يسقط إلى غير بدل كالطهارة في حق عادم الماء والتراب ، وأمثلة ذلك معروفة ، كما أن من العبادات ما تدخله النيابة ، ومنها مالا تدخله النيابة ،ودخول النيابة في العبادة وعدمه هو على حسب خفة العبادة في نفسها وعدمها ، فإن العبادات المالية والمركبة منها ومن البدنية يسوغ فيها من النيابة ما لا يسوغ في العبادات البدنية المحضة ، فالصلاة لكونها عبادة بدنية محضة لا تدخلها النيابة بحال . أما الصيام فجوزها أحمد في صوم النذر خاصة لخفته لكونه لم يكن واجباً في أصل الشرع ، ومنعها فيما عداه .
وجوزه آخرون ، وقول أ؛مد : أقعد . والزكاة تدخلها النيابة فيجوز لزيد أن يؤدي من ماله زكاة مال عمرو بإذنه ، فيكون كالوكيل له ، كما يجوز لزيد أن يستنيب خالداً في تفرقة زكاته ، والحج عبادة مركبة من مال وبدن فتدخله النيابة في رمي الجمار ، وليس ذلك التضييق في شيء .
قوله : ورمي الجمال ليس من الشروط ولا من الأركان ،وإنما غاية ما يقال فيه : إنه واجب من الواجبات يؤمر به مع القدرة وليس في تركه مع العجز دم ، لأن الدم إنما يكون في ترك المأمور وفعل المحظور بالاختيار ،وهذا لم يترك مأموراً بالاختيار ولا فعل محظوراً ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر العباس أن يستنيب في الرمي ، ولا أن يجبره بدم ، على أن مبيته مستلزم لترك الرمي ، إذ لم ينقل عنه أنه رجع إلى منى بالنهار لقصد رمي الجمار ، ومثله رعاة الإبل ، فإنه لم يأمرهم باستنابة من يبيت مكانهم لأنه ممكن .
يقال : قول هذا الرجل : غاية ما فيه ـ يعني الرمي ـ أنه واجب .
هذه شنشنة أعرفها من أخزم ، وتقدم في كلامه ما يبدو منه عدم اعتقاده وجوب الرمي ، وبينا هنالك بطلانه .
وما صرح به من أن تارك واجب الحج عجزاً لا دم عليه ، معللاً بأن الدم إنما يكون في ترك المأمور وفعل المحظور بالاختيار .
باطل ، وجهل صرف ، وذلك أن قاتل الصيد في الإحرام يجب عليه الجزاء قتله بالاختيار أو بغير الاختيار ، وحالق الرأس تجب عليه الفدية إذا حلقه لعذر كما وقع لكعب بن عجرة ، وفيه نزلت : فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك( ) والمحصر يجب عليه ما استيسر من الهدي وهو لم يترك الواجب اختياراً .
وتقدم الجواب عن استدلاله على عدم وجوب الرمي على السقاة بقصة العباس ، وأن قصته من أدلة وجوب الرمي . وعدم نقل رجوع العباس إلى منى بالنهار لرمي الجمار لا يدل على أنه لم يرجع للرمي ، لأنه ليس مما تتوفر الهمم والدواعي إلى نقله ، للاستغناء عنه بالعلم بأصل الوجوب الذي لا يسقط إلا بدليل صريح والمبيت بمكة لا يفوت الرمي ، والمبيت بمنى يفوت على العباس سقايته ، ومجرد رمي الجمار لا يفوت عليه سقايته ، لطول زمن المبيت وقصر زمن الرمي ، ولا مشقة على العباس في مجيئه في اليومين الأولين من أيام منى ، فالجمع بين المبيت بمكة ورمي الجمار بمنى ممكن بدون مشقة .
ولا يوافق هذا الرجل على أن استنابة رعاة الإبل من يبيت عنهم ممكن ، بل ذلك غير ممكن شرعاً ، كما هو معلوم في موضعه .
قوله :وكما لا تجوز الاستنابة في الوقوف بعرفة ، ولا مزدلفة ،والحلق ، ولا التقصير ، ولا المبيت بمنى ، فهذا منها . يقال : ليس في جواز الاستنابة في هذه المذكورات وعدمها ما يدل على المنع من الاستنابة في رمي الجمرات ، فإنه مستفاد من دليل مستقل ، معضود بالأدلة الدالة على جواز الاستنابة في أصل الحج ، فإن بين واجب رمي الجمرات وغيرها من واجبات الحج فروقاً شرعاً معروفة ، فلا يلزم من منع الاستنابة في بقية واجبات الحج منعها في رمي الجمرات . وبطريق الأولى الأركان ، فإنه لا يلزم من منع الاستنابة فيها منع الاستنابة في الواجبات ، فقياس الواجب على الركن باطل ، إذ من المعلوم الفرق شرعاً بين العاجز عن الركن والعاجز عن الواجب ، كما علم الفرق شرعاً بين تارك ركن الحج عمداً وتارك واجبه ، وقياس واجبات الحج على واجبات الصلاة غلط ظاهر ، لما بينهما من الفرق .
قوله : ومن التناقض العجيب قولهم: إن العذر في المبيت يسقط الدم والإثم ،والعذر في الرمي يسقط الإثم دون الدم . فإن هذا تفريق بين متماثلين لا يقتضيه النص ولا القياس ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن صفية :" أحابستنا هي . قالوا : نعم قال : وهل أفاضت قالوا : نعم قال : فالتنفر إذاً"( ) والوداع معدود من الواجبات ، ولم يوجب في تركه للعذر دماً .
يقال : لا تناقض بحمد الله ، بل هو جار على أصول الشريعة المحمدية البعيدة كل البعد عن التناقض ،والنبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما فرخص للرعاة في ترك المبيت ولم يرخص لهم في ترك الرمي ، فثبت الفرق بين المبيت والرمي برخصة النبي صلى الله عليه وسلم للسقاة والرعاة في ترك المبيت وعدم رخصته لهم في ترك رمي الجمرات ، وعلم من ذلك أن تفريق العلماء بينهما تفريق في محله .
وأيضاً من المعلوم أن شرعية المبيت ووجوبه من باب الوسائل ،وشرعية رمي الجمار ووجوبه من باب الغايات ،ويدخل في الوسائل من الرخصة للحاجة مالا يدخل في الغايات ، ولا يسوى بين الوسائل والغايات إلا من هو أجهل الناس .
وأيضاً ورد من الأدلة الشرعية على شرعية الرمي ووجوبه ما لم يرد مثله من المبيت ، وقد تقدم ذلك .
وسقوط الوداع عن الحائض إلى غير بدل لا حجة فيه على سقوط كل واجب بالعذر إلى غير بدل ، فإن الحيض في الحقيقة يمنع فعل تلك العبادة ووجوبها كما يمنع فعل الصلاة ووجوبها ، بخلاف مسألتنا . مع أن الوداع مختلف فيه ، فذهب بعض أهل العلم إلى أنه سنة ، وأوجبه آخرون واختلفوا في حق من هو . فقيل : في حق الحاج فقط . وقيل : في الخارج من مكة مطلقاً .
قوله : إذا ثبت هذا ، فإن الصحيح الذي ندين به وندعو الناس إليه : هو أن المعذور بمرض أو ضعف حال أو من يخاف على نفسه حطمة الرجال فإنه يسقط عنه الرمي سقوطاً مطلقاً بلا بدل ، كما سقط المبيت عن الرعاة والسكاة ،وكما سقط طواف الوداع عن الحائض وهو معدود من الواجبات . ولا نقول بوجوب الاستنابة في هذه الحالة ، لعدم ما يدل عليها ، ولأن الله سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت( ) .
يقال : يتبين مما قدمناه بطلان ما قرره هذا الرجل ، وأنه من الثبوت بمكان بعيد ، ودللنا على بطلانه بما ليس عليه من مزيد ، ومن سوء نظره لم يقتصر على نفسه في عجره وبجره ، بل دعا إلى ذلك بما ألف وجمع ، ونشر وطبع ،ولكن يأبى الله ورسوله والمؤمنون ، فلا يسقط رمي الجمار عن المعذور ،وإنما يسقط عنه المباشرة فقط ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسقط عن الرعاة ، ولأن الأصل هو الوجوب ، فلا يسقط إلا بدليل شرعي ، ولا دليل ، بل الأمر كما عرفت في رعاة الإبل . وقياسه على المبيت فاسد ، لوجود الفارق كما تقدم . وهذا الرجل يهذي ولا يدري ، بل يجب على المعذور أن يستنيب ، لدليلين شرعيين (أحدهما ) ما ثبت من السنة في جواز النيابة في جميع الحج ، فكما تدخله النيابة في جميعه تدخل في بعضه بشروطه المبينة في كلام أهل العلم (الثاني) ما ورد من النيابة عن الصبيان فيما يعجزون عنه من الرمي والتلبية ، وقد ترجم على ذلك ابن ماجه في سننه فقال (باب الرمي عن الصبيان) :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن أشعث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال :" حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم"( ) وقد مر بك قريباً الجواب عما استدل به من سقوط طواف الوداع عن الحائض من غير بدل ، واكتفيت بذلك عن إعادته ها هنا بما يكفي .
قوله : والأمر الثاني أنه يجوز رمي الجمار في أية ساعة شاء من ليل أو نهار ، وكلام الأئمة في تحديد وقته بما بين الزوال إلى الغروب إنما يحسن الإفتاء به والعمل بموجبه في حالة القدرة والسعة ، لا في حال الضيق والمشقة ، فلا يفتي بالإلزام به في مثل هذا الزمان إلا من يحاول حطمة الناس وعدم رحمتهم . والفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان ، فلو كان التقدير بهذا الزمن القصير شرطاً لسقط للعجز عن أدائه ، أو لجاز تقديمه محافظة على فعله ، لأن الجزم بلزومه مستلزم للحكم بسقوطه ، حيث أنه صار في حق أكثر الناس من تكليف ما لا يستطاع .
إذا شئت أن تعصى وإن كنت قادراً فمر الذي لا يستطاع من الأمر
يقال : لا ريب أن هذا شرع دين لم يأذن به الله ، والعلماء به وأهل خشيته لا يجرؤون هذه الجراءة العظيمة ، فينطقون بهذه الجملة الشاملة العميمة ، إنما النطق بمثلها يكون ممن إليه التشريع صلى الله عليه وسلم كما قال صلى الله عليه وسلم : " يابني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار " .
لقد جهل هذا الرجل نفسه . وتحت هذه الجملة من الجهل والقول على الله ورسوله ما لا يعلمه إلا الله ثم العلماء بشرعه ودينه .
وقضية هذا العموم أن من رمى أية ساعة من ليلة النحر أو غيرها من الليالي أو أية ساعة من يوم عرفة أو ما قبلها أو ما بعدها من يوم النحر وأيام التشريق أو ما بعد أيام التشريق أجزأه ، كالعموم الذي تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم في الطواف بالبيت والصلاة عنده :" أية ساعة شاء من ليل أو نهار"( ) .
فإن قيل : لا يلزم من إطلاقه هذا العموم والشمول .
قيل : بلى ، لأن المقام مقام توقيت وعدمه فيكون إطلاقه نافياً للتوقيت مطلقاً .
إذا علم هذا فإن رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة لا يصح قبل الزوال : بالكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب ، فقوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا( ) .
وأما السنة فرميه صلى الله عليه وسلم بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب ، كما في حديث جابر ، وحديث ابن عمر وحديث ابن عباس ،وحديث عائشة ،وقوله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني مناسككم " وقد تقدمت .
وأما الإجماع فأمر معلوم ، وقد نص عليه في بعض كتب الخلاف والإجماع . ولا يرد عليه ما ذكره هذا الرجل عن طاووس وعطاء وغيرهما فإن هذا لا يعد خلافاً أبداً ، ولا يعتبر خلافاً عند العلماء ، لأنه لاحظ له من النظر بتاتاً ، بل هو مصادم للنصوص .
وأيضاً كلامه هذا مناقض لما قدمه من نهي النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب أن يرموا قبل طلوع الشمس مما يدل على أن الرمي موقت محدد .
وزعمه أنه لا يحسن الإفتاء بتحديد وقت رمي الجمار أيام التشريق بما بين زوال الشمس وغروبها في مثل هذا الزمان . إلى آخره .
يقال : التوقيتات الشرعية للعبادات لا تتغير الفتوى فيها أبداً وقائل ذلك يلزمه في هذه المقالة ما لو طرد لأتى بالأبطال على أكثر العبادات الشرعية المؤقتة بالأوقات بإخراجها عن وقتها بتقديمها عليه المفوت شرط صحتها وغير ذلك ، وتوقيت الرمي زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو وقته اليوم ووقته إلى يوم القيامة . والمريض الشديد المرض وغيره من أرباب الأعذار لا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها بدون نية الجمع بشرطه ، كما لا يجوز له إجماعاً تقديمها أو بعضها على وقتها . فما بين زوال الشمس وغروبها هو وقت الرمي مطلقاً ، لما تقدم . فإذا تحقق العذر في ترك مباشرة الرمي انتقل إلى البدل المدلول على صحته بالسنة كما تقدم ، ودل على وجوبه قوله تعالى :فاتقوا الله ما استطعتم( ) فإن تقوى الله سبحانه ليست مختصة بالمباشرة ـ كما فهمه هذا الرجل مما يقتضي أن الإنسان إذا عذر في ترك المباشرة يبقى غير مأمور بتقوى الله ـ بل هو وإن عذر في المباشرة يبقى عليه من تقوى الله أشياء أخر ، وذلك بأن يصير إلى البدل فيما له بدل ، وبأن يستنيب فيما تدخله النيابة وأن يفدي فيما تجب فيه الفدية . وحينئذ يعرف أنه لا ملازمة بين الرخصة في عدم المباشرة للواجب وبين أن يبقى الإنسان غير مأمور بالتقوى فتقوى الإنسان الصحيح أو المريض القادر على القيام ربه هي أن يصلي الفرض قائماً . وتقوى من لا يقدر على القيام ربه أن يصلي جالساً . وتقوى العاجز عن الصلاة جالساً ربه أن يصلي مضطجعاً .
قوله : والعاقل إذا رأى ما يفعله الناس عندها يعلم على سبيل اليقين أن فعلهم بعيد عن مقاصد الدين ، لأن الله سبحانه وتعالى لم يتعبد عباده بالهلكة وأنه لا بد أن يوجد في الشريعة السمحة ما يخرج الناس عن هذه المآزق الخطرة إلى الرحب والسعة ، لأن من قواعد الشرع أنه إذا ضاق الأمر اتسع ، والمشقة تجلب التيسير وأنه يجوز ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما .
يقال : لا يسلم لهذا الرجل ما زعمه من بعد الزحام عن مقاصد الدين ، بل البعيد عن مقاصد الدين هو ما كان من ذلك مقصوداً بذاته لمن يرمون الجمار ، وما كان زائداً عن الزحام من ضرب أو دفع ونحو ذلك . أما ما هو من الزحام من لوازم وضروريات الاجتماع على هذه العبادة والحرص على أدائها ليخرج من العهدة بيقين مما لا يؤذي به أحداً فإن ذلك ينسب إلى الدين ، ولا حرج ولا عار على من زاحم على واجب العبادة ، وفي الزحام على مندوباتها كتقبيل الحجر الأسود ونحوه الخلاف . وبكل حال ففي الشريعة السمحة مما يتخلص به من الزحام الشديد بترك مباشرة الرمي للعذر الشرعي بالعدول إلى الاستنابة الشرعية ، وهذا من الرحب والسعة التي اشتملت عليها الشريعة .
ولكن هذا الرجل يأبى قبول سعة الشريعة التي هي سعتها على الحقيقة مما لا يكون ناقضاً لأصل العبادة ، ويدعو إلى سعة مزعومة مفتراه مزيفة فيها من تفويت شرط صحة العبادة ما يعرفه أهل العلم بدليل الكتاب والسنة والإجماع ، فلو لم يكن على الرخصة ا لشرعية في جواز الاستنابة في الرمي دليل شرعي معين لكانت أولى بالأخذ بها وسلوك سبيلها في التسهيل ودفع المشقة من رخصة قد استوت مع هذه الرخصة في عدم الدليل مثلاً ، إذ رخصته بالتجويز قبل الوقت مع فقدها الدليل مصادمة للدليل ، ورخصة المسلمين بجواز الاستنابة في الرمي مع استنادها إلى الدليل لم تصادم الدليل . فأين هذه من هذه لو كان هذا الرجل يدر السبيل ، ويعول على الدليل ، ويجانب الفلسفة والتخييل .
ويخشى على هذا الرجل أن تتناوله هذه الآية الكريمة :ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً( ) فيحرم الرجوع والمتاب ، ويصمم على ما أملاه عليه فكره في ذلك الكتاب ، بل يخشى عليه أعظم من ذلك وهو ضلال الجهال في تلك المسائل التي أساء فيها المقال ،كما يخشى عليه ما هو أعظم من ذلكوأطم من فتح باب إلغاء النصوص ، ومساعدة شطار اللصوص ، المعدين لنقض أحكام الشريعة بالخصوص .
وما ذكره : من أن الأمر إذا ضاق اتسع . هو حق ،ولكنه به ما انتفع ، لحصر سعته بما صور وابتدع ، والغى رخص من تقيد بالرخص الشرعية واتبع .
قوله : يبقى أن يقال : إن الناس لا يزالون يحجون على الدوام وفيهم العلماء الأعلام ، وجهابذة الإسلام ،ولم يعهد عن أحد منهم أنه جوز الرمي قبل الزوال ولا فعله بنفسه . وأجاب عن هذا السؤال الذي أورده قائلاً : إن هذه المقالة شنشنة أهل الجمود المتعصبين على مذهب الآباء والجدود ، فهم دائماً يدفعون الدليل بمثل هذا التعليل ، وقالوا :إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون( ) .
يقال : من عناية الله تبارك وتعالى لدينه وشرعه أن يجري على لسان من خالف الحق ما هو من أقوى الحجج عليه . فهذا الرجل اعترف ها هنا بأن العلماء الأعلام وجهابذة الإسلام على الدوام يحجون ولم يعهد عن أحد منهم أنه جوز الرمي قبل الزوال ، ولا فعله بنفسه . فلقد صدق ،وبالحق ها هنا نطق . وهذا مما يأتي على جميع ما مر من مفترياته بالهد والنقض ، وإمامهم في عدم تجويز الرمي قبل الزوال هو سيد الأنام ، صلى الله عليه وسلم ، فلعمري ما فعله ولا جوزه ، وهم كذلك ما فعلوه ولا جوزوا ، فليقم هذا الرجل البرهان على التجويز ،وليرم هؤلاء الأئمة الأعلام بما لديه من السهام ،وإذا فعل حصل الوئام ، وانتفى عنه الملام ، ولكن كلا وهيهات أن تشتمل كنانته من السهام ، ما يصلح لهد حصن الأئمة الأعلام ، وجهابذة الإسلام ، الذين يحجون على الدوام ،ولم يجوزوا لأحد حج معهم من الأنام ، أن يرمي قبل الزوال ، ولم يخالفوا شرع إمام كل إمام ، فضلاً عن أن تصلح لأن يقذف بها هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته الثابتة من فعله التشريعي الخارج مخرج الامتثال والتفسير المقتضى للوجوب ، ومن قوله صلى الله عليه وسلم :" خذوا عني مناسككم " .
وقد تصور هذا الرجل أن طاووساً وعطاءً والرافعي والأسنوي يصلون أن يتعارض أقوالهم نصوص الكتاب والسنة والإجماع وغيرهم .
بقي لدى هذا الرجل سهم واحد رمى به أئمة الإسلام والعلماء الأعلام الذين يحجون على الدوام ،ولم يقدموا الرمي قبل الزوال ولم يجيء عنهم تجويزه بحال , وظن أنه لا يبقى لهم باقية ، وأن رميته إياهم به تكون هي القاضية ،وبعد أن وسمهم بالجمود والتعصب على مذهب الآباء والجدود ، وذلك ا لسهم هو قوله تعالى:إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ولعمري لئن كانوا هكذا ،وإمامهم في مسلكهم ذلك خير الورى ، فعلى الدنيا العفى ، لانتشار الجهل والجفى واقفار أرضها من القول بالحق والوفى .
وقد أحس هذا الرجل ها هنا بأنه وقع في أسوأ ورطة فقال : وبالتأمل لما قلناه يعلم أن كلاً منا ليس بأول مطر صاب أرض الفلاة ، ولا هو بأول أذان أُقيمت له الصلاة .
فوجد وحشة الوحدة ، وظلمة فقد الحجة ، فسلى نفسه بذكر من تصور أن قولهم بمثل مقاله ينفي الوحدة . ولعمري ما له في هذا الطريق من رفيق . وهؤلاء الدين اعتمدهم في مسلكه ، لم يشاركوه في سوء صنيعه ومهلكه ، فهم إن صح النقل عنهم إنما هو القول بالجواز ، لا الرد على العلماء ، ولا السعي في أن يجمعوا على خلاف السنة ، والخروج عن طريق أهل الجنة جميع الورى ، ولم يرموا واحداً من الأمة بالجمود ، والتقيد بدين الأباء والجدود ، فضلاً أن يرموا بذلك كافة العلماء . وحينئذ تكون مقالته أول مطر سوء أصاب أرض الفلاة ، وأول بوق آذنٍ برفض السنة أصغى إليه الجفاة . فو الله ما دعا قبله إلى هذه المقالة من إنسان ، ولا جلب بخيله ورجله في زلزلة مناسك الحج ذو إيمان .
قوله : وقد سبق تسمية من قال بجوازه مطلقاً ، وأنه مذهب الطاووس وعطاء ،وجزم به الرافعي ، وحققه الأسنوي ، وهو مذهب الحنفية ،ورواية عن الإمام أحمد في المتعجل .
يقال : إن أراد أن هؤلاء تصلح أقوالهم لمصادمة السنة كفانا مؤونة الرد عليه . وإن أراد المسألة خلافية فالذي عليه أهل العلم قاطبة أن مثل هذا الخلاف لا يعد خلافاً ،ومستندهم من الاصول الشرعية في ذلك مقرر في كتب الأصول وغيرها .
قوله : فقول هؤلاء العلماء في توسعة وقته هو مما تقتضيه الضرورة وتوجيه المصلحة في مثل هذه الأزمنة ، على أنه لا يصادم نص الشارع بل يوافقه . ولو لم يرد أنه رمى يوم العيد قبل الزوال ، ولا قال لمن سأله عن التقديم والتأخير :" إفعل ولا حرج" لكان سكوته عن بيانه هو من العفو الدال على جواز فعله ، فإن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عفوه ، واحمدوه على عافيته ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة( ) ولا تقتلوا أنفسكم إن الله ك ان بكم رحيماً( ) .
يقال :(أولاً) الأوقات التي وقتها الله ورسوله للعبادات ليس لأحد من العلماء تغييرها بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقصان ، فإن التوقيت من الدين ، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله .
(ثانياً) لا تسلم الضرورة التي زعمها هذا الرجل ، وقد قدمنا في ذلك ما يكفي .
(ثالثاً) إن سلم وجود الضرورة فالمخرج منها بالرخصة الشرعية وهي الاستنابة ، وقد قدمنا دليل جوازها ، وأنها هي الحقيقة بأن تسمى رخصة ، وأن ما رآه هذا الرجل هو من شرع دين لم يأذن به الله .
(رابعاً) أن القول بجواز تقديم رمي أيام التشريق على وقته مصادم للنص ، والنص هو كما تقدم رمي النبي صلى الله عليه وسلم بعد الزوال في ثلاثة الأيام جميعها تشريعاً منه للأمة : من حيث المكان ، ومن حيث العدد ، ومن حيث الزمان . ففعله ذلك صلى الله عليه وسلم على وجه الامتثال والتفسير يكون للوجوب من حيث المكان والزمان والعدد لا فرق بينهن في ذلك .
(خامساً) يقال : لو أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى في يوم من أيام التشريق الثلاثة قبل الزوال ورمى في اليومين الآخرين بعد الزوال لساغ الاستدلال به على جوازه في اليومين الآخرين ، ولا أظن أحداً من الأمة سبقه إلى هذا الاستدلال ، فهو استدلال ساقط ، ولا نكون ممتثلين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " خذوا عني مناسككم " إلا بأن نغاير بين يوم النحر وأيام التشريق في وقت الرمي وهذه العبادة ـ أعني رمي جمرة العقبة يوم النحر ـ وإن كانت بصورتها مثل رمي أيام التشريق فقد فارقت غيرها في عدة أحكام : منها أنها إذا فعلت مع التقصير أو فعلت مع طواف الإفاضة حصل التحلل الأول ، وإذا فعلت مع الإثنين الآخرين حصل الحل كله ، ولم يثبت شيء من ذلك للجمرات أيام التشريق ، فامتنع قياس رمي أيام التشريق عليها .
هذا لو لم يخصصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الوقت ، فكيف وقد خصصها به .
فعسى هذا الرجل أن ينتبه من غفلته ، ويستيقط من رقدته ، ويتوب إلى الله من التهجم على أحكام شرعه ودينه بما ليس من العلم في شيء . والحمد لله على وضوح النهار وجلاء الغبار .
(سادساً) لا دليل في قوله صلى الله عليه وسلم يوم النحر لمن سأله عن تقديم الحلق على الرمي ونحو ذلك بقوله :" إ فعل ولا حرج" على جواز رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال أصلاً وذلك أن التقديم والتأخير الذي نفى النبي صلى الله عليه وسلم الحرج عن فاعله مختص بأعمال يوم النحر التي هي : الرمي والنحر ، والحلق أو التقصير ، وطواف الإفاضة ، كما هو معلوم لكل أحد يفهم عن الله ورسوله من قوله في الحديث "يومئذٍ" ولو لم ترد هذه الكلمة لما كان في قول النبي صلى الله عليه وسلم " إفعل ولا حرج" دليل على أن جنس التقديم والتأخير في أيام منى وغيرها بالنسبة إلى الحج غير جائز ، بل يكون ذلك مختصاً بتلك المسألة التي سئل عنها ، وذلك أن كلمة : " إفعل ولا حرج " لا عموم فيها والعموم إنما هو في قول الراوي :" فما سئل يومئذٍ عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج " ولهذا احتاج إلى التقييد المفيد اختصاصه بأعمال ذلك اليوم بقوله :" يومئذ" التي منعت أن يلحق بهذا اليوم سواه . فتبين ها هنا بطلان قياسه على رمي جمرة العقبة يوم النحر وإفلاسه من دلالة حديث " فما سئل يومئذ عن شيء" إلى آخره على مراده ، فبقى سفر اليدين من المستند ، ورجع بخفي حنين فيما قصد .
وكان من أدلة هذا الرجل على جواز رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال عدم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، كما يفهمه قوله ها هنا : فما سكت عنه فهو عفو . بل صرح به فيما سلف من رسالته .
فيقال : إن صح لك هذا صح لك أن تجوز الرمي بأكثر من سبع حصيات لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك .
فإن قلت : لا أفعل ، لاقتصار النبي صلى الله عليه وسلم سبع مع قوله :" خذوا عني مناسككم " قيل لك : لم لا تقتصر على الوقت الذي رمى فيه محتجاً بقوله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني مناسككم" فإننا لا نكون آخذين عنه مناسكنا حقاً إلا إذا رمينا بسبع حصات كما رمى ، ورمينا المكان الذي رمى ، وصدر منها ذلك في الزمان الذي رمى فيه ، فإن اعتبار الزمان للعبادة هو أحد التوقيتين ، فإن لهذه العبادة توقيتين : مكاني ، وزماني . وهما أخوان ، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله .
وأيضاً لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن رمي غير الجمرات الثلاث . أفيسوغ لنا أن نستدل بعدم النهي على أن نرمي موضعاً رابعاً . سبحانك هذا بهتان عظيم . وقد قدمت أن الرخص الشرعية لون ، وتقديم العبادات على وقتها لون آخر .
وسيجد قارئ هذا الجواب تكراراً في مواضع حدانا عليه تكرار هذا الرجل فكررنا كما كرر ، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

عبدالرحمن الفقيه.
24-01-04, 05:07 AM
(1346 ـ ترتيب رمي الجمار)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم محمد بن علي القحطاني سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
كتابك لنا المؤرخ في 26/12/1387هـ وصل وقد ذكرت فيه أنك حججت وأديت مناسك الحج ، إلا أنك في يوم 11/12/1387هـ
رميت الجمار بعد الزوال الكبرى ، ثم الوسطى ، ثم الصغرى ، وبت ليلة 13 ـ 12 ـ ونزلت إلى مكة ولم ترم جمار ذلك اليوم فما الذي يلزمك ؟
والجواب : إذا كان الأمر كما ذكرته فالرمي الذي وقع منك في يوم 11 ـ 12 رمي منكس ولا يصح ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رمى رمياً مرتباً وقال : " خذوا عني مناسككم" والأمر يقضي الوجوب . وأما الرمي في يوم 13 فواجب وقد تركته . وبناء على ذلك فيجب عليك عن الجميع فدية واحدة ، تذبحها في الحرم ،وتوزعها على مساكينه ، فإذا لم تستطع فإنك تصوم عشرة أيام . يكون معلوماً . والسلام عليكم . ( ) .
مفتي الديار السعودية ( ص ـ ف 439 ـ 1 في 8/2/1388هـ)
(1347 ـ وجوب الفدية على من ترك المبيت بمنى)
من محمد بن إ براهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس الحرس الوطني الأمير خالد بن سعود حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ثم حفظك الله من خصوص اللواء الثاني الذين سأل سموكم عنهم . فهؤلاء يجب على كل فرد منهم فدي ذبيحة ، وليس حكم هذا الفدي حكم ذبائح النسك في الذبح بمنى ، بل يذبح هذا الفدي بمكة ، ويفرق على الفقراء ، سواء من أهل مكة أو من فقراء الحجاج الذين قد ثبت فقرهم من رفقتهم وغيرهم من جميع الحجاج ، ولا يأكل الرجل الذي لحقه هذا الفدي منه شيئاً ، فإن لم يجد الفدي فيصوم عشرة أيام . والسلام عليكم .
(ص ـ م بتاريخ 11/12/1376هـ)
(1348 ـ قوله : ولا مبيت على سقاة ورعاة)
ثم بقية المعذورين هل يلحقون بالسقاة والرعاة ؟
المرجع هو أن غيرهم مثلهم : مثل من كان له في مكة مال يخشى عليه ، أو حرم يخشى عليهم ، أو غير ذلك ، فإن له ترك المبيت . (تقرير)
(1349 ـ الوداع)
عند قوم أنه من خصائص مكة وليس من واجبات الحج ،وعند آخرين أنه من واجبات الحج . وممكن الجمع وهو : أنه من واجبات الحج ، ومن واجبات من أراد الخروج من مكة . وذهب بعض إلى أنه سنة ليس بواجب ،وهو مذهب مالك ، والجمهور على وجوبه . (تقرير)
(1350 ـ إذا سافر من منى )
يفهم من قوله : بعد عوده إليها ـ إلى مكة من منى ـ أنه لو طاف طواف الإفاضة وسعى ثم رجع إلى منى أن عليه وداعاً . فهل هذا المفهوم مراد ؟ أو لا ؟ الأحوط كون الإنسان يرجع إلى مكة من منى ، ولا يقول كفاني طواف الزيارة عن الوداع ، إلا على قول صاحب الإقناع ونسبه للشيخ تقي الدين .
(تقرير) ( ) .
(1351 اذا طاف للوداع قبل اكمال الرمي )
وأما من مسكنه في جدة وطاف طواف الإفاضة قبل أن يخلص الرجم ونوى في طوافه أن الطواف طواف إفاضة ووداع .
فهذا لا يجزيه عن الوداع ، لأنه لم يكمل أعمال الحج بعد .
ولو كان طوافه للإفاضة المذكور بعد فراغه من الرمي ونواه للإفاضة ،واكتفى به عن الوداع ، ولم يقم بعده بل سافر في الحال . كفاه عن الوداع .
(ص م في 12/12/76هـ ـ تقدم أول هذه الفتوى قريباً )
(1352 ـ هل كان من أراد جدة أن يوادع ؟ أو ما فيه منع ؟
الجواب : الحمد لله جميع من يسافر إلى جدة أو غيرها فعليه الوداع فإنه أحد واجبات الحج . وأما غير الحجاج فالمتكرر دخوله وخروجه إلى جدة كثيراً كالذي يدخل كل يوم أو في اليوم مرتين أو كل يومين مرة أو ما يقرب من ذلك فلم أقف على تصريح لعلمائنا بسقوط الوداع عنهم ، ولعله أن يسهل في هذا من أجل مشقة التكرار ومن أجل أن السيارات قربت المسافة( ) .
(ص م 10 ـ 12 ـ 1376هـ)
(1353 ـ هل يستنيب في طواف الوداع )
سئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف : إذا لم يطف للوداع . إلخ .
فأجاب : إذا كان حجه فريضة فالظاهر أنه يستنيب في طواف الوداع ، بل إذا عجز طيف به راكباً أو محمولاً ، فإن لم يفعل فعليه دم . (الدرر جـ 4 ـ 405 )
(1354 ـ شراء أهبة السفر والحاجيات)
شراؤه بعد ما يودع ما هو من أهبة سفره ليس مثل التجارة ، والحوائج الأخر التي ليست تجارة مثل ما يتحف به أقاربه وهي المسماة " الصوغة" فان هذا لا يخل ،ولا يعد تجارة ،هذا لا يسمى اتجاراً ، غير أن المستحب أن يبدأ بذلك (تقرير)
(1355 ـ عذر في سقوط الوداع )
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم سعد بن نافع المطيري سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فد جرى اطلاعنا على استفتائك الموجه إلينا بخصوص ذكرك أنك جندي من الجنود ممن حج هذا العام ، وأنك أجبرت على الخروج من مكة بدون وداع . وتسأل : هل يترتب عليك شيء .
والجواب : إذا كان الأمر كما ذكرت ، وأنه لا طاقة لك في مخالفة الأوامر الصادرة عليك بمغادرتك مكة قبل الوداع ، فنرجو أن تكون معذوراً بذلك ، فيسقط عنك وجوب طواف الوداع . والسلام .
مفتي البلاد السعودية (ص ـ ف 1741 ـ 1 في 26/6/1386هـ)
(1356 ـ إذا خرج إلى الطائف بدون وداع )
" المسألة الثالثة" رجل حج وقضى عمرته ، ثم طلع إلى الطائف بلا وداع للبيت ، فمكث في الطائف عشرة أيام ثم رجع إلى مكة بدون إحرام .
الجواب : المنصوص أن من خرج من مكة مسافة قصر فأكثر سواء سافر إلى وطنه أو إلى غير وطنه وترك طواف الوداع فعليه دم ، ولو رجع إلى مكة لأجل الوداع لم يسقط الدم عنه ، وسواء تركه خطئاً أو نسياناً أو تعمداً ، ولا فرق ، لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره . والله أعلم .
(ص ـ ف 3300 ـ 1 في 24/11/1385هـ)
(1357 ـ قوله : و إن أخر طواف الزيارة .. إلخ .
ويظهر أنه لو نواهما جميعاً لم يكف ، بل لابد من تمحيضها للافاضة ، ويصدق عليه أنه آخر عهده بكل حال . ( تقرير )
(1358 ـ سقوطه عن الحائض إذا كان عليها مشقة)
لا يفتي بسقوطه عن الحائض إلا إذا كان ثم مشقة .
ومن له أن يفتى يجد في معرفة الظروف ، ولا يفتى إلا بعد ما يتحقق الظروف تماماً .
مع أنه تقدم أن أهل نجد الإقامة عليهم متيسرة أسبوعاً ونحوه بلا مشقة ، فإقامتها الآن مع قيمها لا عسر فيه ولا صعوبة ، فليست بلد غربة ، ولاخوف ، ولا كذا ، إنما فرض المسألة بالنسبة إلى الماضي .
وأما البلاد الأخرى فقد يكون ذلك ،وقد لا يكون . (تقرير) ( ) .
(1359 ـ الوقوف بالملتزم )
الأصحاب ذكروا استحبابه هنا ، ولعل مرادهم أن أولى ما يكون عند المفارقة عند وداع البيت يفعل هذا ، وإلا لو فعله قبل في حين من الأحيان كان له محل .
وجاء في فضل هذا الالتزام واستحباب الدعاء فيه أحاديث ، حتى إنه مروي بذلك مسلسل من المسلسلات إلى عطاء ، فيقول الراوي عن ابن عباس : إ ني دعوت ربي دعوة فأعطانيها . إلى الآن .
وأنا( ) دعوت الله عند الملتزم دعوة هامة شاقة( ) فاستجيب لي هذه السنة فأعطيتها . وليست أهميتها طلب دنيا . المقصود مما يتعلق به وأن فيه مسلسلاً (تقرير) ( ) .
قوله : ويدعو إلخ .
من آداب الدعاء حمد الله والثناء عليه ، ثم الصلاة على النبي ، ثم سؤال العبد ربه . وإن أخرها وختمها فكذلك (تقرير)
(1360 ـ الطواف أفضل من إتيان الحطيم)
(زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم)
الحطيم من البيت ، ومن يكون فيه فكأنه دخل البيت ، لكن لا يدنو من عبادة الطواف ، والعوام والجهال يزاحمون عليه ، وعند العوام أنه أكبر شيء (تقرير)
(زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم)
(1361 ثم قول الأصحاب : وتستحب زيارة قبر النبي . إلخ . يحمل على أن المراد به المسجد ، إحساناً للظن بالعلماء ، وإلا فالذي تشد الرحال إليه هو المسجد .
وشاد الرحال : إما أن يريد المسجد فقط ، أو القبر فقط ، أو هما فإرادة القبر ليست مشروعة ، فالقبور من حيث هي لا تشد لها الرحال .
أما بدون شد رحل فيجوز ،ومرغب فيه .
وأما قصد المسجد فهو مشروع ، لقوله :" صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام "( ) .
وأما الذي يقصدهما فيجوز ، ويدخل القبر تبعاً . وليس هذا استهانة ، بل إن الله سبحانه جعل الصلاة عليه من البعيد تبلغ من أمته( ) بل أبلغ من ذلك أن أعمال أمته تعرض عليه فيسر بالحسن ويستاء بالسيء ، ومن جملة ذلك الصلاة عليه بعد وفاته ( ) .
فلا يكون شيء من الغ ضاضة أنه لا يقصد القبر ، ولا يفيد عدم اهتمام أو اعراضاً عمن في القبر ، إنما تروج هذه على الخرافيين الغلاة الذين لم يعرفوا ما بين الرسول .
أما أهل التوحيد المحض فإن اعتقاداتهم وأعمالهم وأقوالهم يميزون بين ما هو حق وما هو زور وكذب وليس من سنته ، أفلا يكون هذا الصنيع كله تبع لما جاء به رسوله . (تقرير)
(1362 ـ اذا صلى في المسجد ، وأراد السلام على الرسول ، وصاحبيه)
الواصل إلى المسجد إذا صلى وأراد السلام عليه صلى الله عليه وسلم وقف عند الحجرة وسلم عليه كما يسلم عليه صلى الله عليه وسلم في الحياة ـ يعني يكون أمام وجهه مستقبلاً للنبي حال السلام عليه فقط ، يصير وجهه شمال المسجد النبوي .
وكذلك " قبري صاحبيه" فإنهما اختارا الدفن عنده في الحجرة ، وجاءت بذلك آثار وأخبار دالة على ذلك، فلذلك دفنا إلى جنبه ـ صلى الله عليه وسلم . (تقرير)
(1363 ـ الجائز لأهل المدينة)
ثم إذا عرفنا هذا نعرف أهل المدينة ما حالهم مع القبر ، حالهم كما فعل من هو من أشهر الصحابة ابن عمر ، لا يرى أنه كلما دخل المسجد ، بل لا يفعل ذلك إلا عند مبارحة المدينة أو القدوم من السفر ، ومن المعلوم أن الصلاة عليه في الصلاة في المسجد يكفي ، كما يكفي من البعيد . ثم فعل ذلك عند دخول المدينة أو مع ادرتها شيء آخر . (تقرير)
(1364 ـ " من حج ولم يزرني فقد جفاني "( )
هذا الحديث ضعيف ، ولا يصح الاحتجاج به ، ولو يصح فإنه يحمل على حالة ليس فيها شد رحل ، لصراحة وصحة أحاديث " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"( ) .
ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يأبى هذا لأمته ما جاء عنه واشتهر :" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء"( ) " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام( ) " لا تجعلوا قبري عيداً"( ) وأحاديث كثيرة ظاهرة أن الذي يحبه لا يأتي إلى قبره لأجل هذا الغرض ، بل هذا حاصل للأمة ولم يحوجوا إلى شد الرحال ليقفوا عند قبره ، فليست عبثاً ، بل مراد معناها ، وأنه يكتفي بذلك .
(تقرير)
(1365 ـ الزيارة بعد ما يفرغ من الحج ، لا قبله )
الزيارة بعدما يفرغ من الحج . ولا يبدأ بها على الحج كما يفعله كثير ، وهذا في الحقيقة من صنيع الخرافيين ومن يلحق بهم ويشابههم ، حتى إن بعض من يحج يرجع من المدينة ويقول : يكفيني عن حج البيت . وهذا غلو في الحجرة لا يأتون للمسجد . (تقرير)
(استشكال وجوابه)
إن قيل : إذا كانت الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في المسجد النبوي بالاضعاف المذكورة ، فكيف يقصد إلى المدينة ويزور المسجد النبوي .
فيقال : هذا كسائر الأعمال الصالحة التي في بعضها من الفضيلة الشيء الكثير ولا يقال يكتفي بهذا ، بل هذا نوع وهذا نوع ، وكمال الاتباع أن يتبع صلى الله عليه وسلم ويرغب فيما رغب فيه على وجوهه المتنوعة ، ولهذا في الحديث :" لا تشدُ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"( ) فهذه مساجد الأنبياء ،وفضائلها مستقرة إلى يوم القيامة . أما ما عداها من المساجد ففيها فضلها ، ولكن قد يعرض عارض فتنتقل تلك الفضيلة . (تقرير)
(1376 ـ س : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"( ) .
جـ ـ ليس فيه دليل على أنه يدفن فيه .
ومن معناه أن هذه هي الروضة النبوية ، وأن بها بدأ العلم ، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم الشرع : بيان الكتاب والسنة ، وأخذ الصحابة عنه ذلك . ثم كونه لا يزال كذلك موجودة ، فإن العلم ولا سيما علم الشرع والعمل به روضة من رياض الجنة في الدنيا بالمعنى ، ثم يحصل بحفظه حصول روضة من رياض الجنة حسية .
وقد بين الوالد الجد الشيخ عبد اللطيف هذا المعنى في رده على ابن منصور ، أو في أحد ردوده ، وأظن معناه مأخوذ من كلام شيخ الإسلام . قريب منه في المعنى ما جاء " ومنبري على حوضي"( ) (تقرير)
(1368 ـ س : زيارة النساء لقبر الرسول ، والسلام عليه في القر ؟
جـ : الأصل في الأحاديث عموم النهي ، فعلى القائل الدليل ، ولا دليل . هذا بالنسة إلى الزيارة( ) .
أما السلام فلا يقدر عليه ، لا يتوصل الرجال ولا النساء للسلام عليه في القبر ، لأنه لا يوصل إليه . وقيل بالمنع مطلقاً . (تقرير)
(1369 ـ س : يمنعن من الصلاة في مسجده ؟
جـ : لا أعلم جنسه( ) لكن من غير استقصاء ، والنساء عورات بكل حالا . والبحث يقدر إذا صرن كذا وكذا( ) فالمنع ظاهر .
عمر رضي الله عنه منع أمهات المؤمنين من الحج ، وفي الحديث : " هذه ثم ظهور الحُصر"( ) وأمهات المؤمنين امتنعن إلا عائشة فإذا صار هذا شأن الحج فما الظن بزيارة المسجد . (تقرير)
(1370 ـ هل للدعاء عند قبره أصل شرعي )
قوله : ثم يستقبل القبلة ، ويجعل الحجرة عن يساره ،ويدعو بما أحب .
يعني يتنحى عن الحجرة إلى جهة المغرب ،ويجعلها عن يساره على ما ذكر الأصحاب ، يصير متنحياً عن القبر .
وبكل حال إذا كان على هذا حجة شرعية فاستحبابه كما ذكر ،وإلا فلا ، إلا أني لا أذكر إنكار كلامهم عن أحد( ) (تقرير)
(1371 ـ س : الزيارة الرجبية ـ زيارة قبر النبي في رجب )
جـ : ما لها أصل . نعم جاء في الحديث أن إحدى عمر النبي في رجب ، ولكن هذا غير ثابت ، وهذا وهم ، الرسول ما اعتمر في رجب قط كما قالت عائشة . نعم رجب ما فيه إلا أنه أحد الأشهر الحرم ، والمشهور أنه نسخ تحريم القتال فيها . (تقرير)
(1372 ـ فتوى في الموضوع )
وصل إلى دار الإفتاء من الأخ سعد بن عبد الرحمن عتيبي سؤال عن تخصيص بعض أيام شهر رجب " بالزيارة" هل له أصل ؟ وهل هناك نص شرعي بفضل رجب بغير أنه من الأشهر الحرم؟ وهل " المعراج " مؤكد أنه في سبع وعشرين من رجب ؟
فأجاب سماحة المفتي بالجواب التالي :
أما تخصيص بعض أيام رجب بأي شيء من الأعمال الزيارة وغيرها فلا أصل له ، لما قرره الإمام أبو شامة في (كتاب البدع والحوادث) وهو أن تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع لا ينبغي ، إذ لا فضل لأي وقت على وقت آخر إلا ما فضله الشرع بنوع من العبادة ، أو فضل جميع أعمال البر فيه دون غيره ، ولهذا أنكر العلماء تخصيص شهر رجب بكثرة الاعتمار فيه .
وأما تفضيل رجب بشيء زائد على أنه من الأشهر الحرم فلم يصح فيه شيء ، كما بينه أئمة العلم .
قال الحافظ أبو عمر بن بدر الموصلي الحنفي في (الم غني عن الحفظ والكتاب ، فيما لم يصح فيه شيء من الأحاديث) : قال عبد الله الأنصاري : ما صح في فضل رجب وفي صيامه ـ أي بالخصوص ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء . وقال الحافظ ابن رجب في " لطائف المعارف" روي عن أبي اسماعيل الهروي أنه قال : لم يصح في فضل رجب غير هذا الحديث ، يريد حديث : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال :" اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان" وتعقب ابن رجب استثناء الهروي هذا الحديث بأن في إسناده ضعفاً . قلت : وذلك لما في " كتاب البدع والحوادث " لأبي شامة ، وهو أن في إسناده زائدة بن أبي الرقاد ، قال البخاري : منكر الحديث . وزيادة بن ميمون ، قال البخاري : تركوه . وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (تبيين صيامه ولا في صيام شيء منه معين ، ولا في قيام ليلة مخصوصة منه حديث يصلح للحجة . وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو اسماعيل الهروي الحافظ رويناه عنه بإسناد صحيح ، وكذلك رويناه عن غيره . ثم أورد الحافظ ما جاء في فضل رجب من الأحاديث الموضوعة والضعيفة ، وأوفى الكلام على الجميع .
وأما كون " المعراج " ليلة سبع وعشرين من شهر رجب فغير مؤكد ، بل هو باطل كما بينه العلماء ، قال الإمام أبو شامة في (كتاب البدع والحوادث) : ذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب , وذلك عن أهل التعديل والتجريح عين الكذب ، قال الإمام أبو إسحاق الحربي : أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول .
وقال الحافظ ابن رجب في " لطائف المعارف" قد روى أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ، ولم يصح شيء من ذلك ، فروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ولدفي أول ليلة منه ، وأنه بعث في السابع والعشرين منه ، ولا يصح شيء من ذلك . وروى بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد : أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان في سابع وعشرين من رجب ،وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره . وقال الحافظ بن كثير في تاريخه " البداية والنهاية" أورد ـ أي الحافظ عبد الغني المقدسي ـ حديثاً لا يصح سنده ذكرناه في فضائل شهر رجب : أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب : قال : ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب ، وهي " ليلة الرغائب " التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة ،ولا أصل لذلك . وقال الحافظ ابن حجر في (تبيين العجب) : ذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب ، قا ل : وذلك كذب ، قال الحربي : كان الإسراء ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول ا هـ .
ونقل العلامة ابن القيم في " زاد المعاد " عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال في " ليلة الإسراء " لم يقم دليل معلوم لا على شهرها ، ولا على عشرها ، و لا على عينها ، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ، ليس في ذلك ما يقطع به ، ولا شرع للمسلمين تخصيص تلك الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره . ا هـ والله أعلم .
والخلاصة : أن الإسراء لم يكن في السابع والعشرين من رجب ، ولم يقم دليل على تعيين ليلته ، كما لم يشرع تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بشيء من أعمال البر . والله الموفق ( ) .
(من الفتاوى المذاعة في 29/1/85هـ)
(1373 ـ واجب الأدلاء)
من محمد بن إ براهيم إلى حضرة المكرم رئيس ديوان جلالة الملك سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد جرى الاطلاع على المعاملة الواردة منكم برقم وتاريخ المختصة بما لاحظه مدير الحج بالمدينة بخطابه رقم وتاريخ من أن بعض صبيان الأدلاء في المدينة يلحنون في تلقين الزوار أدعية الزيارة لحناً يخل بالمعنى ،واقتراحه منعهم من ذلك ، إلا من تثبت كفاءته فيوضع له رخصة ، ويراقب عليه ، و تأييد مجلس الشورى لمقترحات مديرية الحج المذكورة . وبتأمل ما ذكر قررنا فيه ما يأتي :
(أولاً) : أن كثيراً من تلك الزيارات والأدعية التي يفعلونها الآن على تلك الصفة المعروفة لم ترد بها السنة ، ولم يفعلها السلف الصالح رضوان الله عليهم . والاقتصار على الأدعية المأثورة هو الذي ينبغي ، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها .
وعليه فتبلغ مديرية الحج بهذا لاعتماده ، والتنبيه على موظفيها بموجبه ، لأن كثيراً من الزوا ر الغرباء لا يفهمون حقيقة معنى الزيارة الشرعية ، فلا يتعدى بهم المشروع الوارد في هذا الباب .
(ثانياً) نرى الموافقة على ما كتبه مدير الحج بالمدينة من منع من لا يحسن تلك المهنة حتى تثبت كفاءته وأهليته وإعطائه رخصة بذلك . على آخر ما ذكره .
(ثالثاً) لا تعطى هذه الرخصة لشخص إلا بعد اختباره واجتماع الشروط المطلوبة فيه من معرفته لما يقوله وما يفعله شرعاً ، وسلامة العقيدة ، واستقامة الأخلاق ، وقلة الطمع ، وغير ذلك .
(رابعاً) أن يزودوا بالتعليمات الشرعية ، و الأدعية المأثورة الواردة في هذا الباب ، ويوصوا بالرفق بهؤلاء الغرباء ، وتسهيل أمرهم في كل ما يلزم . وتكون هذه التعليمات علىنظر رئيس المحكمة والدوائر الشرعية بالمدينة .
(خامساً) يوضع مراقبة عليهم أثناء قيامهم بعمل الزيارة ، ويكون المراقبون تحت توجيه وإشراف رئيس الدوائر الشرعية بالمدينة ويمنعون كل من يصدر منه قول أو فعل يخالف المشروع كرفع الصوت وكالدعاء بالأدعية المحرمة والمبتدعة والشركية ونحوها .
والسلام عليكم ( ص ـ ف 1066 في 19/9/1377هـ)
(1374 ـ الطواف بالحجرة والتمسح بها ورفع الصوت عندها )
قوله : ويحرم الطواف بها .
الطواف شرك ، لا يطاف إلا ببيت الله ، والطواف يحجرته طواف به ، فهو شرك أكبر .
قوله : ويكره التمسح بالحجرة .
بل يحرم ،وهو من روائح الشرك ووسائله .
قوله :ورفع الصوت عندها .
إن لم يحرم ، فخفض الأصوات تأدباً مع النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره .
وهذا بخلاف ما ابتلي به كثير من الحجاج والآفاقين من رفع الصوت ، بل من البدع ، بل من الشرك الذي يصرخ به هناك ، وهذا من غربة الدين ، ومن وحشة الزمان وأهله ، فإن الزمان وأهله في إيحاش ، والدين في غاية من الغربة ،وإلا فكيف يصنع الصنيع الذي هو مكايدة لما جاء به الرسول عند قبره . المعاصي في البعد أهون منها عنده ، والزعم أنه مما يحبه ويرضاه يتضاعف ذلك .(تقرير)
(1375 ـ حمى الله قبره أن يتخذ وثنا )
فأجاب رب العالمين دعاءه وحماه بالثلاثة الجدران
فلم يتمكن الغلاة من الوصول إلى ذات القبر ، ولكن هؤلاء الذين حرصوا على ذلك تقع منهم الأمور المحرمة من الخضوع ورفع الأصوات ، حتى إن بعضهم يضع يديه على صدره ويطأطأ رأسه ، ويقع منهم ألفاظ الغلو ، لكن الله حمى قبر نبيه أن يوصل إليه بشيء من ذلك ، إنما هو من وراء الجدران .
(تقرير ـ على هذا البيت لابن القيم )
(القدس ، والصخرة)
(الصلاة في مسجد عمر الذي بناه أمام الصخرة مستحبة . لم يصح في فضل الصخرة حديث ، وليس فيها أثر قدم النبي ، وليست عرشاً ، وليس القدس حرماً ) .
الحمد لله ، و الصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن والاه . وبعد :ـ
فقد اطلعت في العدد الرابع من " مجلة رابطة العالم الإسلامي" التي تصدر بمكة المكرمة للسنة الثانية ضمن كلمة منقولة من جريدة الصحفي الأردنية تحت عنوان :0الحرم القدس الشريف) على عبارات استنكرناها ، يقول فيها كاتب المقال عن صخرة بيت المقدس (يقدسها المسلمون ، لأنهم يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج منها إلى السماء ، وروى ابن عباس : صخرة بيت المقدس من صخور الجنة . وعن علي رضي الله عنه : سيد البقاع بيت المقدس وسيدة الصخور صخرة بيت المقدس . وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" صليت ليلة أسري بي إلى بيت المقدس على يمين الصخرة" وعلى هذه الصخرة وضع الرسول قدمه عندما عرج إلى السماء . ومن الأقوال المأثورة : أحب الشام إلى الله بيت المقدس ،وأحب جبالها إليه الصخرة . قال كعب : قرأت في " التوراة" أن الله عز وجل يقول للصخرة : أنت عرشي الأدنى ، منك ارتفعت السماء ، ومن تحتك بسطت الأرض ، ومن أحبك أ؛بني ومن أبغضك أبغضني ، ومن مات فيها فكأنما مات في السماء) هذا نص المقالة .
ومحبة منا في نشر الحق علقنا على ما ذكر فيها من الأحاديث الباطلة لتنوير آراء إخواننا قراء " مجلة الرابطة" فنقول :
الصخرة لم يصح في فضلها شيء من الأحاديث ، كما بينه أبو ح فص عمر بن بدر الموصلي الحنفي في (المغني عن الحفظ والكتاب ، فيما لم يصح فيه شيء من الأحاديث) والعلامة ابن القيم( في المنار المنيف) ونكتفي بإيراد عبارة المنار .
قال ابن القيم فيه : كل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى ، والقدم الذي فيه كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين الذين يروجونها ليكثر سواد الزائرين .
وأرفع شيء في الصخرة أنها كانت قبلة اليهود ، وهي في المكان كيوم السبت في الأزمان ، فأبدل الله بها الأمة المحمدية الكعبة البيت الحرام .
ولما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يبني المسجد الأقصى استشار الناس : هل يجعله أمام الصخرة أو خلفها ، فقال له كعب : ياأمير المؤمنين : ابنه خلف الصخرة . فقال : يا ابن الهيودية خالطتك اليهودية ، بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون ، فبناه حيث هو اليوم . قال ابن القيم : وقد أكثر الكذابون من الوضع في فضلها . وعلى كلام ابن القيم هذا اعتمد العلامة علي القاري في " الموضوعات" .
وقول كاتب المقال (الحرم القدس الشريف . على هذه الصخرة وضع الرسول قدمه عند العروج إلى السماء) وهو أساس دعوى أن في الصخرة أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم ،وهو غير صحيح .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته في " زيارة بيت المقدس " : مايذكره فيها ـ أي في الصخرة ـ من أن هناك أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأثر عمامته و غير ذلك فإنه كذب ، وأكذب منه من يظن أنه قدم الرب .
وقال في " اقتضاء الصراط المستقيم " بعد الكلام على الأمكنة التي اعتقد الجهال فيها الاعتقادات الفاسدة : ومن هذا الباب أيضاً مواضع يقال إن فيها أثر النبي صلى الله عليه وسلم أو غ يرها ، ويضاهي به مقام إبراهيم الذي بمكة ، كما يقول الجهال في الصخرة التي ببيت المقدس من أن فيها أثراً من طىء قدم النبي صلى الله عليه وسلم . قال : وبلغني أن بعض الجهال يزعمون أنها موطىء الرب سبحانه وتعالى ، فيزعمون أن ذلك الأثر موضع القدم ا هـ .
قلت : ورد في حديث طويل في قصة الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ثم أتى بي ـ أي جبريل ـ الصخرة فقال : من هاهنا عرج ربك إلى السماء " الحديث . وربما يكون مستند الفرع الأخير الذي ذكره شيخ الإسلام . وهذا ذكره ابن ح بان في ترجمة الدجال الوضاع بكر بن زياد الباهلي . ثم قال : وهذا شيء لا يشك عوام أصحاب الحديث أنه موضوع ، فكيف البزل في هذا الشأن . قال الذهبي في " الميزان" : قلت صدق ابن حبان . ووافقهما الحافظ في " لسان الميزان " على وضع العبارة المذكورة .
أما ما ذكرته جريدة الصحفي عن كعب أنه قال : قرأت في " التوراة" أن الله يقول للصخرة أنت عرشي الأدنى إلخ ...
كذب وافتراء على الله ، وقد قال عروة بن الزبير لما سمع ذلك عن كعب الأحبار عند ع بد الملك بن مروان قال عروة : سبحان الله ؟
يقول الله سبحانه :وسع كرسيه السموات و الأرض( ) وتكون الصخرة عرشه الأدنى . نقل هذا عن عروة بن الزبير : ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) وابن القيم في (المنار المنيف) وجزماً بتكذيب هذه الإسرائيلية ، وأطال شيخ الإسلام في التحذير من قبول أمثالها .
وأما موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس ففيه رواية تغنينا عن أمثال ما ذكره كا تب المقال المتعقب ، فقد قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أبي سنان ، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالجابية ، فذكر فتح بيت المقدس ، قال : فقال أبو سلمة : فحدثني أبو سنان ، عن عبيد بن آدم ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب : أي ترى أن أصلي ، فقال : إن أخذت عني صليت خلف الصخرة ، فكانت القدس كلها بين يديك ، فقال عمر رضي الله عنه : ضاهيت اليهودية . لا , ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فتقدم إلى القبلة فصلى ، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه ، وكنس الناس . رواه الإمام أحمد في مسنده . وقال الحافظ ابن كثير في " تاريخه" هذا إسناد جيد ، اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه .
وقال في " تفسيره" فلم يعظم ـ أي عمر ـ الصخرة تعظيماً يصلي وراءها وهي بين يديه ، كما أشار كعب الأحبار ـ وهو من قوم يعظمونها حتى جعلوها قبلة ، ولهذا لما أشار بذلك قال له أمير المؤمنين عمر : ضاهيت اليهودية . ولا أهانها إهانة النصارى الذين جعلوها مزبلة من أجل أنها قبلة اليهود ، ولكن أماط عنها الأذى ،وكنس عنها الكناسة بردائه . وهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" ا هـ . كلام ابن كثير .
إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم لم يكونوا يعظمون الصخرة ولا يصلون عندها ، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية قال في رسالته في " زيارة بيت المقدس " : كان الأئمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر . وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه صلى في محراب داود . وأما الصخرة فلم يصل عندها رضي الله عنه ، ولا الصحابة ، ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها " قبة " بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان ،ولكن لما تولى ابنه عبد الملك الشام ، ووقعت بينه وبين ابن الزبير الفتنة ،كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير ، فأراد عبد الله أن يصرف الناس عن ابن الزبير ، فبنى القبة على الصخرة ، وكساها في الشتاء والصيف ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس ، ويشتغلون بذلك عن اجتماعهم بابن الزبير . وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم فلم يكونوا يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة ، كما أن يوم السبت كان عيداً في شريعة موسى عليه السلام ، ثم نسخ في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بيوم الجمعة ، فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحدب بعبادة كما تفعل اليهود والنصارى ،وكذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى ا هـ .
وقال شيخ الإسلام ايضاً في " اقتضاء الصراط المستقيم" ثبت أن عبد الله بن عمر كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه وصلى فيه ، ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها ، ولا يقرب شيئاً من تلك البقاع .
قال : وكذلك نقل غير واحد عن السلف المعتبرين كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم ، وذلك أن سائر بقاع المسجد لا مزية لبعضها على بعض إلا مابنى عمر رضي الله عنه مصلى المسلمين .
وصرح شيخ الإسلام بأن تعظيم الصخرة ، وروايات فضلها ، إنما ظهرت بعد بناء عبد الملك القبة عليها . قال : حتى صار بعضها الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها ، حتى روى بعضهم عن كعب الأحبار عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضر : إن قال للصخرة : أنت عرشي الأدنى فقال عروة : يقول الله تبارك وتعالى :وسع كرسيه السموات والأرض( ) وأنت تقول إن الصخرة عرشه . وأمثال هذا . أ هـ .
هذا ما أردنا التنبيه عليه حول روايات جريدة الصحفي في الصخرة كما أن تسمية القدس " حرماً " لا وجه له ، فإن الحرم ما حرم الله صيده ونباته ، ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجاً عن الأماكن الثلاثة يعني مكة والمدينة ووجا ـ على اختلاف في الأخير ( ) .
ونرجو من إخواننا القائمين على هذه المجلة التروي فيما ينشرونه فيها ، ودراسته دراسة علمية صحيحة ، ومشاورة أهل العلم فيما يشكل عليهم قبل نشره .
سائلاً المولى جلت قدرته أن يوفق رابطة العالم الإسلامي لتحقق ما أُسست من أجله وهو نشر الإسلام ، بريئاً من الخرافات والأوهام نقياً صافياً كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . والله الموفق .
محمد بن إبراهيم ( ص ـ م في 12/3/1384هـ)
(صفة العمرة)
(1377 ـ العمرة من الحل ، لا من الحرم)
والاحتياط ولا سيما للفريضة كونه يخرج إلى التنعيم ، من فعل ذلك لم يبق في نفسه شيء إلا من كان عنده نشاط فهم واتضحت له المسألة( ) (تقرير)
(أركان الحج)
(1378 ـ قوله : والوقوف بعرفة إلى الغروب)
بخلاف من وقف بالليل سواء ما أمكنه أو ضل عن الطريق هذا ما عليه دم ، أو صار تأخيره عمداً لكنه خالف السنة والمسلمين في العمل ، ولكن هذا لا يكاد يقصده إلا قليل الرغبة في الدين جداً .
(تقرير)
(باب الفوات والاحصار)
(1379 قوله : ويهدي ويقضي إن لم يكن اشتراط)
وهذا على المذهب وقول كثير ،وإلا فقد تقدم لنا أن هذا الشرط لا ينفع المشترط إلا إذا خشي وجود حادث ، ككون هناك عدو أو مرض يخشى أن يمنعه . أما إذا لم يلم به شيء ولا كذا فإنه لا ينفعه ، فإن ضباعة إنما أرشدها إلى أن تشترط لما كانت وجعة . (تقرير)
(1380 ـ قوله : وإن أخطأ الناس فوقفوا في الثامن أو العاشر أجزأهم )
فإذا صار الخطأ في الثامن وعلموا فإن زمن الوقوف بقي بحاله ، بخلاف ما إذا لم يعلموا إلا في العاشرة وقد وقفوا بعرفة أو أقبلوا عليها فإنه لا يمكنهم إلا هذا . يقول شيخ الإسلام هنا : إن الوقوف مرتين في يومين بدعة . (تقرير)
(1381 ـ قوله : سواء كان في حج ، أو عمرة ، أو كان قارناً ظاهره أنه يلزمه الهدي ، وهذا قول أكثر الأصحاب ، وهو المشهور في المذهب . واختار ابن القيم في " زاد المعاد؟ أن لا هدي عليه . وما ذكر من الهدايا في عمرة الحديبية إنما هي هدايا معهم ، فالذي معه هدي إذا صد عن البيت يذبحه ثم يتحلل ،والذي ليس معه هدي لا يلزمه ، بدليل أن النبي لم يبين هناك الوجوب على من لا هدي معه . (تقرير) .
(1382 قوله : وإن أحصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرماً . لكن اختار الشيخ وابن القيم وآخرون : أن حصر غير العدو كذهاب النفقة والمرض كحصر العدو ، فإن الجامع بينهما هو الاستمرار في الإحرام ، سواء بضياع النفقة أو بالعدو . ( تقرير )
(باب الهدي والأضحية )
(1383 ـ الناس يغالون في التضحية عن الأموات)
أصل التضحية في حق الحي يضحي عن نفسه . وما عليه كثير من الناس التضحية للأموات ويرون أن لا شرعية للحي . هذا أكثر مما ينبغي .
وما تقدم " عن محمد وآل محمد وأمه محمد "( ) هذا هو المعتمد في التضحية عن الأموات . وأيضاً هي قربة من القرب ، ومتقرر عند الجماهير أن إهداء القرب مشروع .
ولكن هذا فيه مرجوحية من ناحيتين :" الأولى" أنه يضحي عن غيره ولا يضحي عن نفسه . ثم أيضاً الإكثار منها .
المقصود أن الناس كادوا يخرجون عن أصل الشرعية ، فإن هذه التضحية بهذه الكثرة ما كانت في السلف . (تقرير بلوغ)
(1384 ـ حديث " كان يضحي بكبشين أقرنين "( ) )
الأقرن أفضل ، وإن كان( ) غير مأكول ، لكنه كمال في الخلقة ، وربما يكون في الغالب قوة في بدنه وجزالة ." موجوئين"( ) خصيين .
"فحيلين" ( ) فحيل قوي في الخلقة ، فإن فحيل كل شيء جيده ، ليس المراد غير خصيين ، لئلا يتنافى مع ما تقدم . (تقرير بلوغ)
(1385 ـ التصحية بالشاة الحامل)
" المسألة الثانية" عن حكم التحية بالشاة الحامل ؟
والجواب : يصح التضحية بالشاة الحامل ، كما يصح بالحائل ، إذا كانت سليمة من العيوب المنصوصة في الأضاحي .
(ص ـ ف 588 ـ 1 في 23/2/1386هـ)
(1386 ـ س : إجزاء الشاة عن الرجل وأهل بيته ولو الأموات .
جـ : حتى لو كانوا ليسوا في بيته بل متفرقين إذا صار يشملهم هذا الإسم ، يرشحه ما تقدم في الحديث" محمد وأمة محمد"( ) الناس مع أبيهم كأهل البيت مع راعيه ، وهو ضحى عن جميع المسلمين أحيائهم وأمواتهم ،وبعضهم قد توفي . (تقرير)
(1387 ـ س : إذا كانوا في بيت واحد مأكلهم ليس واحداً .
ج ـ لا تجزي عن ثلاث حمايل ، أو ثلاثة أشخاص . (تقرير)
(1388 ـ س : إذا كان مأكلهم واحد )
جـ ـ هؤلاء بمنزلة الرفقة في السفر ، فيكونون ملحقين بأهل البيت الواحد . (تقرير)
(1389 ـ الشاة عن الرجل ورحيمه )
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم سعيد بن محمد العمري سلمه الله .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :ـ
كتابك لنا المؤرخ في 10/9/1387هـ وصل وقد ذكرت فيه أنك تسكن أنت وزوجتك ورحيمك وزوجته معاً في دار واحدة ،ومصروفكم وأكلكم وشربكم واحد . وتسأل : هل يلزم كل واحد منكما أنت ورحيمك أن يذبح أضحية باعتباركما من أسرتين ؟ أم يكفي تذبح أضحية واحدة باعتباركما كعائلة واحدة ، مع العلم أن لكل واحد منكما أسرة تذبح أضحية في بلاده ؟
والجواب : يجوز أن تشترك أنت ورحيمك في شاة لأنكما في حكم أهل البيت الواحد ، وهي تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ، لما روى الترمذي وابن ماجه في سننهما ومالك في الموطأ بأسانيدهم أن عبد الله بن عمارة قال : سمعت عطاء بن يسار يقول : سالت أبا أيوب : كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" كان ا لرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصارت كما ترى " قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
والسلام عليكم . مفتي الديار السعودية (ص ـ ف 180 ـ 1 في 15/1/1388هـ)
(1390 ـ ضم غلال أوقاف لشراء أضحية للموقفين)
من محمد بن إبراهيم إلى الأخ المكرم إبراهيم حمد السماعيل المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد وصل إلينا كتابك المؤرخ 19/4/83هـ المتضمن الاستفتاء عن عدد أوقاف مغارس نخل نوقوفة في أضاحي ، وقد نقصت غلتها الآن ، ولا تريع ما يقابل قيمة أضحية كاملة وتسأل عن جواز ضم غلال هذه الأوقاف بعضها إلى بعض ليشتري بها أضحية تذبح كل سنة على نية الموقفين ، كل على حسب ريع وقفه ؟
والجواب : الحمد لله . لا يظهر لنا وجه صحيح يسوغ جمعها على هذه الصفة . والأولى بقاؤها على ما كانت ، لأن الموصي أوصى بدم كامل ، والتشقيص يفوت عليه مقصوده . والسلام .
(ص ـ ف 1286 ـ 1 في 4/7/1383هـ)
(1391 ـ التشريك في السبع )
وهنا " مسألة التشريك في السبع "
لا يشرك فيه . والذين أفتوا به ذكروا أشياء لا تنهض دليلاً ، يذكرون عمومات في كلام الفقهاء ، كقولهم : وأي قربة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك . أين عموم هذا من مسألة خاصة وارد فيها أحاديث " البقرة عن سبعة " " البدنة عن سبعة"( )
وأيضاً ما جاء عن السلف فعل ذلك : لا في الهدايا ، ولا في الضحايا وأيضاً هو جزء ، والجزء لا يتجزأ ، ومثل ما في أصول الفقه : الضعيف لا يبنى على الضعيف . فالجزء ضعيف سوغته الشريعة ، ولو ضعف لجعل السبع عن إثنين وعن أربعة ، والعبادات توقيفية . لكن الذين أفتوا لأجل الفلاليح يريدون " سرح ، وشحم"( ) ويبون كذا وكذا( ) وفتوانا وفتوى مشايخنا على عدم إجزاء ذلك . (تقرير )
(1392 ـ فتوى في الموضوع)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم علي بن أحمد الثقفي سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد جرى اطلاعنا على استفتائك الموجه إلينا منك بخصوص سؤالك عن " البقرة" هل يجزئ سبعها عن الرجل وأهل بيته؟
والجواب : الحمد لله . روى الترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فحضر الأحضى فاشتركنا في البقرة سبعة " وبهذا يظهر أن البقرة لا تجزئ عن أكثر من سبعة ، فلا يجزئ سبعها عن الرجل وأهل بيته ، لأنه ليس دماً كاملاً ،وإنما هو جزء دم . وبالله التوفيق . والسلام عليكم .
مفتي البلاد السعودية ( ص ـ ف 2172 ـ 1 في 11/8/85 هـ) .
(1393 ـ الدليل يطلب ممن أجازه )
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم أحمد بن علي العمري سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد وصلنا خطابك الذي يتضمن " سؤاليك" اللذين أولهما قولك : كثيراً ما يجري البحث والنقاش بين بعض طلاب العلم حول سبع البدنة في الأضحية هل هو مجزئ عن الرجل وأهل بيته كما تجزئ الشاة ، أو لا يجزئ إلا عن الرجل دون أهل بيته . وهل لديى من قال بالإجزاء أو عدمه دليل شرعي ؟
والجواب : الحمد لله . سبع البدنة لا يجزئ إلا عن شخص واحد . والدليل إنما يطلب ممن أجازه ، لأنه المدعي إجزاء السبع عن اثنين فصاعداً . ولا فرق في ذلك بين الهدايا والضحايا . ولا يجد مدعي ذلك إلى تحصيل الدليل سبيلاً ، والنسك عبادة محضة ، والعبادات توقيفية .
(ص ـ ف 141 في 14/2/1387هـ)
(1394 ـ البدنة عن سبعة أشخاص ، لا عن سبع شياه )
من محمد بن إبراهم إلى المكرم أحمد غرم الله الفقيه سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد جرى الاطلاع على استفتائك المتضمن سؤالك عن البدنة أو البقرة هل هي عن سبع شياه ، أو عن سبعة أشخاص .
والجواب : الحمد لله . البدنة أو البقرة عن سبعة أشخاص ، لقول جابر بن عبد الله :" أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحدٍ منهما " رواه مسلم وبالله التوفيق .
والسلام عليكم ( ص ـ ف 880 تاريخ 3/4/1384هـ)
(1395 ـ إذا كانت الوصية لا تكفي لدم كامل)
وأما " المسألة الثالثة" : وهي قولك : إن عندك وصية ضحية نقودها لا تقابل قيمة طرف( ) فوجدة أضحية في بدنة تقابل النقود التي عندك .
والجواب : لا شك أن الأضحية بدم كامل أفضل من التشريك في سبع بدنة أو بقرة ، لكن إذا كانت الوصية لا تكفي لقيمة دم كامل وأردت أن تشترك في سبع بدنة أو بقرة فذلك جائز وجزي ، إذا كانت الأضحية لشخص واحد .
(ص ـ ف 571 ـ 1 في 17/3/1375هـ)
(فتاوي في تعريفات)
(1396 ـ قوله : ولا العجفاء : الهزيلة التي لا مخ فيها )
والمخ هو ما يكون في العظم المجوف : كعظم الساق ، والعضد ، والفخذ ,و"المخ" هو الدن ، فإنها إذا قويت كان في عظامها دهن ،وإذا هزلت لم تكمل استحالته دهناً بعد ، أو كان دماً أحمر . وإذا لم يكن دماً فيحتاط ، لأنها إذا كانت كذلك فهي رديئة اللحم ، ولا ترغب في الأكل ، ولا في القنية . أما إن كان لا شحم فيها إلا قليلاً وفيها مخ فتجزي ، إلا أن ما كان أسمن فهو أفضل . (تقرير)
(1397 ـ قوله : ولا العرجاء التي لا تطيق مشياً مع صحيحة أما العرج اليسير الذي لا يردها عن ذلك بل فيها غمز فتجزي مع نقص . (تقرير)
(1398 ـ قوله : ولا الجداء : ما شاب ونشف ضرعها )
أما لو ولدت ولا در فيها لبن فلا تجزي ، لما فيها من النقص الظاهر . أما التي عاب شق دون شق فتجزي ، لكن مع الكراهة والنقص . (تقرير)
(1399 ـ الجفاف )
إن كان كله نشف فلا تضحي ، الفقهاء مصرحون بهذا ، فإن هذا نقص عضو من أعضائها . أما إن نشف شق دون شق فهذه تكره وتجزي ، لأجل الشرع ما مات . (تقرير)
(1400 ـ قوله : ولا المريضة )
كالتي بها وعال ، أو أبو رمح ، أو مهيومة ، أو مجدورة ، أو جرباء أو نحو ذلك .
إما إذا كان يسيراً : كيسير الخنان ما يشتد حتى يتلف الشاة ، لكن الغالب عدم الاتلاف . أما إذا وصل إلى حالة يفسد اللحم فهي مريضة والمرض لا فرق بين أن يكون متلفاً أو لا : كالجدري ، فإنه يفسد اللحم ،وإذا كان مرض مثله ما يفسد اللحم فهذه تجزي ، لكن مع النقص . (تقرير)
(1401 ـ قوله : ولا العضباء التي ذهب أكثر أُذنها أو قرنها )
أما لو ذهبت واحدة فإنها لاتجزي ، أو أكثر قرنها فإنها لا تجزي . فالعضب هنا يكون في موضعين في : الأذن ، والقرن (تقرير) .
(1402 قوله : والجماء التي لم يخلق لها قرن )
أما لو انكسرتا أو ذهبت واحدة من أصلها فهذه مجزئة مع الكراهة أو النقص ، هي ناقصة بكل حال .
(تقرير)
(1403 ـ قوله : بل البتراء خلقة ، أو مقطوعاً )
تجزئ لكن مع الكراهة . أو النقص في الثانية التي قطع .
(1404 ـ قوله : وخصي غير مجبوب )
فهذا يجزئ ،وقد يكون فضيلة في الاضحية كما تقدم في الكبشين ، فإنها نفع للفحل من الذكور ، فإنها تفسد اللحم ويهزل ،وعدمه قوة للفحل من الحيوانات (تقرير)
(1405 ـ قوله : أقل من النصف )
أو النصف على القول الثاني (تقرير) .
(1406 ـ س : هل المقابلة والمدابرة والشرقاء والخرقاء في الإبل والبقر )
ج ـ نعم لكن هي في الغنم أكثر (تقرير)
(1406 ـ 2 ـ الصفة المشروعة في الذبح والنحر( ) .
(1407 ـ استمرار وقت الذبح إلى الغروب )
ثم الذبح يستمر إلى قبيل غروب الشمس ، فإذا سفك دماً وقد بقي إصبع فهو مجزي . أما قول العامة : الذبح إلى العصر . فلا أصل له . (تقرير)
(1408 ـ قوله : إلى آخر يومين بعده )
وهذا هو المشهور عند كثير .والرواية الأخرى عن أحمد أنها ثلاثة ، وهذا اختيار الشيخ ، وعليه العمل والفتوى ، فتكون أيام النحر أربعة : يوم العيد ، وأيام التشريق كلها . (تقرير)
(1409 ـ قوله : بعد الإمام )
هذا إن كان الإمام تهيأ ، بأن كان له محل مهيئ حول المصلى .
أما إذا كان لا يعلم متى يذبح فالحكم حينئذ غير متصور . (تقرير)
(1410 ـ وإن اكتفى بالجمعة عن العيد والعيد ما صلى ـ فرجع بعضهم أنه يذبح ، وهذا أرجح ، فإنها أدت فرض العيد ، فيدخل فرض الكفاية في فرض العين كنظائره ، فصارت هي صلاة العيد حكماً . وأما حقيقتها فإنها صلاة الجمعة . (تقرير)
(1411 ـ قوله : ولا يعطى جازرها أجرته منها )
ويتصدق عليها منها إن كان أهلاً للصدقة كعادة ما يتصدق به ، لا على وجه ينقص الأجرة . وإذا رأى أن نفسه تخوله أكثر لكونه باشر جاز . أما لو كان أعطاه من أجل أنه عمل فإنه أعطاه هنا عن الأجرة . (تقرير)
قوله : وإن تعيبت ذبحها .
ليس في الحال ، إنما المراد إذا جاء يوم ذبحها وهي معيبة ذبحها (تقرير)
(1412 ـ س : إذا اشترى وصية عنده وضاعت ؟
جـ: إن كان متقدماً بالشراء يشتريها من رمضان أو من شوال وهي وصية ـ من أذن له أن يشتريها من هذه المدة ؟ ! عند بعض الناس أنها ما تشترى إلا يوم العيد ، ولعل اليومين والثلاث قبله ما فيها مشكل مخافة أن لا يوجد شيء بعد . فالحال يختلف : إن كان يخاف من( ) فيتقدم بقدر اجتهاده يومين ثلاثة أربعة ما جرت العادة به غالباً . وبعض الموصين في غير العارض يشتريها والسكين في يده يخاف تتلف . فالوصي يلزمه مثل ما يفعله لنفسه ، فإن تعدى أو فرط ضمن ، وإلا فلا يضمن . (تقرير)
(1413 ـ س : الأضحية التي هي غلة الموقوف تكون أثاثاً ؟ )
ج ـ هو قصد الميت أن يفعل بها ما كان يفعل بها هو في حياته ، تكون أثلاثاً يندب أن يتصدق بثلث ، ويهدي ثلثاً ، وأولياء هذا الواقف يأكلون ثلثاً . (تقرير)
(1414 ـ قوله : وسن أن يأكل من الاضحية )
وبعض أهل الكبر لا يأكل من الضحايا ، بل يذبح له غيره ، لأنه يمتاز عن غيره . فهذا من العتة والكبر :(فكلوا وأطعموا .. ( ) وهذا أمر . إن كان مفاده الندب ، ولو قال أحد بالوجوب لكان له وجه .
(تقرير)
(1415 ـ إذا أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره )
"السؤال الثاني " الذي يضحي لأمواته ونفسه بريرة منه : فهل يلزم أن لا يكد شعره ولا يقص الأظفار ، أو ما فيه مانع .
الجواب : الذي يريد أن يضحي لنفسه لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يذبح تلك الأضحية ، إلا أن يكون حاجاً فيقصر يوم النحر مع الحجاج( ) .
(ص ـ م بخط مدير مكتبه الخاص)
(1416 ـ قوله :ويسن حلقه بعده )
على هذا القول ـ لكن المضحي إذا عرض له في العشر عمرة فإنه يحق للعمرة ولو أنه سيضحي ، لأن " مسألة النسك" أهم من " مسألة الأضحية" على هذا القول بأنه على التحريم . أما على الكراهة فهذا أظهر . (تقرير)
(1417 ـ س : عند الإحرام في العشر هل يأخذ شيئاً؟ )
ج ـ لا . ما ينبغي . (تقرير)
(فصل ـ في العقيقة)
(1418 ـ العقيقة مستحبة في حق الأب وحده )
" السؤال الثاني " رجل من ذوي اليسار له سبعة من الولد ، عق عن اثنين منهم ، والباقيون لم يعق عنهم . فهل يثاب إذا عق عن باقي أولاده ، ويأثم إن لم يعق؟
والجواب : العقيقة عن الذكر والأنثى مستحبة ، لما رواه عبد الرزاق في " مصنفه" بسنده عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال : لا أحب العقوق ـ وكأنه كره الإسم ـ قالوا يارسول الله ينسك أحدنا عن ولده فقال : من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل : عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة" وهذا الاستحباب من حق الأب فقط ، لأن الخطاب في الحديث موجه إليه ، فلا تستحب في حق المولود من غيره .
(ص ـ ف 3026 ـ 1 في 30/7/1387هـ)
(1419 ـ اشترى عقيقة وعند وصوله إلى بيته وجد فيه ضيوفاً)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عيد بن عودة البلوي سلمه الله
فقد جرى اطلاعنا على استفتائك الموجه إلينا منك بخصوص سؤالك عن سبع مسائل :
" أولها " شخص رزق مولوداً فاشترى عقيقة ، وعند مجيئه بها إلى البيت وجد فيه ضيوفاً فذبحها على أنها تميمة ولده ، وقدمها للضيوف وهم يعتقدون أنها ضيافتهم ، وحياهم عليها دون أن يذكر أنها تميمة . وتسأل : هل تجزي تميمة على هذه الحال ؟
والجواب : ما دام قد اشتراها تميمة، وذبحها على أنها تميمة ، ولم يؤجل ذبحها انتظاراً لضيوف يأتون إليه ، فلا يظهر لنا مانع من إجزائها تميمة . وإذا لم يكن قد أخرج منها شيئاً صدقة فينبغي أن يضمن قدر أوقية لحم يتصدق بها .
(ص ـ ف 1036 ـ 1 في 8/4/1387هـ)
(1420 ـ عن الغلام شاتان وتجزى واحدة )
" ثالثاً " عن العقيقة ـ المعروفة عند أهل انجد بالتميمة ـ فهي سنة في حق الأب ، لحديث " كل غلام مرتهن بعقيقته " رواه أحمد وغيره .
والسنة أن يذبح عن الغلام شاتان ، وعن الجارية شاة ، لحديث عائشة رضي الله عنها : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان ، متكافئتان وعن الجارية شاة " رواه الترمذي وصححه .
وإن اقتصر على واحدة فلا بأس ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن " النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً " رواه أبو داود وغيره . والله أعلم . والله يحفظكم( )
(ص ـ ف 87 في 1/2/1377هـ)
(1421 ـ س : إذا زاد على ثنتين ؟)
جـ : ليس مشروعاً ، ليس خيراً من الرسول ، إنما هذا تبع للاشر والبطر والإسراف .
يريد مثلاً أن يدعو إليها من يأكل ومن يعزون عليه فيهم كثرة فهذا من هذه الناحية لا بأس بالزيادة . وأما كونه يفعله على وجه البطر أو كمال في السنة فلا .
أما إذا كان الداعي لكثرة من سيدخل بيته ويأكل من هذه العقيقة وهي لا تكفيهم . (تقرير)
(1422 ـ س : الشرك في دم العقيقة )
جـ : إذا كان سبعاً لا يشرف فيه ، الضعيف لا يبني على الضعيف وهذا كقول النحويين : المصغر لا يصغر ، ومثل الضعيف يروي عن ضعيف مثله في الحديث ،وكلما زادوا إزداد ضعفاً ، كما لو كانوا ستة (تقرير)
(1423 ـ ثم نعرف أنه لو اجتمع أضحية وعقيقة كفى واحدة صاحب البيت عازم على التضحية على نفسه فيذبح هذه أضحية وتدخل فيها العقيقة .
وفي كلام لبعضهم ما يؤخذ منه أن لابد من الاتحاد : أن تكون الأضحية والعقيقة عن الصغير . وفي كلام آخرين أنه لا يشترط إذا كان الأب سيضحي فالاضحية عن الأب والعقيقة عن الولد . الحاصل أنه إذا ذبح الأضحية عن أُضحية نواها وعن العقيقة كفى ، وهذا مبسوط في " التحفة " المذكورة( ) .
و" مسألة أخرى " وهي مالو رزق أولاداً واتفق اسمهم في يوم مثل التوأم يجزي اثنين عنهما،وكذلك لو كانوا عشرة ، أو بينهما تفاوت في الأيام فيقصد عقيقة عن الجميع ، نظير من دخل المسجد ومن صلى الفريضة بعد الطواف تتداخل المشروعات ، ونظير ذلك غسل الجنابة والجمعة . (تقرير9
(1424 ـ سر التأذين في اذن المولود)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم الطالب محمد إبراهيم الفهد الهذيل سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد جرى الاطلاع على استفسارك عن أصل التأذين في أذن المولود والجواب عن ذلك بما يلي : أما الأذان في أذن المولود ، فقد روى أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبي رافع ، قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة " .
وأما الجميع بين الأذان والإقامة فقد ورد فيه حديثان :
" أحدهما " ما رواه البيهقي في الشعب بسند فيه ضعف ، عن ابن عباس رضي الله عنهما :" أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي يوم ولد ، وأقام في أذنه اليسرى" .
و " الثاني " ما رواه البيهقي أيضاً في الشعب بسند فيه ضعف عن الحسن بن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى رفعت عنه أم الصبيان " .
وعلى هذه الأحاديث الثلاثة اعتمد الإمام ابن القيم في " تحفة الودود في أحكام المولود " وترجمتها ( استحباب التأذين في أذن المولود ،والإقامة في أذنه اليسرى ) ثم أبدى ابن القيم الحكمة في ذلك فقال : سر التأذين ـ والله أعلم ـ أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته . أي الأذان ، المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته ، والشهادة التي هي أول ما يدخل بها في الإسلام ، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا ، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها . وغير مستنكر وصول التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر ، مع ما في ذلك من فائدة أخرى : وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان ، وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها ، فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به .وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان ، كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها ، ولغير ذلك من الحكم ا هـ والله ولي التوفيق .
مفتي البلاد السعودية ( ص ـ ف 3247 ـ 1 في 9/7/1389هـ)
(1470 ـ " ويدمى" .
وبعض الناس يرى أنه يلطح رأسه بدم العقيقة ، وسبب هذا أنه وهم في بعض ألفاظ الحديث( )
(تقرير)
(1426 ـ تغيير الاسم القبيح والموهم)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم محمد بن عبد العزيز الأحمد سلمه الله .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد وصل إلينا كتابك الذي تسأل فيه عن أسماء يتسمى بها بعض الناس مما لم تكن معروفة ولا مألوفة ، وفيها إيهام وإساءة أدب مثل : شر الله ، وأمر الله ، سيد الرحمان ، ونسيم إلاهي ، وحياة محمد ،ونحو ذلك .
لقد تأملنا ما ذكر ، ووجدنا أغلب الأسماء التي ذكرتها توهم معاني غير صحيحة ، ولا يجوز إطلاقها على الله تبارك وتعالى ،ولهذا فلا ينبغي التسمي بها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير أسماء أقل إيهاماً من هذه الأسماء المسئول عنها ، وقد نهى الله تعالى عن إطلاق الكلمات التي تحتمل معنى صحيحاً ومعنى محظوراً ، فقال تعالى: ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا( ) وفي الحديث " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي " ( ) .
قال الفقهاء : ويستحب تغيير الإسم القبيح ، وذكر أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم غير عدة أسماء موهمة . وعلى الأب أن يسمي ابنه باسم حسن ، لقوله صلى الله عليه وسلم :" إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم " رواه أبو داود . والله الموفق والسلام عليكم
مفتي الديار السعودية (ص ـ ف 2587 ـ1 في 5/9/1388هـ)
(1427 ـ تغيير لقب : جعفري)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد جرى اطلاعنا على استفتائكم رقم 2098 ـ 1 ـ خ وتاريخ 8/8/85هـ المشفوع بأوراق جواد جاسم الجريدان بخصوص طلبه إبدال اسمه باسم ناجي عبد الله المسلم ، حيث أنه كان جعفرياً ، ثم اعتنق مذهب أهل السنة . وتطلبون منا رأينا تجاه طلب المذكور .
ونفيد سموكم أنه لا يظهر لنا مانع شرعاً من تغيير اسمه إلى مارغب أن يكون عليه والحال ما ذكره ، فلقد ثبت أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غيروا أسماءهم في الجاهلية إلى اسماء جديدة بعد دخولهم الإسلام ، كما أنه صلى الله عليه وسلم غير بعض أسماء صحابته بعد دخولهم الإسلام .
وبالله التوفيق . والسلام عليكم .
مفتي الديار السعودية (ص ـ ف 2610 ـ1 في 14/9/1385هـ9
(1428 ـ انتقل من مذهب الشيعة إلى مذهب السنة وطلب صكا )
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة قاضي المبرز سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فبالإشارة إلى خطابكم المرفق رقم 616 وتاريخ 24/4/87هـ ومشفوعه الذي ذكرتم فيه أن المدعو عبد الجواد بن جاسم الجريدان الشهير بالمسلم كان على غير مذهب أهل السنة ، ثم إنه اعتنق مذهب أهل السنة بموجب الصك المرفقة صورته ، وغير اسمه السابق ، وتسمى بالإسم المذكور أعلاه . وبطلب إعطاءه صكاً من المحكمة على إثبات تغيير اسمه . وتطلبون إعطاءكم رأينا حول طلبه .
ونشعركم بأن طلب المذكور إخراج صك بما ذكر لا وجه له والسلام .
رئيس القضاة ( ص ـ ف 1758 ـ 3 ـ 1 في 12/5/1387هـ) .
(1429 ـ شوعي)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم أحمد جباري سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
بالإشارة إلى كتابك الذي تسأل فيه عن مسألة وهي (سميت ابنك شوعي) وطلب إدخاله في معهد صامطة ، ومنع المدير دخوله بناءً على هذا الإسم ، وطلب منكم تغيير اسمه ، وتسأل : هل هذا الإسم فيه محذور؟
والجواب : لا مانع من بقائه على هذا الإسم ، لأنه لا يترتب عليه محذور شرعي ، فقد كتبنا لمدير معهد صامطة عن ذلك بخطابنا رقم 1146 ـ وتاريخ 11/6/89هـ فعليكم بمراجعته من جهة إدخاله .
والسلام .
مفتي الديار السعودية ( ص ـ ف 1151 في 12/6/1389هـ)
(1430 ـ التفضيل بقبيلة ، أو بلد ، ووظيفة)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم مفوض شرطة حقل عبد العزيز قاره سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد وصلني كتابك الذي تسأل فيه عن التفضيل بين الناس بقبيلة أو بلد أو وظيفة ونحو ذلك . وهذا البحث ليس فيه كبير فائدة والأولى لمثلك الاشتغال بالأمور النافعة التي تعود على الإنسان بمصالح أموره الدينية والدنيوية ففي ذلك كفاية وغنية عن الخوض فيما عداها ، وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين للاشتغال بما يرضيه والسلام عليكم ورحمة الله .
(ص ـ ف 1121 في 1/12/1378هـ) ( )
(1431 ـ س : إذا كان معسراً وتأخرت سنة ؟
جـ : إذا وجد ولو تأخرت ، بتبعها تحري الأيام السبعة بعد ذلك ولو شاب المولود ، وهي قربة في حق الأب (تقرير)
(1432 ـ س : إذا ولد ثم مات قبل أن يعق عنه ؟
جـ : يعق عنه بعد موته . هذا متمشي على أن المراد الشفاعة ، ولا يتمشى على أن مناسبتها حلو أخلاقه . إلخ (تقرير)
(1433 ـ قوله : ولا تسن الفرعة ،ولا العتيرة .
وفيما أفهم الآن أنه أقرب إلى التحريم .
قوله : والمراد بـ " لا فرع ولا عتيرة" ( ) نفي كونهما سنة أي خلافاً لما يراه بعض الجاهلية من أن ذلك سنة . هذا معنى كلام بعضهم .
لكن النفي يفيد البطلان كـ " لا عدوى ولا طيرة:" ( ) أفلا يكون " لا فرع ولا عتيرة " إبطال لذلك؟! .
فالأصل سقوط ذلك ، ولا حاجة إلى تأويل ، بل هو ساقط بالإسقاط النبوي ، سقط سنة وفعلاً .
هذا مع دلالة " من تشبه بقوم فهو منهم"( ) مع دلالة أن الرسول منع من مشابهة الجاهلية .
ثم هذا من باب العبادات ، والعبادات توقيفية ، فلو لم ينفها صلى الله عليه وسلم كانت منتفية ، فإن أمور الجاهلية كلها منتفية لا يحتاج إلى أن ينصص على كل واحد منها .
قوله : ولا يكرهان .
هذا تصريح بعدم الكراهة , وبعض الأصحاب قال بالكراهة . والذي نفهم أنه حرام .وهذا بالنسبة إلى تخصيصهم ذبح أول ولد تلده الناقة ، والذبح في العشر الأول من رجب . أما إن كان ما يفعله الجاهلية لآلهتهم فهو شرك . (تقرير)

أبو عمر السمرقندي
24-01-04, 06:26 AM
جزاكم الله خيراً وبارك في جهودكم

العفالقي
15-12-07, 07:44 PM
ألا تجمع في ملف واحد جزيت خيراً وزوجتُ بكرا!!

خالد العيسى
05-12-10, 11:51 PM
ألا تجمع في ملف واحد جزيت خيراً وحورية بالجنة !!