المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أذا ورد عموم في نص هل يجوز أن يحكم به دون البحث عن مخصص لهذا العموم ،،،،،


زياد الرقابي
01-06-04, 07:03 PM
معلوم كثرة الخلاف والاختلاف حول هذه المسألة ولظني أنها من المسائل المهمة لطالب العلم لتوراد العمومات و ترادف المخصصات آثرت ان أطرحها للتباحث مع الاخوة الفضلاء النبلاء دون أستثناء .

وقد نقل الغزالي في المستصفى عدم الخلاف في أنه لايجوز العمل بالعام الا بعد التقصى عن وجود المخصص . ويحكى مثله عن الامدي .

والخلاف موجود و مشهور و فيه قولان للامام أحمد رحمه الله .


والحقيقة أن الاقوال تتجاذب في هذا الباب فمن قال أن الاصل العمل بالعام دون البحث عن مخصص :

أحتج بأن هذا هو الاصل فالاصل المتفق عليه هو بقاء العام من النصوص على عمومه مالم يدخله التخصيص وأذا كان الامر كذلك فيجب البقاء على الاصل والعمل به .

* قال من أوجب عدم الحكم بالعام حتى يبحث عن مخصص له فاذا عدم صح العمل به :

أن اكثر العمومات قد دخلها التخصيص حتى ظهرت المقولة الشهيرة لا عام الا وقد دخله التخصيص أو ( كل عمومات الشرعية مخصصة ) .

وقالوا نحن ننكر هذه العبارة لكنها دليل على كثرة تخصيص العمومات .

فأذا كانت الحالة كذلك وجب ان لايعمل بالعام حتى يتثبت الفقيه من عدم تخصيصه .

قال الموجبون للعمل بالعام :

ّأذا كان البحث عن المخصص واجب فهذا يبطل دلالة العام ويأخر العمل بها وهو خلاف الانقياد بالعمل والاتباع .

وكيف كان الصحابة يبادرون بالعمل بالعام دون انتظار لتخصيص ونحوه .

قال الموجبون ردا عليهم :

الصحابة كانوا زمن تشريع والنبي يخاطبهم فلا حرج في العمل وانما الكلام على ما بعد انقضاء زمان التشريع .

الا ترون ان البعض ومنهم ابن قدامة قد فصل القول في هذا الامر بناء على هذه العلة فاوجب على من سمع التعميم من رسول الله صصص
الا يبحث عن مخصص بخلاف غيره ؟


قال المخالفون للموجبين :


هذا يفضى الى تعطيل عمومات الكتاب وجعلها في هيئة المجاز !

قال الموجبون :


الستم توجبون ان لايعمل بحكم حتى يتبين هل هو منسوخ أم لا ، وقد نص عليه الشافعي في صفات المجتهد في الرسالة وغيرها ؟ فما الفرق ، بين التأكد من عدم نسخ الحكم وبين التأكد من عدم تخصيصه .



قال المانعون :

الفرق كبير بين الحالين و ظاهر بين الصورتين : فالعموم هو الاصل في النصوص بخلاف النسخ فكيف تجعلون الاصل كالنادر والفرع كالظاهر ؟؟

قال الموجبون :

لو أجزنا ان يعمل بالعام بدون البحث عن مخصص لاستوى العامي والمجتهد !!

أذ ان العامي يعمل بالعموم لا يفرق بين المخصص وغيره بخلاف المجتهد .

وحجج الفريقين أكثر من ذلك لكن هذا ما املاه الخاطر المكدود الاستعجال لحضور وقت الفريضة .

_______________________________

والاظهر في هذه المسألة الاصولية أن الاصل العمل بالعام دون البحث عن المخصص - حتى لاتتعطل دلالات النصوص العامة وهي بالكثرة التى تعلمون - ولكن يجب البحث عن وجود المخصص للقطع بصحة عمومه .

وهذا مثل الدليل : فأن من شروط صحة الدليل عدم المعارض الصحيح ، وهذا لايعنى التوقف عن العمل بالدليل حتى يتأكد من وجود المعارض وعدمه بل عليه ان يعمل بالدليل مع البحث عن المعارض فاذا سلم من المعارضة صح له العمل .

الأزهري السلفي
02-06-04, 12:42 PM
الحمد لله وحده ...
بارك الله في الأخ الكريم
والذي استظهره أحد نوعي الاستصحاب , وهو استصحاب العموم حتى يرد المخصص
تماما كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ
واستصحاب دوام الملك حتى يثبت انتقاله
واستصحاب دوام شغل الذمة (الثابتة) حتى تثبت براءتها
...الخ
وتبقى مسألة لها نوع تعلق بمسألتنا هذه ,ذكرتها لعلمي أن كلام الشيخ المتمسك قد يستشكل على بعض الاخوة
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة الأزهري السلفي

العام إذا دخله التخصيص , هل يبقى حجة فيما لم يُخص أم لا ؟
نعم يبقى فيما لم يخص عند الجمهور كما قال صاحب الروضة ونص كلامه :
العام إذا دخله التخصيص يبقى حجة فيما لم يخص عند الجمهور , وقال أبو ثور وعيسى بن أبان لا يبقى حجة , لأنه يصير مجازا فقد خرج الوضع من أيدينا , ولا قرينة تفصل وتحصر , فيبقى مجملا .
ولنا تمسك الصحابة رضي الله عنهم بالعمومات , وما من عموم إلا وقد تطرق لإليه تخصيص إلا اليسير ....الخ
وعلق الشيخ الشنقيطي , علامة زمانه , وشيخ إسلامه - رحمه الله - في مذكرة أصوله ص 239 فقال :(( ومعنى كلامه ظاهر , وهو مذهب الجمهور وهو الحق , ولا يخفى أن قوله تعالى : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) مثلا
إذا بين النبي صصص أنه يخرج منه : جمع المرأة مع عمتها أو خالتها , يبقى عمومه حجة فيما سوى ذلك .
وإلى هذه المسألة أشار في المراقي بقوله :
وهو حجة لدى الأكثر إن ### مخصصا له معينا يبن
(( والقول بأنه لا يبقى حجة في الباقي بعد التخصيص يلزمه بطلان جل عمومات الكتاب والسنة
لأن الغالب عليها التخصيص والتخصيص لا يقدح في دلالة اللفظ على الباقي ... ))
وقال بعدها بقليل : ( وقولهم لا قرينة تفصل مردود بأن اللفظ شامل للكل بحسب الوضع فلا يخرج منه إلا ما أخرجه الدليل) أهـ كلامه رحمه الله

الفهم الصحيح.
02-06-04, 12:57 PM
قل الإمام أبو الحسن علي بن القصار المالكي:
من مذهب مالك(رحمه الله) القول بالعموم، وقد نص عليه في كتابه.....................وحكم هذا البا ب عنده أن الخطاب إذا ورد باللفظ العام نظر، فإن وجد دليل يخص اللفظ كان مقصورا عليه، وإن لم يوجد دليل يخصه أجري الكلام على عمومه، ووجه ذلك: أن فطرة اللسان في العام الذي وصفته، احتمال الخصوص، إذ لو لم يكن محتملا لذلك لكانت عينه توجب أ ن يجري حكمه علي جميع ما اشتمل عليه، ولو كانت عينه توجب ذلك لم يجز أن يوجد في الخطاب لفظ عام أريد به الخصوص، ولا جاز أن يقوم دليل علي خصوص لفظ عام، وفي وجود نا الأمرَ بخلاف ذلك دليل على أن عين اللفظ لا توجب العموم، وإذا كان ذلك كذلك علم احتماله، ومتى علم أنه محتمل لو يجز الإقدام على الحكم به دون البحث والنظر في المراد به والمعنى الذي يخرج عليه، لأن الله عز وجل أمرنا بإتباع كتابه وسنة رسوله عليه السلام، والاعتبار بهما والرد إليهما، وذلك كله كالآية الواحدة فلا يجوز ترك شيء من ذلك مع القدرة عليه.
وإذا لم يجز ذلك وجب أن ننظر ولا نهجم بالتنفيذ قبل التأمل، كما لا نبادر بذلك في الكلام المتصل إلى أن ينتهي إلى آخره فننظر هل يتبعه استثناء أم لا؟ .
وكذلك الكتاب والسنة والأصول كلها كالآية الواحدة، ولا يجوز أن نبادر إلى التنفيذ حتى نتدبر وننظر، فإن وجدنا دليلا يخص حملنا الخطاب عليه، وإن لم نجد فقد حصل الأمر، والمراد به التنفيذ، وإنما جعلت الأسماء دلائل على المسميا ت، وقد ورد اللفظ مشتملا على مسميات فليس بعضها أولى من بعض فيقدم عليه، فهو على عمومه، والحكم جار على جميع ما انطوى عليه، لأن قضية العقول: أن كل متساويين فحكمهما واحد من حيث تساويا إلا بأن يخص أحدهما بمعنى يوجب إفراده عن صاحبه، فإذا عدم دليل الإفراد فلا حكم إلا التسوية، إذ ليس أحدهما أولى من الأخر، وإذا كان هكذا صح ما قلناه في العموم والخصوص، وبالله التوفيق).

من المقدمة في أصول الفقه لابن القصار ص 54-57 طبعة دار الغرب – تحقيق محمد السليماني
هذا أخي من أحسن ما وقفت عليه في هذه المسألة، فإن أعجبك أرد فته بنص آخر فيه تفصيل دقيق من إمام آخر من أئمة المالكية.
الإمام الزركشي في البحر المحيط أطال البحث في هذه المسألة وأحسن النقل في بيان مذهب الصيرفي( رحمه الله) ص 34- 55 من طبعة الكويت.

ملاحظة: لقد أرسلت لك رسالة على الخاص- أخي المتمسك بالحق- فإن وصلت أرجو الرد، إن أمكن.

زياد الرقابي
02-06-04, 02:10 PM
الاخوة الفضلاء بارك الله فيهم .

الاخ الفاضل الفهم الصحيح :

لم تصلنى أي رسالة منكم على الخاص !!

أما فيما يتعلق بكلام ابن القصار فأنه يقرر ترك العمل بالعام حتى ينظر هل ثم مخصص له أم .


و مما أحتج به قوله : ( وإذا لم يجز ذلك وجب أن ننظر ولا نهجم بالتنفيذ قبل التأمل، كما لا نبادر بذلك في الكلام المتصل إلى أن ينتهي إلى آخره فننظر هل يتبعه استثناء أم لا ) .

قلت الفرق كبير بين الامرين إذ كيف نقارن بين الكلام المتصل الذي لايعوز السامع له تنقيب ولا تفتيش عن مخصصات ، بالكتاب والسنة التى هي مليئة بمئات النصوص العامة !

نعم هي في الحكم واحد كالكلام المتصل ، لكن في العمل ليست كالكلام المتصل ، فمن سمع نصا عاما وجب عليه الانصياع والتفتيش عن المخصص انما قلنا به لا لوجبوه لفظا بل لانا وجدنا ان الشريعة قد ( خصص ) الكثير من عموماتها .

لذا فالاظهر وجوب البحث عن المخصص (( بعد العمل )) بالعام .

ثم ان النصوص قد جاءت بوجوب العمل حال سماع النص وعليه جرى فعل السلف ، فأين المخصص والبحث عنه .

ولو قلنا بوجوب البحث عن المخصص فالى متى يتوقف عن العمل بالعام حتى يتحصل على المخصص ، يوم او يومان !!دع عنك ما قال الغزالي في انه يكفى فيه غلبة الظن فهذا غير منضبط .

أما مذهب الصيرفي الذي نقده الشافعيه وتعقبوه فهو من أحسن مذاهبهم بل وعليه نص الشافعي وأن تأوله الشافعيه وتدافعوه .


الاخ الفاضل الازهري :

ما أشرتم اليه في بقاء العموم الغير مخصص على عمومه جيد .

لكن هناك مسألة دقيقة وهي ان الباقي على عمومه ليس بقوة العام الذي لم يخص فأن دلالته تضعف بكثرة المخصصات كما أشار اليه شيخ الاسلام في غير موضع .

زياد الرقابي
02-06-04, 02:18 PM
.

الأزهري السلفي
02-06-04, 06:12 PM
تنبيه :
قول الفاضل المتمسك :
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة المتمسك بالحق

ما أشرتم اليه في بقاء العموم الغير مخصص على عمومه جيد .

ظاهر في أنه سبق قلم منه , يوضحه ما بعده
فهو يعني ما أشرتُ إليه فوق , من أن:
العموم المُخَصَّص يبقى على عمومه بعد التخصيص , حجة فيما لم يُخَص.
...

وأما كون العموم يضعف إذا خصص ففائدة دقيقة نعم
وتظهر أهميتها في مسألة تعارض العمومات
فإن من مسالك الترجيح بين العمومين المتعارضين اللذين يتناولان مسألة واحدة أن تُدخل مسألتك تحت أقوى العمومين
...
ويُعرف أقوى العمومين – نظريا – بالنظر في مخصصاته

فمتى كانت أكثر كان أضعف

ومن أظهر الأمثلة – في نظري – استفادة من هذا المسلك

مسألة ركعتي دخول المسجد في وقت الكراهة

فإنها يتناولها عمومان :

الأول : عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات.

الثاني : عموم النهي عن الجلوس إذا دخل المسجد من غير أن يركع ركعتين ( ومثله عموم الأمر بهما حال دخول المسجد )

فالأول أضعف لأنه خُصَّ بمخصصات أوفر من الثاني
منها :
صلاة الفريضة للنائم عنها , والناسي لها
فلا خلاف على جوازها فيه –فيما أعلم -.
وأما الثاني فلا أعلم مخصِّصا له
ولا يقولن أحد أن يُخص بالعموم الأول , كما ادعى بعض المتمحكين
لأن تخصيص أحد العمومين بالآخر محض تحكـُّم .
لكن لا تظهر لي فائدة هذه القاعدة – أعنى ضعف العموم كلما كثرت مخصصاته – في المسألة التي عنوانها هذا الموضوع
فهما مسألتان متباينتان

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
02-06-04, 06:58 PM
المسألة الأولى : و هي مسألة هل يعمل بالعام قبل البحث .
وقع الخلاف في هذه المسألة بين الأصوليين كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال ( وانما اختلف العلماء فى العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له فقد اختلف فى ذلك أصحاب الشافعي و احمد و غيرهما و ذكروا عن احمد فيه روايتين ) .
و كلام الشيخ رحمه الله هذا ذكره بعد كلام له في العام الذي كثر تخصيصه فنقل الإجماع على أن العام الذي كثر تخصيصه لا يجوز العمل به حتى يتم البحث عن المخصص قال رحمه الله ( و أما إذا كان المدرك هو النصوص العامة فالعام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقى و هذا ايضا لا خلاف فيه ) .
فخلص لنا أن الخلاف في مسألة العام الذي لم يخصص أو خصصت بعض صوره هل يعمل به من دون البحث و التنقيب أم يجب البحث و التنقيب ؟
أولا يجب أن يعلم أن الله تعالى أمر بتقواه حسب القدرة و الإستطاعة و يدخل في تقواه حسب الإستطاعة العلم بمراد الله تعالى و العلم بهذا المراد لعموم اللفظ بتقوى الله تعالى و لما علم من الدين بالضرورة بتقوى الله تعالى حسب الإستطاعة كما قال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن : 16 ) .
و قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران : 102 ) .
و هذا أصل عام يدخل فيه البحث عن مخصص لأنه من تقوى الله تعالى .
و قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث المشهور ( قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"
و هذا الأصل العام يقدم على استصحاب عموم النص قبل البحث عن مخصص لأن الإستصحاب من أضعف الأدلة بل هو في حقيقته ليس بدليل لأنه تمسك بعدم العلم بالدليل و مثل هذا ينقضه الأصل العام الذي ذكرناه بوجوب الإجتهاد و البحث عن مخصص .
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ( أما إذا كان المدرك الاستصحاب و نفي الدليل الشرعي فقد أجمع المسلمون و علم بالاضطرار من دين الاسلام أنه لا يجوز لأحد ان يعتقد و يفتى بموجب هذا الاستصحاب و النفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك فان جميع ما أوجبه الله و رسوله و حرمه الله و رسوله مغير لهذا الاستصحاب فلا يوثق به إلا بعد النظر فى أدلة الشرع لمن هو من أهل لذلك ) فلما نظرنا وجدنا أن الله تعالى أمر أمرا عاما بوجوب تقوى الله تعالى حسب الإستطاعة و يدخل في هذه التقوى البحث عن مخصص للعموم فمن قال بغير ذلك فعليه بدليل خاص لإخراج العمل بالعموم من تقوى الله حسب الإستطاعة .
و أما الإحتجاج بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعلمون بالعموم قبل البحث عن المخصص فهذه من أعظمم الفرى على الصحابة رضي الله عنهم فهم رضوان الله عليهم من أشد الناس بحثا عن سنة النبي صلى الله عليه و سلم و تفتيشا عنها و عندهم من العلم بسنة النبي صلى الله عليه و سلم ما ليس عند المتأخرين و لا يعني هذا أنه لا يخفى عليهم شئ من سنة النبي صلى الله عليه و سلم و لكن قد جمعوا من سنة النبي صلى الله عليه و سلم ما يبين بعضه بهضا و اجتهدوا في ذلك و لو خفي عليهم بعضه فلهم أجر على ذلك بخلاف المتاخرين الذين لم يتلقوا الوحي غضا طريا فهم يتلقونه عن طريق أفواه أهل العلم فمتى اجتهدوا و استفرغوا و سعهم كان حكمهم حكم الصحابة رضي الله عنهم .
لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله عن الإمام أحمد رحمه الله ( ذكروا عن احمد فيه روايتين و أكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه و نحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة و أقوال الصحابة و التابعين ) .
و هنا مسألة أخرى لها متعلق قوي و هي عل يشترط للعمل بالعام الجزم لعدم وجود المخصص نقول أنه ليس من شرط العمل بالعام بعد البحث الجزم بعدم وجود المخصص بالعمل بالعام بعد البحث هو عمل بالدليل و من أستفرغ و سعه و غلب عل ظنه عدم وجود المخصص وجب عليه العمل بالعام فكما أن يجوز العلم بالمطلق مع غلبة الظن من عدم وجود المقيد و العمل بالنص بعد غلبة الظن من عدم وجود الناسخ كذلك يجب العلم بالعام بعد البحث و استفراغ الوسع و غلبة الظن من عدم وجود المخصص و غلبة الظن هنا حكمها حكم الجزم بعدم وجود المخصص فهي من العلم بعدم وجود المخصص عند من اجتهد لا من عدم العلم بوجود المخصص كما هو حال الإستصحاب .
و ما رجحناه من أنه يجب البحث عن المخصص في النص العام الذي لم يرد عليه مخصص او خصصت بعض صوره هو ترجيح شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ( وانما اختلف العلماء فى العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له فقد اختلف فى ذلك أصحاب الشافعي و احمد و غيرهما و ذكروا عن احمد فيه روايتين و أكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه و نحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة و أقوال الصحابة و التابعين و غيرهم و هذا هو الصحيح الذى اختاره أبو الخطاب و غيره فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فاذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه و هذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين فى اكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض ) .
و الله أعلم .

عبد الرحمن السديس
02-06-04, 09:47 PM
في مجموع الفتاوى 6/440-445
وماقبله ، وبعده لكن هو المهم .

كلام نفيس جدا في المسألة المطروحة.

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
02-06-04, 10:53 PM
قد يقول قائل أنك قد شددت بقولك ( و أما الإحتجاج بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعلمون بالعموم قبل البحث عن المخصص فهذه من أعظمم الفرى على الصحابة رضي الله عنهم ) .
و سأبين علة تشديدي و قولي بأنه من أعظم الفرى .
من المعلوم أن العام عند نزوله في زمن النبي صلى الله عليه و سلم له ثلاث حالات :
الأولى : أن يكون له مخصص قبل نزوله و من المعلوم أن الصحابة رضي عنهم خاصة أهل العلم و الفتيا منهم كانوا من أكثر الناس كما ذكرنا علما و معرفة بالكتاب و السنة ناسخه و منسوخه و مطلقه و مقيده و عامه و خاصه و من تتبع أقوال الصحابة رضي الله عنهم علم ذلك علم اليقين و إن كان بعضهم قد يخفى عليه بعض ذلك و لكن القول بأن الصحابه رضي الله عنهم لا يعلمون هذا الخاص قبل نزوله من الكذب عليهم رضي الله عنهم .
الثانية : و هي مقارنة المخصص للعموم و هذا كما هو معلوم لا يحتاج إلى بحث أو تنقيب لأن مخصص ملحق به إلا أن يقال لعل هناك مخصص سابق له قيل هنا يرجع للحاله الأولى بأن الصحابة كان أعلم الناس بالكتاب و السنة .
الثالثة : و هي نزول العام مع عدم وجود مخصص سابق له و لا مقارن له فهذا يجب العمل به بالنسبة للصحابة رضوان الله عليهم لأنهم يعلمون أنه ليس هناك مخصص سابق و لا مقارن إلا أن يقال بأنه ينتظر لعله ينزل مخصص له و هذا قول مجرد إيراده يدل على بطلانه .
بعد هذا كله كيف ينسب للصحابة رضوان الله عليهم ترك التفتيش و البحث عن مخصص للعام .
و الله أعلم .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
03-06-04, 12:01 AM
كلام شيخ الإسلام الذي أشار له الأخ الفاضل / عبد الرحمن السديس في مجموع الفتاوى 6 / 440 - 445 موضوعه الرد على من قال بأن اكثر عمومات الشرع مخصصه و سأنقل النص كاملا حتى يستفيد الإخوة لعل بعضهم قد لا يكون عنده الوقت الكافي للرجوع لهذا النص او قد يتكاسل في الرجوع له .
قال رحمه الله ( فان قيل دلالة العموم ضعيفة فانه قد قيل أكثر العمومات مخصوصة وقيل ما ثم لفظ عام الا قوله ( وهو بكل شىء عليم ( ومن الناس من أنكر دلالة العموم رأسا
قلنا أما ( دلالة العموم المعنوى العقلى ( فما أنكره أحد من الأمة فيما أعلمه بل ولا من العقلاء ولا يمكن انكارها اللهم الا أن يكون فى ( أهل الظاهر الصرف ( الذين لا يلحظون المعانى كحال من ينكرها لكن هؤلاء لا ينكرون عموم الالفاظ بل هو عندهم العمدة ولا ينكرون عموم معانى الالفاظ العامة والا قد ينكرون كون عموم المعانى المجردة مفهوما من خطاب الغير
فما علمنا أحدا جمع بين انكار ( العمومين ( اللفظى والمعنوى ونحن قد قررنا العموم بهما جميعا فيبقى محل وفاق مع العموم المعنوى لا يمكن انكاره فى الجملة ومن أنكره سد على نفسه اثبات حكم الاشياء الكثيرة بل سد على عقله اخص اوصافه وهو القضاء بالكلية العامة ونحن قد قررنا العموم من هذا الوجه بل قد اختلف الناس فى هذامثل العموم هل يجوز تخصيصه على قولين مشهورين و أما ( العموم اللفظى ( فما أنكره ايضا امام ولا طائفة لها مذهب مستقر فى العلم ولا كان فى ( القرون الثلاثة ( من ينكره وانما حدث انكاره بعد المائة الثانية وظهر بعد المائة الثالثة واكبر سبب انكاره اما من المجوزين للعفو من ( أهل السنة ( ومن أهل المرجئة من ضاف عطنه لما ناظره الوعيدية بعموم ايات الوعيد واحاديثه فاضطره ذلك الى ان جحد العموم فى اللغة والشرع فكانوا فيما فروا اليه من هذا الجحد كالمستجير من الرمضاء بالنار
ولو اهتدوا للجواب الشديد ( للوعيدية ( من أن الوعيد فى اية وان كان عاما مطلقا فقد خصص وقيد فى اية اخرى جريا على السنن المستقيمة اولى بجواز العفو عن المتوعد وان كان معينا تقييدا للوعيد المطلق وغير ذلك من الاجوبة وليس هذا موضع تقرير ذلك فان الناس قد قرروا العموم بما يضيق هذا الموضع عن ذكره
وان كان قد يقال بل العلم بحصول العموم من صيغه ضرورى من اللغة والشرع والعرف والمنكرون له فرقة قليلة يجوز عليهم جحد الضروريات او سلب معرفتها كما جاز على من جحد العلم بموجب الاخبار المتواترة وغير ذلك من المعالم الضرورية
وأما من سلم أن العموم ثابت وانه حجة وقال هو ضعيف او اكثر العمومات مخصوصة وانه ما من عموم محفوظ الا كلمة او كلمات
فيقال له ( أولا ( هذا سؤال لا توجيه له فان هذا القدر الذى ذكرته لا يخلو اما أن يكون مانعا من الاستدلال بالعموم او لا يكون فان كان مانعا فهو مذهب منكرى العموم من الواقفة والمخصصة وهو مذهب سخيف لم ينتسب اليه وان لم يكن مانعا من الاستدلال فهذا كلام ضائع غايته ان يقال دلالة العموم اضعف من غيره من الظواهر وهذا لا يقر فانه ما لم يقم الدليل المخصص وجب العمل بالعام
ثم يقال له ( ثانيا ( من الذى سلم لكم أن العموم المجرد الذى لم يظهر له مخصص دليل ضعيف ام من الذى سلم أن اكثر العمومات مخصوصة ام من الذى يقول ما من عموم الا قد خص الا قوله ( بكل شىء عليم ( فان هذا الكلام وان كان قد يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد فى كلام بعض المتكلمين فى اصول الفقه فانه من أكذب الكلام وأفسده
والظن بمن قاله ( أولا ( أنه انما عنى أن العموم من لفظ ( كل شىء ( مخصوص الا فى مواضع قليلة كما قوله ( تدمر كل شىء ( وأوتيت من كل شىء ( فتحنا عليهم ابواب كل شىء ( والا فأى عاقل يدعى هذا فى جميع صيغ العموم فى الكتاب والسنة وفى سائر كتب الله وكلام انبيائه وسائر كلام الامم عربهم وعجمهم
وأنت اذا قرأت القرآن من أوله الى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة لا مخصوصة سواء عنيت عموم الجمع لافراده أو عموم الكل لاجزائه أو عموم الكل لاجزئياته فاذا اعتبرت قوله ( الحمد لله رب العالمين ( فهل تجد أحدا من العالمين ليس الله ربه ( مالك يوم الدين ( فهل فى يوم الدين شىء لا يملكه الله ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( فهل فى المغضوب عليهم ولا الضالين أحد لا يجتنب حاله التى كان بها مغضوبا عليه أو ضالا ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( الآية فهل فى هؤلاء المتقين أحد لم يهتد بهذا الكتاب ( والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك ( هل فيما أنزل الله ما لم يؤمن به المؤمنون لا عموما ولا خصوصا ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( هل خرج أحد من هؤلاء المتقين عن الهدى فى الدنيا وعن الفلاح فى الآخرة
ثم قوله ( ان الذين كفروا ( قيل هو عام مخصوص وقيل هو لتعريف العهد فلا تخصيص فيه فان التخصيص فرع على ثبوت عموم اللفظ ومن هنا يغلط كثير من الغالطين يعتقدون أن اللفظ عام ثم يعتقدون أنه قد خص منه ولو امعنوا النظر لعملوا من اول الامر ان الذى اخرجوه لم يكن اللفظ شاملا له ففرق بين شروط العموم وموانعه وبين شروط دخول المعنى فى ارادة المتكلم وموانعه
ثم قوله ( لا يؤمنون ( أليس هو عاما لمن عاد الضمير اليه عموما محفوظا ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم ( أليس هو عاما فى القلوب وفى السمع وفى الابصار وفى المضاف اليه هذه الصفة عموما لم يدخله تخصيص وكذلك ( ولهم ( وكذلك فى سائر الايات اذا تأملته الى قوله ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم ( فمن الذين خرجوا من هذا العموم الثانى فلم يخلقهم الله له وهذا باب واسع .
وان مشيت على آيات القرآن كما تلقن الصبيان وجدت الامر كذلك فانه سبحانه قال ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس اله الناس ( فأى ناس ليس الله ربهم أم ليس ملكهم أم ليس الههم ثم قوله ( من شر الوسواس الخناس ( ان كان المسمى واحدا فلا عموم فيه وان كان جنسا فهو عام فأى وسواس خناس لا يستعاذ بالله منه
وكذلك قوله ( برب الفلق ( أى جزء من ( الفلق ( أم أى ( فلق ( ليس الله ربه ( من شر ما خلق ( أى شر من المخلوق لا يستعاذ منه ( ومن شر النفاثات ( اى نفاثة فى العقد لا يستعاذ منها وكذلك قوله ( ومن شر حاسد ( مع أن عموم هذا فيه بحيث دقيق ليس هذا موضعه
ثم ( سورة الاخلاص ( فيها اربع عمومات ( لم يلد ( فانه يعم جميع انواع الولادة وكذلك ( لم يولد ( وكذلك ( ولم يكن له كفوا أحد ( فانها تعم كل أحد وكل ما يدخل فى مسمى الكفؤ فهل فى شىء من هذا خصوص
ومن هذا الباب كلمة الاخلاص التى هى اشهر عند أهل الاسلام من كل كلام وهى كلمة ( لا اله الا الله ( فهل دخل هذا العموم خصوص قط
فالذى يقول بعد هذا ما من عام الا وقد خص الا كذا وكذا اما فى غاية الجهل واما فى غاية التقصير فى العبارة فان الذى أظنه انه انما عنى ( من الكلمات التى تعم كل شىء ( مع أن هذا الكلام ليس بمستقيم وان فسر بهذا لكنه اساء فى التعبير ايضا فان الكلمة العامة ليس معناها انها تعم كل شىء وانما المقصود ان تعم ما دلت عليه أى ما وضع اللفظ له وما من لفظ فى الغالب الا وهو اخص مما هو فوقه فى العموم واعم مما هو دونه فى العموم والجميع يكون عاما
ثم عامة العرب وسائر الامم انما هو اسماء عامة والعموم اللفظى على وزان العموم العقلى وهو خاصية ( العقل ( الذى هو أول درجات التمييز بين الانسان وبين البهائم ... ) نهاية كلام شيخ الإسلام رحمه الله في الرد على من قال بأن غالب عمومات الشرع مخصوصة و هو كلام كما يقال دسم فيه فوائد كثيرة جدا و تفصيل لمذاهب الناس في العموم و الرد عليهم و لو تكلم متكلم في شرح هذا الكلام لبلغ مجلدا كاملا من غير مبالغة .

زياد الرقابي
03-06-04, 02:36 AM
جزاكم الله خيرا على المباحثة ،،،،

و لعلي أذكر مذاهب اهل العلم في هذه المسألة ثم نعكف على مناقشتها :

الحنابلة رحمهم الله جمهورهم وهي الرواية المشهورة أنه يجوز العمل بالعام وليس من شرطه ( غلبة الظن ) او القطع بعدم وجود المخصص .

وهذه هي الرواية المشهورة وهي اختيار ابي يعلي في العدة ، والخلال ، وابن قدامة كما في الروضة ، والطوفي ، وقرره ابن عقيل كما في الواضح وناقش المخالف .

والرواية الثانية عدم الجواز واليها ذهب أبو الخطاب .


اما الشافعيه فجمهورهم على انه لايجوز العمل بالعام قبل التأكد من عدم وجود المخصص . واليه ذهب عامتهم وقرره الغزالي .

والرواية الاخرى وجوب العمل واليه ذهب الصيرفي ( أبو بكر ) وابن برهان ، وفيه نص كأنه صريح من الشافعي رحمه الله في هذا لكن تكلف المخالفون في تأوليه .

وهو قوله : ( والكلام إذا كان عاما ظاهرا كان على ظاهره وعمومه , حتى تأتي دلالة تدل على خلاف ذلك ) .

وله قول يحتج به المخالفون .

وأما المالكيه :

فقد نقل الزركشي عن ابن عبدالبر أن أهل الحجاز يتمسكون بالعمل بالعام دون البحث عن مخصص .

وقال - الرزكشي - هو قول ابو العابس القرطبي منهم .

و أما الحنفيه فلهم فيها قولان أيضا مشهوران عنهدهم كالروايتين عن أحمد .



وقد نقلت ان القول الاظهر في هذا الباب هو القول (بوجوب العمل بالعام حين وروده لان هذا مقتضى الامتثال المأمور به ، لكن يشترط لاستدامة العمل غلبة الظن بعد وجود المخصص ) .

وهذا كما تقدم مثل الدليل الشرعي فأنه أذا جاء الدليل بالوجب فأنه يقتضى الوجوب ولا يقال يجب البحث عن معارض لانه قد يكون للندب .

بل يقال يجب العمل به ثم أذا وجد المعارض نظر في دلالته على الوجوب .

أما كلام الاخ عبدالرحمن :

حول مسألة عمل الصحابة فأني أسالك أخي الكريم على القسم الاول والذي قلت فيه :

الأولى : أن يكون له مخصص قبل نزوله و من المعلوم أن الصحابة رضي عنهم ....... و إن كان بعضهم قد يخفى عليه بعض ذلك .


هنا قررتم بارك الله فيكم أنه قد يخفى على الصحابة وجود المخصص ، فأني أسالك : ( هل علم أن من هؤلاء الصحابة الذين خفي عليهم وجود المخصصات من توقف عن العمل بالعام حتى تأكد من عدم وجود المخصص ) .

كما بادر عمرو بن العاص الى العمل بقول الله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) فترك الغسل في البرد ولم يعاتبه الرسول صصص .

فأنت تقرر انه قد يأتي عموم ويخفى عن بعض الصحابة تخصيص بعضه فهل عهدة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يسألوا عن مخصص أو يبادروا الى العمل .

لاحظ ان الكلام هو عن الفئة التى خفي عليها وجود المخصص هل ((( التزمت بالعمل أو سألت ونقبت عن المخصص ثم بادرت بالعمل ))) .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
03-06-04, 11:52 AM
أخي الفاضل المستمسك بالحق جزاك الله خير الجزاء على نقلك لأقوال اهل العلم في هذه المسألة .
و أما قولك ( حول مسألة عمل الصحابة فأني أسالك أخي الكريم على القسم الاول والذي قلت فيه :
الأولى : أن يكون له مخصص قبل نزوله و من المعلوم أن الصحابة رضي عنهم ....... و إن كان بعضهم قد يخفى عليه بعض ذلك .
هنا قررتم بارك الله فيكم أنه قد يخفى على الصحابة وجود المخصص ، فأني أسالك : ( هل علم أن من هؤلاء الصحابة الذين خفي عليهم وجود المخصصات من توقف عن العمل بالعام حتى تأكد من عدم وجود المخصص ) .
كما بادر عمرو بن العاص الى العمل بقول الله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) فترك الغسل في البرد ولم يعاتبه الرسول .
فأنت تقرر انه قد يأتي عموم ويخفى عن بعض الصحابة تخصيص بعضه فهل عهدة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يسألوا عن مخصص أو يبادروا الى العمل .
لاحظ ان الكلام هو عن الفئة التى خفي عليها وجود المخصص هل ((( التزمت بالعمل أو سألت ونقبت عن المخصص ثم بادرت بالعمل ))) .
اخي الفاضل فلعي لم أبين معنى قولي ان قد يخفى على بعض الصحابة هذا المخصص فيعملوا بالعموم و كان في ذهني بيان ما أريده بكلامي و لكن كتبت ما كتبت و نسيت ان أبين مرادي .
أريد بقولي أنه قد يخفى على بعض الصحابة المخصص أي انه الصحابي كما ذكرت في المسألة الأولى من أشد الناس بحثا عن الدليل و معرفة المحدث من التنزيل و لكن مع اجتهاده و بحثه قد يخفى عليه بعض المخصصات ثم لما ينزل العام يبادر العلم به على حسب غلبة ظنه و اجتهاده .
لا أنه بادر من غير بحث و لا تنقيب من العمل و هذا المسألة هي في حقيقتها داخلة في أن الأصل في الصحابة رضوان الله عليهم من أشد الناس تنقيبا عن الحديث من الكتاب و السنة .
و نخلص إلى أن الصحابة حتى لو خفي عليه المخصص المتقدم فهو قد اجتهد و بذل وسعه في معرفة الخاص من العام .
و هذه المسألة هي عينها في عمل الصحابة بما يرده من دليل و إن كان قد خفي عليه دليل آخر من ناسخ و منسوخ او مطلق و مقيد و يدخل فيه العام و المخصص بل و حتى العمل بالقياس إذا لم يعلم دليل في عين المسألة و إن كان هناك دليل قد خفي عليه .
لذا كان الصحابة رضي الله عنهم يبادروا بالعمل بما وردهم لأنهم حقيقة إما عندهم مخصص لهذا العام الجديد أو أنه على حسب اجتهاده غلب على ظنه عدم وجود المخصص أو جزم بذلك .
هذا الجواب على إيرادك .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
03-06-04, 03:34 PM
المسألة الثانية :
أخي المستمسك بالحق ما ذكرته بقولك ( وهذا كما تقدم مثل الدليل الشرعي فأنه أذا جاء الدليل بالوجب فأنه يقتضى الوجوب ولا يقال يجب البحث عن معارض لانه قد يكون للندب .
بل يقال يجب العمل به ثم إذا وجد المعارض نظر في دلالته على الوجوب . ) .
هذا الكلام هو عين الدعوى التي أدعيتها في أن النص ما متى بلغنا وجب علينا العلم ثم بعد ذلك متى ما ظهر لنا المخصص علمنا بالمخصص .
و الدعوى لا تصلح دليلا بل يجب إقامة البينة على صحة الدعوى .
و الرد على هذه الدعوى هو عينه الرد على دعوى ان يجب العمل بادليل دون البحث عن مخصص .
و نزيد على ما ذكرناه سابقا أن الدليل حين يرد على الصحابة رضوان الله عليهم يكون غضا طريا و هذا فرق مؤثر بين حال النبي صلى الله عليه و سلم و حال من بعدهم .
و هنا فرق آخر أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يحتاجون إلى تعلم اللغة و أصول الفقه و غيرها من علوم الآلة فانهم كانوا يعرفون هذه العلوم بالفطرة .
و فرق آخر هو أن الصحابة رضوان الله عليهم من أشد الناس بحثا و تنقيبا عن الكتاب و السنة و نذكر بعض الأحاديث التي تبين لنا حرص الصحابة على تتبع الكتاب و السنة .
‏قال عبد الله ‏ ‏رضي الله عنه ‏
( ‏والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه ) .
عن ‏ابن عباس ‏ ‏رضي الله عنهما ‏ ‏قال ‏
( ‏لما قدم ‏ ‏وفد عبد القيس ‏ ‏على النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال مرحبا بالوفد الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامى فقالوا يا رسول الله إنا حي من ‏ ‏ربيعة ‏ ‏وبيننا وبينك ‏ ‏مضر ‏ ‏وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام فمرنا بأمر فصل ندخل به الجنة وندعو به من وراءنا فقال ‏ ‏أربع وأربع أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا خمس ما غنمتم ولا تشربوا في ‏ ‏الدباء ‏ ‏والحنتم ‏ ‏والنقير ‏ ‏والمزفت ) .
‏عن ‏ ‏عمران بن حصين ‏ ‏قال ‏
( ‏إني عند النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذ جاءه قوم من ‏ ‏بني تميم ‏ ‏فقال اقبلوا البشرى يا ‏ ‏بني تميم ‏ ‏قالوا بشرتنا فأعطنا فدخل ناس من ‏ ‏أهل ‏ ‏اليمن ‏ ‏فقال اقبلوا البشرى يا ‏ ‏أهل ‏ ‏اليمن ‏ ‏إذ لم يقبلها ‏ ‏بنو تميم ‏ ‏قالوا قبلنا جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال ‏ ‏كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ثم أتاني رجل فقال يا ‏ ‏عمران ‏ ‏أدرك ناقتك فقد ذهبت فانطلقت أطلبها فإذا السراب ينقطع دونها وايم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم ‏) .
‏عن ‏ ‏حذيفة ‏رضي الله عنه ‏قال ‏
( ‏يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا ) .
و كل هذه الأحاديث و الآثار عند البخاري .
و عند مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما من قول عمر رضي الله عنه ( وكان لي جار من الأنصار ، فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فينزل يوما وأنزل يوما ، فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وآتيه بمثل ذلك . وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا ، فنزل صاحبي ، ثم أتاني عشاء ، فضرب بابي ، ثم ناداني ، فخرجت إليه ، فقال : حدث أمر عظيم ، قلت : ماذا ؟ أجاءت غسان ؟ قال : لا ، بل أعظم من ذلك وأطول ... ) .
و غيرها كثير جدا لا يسع المقام لنقلها .
أتظن أن مثل هؤلاء يقاس حالهم بحال من بعدهم بل أتظن أنهم لا يعلمون الخاص قبل العام قبل ورود العام إن كان هناك مخصص يا اخي قياس حالنا بحال الصحابة رضوان الله عليهم من أفسد القياس لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله عن الإمام أحمد ( و أكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه و نحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة و أقوال الصحابة و التابعين و غيرهم ) و هذا ليس تقليدا للإمام أحمد و إن كان مثله أهل أن يقلد و لكن لما تبين لي من دليل أنه لا يقاس حالنا بحال الصحابة لا شرعا و لا عقلا .
و أما قول الأخ الفاضل المستمسك بالحق ( كما بادر عمرو بن العاص الى العمل بقول الله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) فترك الغسل في البرد ولم يعاتبه الرسول . ) .
فهذه أخي مسألة أخرى و هي أن المجتهد إذا جاءه وقت العمل و بلغه الدليل و لم يستطع الإجتهاد لضيق الوقت هل يعمل بما بلغه هنا وجب عليه العلم بما عنده من العلم و لا يترك العمل بحجة إمكانية وجود مخصص فلا يترك عندها المتيقن بالمتوهم .
و مسألة أخرى كذلك هل يجوز للمجتهد عندها التقليد نقل أهل العلم في هذه المسألة ثلاثة أقوال :
الأول : الجواز
الثاني : التحريم
الثالث : الجواز عند الحاجة و هو الصحيح و هو ترجيح شيخ الإسلام بن تيمية و ابن القيم رحمهما الله .
و وجه آخر في فعل عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه كان يعلم عموم وجوب غسل الجنب كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة : 6 ) فعارضه عموم آخر عنده و هو وجوب المحافظة على النفس و عدم إزهاقها و هي قول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء : 29 ) .
فقدم عموم آية النساء على عموم آية المائدة فأقره النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك .
و هذه الحادثة تؤيد ما ذكرناه من أن الصحابة رضي الله عنهم متى ما علموا بالمخصص عملوا به و هذا كذلك يرد على قول الأخ المستمسك بالحق ( فهل عهد من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يسألوا عن مخصص أو يبادروا الى العمل ) فهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه لم يعمل بعموم وجوب غسل الجنابة لما ثبت عنده مخصص له أتظن أن الصحابة لا بد أن يفتشوا عن الكتب و يبحثوا في بطونها كحالنا اليوم .
بل علومهم محفوظة في صدروهم فهي معهم أينما حلوا و ارتحلوا و هذا أمر معلوم بالإضطرار من حال الصحابه رضوان الله عليهم يعلمه العام قبل الخاص .
و في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه فائدة أخرى و هي أن الفهوم تختلف فبعض الصحابة رضوان الله عليهم أنكر على عمرو تركه للغسل لما أجنب بينما أصر عمرو رضي الله عنه على تركه للغسل و اكتفائه بالوضوء و ذكر لهم دليله و أقره النبي صلى الله عليه و سلم على فعله .
و الله أعلم .









عبد الرحمن بن طلاع المخلف
03-06-04, 06:10 PM
و سأطرح على الأخ الفاضل المستمسك بالحق عدة أسئلة و انتظر الجواب منه .
السؤال الأول : أرأيت لو أن الصحابي تساوى عنده الإحتمالان أي وجود المخصص و عدم وجوده هل يقدم الصحابي على العمل بما بلغه من دليل ؟
الثاني : لو أن الصحابي عمل بالعام وبادر به هل هنا جزم بعدم وجود المخصص او غلب على ظنه أم كان الإحتمالان متساوين ؟
الثالث: لو ترجح عن الصحابي عدم وجود المخصص أو جزم بذلك هل جزم بعلم أم بجهل ؟
الرابع : ما وصل له الصحابي من غلبة ظن أو جزم هل جاء بعد اجتهاد و استفراغ وسع أم هو أمر فطري ؟
الخامس : لو فرض أن الصحابي علم بوجود المخصص هل علمه بعد اجتهاد أم هو إلهام ؟
السادس : و لو قيل أنه علمه بعد اجتهاد فما باله يجتهد بالبحث و الطلب قبل ورود العام ثم لما ورد العام عليه وجب عليه أن يبادر إلى الإمتثال دون البحث عن المخصصات ؟
السابع : أيهما أولى بالبحث البحث عن العلم قبل ورود العمل أم البحث عنه حين ورود العمل ؟

العيدان
03-06-04, 07:04 PM
بسم اللــه

أحبتي الكـرام ..

ألايمكن التفريق بين العالم والشخص العادي
ففي حق العالم لا يشترط البحث عن المخصص
أما العامي فيبحث عنــه ..

الفهم الصحيح.
03-06-04, 09:38 PM
اقال الشاطبي - رحمه الله- :

لعمومات إذا اتحد معناها، وانتشرت في أبواب الشريعة، أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص، فهي مجراة على عمومها على كل حال وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل.
والدليل على ذلك الاستقراء، فإن الشريعة قررت أن لا حرج علينا في الدين في مواضع كثيرة، ولم تستثن منه موضعا ولا حالا، فعده علماء الملة أصلا مطردا وعموما مرجوعا إليه من غير استثناء، ولا طلب مخصص، ولا احتشام من إلزام الحكم به، ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام........................ وعلى الجملة؛ فكل أصل تكرر تقريره وتأكد أمره وفهم ذلك من مجاري الكلام فهو مأخوذ على حسب عمومه، وأكثر الأصول تكرارا الأصول المكية؛ كالأمر بالعدل والإحسان..............
فأما إن لم يكن العموم مكررا ولا مؤكدا ولا منتشرا في أبواب الفقه؛ فالتمسك بمجرده فيه نظر، فلا بد من البحث عما يعارضه أو يخصصه، وإنما حصلت التفرقة بين الصنفين لأن ما حصل فيه التكرار والتأكيد والانتشار صار ظاهره باحتفاف القرائن به إلى منزلة النص القاطع الذي لا احتما ل فيه، بخلاف ما لم يكن كذلك فإنه معرض لاحتمالات، فيجب التوقف في القطع بمقتضاه حتى يعرض على غيره ويبحث عن وجود معارض فيه.
فصل

وعلى هذا يبنى القول في العمل بالعموم، وهل يصح من غير بحث عن المخصص، أم لا؟ فإنه إذا عرض على هذا التقسيم؛ أفاد أن القسم الأول غير محتاج فيه إلى بحث، إذ لا يصح تخصيصه إلا حيث تخصص القواعد بعضها بعضا.
فإن قيل: في أنه قد حكي الإجماع في أنه يمنع العمل بالعموم حتى يبحث هل له مخصص، أم لا؟ وكذلك دليل مع معارضه، فكيف يصح القول بالتفصيل؟ .
فالجواب: إن الإجماع إن صح، فمحمول على غير القسم المتقدم جمعا بين الأدلة.
وأيضا فالبحث يبرز أن ما كان من العمومات على تلك الصفة ، فغير مخصص، بل هو على عمومه فيحصل من ذلك بعد بحث المتقدم ما يحصل للمتأخر دون بحث بناء على ما ثبت من الاستقراء، والله أعلم.

ولبعض المتأخرين رأي أذكره في مشاركة أخرى إن شاء الله

الفهم الصحيح.
03-06-04, 09:40 PM
اقال الشاطبي - رحمه الله- :

لعمومات إذا اتحد معناها، وانتشرت في أبواب الشريعة، أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص، فهي مجراة على عمومها على كل حال وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل.
والدليل على ذلك الاستقراء، فإن الشريعة قررت أن لا حرج علينا في الدين في مواضع كثيرة، ولم تستثن منه موضعا ولا حالا، فعده علماء الملة أصلا مطردا وعموما مرجوعا إليه من غير استثناء، ولا طلب مخصص، ولا احتشام من إلزام الحكم به، ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام........................ وعلى الجملة؛ فكل أصل تكرر تقريره وتأكد أمره وفهم ذلك من مجاري الكلام فهو مأخوذ على حسب عمومه، وأكثر الأصول تكرارا الأصول المكية؛ كالأمر بالعدل والإحسان..............
فأما إن لم يكن العموم مكررا ولا مؤكدا ولا منتشرا في أبواب الفقه؛ فالتمسك بمجرده فيه نظر، فلا بد من البحث عما يعارضه أو يخصصه، وإنما حصلت التفرقة بين الصنفين لأن ما حصل فيه التكرار والتأكيد والانتشار صار ظاهره باحتفاف القرائن به إلى منزلة النص القاطع الذي لا احتما ل فيه، بخلاف ما لم يكن كذلك فإنه معرض لاحتمالات، فيجب التوقف في القطع بمقتضاه حتى يعرض على غيره ويبحث عن وجود معارض فيه.
فصل

وعلى هذا يبنى القول في العمل بالعموم، وهل يصح من غير بحث عن المخصص، أم لا؟ فإنه إذا عرض على هذا التقسيم؛ أفاد أن القسم الأول غير محتاج فيه إلى بحث، إذ لا يصح تخصيصه إلا حيث تخصص القواعد بعضها بعضا.
فإن قيل: في أنه قد حكي الإجماع في أنه يمنع العمل بالعموم حتى يبحث هل له مخصص، أم لا؟ وكذلك دليل مع معارضه، فكيف يصح القول بالتفصيل؟ .
فالجواب: إن الإجماع إن صح، فمحمول على غير القسم المتقدم جمعا بين الأدلة.
وأيضا فالبحث يبرز أن ما كان من العمومات على تلك الصفة ، فغير مخصص، بل هو على عمومه فيحصل من ذلك بعد بحث المتقدم ما يحصل للمتأخر دون بحث بناء على ما ثبت من الاستقراء، والله أعلم.
الموافقات 4/69-71 طبعة الشيخ مشهور

ولبعض المتأخرين رأي أذكره في مشاركة أخرى إن شاء الله

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
03-06-04, 11:28 PM
المسألة الثالثة : و هي قول الأخ الفاضل المستمسك بالحق ( هنا قررتم بارك الله فيكم أنه قد يخفى على الصحابة وجود المخصص ، فأني أسالك : ( هل علم أن من هؤلاء الصحابة الذين خفي عليهم وجود المخصصات من توقف عن العمل بالعام حتى تأكد من عدم وجود المخصص ) .
كما بادر عمرو بن العاص الى العمل بقول الله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) فترك الغسل في البرد ولم يعاتبه الرسول . ) .
سأبين للأخ ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يبادرون إلا فيما غلب على ظنهم أو جزموا بعدم وجود المخصص أو وجد المخصص فخصصوا به العام .
و سأذكر عدة أدلة تدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يستشكلون كثير من العمومات لأنه يغلب على ظنهم أنها ليس على عمومها و يفهم أن غيرها من العمومات ما بادروا إلى العمل بها و اعتقادها إلا أنها قد غلب على ظنهم عدم وجود المخصص .
الدليل الأول : عن عبد الله رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية : {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم). شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا : أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه : {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}).
هذا الحديث يدل دلالة واضحة أن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يبادروا إلى اعتقاد أو العمل بكل ما يرد عليهم من غير بحث و اجتهاد .
فهم هنا فهموا عموم الآية و أنه كل من لم يظلم نفسه له الأمن و هو مهتدي و كلمة ظلم في الآية في نكرة سياق النفي و هي تعم كما هو قول جمهور الأصوليين و كما فهمها الصحابة رضوان الله عليهم و لكن هذا العموم استشكل على الصحابة فلم تقبله أنفسهم لما أحسوا أنه فيه مشقة عليهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم و سؤالهم كان بسبب تعارض وجد عندهم بين الآية و بين المشقة التي سيتعرضون لها و هم مستقر عندهم ان هذا الدين لا ياتي بمثل هذه المشقة بل إن الله تعالى يغفر الذنوب و يستر العيوب فكيف ينفى عنهم الأمن العام و الإهتداء العام .
و لو أنهم كانوا يقبلون كل شئ يرد عليهم لما استشكلوا عموم هذه الآية .
الدليل الثاني : أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول، عند حفصة " لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة، أحد. الذين بايعوا تحتها" قالت : بلى. يا رسول الله! فانتهرها. فقالت حفصة : {وإن منكم إلا واردها} [19/مريم /71] فقال النبي صلى الله عليه وسلم "قد قال الله عز وجل : {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}" [19/مريم /72].
فانظر في هذا الحديث و تدبر به و انظر كيف تعارض عندها العمومان عموم قول النبي صلى الله عليه و سلم ( لا يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة ) و عموم قوله تعالى ( و إن منكم إلا واردها ) و لو أنها تبادر بأخذ ما سمعت من النبي صلى الله عليه و سلم من غير رجوع للمخصصات لما رأيتها ردت على رسول الله تعالى و هذا فيه دلالة واضحة أن الصحابة رضوان الله عليهم ما بادروا إلى العمل بما سمعوه إلا لما عرضوه على علمهم فلم يجدوا له مخصصا و إلا لو وجدوا له مخصصا أتراهم يسكتوا و لا يتكلموا كما تكلمت حفصه رضي الله عنها بل عارضت النبي صلى الله عليه و سلم حتى انتهرها .
و في هذه الآحاديث دلائل أخرى ليس هذا مجال بحثها من أهمهما فهم الصحابة لعموم الأيات و الأحاديث و ما يدل على العموم و ما لايدل عليه و الترجيح بين العمومات و الأدلة و تقديم بعضها على بعض .
و فيها قاعدة تفسيرية مهمة جدا و هي النظر إلى سياق الآيات لبيان معناها فالنبي صلى الله عليه و سلم احتج على حفصة رضي الله عنها بأخر الآية على أولها و بين معنى قوله تعالى ( و إن منكم إلا واردها ) و أنها ليس على عمومها بان اهل الشجرة يدخلون النار و لا يخرجون منها أبدا و إن كان أهل أهل العلم اختلفوا في معنى الورود في هذه الآية هل هو الدخول أو المرور و لكن ما ذكرنا من قاعدة تدل عليه الآية على كلا القولين .
الدليل الثالث :قال النبي صلى الله عليه و سلم (تحشرون حفاة عراة غرلا). قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال : (الأمر أشد من أن يهمهم ذاك).
فعائشه رضي الله عنه لم تسلم بفهم هذا الحديث على عمومه ابتداءا لما وقع عندها اشكال في معنى هذا الحديث معنى استشكالها طبعي لا شرعي مع ذلك سألت النبي صلى الله عليه و سلم حتى تتبين هل هذا الحديث على عمومه أم لا ؟
فيقال أيظن ظان لو أن الصحابة إذا ورد عندهم حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم ثم بادروا بالعمل به أبدارهم هذا كان عن غلبة ظن او جزم من عدم وجود المخصص أم من غير ذلك أي انهم كانوا يبادروا على كل حال سواء غلب على ظنهم عدم وجود المخصص أم لم يغلب على ظنهم لأن المراد عندهم هو المبادرة باتباع النبي صلى الله عليه و سلم .
الدليل الرابع : أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه، إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حوسب عذب). قالت عائشة: فقلت: أوليس يقول الله تعالى: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا}. قالت: فقال: (إنما ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب يهلك).
فهذه عائشه رضي الله عنها كانت تراجع النبي صلى الله عليه و سلم فيما لا تعرفه و معلوم أن تخصيص العموم يدخل في ذلك فلو ان هناك عام و ظنت ظانه له مخصصا لما تركت سؤال النبي صلى الله عليه و سلم .
و هذا الحديث فيه دلالة واضحة أن عائشة لما تعارض عندها قول الله تعالى {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} مع عموم قول النبي صلى الله عليه و سلم بادرت بسؤاله و لم تبادر بالتمسك بقول النبي صلى الله عليه و سلم .
فما تركت عائشه سؤال النبي صلى الله عليه و سلم و بادرت في العمل بالدليل إلا و غلب على ظنها او جزمت بعدم وجود المعارض .
و هذا ما نريد أن نثبته أن من غلب على ظنه عدم وجود المعارض او جزم بذلك جاز حينها العمل بالعموم و لا تكن هذه الغلبة و الجزم بغير بحث و استفراغ وسع خاصة عند المتأخرين .
الدليل الخامس : عن عبدالله قال:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني عالجت امرأة في أقصى المدينة. وإني أصبت منها ما دون أن أمسها. فأنا هذا. فاقض في ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت نفسك. قال فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا. فقام الرجل فانطلق. فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا دعاه، وتلا عليه هذه الآية: {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفى من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [11/هود/114]. فقال رجل من القوم:يا نبي الله! هذا له خاصة ؟ قال "بل للناس كافة". الحديث اخرجه مسلم بهذا اللفظ .
و لفظ آخر عند مسلم كذلك عن عبدالله بن مسعود؛
أن رجلا أصاب من امرأة قبلة. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. قال فنزلت: {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفى من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [11 /هود /114]. قال فقال الرجل: ألي هذه؟ يا رسول الله! قال "لمن عمل بها من أمتي".
فهذا الرجل لما رأى أن النبي صلى الله عليه و سلم دعاه و تلا عليه هذه الآية و كان هو السبب في تلاوة هذه الآية عليه ظن أن هذا الأمر قد يكون مخصص للآية و إلا فهذا الرجل كان يعلم ان لفظ الآية عام فبين النبي صلى الله عليه و سلم أنها للأمة كافة .
فهذا الرجل لو كات جازما أو غلب على ظنه أنها خاصة به لما سأل النبي صلى الله عليه و سلم و لو جزم أو غلب على ظنه أنها عامة للأمة لما سأل النبي صلى الله عليه و سلم و لكن لما تعارض عنده سبب تلاوة الآية مع عمومها بادر بسؤال النبي صلى الله عليه و سلم فكيف يقال إذا ان الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يسألوا النبي صلى الله عليه و سلم هل هذه الآية لها مخصص أم لا ؟ .
الدليل السادس : قال اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي يُونُس أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي يُونُس بْن يَزِيد عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن مَرْجَانَة سَمِعَهُ يُحَدِّث أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِس مَعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر تَلَا هَذِهِ الْآيَة" لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء " الْآيَة فَقَالَ : وَاَللَّه لَئِنْ آخَذَنَا اللَّه بِهَذَا لَنَهْلِكَنَّ ثُمَّ بَكَى اِبْن عُمَر حَتَّى سَمِعَ نَشِيجه قَالَ اِبْن مَرْجَانَة : فَقُمْت حَتَّى أَتَيْت اِبْن عَبَّاس فَذَكَرْت لَهُ مَا قَالَ اِبْن عُمَر وَمَا فَعَلَ حِين تَلَاهَا فَقَالَ اِبْن عَبَّاس يَغْفِر اللَّه لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْعُمَرِيّ لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا حِين أُنْزِلَتْ مِثْل مَا وَجَدَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْدهَا " لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا " إِلَى آخِر السُّورَة قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَسْوَسَة مِمَّا لَا طَاقَة لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا وَصَارَ الْأَمْر إِلَى أَنْ قَضَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ لِلنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اِكْتَسَبَتْ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل " .
و قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره بعد أن ذكر عدة طرق عن ابن عباس رضي الله عنه ( فَهَذِهِ طُرُق صَحِيحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس ) .
فالصحابة رضوان الله عليهم شق عليهم لما رأوا أن عموم هذه الآية لا مخصص لهم عنده و غلب على ظنهم ذلك .
ثم إن المخصص لهذه الآية قد نزل و مع ذلك خفي على ابن عمر رضي الله عنه و لو أن ابن عمر مع علمه و ورعه يعلمه ما فعل ما فعل فدل على أن المخصصات قد تخفى على بعض الصحابة فيجتهدون على حسب علمهم و يأخذون بالعموم و بعضهم يصله المخصص فيخصص به عموم الآية كما فعل ابن عباس رضي الله عنه و كلهم كان مجتهدا مأجورا إما أجران إذا اصاب الحق او اجر واحد إذا أخطأه لإجتهاده .
ثم لا يقال بأن جميع الصحابة وجدوا من هذه الآية مع أن بعضهم عنده مخصص لها فلما وجدوا كلهم دل على أن هذه الآية لم يكن لها مخصص و هذا ما وجدوا منه و لو كان بعضهم عنده مخصص الآية لذكره و لم يوجد منها .
و الصحابة رضوان الله عليهم ما وجدوا و كلفوا أنفسهم هذا و سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلإ أنهم قد جزموا أو غلب على ظنهم عدم وجود المخصص .
و كل هذه الآدلة تدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم إذا علموا أي مخصص للأحاديث و الآيات لا يتوقفون أبدا بذكرها حتى لو كانت مخصصات متوهمة و أنهم رضي الله عنهم يبادرون إلى العمل ببعض ما ينزل إذا جزموا أو غلب على ظنهم عدم وجود المخصص .
و لكن الذي اوقع بعض الأصوليين في هذا المأزق أنهم قاسوا حالهم بحال الصحابة رضوان الله عليهم فلما رأوا بعض الصحابة يبادرون إلى العمل ببعض ما ينزل ظنوا أنهم لم يكونوا يبحثون أو يسألون و ما علم هؤلاء الأصوليون أن علم الصحابة لا يحتاج إلى ما يحتاجه المتأخرون من بحث أو تنقيب فهم ينزل عليهم الكتاب غضا طريا و عندهم من العلوم و العقول ما لا يحتاجون إلى الوقت و الجهد الذي يحتاجه المتأخرون فلا سواء أبدا بينهم و بين الصحابة رضوان الله عليهم .
و ما علموا أن الصحابي إذا سمع الحديث فقهه و حفظه من توه بينما المتأخرون يحتاجون إلى أياما طوال إلم يكن إلى شهور للجمع بين ألفاظ الأحاديث و شرحها و لغتها و مطلقها و مقيدها و عمومها و مخصصها و ناسخها و منسوخها .
و الله أعلم .