المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم العرف في الدين


Abou Anes
30-03-02, 02:16 PM
الضابط الخامس: جريان التكليف الشرعي على اطراد العادات في الخلق، ( ذلك أن مجاري العادات في الوجود أمر معلوم لا مظنون ) ؛ لأن العوائد ثابتة دائمة على مقتضى سنن الله في الوجود التي لا تبديل لها، بل إن اعتبار العادات سبب لثبات الشرع وعدم تبدله وتغيره ، فإن الشريعة جاءت ( التكاليف الكلية فيها بالنسبة إلى من يكلف من الخلق موضوعة على وزان واحد، وعلى مقدار واحد، وعلى ترتيب واحد، لا اختلاف فيه بحسب متقدم ولا متأخر.... ، ولو اختلفت العوائد لا قتضى ذلك اختلاف التشريع ، واختلاف الترتيب، ولختلاف الخطاب ، فلا تكون الشريعة على ماهي عليه ). [ الموافقات 2/279].

بل لولا اعتبار ما جرت به العادات لما عرف أصل الدين؛ لأن الدين لا يعرف إلا بالنبوة ، ولا سبيل إلى معرفة النبوة إلا بالمعجزة ، ولا تكون المعجزة إلا بخرق العادة المتقرر اطرادها في الماضي والحال والاستقبال، ( ولولا استقرار العلم بالعادات لما ظهرت الخوارق) ؛ ولهذا الاعتبار جرى على ألسنة الفقهاء ( العادة محكمة ) واعتبروها من قواعد الفقه التى تجري في كثير من أبوابه.

والعوائد بالنسبة إلى وقوعها في الوجود قسمان:

القسم الأول: ( العوئد العامة التي لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال ، كالأكل والشرب والفرح والحزن والنوم واليقظة ، والميل إلى الملائم والنفور عن المنافر ، وتناول الطيبات والمستلذات ، واجتناب المؤلمات والخبائث ... ، فيقضي به على أهل الأعصار الخالية ، والقرون الماضية للقطع بأن مجاري سنة الله تعالى في خلقه على هذا السبيل ... ، فيكون ما جرى منها في الزمان الحاضر محكوما به على الزمان الماضي والمستقبل مطلقا.

والثاني: العوائد التي تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأحوال ، كهيئات اللباس والمسكن ، ...فلا يصح أن يقضى به على ما تقدم البتة ، حتى يقوم دليل على الموافقة من خارج ، ... وكذلك في المستقبل) [ انظر: المنثور في القواعد للزركشي 2/356، وكتاب القواعد للحصني 1/357].

هذه العادات منها ما أقره الدليل الشرعي وجوبا أن ندبا ، أو نفاه تحريما أو كراهة ، كالأمر بإزالة النجاسات ، أو النهي عن الطواف عريانا ، وما أشبه ذلك ، فما حسنه الشرع من ذلك لا يمكن أن يكون قبيحا ، وما قبحه لا يمكن أن يكون حسنا ، فلا يمكن أن يقال: إن كشف العورة كان قبيحا عند نزول التشريع سيكون حسنا بعد ذلك.

ومن العوائد ما لم يقره أو ينفيه الدليل الشرعي ، لكنه ثابت لا يتغير ولا يتبدل ، كوجود شهوة الطعام والشراب والوقاع ، وعادات النظر والكلام والمشي والغضب والنوم ، فهذه أسباب لأحكام تترب عليها ، فلا يتعلق بها تحسين ولا تقبيح شرعي لذاتها ، ولكن باعتبار ذرائعها ومآلاتها ، فمن تذرع للأكل بالكسب الحرام فهو قبيح ، ومن تذرع له بالحلال فهو حسن ، ومن مشى للطاعة فهو حسن ، ومن مشى للمعصية فهو فبيح ، وهكذا ، قد تكون العادات متبدلة غير ثابتة ، فتتبذل أحكامها تبعا لها ، مثل كشف الرأس قد يكون في زمن أو مكان قبيح لذوي المروءات مسقطا للعدالة عرفا ، قد يكون في زمن آخر أو مكان آخر غير قادح في العدالة ، فيكون الحكم الشرعي تبعا في ذلك للعرف والعادة.

ومثل أن تكون العادة في النكاح قبض الصداق قبل الدخول في بلد من البلدان أو زمن من الأزمنة دون غيره ، فيكون الحكم تبعا لذلك.
ومما يلحق بذلك اختلاف عادات الناس في التعبير عن المعاني بين أرباب الصنائع وأهل العلوم والفنون فتجري الأحكام في الأيمان والعقود والطلاق وأمثال ذلك لكل أناس على مقتضى اصطلاحهم وإن اتحد اللفظ تبعا للعادة الخاصة بذلك.

( واعلم أن ما جرى ذكره هاهنا من اختلاف الأحكام عند العوائد ، فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب ، ....، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها ). [ الموافقات 2/285ـ286].

( قال الفقهاء : كل ما ورد به الشرع مطلقا ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف ). [ الأشباه والنظائر ص 98 ].
ولا يمكن فهم مراد الشارع ولا تطبيقه إلا بالتسليم بأن ( العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعا ، ...فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك ، ...مما يدل على وقوع المسببات عن أسبابها دئما ، فلو لم تكن المسببات مقصودة للشارع في مشروعية الأسباب لكان خلافا للدليل القاطع، ... ولو لم تعتبر لأدى إلى تكليف ما لا يطاق). [ الموافقات 2/286ـ288].

لإنه ( لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها بأسباب وطرق يقضي إليها ، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة لها ، ...فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات ، هي مقصودة قصد الوسائل). [ أعلام الموقعين لابن القيم 3/135].

ولا شك أن ما سبق من كلام يجري على العوائد الكونية التي على ضوئها قدر الله سير حياة الناس ، مثل حركة الشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار ، واختلاف الفصول ، وتناول الطعام والشراب والمنام.
أو عوائد اعتادها الناس واصبحت عرفا عاما زمانا ومكانا أو خاصة بزمان أو مكان دون غيره ، مثل كيفية اللباس، أو طريقة تناول الطعام والشراب ، أو كيفية دفع صداق ومهر العروس ، واشباه ذلك مما تنزل عليه أحكام الشرع وأدلته ، كما تقدم بيانه.

هذا الكلام منقول عن رسالة بعنوان " المختصر الوجيز في مقاصد التشريع" لمؤلفه الشيخ الدكتور عوض بن محمد القرني.
الصقحة 99ـ104.

مثال على العرف ما ذكره الإمام المحقق ابن قدلمة المقدسي في كتابه المغني ، قد كان حينها يتكلم عن العورة في الصلاة ( فإذا ثبت هذا فإن حد الكثير ما فحش في النظر ولا فرق في ذلك بين الفرجين وغيرهما واليسير مالا يفحش والمرجع في ذلك إلى العادة ). [ المغني المجلد الاول ].

أحمد بن حسنين
20-09-12, 10:44 PM
قال الشيخ ( ناصر بن حمد الفهد ) في ( الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام ) :-

المبحث الأول
"كلامه في النبوات"

1-قال في (الموافقات) 2/484:(إنه لولا أن اطراد العادات معلوم لما عرف الدين من أصله، فضلاً أن تعرف فروعه ، لأن الدين لا يعرف إلا عند الاعتراف بالنبوة ، ولا سبيل إلى الاعتراف بها إلا بواسطة المعجزة ، ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة ، ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا بعد تقرير اطراد العادة في الحال والاستقبال كما اطردت في الماضي ، ولا معنى للعادة إلا أن الفعل المفروض لو قدر وقوعه غير مقارنٍ للتحدي لم يقع إلا على الوجه المعلوم في أمثاله ، فإذا وقع مقترناً بالدعوة خارقاً للعادة علم أنه لم يقع كذلك مخالفاً لما اطرد عليه الأمر والداعي صادق ، فلو كانت العادة غير معلومة لما حصل العلم بصدقه اضطراراً لأن وقوع مثل ذلك الخارق لم يكن بدون اقتران الدعوة والتحدي ، لكن العلم بصدقه حاصل ، فدل على أن ما انبنى عليه العلم معلوم أيضاً وهو المطلوب).
2-وقال في (الموافقات) 2/486:(إذا رأينا جزئياً انخرقت فيه العادة على شرط ذلك دلنا على ما تدل عليه الخوارق من نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إن اقترنت بالتحدي ، أو ولاية الولي إن لم تقترن أو اقترنت بدعوى الولاية على القول بجواز ذلك).
قلت :
ويظهر في الكلام السابق تأثره بأهل الكلام من وجوه:
الوجه الأول:أن قوله(لا سبيل إلى الاعتراف بالنبوة إلا بواسطة المعجزة) موافق لما ذهب إليه المتكلمون في إثبات النبوة من المعتزلة(1)و الأشاعرة(2)وغيرهم.
__________
(1) انظر(شرح الأصول الخمسة) ص568.
(2) انظر (الإنصاف) ص 54، (الإرشاد) ص260،(نهاية العقول) ص 417،(المحصل) ص207.

أحمد بن حسنين
20-09-12, 10:46 PM
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى(1)-عن طريقتهم في ذلك-:(هذه الطريقة هي من أتم الطرق عند أهل الكلام و النظر حيث يقررون نبوة الأنبياء بالمعجزات ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء ، لكن كثير من هؤلاء بل كل من بنى إيمانه عليها يظن أنا لا نعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات ، ثم لهم في تقرير دلالة المعجزة على الصدق طرق متنوعة وفي بعضها من التنازع والاضطراب ما سننبه عليه ، والتزم كثير من هؤلاء إنكار خرق العادات لغير الأنبياء حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر ونحو ذلك-إلى أن قال- ومنهم من يجعل المعجزة دليلاً ويجعل أدلة أخرى غير المعجزة وهذا أصح الطرق ، ومن لم يجعل دليلها إلا المعجزة اضطر لهذه الأمور(2) التي فيها تكذيب لحق أو تصديق لباطل ، ولهذا كان السلف والأئمة يذمون الكلام المبتدع فإن أصحابه يخطئون إما في مسائلهم وإما في دلائلهم فكثيراً ما يثبتون دين المسلمين في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على أصولٍ ضعيفة بل فاسدة ، ويلتزمون لذلك لوازم يخالفون بها السمع الصحيح والعقل الصريح، وهذا حال الجهمية من المعتزلة وغيرهم)اهـ.
__________
(1) شرح العقيدة الأصفهانية) ص88.
(2) يعني بهذه الأمور إما إنكار الكرامات والسحر كما ذهب إليه المعتزلة وغيرهم، وإما التسوية بين خوارق الأنبياء والأولياء والسحرة والتفريق بينها بمجرد الدعوى والتحدي ونحوه مما سيأتي إن شاء الله تعالى.

أحمد بن حسنين
20-09-12, 10:51 PM
واعلم أن ما ذهب إليه الأشاعرة في هذا -ووافقهم عليه الشاطبي-هو بناءً على معتقدهم في القدر من نفي الحكمة والتحسين والتقبيح العقليين(1) وتجويزهم على الله فعل كل ممكن ، فهم يجوزون على الله إرسال كل أحد ، فليست الرسالة عندهم اصطفاء من الله سبحانه لسبب أو حكمة ، فالنبوة عندهم صفة إضافية راجعة إلى خطاب الشارع فقط ، وليست صفة ثبوتية في نفس النبي ،كما يقولون ذلك في الأعيان والأفعال وأن حسنها وقبحها راجع إلى خطاب الشارع لا إلى صفاتٍ فيها، كالصدق عندهم فليس حسناً لذاته بل لأمر الله به ، ولو انعكس فنهى عنه لصار قبيحاً ، وكذلك قولهم في النبوة أنها ليست اصطفاء من الله للنبي بسبب صفات يتميز بها على غيره بل هو اصطفاء من غير سبب و لا حكمة (2)، ولما كان هذا مذهبهم احتاجوا إلى تمييز الصادق من الكاذب بالمعجزة-لتجويزهم على الله أن يرسل كل أحد سواء كان معروفاً بالصفات الحسنة أو السيئة قبل النبوة-.
وهذا الكلام فاسد -سبق إبطال بعضه في مبحث التحسين والتقبيح- فإن الصحيح أن النبوة صفة ثبوتية وإضافية معاً(3) ، فقد قال الله تعالى (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس) ، وقوله تعالى -عن موسى-(ولتصنع على عيني) ،وقال تعالى:(الله أعلم حيث يجعل رسالته) فهو سبحانه حكيم يضع الأمور في مواضعها ، فهو أعلم بمن يصلح لرسالته ممن يتصف بالأخلاق الجميلة والبريء من الأخلاق الدنيئة (4)، وهو ذو الحكمة البالغة في أمره ونهيه وأفعاله ، لهذا فالكلام على النبوة فرع على إثبات الحكمة(5).
__________
(1) راجع ص61 .
(2) انظر (النبوات) ص100،195،256.
(3) النبوات) ص256،(شرح العقيدة الأصفهانية) ص124.
(4) انظر (تفسير ابن كثير) 2/194،(تفسير ابن سعدي) 2/66.
(5) النبوات) ص233.

أحمد بن حسنين
20-09-12, 10:53 PM
وقد روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى بعثت في القرن الذي كنت فيه) ، وروى مسلم عن واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم) ، وروى أحمد عن العباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (أنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب ، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه ، وجعلهم فريقين فجعلني في خير فرقة ، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة ، وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً ، فأنا خيركم بيتاً وخيركم نفساً) وروى أحمد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته).
فالله سبحانه حكيم في أفعاله ، لا يبعث أي أحد -كما يقوله هؤلاء-، بل يصطفي من يشاء من خلقه ممن يتصف بصفات تؤهله لذلك كما في الأحاديث السابقة ، فإذا ثبت هذا الأمر فحصر دليل النبوة على المعجزة خطأ ، بل النبوة تعلم بطرقٍ كثيرة غير طريق المعجزات ، فإن الناس إذا قويت حاجتهم إلى معرفة الشئ يسر الله أسبابه(1).
__________
(1) انظر (الجواب الصحيح) 1/32،33،(شرح العقيدة الأصفهانية)88-106.

أحمد بن حسنين
20-09-12, 10:57 PM
لهذا كان إيمان خديجة رضي الله عنها قبل ظهور المعجزات ، بل إنها استدلت بأحواله قبل النبوة على صدقه بعدها فقالت -كما ثبت في الصحيحين-(كلا والله ، لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق ) ، وكذلك إيمان أبي بكرٍ - رضي الله عنه - وغيره من السابقين كان قبل ظهور المعجزات بل لما يعلمون من أحواله وصدقه وأمانته ، وكذلك هرقل استدل على صدقه بخصاله وصفاته قبل أن يوحى إليه ، كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان - رضي الله عنه - حدثه -بالحديث الطويل في إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل يدعوه للإسلام وإرسال هرقل لأبي سفيان يسأله وكان مشركاً- وفيه قول هرقل (وسألتك عن حسبه ، فزعمت أنه فيكم ذو حسب ، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها، -وفيه- وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا ، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله ، -وفيه- إن يكن ما تقول حقاً إنه لنبي)(1).
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى(2):
__________
(1) انظر (الجواب الصحيح) 4/387 وما بعدها.
(2) الشفا) 1/246-248.

أحمد بن حسنين
20-09-12, 11:00 PM
(وإذا تأمل المنصف ما قدمناه من جميل أثره ، وحميد سيره ، وبراعة علمه ، ورجاحة عقله وحلمه، وجملة كماله ، وجميع خصاله ، وشاهد حاله وصواب مقاله ، لم يمتر في صحة نبوته وصدق دعوته ، وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به ، فروينا عن الترمذي وابن قانع بأسانيدهم أن عبد الله بن سلام قال لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جئته لأنظر إليه ، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب…وعن أبي رمثة التيمي :أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعي ابن لي فأريته ، فلما رأيته قلت: هذا نبي الله ، وروى مسلم وغيره أن ضماداً لما وفد عليه فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، قال له : أعد عليّ كلماتك هؤلاء ، فلقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك ، وقال جامع بن شداد : كان رجل منا يقال له طارق فأخبر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فقال : هل معكم شئ تبيعونه؟ قلنا :هذا البعير ، قال : بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقاً من تمر، فأخذ بخطامه وسار إلى المدينة ، فقلنا : بعنا من رجل لا ندري من هو ؟ ومعنا ظعينة ، فقالت: أنا ضامنة لثمن البعير ، رأيت وجه رجلٍ مثل القمر ليلة البدر ، لا يخيس بكم ، فأصبحنا فجاء رجل بتمر فقال: أنا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر وتكتالوا حتى تستوفوا ، ففعلنا ، وفي خبر الجولندى ملك عمان لما بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوه إلى الإسلام قال الجولندى: والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ، ولا ينهى عن شئ إلا كان أول تارك له ، وأنه يغلب فلا يبطر ، ويُغلب فلا يضجر ، ويفي بالعهد ، وينجز الموعود ، وأشهد أنه نبي ، وقال نفطويه في

أحمد بن حسنين
20-09-12, 11:04 PM
قوله تعالى (يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار) هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - يقول : يكاد منظره يدل على نبوته وإن لم يتل قرآناً كما قال ابن رواحة:
لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر)اهـ.
الوجه الثاني : قوله (ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة) فإن هذا تعريف المتكلمين للمعجزة ، فإنهم جعلوا حدها الذي تعرف به أنها الفعل الخارق للعادة ، وهذا هو المحظور ، فالخارق للعادة جنس عام يدخل فيه معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق الشياطين ، ولأنهم حدوا المعجزة بهذا -ولم يميزوا بينها وبين غيرها-فقد افترقوا إلى حزبين :
الحزب الأول : وهم الذين أنكروا الكرامات وخوارق السحرة ونحوهم لئلا يلتبس عندهم النبي بغيره إذا خرقت العادة لكل واحد منهم -لأن جنس الخوارق عندهم واحد- ، وهؤلاء هم المعتزلة(1)، وغيرهم كابن حزم الظاهري(2).
والحزب الثاني: وهم الذين أجازوا أن يكون كل خرقٍ لعادة من معجزات الأنبياء حتى لو كان من جنس خوارق الشياطين ، وهم الأشاعرة ومن تبعهم (3).
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى(4):
__________
(1) شرح الأصول الخمسة) ص 572.
(2) الأصول والفروع) لابن حزم ص 132، و (الدرة فيما يجب اعتقاده) ص 192، وانظر (النبوات) ص2،102.
(3) انظر (النبوات) ص210،219،268.
(4) النبوات) ص207.

أحمد بن حسنين
20-09-12, 11:06 PM
(ومن هنا دخل الغلط على كثير من الناس ، فإنهم لما رأوا آيات الأنبياء خارقة للعادة لم يعتد الناس مثلها ، أخذوا مسمى خرق العادة ولم يميزوا بين ما يختص به الأنبياء ومن أخبر بنبوتهم ، وبين ما يوجد معتاداً لغيرهم ، واضطربوا في مسمى هذا الاسم كما اضطربوا في مسمى المعجزات ، ولهذا لم يسمها الله في كتابه إلا آيات وبراهين ، فإن ذلك اسم يدل على مقصودها ويختص بها لا يقع على غيرها ، لم يسمها معجزة ولا خرق عادة ، وإن كان ذلك من بعض صفاتها ، فهي لا تكون آية وبرهاناً حتى تكون قد خرقت العادة وعجز الناس عن الإتيان بمثلها ، لكن هذا بعض صفاتها وشرط فيها وهو من لوازمها ، لكن شرط الشئ ولوازمه قد يكون أعم منه ، وهؤلاء جعلوا مسمى المعجزة وخرق العادة هو الحد المطابق لها طرداً وعكساً ، كما أن بعض الناس يجعل اسمها أنها عجائب، وآيات الأنبياء إذا وصفت بذلك فينبغي أن يقيد بما يختص بها ، فيقال : العجائب التي أتت بها الأنبياء وخوارق العادات والمعجزات التي ظهرت على أيديهم ، أو التي لا يقدر عليها البشر ، أو لا يقدر عليها الإنس والجن ، أو التي لا يقدر عليها إلا الله ، بمعنى أنه لا يقدر عليها أحد بحيلة أو اكتساب كما يقدرون على السحر والكهانة ، فبذلك تتميز آياتهم عما ليس من آياتهم ) وقال رحمه الله تعالى(1):( إن آيات الأنبياء هي الخوارق التي تخرق عادة جميع الثقلين فلا تكون لغير الأنبياء ولغير من شهد لهم بالنبوة ، وهذا كلام صحيح فصلنا به بين آيات الأنبياء وغيرهم بحد مطرد منعكس ، بخلاف من قال هي خرق العادة ولم يميز بينها وبين غيرها وتكلم في خرق العادة بكلام متناقض ، تارة يمنع وجود السحر والكهانة ، وتارة يجعل هذا الجنس من الآيات ولكن الفرق عدم المعارضة-إلى أن قال- وأما آيات الأنبياء التي بها تثبت نبوتهم وبها وجب على الناس الإيمان بهم فهي أمر يخص الأنبياء لا يكون للأولياء ولا لغيرهم ، بل يكون من
__________
(1) النبوات) ص 217.

أحمد بن حسنين
20-09-12, 11:09 PM
المعجزات الخارقة للعادات ، الناقضة لعادات جميع الإنس والجن غير الأنبياء)(1)اهـ.
فتبين مما مضى أن جعل حد المعجزة أنها الأمر الخارق للعادة فقط قصور جعل بعض المبتدعة ينكرون خوارق الأولياء وخوارق السحرة والكهنة لئلا تلبتس بزعمهم بخوارق الأنبياء إذ الجميع خرق للعادة ، وجعل آخرين يجوزون أن يكون كل خارق للعادة معجزة للنبي أو خارقاً لساحر أو كاهن، والحد الصحيح للمعجزات أن تقيد بأنها خوارق العادات التي تختص بالأنبياء ونحوه كما سبق.

جمال العاتري
21-09-12, 02:02 AM
الاخ المكرم أحمد بن حسنين حفظك الله /
ألا ترى أن لا علاقة لما كتبت بموضوع الاخ ابو انس ؟