المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أخبار اللصوص. بقلم: د. جاسم الفهيد


أمين الغامدي
25-02-03, 02:55 AM
للباحث الأديب عبدالمعين الملوحي كتاب ظريف يقع في ثلاثة مجلدات جمع فيه اشعار اللصوص واخبارهم من بطون كتب التاريخ والادب، وقد أماط اللثام فيما جمعه عن جوانب مشرقة في حياة أولئك الصعاليك، فلئن كانت اوروبا العصور الوسطى تفتخر بروبن هود ذلك اللص المتخصص لسرقة أموال الاغنياء وتوزيعها على الفقراء المحاويج، فان الجزيرة العربية لن تنسى عروة بن الورد ذلك الشاعر الصعلوك الذي كان يتعاهد من لا كاسب له من الجوعى والزمني في سني القحط ويبني لهم الاخصاص التي تكنهم من الحر والبرد ويقاسمهم ما يتحصل لديه من غنائم غاراته ونهباته حتى قال في حقه عبدالملك بن مروان: من قال ان حاتما اسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد!

لكننا اذا انتقلنا الى العصر الحديث فسنشهد ثورة في طبيعة السرقة وفلسفتها حيث تختفي تماما خليقة (نبل اللصوصية) لتحل محلها (لصوصية النبلاء) التي تضادها شكلا ومعنى، فقد ارتسمت في اذهان عامة الناس صورة نمطية للص تتمثل في ذلك الرجل القبيح المنظر ذي الهيئة القشفة الذي تمتلئ صفحة وجه بالخدوش والندوب فتخالها صفحة من كراس تلميذ بالصف الاول الابتدائي لم تحسن يده الطرية بعد القبض على القلم بدقة واحكام، غير ان هذه الصورة ستظل مقصورة على الطبقة الدنيا من اللصوص من امثال المولعين بسرقة بيوت الدجاج وسل محافظ الموظفين في غرة الشهر الافرنجي، واما الطبقة العليا - مجازا - فهم اصحاب خدود صقيلة وقدود مستطيلة اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم فتخالهم أبعد الناس عن التلبس بأقذار السرقة وأوضارها وان كانوا اشد اهلها انغماسا في حمأة نتنها! والمضحك في الامر ان سارق بيض الدجاج كثيرا ما يفضحه صياح الفراريج والديكة فيقبض عليه اهل البيت ويوسعونه صفعا ولكما ليحرم بعدها اكل البيض واللحوم البيضاء! واما (النشال) فكثيرا ما يعانده الحظ فيكتشف امره وينال فوق جزائه العادل وزيادة، وفي الحالات القليلة التي يوفق فيها في سل المحفظة تكون كما يقول الحريري فارغة كفؤاد ام موسى!
اما اللصوص الكبار فانهم يظلون بمنأى عن كشف سرقاتهم على الرغم من ضخامتها وارقامها الفلكية اذ ان لديهم من النفوذ والجاه والسلطان ما يحول دون الكشف عن فظائعها وآثارها المدمرة، بل انهم بفضل ذلك قادرون على تجنيد جيش من الكتاب والخطباء والمفكرين ليصوروا تلك السرقات عملا وطنيا وفضيلة عليا يستوجب اصحابها الشكر والتقدير لا الذم والتحقير! ولئن كان سارق الدجاجة وبيضاتها وسال المحفظة وأفلسها انما يصنع ذلك بدافع الجوع والحاجة مقتصرا في ضرره وتعديه على عدد محدود من الافراد، فان شهية لصوصية النبلاء لا تقف عند حد ولا تعجزها غاية، وهي في اضرارها وعقابيلها تفتك بمال الامة جمعاء ولا تجد من يكبح جماحها او يضبط نزقها, ومن عجب ان تجد من هؤلاء السراق من يتشدق بمصالح الامة والحرص على مكاسب الشعب وربما بالغ في تمثيل الدور مطالبا بالاشتراكية والقضاء على البرجوازية امعانا في الحتل والمخادعة، وشر منه ذلك الذي يرفع شعار الديانة ويتمسح بدثار الشريعة وهو في حقل المال راتع يفترس حقوق الغير ويتأول النصوص ويحرف الكلم عن مواضعه متناسيا الحكمة النبوية الخالدة في هدايا العمال أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟!
أو تدري حقا من يقدر على فضح أولئك السراق وهتك استارهم؟ إنهم هم أنفسهم حين يختلفون عند قسمة الغنائم وتوزيع الحصص فيعلو صراخهم ويشتد صياحهم وتحتدم بينهم جذوة الصراع على تحصيل النصيب الاكبر من قوت الشعب ومقدرات الامة، وهنا فقط يتكشف المستور وينجلي الغبار!
فاللهم زدهم شقة وخلافا:
ويرحم الله عبدا قال آمين!

كاتب وأستاذ جامعي كويتي
JALFUHAID@HOTMAIL.COM


http://www.arabgate.com/article.php?sid=3758