المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحكام القرآن من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله


طويلبة علم
18-02-05, 08:00 PM
بســــــــــــم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...

اما بعد
نظراً لأهمية تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله واهتمام أهل العلم به قديما وحديثا
فأحببت أن افرد ما يتعلق بتفسير آيات الأحكام من هذا التفسير المبارك وقد صنف عددا من أهل العلم في أحكام القرآن عدداً من المؤلفات فمنها :

1- أحكام القرآن للجصاص ...مطبوع
2- أحكام القرآن للكياالهراسي ... مخطوط
3- أحكام القرآن لابن العربي.......مطبوع
4-الجامع لأحكام القرآن للقرطبي....مطبوع
5-الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي.... مخطوط( ثم طبع)
6-التفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية ...لملاجيون ..مطبوع بالهند
7-تفسيرآيات الأحكام للشيخ محمد السايس ... مطبوع
8-تفسير آيات الأحكام للشيخ مناع القطان ...مطبوع
9- اضواء البيان للشيخ محمد الشنقيطي ....مطبوع

من مباحث في علوم القرآن ... للشيخ مناع القطان ص 377

فأحببت ان اجمع ما يتعلق بتفسير آيات الأحكام من تفسير ابن كثير على منهج تفسير آيات الأحكام لفضيلة الشيخ محمد علي السايس
وسيكون بإذن الله تعالى على حلقات

طويلبة علم
20-02-05, 05:11 PM
منهج ابن كثير في المسائل الفقهية

قال الدكتور يوسف عبدالرحمن المرعشلي في مقدمة لتفسير ابن كثير الجزء(1) ص (24)


كما نلاحظ على ابن كثير أنه يدخل في المناقشات الفقهية ، ويذكر أقوال العلماء وأدلتهم عندما يشرح آية من آيات الاحكام ، وإن شئت أن ترى مثالا لذلك فارجع إليه عند تفسير قوله تعالى في الاية ( 185 ) من سورة البقرة ( . . . فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر . . . ) الاية ، فإنه ذكر أربع مسائل تتعلق بهذه الاية ، وذكر أقوال العلماء فيها ، وأدلتهم على ما ذهبوا إليه ، وارجع إليه عند تفسير قوله تعالى في الاية ( 230 ) من سورة البقرة أيضا ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . . . )الأية،

فإنه قد تعرض لما يشترط في نكاح الزوج المحلل ، وذكر أقوال العلماء وأدلتهم . وهكذا يدخل ابن كثير في خلافات الفقهاء ، ويخوض في مذاهبهم وأدلتهم كلما تكلم عن آية لها تعلق بالاحكام ، ولكنه مع هذا التفسير من خير كتب التفسير بالمأثور ، وقد شهد له بعض العلماء ، فقال السيوطي في ذيل تذكرة الحافظ ، والزرقاني في شرح المواهب : ( إنه لم يؤلف على نمط مثله ) .

*****************
وقد ذكر الدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم في كتابه ((منهج ابن كثير في التفسير))طبعة دار مسلم
ان القرآن والسنة النبوية المطهرة هما المصدران الأساسيان في استنباط الأحكام الفقهية والقواعد التشريعية والأصولية ، لهذا نرى علماء المسلمين وقفوا عند كل نص من الكتاب والسنة واستنبطوامافيه من أحكام فقهية وأمور تشريعية ، فالمفسرون استنبطوامافي القرآن من فقه وأحكام ، والمحدثون استخلصوامافي السنة أيضا من ذلك،والفقهاء جمعوا الأحكام وأدلتها من الكتاب والسنة في كتبهم الفقهية ،علما أن هناك تداخلاً كبيراً بين هذه العلوم، فمفسر القرآن لاغنى له عن النظر في السنة، وكذا شارح الحديث لاغنى له عن الرجوع إلى القرآن، والفقيه لاغنى له عنهما معاً.
ولقد اختلف المفسرين في تناولهم للأحكام قلة وكثرة ولعل السبب الذي جعل المفسرين يختلفون هذا الاختلاف هو اختلاف مشاربهم وتنوع ثقافاتهم .. فنزع كل منهم الى الاهتمام بالفن الذي أجاد فيهافالفقيه في تفسيره اهتم بالأحكام الفقهية، والمحدث اهتم بذكر الأحاديث ومناقشة أسانيدها، والنحوي واللغوي كذلك اهتم كل منهما بالفن الذي أجاده وبرع فيه.

توسط ابن كثير في تناوله للأحكام الفقهية والأصولية عموماً:

ولانكون مغالين إذا قلنا: إن الحافظ ابن كثير-رحمه الله- من أبرز هذه الطبقة التي وقفت من الأحكام الفقهية والأصولية موقفاًوسطا، فتناولت هذه الأحكام بحدود المعقول والمقبول في تفسير القرآن، فلم يهمل الكلام على الأحكام والمقام يتطلبه، ولم يحمّل النص القرآني مالم يدل عليه، وإن كان هناك استطراد في بعض المواضع فهو إلى حد مستساغ مقبول .

ذكر الحافظ ابن كثير لأقوال المجتهدين من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء، واهتمامه بذكر المذاهب الأربعة وبخاصة المذهب الشافعي:

حيث يهتم ابن كثير بذكر اقوال المجتهدين والفقهاء من الصحابة والتابعين وغيرهم ويهتم اكثر بذكر المذاهب الاربعة المشهورة ويعطي للمذهب الشافعي من بينها اهتماماً أكبر .

مناقشة الحافظ ابن كثير لما يورده من أقوال المجتهدين والفقهاء وبيان الصحيح منهاأوالراجح من غيره:
وكما كانت طريقته مناقشة الآثار المروية عن الصحابة والتابعين في تفسير بعض الآيات فكذلك طريقته بالنسبة لأقوال المجتهدين والفقهاء ، فلم يكتف بسر الأقوال بل إنه ناقشها في كثير من المواضيع ، وبين الصحيح منها والراجح من غيره منها.

الحافظ ابن كثير كثيراً ما يرجح قول الشافعي، وقد يرجح غيره:

وذلك بحكم كونه شافعي المذهب فهو كثيراً ما يرجح قول الشافعي ويأخذبه إلا أنه مع هذا لايتعصب لمذهب الشافعي ، وقد يخالفه في بعض أقواله ويصحح ويرجح قول غيره خصوصاً إذا رأى أن الحق قد يكون مع غيره.

الحافظ ابن كثير قد يذكر أقوال الفقهاء دون بيان الراجح منها من غيره:

وقد يذكر الأقوال بدون أن يرحج بينها أو ينص على الضعيف منها.

استطراد الحافظ ابن كثيرأحياناً في تناوله لبعض الأحكام:
هذا ومع أن الحافظ ابن كثير متوسط في تناوله للأحكام غالباً إلا أنه قد يستطرد في بعض المواضع ، فينتقل من ذكر القوال وأدلتها والراجح منها الى ذكر المناقشات والردود وإيراد بعض الإشكالات على بعض الأقوال وذكر إجابات العلماء عليها.

تقليل ابن كثير الكلام عن الأحكام أحياناً:

قد يقلل الحافظ -رحمه الله- في بعض المواضع من الكلام عن الأحكام الفقهية حتى ليبدو وكأنه لايتكلم عن آية من آيات الأحكام.

تناول الحافظ ابن كثير في مواضع كثيرة للأحكام الأصولية بذكر بعض القواعد الأصولية، وذكر استدلال الأصوليين ببعض الآيات، واختلافهم مع مناقشة ذلك أحياناً:
كثيراً ما يعرض الحافظ ابن كثير للقواعد الأصولية فيستدل ببعض قواعد الأصوليين في بعض المواقع

عدم إكثار الحافظ ابن كثير من الخوض في علوم الكون والفلك والطبيعة مع معرفته بها ، وحرصه غالباً على الوقوف على مايدل عليه ظاهر الآيات أو ماهو مشاهد معروف من هذه العلوم:

أما ما يتعلق بعلوم الكون والفلك والطبيعة واجتهادات العلماء حولها فإنه لايكثر الخوض فيها، وقد يشيرإليها في بعض المواضع.

حسن طريقة الحافظ ابن كثير في عرضه للخلاف وبروز شخصيته في مناقشة الأقوال وحسن اختياراته، ومدى ما كان عليه من معرفة بالأحكام الفقهية والأصولية وعلوم الكون والفلك والطبيعة:

ويظهر لنا مما تقدم حسن طريقة الحافظ ابن كثير في عرضه للخلاف، كما تظهر لنا شخصيته المستقلة في مناقشته للأقوال واختياره منها مادل عليه الدليل من غير تعصب لمذهب من المذاهب او قول من الأقوالومدى ما كان عليه من معرفة بالأحكام الفقهية والأصولية كما تبين لنا أيضاً أنه في تناوله للأحكام وسط بين المكثرين من تناولها والمقلين من ذلك من المفسرين حيث
أعطى لهذا الجانب حقه من غير إفراط ولاتفريط.

مجالات الاجتهاد في تفسير ابن كثير محصورة في مجال الرأي المحمود:

حيث يرى الحافظ ابن كثير تبعاً لإمامه الطبري وشيخه ابن تيمية وغيرهما من علماء السلف والخلف أن الرأي ينقسم إلى قسمين: محمود ومذموم ، فالمحمود جائز والمذموم محرم ،كما صرح بذلك في مقدمة تفسيره، ولهذا نجد أنه وإن كان يفسر القرآن بالماثور فقد أضاف الى ذلك شيئاً من الاجتهاد والرأي المحمود الموافق للكتاب والسنة والمستوفي جميع شروط التفسير ، لهذا جاء تفسيره -رحمه الله- جامعا بين المنقول والمعقول والرواية والدراية ، ونحن لانعجب من هذا الاتجاه إذا عرفنا أن عمدته في التفسير هو عمدة المفسرين عامة الإمام الطبري-رحمه الله- وهو أول من ابتكر هذه الطريقة من حيث الجمع بين التفسير بالمأثور وإضافة شيء من الاجتهاد والرأي المحمود، كما أن لتأثر الحافظ ابن كثير بشيخ الإسلام ابن تيمية أثراً كبيراً في هذا الاتجاه، ونستطيع أن نقول إن مجالات الاجتهاد في تفسيره-رحمه الله- محصورة في مجال الرأي المحمود والاجتهاد المقبول ، وتتركز في مناقشته لكثير من الأقوال، والتوفيق بينها،وبيان الصحيح والحسن والضعيف منها، والراجح من غيره ..

وهكذا طريقته في جميع الجوانب التفسيرية التي تناولها فهو ينقل وينقد ويصحح ويضعف ويوجه ويوفق، ويختار قولاً ويترك غيره ..

طويلبة علم
20-02-05, 10:01 PM
سورة الفاتحة
قال مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي هو ابن راهويه حدثنا سفيان بن عيينة عن العلاء, يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الخرقي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام» فقيل لأبي هريرة إنا نكون خلف الإمام, فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال: {الحمد لله رب العالمين} قال الله حمدني عبدي, وإذا قال {الرحمن الرحيم} قال الله أثنىَ عليّ عبدي, فإذا قال {مالك يوم الدين} قال الله: مجدني عبدي, وقال مرة: فوض إلي عبدي, فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل, فإذا قال {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». هكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه وقد روياه أيضاً عن قتيبة عن مالك عن العلاء, عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة به, وفي هذا السياق «فنصفها لي ونصفها لعبدي, ولعبدي ما سأل» وهكذا. رواه ابن إسحاق عن العلاء وقد رواه مسلم من حديث ابن جريج عن العلاء عن أبي السائب هكذا ورواه أيضاً من حديث ابن أبي أويس عن العلاء عن أبيه وأبي السائب, كلاهما عن أبي هريرة. وقال الترمذي هذا حديث حسن. وسألت أبا زرعة عنه فقال كلا الحديثين صحيح من قال عن العلاء عن أبيه وعن العلاء عن أبي السائب. روى هذ الحديث عبد الله بن الإمام أحمد من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب مطولاً وقال ابن جرير حدثنا صالح بن مسمار المروزي حدثنا زيد بن الحباب حدثنا عنبسة بن سعيد عن مطرف بن طريف عن سعد بن إسحاق عن كعب بن عجرة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وله ما سأل فإذا قال العبد {الحمد لله رب العالمين} قال: حمدني عبدي وإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال: أثنى عليّ عبدي, ثم قال: هذا لي وله ما بقي, وهذا غريب من هذا الوجه.

الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث
مما يختص بالفاتحة من وجوه

(أحدها) أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة, والمراد القراءة كقوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً} أي بقراءتك كما جاء مصرحاً به في الصحيح عن ابن عباس, وهكذا قال في هذا الحديث «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل» ثم بين تفضيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة فدل على عظمة القراءة في الصلاة, وأنها من أكبر أركانها إذا طلقت العبادة أريد بها جزء واحد منها. هو القراءة كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: {وقرآن الفجر, إن قرآن الفجر كان مشهوداً} والمراد صلاة الفجر كما جاء مصرحاً به في الصحيحين: «أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار» فدل هذا كله على أنه لا بد من القراءة في الصلاة وهو اتفاق من العلماء, ولكن اختلفوا في مسأله نذكرها في الوجه الثاني, وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب أم تجزىء هي أو غيرها ؟ على قولين مشهورين فعند أبي حنيفه ومن وافقه من أصحابه وغيرهم, أنها لا تتعين بل مهما قرأ من القرآن أجزأه في الصلاة واحتجوا بعموم قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن» قالوا فأمره بقراءة ما تيسر ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها فدل على ما قلنا.


(والقول الثاني) أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ولا تجزىء الصلاة بدونها, وهو قول بقية الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء, واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» والخداج هو الناقص كما فسر به في الحديث «غير تمام» واحتجوا أيضاً بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وفي صحيحه ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول لله صلى الله عليه وسلم: «لا تجزيء صلاة لا يقرأ فيها فيها بأم القرآن» والأحاديث في هذا الباب كثيرة ووجه المناظرة ههنا يطول ذكره وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك رحمهم الله.

ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون: إنما تجب قراءتها في معظم الركعات. وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات أخذاً بمطلق الحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين قراءتها بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله تعالى {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} والله أعلم. وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً «لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها» وفي صحة هذا نظر وموضع تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير والله أعلم.

(والوجه الثالث) هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم ؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء (أحدها) أنه تجب عليه قراءتها كما تجب على إمامه لعموم الأحاديث المتقدمة (والثاني) لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها ولا في صلاة الجهرية ولا في صلاة السرية, لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» ولكن في إسناده ضعف. ورواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر من كلامه, وقد روي هذا الحديث من طرق ولا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم

(والقول الثالث) أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم, ولا يجب ذلك في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا, وإذا قرأ فأنصتوا» وذكر بقية الحديث, وهكذا رواه أهل السنن أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وإذا قرأ فأنصتوا» وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضاً, فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي رحمه الله: والله أعلم.
ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ـ والغرض من ذكر هذه المسائل ههنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور.

""""""""""""""""""""""""""

(مسألة) وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة قال: وقال ابن سيرين: إذا تعوذ مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب واحتج الرازي لعطاء بظاهر الاَية (فاستعذ) وهو أمر ظاهره الوجوب وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها ولأنها تدرأ شر الشيطان وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ولأن الاستعاذة أحوط وهو أحد مسالك الوجوب وقال بعضهم: كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته, وحكي عن مالك أنه لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ لقيام رمضان في أول ليلة منه.

(مسألة) وقال الشافعي في الإملاء يجهر بالتعوذ وإن أسر فلا يضر وقال في الأم بالتخيير لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى هل يستحب التعوذ فيها على قولين ورجح عدم الاستحباب, والله أعلم, فإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة وزاد بعضهم: أعوذ بالله السميع العليم وقال آخرون بل يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم قاله الثوري والأوزاعي وحكي عن بعضهم أنه يقول أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لمطابقة أمر الاَية ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور والأحاديث الصحيحة كما تقدم أولى بالاتباع من هذا والله أعلم.

(مسألة) ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف بل للصلاة فعلى هذا يتعوذ المأموم وإن كان لا يقرأ ويتعوذ في العيد بعد الإحرام وقبل تكبيرات العيد والجمهور بعدها قبل القراءة.

......................

(بسم الله الرحمن الرحيم) افتتح بها الصحابة كتاب الله واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة أو من أول كل سورة كتبت في أولها أو أنها بعض آية من كل سورة أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية على أقوال للعلماء سلفاً وخلفاً وذلك مبسوط في غير هذا الموضع, وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه {بسم الله الرحمن الرحيم} وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضاً وروي مرسلاً عن سعيد بن جبير وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي وفيه ضعف عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة عنها, وروى له الدارقطني متابعاً عن أبي هريرة مرفوعاً وروي مثله عن علي وابن عباس وغيرهما, وممن حكى عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو هريرة وعلي ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومكحول والزهري وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية عنه وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام رحمهم الله وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما ليست من آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور وقال الشافعي في قوله في بعض طرق مذهبه هي آية من الفاتحة وليس من غيرها وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة وهما غريبان. وقال داود هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها, وهذا رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي, وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله. هذا ما يتعلق بكونها آية من الفاتحة أم لا.
فأما الجهر بها فمفرع على هذا, فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها وكذا من قال إنها آية من أولها, وأما من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفاً وخلفاً فجهر بها من الصحابة أبو هريرة وابن عمر وابن عباس ومعاوية وحكاه ابن عبد البر والبيهقي عن عمر وعلي ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهو غريب, ومن التابعين عن سعيد بن جبير وعكرمة وأبي قلابة والزهري وعلي بن الحسن وابنه محمد وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وسالم ومحمد بن كعب القرظي وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبي وائل وابن سيرين ومحمد بن المنكدر وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد ونافع مولى ابن عمرو وزيد بن أسلم وعمر بن عبد العزيز والأزرق بن قيس وحبيب بن أبي ثابت وأبي الشعثاء ومكحول وعبد الله بن معقل بن مقرن زاد البيهقي وعبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية زاد ابن عبد البر وعمر بن دينار والحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة فيجهر بها كسائر أبعاضها وأيضاً فقد روى النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسلمة وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ثم قال الترمذي: وليس إسناده بذاك. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ثم قال صحيح, وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كانت قراءته مدّاً ثم قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم. وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته: {بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين} وقال الدارقطني إسناده صحيح. وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي والحاكم في مستدركه عن أنس أن معاوية صلى بالمدينة فترك البسملة فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك فلما صلى المرة الثانية بسمل. وفي هذه الأحاديث والاَثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها. فأما المعارضات والروايات الغربية وتطريقها وتعليلها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر وذهب آخرون أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل وطوائف من سلف التابعين والخلف وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل. وعند الإمام مالك أنه لا يقرأ البسملة بالكلية لا جهراً ولا سراً واحتجوا بما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين, ولمسلم ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها, ونحوه في السنن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه. فهذه مآخذ الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة وهي قريبة لأنهم أجمعوا على صحة من جهر بالبسملة ومن أسر ولله الحمد والمنة.


(مسألة) والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما, وذلك أن الضاد نخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس, ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ولأن كلا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الاَخر لمن لا يميز ذلك والله أعلم, وأما حديث أنا أفصح من نطق بالضاد فلا أصل له والله أعلم.

(فصل)
يستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها آمين مثل يس, ويقال أمين بالقصر أيضاً ومعناه اللهم استجب والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقال آمين مد بها صوته, ولأبي داود رفع بها صوته, وقال الترمذي هذا حديث حسن, وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال «آمين» حتى يسمع من يليه من الصف الأول, رواه أبو داود وابن ماجه وزاد فيه فيرتج بها المسجد. والدارقطني وقال: هذا إسناد حسن. وعن بلال أنه قال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين رواه أبو داود, ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن وجعفر الصادق أنهما شددا الميم من آمين مثل {آمين البيت الحرام} قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة, ويتأكد في حق المصلي, وسواء كان منفرداً أو إماماً أو مأموماً وفي جميع الأحوال لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال أحدكم في الصلاة آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه» قيل بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان وقيل في الإجابة وقيل في صفة الإخلاص, وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعاً «إذا قال ـ يعني الإمام ـ ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله» وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قلت: يا رسول الله ما معنى آمين ؟ قال «رب افعل» وقال الجوهري: معنى آمين كذلك فليكن. وقال الترمذي معناه لا تخيب رجاءنا. وقال الأكثرون معناه اللهم استجب لنا. وحكى القرطبي عن مجاهد وجعفر الصادق وهلال بن يساف أن آمين اسم من أسماء الله تعالى وروي عن ابن عباس مرفوعاً ولا يصح, قاله أبو بكر بن العربي المالكي. وقال أصحاب مالك: لا يؤمن الإمام ويؤمن المأموم لما رواه مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «وإذا قال ـ يعني الإمام ـ ولا الضالين فقولوا آمين» الحديث واستأنسوا أيضاً بحديث أبي موسى عند مسلم كان يؤمن إذا قرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقد قدمنا في المتفق عليه «إذا أمن الإمام فأمنوا» وأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤمن إذا قرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية وحاصل الخلاف أن الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به قولاً واحداً وإن أمن الإمام جهراً فالجديد أن لا يجهر المأموم وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن مالك لأنه ذكر من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة, والقديم أنه يجهر به وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل والرواية الأخرى عن مالك لما تقدم «حتى يرتج المسجد» ولنا قول آخر ثالث أنه إن كان المسجد صغيراً لم يجهر المأموم لأنهم يسمعون قراءة الإمام وإن كان كبيراً جهر ليبلغ التأمين من في أرجاء المسجد والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عنده اليهود فقال « إنهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإمام آمين» ورواه ابن ماجه ولفظه «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين» وله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ماحسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين فأكثروا من قول آمين» وفي إسناده طلحة بن عمرو وهو ضعيف, وروى ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين» وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطيت آمين في الصلاة وعند الدعاء لم يعط أحد قبلي إلا أن يكون موسى, كان موسى يدعو وهارون يؤمن فاختموا الدعاء بآمين فإن الله يستجيبه لكم (قلت) ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الاَية الكريمة وهي قوله تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم * قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} فذكر الدعاء عن موسى وحده ومن سياق الكلام ما يدل على أن هارون أمّن فنزل من منزلة من دعا لقوله تعالى {قد أجيبت دعوتكما} فدل ذلك على أن من أمّن على دعاء فكأنما قاله, فلهذا قال: من قال إن المأموم لا يقرأ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها, ولهذا جاء في الحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» رواه أحمد في مسنده وكان بلال يقول لا تسبقني بآمين يا رسول الله. فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية والله أعلم. ولهذا قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن الحسن حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن ليث عن ابن أبي سليم عن كعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين, فقال آمين, فوافق آمين أهل الأرض آمين أهل السماء غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه, ومثل من لا يقول آمين كمثل رجل غزا مع قوم فاقترعوا فخرجت سهامهم ولم يخرج سهمه فقال لمَ لم يخرج سهمي ؟ فقيل إنك لم تقل آمين».



يتبع إن شاء الله ..........

طويلبة علم
12-03-05, 11:47 PM
ننن سورة البقرة ننن



ففف فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ققق


سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه عليه الصلاة والسلام عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم وذكروا أجوبة عن ذلك منها ما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه «أكره أن يتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه» ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمداً يقتل أصحابه, قال القرطبي وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلفة مع علمه بسوء اعتقادهم.

قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وعن ابن الماجشون.
ومنها: ما قال مالك إنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه
قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإن اختلفوا في سائر الأحكام, قال: ومنها ما قال الشافعي إنما مَنعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله. ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل» ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهراً فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الاَخرة وإن لم يعتقدها لم ينفعه جريان الحكم عليه في الدنيا وكونه كان خليط أهل الإيمان {ينادوهم ألم نكن معكم ؟ قالوا بلى, ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم, وارتبتم وغّرتكم الأماني حتى جاء أمر الله} الاَية, فهم يخالطونهم في بعض المحشر فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث ومنها ما قاله بعضهم أنه إنما لم يقتلهم لأنه لا يخاف من شرهم مع وجوده صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يتلو عليهم آيات مبينات فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون.

قال مالك: المنافق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزنديق اليوم

(قلت) وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا, أو يتكرر منه ارتداده أم لا, أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه ؟ على أقوال متعددة موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام.

طويلبة علم
13-03-05, 12:19 AM
ففف وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَىَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ ققق

استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلني لوثا بهذه القصة, لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله, فقال فلان قتلني, فكان ذلك مقبولاً منه, لأنه لا يخبر حينئذ إلا بالحق, ولا يتهم والحالة هذه, ورجحوا ذلك لحديث أنس أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها, فرضخ رأسها بين حجرين, فقيل: من فعل بك هذا, أفلان ؟ أفلان ؟ حتى ذكروا اليهودي, فأومأت برأسها, فأخذ اليهودي, فلم يزل به حتى اعترف, فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين, وعن مالك إذا كان لوثاً, حلف أولياء القتيل قسامة, وخالف الجمهور في ذلك, ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثا.

طويلبة علم
13-03-05, 12:45 AM
ففف وَاتّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشّيَاطِينُ عَلَىَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـَكِنّ الشّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ النّاسَ السّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّىَ يَقُولاَ إِنّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُواْ واتّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ اللّهِ خَيْرٌ لّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ققق

وقد استدل بقوله {ولو أنهم آمنوا واتقوا} من ذهب إلى تكفير الساحر, كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف, وقيل: بل لا يكفر, ولكن حده ضرب عنقه, لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل, قالا: أخبرنا سفيان, هو ابن عيينة عن عمرو بن دينار, أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة, قال: فقتلنا ثلاث سواحر وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضاً, وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها, فأمرت بها, فقتلت, قال الإمام أحمد بن حنبل: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الساحر.

وروى الترمذي من حديث اسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حد الساحر ضربه بالسيف» ثم قال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه, وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث, والصحيح عن الحسن عن جندب موقوفاً قلت. قد رواه الطبراني من وجه آخر عن الحسن عن جندب مرفوعاً. والله أعلم. وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة: كان عنده ساحر يلعب بين يديه فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه, فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى, ورآه رجل من صالحي المهاجرين , فلما كان الغد جاء مشتملاً على سيفه وذهب يلعب لعبه ذلك, فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر, وقال:

إن كان صادقاً فليحي نفسه, وتلا قوله تعالى: {أتأتون السحر وأنتم تبصرون}, فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك, فسجنه ثم أطلقه, والله أعلم. وقال الإمام أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثني أبي أخبرنا يحيى بن سعيد, حدثني أبو إسحاق عن حارثة قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندي مشتملاً على سيفه فقتله, قال: أراه كان ساحراً, وحمل الشافعي رحمه الله قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركاً والله أعلم.


وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد ابن هبيرة رحمه الله في كتابه(الإشراف على مذاهب الأشراف) باباً في السحر فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده

واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله, فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفعه كفر, وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي رحمه الله: إذا تعلم السحر قلنا له صف لنا سحرك فإِن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر, وإن كان لايوجب الكفر فإِن اعتقد إباحته فهو كافر,

قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله ؟
فقال مالك وأحمد نعم, وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا فأما إن قتل بسحره إنساناً فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معين, وإذا قتل فإِنه يقتل حداً عندهم إلا الشافعي فإِنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصاً

قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته ؟
فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا تقبل, وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى تقبل, وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم, وقال مالك وأحمد والشافعي: لايقتل يعني لقصة لبيد بن الأعصم واختلفوا في المسلمة الساحرة فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل ولكن تحبس, وقال الثلاثة حكمها حكم الرجل, والله أعلم.

وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي قال: قرأ على أبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ عمر ابن هارون أخبرنا يونس عن الزهري: قال يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.

وقد نقل القرطبي عن مالك رحمه الله, أنه قال في الذمي يقتل إن قتل سحره, وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما أنه يستتاب فإِن أسلم وإِلا قتل, والثانية أنه يقتل وإن أسلم, وأما الساحر المسلم فإِن تضمن سحره كفراً كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر}.
لكن قال مالك إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق فإِن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائباً قبلناه, فإن قتل سحره قتل قال الشافعي: فإن قال لم أتعمد القتل فهو مخطىء تجب عليه الدية.


(مسألة)
وهل يسئل الساحر حلاً لسحره؟
فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري, وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة وكره ذلك الحسن البصري, وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: يارسول الله هلا تنشرت, فقال: «أما الله فقد شفاني وخشيت أن أفتح على الناس شراً»
وحكى القرطبي عن وهب: أنه قال يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإِنه يذهب ما به, وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته

(قلت) أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في ذهاب ذلك وهما المعوذتان, وفي الحديث «لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما» وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشياطين.

طويلبة علم
13-03-05, 03:19 PM
ففف مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ققق

ننن ننن ننن ننن

وقال ابن جرير: {ما ننسخ من آية}, ما ننقل من حكم آية إلى غيره, فنبدله ونغيره, وذلك أن نحول الحلال حراماً, والحرام حلالاً, والمباح محظوراً, والمحظور مباحاً, ولا يكون ذلك, إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة, فأماالأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ, وأصل النسخ من نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها, فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارة إلى غيرها وسواء نسخ حكمها أو خطها, إذ هي كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول, فاختلفت عباراتهم في حد النسخ والأمر في ذلك قريب, لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولحظ بعضهم أن رفع الحكم بدليل شرعي متأخر. فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل وعكسه والنسخ لا إلى بدله, وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوطة, في أصول الفقه.

والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى, لما له في ذلك من الحكمة البالغة, وكلهم قال بوقوعه, وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن, وقوله ضعيف مردود مرذول, وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ, فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول, لم يجب عن ذلك بكلام مقبول, وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة. عن بيت المقدس لم يجب بشيء, ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين, ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك, والله أعلم.

عبداللطيف البراهيم
02-10-06, 03:55 PM
جزاكِ الله خيرا على هذا الجهد

طارق الحمودي
07-10-06, 08:58 PM
جهد مشكور
بارك الله فيك دعواتنا معك أن يسهل عليك هذا العمل

حفيدة السلف
01-12-06, 03:14 PM
بارك الله فيكِ ونفع بهذا الجهد المبارك

تلميذة الأصول
04-05-07, 03:01 AM
بـــــــــــــــــــــارك الله سعيك،،ووفقك

أبو يوسف التواب
05-05-07, 04:54 PM
لماذا التوقف أختنا ؟!

أحمد علاء الدين
21-07-08, 04:21 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي خيرا كل من ينصر أو يذب عن الدين آمين بيد أن لي ملاحظة حول كلمة يكتبها كثير من إخواننا طلبة العلم في أبحاثهم وهي و الراجح كذا أو و الصحيح كذا.
قسم الحافظ بن عبد البر و شيخ الإسلام بن تيمية و تلميذه الحافظ بن قيم الجوزية و غيرهم رحمهم الله تعالى الناس إلى أقسام ثلاث : قسم العامة و دينها التقليد لقول الله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون و قسم المجتهدين الذين لديهم الحق في الترجيح بعد بلوغهم درجة الإجتهاد و قسم طلبة العلم الذين يأخذون العلم بدليله و لا يجوز لهم التقليد لكن يقولون في أبحاثهم العلمية هذا ما اطمأنت إليه نفسي و انشرح له صدري و ليس لهم الترجيح لعدم بلوغهم درجة الإجتهاد الذي يمكنهم من تصحيح قول و تضعيف قول آخر و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

الماجدة الدليمية
23-04-19, 10:02 PM
منهج ابن كثير في المسائل الفقهية

قال الدكتور يوسف عبدالرحمن المرعشلي في مقدمة لتفسير ابن كثير الجزء(1) ص (24)


كما نلاحظ على ابن كثير أنه يدخل في المناقشات الفقهية ، ويذكر أقوال العلماء وأدلتهم عندما يشرح آية من آيات الاحكام ، وإن شئت أن ترى مثالا لذلك فارجع إليه عند تفسير قوله تعالى في الاية ( 185 ) من سورة البقرة ( . . . فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر . . . ) الاية ، فإنه ذكر أربع مسائل تتعلق بهذه الاية ، وذكر أقوال العلماء فيها ، وأدلتهم على ما ذهبوا إليه ، وارجع إليه عند تفسير قوله تعالى في الاية ( 230 ) من سورة البقرة أيضا ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . . . )الأية،

فإنه قد تعرض لما يشترط في نكاح الزوج المحلل ، وذكر أقوال العلماء وأدلتهم . وهكذا يدخل ابن كثير في خلافات الفقهاء ، ويخوض في مذاهبهم وأدلتهم كلما تكلم عن آية لها تعلق بالاحكام ، ولكنه مع هذا التفسير من خير كتب التفسير بالمأثور ، وقد شهد له بعض العلماء ، فقال السيوطي في ذيل تذكرة الحافظ ، والزرقاني في شرح المواهب : ( إنه لم يؤلف على نمط مثله ) .

*****************
وقد ذكر الدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم في كتابه ((منهج ابن كثير في التفسير))طبعة دار مسلم
ان القرآن والسنة النبوية المطهرة هما المصدران الأساسيان في استنباط الأحكام الفقهية والقواعد التشريعية والأصولية ، لهذا نرى علماء المسلمين وقفوا عند كل نص من الكتاب والسنة واستنبطوامافيه من أحكام فقهية وأمور تشريعية ، فالمفسرون استنبطوامافي القرآن من فقه وأحكام ، والمحدثون استخلصوامافي السنة أيضا من ذلك،والفقهاء جمعوا الأحكام وأدلتها من الكتاب والسنة في كتبهم الفقهية ،علما أن هناك تداخلاً كبيراً بين هذه العلوم، فمفسر القرآن لاغنى له عن النظر في السنة، وكذا شارح الحديث لاغنى له عن الرجوع إلى القرآن، والفقيه لاغنى له عنهما معاً.
ولقد اختلف المفسرين في تناولهم للأحكام قلة وكثرة ولعل السبب الذي جعل المفسرين يختلفون هذا الاختلاف هو اختلاف مشاربهم وتنوع ثقافاتهم .. فنزع كل منهم الى الاهتمام بالفن الذي أجاد فيهافالفقيه في تفسيره اهتم بالأحكام الفقهية، والمحدث اهتم بذكر الأحاديث ومناقشة أسانيدها، والنحوي واللغوي كذلك اهتم كل منهما بالفن الذي أجاده وبرع فيه.

توسط ابن كثير في تناوله للأحكام الفقهية والأصولية عموماً:

ولانكون مغالين إذا قلنا: إن الحافظ ابن كثير-رحمه الله- من أبرز هذه الطبقة التي وقفت من الأحكام الفقهية والأصولية موقفاًوسطا، فتناولت هذه الأحكام بحدود المعقول والمقبول في تفسير القرآن، فلم يهمل الكلام على الأحكام والمقام يتطلبه، ولم يحمّل النص القرآني مالم يدل عليه، وإن كان هناك استطراد في بعض المواضع فهو إلى حد مستساغ مقبول .

ذكر الحافظ ابن كثير لأقوال المجتهدين من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء، واهتمامه بذكر المذاهب الأربعة وبخاصة المذهب الشافعي:

حيث يهتم ابن كثير بذكر اقوال المجتهدين والفقهاء من الصحابة والتابعين وغيرهم ويهتم اكثر بذكر المذاهب الاربعة المشهورة ويعطي للمذهب الشافعي من بينها اهتماماً أكبر .

مناقشة الحافظ ابن كثير لما يورده من أقوال المجتهدين والفقهاء وبيان الصحيح منهاأوالراجح من غيره:
وكما كانت طريقته مناقشة الآثار المروية عن الصحابة والتابعين في تفسير بعض الآيات فكذلك طريقته بالنسبة لأقوال المجتهدين والفقهاء ، فلم يكتف بسر الأقوال بل إنه ناقشها في كثير من المواضيع ، وبين الصحيح منها والراجح من غيره منها.

الحافظ ابن كثير كثيراً ما يرجح قول الشافعي، وقد يرجح غيره:

وذلك بحكم كونه شافعي المذهب فهو كثيراً ما يرجح قول الشافعي ويأخذبه إلا أنه مع هذا لايتعصب لمذهب الشافعي ، وقد يخالفه في بعض أقواله ويصحح ويرجح قول غيره خصوصاً إذا رأى أن الحق قد يكون مع غيره.

الحافظ ابن كثير قد يذكر أقوال الفقهاء دون بيان الراجح منها من غيره:

وقد يذكر الأقوال بدون أن يرحج بينها أو ينص على الضعيف منها.

استطراد الحافظ ابن كثيرأحياناً في تناوله لبعض الأحكام:
هذا ومع أن الحافظ ابن كثير متوسط في تناوله للأحكام غالباً إلا أنه قد يستطرد في بعض المواضع ، فينتقل من ذكر القوال وأدلتها والراجح منها الى ذكر المناقشات والردود وإيراد بعض الإشكالات على بعض الأقوال وذكر إجابات العلماء عليها.

تقليل ابن كثير الكلام عن الأحكام أحياناً:

قد يقلل الحافظ -رحمه الله- في بعض المواضع من الكلام عن الأحكام الفقهية حتى ليبدو وكأنه لايتكلم عن آية من آيات الأحكام.

تناول الحافظ ابن كثير في مواضع كثيرة للأحكام الأصولية بذكر بعض القواعد الأصولية، وذكر استدلال الأصوليين ببعض الآيات، واختلافهم مع مناقشة ذلك أحياناً:
كثيراً ما يعرض الحافظ ابن كثير للقواعد الأصولية فيستدل ببعض قواعد الأصوليين في بعض المواقع

عدم إكثار الحافظ ابن كثير من الخوض في علوم الكون والفلك والطبيعة مع معرفته بها ، وحرصه غالباً على الوقوف على مايدل عليه ظاهر الآيات أو ماهو مشاهد معروف من هذه العلوم:

أما ما يتعلق بعلوم الكون والفلك والطبيعة واجتهادات العلماء حولها فإنه لايكثر الخوض فيها، وقد يشيرإليها في بعض المواضع.

حسن طريقة الحافظ ابن كثير في عرضه للخلاف وبروز شخصيته في مناقشة الأقوال وحسن اختياراته، ومدى ما كان عليه من معرفة بالأحكام الفقهية والأصولية وعلوم الكون والفلك والطبيعة:

ويظهر لنا مما تقدم حسن طريقة الحافظ ابن كثير في عرضه للخلاف، كما تظهر لنا شخصيته المستقلة في مناقشته للأقوال واختياره منها مادل عليه الدليل من غير تعصب لمذهب من المذاهب او قول من الأقوالومدى ما كان عليه من معرفة بالأحكام الفقهية والأصولية كما تبين لنا أيضاً أنه في تناوله للأحكام وسط بين المكثرين من تناولها والمقلين من ذلك من المفسرين حيث
أعطى لهذا الجانب حقه من غير إفراط ولاتفريط.

مجالات الاجتهاد في تفسير ابن كثير محصورة في مجال الرأي المحمود:

حيث يرى الحافظ ابن كثير تبعاً لإمامه الطبري وشيخه ابن تيمية وغيرهما من علماء السلف والخلف أن الرأي ينقسم إلى قسمين: محمود ومذموم ، فالمحمود جائز والمذموم محرم ،كما صرح بذلك في مقدمة تفسيره، ولهذا نجد أنه وإن كان يفسر القرآن بالماثور فقد أضاف الى ذلك شيئاً من الاجتهاد والرأي المحمود الموافق للكتاب والسنة والمستوفي جميع شروط التفسير ، لهذا جاء تفسيره -رحمه الله- جامعا بين المنقول والمعقول والرواية والدراية ، ونحن لانعجب من هذا الاتجاه إذا عرفنا أن عمدته في التفسير هو عمدة المفسرين عامة الإمام الطبري-رحمه الله- وهو أول من ابتكر هذه الطريقة من حيث الجمع بين التفسير بالمأثور وإضافة شيء من الاجتهاد والرأي المحمود، كما أن لتأثر الحافظ ابن كثير بشيخ الإسلام ابن تيمية أثراً كبيراً في هذا الاتجاه، ونستطيع أن نقول إن مجالات الاجتهاد في تفسيره-رحمه الله- محصورة في مجال الرأي المحمود والاجتهاد المقبول ، وتتركز في مناقشته لكثير من الأقوال، والتوفيق بينها،وبيان الصحيح والحسن والضعيف منها، والراجح من غيره ..

وهكذا طريقته في جميع الجوانب التفسيرية التي تناولها فهو ينقل وينقد ويصحح ويضعف ويوجه ويوفق، ويختار قولاً ويترك غيره ..


جزاك الله خير بميزان حسناتك أخية حفظك الله وزادك من فضله ننتظر المزيد منك بارك الله فيك.