المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح كتابِ ( قواعد الأصول ومعاقد الفصول ) لصفي الدين عبدالمؤمن البغدادي -رحمه الله-


زياد الرقابي
22-02-05, 01:01 AM
الحمدلله رب العالمين و أصلى وأسلم على أشرف الرسل والخلق أجمعين نبينا محمد وعلى اله وأصحابه أجمعين و بعد .

فإن العلوم مدارك ، والفهوم مسالك ، والفقه منازل ومدارج .

وطبائع العلوم مركبة كما هي تراكيب الجسوم فمنها بعيد القعر شديد القر ، ومنها سهل الأخذ يسير الدرك ، ومنها متوسط الحال بين الصفين ومفترق أمره بين الصنفين .

ومنها ما يحصل من تركه فوت لشرط الاجتهاد والفقه في دين الله ومنها ما هو مكمل محسن لايضر تفويته وينفع صاحبه تحصيله .

وإن علم الأصول منها بمنزلة الرأس فبه يثقب الفقيه نظره في المسائل وبطريقه يستنبط لطيف العبارات والدلائل ، ومن خلاله يضبط المتفقه فهمه فلا يطيش ، و على أرضه يتراجع المتناظرون واليه يحتكم المتنازعون .

ولما كان هذا حاله وجب ضبطه وإتقانه ، ومن مسالك تحصيله ودرجات تكميله ، مراجعة متونه ومعاينة كتبه و أصوله .

وهذا مختصر من مختصرات هذا الفن دقيق الاشارة رشيق العبارة وهو الموسوم بقواعد الأصول ومعاقد الفصول .

أما المُصنف :
فهو ( عبدالمؤمن بن عبدالحق بن عبدالله بن علي بن مسعود ) المتففن الفقيه الحنبلي ، قال عنه ابن رجب في الذيل : ( كان ذا ذهن حاد وذكاء وفطنة وكتب الكثير بخطه الحسن الحلو المليح وكان عنده خميرة جيدة من أول عمره في العلم ) .

ولد رحمه الله سنة 658هـ وتوفى سنة 739 هـ .

ومن مصنفاته كتاب تحقيق الأمل في علم الأصول والجدل وأختصر منه كتابه هذا ، و كتاب شرح المحرر وقد ارسله الى شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله يسأله عن مسائل فيه .

و اختصر جملة من الكتب : قال في الشذارت : ( واختصر الرد على الرافضي للشيخ تقي الدين بن تيمية في مجلدين لطيفين واختصر معجم البلدان لياقوت وله غير ذلك وخرج لنفسه معجماً لشيوخه بالسماع والإجازة نحواً من ثلثمائة شيخ وسمع منه خلق كثيرون وله شعر رائق منه:

لا ترج غير اللّه سبحانه * واقطع عرى الآمال من خلقه
لا تطلبن الفضل من غيره * واضنن بماء الوجه واستبقه ) .


أما المصنَف : فهو مختصر في علم أصول الفقه و من سمات هذا المختصر :

1- أنه يشبه ان يكون مختصرا لروضة الناظر لابن قدامة وهذا بين جلي و ليس من حرج أن يعد من مختصرات الروضة .

2- حسن سبك الكتاب عدا بعض المواضع ( وسيأتي الاشارة اليها ) وجريانه في الترتيب والتبويب على طريقة ابن قدامة حتى انه تبعه رحمه الله في بعض الوهم كما سيأتي بيانه بأذن الله .

3- دقة عباراته رحمه الله وجودة تعاريفه المنتقاة .


أما الشرح :
فهو على طريقة التوسط قدر الامكان ومن سماته التى قدر الاستطاعة سوف اسلكها :

1- زيادة البسط في المواضع التى يحتاجها المتفقه بخلاف المواضع التى لايحتاجها .

2- كل مسألة يذكرها فسوف أذكر ثمرتها في الاحكام ، وهذا وإن كان غير مرضى عند أهل الأًصول لأنهم ينظرون الى علم الأصول من حيث هو دون علاقته بعلم الفروع . الا اني احسب ان نفع الشرح يكون أعم اذا احسن المتفقه تطبيق الاصول على الفروع . وسوف اذكر ثمرة واحدة من الفروع لكل مسألة . وهذا يحرك العقل ويربط بين الأصل والفرع .

3- سوف أشير الى بعض الأوهام التى تبع فيها المصنف ابن قدامة رحمهم الله .

4- سيكون شرحا وتحقيق نسخة إذ ان الأصل المعتمد عليه في الشرح هو النسخة الخطية وسيأتي تفصيله .


النسخ المعتمدة في الشرح :

النسخ المطبوعة لهذا الكتاب كثيرة منها نسخة الشيخ احمد شاكر ونسخة الشيخ القاسمي .

ثم طبعة الشيخ على عباس الحكمي .

ثم طبعة دار الفضيلة ( وليست معتمدة على نسخة خطية ) .

وقد قارنت بين هذه الطبعات في مجالس صيف العام الماضي مع بعض الأخوة إبان قرائتنا للكتاب ومدارسته . فوجدنا ان كل واحدة منها غير سالمة غير ان طبعة الشيخ الحكمي اسلمها .

أما طبعة دار الفضيلة ففيها أكثر من سقط سيتم الاشارة اليه في موضعه وسيتم الاشارة الى الاخطاء الموجودة في نسخة الشيخ الحكمي حتى يصحح من عنده نسخة نسخته .

وأما الأصل الذي سوف اعتمد عليه في الشرح فهي النسخة الخطية الوحيدة المعروفة للكتاب ( وهي التى اعتمدها ايضا الشيخ الحكمي ) .

هي نسخة المكتبة الظاهرية ورقمها ( 2873 ) و مكتوب على طرتها ( المحل مدرسة ابي عمر الصالحية ) انتهى .

وهي المدرسة االشهيرة والتى يحسن ان تكون جامعة الحنابلة في ذلك العصر .

وهذا و الاعتذار أقدمه بين يدي هذا المزبور ، و إرفقه أمام هذا المكتوب ، ويعلم الله ان من بواعث كتابة هذا الشرح تلقى النصح ، و التصحيح لما قد يزل به الفهم ويذهل عنه القلب .

ثم السؤال للحكيم الحميد بأن يتتم نعمه ، ويعن العبد على شكره ، فهو محتاج الى الاعانة أشد الحاجة ، مفتقر الى رحمة مولاه أشد الافتقار ، منطرح بين يديه شديد الانكسار ، راجيا ان تغفر زلاته ، وتمحى حوباته وتقبل أوباته .


والله الموفق ولارب سواه .

زياد الرقابي
26-02-05, 12:17 AM
قال المصنف رحمه الله :

بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله على إحسانه و إفضاله كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله وأصلى وأسلم على نبيه المكمل بإرساله المؤيد في أقواله وأفعاله وعلى جميع صحبه وآله .
هذه ( قواعد الأصول ومعاقد الفصول ) من كتابي المسمى بتحقيق الأمل مجردة عن الدلائل من غير إخلال بشئ من المسائل تذكرة للطالب المستبين وتبصرة للطالب المستعين وبالله أستعين وعليه اتوكل وحسبي ونعم المعين .
أصول الفقه : معرفة دلائل الفقة اجمالا ، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد ، وهو المجتهد .
والفقه لغة : الفهم .
واصطلاحا : معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد .
والأصل : مايبنى عليه غيره فأصول الفقه أدلته التى يبنى عليها .
والغرض منه : معرفة كيفية اقتباس الاحكام ( من ) و الأدلة وحال المقتبس وذلك ثلاثة أبواب :
__________________________

قال رحمه الله : ( هذه قواعد الأصول ومعاقد الفصول من كتابي المسمى بتحقيق الأمل ) وهذا من لطيف عبارة الشيخ - رحمه الله - حيث أنه جعل أسم الكتاب بمعنى الوصف له ، في إشارة الى ان هذا الكتاب هو قواعد الأصول من كتابه - تحقيق الأمل - ومعاقد فصوله ، فجعل الأسم لقبا على الكتاب ووصف له .

( مجردة عن الدلائل من غير إخلال بشئ من المسائل ) بين فيه نهجه وسبيله في هذا الكتاب وهو ان يجعله مجردا عن الدلائل ثم بين العلة في هذا الفعل بقوله : ( تذكرة للطالب المستبين وتبصرة للطالب المستعين ) أي تذكرة للطالب المتقدم المستبين المنتهي و بداية وتبصرة للطالب المبتدي المستعين .

وهذه وظيفة المختصرات :

1- ان تكون أول ما يدرس الطالب المبتدي لانه يعسر عليه الخوض في الطوال من التصانيف لتشعب مسائلها وكثرة استطراداتها والمبتدي في غالب حاله جاهل بأصل المسائل غير متصور لمواطن النزاع فيها فيحتاج الى مختصر يجنبه شقائق الاختلاف ومواطن النزاع ، ويعرض له أصول العلم ومجامعه .

2- تذكرة للطالب المنتهى يراجع فيها ضبطه ويكمل فهمه فأن المسائل اذا تشعبت شتت الذهن وشغلت القلب فيراجع المختصر تذكرة وربطا للاصول مع ما حصل من المسائل فيكون كالتكميل والترسيخ لما في ذهنه من المسائل .

(أصول الفقه : معرفة دلائل الفقة اجمالا ، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد ، وهو المجتهد ) .

ابتدء بتعريف هذا الفن ومعنى هذا العلم حتى يكون الطالب على بصيرة بما يطلب ومعرفة لمعنى ما يدرس ويحفظ .

جرى غالب أهل الأصول على ذكر نوعين من تعريف علم الأصول :

الاول : أن يعرفوه باعتباره مركب من جزئين : ( أصول ) و ( فقه ) فيذكروا معنى الأصول وهي أصل الشئ كأصل الشجرة وأصل النسب ، ثم يذكروا معنى الفقه على الاصطلاح ( كما سيأتي ) .

الثاني :أن يعرّفوه بأعتباره ( لقبا ) و - علَماً - على هذا العلم .

ثم بدأ تعريف ( أصول الفقه ) على انه علَم ولقب فعرفها باعتبارها مفردا وهذا التعريف هو الذي ينبغى للطالب ضبطه وفهمه في كل الحدود ، لأنه انفع للطالب فالطالب محتاج الى معرفة معنى ( أصول الفقه ) اللقبي أكثر من معرفته لأفراد التركيب .

فلو قيل له ما (أصول النحو ) وهو عالم بمعنى ( أصول ) و ( نحو ) لم يحصل له معرفة معنى اللقب بخصوصه عند أهل الفن ، وأنما يحصل له تصور كلي تحصله من معرفة معنى ( أصول ) و ( نحو ) .

ولذلك أكتفى بعض المصنفين في هذا الفن بذكر تعريف أصول الفقه باعتباره لقبا دون ذكر معنى أفراده على اعتبار استقلاله بكونه علما لاينظر الى أجزاءه ومن هؤلاء البيضاوي ، ومن حججهم في ذلك ان مصطلح أصول الفقه لما صار علما على هذا الفن وجب تعريفه من هذه الجهة دون النظر الى أجزاءه باعتباره لفظ مفرد لايدل جزءه على جزء معناه ، وهذا الاطلاق فيه نظر إذا لايتساوى المركب وان كان علما ولقبا مع اللفظ المفرد الذي لايدل جزءه على جزء معناه .

( معرفة دلائل الفقه إجمالا ) قوله إجمالا يخرج الادلة التفصيلية لأن ادلة الاحكام على قسمين :

إجمالية و تفصيلية . أما التفصيلية فهي كقول الله تعالى : ( أقيموا الصلاة ) ، وكقوله تعالى :( ولا تلقوا ايديكم الى التهلكة ) وغيرها من الادلة التى تدل على أحكام خاصة ( معينة ) .

أما الادلة الاجمالية فهي التى لاتتعلق بحكم معين بل يقرر الدليل دون النظر الى الحكم الذي يندرج تحته .

فالأصولي يبحث في الدليل وصورته وطريقة الاستدلال به واحكامه كبحثهم في أول الأدلة وأعظمها وهو : الكتاب محكمه ومتشابهه و حكم آيه وسوره ، ودليل القياس حجيته واحكامه وشروطه وطرائقه وعلله ، والبرهان واحكامه واشكاله ، وكذلك دقائق الادلة ومتعلقاتها كالناسخ والمنسوخ وكيفية معرفة الناسخ من المنسوخ .. الخ

فيأتي الفقيه ويحتج بالقياس على مقتضى القواعد التى أصلها أهل الأصول فوظيفة الفقيه تطبيق هذا الدليل أما بحثه وحجيته فوظيفة الأصولي .

والأصولي يبحث ايضا في الأحكام الكلية دون الجزئية ، كالصحة والبطلان و والوجوب والتحريم .

أما تطبيقها على المسائل والفروع وعلى حوادث الناس فوظيفة الفقيه ايضا .

(وكيفية الاستفادة منها ) أي أن علم الأصول يبحث الادلة من حيث هي ثبوتا وعدما ، ثم كيفية الحكم بها فيبحث حكم القياس وحجيته واركانه ثم كيفية المقايسة به . وليس المقصود به تطبيقه على الفرع بل المقصود استنباط الحكم الكلي من الدليل الشرعي . لآن تطبيقه على الفروع من وظائف الفقهاء .

( وحال المقتبس وهو المجتهد ) أي حال المستدل وقوله ( وهو المجتهد ) يخرج المقلد لأنه لايطالع الأدلة ولايستنبط منها وقد نقل الاجماع غير واحدا من أهل العلم على أن المقلد لايستحق لقب فقيه .

ولو وقف وقف على الفقهاء فأن أرجح الاقوال ان المقلد لاينتفع بهذا الوقف .

( والفقه لغة : الفهم ) والعلم بالشئ والفطنة له .

قال ربنا : ( فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا ) وقال سبحانه وتقدس حكاية قوم شعيب ( ما نفقه كثيرا مما تقول ) .

وقيل معرفة مراد المتكلم ومنه قولك : ( فقهت كلامك ) - ذكره السمعاني واختاره الرازي - ، وقيل الفهم الدقيق .

والتحقيق أن الفقه يطلق على هذه المعاني وليس واحد منها مختص بحقيقته دون الآخر ، فمطلق الفهم هو : ( فقه لمعنى الكلام ) وهذا الفقه على درجات كما ان الفهم على درجات وقد يقال للرجل فَهِمٌ أي سريع الفهم على سبيل التمدح .

(واصطلاحا : معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد )

هذا التعريف الاصطلاحي للفقه : فقوله احكام الشرع خرج بها أحكام العقل كأن الواحد نصف الأثنين ، و أحكام الحس كمعرفة ان النار محرقة ، وقوله معرفة ما يتعلق بافعال العباد من الاحكام وهذا يخرج ما يتعلق باعتقادات العباد لأن محلها علوم العقيدة .
ومثاله معرفة حكم الصلاة أو معرفة حكم مسألة في البيع .

( والأصل : مايبنى عليه غيره فأصول الفقه أدلته ) الأصل في اللغة يطلق على معاني منها ما ذكره المصنف من أنه الشئ الذي يبنى عليه غيره ويسمى ( الفرع ) .

كأصل الشجرة وفرعها . قال ربنا : ( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) . وأصل الدار أي أساسه .

ويدخل فيه البناء المعنوى كأصل الحكم أي دليله ، وقيل من ظهر منه الشئ كالأب ( أصل ) والولد ( فرع ) ومنه أصل النسب ( وقد يجتمعان كما في الآية السالفة ) وهذا الذي عرّف به البزدوي الأصول كما في الحجج الشرعية إذ قال : ( فأن أصول الفقه هذه الاشياء الثلاثة ( 1 ) سميت أصول فقه لأن الفقه فيها ) .

ويراد به منشأ الشئ كقولهم أصله من كذا للمصنوع او الغريب .

والغرض منه : معرفة كيفية اقتباس الاحكام ( من الأدلة وحال المقتبس ( 2 ) .

الغرض من أصول الفقه معرفة كيفية أقتباس الأحكام و استنباطها من الأدلة وهو المقام العظيم الذي شرف به هذا العلم ، لأن أصول الفقه ميزان الفهم و ضابط الاستنباط .

والفقه علم تتجدد مسائله و تتكاثر فروعه فهو محتاج الى أصول تضبط فهم الفقيه فلا يزل ، و تعرفه مواطن الخطل فلا يضل ، والفقه ايضا محتاج الى أصول يتراجع اليها المتخالفون ويتحاكم اليها المتنازعون .

قال السمعاني رحمه الله : ( ولأن علم الفقه علم على منهج الازدياد لأنه العلم بأحكام الحوادث و لاحصر ولاحد للحوادث ولا حصر ولاحد للعلم بأحكامها ومواجبها .... وما يشبه الفقيه إلا بغواص في بحر فكلما غاص في بحر فطنته استخرج درا وغيره يستخرج آجرا ) ( 3 ) انتهى .

وفي علم الأصول وزن للكلام الصحيح من المدخول ، و فيه إعانة للفقيه على دقة الاستباط و أستلال دقائق المعاني و لطيف الاحكام .

* هل معرفة أصول الفقه شرط للاجتهاد ؟

ذهب أكثر أهل العلم الى هذا وقد نص الشافعي على ان بعض مباحثه من شروط الاجتهاد كما في الرسالة وابطال الاستحسان ومعرفة اختلاف الحديث وغيرها وقد ذكر منها معرفة الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد وغيرها من مباحث علم الأصول .

وقد كانت أصول الفقه سجية عند اصحاب رسول الله ومن تابعهم من فقهاء التابعين ثم تقدم الدهر وظهرت الحاجة الى صناعة مبسوط في الأصول يضبط كلياته ويعين على معرفته أساسته فصنف الشافعي رسالته .

والتحقيق في هذا المقام أن من مباحث أصول الفقه ما هو من شروط الاجتهاد كمعرفة الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والعام والخاص ... وغيرها .

ومنها ما هو مكمل ليس بواجب ان يعرف ، و لا بلازم ان يبحث ، غير ان فيه نفعا وتقرير أفهام .

ومنها ما هو دخيل ليس من علم الأصول وبعضها نشأ من ظهور بعض الاعتقادات كالحسن والقبح وشكر المنعم وغيرها مما الحق بعلم الأصول ، وسنبين بأذن الله تعالى كل مسألة وموقعها من هذه الاقسام الثلاث و ما كان أصله من كلام أهل الزيغ والضلال من بعض الفرق والمذاهب الشذاذ .

( وحال المقتبس ) أي حال المستدل وهو المجتهد كما تقدم ، فيبحث علم الأصول في أحكامه وشرائطه وصفاته . وانما بحث حاله لتعلق علم الأصول به إذ هو المقتبس وهو المقرر لهذه الادلة الكلية ، ثم بحثت بالتبع احكام الاجتهاد والتقليد فيما ستراه مفصلا في بابه بأذن الله .
___________________________________________

( 1 ) أي الكتاب والسنة والاجماع .

( 2 ) هكذا هو في طبعة الحكمي ودار الفضيلة ( كيفية أقتباس الأحكام و الأدلة ) وكذلك هو في النسخة الخطية باثبات الواو وفي النفس من هذا شئ إذ أن فائدة أصول الفقه هي أقتباس الأحكام ( من ) الأدلة ، وليس من فائدة اقتباس الادلة .
ومما يقوى هذا أنه هكذا في روضة ناظر و أصله ( المستصفى ) باثبات ( من ) والروضة هي أصل هذا المختصر .
على أن الأصل الخطي صحيح وقد صححه المصنف وقرئ عليه وفيه إثبات الواو .

( 3 ) قواطع الادلة .

زياد الرقابي
27-02-05, 01:35 AM
الباب الأول
في الحكم ولوازمه : الحكم قيل فيه حدود أسلمها من النقض والاضطراب أنه قضاء الشارع على المعلوم بأمرما نطقا أو استنباطا .

_____________________________

أصول الفقه تدور على أربعة أمور أو ( أقطاب ) كما سماها الغزالي ، قال رحمه الله في أول المستصفى :( الأحكام ثمرات وكل ثمرة فلها صفة وحقيقة .. ولها مستثمر وطريق في الاستثمار فالثمرة هي الأحكام والمثمر هي الادلة وطرق الاستثمار هي وجوه الدلالة والمستثمر هو المجتهد ) .

لكن المصنف رحمه الله جعل كتابه يدور على ثلاثة منها وهي الحكم ، و الادلة ، والمستدل كما قدم في أول مختصره .

فالأول : الحكم ( كالوجوب والاستحباب والتحريم والكراهة ) فيبحثها علم الأصول ويبين انواعها واقسامها وحكم كل واحد منها وحده .

و الثاني : الأدلة كالكتاب والسنة والاجماع والقياس وتوابعها .

والثالث : حال المقتبس وهو ( باب الاجتهاد والتقليد واحكامها ) .

ابتدء رحمه الله بالباب الأول وهو الحكم فقال :

(في الحكم ولوازمه ) قوله ولوازمه أي لوازم الحكم لأن أي حكم كان يلزمه ثلاثة أمور :
1- حاكم .
2- ومحكوم عليه .
3- ومحكوم به أو فيه .

وسيأتي ذكر كل واحد من هذه المتعلقات والمصنف رحمه الله لم يذكر الأمر الثالث وهو المحكوم به وسياتي ذكره ان شاء الله .

الحكم
الحكم في اللغة بمعنى المنع وقيل هو القضاء وهو عائد الى المنع وهو مقتضى أحرف ( ح ك م ) والتى تفيد المنع في تصاريفها فحكم القاضي يمنع من تمام التصرف ، ومنه حكمت أمري أي منعته مما يضره وضبطته ، ومنه الحكمة وهي احكام العقل و وضع الامور في نصابها ، وقيل لموضع اللجام من الفرس حكمة لانها تمنع الفرس وتحكمه وتجريه على مراد صاحبه .

أما في الفقه فالحكم عند الفقهاء هو ( المحكوم به ) كالوجوب هو حكم الصلاة و التحريم حكم الربا والاباحة حكم الطيبات .

ولتوضيح الفرق بين معنى الحكم عند الفقهاء ومعناه عند أهل الأصول ( كما يأتي ) ففي مثل قوله تعالى : ( أقيموا الصلاة ) فهذا الخطاب ( أقيموا ) هو الحكم عند أهل الاصول ، و وجوب إقامة الصلاة هو الحكم عند الفقهاء فالحكم عند الفقهاء ( هو أثر الحكم عند أهل الأصول لا ذات الحكم ) .

وعند المناطقة الحكم هو إثبات النسبة في التصديق كقولك : ( الأسد مفترس ) فاثبات النسبة بين الأسد والأفتراس هو الحكم عند المناطقة ، ويأتي تفصيلة في باب البرهان على مقتضى الصناعة المنطقية بأذن الله تعالى .

( فيه حدود ) الحد في في اللغة بمنعى المنع ومنه سمى الحداد حداد لانه يصنع ما يمنع كالابواب والدروع وسمى حارس الباب حداد لانه يمنع من في خارجه من الدخول فيه ، وسمى حد الارض اي موضع الملك منها .

والحدود على تناويع وأقسام يأتي ذكرها بأذن الله في باب البرهان ، وهو هنا بمعنى الرسم ، أي التعريف .

( أسلمها من النقض والاضطراب أنه قضاء الشارع على المعلوم بأمرما نطقا أو استنباطا ) تعاريف الحكم الشرعي من جهة الاصطلاح كثيرة جدا غير ان هذا التعريف في ظاهره ليس بسالم و لادقيق ، فقوله قضاء الشارع على المعلوم يشمل الجماد وغيره كقوله تعالى : ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) فهذا قضاء على معلوم بأمر ما نطقا ، ومعلوم ان هذا غير داخل في معنى الحكم عند أهل الاصطلاح ، وهذا على اعتبار ان مقصوده بقضاء الشارع اي طلبه ، أما لو قلنا انه مطلق القضاء أي الحكم لصار الأمر اوسع وضعف معنى الحد جدا .

غير ان هذا التعريف فيه متحرزات لطيفة فقوله ( نطقا أو استنباطا ) ليشمل غير المنصوص عليه من الاحكام المستنبطة والتى تؤخذ بطريق باقي الادلة كالقياس و والاجماع أو الاستصحاب .
وقوله ( على المعلوم ) يخرج المجهول لأن من شروط التكليف العلم .

أما التعريف المختار فهو تعريف جمهرة اهل الأصول وهو أن الحكم : ( خطاب الشارع المتعلق بالمكلف من حيث أنه مكلف به ) أو ( خطاب الشارع المتلعق بالمكلف بالاقتضاء والتخيير والوضع ) .

وقلنا أنه خطاب الشارع تحرزا من الخلاف في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هو مشرع او مبلغ مبين .

أما المتعلقات الاعتقادية :

فهو التنبيه على ان كثير من أهل الأصول اذا شرح المعنى ، عرّف الخطاب بأنه الكلام الازلي ، ومنهم القرافي والسبكي كما في جمع الجوامع والاسنوي .

وهذا مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة في معنى الكلام وان الكلام ( آحاده ) من الصفات الفعلية ( الحادثة ) أما أصل الصفة فهي ازلية وهي من الصفات الذاتية التى لاتنفك عن الباري سبحانه .

زياد الرقابي
27-02-05, 03:01 PM
الحاكم الحاكم هو الله سبحانه لاحاكم سواه .

______________________
( الحاكم هو الله سبحانه لا حاكم سواه ) قال سبحانه :( إن الحكم الا لله يقص الحق ) وقال سبحانه : ( له الحكم واليه ترجعون ) .

فالحاكم هو الله سبحانه لاحاكم الا هو عليه وقع إجماع المسلمين .

المتعلقات الاعتقادية :

يبحث أكثر أهل الاصول مسألة التحسين والتقبيح عند الكلام على هذا الباب وهو الحاكم وبعضهم يجعله في باب الحكم على اعتبار عدم افراد باب الحاكم ، وأكثر الحنفيه يجعلون المسألة في باب المأمور به .

وينقلون خلاف المعتزلة مع الاشاعرة وأهل السنة مع الطائفتين في هذا الباب ، وينسب كثير من الناس الى المعتزلة قولهم بأن العقل ( حاكم ) وهذه النسبة فيها نظر وقد يقال ان من مقتضى قولهم بمطلق التحسين والتقبيح هذا القول ، فبعض المعتزلة قد يلزم من قوله جعل العقل حاكما كما قول النظام بجواز نسخ حكم العقل للخبر ، غير ان لازم القول لايستوى مع صريحه .

قال في مسلم الثبوت : ( لاحكم الا من الله بإجماع الأمة لا كما في كتب بعض المشايخ أن هذا عندنا ، وعند المعتزلة أن الحاكم هو العقل ، فإن هذا مما لايجترئ عليه أحد ممن يدعي الاسلام بل أنما يقولون : إن العقل معرف لبعض الاحكام الالهية سواء ورد به الشرع أم لا ، وهذا مأثور عن أكابر شيوخنا أيضا ثم أنه لابد لحكم الله تعالى من صفة حسن أو قبح في فعل لكن النزاع في أنهما عقليان أو شرعيان ) ( ) .

وذكر الزركشي ( أن أهل الاصول الناقلين لهذه المسألة قد أحالوا المعنى ونقولا عن المعتزلة ما لاينبغى لقائل أن يقول به ) .

تحرير المسألة بين المعتزلة ( وبعض الحنفية ) والاشاعرة :

أكثر المتقدمين من الطائفتين على أن محل النزاع بينهما في ( هل الحسن والقبح صفات ذاتية للفعل ؟ ) .

فالشرع عند المعتزلة كاشف لها ، أم انها لم تصبح حسنة او قبيحة الا بحكم الشارع وهذا مقتضى قول الاشاعرة .

وذهب كثير من المتأخرين الى ان النزاع هو في اقتضاء الافعال الحسنة والقبيحة الثواب والعقاب ( أو المدح شرعا والذم شرعا ) .

قال الشوكاني رحمه الله في الارشاد : ( ومحل النزاع كما أطبق عليه جمهور المتأخرين وإن كان مخالفا لكا كان عند كثير من المتقدمين هو كون الفعل متعلق المدح والثواب والذم والعقاب آجلا ام عاجلا ) .

والاظهر ان النزاع واقع في المسألتين .

والمسألة ذكر لها بعض أهل العلم ثمار في الفروع غير ان هذه الثمار قليلة غير ظاهر أثر الخلف فيها .

ولذلك نكتفى بذكر مذهب محققي أهل السنة والجماعة في هذه المسألة وقد وافقهم بعض المتأخرين من الاشاعرة والحنفية مع اختلاف في ذكر القول ، فأن جبر الاشاعرة جعلم يضطربون في هذه المسألة ، ولذلك تعددت اقوالهم حتى صار قول الاشاعرة اضعف من قول المعتزلة ولاعليك ان اردت ان ترد على الرازي في مسلكه في المحصول الا ان تقرأ نقض الامدي لهم وكلاهما اشاعرة وان اردت ان ترد على الامدي فتنقضه بقول الجويني الذي تابعه فيه ابن الحاجب وجماعة ويقال ان اصله قول الباقلاني .

تنبيه :

يكثر كثير من أهل الاصول ذكر تقسيم الاقوال ( في مسألة الحسن ) الى ثلاثة ويذكرون الوفاق على اثنين منها بين المختلفين وينصون على اعتبار الثالث محل النزاع وعند التأمل تجد ان لا الاول ولا الثاني خارج عن محل النزاع .

والاثنان هما :

1- الحسن بمعنى ملاءمة الطبع والقبح بمعنى عدم ملائمته .
2- الحسن بمعنى صفة الكمال فيوجب المدح في الدنيا والقبح خلافه .

وقد وقع في هذا الامر كثير من الناس ومن أول من ذكره الغزالي وذكره ابو النور زهير والشوكاني بل حتى بعض أهل السنة المعاصرين ممن كتب في هذا الموضوع ( وبعضها رسائل عالمية عالية! ) .

وهذا الأمر ليس بدقيق .

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في درء التعارض صحيفة رقم 22 من المجلد الثامن :

( فأن الطائفتين اتفقوا على أن الحسن والقبح باعتبار الملائمة والمنافرة قد يعلم بالعقل والملائمة تتضمن حصول المحبوب المطلوب المفروح به والمنافرة تتضمن حصول المكروه المحذور المتأذى به .

وهذا الذي اتفقوا عليه حق لكن توهموا بعد هذا أن الحسن والقبح ( الشرعي ) خارج عن ذلك وليس الأمر كذلك بل هو في الحقيقة يعود الي ذلك لكن الشارع عرف بالموجود وأثبت المفقود فتحسينه اما كشف وبيان وإما اثبات لأمور في الأفعال والاعيان ........ الخ كلامه النفيس يرحمه الله ) .

وبالجملة فمذهب أهل السنة والجماعة أن الحسن والقبح من الصفات الذاتية في الافعال غير ان ما يظهر حسنة وقبحه للعقل والفطرة فأن علته معلوم وما يثبت حسنة وقبحة بطريق الشرع قد تجهل الحكمة منه ، وأن ثبوت الحسن والقبح لايلزم منه ثبوت الثواب والعقاب .

والمسألة طويلة الذيول والكلام فيها عريض والمصيب فيها قليل والسبب دواخل الاعتقاد الباطلة من نفى التعليل والحكمة عن افعال الله سبحانه والقول بالحبر في افعال العبد ولو سلمت عقول الناس وتلقوا دينهم على فهم خير الناس اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لما ظهر النزاع اصلا ، ولله لأمر من قبل ومن بعد .

ومن المسائل الاعتقادية التى يذكرها أهل الاصول في هذا الباب مسألة شكر المنعم وهي فرع من هذا الاصل وهو التحسين والتقبيح ونعرض صفحا عن ذكرها لان فيما ذكر آنفا كفاية بأذن الله .

زياد الرقابي
27-02-05, 10:53 PM
ورسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لما حكم به .
______________________________

( رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لما حكم به ) وهل يحكم عليه الصلاة والسلام هذه المسألة وقع فيها الخلاف بين أهل العلم وهي :

هل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مشرّع ) أم مبلغ ومبين ؟ أما جوازه عقلا فقد نقل الاجماع عليه وهو غير ممتنع وانما وقع الخلف في جوازه من جهة الشرع فأذا قيل ( الشارع ) فهل يشمل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قولان لأهل العلم أختار المصنف أنه مبلغ وهو مروي عن الامام أحمد وهو قول الجمهور ومن حججهم قوله تعالى ( وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى ) وروى عنه القول بجوازه وهو القول الثاني في انه مشرّع . ( راجع مسودة ال تيمية صحيفة رقم 914 ) .

والقول الثالث وهو فرع عن الثاني أنه عليه الصلاة والسلام له أن يجتهد ويشرع ولكن لايقر على بعض الاجتهاد لانه قد عوتب عليه الصلاة و السلام في بعض المواطن كما في الكتاب ، فما أقر عليه من الاجتهاد فهو تشريع ودليل ه الاقرار ، وأختار هذا القول الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله .

وأحتج رحمه الله بأدلة منها حديث عبد الله بن جحش عند أحمد :(أن رجلا قال يا رسول الله ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة. فلما ولى قال: إلا الدين سارني به جبريل آنفا) .
فجبريل عليه السلام أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القيد والرسول ابتداء بذكر الحكم من عنده إذ لو كان بوحي لما ساره جبريل علهي السلام بعد حكمه ، في رد على احتجاج من احتج بقوله عليه الصلاة والسلام إن روح القدس القى في روعي ) ، والحقيقة ان هذا الاستدلال يحتاج الى تأمل لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بما شرعه الله ثم اتاه تقييد من الشارع وهو بمثابة النسخ وهذا لايفيد جواز الاجتهاد لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بحكم الله الذي ذكره الله في كتابة ثم جاءه التقييد .

لكن قد يستقيم الاستدلال باجتهاده عليه الصلاة والسلام في غيرما واقعة كما في آسارى بدر .

ثم وقع الخلاف في وقوع هذا منه عليه الصلاة والسلام ، و الخلاف في المسألة ثمرته ضعيفة وقد ذكر بعض أهل العلم له ثمارا لا نذكرها لان شرطنا ذكر ما ينتفع به الفقيه على التحقيق لاما يدخله التكلف ، ولهذا لما تكلم الشافعي عليها غي الرسالة قال رحمه الله : ( وأي هذا كان فقد بين الله أنه فرض فيه طاعة رسوله ولم يجعل لاحد من خلقه عذر بخلاف أمر عرفه من أمر رسول الله ....فهي كذلك أين كانت ولايختلف حكم الله ثم حكم رسوله بل هو لازم بكل حال ) انتهى .

* وقد يقول البعض ان كلام الشافعي رحمه الله انما هو واقع على ما كان من سنته عليه الصلاة والسلام مبينا في الكتاب وبين ما ليس في كتاب الله من سنته وهذا يختلف عن اجتهاده فنقول الأمر فيه على جادة واحدة و الكلام شامل لهذا وهذا .

والخلف السالف ذكره انما هو فيما كان من أمر الشرع أما ما كان من أمر الدنيا فلا وقد نقل الاجماع على جوازه والسنة والكتاب ناطق به .

قال في شرح الكوكب المنير : ( ويجوز اجتهاده صصص في أمر الدنيا قال ابن ملفح إجماعا ويجوز اجتهاده ايضا في أمر الشرع عقلا وشرعا عند اصحابنا والأكثر وعزاه الواحدي الى سائر الانبياء قال : ولاحجة للمانع في قوله تعالى : ( إن اتبع ما يوحى الى فأن القياس على المنصوص بالوحي : اتباع للوحي ومنعه الأكثر من الاشعرية والمعتزلة وقال القاضي : أنه ظاهر كلام احمد في رواية ابنه عبدالله ) .

وهذه المسألة متعلقها بمبحث الاجتهاد أكثر و بسطها في موضعها احكم . وللمصنف كلام هناك يذكر ويبحث ان شالله .

زياد الرقابي
03-03-05, 05:10 PM
المحكوم عليه

والمحكوم عليه الانسان المكلف

_______________________________

( والمحكوم عليه الانسان المكلف ) اي المحكوم عليه بالحكم الشرعي فيخرج غير الانسان كالملائكة في تكليف الله تعالى لهم بالسجود ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا ) وغيرهم كالجمادات فهي ليست مكلفة وان وقع عليها الأمر ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) فالمكلف عند الفقهاء وأهل الاصول هو الانسان ، وليس هو كل انسان بل نوع مخصوص منه كما سيأتي تفصيله بأذن الله .

ولصحة التكليف شروط بعضها متعلق بالمكلف ، وبعضها متعلق بالمكلف به ، وبعضها متعلق بالتكليف نفسه .

أما الشروط المتعلقة بالمكلف وهو الواقع عليه الامر ( الانسان ) فهي :

اولا : أن يكون عاقلا :

فيخرج المجنون فليس بمكلف فقد ارتفع عقله ، والصبي غير المميز فعقله ناقص جدا ، فيلحق بالفاقد ( المجنون ) ولأن المجنون قد يكون معه أصل عقل ونوع تمييز ( بمعنى الفطرة ) يعلم فيه بجوعه وعطشه ويطلب ويظهر بعض الذي يرغب ولكنه لايصل الى درجة المغفل ،وليس المقصود مطلق التمييز إذ هذا حاصل للبهائم فأنها تفرق بين ما يضرها وما ينفعها بالتجربة وهي تشتهى اكلا معينا وتعاف آخر ، وانما المقصود خصوص التمييز بمعنى فهم الخطاب ورد الجواب .

فيستوى الصبي غير المميز والمجنون في ارتفاع العقل مع وجود أصله والنائم فقد غيب عقله فيلحق المغيب عقله بالمرتفع عنه عند بعض أهل العلم كما يأتي رده .

ثانيا : أن يكون بالغا :

والبلوغ معلوم فيخرج الصبي المميز غير البالغ ويشبه الصبي المميز المغفل شديد الغفلة وهذا يجري فيه خلاف يأتي ذكره بأذن الله .

* وذهب بعض أهل العلم الى أن شرط العقل لايصح الا اذا قرن بفهم الخطاب ، وهو مذهب اصحابنا والجمهور قال الطوفي في شرح المختصر : ( أي أن يكون عاقلا يفهم الخطاب ولابد منهما جميعا إذ لايلزم من العقل فهم الخطاب لجواز أن يكون عاقلا لايفهم الخطاب كالصبي والناسي والسكران والمغمى عليه فإنهم في حكم العقلاء مطلقا أو من بعض الوجوه وهم لايفهمون ) . اهـ

وذهب أكثر أهل ( الكلام ) الى ان المرفوع عنه عقله والمغيب عنه ليس بمكلف والحجة عندهم في العقل والنقل ، أما العقل فأنهم قالوا هذا الذي وصفتموه بانه مكلف كالمغمي عليه لاتوجبون عليه الفعل والكف في حاله تلك ، ولايملكه أصلا حال غياب العقل ! وانما اوجبتم عليه القضاء بعد عود عقله وهذا ليس بمعنى التكليف بل هو بمعنى تجدد الامر فكأنه وقع عليه التكليف بعد الافاقة ، واما النقل فقوله عليه الصلاة والسلام : ( رفع القلم عن ثلاث وذكر منهم النائم حتى يستيقظ .. الحديث ) .

فجعل النائم مرفوع عنه التكليف غير مؤاخذ بفوات الامر او وقوع النهي .

قلت : أصوب الاقوال في هذا قول الاصحاب وهو ان النائم والمغمى عليه مكلف .

أما تحرير الامر والتدليل عليه ففي مسائل :

اولها : أن بعض المخالفين لنا خلافنا معهم لفظي فهم يعنون بعدم التكليف سقوط الاثم ونحن نعنى تحقق الايجاب وتعلقه بالمكلف ودليلنا انه يأتي بما فاته وليس قولهم انه يقضى بأمر سابق بالمسلم به ، إذ انه لو كان غير مكلف لما لزمه قضاء الفائته بعد الافاقة لان الفائتة قد ذهب زمن وجوبها .

ونحن نحجهم في هذا ، اليس المحنون الذي استفاق بعد فوات وقت الصلاة ليس مأمورا عندنا ولا عندكم بقضاء الصلاة !

فما الذي فارق بين المجنون والمغمى عليه الا ان الاول ليس بمكلف والاخر مكلف وانما عفى عنه الاداء لحاله وقت وجوب الاداء ، ولذلك لم يسقط عنه التكليف بعد افاقته .

قال ابن اللحام : ( يحمل قول من قال ( ليس بمكلف حال نسيانه ) على أنه لاإثم عليه في تلك الحال في عفل او ترك وأن الخطاب لم توجه اليه ، وما ثبت له من الاحكام فبدليل خارجي وحتمل قول من قال ( هو مكلف ) على أن الخطاب توجه اليه وتناوله وتأخر الفعل الى حال ذكره وامتنع تأثميه لعدم ترك قصده لهذا ) اهـ.

قال في المسودة : ( قال والد شيخنا : النائم والناسي غير مكلفين ، ذكره المقدسي وذكر قوله ( لاتقروبا الصلاةوانتم سكارى ) وأجاب عنه .

قال شيخنا : وكذا ذكره ابن عقيل وهو قول أكثر المتكلمين ، وكذا المغمى عليه ، و الذي عليه أكثر الفقهاء أنهم مكلفون وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله ..... قال المجنون غير المغمى عليه ، فقيل له : لأن المجنون رفع عنه القلم ؟ قال نعم . وهذا أشبه بأصلنا حيث أوجبنا الصوم على الحائض مع استحالة الفعل منها : بمعنى ثبوت الوجوب بالذمة ) .

أما القسم الثاني ممن خلافنا معهم خلاف لفظي فانهم لما جعلوا الاحكام الوضعيه ( يأتي تفصيلها ) واقعة على تصرفات هؤلاء ( المغمى عليه والصبي والمجنون ) كضمان المتلفات و غرم الديات ، قالوا هذا تكليف ، ونحن نقول بهذا ، غير ان التكليف هنا وضعي وليس تكليفي ومحل البحث انما هو في التكليف لافي خطاب الوضع .

قال ابن اللحام : ( قلت : من اختار تكليفهما - يعنى الصبي والمجنون - إن اراد أنه يترتب على أفعالهما ما هومن خطاب الوضع فلا نزاع في ترتبه وإن اراد خطاب التكليف : فإنه لايلزمهما بلا نزاع ، وإن اختلف في مسائل هل هي من خطاب الوضع او من خطاب التكليف ) .

والبقية خلافنا معهم معنوى إذ يتعلق التكليف عندهم بالقدرة حال الأمر بخلاف قولنا . ويأتي ذكره في المتعلقات الاعتقادية .


الفروع الفقهيه لمسألة تكليف المغمى عليه :

* لزوم قضاءه للصلاة إن افاق على قولين فمن الحقه بالنائم اوجبه ومن الحق بالمجنون لم يوجبه وهما قولان في المذهب .


أما السكران فالكلام عليه يتضمن مسألتين :

الاولى : حكم تصرفاته وهذا بحث جرى ذكره في الأوصول وهو متعلق بالفروع فلا نعرض لذكره غير ان خلاصته : عدم صحة عباداته و عقوده وبطلانها ، مع وقوعه في الأثم لتصرفه تصرفيا يفضى به الى مثل هذا .

الثاني : وهو متعلق بعلم الأصول وهو تكليف السكران والاظهر في مساواته بمن تقم ذكرهم ممن غيب عقله .


الفرو ع الفقهية المتعلق بتكليف السكران :

وأشهرها طلاق السكران والمختار فيه قياسه على الغضبان فأن كان الغصب او السكر مغيبا كالسكر الطافح والغضب المغلق فلا يقع وان كان دون ذلك وقع .


يتبع بأذن الله في حكم تكليف الصبي المميز والمكره وبقية شروط المكلف .

طلال العولقي
13-03-05, 02:17 AM
بارك الله فيكم
اخي المتمسك بالحق

اتمنى منكم المواصلة فانا متابعكم حرفا حرفا

وفقكم الله

زياد الرقابي
13-03-05, 10:32 PM
هل الصبي المميز مكلف !

تقدم معنا أن من شروط التكليف ( البلوغ ) فالصبي المميز غير مكلف وهذا هو قول جماهير أهل العلم والرواية المشهورة في المذهب وعن الأمام أحمد .

وقد ذكروا رواية أخرى وهي أنه مكلف لأن له نوع تمييز وذكروا رواية أخرى أنه مكلف بالصلاة فقط والحجة فيه أنه عليه الصلاة و السلام أمر ولي الصبي المميز أن يأمره بالصلاة فدل على انه مكلف .

وهذا ليس فيه دليل ظاهر لأن الأمر هنا من قبيل التأديب وقالوا لو كان تأديبا لما أمر بضربه عليها قلنا بل الضرب عليها من جنس التأديب أيضا وليس بدليل على تكليف الصبي ، ورد هذه المسألة وبيانها داخل في مسألة سوف نعرض لها بأذن الله وهي هل الأمر بالأمر بالشئ أمر به أم لا ؟

والصبي المميز هو في درجة بين التكليف وعدمه فليس هو يستوى بغير المكلف مطلقا كالمجنون او الصبي غير المميز لأنه تصح منه بعض العقود كالبيوع اليسيرة ويصح تعزيره وتأديبه أذا فعل فاحشة ، وسر ذلك أنه في إقبال من التكليف فالمييز يعرف الحلال والحرام غير انه لنقص تمام العقل عنده لم يؤاخذ على فعله من جهة الاحكام التكليفية .

قال في شرح مختصر الروضة : ( ولعل الخلاف في وجوب الصلاة والصوم عليه وصحة وصيته وعتقه ... مبنى على هذا الأَصل - أي انه مكلف أم لا - وكل هذه الأحكام مختلف فيها بين أهل العلم في حق الصبي على تفاصيل ذكرت في الفقه فأن ثبت بالاستقراء أو غيره أن الخلاف فيها مبنى على الأصل المذكور فقد تبعت الفروع أصلها ولا كلام ، وأن ثبت في حقه شئ منها ، مع القول بأنه غير مكلف كان ذلك من باب ربط الحكم بالسبب ) انتهى .


تكليف المكره :

والعلماء يقصدون المكره الذي له قدرة على الفعل أو الترك لا الذي كون كالآلة مثل ان يرفع انسان ويقذفه على آخر فيموت أو يضجع المرأة ويزني بها ، أو يدخل الخمر في فيه بالقوة .

وعليه فالمكره ينقسم الى قسمين :

من أكره أكراه ملجئ .

من لم يكره أكراها ملجأ .

أما الأول فليس عليه تكليف وهذا يشبه الاجماع عند أهل الأصول .

أما الثاني فقد وقع الخلاف فيه .

فذهب الجمهور الى انه مكلف والدليل على ذلك انه يمكنه ان يفعل و أن يترك فأذا قال له رجل تشرب الخمر أو أقتلك يمكنه ان لايشرب الخمر والتكليف مناطه القدرة وقد حصلت .

وذهب المعتزلة الى انه غير مكلف .

وأصل المسألة عند المعتزلة مرتبطة بـأمرين : أصولي وأعتقادي .

أما الأصولي فهو ان التكليف انما يكون لقصد الآثابة وهي معدومة في مسألة المكره .

وأما الاعتقادي :فهو وقوع التكليف بما لايطاق وهذا نذكره في المتعلقات الاعتقادية بأذن الله .

الحنبلي السلفي
14-03-05, 12:22 AM
أحسن الله إليكم شيخنا وبارك في علمكم.شيخنا الفاضل :أليس ظاهر كلام ابن قدامة في الروضة تكليف المكره مطلقا فيفهم من إطلاقه دخول الملجأ فلايكون إجماعا؟

زياد الرقابي
14-03-05, 01:11 AM
أخي الكريم الحنبلي السلفي .

قال ابن قدامة : ( فأما المكره فيدخل تحت التكليف لأنه يفهم ويسمع ويقدر على تحقيق ما أمر به وتركه ) .

فابن قدامة رحمه الله يتكلم عن المكره الذي له اختيار وهو غير الملجئ . والدليل قوله ( ويقدر على تحقيق ما أمر به وتركه ) ومعلوم أن الملجئ لايستطيع ذلك .

قال ابن النجار في الكوكب : ( ومحل الخلاف في تكليف المكره : إذا كان الاكراه بضرب او تهديد بحق او غيره وكون المكره على هذه الصفة مكلفا عند أكثر العلماء خلافا للمعتزلة والطوفي لصحة الفعل والترك منه ) اهـ .

أما كلام الطوفي في شرح المختصر ونسبته القول بتكليف المكره مطلقا الى اصحابنا فمحل بحث ونظر ولذا فقد أعرضت عنه .

زياد الرقابي
14-03-05, 02:37 PM
الشروط العائدة الى المكلف به :

الشرط الأول أن يكون معلوما :

ويشرط العلم به من جهتين :

1- أن يعلم حقيقة المأمور به حتى يتصور ان يحصل منه قصد اليه ، لأنه لايتصور منه قصد مجهول .

2- أن يكون معلوما أنه من أمر الله . فلا يكفى ان يعرف معنى الزكاة وتفاصيلها وهو لايعلم انه أمر من الله حتى يحصل منه قصد الامتثال أو الترك وهو معنى التكليف .



الشرط الثاني أن يكون معدوما :

حتى يتصور منه إيجاد الفعل ، لان مقتضى التكليف أن إيجاد معدوم ، فأذا صار موجودا صار إيجاد موجود وهذا ممتنع لان الايجاد انما يكون للمعدوم .

وجوزه بعض اهل العلم وأرجع ابن عقيل الخلاف فيه الى مسألة : الامر بالمستحيل ( وهذه يأتي تفصيلها بأذن الله في المتعلقات الاعتقادية ) .

زياد الرقابي
18-03-05, 01:54 AM
الشرط الثالث : أن يكون الفعل مقدورا للمكلف ( غير محال ) .

وهذا من الشروط التى تتعلق تعلقا كبيرا بمسائل الاعتقاد وأكثر ارتباطها انما هو بمسائل التعليل والحكمة والقضاء والقدر .

وهي ملازمة لمسائل أخرى كمسألة القدرة هل تكون قبل الفعل او بعده او مقارنة له ؟

ومسألة الفعل حال حدوثه هل هو مأمور به أم لا ؟

ومسائل الاستطاعة القدرية والشرعية وهي أصلها .

و لن نذكر هذه المسائل من باب الاختصار .

هذا الشرط ( التكليف بالمحال ) وقع فيه اختلاف عريض بين أهل العلم منشأه كما تقدم أصول الاعتقاد وتفاصيله . و وقع الخلاف في هذه المسألة بين المعتزلة القدرية و الاشاعرة الجبرية وبعض أهل الكلام و بين أهل السنة والجماعة . ونحن نختصر لك الأمر اختصار بأذن الله ونذكر لك مذهب أهل الحق دون غيرهم لان هذه المسألة ليست من مسائل الأصول وانما ذكرناها لآنه لايخلوا من كتاب أصولي ولان بعض أهل السنة الدارسين للاصول تابعوا فيها الاشاعرة الجبرية ! دون ان يشعروا

وقد ذكر الشهرستاني أن أول من قال بتكليف مالا يطاق الجهم بن صفوان وهذا فرع من قوله بالجبر .

وقال في ترجمة الاشعري : وتكليف مالايطاق جائز على مذهبه للعلة التى ذكرناها ولأن الاستطاعة عنده عرض والعرض لايبقى زمانين .

و المحال قسمه أهل العلم الى قسمين :

محال لذاته .

ومحال لغيره .

اما المحال لذاته فكالجمع بين السواد والبياض والليل والنهار . فهذا لايجوز التكليف به وهو غير واقع .

وأما المحال لغيره فمثاله الأمر بأيمان من يعلم عدم أيمانه كفرعون ومن أخبر بانه يموت على الكفر كابي لهب .

وقد نقل الأجماع على صحة التكليف به غير واحد من أهل العلم .

( فائدة : فرق بعض أهل العلم بين التكليف بالمحال والتكليف المحال كما ذكر ذلك العطار في حاشيته على شرح المحلي على جمع الجوامع فجعل التكليف المحال يرجع الى المأمور به والاخر يرجع الى المكلف ) صحيفة - 269 - .

قال شيخ الأسلام ابن تيمية رحمه الله في درء التعارض : ( هذه العبارة - أي التكليف بما لايطاق - وإن كثر تنازع الناس فيها نفيا وأثباتا ، فينبغى أن يعرف أن الخلاف المحقق فيها نوعان :

أحدهما : ما أتفق الناس على جوازه و وقوعه ، وانما تنازعوا في إطلاق القول عليه بأنه لايطاق .

والثاني : ما أتفقوا على انه لايطاق ولكن تنازعوا في جواز الأمر به ولم يتنازعوا في عدم وقوعه .

فأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والايمان على انه لايطاق وتنازعوا في وقوع الأمر به - فليس كذلك ) اهـ صحيفة - 60 - .


وقال رحمه الله : ( والمقصود هنا التنبيه على أن النزاع في هذا الأصل يتنوع : تارة على الفعل المأمور به وتارة الى جواز الأمر ، ومن هنا شبه من المتكلمين على الناس حيث جعل القسمين قسم واحدا وادعي تكليف ما لايطاق مطلقا لوقوع بعض الاقسام التى لايجعلها عامة الناس من باب مالايطاق والنزاع فيها لايتعلق بمسائل الأمر والنهي وأنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر ................أذا عرف هذا فأطلاق القول بتكليف مالايطاق من البدع الحادثة في الاسلام ) اهـ صحيفة- 64 - من درء التعارض .

قال ابن القيم رحمه الله في شفاء العليل : ( وتقرير ذلك أن القدرة نوعان قدرة مصححة وهي قدرة الأسباب والشروط وسلامة الآله وهي مناط التكليف وهذه متقدمة على الفعل غير موجبة له وقدرة مقارنة للفعل مستلزمة له لا يتخلف الفعل عنها وهذه ليست شرطا في التكليف فلا يتوقف صحته وحسنه عليها فايمان من لم يشأ الله إيمانه وطاعة من لم يشأ طاعته مقدور بالاعتبار الأول غير مقدور بالاعتبار الثاني وبهذا التحقيق تزول الشبهة في تكليف ما لا يطاق ) .

زياد الرقابي
18-03-05, 08:46 PM
والأحكام قسمان تكليفية
___________________

الأحكام قسمان وهي خطاب الشارع كما تقدم تنقسم الى قسمين :
* تكليفية و * وضعية .

وجه القسمة أن الشارع إما أن يأمر بالفعل - والكف فعل - أو يخير بينهما أو يضع أسبابا وأمارات وشروط على الفعل المأمور به .

فالأول تكليف لانه فرع الفعل ، والفعل فيه مشقة والزام وكلفة و الثاني أشياء ومقدرات كطلوع الشمس وغروبها وزوالها والحيض و بلوغ النصاب و حولان الحول في الزكاة وغيرها جعلها الشارع شروط و موانع للتكاليف فصارت من وضع الشارع .

فهذه قسمة عقلية لاتجد حكما يخرج عنها فهو إما أمر او نهي او اباحة او أسباب وشروط وموانع وغيرها كما يأتي بيانه بأذن الله في خطاب الوضع .

وقد تجتمع الأحكام التكليفية والوضعية في الحكم الواحد وهو كثير كالزنا .

فالزنا ( حرام ) آثم فاعله وهذا خطاب تكليف ، وهو سبب لحكم آخر وهو ( الحد ) فأجتمع فيه الحكم التكليفي والحكم الوضعي فهو محرم ، وسبب للحد .

وقيل أنه لاحكم تكليفي الا وله حكم وضعي ، فلا حكم تكليفي الا وله شرط او سبب او مانع . ولم يتيسر لي أختباره والله أعلم .

وبعض أهل الأصول جعل الأحكام ثلاثة وضعي وتكليفي وثالث متعلق بالندب لانه ليس فيه الزام بالفعل او الترك .

وبعضهم خالف في الاباحة كما سيأتي . في الكلام على تقسيم الاحكام التكليفية الى خمسة أقسام بأذن الله .

زياد الرقابي
19-03-05, 06:38 AM
وهي خمسة


أي الأحكام التكليفية خمسة وهذا هول قول جمهور اهل الأصول والأظهر من حيث التعليل .

وذهب بعض أهل العلم الى أخراج بعض أفراد الخمسة عن الحكم التكليفي فذهب بعضهم الى أن الندب والكراهة والاباحة ليست حكما تكليفيا ، لأنه ليس فيها الزام .

وكثيرمن أهل العلم منع من كون الاباحة قسما في الاحكام التكليفية وبعضهم جعل عده من قبيل التسامح والقسمة وليس من قبيل الصحة - ويأتي تفصيلة بأذن الله في باب الأباحة - .


وذهب أكثر الحنفية الى تقسيم الحكم التلكيفي الى سبعة أقسام وأضافوا الكراهة التحريمية والفرض ويأتي بيان كل واحد منها في محله بأذن لله .

وذهب بعض العلماء الى جعله سبعة أيضا ولكنهم أضافوا الى الخمسة الفساد والصحة .

وغير ذلك من التقسيمات .

و وجه كونها خمسة هو أن خطاب الشارع أما أن يأتي :

1- بطلب الفعل طلبا جازما .
2- او طلبه طلبا غير جازما .

3- طلب الترك طلبا جازما .
4- او طلبه طلبا غير جازم .

5- أو التخيير بين الفعل او الترك .

ولايخرج عن هذه الأقسام الخمسة .

فالأول هو الايجاب والثاني الندب والثالث النهي والرابع الكراهة والخامس الاباحة .

وهذه القسمة تفيدك في حفظ حد كل واحد من الاحكام الخمسة . لأن بعض أهل الأصول يكتفى بذكر التعريف دون الحد .

وقد يصعب حفظ ( حد ) كل واحدا من الأحكام الخمسة على البعض فحتى يسهل عليك حفظ ( الحد ) لكل واحد من الأحكام الخمسة فخطاب الشارع : طلب أو تخيير .

والطلب : أما طلب فعل أو طلب ترك .

وطلب الفعل اما ان يكون طلبا جازما او يكون غير جازم و طلب الترك أما أن يكون جازما أو غير جازم .


وهذا بالطبع على الحد الذي عليه الكثر بالنسبة للاحكام الخمسة والا فقد حد بغير هذا ولعله يأتي كل في موضعه أن شاء الله .
فطلب العفل طلبا جازما ايجاب وطلب الفعل طلبا غير جازم مندوب و طلب الترك طلبا جازما محرم وطلب الترك طلبا غير جازم مكروه .

فيصير حد الواجب : هو طلب الفعل طلبا جازما وحد المندوب طلب الفعل طلبا غير جازم .... الخ .

فتحفظ بهذا حد كل واحد من الأحكام التكليفية وهذا يسير لايعزب عن ذهنك ان شاء الله أذا فهمته .

زياد الرقابي
20-03-05, 11:59 PM
واجب يقتضى الثواب على الفعل والعقاب على الترك

الكلام على هذه الفقرة في مسائل :

الاولى : أن بعض أهل العلم كالاسنوي والعضد وغيرهم قد انتقد تسمية هذا الحكم ( بالواجب ) وذكر ان الصواب ان يسمى ( إيجاب ) وليس واجبا وقوله قوي .

وحجته في ذلك ان خطاب الله تعالى هو الايجاب لانه مصدر أوجب . فتقول أوجب إيجابا .

وأما الوجب فمصد وجب يوجب وجوبا .

وأيضا فالواجب هو متعلق الايجاب وليس هو الايجاب نفسه والكلام هنا انما هو عن الحكم وهو الايجاب .

ولسنا نود نخوض في هذه الجزئية لان الوجوب يصح ان يكون مصدرا للإيجاب تقول وجب يجب وجوبا و أوجبه واستوجبه .

فيكون وصف الحكم بالايجاب أدق غير انه وصفه بالواجب صحيح أيضا .

عمر ابن أبي عمر
22-03-05, 06:31 PM
جزاك الله خيرا

أبو يوسف المالكي
24-12-05, 09:26 PM
جزاك الله خيرا

السويفي
30-12-05, 08:22 AM
جزاك الله خيرا...
الأخ زياد:
الرجاء مراجعة الرسائل الخاصة.

أبو عمر الدوسري
15-11-06, 03:09 PM
بارك الله فيك .. واصل ..

وأحب أن أذكر بأنه قد خرج شرح الشيخ عبدالله بن صالح الفوزان -حفظه الله- على هذا الكتاب بعنوان [تيسير الوصول] .. وقد خرج بطبعته الثانية الأشهر الماضية من طريق دار ابن الجوزي

أبو عمر الدوسري
15-11-06, 03:40 PM
قال الأستاذ الفاضل زياد:
[أنه يشبه ان يكون مختصرا لروضة الناظر لابن قدامة وهذا بين جلي و ليس من حرج أن يعد من مختصرات الروضة ]

يقول الشيخ عبدالله الفوزان:
( وأما ما ذكره بعض المعاصرين* من أن مؤلِّفه تابع فيه كتاب "روضة الناظر" وأنه نسخة مصغرة عنه، إلا أنه حذف الأدلة وخالفه في الترتيب، فهو كلام من لم يتأمل الكتاب، وإلا فالحق أنه لا يعتبر نسخة مصغّرة من "الروضة" لاختلاف الكتابين في المنهج والعبارة؛ صحيح أن معظم المباحث الأصولية تتفق فيها كتب الحنابلة خصوصاً، وغيرها عموماً، وأن ابن قدامة كان متقدماً فيمكن متابعة المؤلف له، لكن في "قواعد الأصول" مباحث وتقسيمات وتعريفات لا وجود لها في "روضة الناظر". فانظر على سبيل المثال "من طبعة جامعة أم القرى" ما يلي:
1- "تعريف الحكم الشرعي" ص23.
2- "أسماء المندوب" ص 26.
3- "تقسيم الأحكام الوضعية إلى أربعة أقسام" ص30.
4- الكلام على أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم" ص38.
5- "ألقاب الجامع في باب القياس"، وتفسير كل واحد منهما، ص82.
6- "الاستدلال" ص94.
7- لم يذكر في "القواعد" قوادح القياس.
8- لم يذكر المقدمة المنطقية التي في أول "الروضة".

وقد ذكر مؤلفه أنه مختصر من كتابه: "تحقيق الأمل" فكيف يكون مختصراً من "الروضة"؟!
ثم إن المؤلف رحمه الله له عبارات في مختصره لم أجدها في معظم كتب الأصول، مما يدل على أنه متقن لهذا الفن، قادر على التصرف في التعبير عن مسائله). ص9-10.

* يعني به صاحب كتاب معالم في أصول الفقه ص85.

فائدة من شرح الشيخ الفوزان:
يقول ابن بدران -عن هذا الكتاب- في المدخل: (إنه مختصر مفيد) ص440.

ونوَّه جمال الدين القاسمي القاسمي حيث يقول: (وما وقفنا عليه حتى رأيناه من أنفس الآثار الأصولية، وأعجبها سبكاً وألطفها جمعاً للأقوال، وإيجاز في المقال ..).


ويقول عن هذا المتن الشيخ عبدالله الفوزان:
(فهو يمتاز عن غيره من المختصرات بما يلي:
1- وضوح العبارة، وسلامتها من التعقيد الذي قد لا يخلو منه معظم المتون في هذا الفن.
2- أنّه مع إيجازه فقد عُني بالمسائل الأصولية التي يحتاجها الفقيه، وأغفل ما لا تعلق للأصول به من مباحث علم الكلام، وآراء المتكلمين.
3- جرى في ترتيبه وأُسلوبه على منهج فريد، يختلف عن غيره من كتب الحنابلة خاصة، وغيرها عامة؛ ففيه من التعريفات والتقسيمات ما لا يوجد في غالب المتون) ص9.


وأخيراً:
أتقدم بالإعتذار للأخ الفاضل زياد على هذه المداخلة التي قد تكون عكرت تسلسل شرحكم؛ لكني آثرت نشرها هنا لتعلقها الشديد بالموضوع.

مُحبكم
أبو عمر

أبوعبدالرحمن الدرعمي
15-11-06, 06:28 PM
جزاكم الله خيرا ... بانتظار إكمال الشرح نفع الله بكم

أبو سليمان الخليلي
08-08-11, 03:52 AM
أسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يوفقكم إلى كل خير في أي مكان كنتَ أخانا الفاضل ويزيدكم من العلم أيّها الشيخ زياد .

يوسف الجوهري
06-02-12, 11:50 AM
هل يمكن وضع هذا الشرح وورد أو بي دي إف وجزاكم الله خيرا؟

أبو عبد الرحمن مسلم
05-04-16, 02:26 AM
السلام عليكم و رحمة الله

أين الشرح كامل

أسامة حسن البلخي
07-05-16, 10:34 PM
جزاك ربي كل خير :
سأضع النص وننتظر من حضرتكم تناول أقوال العلماء في الأحكام التكليفية ، والمكلف وشروط الأهلية ونحوه .
الأحكام
1ـ الأحكام التكليفية
وهي خمسة:
1ـ (واجب): يقتضي الثواب على الفعل؛ والعقاب على الترك، وينقسم من حيث الفعل إلى (معين): لا يقوم غيره مقامه كالصلاة والصوم ونحوهما، وإلى (مبهم): في أقسام محصورة يجزئ واحد منها كخصال الكفارة، ومن حيث الوقت إلى (مضيق): وهو ما تعين له وقت لا يزيد على فعله كصوم رمضان، وإلى (موسع): وهو ما كان وقته المعين يزيد على فعله كالصلاة والحج؛ فهو مخير في الإتيان به في أحد أجزائه، فلو أخر ومات قبل ضيق الوقت لم يعص؛ لجواز التأخير بخلاف ما بعده.
ومن حيث الفاعل إلى (فرض عين): وهو ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة كالعبادات الخمس و(فرض كفاية): وهو ما يسقطه فعل البعض مع القدرة وعدم الحاجة كالعيد والجنازة، والغرض منه وجود الفعل في الجملة؛ فلو تركه الكل أثموا لفوات الغرض، و«ما لا يتم الواجب إلا به» إما غير مقدور للمكلف كالقدرة واليد في الكتابة؛ واستكمال عدد الجمعة فلا حكم له. وإما مقدور كالسعي إلى الجمعة؛ وصوم جزء من الليل؛ وغسل جزء من الرأس فهو واجب لتوقف التمام عليه، فلو اشتبهت أخته بأجنبية؛ أو ميتة بمذكاة؛ وجب الكف تحرجاً عن مواقعة الحرام( )؛ فلو وطئ واحدة؛ أو أكل فصادف المباح لم يكن مواقعاً للحرام باطناً لكن ظاهراً لفعل ما ليس له.
2ـ (ومندوب): وهو ما يقتضي الثواب على الفعل؛ لا العقاب على الترك؛ وبمعناه المستحب؛ والسنة: وهي الطريقة؛ والسيرة، لكن تختص بما فعل للمتابعة فقط، و«النفل»: وهو الزيادة على الواجب، وقد سمى القاضي ما لا يتميز من ذلك كالطمأنينة في الركوع والسجود واجباً؛ بمعنى أنه يثاب عليها ثواب الواجب لعدم التميز؛ وخالفه أبو الخطاب، والفضيلة والأفضل كالمندوب.
3ـ و(محظور): وهو لغة الممنوع؛ والحرام بمعناه؛ وهو ضد الواجب؛ ما يعاقب على فعله؛ ويثاب على تركه، فلذاك يستحيل كون الشيء الواحد بالعين واجباً حراماً؛ كالصلاة في الدار المغصوبة في أصح الروايتين( ) وعند من صححها( ) النهي إما أن يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه؛ أو إلى صفته كالصلاة في السكر والحيض والأماكن السبعة( )؛ والأوقات الخمسة؛ فسماه أبو حنيفة فاسداً. وعندنا وعند الشافعي أنه من القسم الأول؛ لأن المنهي عنه نفس هذه الصلاة ولذلك بَطَلَت. أو لا إلى واحد منهما كلبس الحرير فإن المصلي فيه جامع بين القربة والمكروه بالجهتين فتصح.
4ـ و(مكروه): وهو ضد المندوب؛ ما يقتضي تركه الثواب ولا عقاب على فعله؛ كالمنهي عنه نهي تنـزيه.
5ـ و(مباح): والجائز والحلال بمعناه، وهو ما لا يتعلق بفعله أو تركه ثواب ولا عقاب، وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع؛ فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة؛ كأبي حنيفة فلذلك أنكر بعض شرعيته. وعند القاضي وابن حامد( ) وبعض المعتزلة الحظر؛ وتوقف الخرزي( ) والأكثرون.