المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحكم القدري هل يؤخذ منه حكمٌ فقهي ؟! للمناقشة


أبو عبدالله النجدي
22-02-05, 01:13 AM
الحكم القدري هل يؤخذ منه حكمٌ شرعي فقهي ؟!

هذه مسألة تحتاج إلى بحثٍ وتأمل، أن يكون من مصادر الاستدلال: التصريف الكوني !

قد علق بذهني بعض الشواهد، والموضع بحاجة إلى ضبط...

وفي فتاوي الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ ما نصه:

[[ (1520 ـ الإكراه على البيع)
يستثنى من ذلك صورة ،وهو ما إذا دعت مصلحة عامة ثم أعطى الثمن وأكثر له فامتنع ، فإنه يؤخذ منه بقيمته للمصلحة العامة وفيه قصة كسرى . (تقرير) ]]

وفي حاشية هذا التقرير ما يأتي: [[ ( يريد ما نقله في " الفروع" عن ابن هبيرة قال : رأيت بخط ابن عقيل : حكى عن كسرى أن بعض عماله أراد أن يجري نهراً فكتب إليه : إنه لا يجرى إلا في بيت لعجوز ، فأمر أن يشتري منها ، فضوعف لها فلم تقبل ، فكتب كسرى : أن خذوا بيتها فإن المصالح الكليات تغتفر فيها المفاسد الجزئيات قال ابن عقيل : وجدت هذا صحيحاً ، فإن الله تعالى هو الغاية في العدل ، يبعث المطر والشمس ، فإذا كان الحاكم القادر لم يراع نوادر المضار لعموم المنافع فغيره أولى ) . أ هـ ]].

والشاهد هنا قول ابن عقيل ـ رحمه الله ـ: ( فإذا كان الحاكم القادر لم يراع نوادر المضار لعموم المنافع فغيره أولى )اهـ.

فما رأيكم، وهل وقفتم على شواهد لهذا لدى أهل العلم ؟؟

عصام البشير
22-02-05, 01:10 PM
جزاكم الله خيرا

هل يدخل في هذا الباب مثلا استدلال البعض بحديث الظعينة وخروجها بلا خوف، على عدم اشتراط المحرم في سفر المرأة.
فإن المخالف يقول: الحديث فيه إخبار بأمر كوني قدري، فلا يستفاد منه الحكم الشرعي إلا بضميمة خارجية كأن يقال مثلا: إن ذلك مذكور في سياق المدح لا الذم.

أعلم أن مثالي هذا مخالف لمضمون مثالكم، ولكنني أظنه داخلا في عموم سؤالكم:
الحكم القدري هل يؤخذ منه حكمٌ شرعي فقهي ؟!

والله أعلم.

حارث همام
22-02-05, 04:48 PM
المشايخ الأفاضل..

من المتقرر عند أهل السنة -كما تعلمون- أن الإرادة الكونية، لاتتعلق بالحب والرضى، ولاتستلزم المشيئة الشرعية، وأما كون القضاء خيراً إذا نسب إلى الخالق فلأن له اعتبارات كثيرة اقتضتها الحكمة الربانية ولايلزم أن تكون متعلقة بذات المقضي أو المقدر، فالقضاء غير المقضي والقدر غير المقدر.

أما استدلال ابن عقيل -رحمه الله- وقد ذكره ابن مفلح في الفروع فاستدلال مركب من نص شرعي، وقضاء كوني، مع قياس الأولوية.
فالنص الشرعي هو ما قُرر به عدل الله المطلق وتحريمه الظلم على نفسه.
والقضاء الكوني إنزاله الأمطار وجعله الشمس سراجاً مع ما يتضمنه ذلك من مفاسد جزئية. وهذا المقضي المذكور نعمة ولهذا امتن الله به على عباده وسماه رحمة.
وقياس الأولى بأن يقال لم تعتبر المفسدة الجزئية في القضاء الكوني الذي هو نعمة رحمة للعباد في مجمله وإن كانت مراعاة تلك المفسدة الجزئية عدلاً أو كمالاً فيه لكان الله أولى به، فكذلك مصالح العباد لاتعتبر فيها المفاسد الجزئية وكما أن الأول ليس بخارم للعدل الرباني فمن باب أولى أن لايكون هذا خارماً للعدل البشري المأمور به، والذي يحبه الله ويرضاه.

وهذا الاستدلال المركب من ابن عقيل على هذا المراد فيه وجاهة لأن الدليل يقتضي صحت نتيجته هنا.

ولكن لايعني هذا صحة الاستدلال بكل حادثة كونية معينة أو نازلة مقضية، إلاّ إن كانت وفق المشيئة الشرعية، وإن ساغ التعليل بقضاء الله لها، والفرق هو أن قضاء الله كله خير، أما المقضي فقد يكون بمشيئة شرعية تدل على حب الله وارتضائه للمقضي، وقد يكون بإرادة كونية وعندها قد يكون المقضي غير محبوب لله في ذاته ولكن اقتضت حكمته منافع خارجة عنه رجحت كونه. ولهذا انقسم حكم الرضا بالقضاء والقدر عند المحققين من أهل العلم إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم، فتقدير المعايب والذنوب ونحوهما مما لايحبه الله ويرضاه ولكن شاء وقوعه لحكم خارجة عنها، ينبغي أن لايرضى بها العبد بل عليه أن يتسخطها كما نص ابن القيم رحمه الله.

والخلاصة قد يكون الاستدلال بالتصريف الكوني صحيحاً في واقعة معينة إذا ثبت أنه موافق للمشيئة الشرعية، وقد لايكون الاستدلال به على أمر بعينه صحيحاً إذا ثبت أن المشيئة الشرعية غير متحققة فيه. فالتعويل إذاً على النص الشرعي المبين لمحل التصريف الكوني وأثره من المحبة والرضى الإلهي، والله أعلم.

أبو عبدالله النجدي
22-02-05, 05:54 PM
جزاكم الله خيراً شيخ عصام...

حديث الظعينة وإن كان يشبه ما تقدم، إلا أن معوَّلهم ـ فيما يظهر لي ـ على إقرار النبي صصص للفعل، وعدم إنكاره...
فدلالته من باب التقرير، الذي هو قسيم القول والفعل في السنة، فهو عندهم استدلال بالسنة، لا بالوقوع الكوني، والله أعلم.

أبو عبدالله النجدي
22-02-05, 06:03 PM
أخي الفاضل الهُمَام: حارث همام...

جزاكم الله خيراً،،،

ما تفضلتم به في مسألة القدر واضح.

لكن يبدو لي أن هذه النتيجة:

والخلاصة قد يكون الاستدلال بالتصريف الكوني صحيحاً في واقعة معينة إذا ثبت أنه موافق للمشيئة الشرعية، وقد لايكون الاستدلال به على أمر بعينه صحيحاً إذا ثبت أن المشيئة الشرعية غير متحققة فيه. فالتعويل إذاً على النص الشرعي المبين لمحل التصريف الكوني وأثره من المحبة والرضى الإلهي، والله أعلم.


غير موافقة لطريقة ابن عقيل، فعلى ما ذهبتم إليه، يكون كلامه في الاستدلال بالتصريف الكوني " لغواً " !

إذ المعول على النص بناءً على ما تفضلتم به، ولو أراد أن الكوني هنا وافق النص، لاكتفى بالنص، ولم يقحم التقدير الكوني في المسألة، فتعيَّن أن يكون احتجاجه وترجيحه بالتصريف الكوني، فيما لم يرد به نص، أو تزاحمت فيه النصوص،،،

وعليه فهل يمكن أن نأخذ من طريقة ابن عقيل سبيلاً إلى توسيع أدوات الترجيح عند التعارض، فنقول: إنه يمكن الترجيح بالتصريف الكوني، إذا كانت المسألة غير مشغولة بنص، أو وقع التعارض بين النصوص ؟؟؟.



أعلمُ أن المسألة خطيرة، ويمكن أن يدخل منها أهل الأهواء، ولهذا ـ والله أعلم ـ تردد ابن حجر في الاحتجاج عليها بحديث الحديبية، وذلك في:

[ ما رواه البخاري في صحيحه: عن المسور بن مخرمة ومروان ـ يُصَدِّق كل واحد منهما حديث صاحبه ـ قالا: خرج رسول الله صصص زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق، قال النبي : ( إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين )، فوالله ما شعر بهم خالد، حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي صصص ، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها؛ بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي صصص : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية ..."الحديث].

لاحِظ أن النبي صصص لم يَعدِل عن التوجه إلى قريش إلا حين حَبسَ الله تعالى الناقة !

قال الحافظ ابن حجر (فتح الباري (5/336):

" واستدل بعضهم بهذه القصة لمن قال من الصوفية: علامةُ الإذنِ التيسيرُ، وعكسه، وفيه نظر "اهـ.

والموضع فيه غموض، لعله يتجلى بمزيد من الأمثلة، وتقليبها على الأدلة، والعلم عند الله تعالى...

عصام البشير
08-03-05, 01:52 PM
هل يدخل في هذا الباب هذا المثال؟:

---------- منقول من كتاب لبعض الأفاضل -------------------

وقد استدل العلماء بحديث عائشة رضي الله عنها الذي جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن جيش يغزو الكعبة, حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم و آخرهم, فقالت عائشة: يا رسول الله كيف يخسف بأولهم و آخرهم وفيهم عبيدهم وأسواقهم ومن ليس منهم, فأخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يخسف بأولهم و آخرهم ويحشرون يوم القيامة على نياتهم. وفي رواية أم سلمة رضي الله عنها كما جاء في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) فقلت: فكيف بمن كان كارها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته).
فاستدل العلماء بهذا الحديث على قتل الجاهل والمكره وغير القاصد, ممن قصد المسلمين بالحرب مع الكافرين, ويبعثه الله على نيته معذورا إن كان له عذر.
فقال العلماء: إذا كان الله-وهو القادر لو شاء على تمييز المكره والجاهل – لم يميزه من الخسف, فكيف لعبيد الله أن يميزوه من الكافرين وهو يقاتل معهم؟!
فهذا الخسف به أو قتله معهم, هو من العقوبة القدرية على وجود المسلم في سواد الكافرين أو الظلمة, فيأخذه العقاب معهم, ولا يظلمه الله فيبعث على نيته, إن كانت صالحة نفعته في الآخرة.

انتهى النقل---