المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاجتهاد...


حمزة الكتاني
17-12-05, 04:05 AM
روينا بالأسانيد المتصلة إلى سيدنا علي بن أبي طالب عليه السلام مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"(1). يعد هذا الحديث الشريف من علامات النبوة، ومن الأحاديث الكريمة التي أثبتت اتصال العلم الشريف وحفظه وبقاءه، علاوة على قول الله تعالى عن الوحي الكريم: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.[الحجر: 9]. والقرآن – كما لا يخفى – إشارة للدين ككل، وهو من باب إضافة الخاص على العام.

فقد تكفل الله تعالى بحفظ دينه إجمالا، وعصمته من طوارق الحدثان عليه، وشقشقات وهذيان أهل الدسائس والمكر والزيغ، فلا يأتي زمن تبرد فيه جذوة الشريعة الإلهية، وتتفصم فيه عرى الدين المحمدي إلا ويبعث الله تعالى من يجدد أمر الدين، ويحيي دارسه، ويبعث الروح في أطرافه، وهو مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو داود والحاكم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: "إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"(2).

ومقتضى هذا التجديد والحفظ: صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وقيوميته بحل جميع المشاكل الصغرى والكبرى في جميع المجالات، إذ هو دين الله تعالى خالق الملوين، ومدبر أمور العالم، ورب العالمين ومربيهم، إذ لا تجديد مع ركود، ولا حفظ مع عدم صلاحية.

فالإسلام إنما جاء بنظريات عامة، وشرائع مرنة، تتكيف مع كل زمان ومكان، وشعب وجنس، بحيث جعل الله تعالى شرائعه متعلقة بمفاصل النفس البشرية، ومجامع النوع الإنساني، تلك التي يمكننا تسميتها بــ: نقاط الالتقاء بين الطبائع البشرية، ولا شك أنه علميا كل نقطة التقاء تتضمن مجموع الصفات التي تعود نفسها لكل طرف من الملتقيات، ففلسفة العالم إنما تكمل وتكتسب الشمول عندما تغطي أكبر قدر من نقط الالتقاء، وكلما زادت معرفة المنظر باختلاف العالم واتفاقه؛ كلما تمكن من حشذ القواعد المتعلقة بنقط الالتقاء، وبذلك تعميم نظريته على أكبر شريحة من المجتمعات.

وحيث إن الله تعالى خالق الكون ومبدعه، علام الغيوب، العليم الحكيم؛ فإنه – سبحانه – خص شريعة نبيه الذي جعله خاتم أنبيائه، ورحمة للعالمين إلى يوم القيامة؛ بالشمولية والصلاحية لكل زمان ومكان، عن طريق معرفته تعالى بجميع نقط التقاء واختلاف الأكوان، بله الإنسان. ومن هنا احتوت الشريعة الإسلامية على معنى الديمومة والمرونة والشمولية.

ونظرا لتطور الزمان بتطور المجتمعات، وتطور حاجيات المجتمعات ومشاكلها نظرا لتطور الزمان، ونظرا لصلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان؛ اقتضى ذلك وجوب تطورها بتطور البشرية، وخلقها لحلول مختلف المشاكل التي تنتاب الإنسانية؛ وهو ما يسمى: الاجتهاد.

فالاجتهاد هو: الرجوع إلى المسلمات لابتكار حلول للحوادث. فيقتضي وجود مسلمات؛ وهي: أصول التشريع، ووجود حوادث؛ وهي: تطور الزمان، ووجود حلول؛ وهي: الأحكام الشرعية المتعلقة بالمتغيرات، ووجود مبتكر الحل عن طريق إضافة المسلمة إلى الحادثة؛ وهو: المجتهد. ومن هنا استحال انقطاع الاجتهاد - عقلا ونقلا- في أي زمان وأي مكان!.

ولذلك فإني أرى أن الاجتهاد لم ينقطع قط في تاريخ الفقه الإسلامي، وأنه في كل زمان زمان وجد مجتهدون، فقهاء متبحرون يعملون القواعد الشرعية في الحوادث الوقتية لتبيين حكم الله تعالى فيها، وأن الحملة التي أقيمت في بداية القرن العشرين – الميلادي – إنما كانت حملة استشراقية استعمارية أريد بها خلق جيل يتنكر لجميع المباديء والأسس التي بني عليها الفقه الإسلامي، والحط من نظرة التعظيم والتقديس التي كان المجتمع يراها في علمائه ورجالات الدين. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى فقد اتسم تطور المجتمعات الإسلامية، بل والمجتمعات العالمية ككل، من القرن الثامن الهجري إلى القرن الثالث عشر بالبطء، الأمر الذي تسبب في بطء التفكير، وعدم تجديد الوسائل العلمية القديمة، لعدم الاحتياج إلى ذلك، بحيث – ونظرا لركود المجتمعات – تباطأ الفكر الاجتهادي في الفقه الإسلامي. ونظرا لدخول الاستعمار الغربي على المجتمعات الإسلامية، وارتفاع الحواجز الحضارية بذلك بين الشرق والغرب في وقت كان الغرب في أوج منحنى الازدهار والشرق بالعكس، فقد فاض فيضان الحضارة الغربية بكل متغيراتها وتطورها وفلسفتها وقانونها إثر الثورات الصناعية والتحررية بأوروبا بعد القرن العاشر الهجري – السادس عشر الميلادي – على المجتمعات الإسلامية، الأمر الذي شكل ما يصح أن يسمى: "الصدمة الحضارية"، والتي احتاجت إلى قفزة نوعية في الفقه الإسلامي وسائل ومقدرة على الاستنباط.

فكان هذا التغير الطاريء على المجتمع الإسلامي بمقابلة البطء الفكري الذي حتمه بطء التطور سابقا، وطبقا للنظرية النسبية في التسارع؛ سببا في إبراز الفقه والفكر الإسلامي في أول وهلة بالجمود والتحجر، وإبراز الفقهاء والعلماء بصورة غير المواكب للعصر. الأمر الذي كان السبب الثاني لبزوغ دعوات الاجتهاد، وادعاء انقطاعه منذ زمن كذا وكذا، وهو في الحقيقة لم ينقطع!.

وقد صاحب هذه "الصدمة الحضارية" دخول المطابع للعالم الإسلامي، وطباعة مجموعة من الأصول التي كانت تعتبر مفقودة منذ قرون، وإحياء تراث مجموعة من المجتهدين المعتمدين على الجذور الخمسة من أصول التشريع، الأمر الذي فتح سوقا توافقت مع مقتضيات العصر لدعاة الاجتهاد على الطراز الأول، والاستنباط المباشر من الكتاب والسنة دون الاعتماد على نتائج فكر المتأخرين، ومراعاة التدرج التاريخي والفكري والحضاري، بالأخذ بالنظر خصوصية كل مجتمع مجتمع، وشعب شعب.

فتمايز دعاة الاجتهاد إلى:

رجال الشورى: وهم الفقهاء المشاورون الذين يتعرضون للأحكام الشرعية المتعلقة بالدولة خارجيا وداخليا.

مجتهدي قضاء: وهم القضاة المحترفون في استنباط الأحكام الفقهية المتعلقة بالصراعات البينية.

مجتهدي فتيا: وهم العلماء المتصدرون لإبراز الحكم الشرعي في مختلف النوازل الحادثة، والتي لم يتم التطرق إلى الحكم فيها فيما سبق.

وهذه الطبقات الثلاث من المجتهدين لم تنقطع عبر الزمان، وقد قسمها الفقهاء فيما قسموه من مراتب الاجتهاد، تدرجا بين مجتهد الفتيا إلى مجتهد المذهب؛ وهو: الذي يعتمد أصول مذهب معين في استقراء الأحكام الشرعية عبر النصوص الأصلية.

كما تمايز الفقهاء الأثريون: وهم فقهاء من مختلف المذاهب، يتبعون المذهب المعين، مع اطلاع لهم على أصول التشريع من قرآن وحديث وفتاوى السلف، وأصول وفروع؛ فيتبعون ما وردت بذكره النصوص الظاهرة بغض النظر عن موافقة مشهور المذهب أو مخالفته.

دعاة الاجتهاد المطلق: وهم الداعون إلى الأخذ المباشر من معين الكتاب والسنة وأصول الاجتهاد، وهم قلة في كل قرن، واشتدت دعوتهم وعلت في مطالع القرن الرابع عشر الهجري، وهم المقصودون – في العموم – إذا ذكر دعاة الاجتهاد.

وهؤلاء المجتهدون في العصر الحاضر ينقسمون إلى قسمين:

مجتهدين انطلقوا من أصول التشريع الإسلامي، وانبثقوا عن شروط الاجتهاد التي وضعها علماء الإسلام في الماضي والحاضر.

ورجال فقه وعلم تأثروا بالأفكار والفلسفة الغربية، والقوانين الوضعية الحديثة، وانبهروا بها، فحاولوا التوفيق بين الفقه الإسلامي وبين تلك القوانين عن طريق لي أعناق النصوص التشريعية لتتوافق مع تلك القوانين، مختلفين في تدرجهم بالتوفيق بين الأقرب لأصول التشريع الإسلامي، والأقرب لأصول التشريع القانوني والغربي. وفي الغالب هم الذين يطلق عليهم بالتيار السلفي الحديث، من أتباع محمد عبده وجمال الدين الأفغاني.

وكيفما كان الاختلاف في الاجتهاد المطلق وإمكانيته وعدمها، فإن الاجتهاد باعتباره أعلى درجات الإبداع والابتكار العقلي؛ يعد في الدرجة العليا من السلم المعرفي العقلي.

وحيث إن المعرفة تتدرج من السلم الحسي؛ المتدرج من الإحساس إلى التصور، إلى الإدراك، ثم منه للسلم العقلي ابتداء من المفهوم إلى الحكم إلى القياس (الاجتهاد)، وحيث إن الاجتهاد – كما عرفناه سابقا – هو: الرجوع إلى المسلمات لابتكار حلول للحوادث.

فيحتاج الفاعل فيه (المجتهد) إلى المطابقة بين المسَلــَّم والحادث الذين يمثلان الموضوع، لينفعل بهما نحو النتيجة. فمن حيث المسلَّم وهو أصول التشريع التي اتفقت عليها الأمة؛ وهي: الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، والاستحسان والمصالح المرسلة، وسد الذرائع. على المجتهد أن يعرفها ويتصورها حتى يدركها. وبما أن علوم الكتاب والسنة مبنية على القالب اللغوي؛ فلا مناص من التبحر في علم اللغة. ويقتضي علم الأصول المذكورة: علم ما بنيت عليه من القواعد، ومعرفة تبحر الفقهاء وثروتهم الفكرية عبر التاريخ بخصوصها، ولا مناص من الاطلاع على المذاهب الأربعة، وفتاوى قدماء المجتهدين، وفتاوى الصحابة والتابعين فمن بعدهم، والإحاطة بعلم الأصول الذي هو أداة الاجتهاد.

أما من حيث الحوادث؛ وهي النوازل والمتغيرات الوقتية؛ فلا مناص من معرفة الواقع المعيش، وفهم ماجريات الأمور وعلى أي قواعد تسير.

أما من حيث المجتهد نفسه؛ فلا شك أنه يحتاج إلى مقدرة عقلية وفطرية تؤهله لإدراك المسلم والحادث والربط بينهما، ثم اكتساب المفهوم للخروج بالحكم المبتغى من وراء ذلك.

والاجتهاد بشتى درجاته معتمد على هذه الشروط المذكورة قوة وضعفا، وإلا فلا يعدو أن يكون عبثا، واسما بلا مسمى.

ومن هنا يتضح لنا السبب في أنه لم يكد داعية للاجتهاد المطلق في العصر الحديث يدون فقهه قط، ويتحدث عن النوازل الكبرى التي تمر بها الأمة الإسلامية في هذه العصور؛ نظرا لعدم التوفر الحقيقي على الثروة المعرفية المؤهلة للاجتهاد المطلق إلا لماما.

وعند إدراك دعاة الاجتهاد لهذه النقيصة؛ قاموا بالدعوة إلى ما يسمى بالاجتهاد الجماعي، ولا شك أن الاجتهاد الجماعي على أرض الواقع لا يعدو أن يكون أمنية غير متوصل إليها، لاختلاف المشارب والمدارك، والاجتهاد يقتضي واسطة بين المسلم والحادث لا وسائط.

وبالرغم من ذلك؛ فقد تسببت هذه الصدمة الحضارية في تحفيز عقول عدة من العلماء إلى الإبداع والابتكار، وإنتاج تراث قانوني فقهي شرعي مهم للغاية في مواكبة ماجريات العصر وتطوراته، والمناغاة بين التراث الفكري الفلسفي الإسلامي والفكر الأوروبي بما لا يتنافى مع قواعد الشريعة في كثير من الأحيان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(1) صحح هذا المتن الإمام أحمد – رحمه الله – كما نقل ذلك عنه الخطيب البغدادي كما في "الجامع الكبير" للسيوطي (8/ 62 – 63).
(2) رواه أبو داود في "السنن" (4/ 109)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (567، 568).

الاستاذ
18-12-05, 06:48 AM
سلمت براجمك أيها الحبيب .

حمزة الكتاني
17-02-06, 09:04 PM
يرفع..

أبو يوسف المالكي
18-02-06, 12:42 AM
قولكم يا شيخ في سيدنا علي رضي الله عنه (عليه السلام) فيه عندكم كلام من العلماء؟ تكرموا علينا به لو سمحتم، ولكم جميل الثناء.

حمزة الكتاني
18-02-06, 12:55 AM
راجع أخي الرابط التالي:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=42155

أبو الحسن العسقلاني
18-02-06, 02:39 AM
أنا أرى أن الأفضل قول رضي الله عنه لمخالفة المبتدعة في ذلك الافراد و لكن أرى أن لا نبدع من قال ذلك لان له في ذلك سلف

أبو يوسف المالكي
18-02-06, 02:03 PM
اطلعت على الرابط جزاك الله خيرا.

أبو المنهال الأبيضي
18-02-06, 02:08 PM
روينا بالأسانيد المتصلة إلى سيدنا علي بن أبي طالب عليه السلام مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" (1). يعد هذا الحديث الشريف من علامات النبوة، ومن الأحاديث الكريمة التي أثبتت اتصال العلم الشريف وحفظه وبقاءه، علاوة على قول الله تعالى عن الوحي الكريم: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.[الحجر: 9]. والقرآن – كما لا يخفى – إشارة للدين ككل، وهو من باب إضافة الخاص على العام.
ــــــــــــــ
(1) صحح هذا المتن الإمام أحمد – رحمه الله – كما نقل ذلك عنه الخطيب البغدادي كما في "الجامع الكبير" للسيوطي (8/ 62 – 63).


يُنظر هذا الرابط :

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=37077&highlight=%DB%D1%D1+%C7%E1%DF%E1%E3

طلعت منصور
18-02-06, 08:52 PM
شكرا لك يا شيخ حمزه

أحمد محمد أحمد بخيت
01-12-06, 11:12 AM
ليس دفاعا عن التقليد ، ولكن تصحيحا لخطأ أريد له أن يغلب ، فأقل ما يجب ألا نعين على إشاعته . إليكم جهد المقل ، وصوبوا لى جزاكم الله خيرا .
الفصل الخامس
الدور الخامس من أدوار التشريع الإسلامي
تمهيد :
يؤرخ العلماء للدور الخامس من أدوار التشريع الإسلامى ابتداء بمنتصف القرن الرابع الهجرى وانتهاء بسقوط بغداد فى أيدى التتار سنة 656هـ معلنة بذلك انتهاء الخلافة العباسية اسما ورسما، وقد عرف هذا العصر تاريخيا بالعصر العباسى الثانى، وعرف علميا بأنه عصر الاجتهاد المذهبى.
ومن أهم مميزاته أنه شهد فى سنواته الأولى اكتمال تكوين المذاهب الفقهية واستقرارها وتدوينها ، كما أنه تميز سياسيا بكثرة الفتن والاضطرابات ، وانقسام دولة الخلافة فعليا إلى دويلات متناحرة فى كثير من الأحيان.
والحق أن من الشائع عن حركة الفقه الإسلامى فى هذا العصر مالا استريح إليه، لأن جل معارفنا عن السلف من الصحابة والتابعين ومن تلاهم طريقها أهل هذا العصر( )، بل إن فقه الأئمة كان شبرا فصار بأيدى هؤلاء آلافا من الأميال، فكانوا لهم كالتابعين من الصحابة، وكمثلهم من التابعين، وصلهم العلم نبتة فربوه شجرا أصله فى الأرض وفرعه فى السماء، وكان أكثره فرطا فضبطوه، وأقاموا له أدلة، وبينوا له عللا، فجردوه بحق من قيد الزمان والمكان والمناسبة، فامتد وتعدت رؤيته، ولم يقف أثره عند الحدود الإسلامية، بل تخطاها إلى ربوع الجاحدين والأعداء( ).
إن حقيقة أن التشريع واحد تحتم- فى رأيى – أن يتطور الفقه كَمًّا باستيعاب المستجدات، أما الكيف فلا بد وأن يجمد باستقرار مناهج النظر والاستنباط وانضباطها، ومتى اختبر الموجود اختبارا دقيقا، فبدت – فى وضوح- كفايته، فمن الصدق أن تنصرف الهمم الجادة إلى البناء عليه، والتخريج على أساسه، والعمل على غير ذلك لا يخرج عن تزو يق الكلام.
وثمة لافتة أخرى عن هذا العصر أنه عصر المدارس النظامية، فلأول مرة فى الإسلام توجد "مؤسسات تربوية رسمية، تدخلت الدولة فى تحديد أهدافها، ورسم مناهجها، واختيار أساتذتها، والقيام بالإنفاق المنظم عليها"( ) وظهرت إلى جانب خزائن الكتب دور العلم( ) وقد ارتبطت هذه وتلك بخدمة الفقه- سنى وشيعى وإسماعيلى- فى المقام الأول، إضافة إلى "خلق طائفة من الموظفين ليشاركوا فى تسيير مؤسسات الدولة، وإدارة دواوينها، وبخاصة فى مجال القضاء والإدارة"( ).
وتؤكد الدراسات أن هذه المدارس وزعت جغرافيا بعناية فائقة، فروعى فى أغلبها أن تكون فى المدن التى تحتل مركز القيادة والتوجيه الفكرى كبغداد وأصفهان، واختير أساتذتها بعناية تامة، بحيث كانوا أعلام عصرهم فى علوم الشريعة( ).
إن وصم هذا العصر، والعصر الذى يليه بالضعف الفقهى والتقليد والجمود أمر يحتاج إلى مراجعة، إن لم يكن لتحقيق هذه السبة، التى تغطى قرابة تسعة قرون من عمر دولة الإسلام، فلبيان الأسباب الحقيقية التى أدت إلى ذلك، فإن كان زيفا فضحناه، وإن كان حقا تدارسنا أسبابه الحقيقية عسانا أن نتجنبها.
ومع كل أسف فإنى لم أتمكن- لظروف خاصة –حتى الآن من تحقيق ما أصبو إليه، فإن كان فى الأجل بقية فعلت إن شاء الله.
يقول أستاذنا الدكتور محمد أحمد سراج "ولا يتردد بعضهم- يعنى مؤرخينا- فى وصف التفكير الفقهى فى هذه الفترة بالانحطاط، ويقع كثير من أذكياء هؤلاء المؤرخين، ومن أعظمهم قدرة ومثابرة، فى وصف هذه الفترة بهذه الأوصاف المثبطة للهمم، والتى لا تتفق مع الواقع.
ويبلغ تناقض هؤلاء المؤرخين مداه حين يطلقون ما يسمونه "عصر النهضة الفقهية" عنوانا على تلك الفترة التى تبدأ من أواخر القرن التاسع عشر إلى الآن، وهى الفترة التى شهدت إقصاء التشريع الإسلامى عن التطبيق العملى، إلا فى مجال الأحوال الشخصية.
ومن غير المنطقى على الإطلاق أن يتسع ما يسمى "بعصر الضعف والجمود" ليشمل فترة تطبيق الفقه الإسلامى فى أكثر أجزاء العالم حضارة ورقيا طوال العصور الوسطى، وبدايات العصر الحديث، وأن يطلق ما يسمى "عصر النهضة" على تلك الفترة التى أقصى فيها المستعمر معظم أجزاء الفقه من التطبيق، وذلك لمجرد إنشاء بعض أقسام الشريعة فى جامعات العالم الإسلامى، أو عقد بعض الندوات والمؤتمرات الداعية إلى إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية.
ويظهر لى أن الأسباب السياسية والعلمية التى يسوقها مؤرخو التشريع الإسلامى جميعهم ليست كافية بأى وجه لنعت هذه الفترة من تاريخ الفقه الإسلامى بالتخلف والضعف والجمود.
ولسنا مضطرين على أى نحو لتبرير فرض المستعمر لقوانينه وتشريعاته بإلقاء اللوم على أنفسنا، وحالة التفكير الفقهى السائدة.
لقد فرض المستعمر الغربى قوانينه بعد الهزيمة العسكرية التى منيت بها مجتمعاتنا، وكانت فى يده وسائل فرض هذه القوانين فى البلاد التى احتلها، مثل مصر، على حين استمرت مجلة الأحكام العدلية المستمدة من المذهب الحنفى فى التطبيق فى البلاد التى لم تكن يد المستعمر قد نالتها بعد.
ويتجاهل ادعاء وصف الفقه الإسلامى بالضعف والجمود فى هذه الفترة جهود الفقهاء والمفتين والقضاة فى تطوير التفكير الفقهى وإقداره على الاستجابة لمصالح البلاد الإسلامية فى ظروفها السياسية والاجتماعية عبر ثمانية قرون"( ).
وعلى كل حال فإننا سنتناول أبرز ما هو شائع عن هذا العصر على أمل أن تكون لنا فى المستقبل القريب نظرة فاحصة فيه.
المبحث الأول
أثر الفتن والاضطراب السياسى على الاجتهاد الفقهى
ابتداء من الدور الثانى من أدوار التشريع الإسلامى والفتن والاضطرابات تعصف بالحياة السياسية فى الدول الإسلامية المتتابعة، لكن هذه الفتن لم تكن فى الطور الثانى والثالث والرابع من أطوار هذا التشريع ذات تأثير ضار بالنشاط العلمى ، بل على العكس كانت الفتن دافعا لنهضات علمية رائعة ، فقد كانت فتنة الردة دافعا لجمع القرآن الكريم ، وكانت فتن الخوارج والرافضة وأمثالهم ممن عمدوا إلى وضع الأحاديث دافعا إلى استنهاض الهمم فى ضبط أصول الرواية وظهور علم الجرح والتعديل الذى يسر الطريق لجمع السنة المشرفة، كما أن فتنة خلق القرآن الكريم كانت دافعا لنهضة عقلية وعلمية ولم تكن أبدا مدعاة للتخاذل والتراجع.
ولكن الفتن والاضطرابات التى أَلمَّت بدولة الخلافة فى منتصف القرن الرابع الهجرى وحتى سقوط بغداد فى أيدى التتار كان لها الأثر الضار على النشاط العلمى والفقهى بوجه خاص.
فقد أثرت –كما يقول المؤرخون- نظرا لتتاليها وتتابعها على التشريع الذى لابد له من الجو الهادئ والحرية المطلقة ، فضلا عن تشجيع العلماء على البحث والاجتهاد ، ففى ظل الفتن والصراعات السياسية انشغل الحكام بالسياسة وانصرفوا عن رعاية العلم والعلماء مما أضعف الحافز لدى الفقهاء على التجديد وإعمال الفكر( ).
ولكننا لا نظن أن الاضطراب السياسى وحده هو الدعى إلى الضعف الفقهى ، وفقدان روح الاجتهاد المطلق ، ذلك أن قدر الأمة الإسلامية أنها أشد نهضة فى المحن عنها فى أوقات الاستقرار والدِّعَة ، فكما يقول ربنا : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت بيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ( )فالمِحَن للمسلم كالوقود للقاطرة متى نفد توقفت ، وصدق الله حيث يقول : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ( ).
وبناء على ذلك فإننا نؤكد أن الأسباب التى رافقت الاضطرابات السياسية فى عصر الدولة العباسية الثانية هى التى أدت إلى شيوع روح التقليد ، وتوقف النهضة العلمية التى شهدها العصر العباسى الأول. وهذه الأسباب هى :
1- تدوين المذاهب الفقهية المعروفة. 2- التعصب للمذاهب الفقهية.
3- الرغبة فى القاضى ذى المذهب المعين( ).
4- شيوع الجدل والمناظرات المذهبية.
المبحث الثانى
اهتمامات العلماء فى هذا الطور من أطوار التشريع
سلبيات العصر وتقديرها :
غلبت على العلماء فى هذا العصر روح التقليد( ) ويعنى به : تلقى الأحكام من إمام معين واعتبار أقواله بمنزلة نص الشارع ، بل أشد، إذ يلتزم المقلد إتباعها ويتعصب لها ويجادل من أجلها ويناظر بالحق وبالباطل، وإن خالفت نصا من نصوص الشرع تأولوا النص ليوافقها.
وحتى لا يقع فى الذهن خلط فإننا نؤكد أن فقهاء المذاهب المعروفة برآء تماما من غلبة هذه الروح على الأتباع ، فأبو حنيفة كان يقول : " علمنا هذا رأى فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه " وأبو يوسف كان يقول : " لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا " والإمام مالك يقرر أنه " ليس من أحد لا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "وكان الشافعى يرفض الأخذ بقول الصحابى الواحد الذى للرأى فيه مجال ، ويقول : " كيف آخذ بقول من لو عاصرته لحاججته".
إذن فهى روح الضعف عن النظر فى الكتاب والسنة والاستنباط منهما وفقدان جُرأة الإقدام على الاجتهاد ، بحجة عدم الحاجة إليه ، أو خوف الإفتاء الخاطئ.
هذا هو المسطور فى مصنفات تاريخ التشريع، ويصدقه بعض ما ينسب إلى مقلدى المذاهب كالشيخ عبيد الله بن الحسين الكرخى المتوفى سنة 340هـ، وقد انتهت إليه رئاسة الحنفية، فقد عَدَّ من الأصول التى عليها مدار كتب الأحناف ثلاثة أصول، وإن أخذت عبارته على ظاهرها فهى آية فى الشناعة، قال:
"الأصل: أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل على النسخ، أو على الترجيح، والأولى أن تحمل على التأويل من جهة التوفيق. والأصل أن كل خبر يجئ بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على أنه معارض بمثله، ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح، أو يحمل على التوفيق، وإنما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل، فإن قامت دلالة على النسخ يحمل عليه، وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه.
والأصل: أن الحديث إذا ورد عن الصحابى مخالفا لقول أصحابنا، فإن كان لا يصح فى الأصل كفينا مؤنة جوابه، وإن كان صحيحا فى مورده فقد سبق ذكر أقسامه، إلا أن أحسن الوجوه وأبعدها عن الشبه أنه إذا ورد حديث الصحابى فى غير موضع الإجماع أنه يحمل على التأويل أو المعارضة بينه وبين صحابى مثله"( ).
فبمثل هذه العبارات من أعلام الفكر الإسلامى فى هذا العصر طار القادحون، وكثيرا ما يغفل الراغبون فى زعزعة الثقة الإنجازات، ويعظمون هذه العبارات ويشيعونها، وكأنها لحمة هذا العصر وسداه.
والإمام أبو الحسن الكرخى من المجتهدين فى المذهب الحنفى، وبجهوده هو وأمثاله من الطبقة الثالثة وضعت الأسس لنمو المذهب الحنفى، والتخريج فيه، والبناء على أقواله، كما وضعت أسس الترجيح فيه، والمقايسة بين الآراء، وتصحيح بعضها وتضعيف الآخر، وبجهودهم تميز الكيان الفقهى للمذهب الحنفى( ).
ومثل هذا العلم ذى الروح الخلاقة والنفس الأبية- كما يبين من سيرته- لا يعقل أن يقول قولة يقصد بها أن تكون منزلة نص الأئمة فوق النص، أو المأثور، أو تساويه، فهذا لا يقوله إلا إمعة لا رأى له.
أما المعقول فهو كما بين الإمام الشعرانى فى الميزان قال "وقد تتبعت بحمد الله أقواله- يعنى أبا حنيفة- وأقوال أصحابه، لما ألفت كتاب أدلة المذاهب فلم أجد قولا من أقواله، أو أقوال أتباعه إلا وهو مستند إلى آية أو حديث أو أثر، أو إلى مفهوم ذلك، أو حديث ضعيف كثرت طرقه، أو إلى قياس صحيح على أصل صحيح، فمن أراد الوقوف على ذلك فليطالع كتابى المذكور"( ).
إذن فعبارة أبى الحسن الكرخى- وهو ممن ميزوا الكيان الفقهى للمذهب الحنفى كما بينا- تفيد أنه تحقق من أصول المذهب حتى حصلت له الثقة التامة أنها حفظت كل ما يجب حفظه من الأصول الشرعية، فتحوط لمراعاتها، وشدد على عدم نقضها بناء على ظاهر آية أو حديث أو قول صاحب، وإن جاءت عبارته موهمة ظاهرا.
يوضح هذا الشواهد التى ساقها النسفى توضيحا لهذه الأصول، قال:
1- فى الأصل الأول- فيما يخص الآية-
"من مسائله أن من تحرى عند الاشتباه واستدبر الكعبة جاز عندنا، لأن تأويل قوله تعالى (فولوا وجوهكم شطره) إذا علمتم به، وإلى حيث وقع تحريكم عند الاشتباه.
أو يحمل على النسخ كقوله تعالى (ولرسوله ولذى القربى) فى الآية ثبوت سهم ذوى القربى فى الغنيمة، ونحن نقول انتسخ ذلك بإجماع الصحابة رضى الله عنهم.
أو على الترجيح كقوله تعالى (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) ظاهره أن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضى عدتها بوضع الحمل قبل مضى أربعة أشهر وعشرة أيام لأن الآية عامة فى كل متوفى عنها زوجها حاملا أو غيرها، وقوله تعالى [ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن] يقتضى انقضاء العدة بوضع الحمل قبل مضى الأشهر، لأنها عامة فى المتوفى عنها زوجها وغيرها، لكنا رجحنا هذه الآية بقول ابن عباس رضى الله عنهما أنها نزلت بعد نزول تلك الآية فنسختها، وعلى رضى الله عنه جمع بين الأجلين احتياطا لاشتباه التاريخ.
وهكذا أوضح النسفى الأصلين الأخيرين( )، وفى بيان الأصل الأول ما يوضح مقصود الكرخى، ويغنى عن الإطناب.
إيجابيات العصر:
رغم قصورهمم الفقهاء فى هذه المرحلة تجاه الفقه الإسلامى عن همم السابقين إلا أنها لم تخل من إيجابيات أفادت الفقه مادة وصناعة، ومنها :
1- اشتغل كثير من فقهاء هذا العصر بالبحث عن علل الأحكام التى صدرت من إمام المذهب الذى يقلدونه، وكانت هذه العلل إما مختصرة أو مبهمة ومتى عرفت علة الحكم أمكن أن يقاس على الحكم نظيره من الأحكام التى لم يرد فيها نص. ولا شك أن فى ذلك اتساعا لباب الاجتهاد.
وقد قدمنا أن تعليل الحكم يحقق "تجريد النص الحاكم من قيد الزمان والمكان والمناسبة، والامتداد به، وتعدية الرؤية، وامتلاك القدرة فى التنزيل على الواقع بواسطة العقل القائس…..فيولد أحكاما ورؤى، ويضع من البرامج، فى ضوء قيم ومقاصد النص الإلهى، ما شاء الله له الامتداد، ليحقق الاستجابة لكل جديد ومتغير، فى إطار أسس مرجعية، وضوابط منهجية تعصم العقل من التجاوز والانحراف، والإلغاء والقطعية، أو التقطيع للنص"( ).
2- استخراج أصول منهج الإمام وقواعده التى بنى عليها اجتهاده فى المسائل الجزئية والفروع التى تخرجت على طريقة الإمام ، ومتى عرفت أصول المنهج وقواعده أمكن أن يضاف إلى الأحكام التى قررها الإمام الكثير مما لم يتعرض له. وقد نسبوا هذه الآراء لصاحب المذهب لأنها مبنية على طريقته.
وقد خدمت طبقة المخرجين فى كل مذهب مذهبها، غير أن العطاء تفاوت تبعا لمدى مرونة أصول المذهب، وتجردها من القيود.
فمثلا طريقة الشافعى والتى عرفت بطريقة المتكلمين لا تخضع "القواعد الأصولية للفروع المذهبية، بل كانت القواعد تدرس على أنها حاكمة على الفروع، وعلى أنها دعامة الفقه، وطرائق الاستنباط، وهذا النظر المجرد قد أفاد القواعد دراسة عميقة نزيهة بعيدة عن التعصب فى الجملة، فصحب ذلك تنقيح وتحرير لهذه القواعد"( ).
بينما كانت طريقة الحنفية والتى عرفت بطريقة الفقهاء متأثرة بالفروع، فدرسوا "قواعد الأصول ليؤيدوا بها الفروع، وليصححوا بها استنباط تلك الفروع، ويدافعوا عنها، فكانت دراسة الأصول على ذلك خادمة للفروع المذهبية، لا حاكمة عليها وموجهة لها"( ).
ومهما يقال فى طريقة الحنفية ومحاسنها( ) فإنها ولا بد أبعد عن التجريد وأقرب إلى التعصب المذهبى من طريقة الشافعية. هذا باعتبار النظرة الإجمالية.
وكما تتفاوت خصوبة المذاهب فى معالجة المستجدات بالنظر إلى تقعيد الأصول، فإنها تتفاوت أيضا تبعا لمواقفها من أصل- أى دليل – بذاته.
فمثلا قبول "العرف" دليلا يفتح مجال التخريج، وتجدد الأحكام كلما تغيرت الأعراف فى المكان والزمان، وهكذا يقال عن المصلحة وسد الذريعة إلخ.
ومن المفارقات الجديرة بالانتباه أن الفقه الأثرى- الذى تقيد بالنصوص والآثار، ونفر من الرأى إلا لضرورة- كان أقدر على مواجهة المستجدات من الفقه القياسى الذى عنى بالرأى وقيده بالاستحسان.
ونترك الحديث للإمام أبى زهرة، فهو صاحب هذا الاستقراء، يقول ما نصه "كان فقه أحمد بمقتضى- طريقته- فقها قابلا للنمو، لأنه لا يقيد إلا بفتاوى السلف وأقضيتهم، ومعانى السنة والقرآن الكريم، وما استنبطه السلف تحت ظلهما.
وقد لاحظنا من الاستقراء الفقهى أن الفقه الذى يكثر فيه التفريع، ويضبط بضوابط قياسية، كالفقه الحنفى بشكل خاص، والفقه الشافعى الذى يقاربه- وإن لم يكن يماثله- يكون الضبط القياسى مفيدا له، فإذا جاء الفقه وابتلى بحوادث وجد النصوص المذهبية القياسية قائمة، وقد تكون غير مناسبة للزمان، فتقف محاجزة بين الفقيه والإفتاء بالصالح، ولذلك اضطر المجتهدون فى المذهب الحنفى بسبب ضبط الأقيسة، والتفريعات القياسية أن يكثروا من الاستحسان بالعرف، حتى وجدوا المتأخرين متأثرين بالعرف، يتحللون من بعض تفريعات الأقدمين، وأقيستهم، فيخالفونهم، ويعتبرون الخلاف بينهم وبين سابقيهم اختلاف زمان ومكان، لا اختلاف دليل وبرهان، وقد يقف المتزمتون منهم حيث كان ينبغى السير، وحيث تدفع الحوادث إلى السير.
وقد سلم من هذا الفقهاء الذين تقيدوا بالوقائع لا يفتون فى غيرها، ولا يقدرون الأمر قبل وقوعه، ولذلك كانت طريقة التخريج عندهم غير مقيدة بقول سابق من الإمام أو أصحابه المقدمين الذين تعتبر آراؤهم قريبة من آرائه، فلا محاجزات تقف فى طريق اجتهادهم.
ولقد وجدنا مذهب مالك وأحمد يسيران على الفتوى فيما يقع، على تفاوت بينهما فى قدر الاستمساك، ووجدنا خصبا فيهما فى معالجة المسائل التى تجد فى الأزمنة المختلفة على ضوء ما قال الأقدمون، وأن سبب ذلك واضح لا يحتاج إلى فضل من البيان، ذلك أن الذين أكثروا من التفريع والفرض والتقدير، ووضع الضوابط والمقاييس، قد كثرت أحكام الفروع المأثورة عنهم، والقواعد الضابطة المنقولة إلى الأخلاف، فلما جاء عصر اتباع الأئمة وتقليدهم، وعدم الخروج عن نطاق اجتهادهم كان أولئك الأخلاف مقيدين بتلك الأقوال، وبهذه الضوابط فاكتفوا بالإفتاء بها، وقد كانوا يجدون ضيقا شديدا فى تطبيقها، فكانوا يبتكرون الحيل والمخارج للتخفيف من ثقل هذه القيود، ولذلك وجدت الحيل فى المذهب الحنفى، ووجدت المخارج والحيل فى المذهب الشافعى، وكان ذلك فى أصل مشروعيته لتخفيف تلك القيود المذهبية، وجعل الأحكام المذهبية متطابقة فى العصور، لا يجد الناس فيها حرجا وضيقا، ولكن شاهت من بعد ذلك النفوس، فاتخذت الحيل طرائق لتضييع الحقوق، وأكل أموال الناس بالباطل، وتحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى، وتحريم ما أحل.
أما المذهب الحنبلى، ويقاربه المذهب المالكى، فلم تكن الفتاوى فيه إلا فى الوقائع، ولما جاء العصر الذى ساد فيه الاتباع دون الاجتهاد لم يجد المقلدون فتاوى فى كل المسائل الواقعة، واضطروا لأن يخرجوا على أقوال السابقين ومناهجهم، إذ لم يجدوا فى الأقوال لإمامهم الأول ما يقف محاجزا دون التخريج والبحث، ولذلك تجافى المذهب الحنبلى عن الحيلة والتحايل،….وقلت الحاجة إلى المخارج"( ).
وللتدليل على صحة هذا الاستقراء يضرب الإمام أبو زهرة مثلا بإطار الاستصحاب- وقد عرفنا أنه بقاء الحكم على ما كان عليه حتى يقوم دليل على التغيير- فى المذاهب الأربعة، متخذا من النظرة فى المعاملات تطبيقا.
يقول فضيلته "فأخذ- الإمام أحمد- باستصحاب حال الإباحة أو العفو، أو البراءة الأصلية، وكان فيها تسهيل على الناس، واتسع بسبب ذلك هذا المذهب الأثرى الكريم لما لم تتسع له مذاهب أخرى قامت على الرأى والقياس، ذلك لأن الاستمساك بالنص والأثر، والتشديد فيهما، كما كان السبب فى تصعيب الاستنباط الفقهى، كانا أيضا سببا فى تصعيب التحريم، فكان باب المنع مضيقا كما كان باب الإيجاب غير موسع، وفى ذلك تسهيل كبير على الناس، وتوسيع لأفق التحليل.
أما الذين وسعوا طريق الاستنباط فى الشروط الجائزة والممنوعة فقد دفعتهم أقيستهم لأن يقيدوا الشروط، فكان فى ذلك ضيق فى التعامل.
أما المذهب الحنبلى الذى ضيق طريق الاستنباط فى الشروط الجائزة والممنوعة، فلم تكن ثمة ذريعة لتقييد الشروط فكانت الإباحة، وكان الإطلاق فى الإلزام بالتراضى، والالتزام"( ) فى إطلاق حرية التعاقد، وفى الشروط التى يلتزم بها المتعاقدان، فأقر من الشروط ما لم يقره غيره من الفقهاء"( ).
3- الترجيح بين الآراء المختلفة فى المذهب.
وكانت لهم فى ذلك طريقتان :
أ*- الترجيح بحسب الرواية بمعنى أن تقدم رواية أحد لرأى الإمام على رواية غيره، لشهرة الأول بالحفظ القوى والضبط التام ، ومن هذا القبيل تقديم رواية محمد بن الحسن لمذهب أبى حنيفة على رواية الحسن بن زياد اللؤلؤي لنفس المذهب.
ب*- الترجيح بحسب الدراية بمعنى أنه متى تعارضت المرويات عن الإمام وطريقة استنباط الإمام للأحكام التى قالها ، فما وافق الأصول والطريقة هو الراجح.
ولصعوبة هذه الطريقة فإنه لم يقم بها إلا الفقهاء المشهود لهم بالفطنة والذكاء.
4- الترجيح لرأى إمام المذهب والانتصار له :
وهذا المسلك وإن شانه إشاعة روح التعصب ، والمبالغة فى منزلة الإمام وربما النيل من المخالفين له فى الرأى ، خاصة فى المناظرات التى كانت تعقد لهذا السبب ، فإنه من جانب أخر أفاد طلاب العلم ، إذ كان من ضرورات الترجيح عقد المناظرات ، والاستدلال لمذهب الإمام ، ونقض الدليل المخالف لمذهب إمامهم ، وذلك لاشك مما يقوى ملكة الفقه، ويمرن على الاجتهاد، بل إن مثل هذا العمل يعد بحق ثورة فى الفقه المقارن ، ولولا ما شابه من التعسف والتعصب والمبالغة ، لكان ثورة علمية هائلة.
5- شيوع المناظرات والجدل.
وخلاصة القول فإن هذه المرحلة ، وإن فقدت روح الاجتهاد المطلق ، فإنها اتسمت بالآتى :
1- كانت فترة الترتيب والتنظيم لفقه المذاهب.
2- شهدت اهتمام الفقهاء بالدعاية إلى المذاهب التى ينتمون إليها ووضعوا المؤلفات فى التعريف بأئمتهم.
3- حوت هذه المرحلة علماء وفقهاء لا يقلون شأنا فى قدرتهم على الاجتهاد ، من حيث توفر شروطه فيهم وتمتعهم بأدوات الاجتهاد ، ولو لا تعصبهم لمذاهب بعينها أو انتسابهم إليها ، لكان لهم شأن أخر
4- كانت النواة التى فجرت الفقه المقارن.
5- تقعيد القواعد الفقهية وتطوير القواعد الإجرائية والشكلية.
المبحث الثالث
المناظرات الفقهية
تعريف :
المناظرة والمجادلة بمعنى واحد ، ومعناها شدة الخصومة ، وأصل الجدال فى اللغة : الخصومة بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، ثم استعمل على لسان حملة الشرع فى " مقابلة الأدلة لظهور أرجحها" ، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق ، وإلا فمذموم.
وبالإطلاقين- اللغوى والشرعى- وقعت المناظرات الفقهية فى أدوار الفقه المختلفة، بل نجد لها أصلا فى القرآن الكريم، وهدى الصحابة.
وقد عرفت المناظرات المكتوبة بغرض الوقوف على الحق فى العصر الأموى، واتسعت فى العصر العباسى الأول، ومنها على سبيل المثال مناظرة الليث بن سعد والإمام مالك ( )فى حجية عمل أهل المدينة وتقديمه على خبر الواحد.
فقد بلغ مالكا أن الليث يفتى فى بعض المسائل بمصر بما يخالف ما عليه العمل بالمدينة فكتب إليه- بعد السلام قائلا : عصمنا الله وإياك فى السر والعلانية وعافانا وإياكم من كل مكروه... واعلم- رحمك الله- أنه بلغنى أنك تفتى الناس بأشياء مختلفة مخالفة لما عليه الناس عندنا وببلدنا الذى نحن فيه.... وأنت فى أمانتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك ، واعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك ، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه.
وبعد أن يسوق الأدلة التى تجعله مطمئنا إلى وجوب العمل بعمل أهل المدينة وعدم حل مخالفته- يقول... فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك لنفسك واعلم أنى أرجو ألا يكون دعانى إلى ما كتبت إليك إلا النصيحة لله وحده ، والنظر لك ، والضن بك فأنزل كتابى منزلته ، فإنك إن علمت تعلم أنى لم آلك- أقصر عليك- نصحا".
وكان رد الليث بعد السلام والدعاء " بلغنى كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذى َيسُرُّكم ، فأدام الله ذلك لكم ، وأتمه بالعون على شكره ، والزيادة من إحسانه ... وفى رده على موضوع المناظرة يسلم ببعض ما احتج به مالك ويقول " ... وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا ، ولا أخذا لفتياهم- فيما اتفقوا عليه- منى، والحمد لله رب العالمين".... وبعد أن يسلم بأن الصحابة تبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر مالكا بأن الصحابة متى أجمعوا على أمر فلا يحل خلافه... ولكن كيف إن اختلفوا ؟ وقد كان ، ثم إن التابعين بعدهم أشد اختلافا ، وَمنْ بعدهم أشد اختلافا وأكثر ، ويذكره برأييهما فى بعض فقهاء المدينة ممن جالسهم مالك والليث معا ، و موافقة مالك الليث فى إنكاره على بعضهم ، ولا ينسيه ذلك الثناء على أولئك الفقهاء الكرام، ثم يفند أوجه مخالفاته لعمل أهل المدينة فى المسائل التى أفتى فيها ارتكانا لما وصله عن فقهاء الصحابة والتابعين ممن نزلوا الشام أو العراق أو مصر ، وأحيانا ما بلغه من كبار الصحابة الذين لزموا المدينة أمثال عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وقبيصة بن ذؤيب وغيرهم.
ثم يختم رسالته بقوله " .... وأنا أحب توفيق الله إياك وطول بقائك لما أرجو للناس فى ذلك من التفقه ، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك مع استئناس بمكانك ، وإن نأت الدار. فهذه منزلتك عندى ورأيى فيك فاستيقنه ولا تترك الكتاب إلى بخبرك وحال ولدك وحاجة إن كانت لك أو لأحد يوصل بك ، فإنى أسر بذلك "
وكما هو واضح فإن الرسالتين تشعان حبا وأدبا ونصيحة لله سبحانه وتعالى ورغبة صادقة فى الوصول إلى الحق ، ولا يمنع أى من المتناظرين أن ينزل على رأى معارضه متى بَانَ له وجه الحق ، وذاك لاستقلاله الفكرى وشجاعته العلمية.
وعلى عكس ذلك تماما كانت المناظرة فى الدور الخامس من أدور التشريع، فقد كانت فى موضوعها جدلا يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب وكان الدافع إليها- غالبا- إشباع رغبة الخلفاء والأمراء ، وغرض المتناظرين أمام الخلق وانطلاق ألسنتهم بالثناء عليهم ، ولا هَمَّ لكل منهما إلا أن ينتصر لمذهب إمامه بأى طريقة حتى وإن أدى ذلك- ببعضهم- إلى اتهام الآخر بالعداوة ومخالفة إمامه لصريح الكتاب والسنة ، وتأليب العامة عليه ، وبدلا من أن تقرب المناظرة بين المتخالفين تؤجج نيران الحقد والعداء.
وقد تنبه بعض العلماء المخلصين- أمثال الإمام أبى حامد الغزالى- لذلك الداء فوضع شروطا للمناظرة أهمها :( )
1- ألا يشتغل المناظر بالمناظرة ويترك ما عليه من الواجب المعين.
2- أن يكون المناظر مجتهدا يفتى برأيه لا برأى غيره من الأئمة.
3- أن تكون المناظرة فى طلب الحق.
4- ألا يناظر إلا فى مسألة واقعة أو قريبة الوقوع غالبا.
5- أن تكون المناظرة فى خلوة تجنبا للرياء.
6- أن يناظر من تتوقع الاستفادة منه ممن هو مشتغل بالعلم.



المبحث الرابع
صياغة القواعد الفقهية
أولا: الأطوار والأدوار:
ذكرنا مرارا أن علوم الشريعة ترجع جميعها إلى الكتاب والسنة، بل إن أساليب النظر التى لا ترجع إلى البديهة والحس ترجع فى أسسها إلى الموحى به، وقد مثلنا لذلك فى تأسيس عبقرية الصحابة، وأنها لم تختر غير تنفيذ الشريعة، وبان لنا أنهم لم يجتهدوا جماعة عن مصادفة وحسن توفيق، وإنما اجتهدوا جماعة تطبيقا لشرع الله فى أمور الأمن أو الخوف.
كما تجلى لنا أن مصادر التشريع ترجع كلها إلى الوحى، فلا عبرة بدليل لا يؤيده الشرع، كما لا صحة لما يقال إن عمدة الصحابة فى الفتوى الاطمئنان النفسى من غير التفات إلى طرق الاستدلال، فقد كانت لهم قواعدهم المستنبطة من الكتاب أو السنة، وهو ما سار عليه من جاء بعدهم، حتى جاء الشافعى رضى الله عنه فجمع هذه المصادر وضبطها ودونها.
وما قيل فى أصول الفقه، يقال فى قواعده، فهى ترجع أساسا "إلى "جوامع الكلم" فى القرآن والسنة، حيث وردت آيات كريمة وأحاديث شريفة تشبه القاعدة فى أسلوبها وصياغتها، وذلك من حيث الكلية والشمول"( ).
واتباعا لهدى القرآن والسنة استخلص السلف من الصحابة ومن تلاهم فى العصور الثلاثة الأولى "قواعد كلية" ومنها قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه "مقاطع الحقوق عند الشروط" وقول على كرم الله وجهه "من قاسم الربح فلا ضمان عليه" وقول شريح من التابعين "من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه" وقد أورد الإمام أبو يوسف القاضى عددا وافرا من القواعد الفقهية فى كتابه الخراج، ومثل ذلك نجده فى كتابات محمد بن الحسن الشيبانى، والإمام الشافعى من أئمة الاجتهاد( ).
وكما رأينا من قبل فإنه عندما دعت الحاجة إلى ضبط مصادر الاستنباط ومناهجه تصدى لذلك الشافعى فجمع شتات هذه المناهج وصنفها، وكان تصنيفه استخلاصا من مناهج السابقين.
وحيث وجدت الحاجة إلى ضبط الفروع الفقهية المتناثرة شمر العلماء عن ساعد الجد وشرعوا فى صياغة فن متميز هو "قواعد الفقه" وكما نوهنا فإن فى الموروث رصيدا، ولكنه قليل العدد، مبعثر الوجود، ينقصه التنسيق، وشئ من تحرير الصياغة فقاموا بهذا الدور خير قيام.
وكما ينسب لأئمة الاجتهاد شرف ضبط المناهج وصياغتها فإن من علامات عصور التقليد جمع واستنباط القواعد الفقهية وصياغتها، واعتبارها فنا مستقلا. بدأ فى منتصف القرن الرابع الهجرى وأخذ وقتا طويلا حتى صارت "القواعد موضوع علم مستقل بين علوم الفقه الإسلامى"( ).
والمحصلة الأولى لدراسة أطوار التقعيد الفقهى تنتج أنه إذا كان السمت الغالب لعصر الاجتهاد هو ضبط مناهج التفكير والاستنباط فى إيجاد الحلول الجزئية، فإن سمت عصور التقليد هو الانتقال بالعمل الفقهى "إلى مرحلة التفكير الكلى لا الجزئى"( ).
وأيا كان الدافع على هذا العمل( ) فإنه لدليل دامغ على براءة التفكير الفقهى من الجمود، وسعيه الدؤوب "لتحقيق الاستجابة للمصالح والظروف الاجتماعية للبلاد الإسلامية"( ).
والجدير بالذكر أن علم "قواعد الفقه" علم حركى أخذ كل قرن منه بنصيب، وإن كان القرن الرابع قد شهد بداية جمعه وتدوينه فإن بروزه وشيوع صيته كان فى القرن السابع، حيث بدأت "قواعد الفقه" "تختمر وتتبلور يوما فيوما، أما القرن الثامن الهجرى فهو يعتبر العصر الذهبى لتدوين القواعد الفقهية ونمو التأليف فيها…..ومعظم مؤلفاته- على اختلاف مناهجها ومناحيها- حملت ثروة كبيرة من القواعد والضوابط، والأحكام الأساسية الأخرى، وفيها إرهاص على اكتمال هذا العلم إلى حد كبير فى ذلك العصر"( ).
ولم تخل العصور التالية من إسهامات قيمة، حتى كان أواخر القرن الثالث عشر الهجرى فاستقرت القواعد الفقهية تمام الاستقرار، وذلك على يد اللجنة التى شكلتها الخلافة العثمانية لوضع مجلة الأحكام العدلية "ولا بد من الاعتراف بأن الواضعين للمجلة أحسنوا فى انتقاء- القواعد- واختيارها، ثم فى تنسيقها تنسيقا قانونيا رائعا فى أوجز العبارات، حتى اشتهر ذكر القواعد، وذاع أمرها عن طريق المجلة، وارتفعت مكانتها حيث شرحت مع شروح المجلة المشهورة، وأصبح لها صدى فى كافة المجالات الفقهية والقانونية"( ).
هذا أهم ما يعنينا فى الدراسة التاريخية، فغايتنا الأولى رد الفروع إلى الأصول، ونسبة الفضل إلى أهله، والتأكيد على اتصال حلقات المعرفة، واستجابة الفقه للمصالح والظروف الاجتماعية المختلفة، وذلك بهدف الرد عمليا على كل ما يثار حول الفقه- مادة ونشاطا- من اتهامات وشكوك.
ولنا فى الفصل الأخير من الباب الثالث كلام موجز حول أهم القواعد فى الفقه الإسلامى .
وختاما فإننى أتمثل فى تقدير دور فقهاء التقليد( ) هذا الدفاع الصادق الذى صاغه أستاذنا الدكتور محمد أحمد سراج( ) بقوله:
"وقد ضبط الفقهاء فى هذه المرحلة نظرية الضرورة، والحاجة، وتفسير النصوص، والعرف، والدفاع الشرعي، المعبر عنه فى الفقه الإسلامى بدفع الصائل، والتعسف فى استعمال الحقوق، والخصوصية، والمصالح، والعقد، والمال، والملك، وما إلى ذلك مما يعبر بوضوح عن طبيعة عمل فقهاء هذه الفترة، ويبعد بهم عما وسموا به من ضعف التفكير، والجمود، أو الانحطاط العقلى، طبقا لهذه الأوصاف التى جادت بها بعض القرائح.
ألا يكفى هؤلاء الفقهاء فخرا أن يصوغوا هذه النظريات الحقيقية وغيرها صياغة على قدر بالغ الوضوح والدقة، فيما تكشف عنه هذه القواعد التى سبقت الإشارة إليها ؟
لا أشك فى أن الإجابة بالإيجاب إذا أدركنا حالة التفكير القانونى السائدة فى العالم آنذاك".





الفصل السادس
شيوع روح التقليد وسببه
المبحث الأول
الرواية النمطية
من العلماء من يؤرخ للدور الخامس من أدوار التشريع الإسلامى بالفترة من منتصف القرن الرابع وحتى سقوط بغداد سنة 656 هـ ، ومنهم من يؤرخ لهذا الدور بمنتصف القرن الرابع الهجرى حتى أواخر القرن الثالث عشر. مقسما هذا الدور إلى مرحلتين ، تنتهى أولاهما بسقوط بغداد والثانية من سقوط بغداد حتى أواخر القرن الثالث عشر.
وسواء كانت الفترة من سقوط بغداد وحتى أواخر القرن الثالث عشر تمثل دورا مستقلا ، أو مرحلة جديدة من مراحل الدور الخامس فإنها تمثل أضعف مراحل الفقه الإسلامى فى رأى المؤرخين.
ويرجع المؤرخون هذا الضعف الشديد إلى أن تلك المرحلة قد شهدت أسوأ الاضطرابات السياسية ، فقد اضطربت الدولة من الداخل بتفرق الحكام وتناحرهم على السلطة ، واضطربت من الخارج بهجوم التتار واستيلائهم على كثير من البلاد الإسلامية حتى نجحوا فى إسقاط بغداد والقضاء على دولة الخلافة.
ولا شك أن سقوط الدولة يؤثر بالسلب على حركة العلوم والفنون ومن بينها الفقه.
فعلى الرغم من وجود علماء أفذاذ أمثال الكمال بن الهمام والشيخ خليل المالكى وتاج الدين السبكى وابن حجر العسقلانى وجلال الدين السيوطى، وغيرهم، إلا أن حالة الفقه ساءت عن المرحلة التى سبقت ذلك فقد خلت من مجتهد مطلق ، أو مجتهد فى مذهب إمامه باستثناء قلة عدوا من المجددين أمثال ابن تيمية وابن قيم الجوزية.
ويرجع المؤرخون ذلك إلى :
1- انصراف همة العلماء إلى التأليف الذى تميز إما بالاختصار الذى سمى متونا، وقد بالغ فيه بعضهم حتى وصل إلى حد الألغاز ، أو بشروح هذه المتون أو التحشية عليها ، أو التعليق عليها ، وهى طريقة عقيمة وصعبة لا تعين طالب فهم.
2- انشغالهم بدراسة هذه المؤلفات رغم صعوبتها وقلة فائدتها.
3- انقطاع الصلة بين علماء الأمصار المختلفة وأخذ العلوم من الكتب دون التلقى مشافهة.
4- كثرة التأليف والتصانيف واختلاف الاصطلاحات فى التعليم وتعدد طرقها ثم مطالبة المتعلم باستحضارها ، وهى عملية بالغة التعقيد.
وقد ساعد على هذا النكوص العلمى شيوع التقليد للأسباب الآتية :
1- الدعاية القوية التى أحاط بها أنصار المذاهب المختلفة مذاهبهم مما جعلها تحتل فى نفوس الناس مكانة جعلتهم يعتقدون أن من خالفها مبتدعا.
2- وجود بعض أتباع المذاهب فى مناصب سياسية ، أو اتصالهم بالحكام والوزراء ساهم فى انتشار المذاهب وتأييدها بشتى الطرق ، كجعلهم المذهب الفلانى مثلا هو الواجب التطبيق فى القضاء ، أو المعين للدراسة فى المدارس.
فمن خرج من العلماء عن مذهب الدولة حرم القضاء والإفتاء والتدريس، ولم يكن له من أرزاق الدولة نصيب.
3- ضعف الثقة بالقضاة مما استدعى أن يطلب أهل كل قطر أن يكون قاضيهم من أهل المذهب الذى يعتنقونه يتبع ذلك المذهب ولا يحيد عنه.
4- تدوين المذاهب ، وأخذ الناس بها واستغناؤهم عن كلفة البحث والتنقيب.
5- تحاسد العلماء وتخوف الجادين منهم أن يظهروا بمظهر الاجتهاد فيكاد لهم ويضطهدوا ويرموا بالابتداع فيلحقهم سخط الناس وربما الفتك بهم.
6- تهافت علماء هذا العصر على الفتوى.
7- فساد نظام التعليم وتوسع العلماء فى الاشتغال بما لا يعنيهم.
لكل هذا شاع التقليد وانتشر وكان له أكبر الأثر فى حالة الضعف الشديدة التى آل إليها الفقه الإسلامى ، بينما شهدت هذه المرحلة نهضة الفكر القانونى الوضعى فى الغرب مما أغرى كثيرا من حكام الشرق الإسلامى أن يستعيضوا عن الفقه الإسلامى بالقوانين الوضعية الغربية تقليدا للمستعمر ، وهروبا من هذا الواقع الضعيف...



المبحث الثانى
عصر التقليد ليس كما يقال عنه
لست أخالف أساتذتى أن روح التقليد غلبت على الحركة الفقهية وأنها وجدت لها دعاية قوية بلغت حد القول "إن اللا مذهبية قنطرة اللا دينية"( ) وعلى ضوء واقعنا فإننى أصدق تأثير الواقع السياسى على النشاط الفكرى، كما أصدق- فى ضوء الواقع أيضا- ولع العامة بالمألوف وانسياقهم خلف المحرضين على الخارجين عليه، وإن كان خروجهم مشروعا ويتوخى مصالح الأمة الحقيقية.
ولست أخفى الشكوى الشخصية من بعض مؤلفات هذا العصر، غير أنها وإن كانت صعبة إلا أن متونها تمرن على صياغة التقنينات، وتختصر الطريق، الراجح أو الصحيح، وشروحها تحفظ الآراء المرجوحة من الضياع والاندراس( ).
أما نظام التعليم فلا أعى كنُهَ فساده، ويترجح فى نفسى أنه لو كان كذلك لما كان لرواد التجديد- لا التغريب- وكلهم أوجلهم من خريجى التعليم الإسلامى- وجود، ولما كان هذا النظام مثلا تحتذيه أوربا فى الخروج من نفق العصور المظلمة( ).
والشىء اللافت للانتباه أن يحرص متهمو العصرين المملوكى والعثمانى على إشاعة رواية الأستاذ على مبارك [1823 – 1893م] أن "المدارس أهملت – فى العصر العثمانى – وامتدت أيدى الأطماع إلى أو قافها، وتصرف فيها النظار على خلاف شروط وقفها، وامتنع الصرف على المدرسين والطلبة والخدمة فأخذوا فى مفارقتها، وصار ذلك يزيد فى كل سنة عما قبلها، لكثرة الاضطرابات الحاصلة فى البلاد، حتى انقطع التدريس فيها بالكلية"( ) مع إغفال تاريخ هذا الحدث المشين، حتى ليبدو وكأنه طابع العصر، بيد أن روايات أخرى أنسب إلى تاريخ الدولة العثمانية ودورها فى حمل راية الإسلام تؤكد على أن "سلاطين آل عثمان اقتدوا فى إنشاء المدارس بسلاطين المماليك وأشهرها المدارس الثمانى التى أنشأها سليمان القانونى. وقد بلغ عدد المدارس فى منتصف القرن التاسع الهجرى – فى أخريات العصر المملوكى – فى مصر وحدها سبعين مدرسة "ويقال نحو ذلك فى الأصقاع الأخرى"( ) وجميعها تمثل "الامتداد المادى والفكرى للأزهر، يدرس فيها شيوخه ويتخرج منها العلماء على منهجه"( ).
والمنهج الأزهرى وإن افتقر إلى العناية ببعض العلوم – غير التشريعية – فلعل علة ذلك ضيق حال غالبية أهله، "وهذه العلوم تحتاج إلى لوازم وشروط وآلات وصناعات"( ) لا يقدرون عليها لفقرهم.
ويصدق ذلك أن مدرسة الطب التى أنشئت سنة 1828م اختير لها بمعرفة الحكومة وبمشورة كلوت بك – الذى أوكلت إليه إدارة المدرسة – مائة تلميذ من طلبة الأزهر، تفوق منهم – على أقرانهم – عشرون، أبقى ثمانية منهم فى المدرسة فى وظيفة معيدين للدروس، وأرسل الاثنا عشر الباقون إلى باريس لإتقان علومهم وإتمامهم، فلما عادوا عينوا أساتذة فى المدرسة، وهم الذين تألفت منهم البعثة العلمية الرابعة( ).
وإذا عولنا على علوم العربية والفقه بحسبانها الأشد التصاقا بالشخصية والهوية والتشريع فإن "الجمود" على القديم، والاعتصام به، كان موقفا لا يخلو من الوجاهة، ولا تنعدم منه الإيجابيات، وقد عطل – مرحليا – طوفان التغريب( ).
ولا أدرى كيف يكون على رأس مشيخة الأزهر رجل متضلع فى الأدب وفنونه، حظه من العلوم العصرية والجغرافيا وفير كالشيخ حسن العطار، ويتربى على يديه، وينهل من فيض علمه رفاعة الطهطاوى، ثم تتقبل دون مراجعة رواية الجبرتى عن علماء الأزهر فى مطلع حكم محمد على"أنهم افتتنوا بالدنيا، وهجروا المسائل، ومدارسه العلم إلا بمقدار حفظ الناموس مع ترك العمل بالكلية"( ) ولا تستوقف الراوى هذه المفارقة، بل تلك اللفظة الغربية عن الاصطلاح الإسلامى، أعنى لفظة "الناموس"؟!
ولئن سلمنا بعجز المؤسسة التعليمية الفقهية عن تأهيل الكوادر، ووضع الحلول القادرة على بناء اجتماعى فاعل، فكيف نستسيغ حرص مسيو "جو مار" [1777- 1862م] – رجل فرنسا فى بلاط محمد على الكبير – على أن تكون بعثة تلقى علم الحقوق من طلبة الأزهر، وتتعلم تحت رقابته؟!!( ) وذلك فى العام 1847م، أى بعد خمس وثلاثين سنة من ابتداء البعثات العلمية التى أوفدها محمد على، بل كيف نستسيغ أن يكون عبقرى هذه البعثات هو الشيخ النابغة رفاعة رافع الطهطاوى، وأن يكون محل رعاية خاصة من مسيو "جو مار" والمستشرق الشهير "البارون دى ساسى" وأن تشهد تعليقاته على الدستور، وأصول الحقوق الطبيعية والفلسفة اليونانية والسياسية على فهم عميق للعلوم الإسلامية، وإن أضاع ثمرة هذا الفهم- فى رأينا- بالانتصار لثقافة التغريب؟!
ألا توحى هذه الوقائع اليقينية بزيف دعوى فساد نظام التعليم الأزهرى، وعجز علمائه وطلابه عن تحقيق أمانى وتطلعات أمتهم؟
وألا تدل على حرص محمد على – وبلاطه الفرنسى – على ضرب هذا النظام فى مقتل بسبه، وتضييق الخناق عليه، وامتصاص أطايب رحيقه لتوظيفهم فى جبهة التغريب؟
يقول بيتر جران صاحب كتاب الجذور الإسلامية للرأسمالية "إن الفكر العلمى الذى أنتجه شيوخ الأزهر المصريون لم يشرع فى التبلور إلا منذ منتصف القرن الثامن عشر حتى أجهضته التحولات الكبرى فى عصر إسماعيل….وأن الحملة الاستعمارية التى قادها نابليون هى التى أجهضت التصور الاقتصادى الفكرى الحقيقى والأصيل والقومى فى مصر، ومهدت السبيل إلى غرس فكرة استيراد واستعارة نماذج الثقافة والتحضر ومناهجها الغربية……ويقرر أن مصادر هذا الفكر لا توجد إلا فى الكتب والمخطوطات المصرية الموجودة فى مكتبة الأزهر ودار الكتب، والتى ظل الدارسون المحدثون يصرفون النظر عنها منذ عصر محمد على( ).
وأخيرا فإن الغفلة عن المفكرين العلميين قد تكون مبررة إثر دفن التصور الاقتصادى العلمى وإقصاء رواده، ولكن كيف يبرر السهو عن قيمة ومكانة أمثال الدهلوى، والشربينى، والزبيدى والصنعانى، وابن عابدين، والشوكانى والسنوسى، وهم أجل من أن يخطئهم بصر باحث فى الوعى الإسلامى؟ ناهيك عن غيرهم من العلماء – غير بنى الأزهر – أمثال محمد بن عبد الوهاب، وعبد الحميد بن باديس. وهما رواد فكر، وقادة تحول.
تخصيص القضاء :
يبقى تخصيص القضاء بمذهب معين، وهو وإن كان ضارا بالنشاط الفكرى، إلا أنه من دواعى الاستقرار وانتظام الأحكام، على أن الدعوة إلى تخصيص القضاء قديمة، ولعلها ترجع إلى ما قبل رسالة عبد الله بن المقفع إلى أبى جعفر المنصور الخليفة العباسى، والمعروفة باسم "رسالة الصحابة"( ) ففى عهود التولية الصادرة من الخلفاء الراشدين ما يومئ إلى شئ من التقييد.
وعلى كل حال فإنه أنفى للتهمة وأرضى للخصوم وإن كانت أحكام الشرع لا توجبه فالسياسة تقتضيه( ) .
وأميل إلى أن القضاء كان مقيدا فعلا- بمراعاة مؤهلات القضاة ومناهجهم- وإن لم يبرز النص على ذلك فى عهود الولاية( ) ومع ذلك لم يمنع تقييد التصرف القضائى من الاجتهاد الفقهى فى عصور الاجتهاد المطلق والمذهبى.
ومن جانب آخر هل من دليل مقنع على اهتزاز القضاء المخصص، أو عجز عن فض الخصومات، وأداء الحقوق إلى أصحابها؟
اللهم لا، إلا روايات من هنا وهناك تتعلق بقاض بعينه، أو خصومة بعينها، وذاك فقر لم يبرأ منه مجتمع أبدا، أما عموم النظام القضائى فلدينا شهادات تؤكد أنه فى عهد المماليك كان "ممتازا"( ) ويشهد مكسيم رودنسون: أن "النظم العثمانية السياسية والإدارية والعسكرية كانت موضوعا للتأملات النظرية المنطوية على الإعجاب بكفايتها فى نواح عديدة"( ).
والتهمة الشائعة عن القضاء فى العصر العثمانى هى "عثمنة" القضاء، وهى على التحقيق تهمة لا تخلو من عصبية، ولا تعنى أكثر من أن أشخاص القائمين على إدارة القضاء هم من الأتراك العثمانيين، أما القضاء ذاته فقد كان شرعيا ولم يلتزم طوال تلك الفترة بغير أحكام الشريعة الإسلامية ( ) وإن كان من الباحثين من يقرر أنه منذ الربع الأخير من القرن السادس عشر أصبحت أسماء القضاة التى توجد على الصفحات الأولى من سجلات هذه المحاكم كلها أسماء مصرية ومن بين علماء الأزهر الشريف عدا اسم قاضى العسكر وبعض نوابه والذين تذكر أسماؤهم فى سجلات الديوان العالى ومحكمة الباب العالى( ).
كما قام النظام القضائى العثمانى على تيسير سبل التقاضى على المواطنين، فقسم القطر المصرى – مثلا – إلى ست وثلاثين ولاية قضائية تقوم على رأسها محكمة الباب العالى فى القاهرة، وإلى جانبها توجد اثنتا عشرة محكمة فى أخطاط – أحياء – القاهرة المختلفة، كما روعى أن تتبع محاكم الولايات محاكم أخرى تسمى محاكم النواحى يتوقف عددها على مساحة إقليم الولاية القضائية، وقد كانت هذه المحاكم ذات اختصاص عام بنظر كل ما يرفع إليها، فضلا عن محكمتين تمارسان اختصاصا نوعيا وهما: محكمة القسمة العسكرية ومحكمة القسمة العربية.
ولم ينتقص الاختصاص القضائى إلا بتمكن الحملة الفرنسية من مصر، ومن بعدها بنفوذ محمد على وخلفائه. فألغيت محاكم الأخطاط وقللت محاكم النواحى، وانتزعت من المحاكم بعض الاختصاصات القضائية وأوكلت إلى بعض الجهات الإدارية، كديوان الوالى [1805م] والمجلس العالى الملكى 1824م ، والدواوين التى أنشئت بمقتضى قانون السياسة نامة، 1838 م ، وجمعية الحقانية 1842م. التى قامت منذ إنشائها بإصدار العديد من القواعد العقابية التى شكلت الجانب الأكبر من مواد قانون المنتخبات الذى استوحى بعض مواده من القانون الفرنسى( ).
وقد نص محمد على فى الأمر الصادر بإنشاء جمعية الحقانية على أنه "……وحيث إن الأوربيين هم رجال قد دبروا أشغالهم ووجدوا السهولة لكل مصلحة، ونحن مجبورون على الإقتداء بهم……( ).
ولا يغيبن عن ناظر فى قانون المنتخبات أنه أسرف فى التجريم، وأمعن فى قسوة العقاب، وفرط فى احترام مبدأ المسئولية الشخصية، والمساواة أمام القانون، وفى مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وبالجملة فإن "جمعية الحقانية كانت تختص بالمسائل الجنائية والمدنية والعسكرية دون تقيد بأحكام الشريعة الإسلامية"( ).
وإذا كان محمد على قد بعد عن التشريع الإسلامى خطوات فإن خلفاءه( ) زادوها إلى أميال، وقد تم ذلك وفق خطة متدرجة محكمة، تتراوح بين إقصاء الفقه والقضاء الشرعى من جهة، وتأهيل الحقوقيين وفق الأصول الفرنسية من جهة أخرى، ولم يكن عجبا أن تعنى مدرسة الألسن التى أنشئت سنة 1836 بتدريس الشرائع الأجنبية، وأن يكون من بين بعثة 1826 – وعدد أفرادها الذين أتموا دراستهم تسعة وثلاثين مبعوثا، أربعة لدراسة الإدارة الملكية والحقوق، واثنان لدراسة العلوم السياسية. بينما خصص لدراسة الهندسة الحربية ثلاثة، وللطب والجراحة اثنان، ولهندسة الرى واحد وللزراعة اثنان، ولصنع الأسلحة وصب المدافع اثنان وللكيمياء أربعة. وفى العام 1847 ترسل البعثة السابعة مؤلفة من خمسة من طلبة الأزهر لتعلم الحقوق والوكالة فى الدعاوى( ).
وفى عصر سعيد غلبت الفوضى على القضاء بعد أن ضمت مجالس الأحكام التى تحولت إليها جمعية الحقانية عام 1849- فى عهد عباس – "عناصر بعدت تماما عن الصفات المطلوبة فى القضاة"( ) كما توسع فى القضاء المختلط.
أما إسماعيل [1863 –1879] فقد أنشأ فور توليه "ديوان الحقانية" وكون سلطة تشريعية اعتمد فيها على التشريع الفرنسى( )، واستعاض سنة1868 م عن مدرسة الألسن بمدرسة "الإدارة والألسن" والتى سميت 1886 م "مدرسة الحقوق" وكان أول ناظر لها هو المسيو فيدال باشا أحد علماء فرنسا المشترعين ، وبقى يتولى نظارتها أربعا وعشرين سنة( ).
وينما يجمع المؤرخون على أن إسماعيل كان مولعا إلى حد الزراية بعلاقاته مع فرنسا، لا يخيب لرجالها رجاء، وإن على حساب مصلحة الوطن( )، فإن الدكتور محمد عمارة ليقبل دون تردد دعوى أن الذى ألجا إسماعيل إلى استيراد القوانين الغربية أن "أركان المؤسسة الدينية – حسب تعبيره – لم يستجيبوا لرغبة الدولة فى تطوير فقه المعاملات لتتمكن المؤسسة القانونية من الفصل فى المعاملات التى استجدت، بل لقد اعتبروا - حسب قوله – أن ذلك مما لا يحل ولا يجوز"( ) .
ولم يبين لنا الدكتور عمارة ماهية هذه المعاملات المستجدة لنقدر تمنع الشيوخ، إن كان الخديوى قد طلب منهم شيئا بالفعل، وإن كنا نرى فى هذه الحكاية – فى ضوء شخصية الخديوى – مزحة من ريح إبريل.
حقيقة ومقصد التهمة بضعف الفقه :
الحق أن كل سبب للتدليل على جمود الفقه الإسلامى لا يصفو من الكدر، ومع عظيم احترامى لكل من قبلوا بهذه الأسباب، وعللوا التحول التشريعى، الذى سلخ الأمة من دينها بناء على ما ظنوه دافعا سائغا، فإنى لأتساءل:
ماذا قدمت النهضة الفقهية الحديثة زيادة على فقه المجتهدين الذين تبعهم المقلدون كل هذا التاريخ؟
وهل استطاع مجددو القرن الرابع عشر الهجرى وما بعده أن يغفلوا مؤلفات المقلدين؟ عموم المقلدين، ولا أقول أفذاذ عصور التقليد؟
لقد غيرنا أسلوب الكتابة، ونحينا المذهبية جانبا، فهل قفزنا حقا بالفقه الإسلامى؟
لقد صنعنا نظريات فقهية فهل جاوزنا صنائع المقلدين؟
وقد طفح عصرنا بالمتغيرات فهل استطاع أقوياء الدين، وكاملو المعرفة والعقل( ) أن يضعوا أصولا جديدة للاستنباط؟
أم أننا لم نزل نرعى الموروث، وننتقى من آراء المتقدمين؟
ولا شك أننا لا نستطيع أن نزعم أن الفقه الانتقائى- المقارن- من وضعنا، فقد سبقنا إليه المقلدون منذ قرون، ومنهم كثيرون تحرروا من المذهبية، وتحكيم الرجال، وتحروا فى الانتقاء والترجيح ما قوى دليله وسلمت حجته.
لقد جمد المقلدون على المنقول سدا لذريعة ادعاء الاجتهاد من غير أهله، فيفترى على الله الكذب، ويتشتت الشمل، ويتفرق الجمع وتتمزق الوحدة، فهم معذورون فيما فعلوا، ولا شك أنهم غالوا فى ذلك، ولكنه لم يكن أبدا الغلو الذى وقف بالفقه عن مسايرة حياة الناس، وأبلغ دليل على ذلك أن أشدهم جمودا- كالأحناف- كانوا شديدى الانشغال بالحيل والبحث عن المخارج، لا ريب أن هذا ليس هو الطريق السوى، ولكنه مظهر صادق على العناية بتوظيف الفقه فى مسايرة الواقع.
والبديل العصرى- فى مستهل عصر النهضة- منه ما غالى فى رد كل موروث اجتهادى، وإن كان قولا لصحابى – كما فعل الشوكانى. ومنه ما تبنى النظرية التوفيقية بين الثقافات- كما فعل الأستاذ الشيخ محمد عبده- "ومن أهم ما ترمى إليه هذه النظرية هو استخدام نصوص الشريعة فى تبرير أنماط الغرب الفكرية، وهو أشر من تقليد هذه الأنماط تقليدا أعمى، لأن الناس يمكن أن يعيشوا على أمل التخلص من الدخيل إذا قامت فيهم حركة أصيلة للإحياء، أما فى الحالة الأولى، وهى حالة اندماج وتفاعل فإن إدراك الحدود بين الأصيل والدخيل تدق وتخفى حتى تكاد تستحيل"( ).
وفى الحالات التى اختبرتها وجدت أن من رواد النظريات الفقهية- وأقول الرواد- من بحث تحت تأثير النظرية التوفيقية فانتهى إلى عكس ما تقتضيه الأدلة، وتؤمى إليه المقاصد الحقيقية، ولو دقق فيما تشبث به المقلدون لوجده هو الحق والعدل( ).
ومع الحرص البارز على فقه المقاصد فى عصرنا- وهو من تنبيه الأولين وضبط المقلدين- فإن من مشايخنا من خرج به فى بعض فتواه عن إطاره، كفتوى بعضهم فى فوائد البنوك، وقد غفلوا- هم أنفسهم - عنه تماما فى مواضع يجب حفظه فيها، كتوثيق عقود الزواج، والانتفاع بأعضاء الآدمى الحى.
وأخيرا فإن أسباب المعرفة فى زماننا أوسع منها فى أى زمن مضى، فالسنن قد جمعت وضبطت، والمطابع تقذف كل يوم بالأطنان من صنوف المعرفة الفكرية، لا سيما الإسلامية، والكتاب الإسلامى هو الأكثر رواجا وتوزيعا فى القراء، وقد قامت عدة من المجامع الفقهية، ولا تخلو ساعة من منتدى فكرى أو حديث دينى، ووسائل الاتصال جعلت العالم قرية صغيرة، يتناجى سكانها لا يتصايحون، ولا ريب أن كتاباتنا أيسر لفظا، وأضبط ترتيبا وتصنيفا وأحكم صنعة، وقد انعتقنا- بفضل الله وفى الإطار السوى- من ربقة المذهبية، وقطعنا الشوط الأعظم فى جمع المتفرقات وبناء النظريات، وقننا الأحكام فى نصوص قانونية يسهل جداً الرجوع إليها .
فهل عدنا بالفقه إلى ساحات المحاكم عدا دوائر الأحوال الشخصية؟
وهل حكم الفقه حضارتنا المعاصرة فى أكثر جوانبها تخطيطا وإعدادا وثقافة وتنفيذا، ومجابهة لحضارات الآخرين؟
اللهم لا إلا نادرا.
والسؤال: لم، والعلماء كثر، والنوايا صادقة، والمادة ميسورة؟
والجواب: إنها دواعى السياسة، وسطوة النخبة، التى تنعت حركة الإحياء بالرجعية والتخلف، وتتخذ من بعض الصور الشاذة وبعض الخلافات السياسية وسيلة للطعن فى الحركة بأسرها، بينما تمجد التبعية والاستغراب وتخلع علي ذلك أوصاف الحداثة والتقدم والتحضر.
وهذا هو ما كان لنبذ فقه التقليد عن أن يكون حاكما تشريعيا وحضاريا، ففى سبيل إبعاده عن الحياة وإحلال الغريب والمستورد محله رمى بكل سوءة، وقذف بكل ذميم، لتتهيأ الساحة للبديل، لاعن حسن فيه، ولاعن جهل بقدرة الموروث على الوفاء بالحاجة متى حرر من تحكيم الرجال، ولكن عن رغبة عنه وكفى، أما السبب فلأنه مظهر العدو الذى يراد القضاء عليه.
يقول أستاذنا الدكتور يوسف قاسم:
"إن أعداء الإسلام ركزوا فى خطتهم الهدامة على مصر، مصر التى تحطمت على صخرتها أعتى الهجمات البربرية على الأمة الإسلامية، وعلى الحضارة الإنسانية كلها- يعنى هجمة التتر المغول- فكان النصر المؤزر على أيدى أبناء مصر المؤمنين الشجعان.
راجع العدو خطته ورسمها من وجهة أخرى، تختلف عن تلك التى كانت من قبل، فأراد أن يصل إلى هدفه بطريق غير الطريق العسكرى، يتمثل فى الدهاء والكيد للإسلام والمسلمين.
ولعل اختيار محمد على واليا على مصر يخفى وراءه شيئا من تلك الخطة التى فشلت الجيوش الحربية فى الوصول إليها.
فما إن تولى هذا الرجل حكم مصر حتى بدأت القاعدة الشرعية تهتز شيئا فشيئا – على الرغم من أن الشريعة الإسلامية هى الواجبة التطبيق فى ذلك الحين- ثم فى عهد إسماعيل أحاطت الديون بمصر من كل جانب نتيجة الإسراف والبذخ فيما لا ينفع ولا يفيد.
وترتب على كثرة الديون وجود عدد هائل من الأجانب فى الأراضى المصرية، وتبع ذلك ظهور فكرة تفضيل الأجانب الدخلاء على المصريين بالقوانين المختلطة…….وهذه القوانين هى صورة تكاد تكون طبق الأصل من مجموعة نابليون الفرنسية.
ولا ندرى : لماذا اختيرت سنة 1875م بالذات لاستصدار القوانين المختلطة؟ هل لأن والى مصر فى ذلك الحين كان يعلم أن الدولة العثمانية بصدد استصدار قانون مدنى مستمد من الشريعة الإسلامية، وأن هذا القانون تم إعداده ومراجعته وهو الآن فى طريقه ليكون واجب التطبيق، فأراد هذا الوالى أن يقطع خط الرجعة ويتخذ لنفسه مندوحة للابتعاد عن أحكام الإسلام؟
لا ندرى ، ولا نستطيع أن نجزم بشئ فى هذا الصدد، ولكن هذا الاحتمال وارد( ) من غير شك.
وفى السنة التالية مباشرة 1876م صدرت مجلة الأحكام العدلية، ولكن القائمين على شئون مصر فى ذلك الحين لم يرتضوا تطبيق هذه المجلة بحجة أن مصر تتمتع بالاستقلال التشريعى.
ولكن هذه الحجة واهية ولعلها تخفى وراءها أمرا، وقد كان، ففى سنة 1883 صدرت القوانين الأهلية لتحكم المنازعات بين المصريين، فخرجت مصر بذلك عن نظامها الإسلامى الذى ظلت تحكم به ثلاثة عشر قرنا، وصارت من ذلك الحين تحكم بغير ما أنزل الله، باستثناء ذلك النطاق المحدود المسمى بالأحوال الشخصية ولو كان القائمون على الأمر صادقين فى حجتهم لأخذوا بهذا الجهد الصادق الذى قام به الأستاذ الفقيه محمد قدرى باشا فى هذه الفترة بالذات حيث وضع كتابه الشهير "مرشد الحيران فى معرفة أحوال الإنسان" فى أحكام المعاملات، وقد صاغه صياغة دقيقة مرتبة فى شكل مواد تصل إلى 941 مادة كلها مأخوذة من الفقه الحنفى، وقد استرشد فيها بمجلة الأحكام العدلية. ولكنهم لم يريدوا لمصر إلا أن تخرج خروجا يكاد يكون كليا عن نظامها القانونى المستمد من الشريعة الإسلامية"( ).
وفى سبيل العودة إلى النظام القانونى المستمد من الشريعة الإسلامية خطت مصر- الحكومة – خطوة عملية بالنص الدستورى – بعد التعديل فى 30/4/1980م- على أن "مبادىء الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع"( ) وشكلت اللجان وصيغت النصوص، ولكن أكثرها لم يزل حبيس الأدراج، لعلل أخرى باهتة، والأمل أن يطرد الطعن على النصوص بعدم الدستورية، وأن تتجرأ المحكمة الدستورية العليا على مراجعة حكمها بأن التعديل الدستورى قصد به مخاطبة سلطات التقنين( )، وأنه لا يسرى – كما تقول المحكمة - إلا على القوانين التى صدرت بعد نفاذه( )، فتسقط القوانين المخالفة، والأولى قطعا أن تصدر القوانين الشرعية جملة بالطريق المعهود. والله الموفق.

حمزة الكتاني
27-12-06, 06:21 PM
الفكرة التي أريد تقديمها هي التالي: أن الاجتهاد لم ينقطع قط في تاريخ الإسلام، إنما أسلوب الاجتهاد..

أما الظن بأن الاجتهاد انقطع والفقه جمد، فإنما هو عائد للقفزة الحضارية الشاهقة التي مر بها العالم، لا إلى الفقه نفسه، أما الفقه فهو متطور مع الزمان والمكان بحسبه، فإذا ركدت الحضارة ظهر كأنه راكد، وإذا تحركت تحرك معها، لأن الفقه هو البحث في الأحكام الشرعية المستمدة من المصادر التشريعية للحكم على المستجدات الوقتية...

أحمد محمد أحمد بخيت
27-12-06, 09:57 PM
حبذا لو تفضلت شيخنا الفاضل بشرح هذه الرؤية وإسنادها بحجة ودليل فهى فى رأيى تفيد كثيرا فى الدفع فى وجه أولئك الذين يقصدون إلى إشاعة روح الهزيمة بين المسلمين . بارك الله فيك .

حمزة الكتاني
28-12-06, 04:40 AM
شرحها هو المقال أعلاه، والتفصيل والتوضيح يظهر جليا بقراءة كتب المتأخرين، خاصة كتب النوازل التي كلها اجتهادات، وحلول لمشاكل وقتية لم تكن لدى من سبق...

والتمثيل لذلك، يحتاج لمصنف كبير...فقد رسمنا الخطة لمن أراد مزيد بحث..

وأنا أرى بأن القول بانقطاع الاجتهاد بمعناه الشرعي دعوى استشراقية الهدف منها توهين عقول السادة العلماء والتقليل من شأنهم...على أنهم في ديننا ورثة الأنبياء ومداد الدين، كثر الله جمعهم ورزقنا رضاهم بمنه وكرمه...

صخر
02-02-07, 04:29 AM
أما الفقه فهو متطور مع الزمان والمكان بحسبه، ...

كيف ذاك شيخنا الحبيب؟

حمزة الكتاني
07-02-07, 07:50 PM
المسألة واضحة لا تحتاج لشرح، فإنه كما قال مالك رحمه الله: "يحدث للناس من الأقضية في دينهم مقدار ما أحدثوه من الفجور"...

ذاك بمعنى، وبمعنى آخر، قد شرحناه في صلب المقال، فيمكن الرجوع إليه...

أبو زكريا الشافعي
07-02-07, 08:36 PM
وفى سبيل العودة إلى النظام القانونى المستمد من الشريعة الإسلامية خطت مصر- الحكومة – خطوة عملية بالنص الدستورى – بعد التعديل فى 30/4/1980م- على أن "مبادىء الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع"( ) وشكلت اللجان وصيغت النصوص، ولكن أكثرها لم يزل حبيس الأدراج، لعلل أخرى باهتة، والأمل أن يطرد الطعن على النصوص بعدم الدستورية، وأن تتجرأ المحكمة الدستورية العليا على مراجعة حكمها بأن التعديل الدستورى قصد به مخاطبة سلطات التقنين( )، وأنه لا يسرى – كما تقول المحكمة - إلا على القوانين التى صدرت بعد نفاذه( )، فتسقط القوانين المخالفة، والأولى قطعا أن تصدر القوانين الشرعية جملة بالطريق المعهود. والله الموفق.


الرئيسى

أنظر لخبثهم، الرئيسي لا الأوحد. أي وفقا للدستور يجوز وجود مصادر أخرى غير رئيسية

قبحهم الله

صخر
09-02-07, 04:11 AM
وإن تعجب فعجب جعلهم الشريعة مصدرا متأخرا من مصادر القانون الدستوري قبل العرف وقرارات المحاكم
فإلى الله المشتكى.