المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة حديث الجهنميين..عبد الرحيم بن صمايل السلمي


ابن فهيد
16-03-03, 12:24 AM
دراسات علمية

دراسة حديث الجهنميين

عبد الرحيم بن صمايل السلمي
26/12/1423
27/02/2003


المقـدمـــة :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فإنَّ حديث الشفاعة الطويل من الأحاديث المهمة في العقيدة ؛ لأنه يشتمل على مسائل كثيرة في باب الرؤية والشفاعة وصفة الجنة والنار والإيمان واليوم الآخر والصفات والوعد والوعيد وغيرها من المسائل .
ويوجد في هذا الحديث الطويل روايات مشكلة اختلفت فيها الآراء وتعددت فيها الأقوال.
وحديث الجهنميين هو جزء من حديث الشفاعة الطويل وهو الفقرة التي ذُكر فيها خروج عصاة الموحدين من النار فهم آخر هؤلاء العصاة الخارجين من النار وقد ورد في وصفهم مجموعة روايات تصفهم بأنهم يقولون لا إله إلا الله ويتركون الشرك ويعرفون بأثر السجود يعني من أهل الصلاة ووردت رواية صارت موضوع إشكال عند العلماء واختلفوا في المراد بها وهي قوله " لم يعملوا خيراً قط " فإن الظاهر الصرف من هذه الرواية وحدها يقتضي أنهم ليسوا من المسلمين مما يدل على مناقضة الروايات التي تصفهم بما تقدم .
ولهذا تعددت التصورات في حقيقة هؤلاء : هل هم لم يعملوا أي عملٍ من أعمال الإسلام أبداً ؟ أم عملوا عملاً قليلاً ناقصاً أمكن وصفهم بأنهم لم يعملوا عملاً كاملاً قط؟
وقبل ذلك : ما هو حال هذه الرواية من حيث الصحة والضعف ؟ ولأن هذه المسألة تتعلق بأصل الإيمان المنجي وحده الأدنى كان لابد من معرفة القول الحق في هذه الرواية المشكلة في الحديث . فالمعني بالدراسة في هذا البحث هو حديث الجهنميين من حيث تخريجه ومعانيه اللغوية وتوجيه الرواية المشكلة فيه .
وقسمتُ هذا البحث إلى ثلاث مباحث :
المبحث الأول : تخريج حديث الجهنميين .
المبحث الثاني : المعاني اللغوية في الحديث .
المبحث الثالث : بيان معنى قوله " لم يعملوا خيراً قط " والرد على المرجئة .
أسأل الله تعالى التوفيق والسداد والإخلاص في العلم والعمل
المبحث الأول : تخريج حديث الجهنميين
المطلب الأول : التخريج العام لحديث الجهنميين :
روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه :
أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ! هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل تُضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ قالوا : لا يا رسول الله قال : هل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله قال : " فإنكم ترونه كذلك ..." ثم ساق حديثاً طويلاً وفيه ذكر الجهنميين في قوله صلى الله عليه وسلم : " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار " أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود . تأكل النار من ابن آدم إلاَّ أثر السجود حرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود. فيُخرجون من النار وقد امتحشوا . فيُصبّ عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبَّة في حميل السيل . " الحديث
وقد جاء الحديث بألفاظ متقاربة وروي مطولاً ومختصراً .
وقد روى حديث الجهنميين عدد من الصحابة رضي الله عنهم وجاءت أحاديثهم على النحو التالي :
1-حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - .
رواه البخاري في صحيحه في – كتاب صفة الصلاة – باب صفة السجود –برقم(773)وفي – كتاب الرقاق – باب صفة الجنة والنار وفي - كتاب التوحيد – باب قوله تعالى : " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " – برقم (7437) .
من حديث سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي عنه .
ورواه مسلم في صحيحه – كتاب الإيمان – باب معرفة طريق الرؤية – برقم (299) ورواه أحمد (2/ 400) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 384) : " وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف " وفيه قوله " ليتمجدن الله يوم القيامة على أُناس لم يعملوا خيراً قط ... " .

2- حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه .
رواه البخاري في صحيحه في – كتاب التوحيد – باب قوله تعالى : وجوه يومئذٍ ناظرة إلى ربها ناظرة " – برقم (7439) ومسلم في صحيحه في – كتاب الإيمان – باب معرفة الرؤية – برقم (302) وأحمد (3/ 94) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه .
ورواه البخاري في صحيحه في – كتاب الإيمان – باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال – برقم (22) وفي – كتاب الرقاق – باب صفة الجنة والنار – برقم (6560) ومسلم في صحيحه في – كتاب الإيمان – باب معرفة الرؤية – عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد .
كما رواه مسلم في صحيحه من وجه آخر في – كتاب الإيمان – باب معرفة الرؤية– برقم (306) و (307) عن أبي نضرة عنه .
ورواه ابن حبان في صحيحه كما في موارد الظمأن (ص 646) عن صالح بن أبي طريف عنه .

3-حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - .
رواه أحمد (3/ 326) وابن حبان (الاحسان 1/ 203) برقم( 183)،والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (10/ 379) وقال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي وهو ثقة .

4-حديث المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه - .
رواه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (1 / 277 279) برقم(268 269) . وابن ماجه – كتاب الزهد – باب ذكر الشفاعة – برقم( 4315 )،والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (10/ 379) وقال الهيثمي : "فيه عبد الرحمن ابن اسحاق وهو ضعيف" .

5-حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه - .
رواه البخاري – كتاب الرقاق – باب صفة الجنة والنار – برقم 6559 والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (10/ 380) وقال الهيثمي:"وفيه من لم أعرفهم" رواه أحمد (3 / 125 126 134 144 183 208 255 260 ) .
وأبو يعلى في مسنده ( 5/ 267 344 391 475 ) برقم (2886 2978 305 3206 ) .

6-حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - .
رواه أحمد (1/ 454) عن عطاء بن السائب عن عمرو بن ميمون عنه .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10 / 383) : " رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح غير عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط " .

7-حديث عمران بن حصين – رضي الله عنه .
رواه البخاري – كتاب للرقاق – باب صفة الجنة والنار – برقم 6566 ورواه أحمد (4/ 434) وأبو داود في سنته – كتاب السنة – باب في الشفاعة – برقم (4740) والترمذي – كتاب صفة جهنم – برقم (2600) .

8-حديث حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه .
رواه أحمد (5/ 391 402) وابن أبي عاصم في السنة ص / 835 وابن خزيمة في التوحيد 2/ 664 والآجري في الشريعة ص / 346 عنه .

المطلب الثاني : تخريج رواية " لم يعملوا خيراً قط " .
سبق أن بينتُ أن حديث الجهنميين رواه ثمانية من الصحابة الكرام رواية مختصر ومطولة .
ولم يرد في رواية الثمانية جميعاً هذه الزيادة " لم يعملوا خيراً قط " إلاّ في حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عند مسلم (1). وقد رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري من غير طريق عطاء بن يسار وليس فيه هذه الزيادة فقد رواه عن يحيى بن عمارة (2) وأبي نضرة (3) ورواه ابن حبان عن صالح بن أبي طريف عنه دون الزيادة . وقد روى مسلم هذا الحديث في آخر الباب بعد سياقه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ولم يذكر في حديثه عنده الرواية السابقة .
قد يقول قائل : هذه الرواية يشهد لها روايتان في الحديث :
الأولى : ما رواه أحمد في حديث أبي هريرة ولفظه : " ليتمجدن الله يوم القيامة على أُناس لم يعملوا خيراً قط ... " الحديث (4).
الثانية : ما رواه البخاري عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري وفيه " فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الله الجنة بغير عملٍ عملوه ولا خير قدموه " (5). وأرى أن هاتين الروايتين لا تصلحان في الشواهد لما يلي :
أولاً : أن حديث أبي هريرة ضعيف فيه صالح مولى التوأمة (6).
ثانياً : أن رواية البخاري من نفس الطريق المروي به الزيادة عند مسلم فهما حديث واحد وقد يكون روى بالمعنى .
ثالثاً : أن رواية مسلم منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما رواية البخاري فمنسوبة إلى أهل الجنة فاختلفت جهة النسبة فلا يصح أحدهما شاهدا للآخر .
وهل تعتبر هذه الزيادة من زيادة الثقة فتكون مقبولة ؟
يشترط في زيادة الثقة عدم المخالفة لمن هو أوثق منه وظاهر رواية عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه مخالف لبقية الرواة عن أبي سعيد ومخالف لبقية من روى حديث الجهنميين الذين وصفوا في الأحاديث الأخرى بأنهم " يشهدون أن لا إله إلا الله ويعبدون الله ولا يشركون به شيئاً ومن أهل الصلاة " . بينما في الزيادة أنهم لم يعملوا خيراً قط .
والظاهر أن هذه الزيادة شاذة إذا أُخذت على ظاهرها أو صحيحة إذا أمكن الجمع بينها وبين بقية الروايات بجمع صحيح .

المبحث الثاني : المعاني اللغوية في الحديث
سبق أن بينتُ أن حديث الجهنميين جزء من حديث الشفاعة الطويل وسأذكر جملة من ألفاظ الحديث التي تحتاج إلى بيان معانيها اللغوية "سَفْع" أي : سواد فيه زرقة أو صفرة يقال : سفعته النار إذا لفحته فغيّرت لون بشرته (7). "امتحشَوا" أي : احترقوا يقال : امتحش الخبز أي : احترق . ويقال : محشته النار وأمحشته والمعروف : أمحشَه (8). "الحِبّة" : قال ابن شميل : "الحبة (بكسر الحاء) اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت ثم إذا مطرت قابل نبتت" . وقال أبو عمرو : "الحِبّة نبت ينبت في الحشيش الصغار" . وقال ابن دريد في الجمهرة : "كل ما كان من بَزْر العشب فهو حبّة". والجمع حِبب (9).·"حميل" : قال أبو سعيد الضرير : "حميل السيل ما جاء به من طين أو غثاء فإذا اتفق فيه الحِبّة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتاً" . قال المازري : "وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم من سرعة نباتهم" (10). ·"قشبني" قال الجوهري : "قشبني يقشبني أي أذابني كأنه قال : سمّني ريحه .. والقشيب : السم والجمع أقشاب" (11) قال القرطبي : (قوله : "قشبني ريحها" أي غيّر جلدي وصورتي وسَوّدني – وأحرقني قاله الحربي ) (12). ·"حمماً" : الحُمَم : الفحم واحده حممة (13). "ضبائر" : قال الهروي : "ضبائر جمع ضِبارة ( بكسر الضاد ) مثل عمارة وعمائر والضبائر : جماعات الناس يقال : رأيتهم ضبائر أي جماعة في تفرقة" (14). "قَطّ" : بفتح القاف وتشديد الطاء ظرف لاستغراق الزمن الماضي ويشترط أن يسبقها نفي .
ومنه قول الفرزدق :


مــا قال لا قط إلاَّ في تشهده
لولا التشهد كــــانت لاؤَه نعمُ(15)


المبحث الثالث : بيان معنى قوله " لم يعملوا خيراً قط " والرد على المرجئة
ورد في وصف الجهنميين في الأحاديث بالأوصاف التالية :
1-لا يشركون بالله شيئاً (16).
2-يقولون لا إله إلا الله (17).
3-يعرفون بأثر السجود (18).
وهذه الأوصاف مأخوذة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه : " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد , وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار , أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً , ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله , فيعرفونهم في النار . يعرفونهم بأثر السجود . تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود . حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود , فيُخْرَجون من النار وقد امتحشوا ... " الحديث . وظاهر رواية " لم يعملوا خيراً قط " معارضة لوصف الجهنميين بهذه الأوصاف , ولهذا كانت هذه الرواية فيها إشكال يحتاج إلى بيان وتوضيح .
وقد احتج بهذا الحديث طائفتان :
إحداهما : من يرى أن الإيمان هو تصديق القلب فقط , ولا يدخل في حقيقته قول اللسان وعمل القلب والجوارح , وهم مرجئة المتكلمين من الأشاعرة و الماتريدية .

والثانية : من يرى أن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان وعمل القلب ويستدل بهذا الحديث على أن ترك جميع أعمال الجوارح إلا الشهادتين لا يخرج من الإيمان .
والحق أنه ليس لهما دليل في هذه الرواية على ما ذهبوا إليه .
أولاً : الرد على مرجئة المتكلمين ( غلاة المرجئة ) :
أخذ الغزالي في إحياء علوم الدين من هذا الحديث أن العمل ليس ركناً في الإيمان , إذ الركن لا يحتمل السقوط إلا بانتفاء الحقيقة , وقد أخرج الله تعالى من النار قوماً جاءوا بالتصديق المجرد (19).
" وقد استدل الغزالي بقوله " من كان في قلبه " على نجاة من أيقن بذلك وحال بينه وبين النطق به الموت , وقال في حق من قدر على ذلك فأخَّر فمات : يحتمل أن يكون امتناعه عن النطق بمنزلة امتناعه عن الصلاة فيكون غير مخلد في النار " (20).
والرد على المرجئة من وجوه :
أولاً : أن هذا الحديث ليس عمدة المرجئة في تقرير حقيقة الإيمان , لأنه من أحاديث الآحاد الظنيّة التي لا تقبل في العقيدة كما زعموا , وكذلك دلالته ظنيّة إذ الدلالات اللفظيّة ظنيّة عندهم لاحتمال المجاز والاشتراك والمعارض العقلي وغيرها .
والاستدلال بحديث ليس عمدة ولا يستقيم الاستدلال به على أصولهم لا يصح ولا يوصل لدلالته على قواعدهم .
ثانياً : أن هذا الحديث فيه الرد عليهم في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه(21) وقد بوب عليه البخاري باباً بعنوان : " باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال " . والاستدلال به في موضع وإهماله في موضع آخر تناقض واتباع للهوى .
ثالثاً : أن هذه الرواية لم ترد إلاّ عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مع كثرة من رواه من الصحابة , وقد رواه عن أبي سعيد غير عطاء ولم يذكرها . بل إن رواية عطاء بن يسار مضطربة ففي صحيح مسلم رويت هذه العبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفي البخاري عن أهل الجنة مع أنه حديث واحد ومخرجه واحد .
رابعاً : أن الروايات التي لم تُذكر فيها الزيادة أرجح ورواتها أكثر من تلك , وهي موافقة للأصول القطعية من أنه لن يدخل الجنة إلا مؤمن , وأن الإيمان قول وعمل (22).
خامساً : أن ظاهر الرواية يدل على عدم التصديق , لأنه "خير" وهم لم يعملوا خيراً قط , فاستثناء التصديق ليس عليه دليل , وإذا جاز استثناؤه فيصح استثناء قول اللسان وعمل القلب والجوارح من حيث جنسها لا نوعها .
سادساً : أن يحمل النفي في قوله " لم يعملوا خيراً قط " على نفي الكمال الواجب لورود ما يدل على أنهم عملوا خيراً في الروايات الأخرى .
ثانياً : الرد على مرجئة الفقهاء ومن وافقهم .
استدل بهذا الحديث من يرى عدم اشتراط العمل الظاهر في حقيقة الإيمان , وزعموا أن الإيمان المنجي هو تصديق القلب وعمله وقول اللسان .
والرد عليهم من وجوه :
أولاً : أن الروايات التي ليس فيها هذه الزيادة أرجح , وقد تقدم بيان ذلك , وقد ثبت فيها أن الجهنميين من أهل الصلاة .
ثانياً :
أن رواية الزيادة لم ترد في طرق الحديث إلا عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مما يدل على أنها غير محفوظة , وقد تقدم بيان ذلك .
ثالثاً :أن يجمع بين الروايات فيحمل النفي في الزيادة على نفي الكمال الواجب كما قال ابن خزيمة : " هذه اللفظة : ( لم يعملوا خيراً قط ) من الجنس الذي تقول العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه من الكمال والتمام , فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل لم يعملوا خيراً قط على التمام والكمال , لا على ما أوجب عليه وأمر به " (23).
ويشهد لهذا القول حديث " ارجع فصل فإنك لم تصل " , وقاتل المائة جاء عنه " أنه لم يعمل خيراً قط " مع كونه تائباً وشرع في الهجرة إلى الأرض الصالحة .
وهذا أمر سائغ في لغة العرب يقولون : أنت لست بولدي ولا يريد نفي البنوة عنه بالمرة بل يريد لست بولدي الطائع لأن من صفات الولد الطاعة لأبيه .
ومراتب النفي هي : نفي الوجود أو الصحة أو الكمال , وحمله على الأول والثاني يلزم منه نفي قول اللسان وعمل القلب لأنها تدخل في عموم "العمل" و "الخير" , وإذا استثنوا قول اللسان وعمل القلب بنصوص خارج الحديث فإن روايات الحديث يمكن أن يستثنى بها عمل الجوارح ويحمل النفي على الكمال .
ومن زعم أن العمل في الزيادة يراد به عمل الجوارح دون عمل القلب فهذا زعم لا دليل عليه .
وقد أخرجوا عمل القلب من عموم الزيادة بالروايات الدالة على خروج من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان
وهذا صحيح ينضاف إلى عمل الجوارح الخارج بكونهم من أهل السجود والصلاة .
وزعم بعض الشراح(24) أن المراد بالسجود الوجه , وهذا إذا اقتضى نفي كونهم من أهل الصلاة ففاسد , ولهذا رواه البخاري في كتاب صفة الصلاة في باب فضل السجود مما يدل أنه فهم من السجود سجود الصلاة
رابعاً : أن يقال : إن الرواية تدل على حالة غيبيّة مخصوصة لا تعارض الأصل الثابت.فهؤلاء لقلة عملهم و خفائه لا يستطيع أهل الجنة معرفتهم عندما يأذن لهم الله تعالى في إخراج أهل الذنوب ممن دخل النار .
فقد ورد في لفظ مسلم : " يقولون ربنا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا , ويعملون معنا " ثم يقولون بعد إخراجهم من عرفوا : " ربنا لم نذر فيها خيراً " , وهذا القول هو حسب معرفتهم(25) ثم يخرج الله تعالى أقواماً آخرين , فقد ورد في رواية في المسند " أنا الآن أخرج بعلمي ورحمتي , قال : فيخرج أضعاف ما أخرجه " (26) فيمكن القول بأن هذه حالة خاصة لا ندركها في الدنيا ولا في الآخرة وهي لا يُردّ بها الأصل العام في مفهوم الإيمان وحقيقته .
ويشبه هؤلاء ما ورد في حديث حذيفة في آخر الزمان وفيه : " يدرس الإسلام – كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صدقة ولا نسك , ويسري على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير , والعجوز يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة : لا إله إلا الله فنحن نقولها . قال صلة بن زفر لحذيفة : فما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صيام ولا صدقة ولا نسك ؟ فأعرض عنه حذيفة, فرددها عليه ثلاثاً, كل ذلك يعرض عنه حذيفة , ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة تنجيهم من النار " (27).

--------------------------------------------------------------------------------
(1) - في كتاب الإيمان – باب معرفة الرؤية – برقم (302) .
(2)- في كتاب الإيمان - باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار – برقم (304 , 305) .
(3)- في الكتاب والباب السابق برقم (306 , 307) .
(4)- رواه أحمد في مسنده 2 / 400 .
(5)- صحيح البخاري – كتاب التوحيد – باب قول الله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) برقم (7439) .
(6)- صالح بن نبهان مولى التوأمة وهي : التوأمة بنت أمية بن خلف ابن وهب وهي التي نسب صالح إليها ( انظر : الثقات - لابن حبان – 3 / 42 ) اختلط في آخر عمره قال الأصمعي : كان شعبة لا يحدث عنه , وقال بشر بن عمر : سألت مالكاً عنه فقال ليس بثقة . انظر : تهذيب التهذيب 4 / 405 .
(7)-فتح الباري ( 11 / 429 ) .
(8)- المفهم ( 1 / 421 – 422 ) , والمعلم ( 1 / 266 ) ووردت بصيغة المبني للمعلوم والمجهول وخطّأ القرطبي الثانية وصوّب الأولى , والحق أن كليهما مروي في الصحيح ولا يتضمن معنى باطل .
(9) - المعلم ( 1 / 226 ) , وانظر المفهم ( 1 / 422 ) .
(10)- المعلم ( 1 / 226 ) , وانظر المفهم ( 1 / 422 ) .
(11)- الصحاح مادة ( قشب ) .
(12)- المفهم ( 1 / 422 ) , وانظر : المعلم ( 1 / 226 ) .
(13) - المفهم ( 1 / 422 ) , والمعلم ( 1 / 229 ) .
(14) - المعلم ( 1 / 229 ) , والمفهم ( 1 / 451 ) .
(15) - انظر : قاموس الأعراب ( ص / 70 ) , المنهاج في القواعد والأعراب ( ص / 231 ) .
(16) - انظر : صحيح البخاري برقم 773 , وصحيح مسلم برقم 299 .
(17)- المصدر السابق .
(18)- المصدر السابق .
(19) وقد تابعه الزبيدي على ذلك انظر الاحياء وشرحه ( 5 / 243 ) .
(20)- فتح الباري ( 11 / 430 ) .
(21) - انظر : ظاهر الإرجاء في الفكر الإسلامي ص / 748 .
(22)- انظر : المصدر السابق ص / 749 .
(23) - التوحيد ص / 309 ( ط القديمة ) .
(24)- شرح الأبي على صحيح مسلم .
(25) - ورد في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم برقم 303 : " فيقال لهم : أخرجوا من عرفتم " .
(26) - المسند 3 / 325 .
(27)- رواه الحاكم ( 4 / 473 ) وقال صحيح على شرط مسلم , وسكت عنه الذهبي , وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة برقم 87.
===========
منقول من موقع الإسلام اليوم:

http://www.islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?id=71&catid=73&artid=1864

أبو محمد العاصمي
10-07-11, 08:34 PM
نفع الله بكم

ابو اليمن ياسين الجزائري
04-03-15, 05:35 PM
جزاكم الله خيرا