المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التلخيصات والتعليقات على كتاب افعال الرسول/النسخة الكاملة


المصلحي
16-01-06, 11:16 AM
بســـم اللـه الرحـمـــن الرحـــــــيم
التلخيصـات والتعليقـات
على كـتاب أفـعـــال الرســـول


الجزء الاول

5- ليس كل ما يعبر عنه بالفعل الصرفي يكون مرادا هنا ، مثل مات ، عطش ، أسودّ ، ابيضّ ، رُحم ، حُرم ، ونحوها ، فهذه أفعال عند الصرفيين ، وليست أفعالا عند الأصوليين ، لان من نسبت إليه لم يفعلها .
6- إذا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) غيره بأمر من الأمور التنفيذية ، فان المأمور يجب عليه تنفيذ الأمر، لان الأمر في حقه للوجوب ، أما في حق غيره فان هذا يعتبر من الأفعال النبوية ، يأخذ حكمه حكم الأفعال النبوية الآتي ذكرها.
ولابد هنا من التفريق بين القول النبوي بمعنى الإخبار بحكم الشرع بوصفه رسولا ، وبين القول النبوي بمعنى الأمر التنفيذي بوصفه إماما أو أميرا.
وبهذا يتبين أن تمثيل الأصوليين للأفعال النبوية برجم ماعز ، وقطع يد السارق ، وقتال أهل مكة ، هو تمثيل صحيح ، وان اعتراض ابن الهمام في التحرير (2/302) غير وارد ، والله اعلم. (ص42-44)
7- رد المؤلف على ابن حزم:
من لطائف المؤلف رده التالي على ابن حزم:
قال المؤلف: وكمثال نضربه لما تقدم ذكره ، ما ذكره ابن حزم في مسالة حكم إشعار الهدي. فقد روى ابن حزم في المحلى (7/110) حديثا من طريق النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببدنته فاشعر في سنامها الشق الأيمن ، ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين . ثم قال ابن حزم: (ليس في هذا الخبر انه أمر بالإشعار ، ولو كان فيه لقلنا بايجابه مسارعين ، و إنما فيه انه أمر ببدنته فاشعر سنامها فمقتضاه انه أمر بها فأدنيت إليه فاشعر في سنامها ،لانه هو صلى الله عليه وسلم تولى بيده إشعارها، بذلك صح الأثر ). أي فيدل على الاستحباب.
فليت شعري لو أن رسول الله كان قد أمر أجيره أو خادمه أو أحد الحاضرين أن يتولى عنه ما تولاه ، أكان ينتقل الحكم في حق الأمة من الندب إلى الوجوب ؟ إن الأولى أن يقال : إن الذي وجه بالأمر يتعين عليه التنفيذ ، ولكن ذلك الفعل ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كسائر أفعاله ليجري على قانونها في حق الأمة. (ص 44)

8- أقسام السنن النبوية:
تقسم السنن النبوية إلى قسمين رئيسيين :
• الأقوال.
• الأفعال.
وهذا هو افضل التقاسيم المذكورة لأنه تقسيم حاصر . وقد ذهب الزركشي رحمه الله إلى التوسع في ذلك حيث جعل أقسام السنن ثمانية ، ومن تأمل ذلك وجدها راجعة إلى ما ذكرناه.
تقسيم الأفعال :
وتقسم الأفعال بدورها إلى قسمين رئيسيين :
• الفعل الصريح.
• الفعل غير الصريح.
9- فائدة :
كثير من الأقوال يعبر عنها بما يوهم الفعلية ، ويجب أن لا يخدعنا ذلك عن حقيقة كونها أقوالا.
أمثلة : سبّح ، تشهّد ، كبّر ، ...
ودليل كونها أقوالاً : أنها تفسر بالقول ، فالتشهد هو قول الشهادتين ، والتسبيح هو قول سبحان الله ، والتكبير هو قول الله اكبر ، ... فهذه أقوالٌ وليست أفعالاً. (ص45).
10- البيان:
يقسم البيان إلى قسمين هما :
- البيان الابتدائي: وهو ما لم يرد بياناً للفظٍ سابقٍ . فعلى هذا يكون الكلام في نفسه بياناً ، كما قال تعالى ( هذا بيانٌ للناس) .
- البيان : هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز الوضوح. قاله الصيرفي ، نقله عنه الآمدي (3/32).وهو الأغلب في كلام الأصوليين. (ص76)

11- وظائف البيان:
قسم الأصوليون البيان من حيث الوظيفة التي يؤديها إلى أربعة أقسام هي التقرير والتفسير والتغيير والتبديل.
• بيان التقرير: معناه تأكيد الكلام بما يمنع احتمال التخصيص.
مثال: قوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ).
• بيان التفسير: معناه توضيح خفي الدلالة.
مثال: قوله تعالى : (إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا.وإذا مسه الخير منوعا ) فالهلوع لفظ غريب قد فسرته الآيتان بعده.
• بيان التغيير: معناه تخصيص العام أو تقييد المطلق , وأمثلته كثيرة.
• بيان التبديل: وهو النسخ وفي تسمية النسخ بيانا نوع تردد. (ص80-81)

12-حكم البيان:
يجب البيان في حالين:
الأول: أن يكون السائل جاهلا بحكم المسالة وهي منصوص عليها ، وذلك للأدلة الواردة في النهي عن كتمان العلم.
الثاني: أن يأتي وقت العمل بالمجمل ولا يتمكن المكلف من الامتثال لخفائه عليه ، فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. (ص83)

13- ما تقدم في المسالة السابقة هو في حقنا، أما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فالبيان كله واجب عليه بحكم كونه مبلغاً رسولا. (ص85)
- تعقيبٌ جيدٌ من المؤلف على الغزّالي في مسالة بيان الواجب واجب وبيان المستحب
مستحب. (ص84)
- ذهب بعضهم إلى عدم صحة البيان بالأفعال ، وقولهم باطلٌ، و أدلتهم واهية.(ص88-90)
- لا يشترط لصحة البيان بالفعل عدمُ وجودِ قولٍ صالح للبيان ، خلافاً لابن فورك.(ص90)
- لا يشترط لصحة البيان بالفعل وجودُ قولٍ يدل على انه بيان.(ص90)
14- مسألة:
أيهما أوضح البيان القولي أم البيان الفعلي؟
ذهب بعضهم إلى أن البيان القولي أوضح ، بينما ذهب آخرون إلى أن الفعل ابلغ في البيان ، والصواب في ذلك هو التفصيلُ :
فإذا كان الشيء الذي يراد بيانه فيه تفاصيل كثيرة فان البيان بالفعل أوضح.
وإذا كان الشيء الذي يراد بيانه بسيطاً استوى البيان بهما.
ويترجح البيان القولي من جهة العموم والخصوص، وهذا اختيار الشاطبي.
قلت: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الشيء إذا كان من الأشياء المعنوية فالبيان بالقول أوضح ، أما إذا كان من الأشياء الحسية فالبيان الفعلي أوضح.
والبيان مراتب رتبها الزركشي حسب قوتها : القول ثم الفعل ثم الإشارة ثم الكتابة.
أما الشاطبي فيرى أن أعلى درجات البيان هو اجتماع القول والفعل ، وهو الصواب.
قال المؤلف: ومثل ذلك في الشريعة أن الحج تذكر صفته في كتب الحديث والفقه بالتفصيل ، ومع ذلك فانه لا يتبين بيانا كاملاً إلا برؤية أفعال الحجاج و أماكن الحج .
(ص94-99)

15- اجتماع القول والفعل في البيان :
وهنا ملاحظات لمعرفة محل الخلاف :
- إذا جاء بعد المجمل قولٌ وفعلٌ كلاهما صالح لان يكون بياناً وكانا متطابقين فهذا واضح لا إشكال فيه ، لانهما متفقان في المدلول . وهناك خلاف في أيِّهما يعتبر بياناً هل القول أم أولهما وروداً ؟ على أقوال وتفاصيل ، لا ينبني عليها شيءٌ من الأحكام.
- فائدة: تكلم المؤلف على مسالة تتعلق بالتوكيد وهي: هل يجوز توكيد شيء بشيء اضعف منه ؟خلاف بين أهل الأصول ، قرره المؤلف بكلام جيد.(ص103-104)
- إذا تقدم القول على الفعل وكانا مختلفين غير متطابقين ، فالقول هو البيان.
- إذا جُهل أيُّهما المتقدم وكانا مختلفين ، فالقول هو البيان أيضا.
- إذا تقدم الفعل على القول وكانا مختلفين ، فهنا محل النزاع.
وللعلماء في ذلك ثلاثة مذاهب:
الأول : القول هو البيان ، وهو مذهب الرازي وابن الحاجب وأبي الخطاب
الكلوذاني . ودليلهم أن القول يدل على البيان بنفسه ، والفعل يدل على
البيان بالواسطة ، وما يدل بنفسه أولى.
الثاني : الفعل هو البيان ، وهو مذهب أبى الحسين البصري . ودليله أن الخطاب
المجمل إذا تعقبه ما يصلح أن يكون بياناً له ، كان هو البيان.
الثالث: التوقف وهو مذهب ابن السمعاني ، ورد عليه العلائي بأنه لاداعي للتوقف
وأدلة القول أقوى.
الراجح:
القول هو البيان في جميع الحالات ، وما زاد على القول فيحمل على الندب أو الخصوصية للنبي (صلى الله عليه وسلم) أو النسخ.
مثال:
فعل – روى النسائي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرَنَ
فطاف بالبيت طوافين ، وسعى سعيين.
قول – روى احمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
من قرن بين حجته وعمرته اجزاه لهما طواف واحد.
فالفعل فيه ذكر طوافين.
والقول فيه ذكر طواف واحد.
فعلى المذهب الثاني القائل بان الفعل هو البيان يكون الواجب طوافين ، وعلى المذهب الأول القائل بان القول هو البيان يكون هو الواجب هو الطواف الأول والطواف الثاني هو إما مندوب أو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أو منسوخ.
قلت:
وهكذا أبقى المؤلف المسالة معلقة بحيث لم يرجح في الطواف الثاني هل هو مندوب أم خاص أم منسوخ . وكونه خاصاً أو منسوخاً يعني انه غير مشروع لنا . وكونه مندوباً يعني انه مشروعٌ لنا.
لكل ما تقدم ( ص102- 109)

16- اجتهاد الرسول:
وهو على العموم ثلاثة أنواع:
1. الاجتهاد البياني: مثل بيان النبي صلى الله عليه وسلم للألفاظ الموحى بها إليه وكيفية العبادات . فمثلا : القران أمر بالسجود فبين الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية السجود على الأعضاء السبعة. ومن ذلك تنزيل العمومات على أشياء معينة.
2. الاجتهاد القياسي: وذلك يكون بقياس غير المنصوص عليه على المنصوص عليه فيلحق الفرع بالأصل بناءاً على الاشتراك في العلل.
3. التفويض: الاجتهاد في الواقعة بما يراه دون الرجوع للنص.
ذكر المؤلف أقوال الأصوليين ودليل كل منهم . وعلى كل حال فنحن متعبدون بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم ،قال ابن السمعاني: هذه المسالة أوردها متكلموا الأصوليين وليست بمعروفة بين الفقهاء وليس فيها كبيرُ فائدةٍ . قواطع الأدلة.
ولم يرتضِ المؤلف كلام ابن السمعاني.
والحاصل أن الله تعالى يقول ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) والله اعلم. (ص115-125)

فائدة:
إرجاع فعل النبي صلى الله عليه وسلم إلى القران أولى من اعتباره اجتهادا مستقلا. ومعنى هذا أن الفعل إذا دار بين أن يكون تشريعا جديدا وبين أن يكون تفسيرا للقران فإننا نحمله على انه تفسير للقران. والمسالة خلافية وما رجحناه هو قول الحنفية ، وذلك لان الأصل في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو بيان القران الكريم للناس.(ص131)

17- الفرض والواجب ، والحرام والمكروه ، عند الأحناف :
من المعلوم أن الحنفية يفرقون بين الفرض والواجب . فالفرض عندهم ماكان قطعي الورود ، والواجب ما كان ظني الورود ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي بطريق قطعي ، لذلك قال بعض الحنفية أن أفعاله صلى الله عليه وسلم التي هو مكلف بها كلها من قبيل الفرض وليس فيها ما يسمى واجبا.
ولكن البزدوي والسرخسي يثبتان الواجب في ذلك . قال البزدوي: باب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وهي أربعة أقسام مباح ومستحب وواجب وفرض.
قال البخاري(الشارح): الشيخ (يقصد البزدوي) وشمس الأئمة (يقصد السرخسي) قسما أفعاله صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام ، والقاضي الإمام (يقصد الدبوسي ) وسائر الأصوليين قسموها ثلاثة : واجب ومستحب ومباح ، وأرادوا بالواجب الفرض ، وهذا اقرب إلى الصواب.
لان الواجب الاصطلاحي ماثبت بدليل فيه اضطراب ، ولا يتصور ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم لان الدلائل الموجبة في حقه كلها قطعية.
قال الدكتور الأشقر: هذا ما قال ، ولكن بتدقيق النظر يتبينان كلام الإمامين البزدوي والسرخسي صواب وذلك لانهم يثبتون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بالاجتهاد وان اجتهاده قد يداخله الخطأ كما تقدم وهم وان قالوا انه لا يقر عليه إلا انه صلى الله عليه وسلم عندما يقدم على الفعل باجتهاد يقدم عليه بدليل ظني هو القياس وشبهة الخطأ في القياس قائمة بدليل أن الخطأ وقع فعلا كما قد لثبتوا ذلك ن فهذا يبين أن ما ذهب إليه البزدوي والسرخسي صحيح ثابت وان ما رجحه البخاري مرجوح . أقول وينبغي أن يقال مثل هذا القول على مذهب الحنفية في المحرم والمكروه. ا.هـ
فائدة:
أفعاله صلى الله عليه وسلم منحصرة في الواجب والحرام من جهة منصب البيان ، وقد ذكر ذلك الشاطبي في الموافقات (3/318).
قلت: كذا قال المؤلف هنا (ص135) أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم منحصرة في الواجب والمحرم ، ولكنه قال فيما تقدم (ص85) : أما بالنسبة إليه فالبيان كله واجب.
18- ذكر المؤلف (ص143) :ان كل ذنب فهو عند الخوارج كفر.
قلت: كذا قال ، وانما هذا عند طائفة منهم ، واما المعروف من مذهبهم أن الكبائر فقط عندهم كفر وليست الصغائر.
19- تناقض:
ذكر المؤلف (ص146) تناقضا من تناقضات الرازي في كتابه عصمة الأنبياء وكتابه المحصول.
20- ثمرة العلم :
انظر كم بحث المتكلمون في العصمة وادعوا فيها ما هو فوق الصواب فيها ومع ذلك لم ينتفعوا بها اذ كانوا لا يقرون بكل ما جاء عن الأنبياء ، وإذا اقروا فنهم يقرون بلفظ حرفوا معناه. من كلام ابن تيمية رحمه الله. (ص152)

21- العصمة:
تكلم المؤلف عن هذا الموضوع وذلك لعلاقته المباشرة بالاحتجاج بالأفعال النبوية.وهذه المسالة تبحث في كتب العقائد ، ويذكرها الأصوليون إما في مباحث السنة واما في مباحث الأفعال النبوية. (ص138)
فائدة: تجد في (ص151) أمثلة عجيبة من تأويلات الرازي
22- إشكال وجوابه:
كيف نجمع بين الآية ( والله يعصمك من الناس) وبين الأحداث الكثيرة التي تعرض فيها النبي صلى الله عليه وسلم للأذى ؟
الجواب: إن الأحداث التي حصل فيها الأذى كانت قبل نزول هذه الآية ، فإنها من سورة المائدة وهي من أواخر ما نزل .ولا يعكر على هذا الجواب إلا حادثة الشاة المسمومة ، وقيل إن آية العصمة نزلت سنة 7 هـ انظر تفسير القرطبي (6/343) وحادثة الشاة المسمومة انفرد البخاري بها. (ص162)
23- قال المؤلف:
تحقيق القول في العصمة ليس موضعه المباحث الأصولية و إنما موضعه كتب العقائد.وقد احسن الامدي بإخراج تحقيق هذه المسالة عن مباحث الأصول والإحالة بها على كتب علم الكلام. (ص163)
24- مثال على ارتكاب المحرم للمصلحة الراجحة. (ص164).
25- هل يفعل النبي (صلى الله عليه وسلم) المكروه ؟
يفعله عمداً لبيان تحريمه ، هذا جائزٌ وواقعٌ . فان مصلحةَ البيان هنا اعظمُ من مفسدة النهي .مثل التهاجر فوق ثلاث ، فعله لبيان مصلحة التأديب. وفعلُ المكروهِ لاجل البيان مقيدٌ بقيدٍ ، وهو أن لا يُكثر من فعله ، لان ذلك يفضي إلى إيهامِ انه مباح . ذكر ذلك الشاطبي في الموافقات(3/332)
و أما أن يفعل المكروه لا على سبيل البيان ، فقد أجازه بعضُهم ومنع منه آخرون ، على الخلاف في مبحث العصمة . ومنهم من منعَ ليس لاجل العصمةِ بل لاجل ندرةِ وقوع ذلك ، وهذا معنى كلام القرافي " لا يقع في محرم لعصمته و لا مكروه لظاهر حاله" وهو مرادُ ابنِ السبكي في جمع الجوامع " وفعله غير محرم للعصمة وغير مكروه للندرة " (ص165-167)
26- علاماتُ معرفةِ الواجب من الأفعال النبوية:
هناك علامات يمكن من خلالها معرفةُ أن الفعل النبوي حكمه الوجوب ، وهي :
1. القول ، وذلك بان ينص النبي صلى الله عليه وسلم على أن ما فعله واجب.
2. أن يكون الفعل ورد بيانا لامر واجب ، مثل فعله عليه السلام لأعداد الركعات في الصلاة بياناً للآية الكريمة ( وأقيموا الصلاة ).
3. التخيير بين فعلين حكم أحدهما واجب ، فالآخر واجب أيضا ، لان التخيير يقتضي التسوية.
4. أن يكون وقوعه مع أمارة1 في الشريعة قد تقرر أنها أمارةٌ للوجوب ، مثل الصلاة بأذانٍ و إقامة ، حيث لم يُعهد في الشريعة أذانٌ و إقامةٌ لصلاةٍ نافلةٍ.
5. أن يكون الفعلُ قضاءاً لواجب .
وهناك علامات أخرى مختلف فيها ، مثل :
1. أن يكون الفعل لو لم يكن واجبا لكان ممنوعا ، كالركوع الثاني في صلاة الكسوف.
2. قضاء العبادة لان غير الواجب لا يُقضى.
3. المداومة على الفعل من غير نقل تركه له.
4. أن يحكم بين اثنين بأخذ مال و إعطاء الآخر ، ونحو ذلك.

- وقد بين المؤلف أن هذهِ الطرقَ المختلف فيها ، كلها لا تصلح لان تكون علامات يستدل بها على الوجوب. (169)
فوائـدُ :
أ‌- ذكر المؤلف أن الفعل إذا كان بياناً لقولٍ واجبٍ فانه يكون واجباً ، ومثّل له بفعله صلى الله عليه وسلم لاعداد الركعات في الصلاة .
قلـتُ :
وهذا عندي مشكلٌ ، لان هذا يمكن أن يقال في جميع تفاصيل العبادات المأمور بها أمراً عاماً ، فيقال عن كل هذه التفاصيل انها فعل وقعت بياناً لامرٍ واجبٍ ، وهذا يؤدي إلى القول بان جميع هذه التفاصيل واجبةٌ ، فمثلا جميع تفاصيل الصلاة والصيام ، واجبة ، وهذا لم يقل به أحدٌ ، لان الإجماع قائمٌ على أن الصلاة والصيامَ فيها واجباتٌ ومستحبات .إذن القول بهذه القاعد على إطلاقها خطأ. وان قيل إنها تنطبق على بعض التفاصيل دون بعض ، فهذا تحكمٌ وهو باطل ، حيث لا يوجد ضابط للتفريق بين بعض التفاصيل دون بعض و لا يوجد دليل على أن هذه التفاصيل تدخل تحت القاعدة و الأخرى لا تدخل . ومن فرق بين المتماثلين ، كان قوله قولاً بلا علم.
ولذلك فالمسالةُ أعلاه مشكلةٌ عندي ، والله اعلم.

ب‌- رفع الحرج : يصدق رفع الحرج على كلٍّ من الوجوب والندب والإباحة.
وكل ذلك نقيضُ الحرمة ،.وعليه فان رفعَ الحرج هو نقيض الحرمة ، وليس الواجبُ فقط هو نقيض الحرمة.
وبهذا يتم الرد على القاعدة القائلة :
إن الفعل لو لم يكن واجباً لكان ممنوعاً.
ذكر هذه القاعدةَ السيوطيُ رحمه الله في الأشباه والنظائر (ص148)بعنوان : ( الواجبُ لا يتركُ لسنةٍ ) و ( جوازُ مالو لم يشرعْ دليلٌ على وجوبه ). وهي قاعدةٌ غيرُ صحيحةٍ كما تقدم آنفا.
تنبيه: قال الاسنوي ( التمهيد ص134 ) :
"هكذا ذكر الرازي في المحصول هذه القاعدةَ وتبعه على ذلك من بعده"
قال المؤلف :بل قد سبق إلى تقرير هذه القاعدة القاضي عبدُ الجبار كما في المغني ، وخصّ ذلك بالعبادات. (ص171)
ج- ممن رد على القاعدة اعلاه الزركشيُ رحمه الله في البحر المحيط و
الاسنويُ رحمه الله في نهاية السول.
د- قلت : لم ينبّه المؤلف على ان هذهِ القاعدةَ قال بها الاحنافُ خلافاً للجمهور ، حتى ان صاحب كتاب مسلم الثبوت رفض أن تكون هذه القاعدةُ قال بها الحنفية ، ورفضه مرفوض ، بما هو مشهور في كتبهم ! والمؤلف لم ينبّه إلى هذا كله. (ص175)
هـ- المسالة المذكورة (ص176)كلها دائرة حول التفريق بين تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه مبلغاً ورسولاً ، وبين كون تصرفاته بوصفه إماماً وحاكماً للمسلمين . وللمزيد يمكن مراجعة كتاب الأحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام وتصرفات القاضي والإمام . من تأليف القرافي رحمه الله ، بتحقيق عبد الفتاح أبى غدة.

27- علامات معرفة المستحب من الأفعال النبوية :
أما العلامات التي يمكن من خلالها معرفة أن حكم الفعل النبوي هو الاستحباب فهي:
- القول ، بالنص على ذلك.
- الفعل إذا كان بياناً لامر مستحب.
- التخيير بين فعلين أحدهما مستحب ، فهذا يعني أن الآخر مستحب.
- وجود قرينة تدل على الندب ، مثل الصلاة على الراحلة ، فقد جرت العادة من النبي صلى الله عليه وسلم انه لا يصلي الفريضة على الراحلة.
- أن يكون الفعل قضاءاً لمندوب.
- المواظبة مع الترك أحيانا. (ص178-180)
ملاحظة : نقل المواظبة على الفعل تدل على استحباب التخصيص ، أما نقل الفعل بدون مواظبةٍ عليه فلا يدل على استحباب التخصيص . (ص179)

28- علاماتُ معرفة المباح من الأفعال النبوية:
هناك علامات يمكن من خلالها معرفة أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام مباحٌ ، ومنها:
أ‌- النص على ذلك.
ب‌- أن يكون الفعل بياناً لنص يدل على الإباحة.
ج‌- التسوية بين فعلين عُلم أن أحدهما مباحٌ. (ص181)
ملاحظة : رَفَضَ المؤلف أن تكون النقطة (ب) من العلامات الصحيحة وقال : ذكره بعض الأصوليون ، وفي ذكر الامتثال في المباح نظر، إذ المباح غير مطلوب حتى يقال لفاعله انه ممتثل ا.هـ كلامه ص181
قلتُ :
يوجد فرقٌ بين حكم المباح من ناحية الجزء وبين حكمه من ناحية الكل ، أما من ناحية الجزء فهو غير مطلوب الفعل ولا مطلوب الترك . لكن من ناحية الكل فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك .ويرتفع فيه التخيير. لان التخيير في المباح واقع في الجزء أما بالكل فهو مطلوب إما الفعل واما الترك . ولهذا إذا جاء خطابٌ فيه طلبُ فعلِ مباحٍ أو تركُ مباحٍ فهو محمولٌ على المباح بالكل لا بالجزء ، جمعاً بين الأدلة . والتفريق بين الأحكام من ناحية الكل والجزء بسط القولَ فيه الإمام الشاطبيُ في الموافقات ( 1/206-222). وبذلك يكون كلامُ الأصوليين صحيحاً والله اعلم.
29- أبو بكر الدقاق:
ذهب إلى أن الأفعال النبوية ليست بحجة ، ومعه شرذمةٌ قليلةٌ من المتكلمين. (ص185)

حجيةُ أفعالِ النبي صلى الله عليه وسلم
30- أمثلةٌ لنقل الإجماع والخلاف .(ص185)
31- الأسوة الحسنة:
أ س و : مداواة الجراح ، الآسي هو الطبيب ، الآسية هي الخاتنة ، الإساء
الدواء.
الأسوة : - ما يتسلى به الحزين عن مصابه.
- المماثلة ، جعلته في مالي أسوة أي قسمت مالي بيني وبينه نصفين
حتى صار مثلي فيه . ومن هنا جاءت الأسوة بمعنى القدوة . فالأول من المواساة والثاني من المساواة.
وبين المعنيين ترابط وصلة ، فان المحزون يتسلى ويقول لنفسه : قد أصاب فلانا مثل ما أصابني فعليّ أن اصبر مثلما صبر.
قال الله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ).
وان كانت الأسوة بالمعنى الأول فان الآية لا تكون حجة على الاقتداء بالأفعال النبوية ، أما أن كانت بالمعنى الثاني فهي حجة في المطلوب.
وقد يعترض معترضٌ ويقول :
إن كلمة (أسوة) هنا نكرةٌ في سياق الإثبات فهي تفيد الإطلاق ، وإذا أفادت الإطلاق فان الاقتداء يتحقق بتنفيذ أمرٍ واحدٍ فلا تصلح الآية دليلا على الاقتداء العام ؟
و أُجيب عن ذلك : بأنه لا يُطلق على الإنسان انه أسوة لغيره إذا لم يتبعه في اكثر أموره ، فان اتبعه في أمر واحد ، فليس له بأسوة ، أفاده أبو الحسين البصري في المعتمد.(3/384).
قلت : وعلى هذا تكون هذهِ الآيةُ مطلقةً من جهة اللفظ عامةً من جهة المعنى.
هذا وللصنعاني مسلكٌ آخر في الاستدلال بهذه الآية حيث قال : إن قوله ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) هو في المعنى جواب لقوله ( لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) وهو شرطٌ ، والشرطُ من ألفاظ العموم.

فائدةٌ :
الاتباع يكون في الأقوال والأفعال . ويرى القاضي عبد الجبار أن الاتباع إذا أُطلق انصرف إلى اتباع الأفعال ، و أما طاعة الأقوال فتُسمى امتثالا . هذا رأيهُ.
كل ما تقدم (ص191-194).
32- ذكر المؤلف دليلاً على حجية أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال عنه الامدي وهذا من أقوى ما يُستدل به هاهنا .ثم قال المؤلف بعد كلامٍ له : وبذلك لا تكون هذه الآية دالةً على المطلوب في هذا الموضع . وهذا من تعقيبات المؤلف الكثيرة الجيدة على كبار العلماء. (ص195)
وكذلك رد بعد صفحات على الرازي والغزّالي . (ص201)
قلت :
أقوى الأدلة التي ذكرها المؤلف هنا هي النقولات الكثيرة ، والأحداث الوفيرة المنقولة بالأسانيد الصحيحة ، الدالة على حجية الأفعال النبوية عند أصحاب القرون الثلاثة الأولى مما لا يدع مجالاً للشك . وهذا ما نسميه بالاحتجاج بفعل السلف ، وهو من أقوى المرجحات عند تعارض الأدلة . وقد وضح ذلك الشاطبيُ في الاعتصام ، والله اعلم.
33- س : قد يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم المكروه لبيان الجواز فكيف نأمن من أن يكون الفعل الذي فعله هو مكروه في الأصل فعله لبيان الجواز فنحكم بظاهر الحال انه مباح وحقيقته انه مكروه ؟
ج- لابد أن تتبين كراهتُهُ بقرائنَ كالنهي عنه في موضع آخر. (ص207)

34- السبر والتقسيم :
ذكر المؤلف (ص215) أقسام الأفعال النبوية وذلك بواسطة السبر والتقسيم.
35- خلاصة :
الفعل الجبلي والعادي والدنيوي والمعجز والخاص ، كل ذلك لا اقتداء فيه. والفعل البياني و الامتثالي ، فيه اقتداء ، والفعل المجرد في خلاف .وللعلماء طرق في ذلك . ( ص 216-217)

الفعل الجبلّي

36- هو الفعل الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره بشراً كسائر البشر وليس بمقتضى الرسالة .

أمثلةٌ على ذلك :
- إذا سُرّ استنار وجهُهُ كأنه قطعة قمر .(متفق عليه)
- إذا كره شيئاً رُؤيَ ذلك في وجهه . (الطبراني في الأوسط )
- تألمه من جرح يصيبه ، أو حصول الطعم في فمه .
- كراهيته أكل العنب ، وكراهيته قاتلَ حمزةَ.
- محبته الحلواء ، والعسل ، والدبّاء ، والحلو البارد (متفق عليه).
- كراهيته ريح الحناء (أبو داود والنسائي ).
- تناول الطعام والشراب ، واتخاذ المنزل والملابس والنكاح .
أقسام الفعل الجبلي :
- الفعل الجبلي الاضطراري ، و أمثلته تقدمت .
- الاختياري وهو قسمان:
-الفعل الجبلي الاختياري الصِرْف :
أي ما ليس له صله بالعبادة ومن أمثلته أكل اللحم أو العسل أو المشي في طريق معين أو لبس ثياب ذات شكل معين كالقميص أو من مادة معينه كالقطن .
-الفعل الجبلي الاختياري الذي له علاقة بالعبادة : وهذا ما يقع في وسيله العبادة أو في قبلها بقليل أو بعدها أو أثناءها فهذه أربعة مواضع.
الأحكام :
1- الفعل الجبلي الاضطراري : الإباحة .
2- الفعل الجبلي الاختياري الصرف : الإباحة.
3- الفعل الجبلي الاختياري الذي له علاقة بالعبادة : فيه تفصيلٌ يأتي.
الخلاصةُ :
الفعل الجبلي ليس فيه اقتداءٌ ، وهو يدل على الإباحة فقط ، ولا يدل على وجوب أو استحبابٍ .
ملاحظة :
يجوز ترك المستحب ، لكن لا يجوز ترك اعتقاد استحبابه. (225)
س :
جاء في الحديث " لكني أصوم وافطر ، و أقوم و أنام ، و أتزوج النساء وآكل اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " .
فذكر أكل اللحم وهو فعل جبلي صرف ، بل جعل تاركه آثما .
فكيف يقال : إن الفعل الجبلي الصرف يدل على الإباحة فقط ؟
ج :
الحديث واردٌ فيمن ترك هذه الأشياء تديناً ، فهو آثم لانه لا يعبد الله إلا بما شرع . وهذا بخلاف من تركها وهو يعتقد إباحتها فهذا تارك للمباح لا إثم عليه. ( ص225)
37- الهيئات :
الأفعال الجبلية الاختيارية الواقعة على هيئات معينة ، مثل النوم على الجنب الأيمن ، والشرب ثلاثا ، فهذا لا يدل على استحباب هذه الهيئات بل حكمها الإباحة.
إلا إذا ورد دليل على وجود التقرب فيها فإنها تكون مستحبة.
قلت:
كذا أطلق المؤلف القول في ذلك (ص227).وعلى التمثيل بالشرب ثلاثا تعقيبٌ. وذلك لانه جاء فيه ما يدل على الاستحباب ، وهو حديث انس رضي الله عنه في الصحيح ، فلم تبقَ المسالة مجرد فعل جبلي على هيئة معينة ، بل جاء معه قول .
ومما يؤكد ذلك أن المؤلف نفسه سيقول بعد قليل (ص226)عن الفعل الجبلي الصرف إذا وقع على هيئة معينة ويأتي قول مع الفعل فان هذا الفعل يخرج عن المبحث لان النظر يكون حينئذ في القول .
مثاله ما ورد في الحديث انه كان إذا شرب تنفس ثلاثا ، ويقول انه أهنأ و أمرأ .
فكان عليه أن يقول هنا مثلما قال هناك. (223).
وأيضا فقد جاء في النوم على الجنب الأيمن سنة قولية . والله اعلم.
38- مسالة :
مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على إيقاع الفعل الجبلي على هيئه مخصوصة فهذا فيه احتمالان :
يحتمل أن يراد به التشريع فيكون مستحبا .
ويحتمل أن فعله لداعي الجبلة فلا يكون مستحبا .
ومثال ذلك انه كان إذا نام وضع يده اليمين تحت خده. وكان يأكل بثلاث أصابع.
ومنشأ التردد قاعدة (تعارض الأصل والظاهر ).
إذ الأصل : يفيد عدم التشريع .
والظاهر : يفيد الاستحباب.
وهما وجهان للشافعية.
والمشهور عن المحدثين الاستحباب كما في شروح الحديث .
ورجح المؤلف انه للإباحة .



تنبيه :
مثل المؤلف للفعل الجبلي الاختياري الذي حكمه الإباحة بالنوم على الجنب الأيمن وذلك في ص (227) .
وفي هذا التمثيل نظرٌ واضحٌ ، لانه قد جاء حديث يأمر على الجنب الأيمن فخرج من باب الأفعال إلى باب الأقوال .
والحديث في الصحيحين من رواية البراء رضي الله عنه كما جاء في صحيح الجامع برقم (276).
مسالة:
الفعل الجبلي الواقع نادرا لا على سبيل التكرار. فهذا دلالته على الإباحة واضحةٌ ، والقول بالندب ضعيفٌ هنا.
وقد نُقل عن ابن عمر ( رضي الله عنهما ) ما يدل على الندب ، لكنه مخالف من قبل أكابر الصحابة ، و أولهم أبوه الخليفة عمر رضي الله عنه .
وابن عمر عرفت عنه المتابعة لاثار النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر المؤلف أمثلة لذلك.( ص228)

تعقيب:
الإمام ابن تيمية يفرق بين نوعين من المتابعة:
المتابعة في صورة الفعل ، والمتابعة في مكان الفعل .
فيقر بوجود الخلاف في الأولى ، و أما الثانية فهي عنده ممنوعة بالاتفاق .
هكذا نقل عنه المؤلف ( ص 229) ثم قرر صحته.
قلت : ولم يظهر لي ذلك التوجيه لكلامه بصورة واضحة ، بل كلامه معترضٌ بما ورد عن ابن عمر من تتبع الأماكن . فأين حكاية الاتفاق ؟ وانظر ص( 230).

مسالة:
الفعل الواقع أثناء العبادة ، مثل جلسة الاستراحة ، هذا فعل جبلي له علاقة بالعبادة فهل يدل على الإباحة أم الاستحباب ؟
وكذلك ما وقع في وسيلة العبادة ، مثل الذهاب إلى صلاة العيد من طريق والرجوع من طريق آخر.
وكذلك ما وقع قبل العبادة ، مثل الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل الفريضة على الشق الأيمن.
وكذلك ما وقع بعد انتهاء العبادة ، مثل الانصراف من الصلاة عن اليمين أو الشمال.
هذا كله يظهر فيه انه مستحب.

الخلاصة:
الفعل الجبلي بكل أنواعه يدل على الإباحة فقط ، ويدل على الاستحباب إذا كان له علاقة واضحة بالعبادة كان يدل على القربة.

فائدة:
الجلوس بين الخطبتين يوم الجمعة ، قال الشافعي بوجوبه وقال غيره انه مستحب . وانظر المغني ( 2/306 )لابن قدامة رحمه الله تعالى.
وهذا يُخرّج على الفعل هل هو فعلٌ جبليٌ له علاقة بالعبادة فيكون مستحباً أم هو فعلُ بيانٍ لواجبٍ فيكون من الفعل البياني ؟ على خلاف ، و لأحمد روايتان. ( ص 234)

خاتمة أبحاث الفعل الجبلي :
تقدم لدينا أن الفعل الجبلي قسمان هما : اضطراري ، واختياري .
وان الاختياري يقسم بدوره إلى قسمين : ماله صلة بالعبادة ، وما ليس كذلك . وذكرنا أن الفعل الجبلي بكل أقسامه يدل على الإباحة ماعدا القسم الذي له علاقة واضحة بالعبادة فهو يدل على الاستحباب.
وهناك من الأفعال يحصل فيها تردد هل له علاقة بالعبادة أم لا ؟وعلى ضوء ذلك يحصل الخلاف في الحكم.
ومن الأمثلة على ذلك:
- رفض النبي صلى الله عليه وسلم للتنشيف بالمنديل من الغسل.
- أكله من كبد أضحيته يوم عيد الأضحى.
- ذهابه إلى عرفة من طريق ضب ، ورجوعه من طريق المأزمين.
- ركوبه أثناء الطواف ، والسعي ، والوقوف.
- الضجعة بعد ركعتي الفجر.
وهذا كله راجع إلى تعارض الأصل مع الظاهر ، وتقدم ذكره. ( ص136 ) ورجح المؤلف الإباحة أي الأصل.



الفعل العادي
39- هو الفعل النبوي الجاري على عادة القوم وأعرافهم ، مما لم يدل دليل على ارتباطه بالشرع.
مثل العناية بالبدن ، والمناسبات الاجتماعية ، والعوائد الجارية فيها ، كاللباس والنكاح. وحكم ذلك كله حكم الفعل الجبلي وهو الإباحة فقط. فإذا ورد قول يأمر بذلك ، أو يرغّب فيه ، أو جاءت قرينة تدل على علاقة الفعل العادي بالشريعة ، فهذا خارج عن هذا النوع.
وبهذا تعرف فساد وبطلان قول محمد أبي زهرة الأزهري أن إطلاق اللحية فعل عادي لا يدل على الوجوب ، بل هو عادة وعرف متبع في قريش. وفساده يظهر بالأحاديث الآمرة بذلك الإطلاق ، والناهية عن ضده ،مما يدل بما لا يجعل مجالا للشك على ارتباطه بالشرع.
كل ما تقدم (ص237-238).
ملاحظة: ذكر أبو زهرة رأيه هذا في كتابه أصول الفقه !!
الفعل الدنيوي
40- هو الفعل النبوي الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم لتحصيل نفعٍ في البدن أو المال ، أو دفع ضررٍ عنهما.
ومن ذلك:
- الأفعال الطبية.
- الأفعال الزراعية.
- الأفعال الصناعية.
- الأفعال التجارية.
- الأفعال التجارية.
- أفعال الكسب والمعيشة.
- التدابير العسكرية.
- التدابير الإدارية.
حكم ذلك :
وهذه كلها تدل على الإباحة فقط.
مسألة:
اعتقادات النبي صلى الله عليه وسلم أو ظنونه في الأمور الدنيوية هل يلزم أن تكون مطابقة للواقع من اجل النبوة أم أنّ هذا أمر لا علاقة له بالنبوة ؟
للعلماء مذهبان.
الأول: انه مطابق للواقع وذلك لمقتضى العصمة. ولم نجد أحدا من قدماء الأصوليين صرح بذلك . ويظهر أن هذه طريقة المحدثين.حيث نجد أبوابا في الصحاح والسنن والمسانيد متعلقة بالطب والزراعة ونحو ذلك ، كما في تراجم الأبواب التالية عند البخاري:
باب السعوط – باب أي ساعة يحتجم – باب الحجامة في السفر – باب الحجامة على الرأس . ولم يذكر البخاري في هذه الأبواب إلا أحاديث فعلية فقط .وكذلك أورد ابن القيم في كتابه في الطب النبوي.
الثاني: لا يلزم أن يطابق الواقع لان منصب النبوة متعلق بالأمور الدينية لا الدنيوية. وما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو إنسان له تجاربه الشخصية وعرفته وما سمع ورأى من غيره في حياته ونحو ذلك مما لا علاقة له بالنبوة.
والأدلة على القول الثاني:
1- حديث رافع بن خديج في صحيح مسلم في حادثة تأبير النخل.
2- حديث أم سلمة المتفق عليه ( إنكم تختصون اليّ ).
3- حديث الحباب بن المنذر قبل معركة بدر ( أرأي أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ ).
لطيفة:
قال بعضهم إن حديث ( انتم اعلم بأمور دنياكم ) هو توبيخ لهم فكأنه قال لهم : انتم اعلم بأمور دنياكم من أمور دينكم ؟!
وسياق الحديث يأبى هذا التأويل الغريب !
فائدة: رجح المؤلف القول الثاني. ( ص 244-246).
فائدة: إذا تردد الفعل بين أن يكون دنيوياً أو دينياً ، حُمل على انه ديني .
وذلك لان الأصل في البعثة النبوية بيان الشرعيات . ( ص249)

الأفعال الخارقة للعادة
41- وفيها ملاحظات ومسائل :
المسالة الأولى :
تكلم المؤلف عن الأسباب والمسببات ، وعن السنن الكونية.وذكر أن القوانين السببية في الأحياء اكثر تعقيداً ، وأصعب منالاً من قوانين السببية في العناصر والمواد والمركبات. ( ص 250 )

الثانية :
أنكر المعتزلة ، وأبو إسحاق الاسفرائيني ، والحليمي ،كرامات الأولياء !! ( ص254)

الثالثة :
فات المؤلفَ ( ص255) الإشارةُ إلى أن مذهب الحنفية مثل مذهب المعتزلة في مسالة إنكار حقيقة السحر .
وانظر تفسير آية هاروت وماروت من سورة البقرة في تفسير ابن كثير .

الرابعة :
هل يجوز للشخص أن يقصد إلى الأسباب الموصلة إلى الخوارق ؟
من العلماء من قال إن كرامات الأولياء تقع بدون قصد منهم ، لذلك لا يجوز للشخص أن يفعل الأسباب الموصلة إلى الخوارق.
ومنهم من قال إنها تقع بقصد منهم ، فيجوز أن يقصد إلى أسبابها الموصلة إليها
واختار المؤلف القول الثاني. ( ص260 )

رد المؤلف على الشاطبي :
ذهب الشاطبي إلى القول بجواز طلب أسباب الكرامات لإيقاعها ، وان كان ذلك في موضع الرخصة لا العزيمة . إلا انه على كل حالٍ جائز .
واحتج الشاطبي بان النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر المعجزات طلباً لإيمان الكافرين ، وتقويةً لإيمان المؤمنين . الموافقات (2/278).
قال المؤلف :
ونحن نرى أن الكرامات لا تقع على سبيل القصد ، وما يقع منها فانه يقع ولا يعلم المؤمن به إلا بعد وقوعه.
ودليلنا على ذلك أن المعجزات خصائص للأنبياء ، والأصل في الخصوصية عدم الاقتداء . (ص260)
فائدة :
خوارق العادات لا ينبني عليها أحكام شرعية. ( ص262).

الخصائص النبوية
42- الأفعال الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام.
• ذكر المؤلف المؤلفات في الخصائص النبوية.(ص266)
• هل تغطية وجه المرأة وكفيها خاص بأمهات المؤمنين ؟ (ص268)
• تعقيب :
ذكر المؤلف ( ص268) أن الحوض من خصائص نبينا ، والصحيح انه ليس من الخصائص وان لكل نبيٍ حوضا ، إلا أن يريد بان له مواصفات خاصة من جهة الحجم وعدد الآنية.

43- قاعدة :
الأصل في الفعل عدم الخصوصية.
دليل القاعدة :
إن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث قدوة وداعية بأقواله و أفعاله.وهذا هو الأصل فيه والخصوصية تمنع الاقتداء فهي خلاف الأصل. (ص272)

44- مثال تطبيقي :
وضع الجريدة على القبر :
وضع النبي صلى الله عليه وسلم جريدة على قبرين ، بقصد التخفيف من عذاب صاحبيهما ، هو من الخصائص النبوية . وهو قول الخطابي والطرطوشي والقاضي عياض . نقلا عن فتح الباري ( 1/319).
ولكن ذهب ابن حجر إلى جواز ذلك قائلاً :
لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا ؟ أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب لو كان يعذب. وقد تأسى بريدة بن الحصيب الاسلمي الصحابي بذلك ، فأوصى أن يوضع عند قبره جريدتان . ذكر ذلك البخاري في باب الجنائز تعليقا ا.هـ
ثم قال المؤلف :
وكلام ابن حجر راجع إلى القاعدة التي ذكرنا ا.هـ

45- شذوذ :
ذهب أبو يوسف وابن علية إلى أن صلاة الخوف لا تصلى بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وحجتهم أن الخطاب الوارد في الآية كان خاصا له ( وإذا كنت فيهم ) .
نقله القرطبي في تفسيره (5/364).
ومذهب السلف والخلف انهم يقولون بمشروعية ذلك ، وان هذه الآية كقوله تعالى ( وشاورهم في الأمر ) والشورى بعد النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة بالاتفاق .

46- قول الحافظ العلائي:
لقد لاحظ العلائي رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يختص في باب ( القربات والتعظيم ) بشيء يترخص فيه. يعني أن ما كان واجبا على غيره لا يكون في حقه مندوبا أو مباحا بل يكون واجبا أيضا ، وكذلك المحرم . وهذا واضح فانه صلى الله عليه وسلم تجب عليه أشياء هي مندوبة في حق غيره زيادة في التقرب ، فكيف يترخص فيما وجب على غيره.
وكذلك ما حرم على غيره تعظيما لحرمات الله تعالى فانه لا يرخص له في فعله .
وقد رد العلائي بهذه القاعدة على قول من قال إن استدباره صلى الله عليه وسلم للقبلة عند قضاء الحاجة هو خصوصية له ، لان ذلك وارد لتعظيم شعائر الله وتكريمها، فلا يحرم على غيره ويرخص له في هذا المجال.
قال المؤلف : وقوله في ذلك وجيه .

47- عدد الخصائص :
أول من استطرد فيها المزني صاحب الشافعي رحمهما الله. ويذكر ذلك بعض الفقهاء في مؤلفاتهم أوائل كتاب النكاح ، و أكثرها مما ينظر فيه . (ص280)

48- مسالة مهمة :
إذا امتنعت مشاركتنا للنبي صلى الله عليه وسلم في خصوصياته فهل يجوز الاقتداء بها ؟
للعلماء قولان في هذه المسالة :
• الأول : التوقف وعدم القول بالاقتداء . وهو قول إمام الحرمين والمازري والقشيري والغزّالي وابن السبكي.
• الثاني : انه يستحب لنا ما كان واجبا عليه من الأفعال .
ويكره لنا ما كان حراما عليه . وهذه قول أبي شامة .

فوائد :
- رد المؤلف على قول أبي شامة.
- امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من أكل طعام فيه ثوم في منزل أبي أيوب الأنصاري فقال أبو أيوب : أني اكره ما تكره يا رسول الله. فلم ينكر عليه. هذه الكراهة كراهة طبيعية لا كراهة شرعية .
- وان كانت قاعدة أبي شامة غير صحيحة إلا أن استقراء الخصائص يدل على أن الواجب منها مستحب في حقنا ، والمحرم منها مكروه في حقنا .
- فقاعدة أبي شامة لم تثبت بالدليل الذي أراده أبو شامة لكن الاستقراء يغلب الظن على صحتها .
- يمكن استخدام القاعدة بالعكس.
- تتبع الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير الأحاديث التي أوردها الرافعي في شرح الوجيز من الخصائص وهي التي يتناقلها الفقهاء ، فزيف بعضها كوجوب ركعتي الفجر. ( ص 281)

49- فوائد أخرى :
- قال بعض الصوفية : الولي بين مريديه كالنبي بين أصحابه. فهم ينقلون الخصائص النبوية إلى شيوخهم !!
- قاعدة أبي شامة السابقة يمكن الاستغناء عنها ، وذلك لان اكثر الأشياء التي قيل بكراهتها ، أو استحبابها لها أدلة خاصة بها تغني عن ذلك.
- تنبيه :
الإجماع الذي يستدل به على الخصوصية مثل إجماعهم على عدم التبرك بآثار غير النبي صلى الله عليه وسلم هو إجماع على الترك. لذلك يظهر انه يشمل الإجماع السكوتي فيكون حجة في هذا الموضع .والله اعلم.
- تنبيه :
قول المؤلف المتقدم ( ص272) " والخصوصية تمنع الاقتداء " ذكره وكأنه أمرٌ متفق عليه ، ثم انه بعد ذلك كله حكى قولين للعلماء في الاقتداء بالخصوصيات. فهذا اضطراب من المؤلف حيث كان عليه أن ينبه على وجود الخلاف كأن يقول " الخصوصية تمنع الاقتداء على الراجح " ، كما هو معلوم في نقل الأقوال وتحريرها ، والمؤلف جيد في هذه الناحية . لاسيما وهو في معرض الاستدلال على قاعدة مهمة من قواعد الأفعال النبوية ، والله اعلم.

الفعل البياني
50- هل يمكن أن يتجرد الفعل البياني عن الامتثال فيتخلص للبيان ؟
وصورة ذلك أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً هيئته هيئة العبادة ، وهو لا يقصد به العبادة بل يقصد مجرد التعليم .
ج – يفهم من كلام البناني في شرح جمع الجوامع (2/98) انه لا يتصور انفصال الفعل البياني عن الامتثال.
وقد ورد في سنن ابن ماجة والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرةً مرةً ،ثم قال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ، ثم توضأ مرتين مرتين ، وقال : من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً ، وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي.
قال القاضي حسين من الشافعية : من أصحابنا من قال هذا الفعل حصل في عدة مجالس . لانه لو كان في مجلس واحد لصار غسل كل عضو ست مرات ، وذلك مكروه.
قال النووي : ظاهر رواية ابن ماجة انه كان في مجلس واحد ، وهذا كالمتعين ، لان التعليم لا يكاد يحصل إلا في مجلس واحد كما في المجموع (1/471).
فالوضوء الأخير من الثلاثة كان تمثيلاً وتعليماً لمجرد البيان فان صح الحديث كان دليلا على انفصال الفعل البياني عن الامتثال أحيانا.
س :
متى يكون الفعل واجبا ومستحبا في نفس الوقت ؟
ج :
يكون ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم للفعل الواحد من جهتين . فيكون واجبا من جهة وجوب البيان عليه ، ويكون مستحبا من جهة أن الفعل مستحب . ومثال ذلك بيانه لصلاة مستحبة . (ص 290 )
الفعل البياني : هو ذلك الفعل الذي قصد به النبي صلى الله عليه وسلم بيان مشكل من الأحكام الشرعية. ( ص 291 )
ملاحظة :
أنكر الإمام المروزي الشافعي ، والإمام الكرخي الحنفي ، جواز البيان بالفعل. والجمهور على جوازه ، وهو الصحيح ، ودليله الوقوع . ( ص 292)
51- مسالة :
هل يكون الفعل بيانا بنفسه أم لابد له من قرينة معه تدل على انه بيان ؟
ج/ الصحيح من الأقوال أن الفعل يكون بيانا بنفسه لا يحتاج إلى قرينة تدل على انه بيان. وتقدمت هذه المسالة برقم ( 13) .

52- الطرق التي يستدل بها على الفعل البياني :
• الأولى : القول ، مثل حادثة عمار بن ياسر وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم إياه التيمم وهو حديث في الصحيحين .
• الإجماع ، مثل إجماعهم في أعداد الركعات في الصلوات أنها بيان للصلاة المأمور بها في القران.
• الثالثة : أن يأتي خطاب مجمل ولم يأتِ قول يبينه ، ثم يأتي وقت التنفيذ والامتثال ، فيفعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلا يصلح للبيان.
وهذا بالنسبة إلى من شاهد الفعل الواقع كالصحابي .
ومثاله : أن الله تعالى أمر بالوقوف بعرفة ، ولم يذكر وقت الوقوف ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم تاسع ذي الحجة . فتبين بذلك وقت الوقوف بفعله .
• الرابعة : أن يُسال النبي صلى الله عليه وسلم عن مجمل فيبينه بالفعل ، كمن سأله عن أوقات الصلوات الخمسة فاجابه النبي صلى الله عليه وسلم بان يصلى معه اليومين ، وقال له : الوقت ما بين هذين . رواه مسلم
• السادسة : أن يأتي فعل نبوي صالح للبيان ، ولم تأت قرينة تدل على ذلك ولم يأت بيان قولي ولا فعلي . ومثاله أن الجزية وردت مجملة و أخذها النبي صلى الله عليه وسلم بمقادير معينة. وهذه طريقة أبي نصر القشيري.
ملاحظة : جعل المؤلف في (ص 394 ) تحريم ميتة الجراد غير داخل في لفظ ( الميتة ) انه من بيان المجمل بالفعل .
قلت : والصواب أن ذلك مبين بالقول ، كما في الحديث الوارد ( أُ حلت لنا ميتتان و دمان ...) الحديث . وانظر الموافقات ( 4/372).
فائدة:
البيان يعد كأنه منطوق به في النص المبيـَّن . قاله القرافي في شرح تنقيح الفصول (ص126) وانظر إرشاد الفحول (ص 36) .

53- الأجزاء غير المراده من الفعل البياني :
المشكلة الكبرى في الأفعال البيانية _ وخاصة العبادات _ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل العبادة بجميع أجزائها الواجبة والمندوبة ولا يعين ذلك . فما يقوله جمهور الأصوليين من أن الفعل الواقع بيانا لواجب فهو واجب ، هو قولٌ مشكلٌ جداً. لان ذلك يقتضي أن جميع أفعال العبادة واجبة مثل أفعال الصلاة وأفعال الحج ونحوها.
قلت : كنت قد أشرت إلى هذه المسالة تحت الفقرة رقم 26 المتقدمة.
وقد بحث المؤلف هذه المسالة المهمة هنا بحثاً جيداً . وذكر أقوال بعض الائمة مثل ابن دقيق العيد وأبي يعلى الحنبلي ، وبين ما في كلامهم من الخلل.
ومع ذلك فكلامه لا يخلو من ملاحظات منها :
انه جعل الأمر الوارد في الحديث ( صلوا كما رأيتموني اصلي ) للإرشاد وليس للوجوب.كما في ( ص302 ) وذكر أن السياق هو الذي دل على ذلك.
وما ذكره لا ينهض دليلاً على ما ادعاه ، لان الأصل في الأمر الوجوب ، فلا يعدل عنه إلا بشيء ثابت وقرينة قوية صريحة.

فوائد :
- حديث مالك بن الحويرث ( رضي الله عنه ) له روايات عديدة في الصحاح والسنن . وهذه الزيادة ( صلوا كما رأيتموني اصلي ) ذكرت في رواية واحدة فقط عند البخاري .(ص302)
- جلسة الاستراحة لم يذكرها أحد إلا مالك بن الحويرث ، ولذلك أنكرها عامة الفقهاء .( ص 303 )
- لابد أن يكون النص القرآني مجملا حتى يكون الفل النبوي بياناً. وقد يختلف العلماء في النص القرآني هل هو مجمل أم لا ؟ ويكون ذلك سببا لاختلاف أقوالهم.
ومن الأمثلة على ذلك :
ذهب بعض الفقهاء إلى أن آية الوضوء ( و أيديكم إلى المرافق ) هي مجملة ، لان ( إلى ) الواردة في نص الآية تحتمل أن تكون بمعنى ( مع ) وتحتمل أن تكون بمعنى انتهاء الغاية ، فهي من المشترك ، والمشترك مجمل .
فجاء فعل النبي صلى الله عليه وسلم انه أدار الماء على مرفقيه مبينا أن كلمة ( إلى ) بمعنى ( مع ). واقتضى ذلك وجوب غسل المرفقين .
ومن العلماء من قال إن كلمة ( إلى ) بمعنى انتهاء الغاية فقط وليست الآيةُ مجملةً ، فلا يكون الفعل بياناً لمجمل . وعليه فان غسلَ المر فقين غيرُ واجب.
والجمهور على الوجوب ( ص306 )
تنبيه :
ذكر المؤلف وجوب المضمضة في الوضوء . وفيها بحث وكلام أوسع مما ذكره ، لذا وجب التنبيه .(ص306)




الفعل الامتثالي
54- هو الفل الذي قُـصد به مجرد الامتثال لطلبٍ معلومٍ لم يثبت انه من الخصائص النبوية.
محترزات التعريف :
- خرجت أفعال المكلفين بقيد فعل النبي .
- خرج الفعل النبوي الخاص به.
- خرج الفعل النبوي بقصد البيان.

55- إذا تردد الفعل بين كونه بيانياً أو امتثالياً ، فحمله على البياني أولى من حمله على الامتثالي . ( ص361) وتقدمت الإشارة إلى هذا تحت الفقرة (16)

56- دلالة الفعل الامتثالي مثل دلالة الفعل البياني ( ص312 ) ولكنها اضعف منه !!! ( ص314)

57- كلام عن صلاة التراويح ( ص313)
ملاحظة : ذكر المؤلف أن الوضوء مرةً مرة ً ، ومرتين مرتين ، وثلاثاً ثلاثاً ، هو من الفعل الامتثالي ، وهذا غلطٌ ، بل هو قول وليس بفعلٍ . وانظر سنن أبي داود الحديث ( فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم ) ، والعجيب أن المؤلف ذكر الحديث القولي بهذا الخصوص كما تقدم معنا تحت الفقرة رقم ( 50 ) !!

الفعل المتعدي
58- هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مما له علاقة بالآخرين.
مثال :
ائتم ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما وحده بالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل ، فقام عن يساره ، فجعله النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه ، رواه مسلم.
قال ابن حزم : هو واجب ، وبه قال الحنابلة.
قال أبو شامة : هو مندوب ، وبه قال الجمهور .
ومأخذ الجمهور هو القرينة الدالة على عدم الوجوب ، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبطل تحر يمته . كما في المغني لابن قدامة (2/213)
مثالٌ ثانٍ :
كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يصلي واضعاً يده اليسرى على اليمنى ، ثم رآه النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يمناه على يسراه .رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجة ، وقال ابن حجر : إسناده حسن . كما في نيل الاوطار ( 2/194) فهذا دال على الاستحباب . (ص318)
ملاحظة :
افرد بعض الأصوليين الفعل المتعدي وجعله نوعاً خاصاً .وقد تقدمت الإشارة إلى التقسيمات هذه.


ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في انتظار الوحي

59- مثال :
أبهم النبي صلى الله عليه وسلم إحرامه في الحج فلم يعين هل هو قارنٌ أم متمتعٌ أم مُفرِد ؟
ونقل عن بعض الشافعية انه يستحب الاقتداء به ، فيكون إبهام الإحرام مستحبا .
وقوله هذا مردودٌ ، لان النبي صلى الله عليه وسلم أبهم الإحرام لانه ينتظر الوحي ، و أما بعد مجيء الوحي فلا مسوغ لذلك.
ومع هذا فان هذا الفعل يدل على جواز الإبهام ، لانه لو كان فاسداً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ، وانتظار الوحي لا يبيح فعل المحظور . فالفعل يدل على الجواز ، أما الدلالة على الاستحباب فلا . ( ص320)
قلت :
قول المؤلف ( لانه لو كان فاسدا لم يفعله ) فيه نظرٌ ظاهرٌ ، إذْ كيف يعلم انه فاسد قبل مجيء الوحي ؟
غاية ما يقال عنه انه أمرٌ مسكوتٌ عنه ، فحصل فيه الاجتهاد ، والحال بعد مجيء الوحي اختلف تماماً . وهذا معلوم أن الأفعال قبل ورود النص في حكم العفو ، ولا يمكن أن يقاس عليها الأفعال بعد ورود النص ، كمن قال بجواز استقبال بيت المقدس بعد ورود النص قياسا على ماقبل وروده فهو جائز ، وان لم يقل انه مستحب ، فهذا قول باطلٌ . وبالله التوفيق
الفعل المجرد

60- هذا من أهم فصول الكتاب .
المراد بالفعل المجرد هو ماعدا الأفعال المتقدمة. والمقصود بالمجرد انه خالٍ من القرائن الدالة على نوعية الفعل.
س: إذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل فعلا مجردا فما حكم مثل ذلك الفعل في حقنا ؟ أن الإجابة على هذا السؤال هي أهم مسالة في باب الأفعال النبوية.

- الفعل المجرد المعلوم الحكم.
- الفعل المجرد المجهول الحكم.
قد يعبر بعض الأصوليين عن الحكم بالصفة وتعني حكم الفعل من وجوب وندب...وبعضهم يعبر بالوجه.

الفعل المجرد المعلوم الحكم :
إذا ثبت لدينا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل فعلا حكمه الوجوب أو الندب أو الإباحة ، ولم يكن من الأفعال المتقدمة فهنا للعلماء في دلالة هذا الفعل في حقنا سبعة أقوال هي :
المساواة مطلقا – المساواة في العبادات فقط – الوجوب – الندب – الإباحة – التحريم - الوقف .
وهذه الأقوال السبعة تتجه اتجاهين رئيسيين هما :
الأول : إن التأسي في الأفعال المجردة مطلوب شرعاً ، وهؤلاء منهم من يقول بالوجوب ، ومنهم من يقول بالمساواة المطلقة ، ومنهم من يقول بالمساواة المقيدة بالعبادات ، ومنهم من يقول بالندب .
الثاني : إن التأسي في الأفعال المجردة غير مطلوب شرعاً ، وهؤلاء منهم من يقول بالتحريم ، ومنهم من يقول بالوقف ، ومنهم من يقول بالإباحة.

الفعل المجرد المعلوم الحكم :
تأتي فيه التفصيلات السابقة نفسها مع اختلافٍ يسير .
ملاحظات مهمة:
 معنى المساواة أن نساوي النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الأفعال. فما فعله واجبا فهو علينا واجب ، وما فعله ندبا فهو في حقنا مندوب ، وما فعله مباحا فهو لنا مباح .
 الذين قالوا إن التأسي بالأفعال المجرد غير مطلوب شرعا عندهم وجود الفعل وعدمه سواء. ويبقى حكم فعلنا حكمه قبل ورود الشرع . فمن قال إن الأصل في الأفعال قبل ورود الشرع الإباحة ، قال بالإباحة ، ومن قال إن الأصل في الأفعال قبل ورود الشرع هو التحريم ، قال بالتحريم.
ومن نظر إلى أن الفعل المجرد هو متردد بين الاختصاص والاشتراك توقف هنا وقال بالوقف .

القول الراجح :
- إنْ كان الفعلُ المجرد معلومَ الحكم ، فالراجح هو قول المساواة مطلقاً .
فما كان على النبي صلى الله عليه وسلم واجباً ، فهو علينا واجب .
و ما كان له مستحباً ، فهو لنا مستحبٌ .
وما كان له مباحاً ، فهو لنا مباحٌ .
- إنْ كان الفعل المجرد مجهول الحكم ، فان ظهر فيه قصد القربة ، فهو مستحب لنا ، وان لم يظهر فيه قصد القربة ، فهو مباح لنا .
هذا هو ترجيح المؤلف ( ص372).
تنبيه :
قد يحصل خلاف فرعي حول فعل معين هل يقصد به القربة أم لا يقصد به القربة ؟
وعلى ضوء ذلك يتحدد الحكم الفقهي.
مثال : مسألة لبس النعال في الصلاة التي أشار إليها الأمام ابن دقيق العيد رحمه الله في كتابه إحكام الأحكام ( 1/227). قال المؤلف : قد صح الحديث فيه ( خالفوا اليهود فانهم لا يصلون في نعالهم وخفا فهم ). رواه أبو داوود. فكان قصد القربة فيه من وجهٍ آخر . (ص331)

فائدة :
ذكر المؤلف كلاماً حول ما ينسب إلى الأئمة من القول في الفعل المجرد بنوعيه ، وفيه من الفوائد :
1) اضطربت كتب الأصول فيما تنسب إلى بعض الأئمة من الأقوال في دلالة الفعل المجرد.
قلت : وهذا حال مسائل أخرى ترى أن الكتب تختلف في تحديد مذهب بعض العلماء . فينسب صاحبُ كتابٍ ما إلى أحد الأئمة غير ما ينسبه الآخر. وحلُّ هذا الإشكال يتطلب الرجوع إلى كتب أصحاب المذاهب أنفسهم ، فمثلاً لمعرفة قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله نرجع إلى كتب الحنفية المعتمدة في مذهبهم ، ولا نحدد مذهبه من خلال كتب الشافعية ، وإذا أردنا معرفة مذهب ابن حزم علينا الرجوع إلى المحلى ، وهكذا ... لان كل واحد منهم أدرى بمذهبه ، وأدرى بأقوال أصحاب المذهب من غيره ، وكما قيل : أهل مكة أدرى بشعابها !
2) أسباب الاضطراب المذكور أعلاه :
منها أن ما أسند إليهم ليس منصوصاً عنهم ، بل هو تخريج على بعض أقوالهم في الفروع . ومنها اختلافهم في تحديد مقصود بعض عبارات العالم .
3) متقدموا الأصوليين تجد مذاهبهم وأقوالهم غير محررة ، وذلك لبُعد العهد
بهم . أما متأخروا الأصوليين فكثير من أقوالهم محررةٌ نسبياً. (ص 335)
4) اختلاف علماء المذهب الواحد على أقوال متعددة، ثم بعد ذلك يتم
الاستقرار على قول معين. ( ص 336 )
5) الفرق بين القليل والنادر. (ص343)
6) تطبيق لقاعدة الحكم للأغلب . (ص343)
7) الخصائص النبوية قليلة . (ص342)
8) الاحتمال الذي يسقط الاستدلال معه ، لابد أن يكون احتمالاً قوياً .
9) الإباحة قسمان :
- إباحة شرعية : وهو مجيء دليل شرعي على أن هذا الشيء مباح .
- إباحة عقلية : وهو خلو الشيء من نصٍ شرعي .
10) القائلون بالوقف يقولون ترجع الأفعال إلى ما قبل ورود الشرع ، أي قبل
الخطاب الشرعي وهي الإباحة العقلية. (346)
11) القول بالتحريم لم يُنسب إلى قائل معين !! وقال عنه أبو شامة رحمه الله :
هذا قول سخيف رديء ! (ص348)
12) الأقوال التي مرجعها إلى منع التأسي كان الجواب عنها سهلاً سريعاً.
13) الأسوة : تكون في الصورة ، وفي الحكم .
هذا هو الصحيح ، وذهب أبو شامة إلى أن الأسوة تكون في الصورة فقط ولا يشترط أنْ تكون في الحكم . واستدل بما نقله عن أهل اللغة . وقد تلقف عنه هذا التفسير الصنعاني ، وكلامهم فيه نظر .
14) من علم أن هذا الفعل قربة لكنه جهل حكمه هل هو واجب أم مستحب [ القربات لا تخرج عن الواجب والمستحب ] فهنا يجوز له أن يفعل هذا الفعل ويطلق النية ، وذلك بان يؤدي العبادة بدون تعيين نية ، هذا فيمن جهل الحكم. أما من يعلم الحكم فلا يجوز له أن ينوي غيره ، فمن علم أن هذا الفعل مستحب فيجب عليه أن ينوي الاستحباب ، و لا يجوز أن ينوي الوجوب ، وبالعكس . (ص360)
15) حقيقة الأسوة هي المساواة المطلقة . فإذا تم إخراج بعض الصور عن ذلك فان الباقي يبقى على الأصل وهي المساواة . وكذلك إذا خرج بعض الأفراد عن المساواة أي عن الأصل فان غيره من الأفراد يبقى على الأصل. (361)
16) القول بالندب والقول بالوجوب يجتمعان في تفسير الأسوة بالمساواة بالصورة دون الحكم . (ص363)
17) القول بالندب والقول بالوجوب ، لا يستساغ ذلك في الفعل النبوي المباح ، فان ذلك من البدع ، لان الله تعالى لا يُـعبد إلا بما شرع ، لا يعبد بالأهواء والبدع . فإذا كان الفعل النبوي مباحاً ، ثم جعلناه لنا واجبا أو مستحباً ، فهذا عين الابتداع ، ولا يمكن المسامحة في ذلك ، و لا يعد قولا من أقوال العلماء المحكية ضمن الخلاف المعتبر. (362)
18) يعمل بالاحتياط ما لم يتضمن ضرراً . قلت : انظر لزاماً المجموع(37/- 149الفهارس) لابن تيمية رحمه الله . (363)
19) ماثبت وجوبه ، ثم شككت هل أديته أم لا ؟ فالاحتياط أن تؤديه مرةً أخرى. أما مالم يثبت وجوبه وتشك هل هو واجب أم ليس بواجب فلا يصح أيجابه . فالأول مثل صيام الثلاثين من رمضان إذا غُمَّ . والثاني مثل صيام الثلاثين من شعبان إذا غُمَّ . قلت : فالأول من الخطاب التكليفي ، والثاني من الخطاب الوضعي ، فالاحتياط في هذه المسالة يدخل في التكليفي فقط لا الوضعي.
20) جاء تفسير للآية الكريمة [ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ]، وهو أنها آية من سورة الحشر نزلت في مال الفيء حيث أمرهم الله تعالى أن يقبلوا ما أعطاهم الرسول من مال الفيء ، وان يكفوا عما نهاهم عن أخذه. وهذا تفسير الحسن البصري والسدي ، كما في القرطبي (18/17). قلت : والمشهور أن الآية عامة في كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الشريعة ، ويحمل القول أعلاه على انه تفسير بالمثال ، كما هو متداول لدى أهل التفسير، وذكره ابن تيمية في رسالته في أصول التفسير ، وكذا يمكن القول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما هو مقرر ، وغير ذلك من التوجيهات لهذا التفسير. (ص368)
21) استدل القائلون بالندب بان الوارد في الآية [ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ...] قال لكم ولم يقل عليكم . (ص347) وهذا استدلال غريب ! ويا ليت شعري ماذا يقولون في الآية [ لكم دينكم ولي دين ] ؟ هل يحملونها على الندب ؟!!

61- مسالة :
الخطاب الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم هل يدخل فيه غيره ؟
ج / - أما من ناحية اللفظ فلا يدخل فيه غيره.
- و أما من ناحية المعنى فيدخل فيه غيره ، لان ذلك معنى الرسالة ، لان الأدلة العامة قامت على عموم الشريعة له وللمكلفين إلا ما جاء الدليل على التخصيص له دونهم .
وهذا قول الغزّالي رحمه الله ، وتبعه المؤلف .
فائدة :
القياس : هو جعل الخاص صيغةً ، عاماً في المعنى . وهو يدل على عموم التشريع . والقياس معنىً متفق عليه . قاله الشاطبي في الموافقات ( 3/51).



الأحكام المستفادة من الأفعال

تكلم المصنف هنا بكلام مشابه لما ذكره فيما تقدم ( ص 168) ضمن المبحث الثالث ، حيث ذكر علامات معرفة الواجب والمستحب ... وقد أعاد ذلك هنا من جهة أخرى ، والمضمون واحد.

واليك هذه الفوائد :

61- الفعل بمجرده قد يدل على الوجوب لكن لا يرقى إلى الركن .

ملاحظة :
قد يكون الجزء واجباً في العبادة المسنونة ، كالركوع في الصلاة النافلة بمعنى لا تصح صلاة النافلة إلا به ، لا بمعنى انه يعاقب عليه ، إذ يجوز ترك النافلة أصلا .

ملاحظة أخرى :
ذكر السبكي في قواعده الواجبات التي دلت على وجوبها الأفعال . وكتاب قواعد السبكي مخطوطة . (ص388)

قلت : هذا في وقت تأليف هذه الرسالة 1976 م ولعله الآن مطبوع .

62- الإباحة قسمان : شرعية وعقلية .صرّح بذلك الآمدي و الغزالي.
وقرر الرازي أن الأصل في الأشياء بعد ورود الشرع الإباحة فيما ينفع ، والمنع فيما يضر.
وتابعه كثير من الأصوليين. (ص394)
قلت: أشار المؤلف إلى الإباحة فيما تقدم.

63- ما ذكره المؤلف ( ص399) في بحث السببية من الأحاديث غير وارد في المصادر باللفظ الذي ذكره.

64- ما ذكره من الأمثلة ( ص399) في بحث الشرطية لا ينهض دليلاً للاستدلال على ما قال . ويظهر أن الفعل لوحده لا يدل على الشرطية بدون قول معه.
وما ذكره من الأمثلة يدل على هذا لمن تأمله.

65- مفهوم المخالفة :
يمكن استفادة الأحكام من الأفعال النبوية عن طريق مفهوم المخالفة ، بشرط كثرة الفعل . ( ص 415)

66- المبحث الثاني :
كيفية انسحاب حكم الفعل النبوي على أفعال الأمة :

اختلف الأصوليون في ذلك على قولين :
الأول – القول بالعموم . ونسبه الزركشي إلى بعض أصحاب مالك والشافعي.
الثاني – القول بالقياس . وبه قال الامدي.


ملاحظات :
 قال الشوكاني :الفعل لا عموم له . كما في إرشاد الفحول ( ص38).وقال الغزالي مثله قبله . كما في المستصفى (2/22).
 إذا دل الدليل على أن الفعل بيان لمجمل فانه يكون عاماً من جهة أخرى لا من جهة الفعل . قال ابن الهمام : العموم هنا للمحل لا لنقل الفعل . كما في تيسير التحرير (1/248)
 رأي المصنف : إن الذين عبروا بعموم الفعل إنما على طريق المسامحة لا على أن الفعل يدل على العموم في ذاته .
وذلك لان العموم من صفات الألفاظ ، والفعل ليس بلفظ .
و إنما يقصدون بذلك المساواة في الأحكام انطلاقا من الأدلة على عموم التشريع للنبي وللامة . إلا إذا دل الدليل على الخصوصية.
و أما القائلون بالقياس ، فيقصدون القياس بنفي الفارق ، لا قياس العلة . وهذا يجعل القولين يقتربان لاسيما إذا علمنا إن بعض الأصوليين يقول وهو ابن الهمام : إن الجمع بنفي الفارق ليس من حقيقة القياس. كما في تيسير التحرير (4/77) .
ولذلك فان الدلالة الفعلية هي من مفهوم الموافقة. هذا اختيار المؤلف.(ص421)


67- الأمور التي تحصل في العبادات نوعان :
- أمور مقصودة ، فهذه يستحب القصد إليها .
- أمور غير مقصودة ، فهذه لا يستحب القصد إليها . وسبب ذلك أن الله تعالى لا يعبد إلا بما شرع ، لا يعبد بالأهواء والبدع . وما لم يقصد إليه النبي صلى الله عليه وسلم وانما فعله اتفاقاً ، فالقصد إليه بدعة.
وهذه هي حقيقة المتابعة ، وهو التأسي المطلوب شرعا.
أمثلة :
- وقوف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة بعرفة ، كان يوم الجمعة . استحب السيوطي الوقوف بعرفة يوم الجمعة . وقد ردّ المؤلف على السيوطي بان يوم الجمعة وافق ذلك الوقوف ولم يكن مقصوداً بحد ذاته .
- استحباب التزويج في شهر شوال لورود حديث عائشة رضي الله عنها . ردّ المؤلف على من استحب ذلك ، وبين أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة في شهر شوال حصل موافقةً لا قصداً . فلا يشرع القصد إليه أي لا يستحب .
فما قاله النووي مردود عند المؤلف ، ووجّه قول عائشة رضي الله عنها ، بأنها ردت على من تطيّر بالزواج في شهر شوال .(ص430).


علاقة الأفعال النبوية بالأسباب

68- الأفعال النبوية بالنسبة للأسباب تكون على أقسام :

القسم الأول :
ما لا يكون مرتبطاً بسبب مثل نوافل الصلاة والصوم المطلقة .فهذا يفعل مطلقا بدون تقييده بزمن معين أو مكان .
ووجه ذلك أن تحديد السبب حكم شرعي لا يجوز إثباته إلا بدليل. وفي هذا فقه كبير في رد البدع .

القسم الثاني :
ما يكون مرتبطاً بسبب معلوم لازال باقياً ، فهذا لا يجوز فعله إلا عند وجود سببه . مثل القصر عند السفر ، وقنوت النوازل عند حلولها .
ويستفاد من هذا ، الردُّ على البدع مثل قنوت الفجر عند متأخري الشافعية .

القسم الثالث :
ما يكون مرتبطاً بسببٍ معلوم ، ثم زال السبب ، فهذا فيه قولان كلاهما عند الشافعية ، أولاهما فعله ، وثانيهما عدم فعله ، ورجحه المؤلف .
وأعطى لذلك مثالاً : الرمل في الطواف ، وناقشه مناقشةً جيدةً .

القسم الرابع :
ما لا نعلم سببه ، وهذا يشمل ما لا نعلم سببه أصلا ، أو ما دار بين أمور لا يدرى أيها السبب.
والصحيح أن هذا يُقتدى به ، لأننا افترضنا انه فعل شرعي غير جبلي ، وغير خاص ، فيستحب الاقتداء به ولو جهل السبب . وهو قول أبي إسحاق المروزي ، والسبكي ، والنووي. كما في قواعد السبكي والبحر المحيط للزركشي .
ومثال ذلك : مخالفة الطريق في صلاة العيد .ذكروا له عدة أسباب لا يعلم أيها السبب منها .
وهذا بشرط أن تكون الأسباب باقية ، فإذا زالت صار الفعل من القسم السابق . وما كان مرتبطاً بسبب معلوم ثم زال السبب فلا يجوز فعله.
وكذلك يشترط أن لا يكون الفعل مبيحاً لمحرمٍ ، فان كان الأصل في هذا الشيء التحريم ثم جاء فعل نبوي يبيح المحرم لسببٍ مجهولٍ فانه لا يصح الاقتداء به. مثاله اشتراط الولاء للمعتق.
كل ما تقدم : ( ص439-449).

قلت : تقدم عند المؤلف في خاتمة الأفعال الجبلية أن مخالفة الطريق من الأفعال الجبلية ، وهنا خالف ما ذكره هناك .

الفاعل وجهاته

69- هذه مسالة مهمة:
التصرفات الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون إما بوصفه إمام المسلمين ، أو بوصفه مفتياً يقتدي به المفتي ، أو بوصفه قاضياً يقتدي به القاضي ، أو بوصفه رسولاً يقتدي به الجميع .
وقد يكون التمييز بين هذه الجهات سهلاً واضحاً ، وقد يكون غامضاً ، فيقع فيه الخلاف .
وهذا التمييز أمرٌ مهمٌ لما يترتب عليه من اختلاف الأحكام باختلاف هذه الأوصاف.
وقد حاول القرافي محاولة جادة في هذا الموضوع في كتابه الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام .

قلت : هذه الرسالة مطبوعة في سنة 1967م بتحقيق عبد الفتاح أبي غدة رحمه الله تعالى.

ولما جمع النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه الأوصاف حصل بعض الاشتباه في بعض الأحكام هل هي أحكام عامة أم هي أحكام مؤقتة ؟
والقاعدة في ذلك :
أن ما لم يوجد دليل يحدد ذلك فإنها تحمل على أنها أحكام عامة ، لان الغالب في أحواله صلى الله عليه وسلم هو التبليغ فيحمل الحكم عليه لان الحكم للأعم الغالب لا النادر ، كما قال القرافي المالكي و الأسنوي الشافعي رحمهما الله ، في الفروق (1/208) والتمهيد (ص156) .

أمثلة :
1- جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه انه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى ، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فاخذ يده اليمنى وجعلها على اليسرى . رواه أبو داوود والنسائي.
فهل يسن لكل شخص أن يفعل ذلك بمن رآه واضعاً يده اليسرى على اليمنى أم هو خاص بإمام الصلاة ؟
الظاهر أن ذلك الصق بمهمة إمام الصلاة الراتب فهو الذي يتابع إقامتهم للصلاة ويعلمهم أحكامها.
ولذلك بوب النسائي في سننه باب في الإمام إذا رأى رجلا قد وضع شماله على يمينه ، وهو تبويب حسن.
وكذلك يقال في مسح مناكبهم في الصلاة ليستووا ، والتخول بالموعظة ، وما شابهه من الأحكام مما وقع في مسجده يكون من مهمة إمام المسجد .
قلت : وذلك مشروط بان يكون ذا علمٍ وفقهٍ ، لا أن يكون جاهلاً أحمق.

2- حديث ذي اليدين :وفيه فائدة أن الرد على الإمام واجبة دون غيره .
3- تحويل الرداء أثناء صلاة الاستسقاء ، قال الليث وأبو يوسف ومحمد : هذا مستحب للإمام فقط ، لانه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أصحابه . انظر المغني لابن قدامة ( 2/434) .
4- منع النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه من التزوج على فاطمة رضي الله عنها .
حصل ذلك من جهة البشرية التي تكون لدى كل أبٍ لا من جهة الرسالة . كذا قال المؤلف !؟
5- قصة هند من زوجها أبي سفيان في النفقة على عيالها.



علاقة الفعل النبوي
بالزمان والمكان

70- إذا دل دليل خاص على اعتبار الزمان والمكان أو إلغائه فلا إشكال في ذلك ، أما إذا لم يدل دليل خاص على الاعتبار أو الإلغاء ففي ذلك مذاهب :

- المذهب الأول : الأصل عدم اعتبار الزمان و المكان ، وبه يقول ابن الهمام والباقلاني والغزالي والامدي.
- المذهب الثاني : الأصل هو اعتبار الزمان والمكان .
- المذهب الثالث : اعتبار الزمان فقط .
- المذهب الرابع :اعتبار المكان فقط .

الراجح :
رجح المؤلف المذهب الأول ، بسبب انه الأصل ما لم نعلم إن الزمان والمكان مقصود شرعاً . (ص462) .

مثال تطبيقي :
جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد بين أصحابه ، فوهبت نفسها له ليتزوجها ، فكأنه لم يرد ذلك ، فقال له بعض أصحابه : إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فزوجه بها .(فتح الباري 9/206)
لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على استحباب عقد النكاح في المساجد ، لكون ذلك حصل اتفاقاً لا قصداً ، حيث لم يأت دليل يدل على أن المكان وهو المسجد هنا مقصود شرعا في عقد النكاح . (ص467)

ملاحظات :
 تكلم المؤلف (ص 468) عن هيئة الفعل .

 تكلم المؤلف (ص470)عن دلالة الاقتران و اثرها في الأحكام الشرعية المستفادة من الأفعال النبوية ، وقد توصل إلى أنها لا أثر لها .


 تكلم المؤلف (ص473) عن العناصر المادية المتعلقة بالأفعال النبوية ، مثل العصا والقوس في الخطبة ، والمحجن في استلام الركن ، والجذع قبل المنبر . وبين المؤلف انه لا يدخل التأسي في ذلك ، ويشمل هذا أيضا جنس المواد المستعملة مثل بناء المسجد من طين وسعف النخيل وفرشه بالرمل والحصباء ، وكون المنبر ثلاث درجات ومن أثل العابة . فكل هذا يدل على الإباحة فقط .

 تكلم المؤلف (ص474) على طول الفعل وقصره هل يعتبر في التأسي أم لا يعتبر ؟ وملخصه :

- إن علمنا حكم الفعل النبوي فحكمنا حكمه أخذا بقاعدة المساواة.
- إن لم نعلم حكمه وكان قربة يسن الاقتداء به لانه مستحب .
- إن لم نعلم حكمه ولم يكن قربة فلا يسن الاقتداء به لانه مباح .


الكثرة والقلة

72- كما أن التأسي يدخل في ماهية الفعل وزمانه ومكانه ن فكذلك يدخل في أدائه قليلا أو كثيرا ، وعلى التفصيل التالي :
• أن يكون الفعل له سبب معلوم ، فهنا يتبع الفعل سببه ، ان وجد السبب وجد الفعل ، وان لم يوجد السبب لم يوجد الفعل
• أن يكون الفعل قليلا لوجود سبب ، وهذا السبب قد زال ، فلا باس من الإكثار من هذا الفعل ، مثل صلاة التراويح جماعة في رمضان.
• أن يكون الفعل قليلا ، ولا يعلم له سبب ، فهنا يكون التأسي بالتقليل من هذا الفعل .
أمثلة :
قيام النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة ، لا يصح اتخاذ القيام سنة بناءً على ذلك ، بل سين التقليل منه .
فهو جائز مع عدم الإكثار ، وفعل الصحابة رضي الله عنهم يدل على ذلك.
ومثله تقبيل بعض الناس يد النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث وقع ذلك عدة مرات ، فلا يتخذ سنةً يكثر من فعلها ، بال السنة تقليل ذلك.
ومثله سجود الشكر لم يكثر منه الرسول صلى الله عليه وسلم .
ومثله الموالاة بين العمرة.
ومثله صلاة التطوع جماعة.

فوائد :
أ‌- سجود الشكر : كرهه أبو حنيفة ومالك .
استحبه الشافعي واحمد .
ب‌- لا يستحب الموالاة بين العمر والإكثار منها . قال ابن قدامة : و أقوال السلف تدل على ذلك و أحوالهم المغني (3/626) .
ت‌- تقبيل بعض اليهود يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجليه ، رواه احمد ، والترمذي وابن ماجة ، وتقبيل ابن عمر يد النبي صلى الله عليه وسلم رواه احمد وأبو داوود وابن ماجة .


73- مسالة :
هل يحمل الفعل النبوي على الحد الأدنى أم يحمل على الحد الأعلى ؟
إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً ما ، فهل نحمله على انه أدنى المراتب لكونه صلى الله عليه وسلم يفعل الأيسر لكي لا يشق على أمته . أم نحمله على أعلى المراتب لكونه اللائق بمنزلة النبوة ؟
الجواب على ذلك يكون بمعرفة القاعدة التالية :
إن كان الأصل المنع فجاء الفعل يدل على الجواز فهنا لا تجوز مجاوزة المقدار الذي جاء به الفعل .
وان كان الأصل الجواز فالفعل لا يدل على تحديد مقدار معين .

أمثلة :
الزيادة على ثلاثٍ في الوضوء :
قال البخاري رحمه الله : كره أهل العلم الإسراف فيه وان يجاوزوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم . فتح الباري (1/234)
قال الشافعي رحمه الله : لا احب الزيادة على الثلاث ، فان زاد لم اكرهه أي لم احرمه .
قال ابن حجر رحمه الله : وهذا هو الأصح عند الشافعية وعند بعض الحنفية إن اعتقد الزيادة سنة أخطأ وإلا فلا لوم .
قال احمد رحمه الله : لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى .
ويرى المالكية إن الوضوء يجب فيه الإسباغ و لا تحديد فيه من حيث عدد الغسلات في حدود الثلاث ويكره أن يزيد عليها.
هذه هي أهم الآراء الفقهية ، وكلٌ له دليلهُ .

أما في ضوء القاعدة المتقدمة فنقول :
أن الأصل ممنوع وهو الإسراف ، لذا يقتصر في الفعل على الأقل لمخالفته الأصل ، ولذلك كرهوا الزيادة على ثلاث . ومن لم ينظر إلى الإسراف أجاز ذلك .
ومثله قيام الليل : الأصل فيه الجواز لا المنع لانه نفل مطلق ،فالزيادة على الفعل جائزة ، فلا كراهة في الزيادة على 11 ركعة ، ومن كرهه فقوله مردود .
ثم ذكر المؤلف أمثلة أخرى ، مثل الحد ثمانون في الخمر ، وقصر الصلاة ، وقطع يد السارق . (ص483)




الطريق العملي
لاستنباط الحكم من الفعل

74- تعرض الغزالي رحمه الله لهذه المسالة (2/51) وكذلك أبو شامة رحمه الله . ونحن نفصل القول في ذلك :
من أراد استنباط الأحكام الشرعية من الأفعال النبوية فعليه أن يتبع الخطوات التالية :
1) الخطوة الأولى : أن ينظر إلى الفعل هل هو من الأفعال الجبلية . فان كان منها فلا يستفاد منه حكم اكثر من الإباحة .
2) الثانية : أن يبحث هل هناك مانعٌ من تعدية الفعل إلى الأمة ، مثل كونه من الخصائص النبوية ، فان وجد المانع وقف عنده .
3) الثالثة : أن يبحث هل ورد ما يدل على أن الفعل بيانٌ لخطابٍ عامٍ أو تنفيذ لحكم عامٍ . فان كان كذلك فيكون حكمه حكم العام .
4) الرابعة : أن يحمل الفعل على انه مجرد ، فيبحث هل ورد حكمه في حق النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب أو ندب أو إباحة ، فيكون حكمنا حكمه أخذاً من قاعدة المساواة .
5) الخامسة : فان لم يعلم حكم الفعل فهو مستحبٌ إن دل على القربة ، وهو مباح إن لم يدل على القربة .
6) السادسة : إذا ظهر الحكم في حق الأمة من وجوب أو ندب أو إباحة . فهنا يبحث هل الحكم جاء لسببٍ أم لا ؟ فان جاء لسببٍ لازال موجودا فانه يكون مرتبطاً بهذا السبب . وان كان السبب زائلاً فلا يشرع فعله .
7) السابعة : أن يبحث هل الفعل الوارد عنه صلى الله عليه وسلم بوصفه رسولا أم بوصفه إمام المسلمين أم بوصفه مفتياً أم بوصفه قاضياً أم بوصفه إمام الصلاة . فإذا تعينت جهة معينة من هذه الجهات حكم بموجبها وان لم يتبين ذلك فالأصل هو القول بالعموم .

هذه الخطوات في هذا الطريق يتبعها المجتهد في استنباط الحكم من الأفعال النبوية .
قال المؤلف : وهناك زوايا ومنعطفات أخرى في هذا الطريق ، تُـعلم مما تقدم بيانه .
لكل ما تقدم (ص487)

ملاحظات :
- طرق نقل الفعل النبوي . (ص 494)
- قول ابن قدامة في المغني (2/377) : ( لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إلا الأفضل والأولى ) فيه نظرٌ . (ص495)
- إدراك الصحابي للفعل النبوي على درجات متفاوتة .

وصور نقل الفعل تكون بالقول ، وبالفعل . والأول أعلى رتبةً .وهناك مسائل لها علاقة بقوة النقل وضعفه ، منها كون الراوي كثير الصحبة للنبي صلى الله عليه وسلم .ولذلك لم يأخذ كثير من الفقهاء برواية مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة لكونه قليل الصحبة خالف كثير من مكثري الصحبة لم ينقلوها فضعفوها من هذا الوجه .
ومنها أن يكون الصحابي نقل الفعل عدة مرات ، ولذلك كثر الخلاف في الأفعال النبوية في الحج لانه صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة .
ومنها ان يكون الراوي فقيها.
ومن صور النقل أن يرى الصحابي الفعل أو يقول فعل النبي صلى الله عليه وسلم كذا ، ويحتمل انه أرسله عن صحابيٍ آخر ، ومع ذلك فهو حجة لان مراسيل الصحابة حجة .
أو يقول فُـعل كذا وكذا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مثل [ كنا نُطرد عن الصف بين السواري ] .
ومنها قول الصحابي من السنة كذا .
وقد اعترض بعضهم باحتمالات ضعيفة لا توهن من الاحتجاج بالصور المتقدمة . ( ص502)
ومنها أن يكون الصحابي نقل الفعل عدة مرات ، ولذلك كثر الخلاف في الأفعال النبوية في الحج لانه صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة .
ومنها ان يكون الراوي فقيها.
ومن صور النقل أن يرى الصحابي الفعل أو يقول فعل النبي صلى الله عليه وسلم كذا ، ويحتمل انه أرسله عن صحابيٍ آخر ، ومع ذلك فهو حجة لان مراسيل الصحابة حجة .
أو يقول فُـعل كذا وكذا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مثل [ كنا نُطرد عن الصف بين السواري ] .
ومنها قول الصحابي من السنة كذا .
وقد اعترض بعضهم باحتمالات ضعيفة لا توهن من الاحتجاج بالصور المتقدمة . ( ص502)

ألفاظ مهمة

75-
ا- لفظ ( فَعَلَ ) المثبت لفظ مطلق عن ذكر الزمان .
مثاله : حديث ابن عباس رضي الله عنهما [ صلى رسول الله الظهر والعصر جميعا....] . اختلف الفقهاء في توجيه ذلك على الجمع الحقيقي أو الصوري.
فان احتمل الفعل المثبت عدة صور وجاءت قرينة تحدد الصورة المرادة فلا إشكال ، وان لم توجد قرينة توقفنا فيه. وقد قال الشوكاني : الفعل المثبت إذا كان له جهات فليس بعام في أقسامه لانه يقع على صفة واحدة . فان عرفت تعين ، وإلا كان مجملاً يتوقف فيه ا.هـ

ب- ألفاظ ( أمَرَ ) ، ( نهى ) ، ( قَضَى ) : هل هي من باب الأفعال أو الأقوال ؟ الصحيح أنها من الأقوال .
ج- لفظ ( كان ) :
وفيه مسائل :
1- التكرار : صيغة [ كان يفعل ] تدل على التكرار وهذا واضح. كما قاله ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام ( 1/90) .
واختلف أهل الأصول في التكرار هل هو من لفظة كان أم من الفعل المضارع ؟
ذهب إلى الأول الإمام الشاطبي في الموافقات (3/59)عندما أورد حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر والشمس في حجرتها . [ كذا أورده المصنف وفي الصحيحين العصر ]
وبه قال ابن الحاجب كما في تيسير التحرير .
وقيل من مجموعهما .
وقيل من الفعل المضارع وحده.
ورجح المؤلف الأخير . (ص507).
وقد ذكر ابن دقيق العيد في الإحكام (1/90) أن صيغة كان يفعل قد تأتي احياناً لوقوع الفعل مرةً واحدة ، و لا تدل على التكرار. وقد ذكر المؤلف متى تدل ( كان يفعل ) على المرة وكلامه ليس بالقوي !! فانظره (ص508)
ملاحظة مهمة جداً :
قال المؤلف :
ومن هنا يتبين أن بعض المؤلفين (1) في الحديث النبوي يخطئون حين ينقلون الحديث الفعلي بعبارة ( كان رسول الله يفعل كذا أو يقول كذا ) من اصل ليس فيه إلا ( فعل رسول الله كذا ) لما بين العبارتين من الفرق في المعنى . وقد علم إن من شرط الرواية بالمعنى التساوي بين اللفظين في معنييهما ا.هـ كلام المؤلف .
قلت :ويقصد بكلامه كتاب صفة الصلاة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله .


المسالة الثانية :
الدوام والمواظبة :
ومعناه عدم تخلل الترك ، فهو أخص من التكرار ، لان التكرار هو فعل الشيء عدة مرات وان كان يتركه احياناً .
وقد ادعى بعض الحنابلة الدوام في هذا التركيب ( كان يفعل ) ونسبه ابن تيمية إلى أبي يعلى وأبي الخطاب الكلوذاني ( المسودة ص 115 ) ولذلك استدل به أبو يعلى على الوجوب ، وتقدم ان أبا يعلى يقول بالوجوب في الفعل المجرد وتقدم الرد عليه أيضا . وتقدم أيضا أن الدوام على الفعل المجرد لا يدل على وجوبه.
والغرض هنا بيان أن صيغة ( كان يفعل ) تدل على التكرار لا على الدوام .

المسالة الثالثة :
نقل الفعل قد يكون مطلقا وقد يكون مقيداً. فان كانا في واقعة واحدة فانه يجب حمل المطلق على المقيد.وان كانا في واقعتين فانه لا يحمل المطلق على المقيد .
ومثال الأول مسح العمامة على الرأس في الوضوء والأحاديث المختلفة الواردة عن المغيرة بن شعبة . والحالة الثانية تدخل تحت باب التعارض بين الأفعال ، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى .فان لم نعرف هل هما واقعة واحدة أم واقعتان فهنا الاحتمالان واردان كلاهما والله اعلم.
76- نية التأسي :
ذهب بعض العلماء إلى انه يجب اشتراط نية التأسي في الفعل المعين. أي إذا فعل فعلا معينا على وجه العبادة فانه لا يكفي فيه نية العبادة بل لابد من أن ينوي مع ذلك نية التأسي أي يفعله من اجل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.
والذي يظهر انه لا يشترط ذلك بل تكفي نية الامتثال فلو نوى إخلاص العبادة لله أو نوى التقرب إلى الله أو نوى الطاعة للشارع وغير ذلك من النيات اجزأه ذلك ولا تشترط نية التأسي.وهذا ترجيح المؤلف ( ص515) .
قلت : وهو الحق إن شاء الله. وانظر كتاب مقاصد المكلفين لأخيه عمر سليمان الأشقر.
يقول مقيده غفر الله له : كتبت هذه التعليقات والفوائد في منتصف شعبان لعام 1422هـ الموافق 27/10/2001م وبه تم المجلد الأول من الكتاب.
ويليه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى .



بســم اللـه الرحـمــن الرحـــيـم
الجــزء الثـاني

1- الكتابة :
- تعريف الكتابة .
- مميزات الكتابة ، مميزات الكلام .
2- هل الكتابة قولٌ أو فعلٌ ؟
على ثلاثة أقوال ، الثالث أنها قسيم للقول والفعل .
والصحيح أنها فعل ، لأنها تحصل باليد . ومن عبر عن الكتابة بالقول من أهل اللغة فهذا من باب التجوز .
ملاحظة :
ومن التجوز به عنها ما ننسبه إلى الكثير من المصنفين من الأقوال انهم قالوا كذا وهم لم يقولوا بل كتبوا . (ص10-12)

3- هل يقع البيان بالكتابة ؟
الجواب نعم ، والخلاف المتقدم في جواز البيان بالأفعال ، لا يتطرق هنا ، وان كانت الكتابة من الأفعال لكنها أدل من سائر الأفعال . و لا خلاف في ذلك كما قاله ابن السمعاني و الشوكاني . (ص13)

4- الكتابة اقل رتبة من القول :
القول أقوى من الكتابة .
ومثال ذلك مسالة الطلاق و البيوع والعقود . (ص15)

5- قال المؤلف (ص19) :
ولابد لاثبات كل فعل منها من الاستقراء التام أو القريب من التمام لتحصل غلبة الظن به ا.هـ
قلت : الاستقراء نوعان : - التام وهو مفيد للاحتجاج به .
- غير التام وجعله مفيدا للاحتجاج فيه نظرٌ .

6- تقديم القول على الكتابة واضح ، وتقديم الفعل عليها مطلقاً فيه نظرٌ ، وكذلك تقديم الإشارة عليها فيه نظرٌ . (ص17-18)
7- أحكامٌ مستفادة من جهة الكتابة النبوية :
• الصلاة على النبي أول الرسائل.
• الحمد والبسملة أول الرسائل.
• (سلام على من اتبع الهدى ) تكون للكفار.
• جواز لمس الكافر ما فيه قران.
• بداءة المرسِل باسمه.

8- الإشارة :
هي لغة عالمية ، لا ترتبط بلغة معينة ، يستعملها البشر ، وهي من الأفعال غير الصريحة .

9- الإشارة عند الفقهاء :
تقسم إلى ثلاثة أقسام :
• حال الأخرس : إشارته معتبرة في كل شيء لأنها لغته ماعدا الشهادة واليمين .
• المعتقل لسانه : وسط بين الأخرس والناطق ، حكمه حكم الأخرس عند الاكثرين .
• الشخص الصحيح : إشارته لا يعتد بها ، لانه قادر على النطق ، ما عدا الإفتاء و إعطاء الأمان للكفار فان الإشارة تقبل منه .
فوائد :
- ما تقدم ذكره السيوطي في الأشباه والنظائر .
- الإشارة الصريحة من الأخرس التي يفهم منها الطلاق يقع بها الطلاق ، حكمه حكم الطلاق الصريح من الشخص الصحيح ،والإشارة غير الصريحة من الأخرس بالطلاق لا يقع إلا مع النية للطلاق .
- هناك تفاصيل أخرى في هذه الفروع . (ص25-26)

البيان بالإشارة :
يقع البيان بالإشارة ، فلو قال رجل لزوجته ( أنت طالق هكذا ) و أشار بأصابعه الثلاث ، طلقت ثلاثاً عند كل من يقول بوقوع الثلاث مجتمعةً .
ووجهه : ان ( هكذا ) لفظ يجب حمله على مدلوله ، وقد بين مدلوله بالإشارة فتعين . وقد جاءت أمثلة كثيرة في السنة للبيان بالإشارة ، مثل الشهر تسعة وعشرون ، ولكن الله يعذب بذا ، فتح من ردم يأجوج ومأجوج ، الفتنة ههنا ، أنا وكافل اليتيم ، الهرج ، الساعة ....

ملاحظة :
يقع في هذا الموضوع خطأ مشهور حيث يمثل الأصوليون للبيان بالإشارة بقوله تعالى ( قال رب اجعل لي آية . قال آيتك الا تكلم الناس ثلاث ليال سويا. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم ان سبحوا بكرة وعشيا )فقد قامت الإشارة مقام القول ، كذا قال أبو يعلى في العدة .
قال المصنف :
وليس بحجة ، فان زكريا أفقده الله القدرة على النطق في تلك الأيام الثلاثة ، فرجع كالمعتقل لسانه . (ص29)
قلت : ويحتاج المؤلف الى نقل يثبت صحة دعواه .

10- المطلب الرابع :
التعارض بين الإشارة والقول :
قعّد السيوطي في ذلك قاعدة فقال : اذا اجتمعت الإشارة والعبارة واختلف في موجبهما قدمت الإشارة . الأشباه والنظائر ص315
ثم ذكر سبعة فروع تدخل في القاعدة وخمسة خارجها .
وهذا يدل على أنها أغلبية عند الفقهاء .

مثال :
قال : زوجتك فلانة هذه ، وسماها بغير اسمها ، فان العقد صحيح على المشار عليها لا المسماة .
مثال :
حديث الجبهة والأنف .
قلت : هنا كلام يطول به المقام . ص31-33

11- هل كانت بعض الإشارات ممنوعة على النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ذكر المؤلف حديث ( انه لا ينبغي لنبيٍ ان يكون له خائنة الأعين ) .
وفيه :
- تضعيف الحديث.
- الرد على الخطابي في تفسيره لخائنة الأعين .
- قال المصنف : ليس من الخيانة ان يضمر الإنسان في قلبه غير ما يظهره للناس اذا كان ما يضمره مباحاً . ص34
قلت :
كذا قال ، وليس بصحيح ، اذ لم يقصد الخطابي رحمه الله أمور الإباحة بل كلامه مفهوم منشرح الحديث عند الكلام على الخيانة.
فهي إظهار الأمان واخفاء العداء ( في هذا الموضع ) وينطبق عليه تعريف الخطابي ، وليس قصده ان كل إبداء مخالف للباطن هو خيانة ، فلا شك انه يفرق بين الخيانة وبين التورية في الحرب ، وكلاهما إبداء مخالف للباطن ، ولكنه قصد الخيانة التي تكون من هذا النوع ، لاان كل هذا النوع يسمى خيانةً ، كما فهمه المؤلف .
ولمزيد من التوسع ينظر هنا كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله في المجموع (13/134) ، (14/244) يؤيد ما ذهب إليه الخطابي .
ثم إن سند الحديث يحتاج الى مراجعة .

13- الأوجه الفعلية للقول
حاصل كلام المصنف هنا : أن القول له وجهان : وجه من جهة صدوره ووجوده فهو فعل. ووجه من جهة دلالته فهو قول.
ولذلك توجد كثير من الأقوال يستدل بها على طريقة الأفعال . فإذا جاء قول بمعنى الفعل فاننا نطبق عليه قواعد الأفعال .
ومثال ذلك أحاديث : إنها صفية – الأذكار – القضاء – الإفتاء – العقود .... (ص35)

14- فوائد مختلفة :
- قد يستعمل القول بمعنى الفعل .
مثال : قال بيده هكذا . أي فعل هكذا .
- العمل يشمل = القول + الفعل ( إنما الأعمال بالنيات ) .
قلت : فعلى هذا يكون تعريف الحكم الشرعي هكذا :
هو خطاب الشارع المتعلق بأعمال المكلفين اقتضاءاً أو تخييراً أو وضعاً .
- قد تشمل الأفعال كل من الأفعال والأقوال . وعلى هذا يتم تخريج التعريف المشهور للحكم الشرعي المتداول لدى أهل الأصول .
- تعقيب المؤلف على الخطابي (ص 34 ) وعلى ابن دقيق العيد (ص36 ) وعلى الشاطبي( ص 38 ) وعلى ابي الحسين البصري( ص39) .
- ختم المؤلف بحثه هنا بقوله :( بل كل شيء من أقواله صلى الله عليه وسلم له وجه فعلي )ص42 .
وبهذا يظهر لك قلة فائدة هذه التقسيمات الكثيرة التي ذكرها على لطافتها ودقتها ، وحقا فان الفائدة منها قليلة .

15- الترك :
تكلم المؤلف عليه ص( 47- 74 ) . ولي في ذلك رسالة صغيرة .

16- السكوت :
تكلم المؤلف عليه ص(74-92 ) وهو ضمن الرسالة السابقة.

17- التقرير :
قال المصنف ص96: ويستعمل الفقهاء الإقرار بمعنى الاعتراف لان من اعترف بما نسب إليه فانه لم يغير ولم يدفع عن نفسه .
قلت : وأيضا فان المعترف بإقراره قد اثبت الحكم عليه بعد أن كان مضطربا كالشيء المتحرك فيسكنه أو انه باعترافه اسكن الخلاف بعد ثورانه بين الخصمين والله اعلم .

19- تعريف الإقرار :
هو كف النبي صلى الله عليه وسلم عن الإنكار على قول أو فعل علم به .
ملاحظة : لم نقل هو سكوت ، لان النبي صلى الله عليه وسلم قد يسكت عن المنكر لكن يغيره بيده .
ملاحظة : بما أن التقرير هو كف فإذن هو فعل من الأفعال .

20- قال المؤلف ص 98: لما كان التقرير هو عدم الإنكار ..... الخ
قلت : التقرير هو الكف عن الإنكار وليس عدم الإنكار ، والفرق ان الكف أخص من العدم فقد لا يوجد الانكار ، وليس ذلك باقرار ، كعدم إنكاره صلى الله عليه وسلم لأشياء لم يعلم بها .
يوضح هذا ماقاله المؤلف نفسه قبل صفحة : أما الترك العدمي فلا يكون تقريراً ا.هـ

21- فوائد :
أ‌- قصة سعد بن معاذ [ أتعجبون من غيرة سعد..... ولا أحد احب اليه العذر من الله من اجل ذلك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ] متفق عليه
قال المؤلف : فقد ظن البعض أن هذا إقرار على القول وليس ذلك على إطلاقه ، بل قد اقر الغيرة و أنكر ما أوهمه القول من عدم الحاجة إلى البينة في ذلك ، فان قوله صلى الله عليه وسلم لا أحد احب اليه العذر من الله ، هو إلزام بالبينة.
ومنه انه لما خلع نعليه في الصلاة خلعوا نعالهم فقال صلى الله عليه وسلم : لم خلعتم نعالكم ؟ اعتبره ابن حزم إنكارا ( الأحكام ص430) واعتبره غيره استفسارا مجرداً (ص100).
ب‌- من صور الإنكار : حديث ( أنا أنا ) المتفق عليه !!
ت‌- من معاني الشهيد هو المنكر على الباطل ، حسب بعض الأقوال ، وفي الحديث " خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام الى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" . ولهذا كانت صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شروط شهادة هذه الأمة على غيرها من الأمم ، فالشهادة هنا مرتبطة بالبلاغ .( ص102)
ث‌- تجويز الصغائر على الأنبياء لا يمنع من حجية الإقرار كما انه لم يمنع من حجية الأفعال كما تقدم.
ج‌- يجوز ترك الإنكار على المصر الذي لم تنفع فيه التذكرة لقوله تعالى : ( فذكر ان نفعت الذكرى ) على احد القولين في تفسير الآية. (ص107)
ح‌- الاحتجاج بفعل السلف ( ص105)

22- تطبيق قاعدة النادر لا حكم له ( ص108)
23- السكوت المجرد : إقرار
السكوت مع قرائن الانزعاج او الضيق : إنكار
السكوت مع قرائن الرضا : إقرار من باب أولى
مثال الأول : سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد.
مثال الثاني : سكوته لما سئل أفي كل عام ؟ حيث اعرض عنه.
24- شروط صحة التقرير :
• العلم به
• أن يكون قادرا على الإنكار
• أن يكون المقر مسلما مكلفا
• أن لا يكون الفعل تقدم الإنكار عليه
• أن لا يوجد مانع من الإنكار مثل كون الإنكار يؤدي إلى شر اعظم .

25- ملاحظات على الشروط السابقة :
• شرط العلم : اشتراط العلم بالحادثة هو مذهب الجمهور . وقد ذهب ابن حجر إلى أن العلم ليس بشرط بل متى أضاف الصحابي الحادثة إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فانه يكفي وله حكم الرفع ، واحتج بان الصحابة لا يقرون على فعل غير الجائز في زمان التشريع . فقد استدل جابر على إباحة العزل بكونهم كانوا يفعلونه والقران ينزل ولو كان منهيا لنهى عنه القران ( ص112)
قال المؤلف : والذي عليه الجمهور ان اشتراط علم النبي صلى الله عليه وسلم لابد من اعتباره وهو الصواب . واما ما ذكره ابن حجر فالراجح انه لا يصح منه إلا لفظ " كنا نعزل والقران ينزل " دون قوله " لو كان شيئا منهيا لنهى عنه القران".
ملاحظة : جاء في رواية مسلم من حديث جابر أن ذلك بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينههم عنه . وبهذا يكون العلم به قد حصل فلا يبقى فيه حجة لابن حجر ، وقد ذكر ذلك ابن حجر نفسه في الفتح (1/229 ، 9/306 ) .
• قول الصحابي (كنا نفعل على عهد النبي كذا ) قيل هو حجة وقيل هو غير حجة وقيل هو حجة إذا كان خفاؤه مستبعدا وغير حجة إذا كان خفاؤه غير مستبعد . ورجح المؤلف القول الأخير (ص115) .
• ذهب الباقلاني والزركشي إلى أن إنكار المنكر لا يسقط عن النبي صلى الله عليه وسلم من اجل الخوف على نفسه لامرين : ان الله تعالى ضمن له النصر والظفر على أعدائه بقوله ( انا كفيناك المستهزئين ) وقوله ( والله يعصمك من الناس). والثاني : ان تركه الانكار يوهم جواز الشيء .
ويرد على ذلك بان كفاية المستهزئين ليست عامة وآية العصمة متأخرة نزلت في العهد المدني وقد كان قبل ذلك يحرس .واما إيهام الجواز فهناك علامات أخرى تدل على الحكم غير الإنكار ، وهي لا تخفى على الآخرين (ص115)
• سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن أقوال وافعال الكفار لا يدل على جوازها (ص116) قال ابن تيمية : إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبى وامثاله من أئمة النفاق لما لهم من أعوان ، فإزالة منكره بنوع من عقابه تستلزم إزالة معروف اكثر من ذلك . مجموع الفتاوى ( 28/31) .
• كلام حول القيافة (قصة مجزز المدلجي) ص118
• علاقة الإقرار بمسالة التدرج في الدعوة .
• المعروف والمشهور من أديان الكفرة لا يحتاج إلى توضيح ( ص122) .

26- المكروه :
المشهور عند أهل الأصول ان الرسول لا يقر المكروه بل ينكره ، وهذا أمرٌ مشكلٌ ، لان المكروه ليس بمعصية حتى يجب إنكاره ؟
والجواب انه وان لم يكن معصية من جهة جزئية لكنه مطلوب الترك من جهة الكل فيدخله الإنكار ( كل ما هو مكروه بالجزء فهو مطلوب الترك بالكل ) وهذا مثال جيد على التفريق بين الأحكام من جهة الجزء وجهة الكل . كما فصله الشاطبي في الموافقات ، هذا وقد خالف هنا ابن حزم فاجاز إقرار المكروه .

27- من مشكل التقارير:
حديث أم عطية رضي الله عنها في قصة البيعة وفيها النهي عن النياحة ، والأذن فيها ، وقد تعقب المؤلف قول ابن حجر في الفتح (ص128)

28- اذا اقر النبي صلى الله عليه وسلم عبادة فانها تحمل على الاستحباب فقط ، كما تقدم في حكم الأفعال .(ص129)

29- الأشياء التي كان يتحدث بها الصحابة أمام النبي صلى الله عليه وسلم من أمور الجاهلية لهم او لغيرهم فالاقرار عليها ليس بحجة ، ومن ذلك أخبار سلمان الفارسي بقصة تنصره واسره ورقه وما حصل له ثم إسلامه ( ص 133 ) .

30- تعدية التقرير الى سائر الأمة أقوى من تعدية الأفعال النبوية إلى سائر الأمة وذلك لاحتمال ورود الخصوصية وهو احتمال يضعف التعدية ( ص135)

31- استعمال النبي صلى الله عليه وسلم بعض الألفاظ التي جرت عادة بعض الأقوام باطلاقها من ألقاب وتسميات مثل : ( هرقل عظيم الروم ) ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في وصف الدجال كأنه عبد العزى بن قطن ، فاستعمل هذا الاسم عبد العزى ، وهذا ليس اعترافا بذلك بل هو من باب ذكر الواقع ، وهو وارد في القرآن أيضا ، لذا فهو من باب التعريف لا الاعتراف .(ص139)

32- فعل يحرم فيه الابتداء والدوام : مثل أكل الميتة .
فعل يحرم فيه الابتداء ويجوز في الدوام : مثل نكاح المحرم . ص140
قاعدة : الإقرار على الدوام لا يلزم منه الإقرار على الابتداء فقد يقر النبي صلى الله عليه وسلم فعلا قد حصل لكن لو ابتدأ به الان لم يقره ، وذلك مثل الأشياء التي ابتدأها الناس في الجاهلية اقر استمرارها بعد الإسلام ولو ابتدات الان لابطلها .
مثال :
تخريق الأذن لاجل تعليق الأقراط . احتج ابن القيم على جوازه بان رسول الله صلى الله عليه وسلم راى ذلك فلم ينكره ، قال المؤلف : وليس هذا بحجة لاحتمال ان يكون التخريق حصل في الجاهلية فاقرّ دوامه ز ثم ضرب مثلا آخر وهو حديث ( إن امراتي لاترد يد لامس ) والحديث في ثبوته كلام وصححه احمد شاكر رحمه الله . (ص141)



الفصل السابع
الهم
1- الهاجس : قصير الزمن – قليل الوضوح .
2- الخاطر : أطول زمنا – اكثر وضوحاً .
3- حديث النفس : هو تردد بين فعل الشيء وتركه .
4- الهم : ترجيح فعل الشيء.
5- العزم : الجزم على فعل الشيء.
وهناك من العلماء من جعل الهم والعزم شيئا واحداً مثل ابن حجر في الفتح (11/328)، والهاجس والخاطر وحديث النفس لا تترتب أحكام عليها ، أما الهم والعزم فتترتب أحكام عليها .

36- هل الهم بالشيء حجة ؟
في ذلك قولان ، وذهب المؤلف الى انه غير حجة متابعا الشوكاني ، والصحيح هو التفصيل :
- اذا اخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الهم مثل حديث الهم بتحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة ، وحديث النهي عن الغيلة ، فهذا ليس بحجة ، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل الشيء ، ولو كان مشروعا لفعله ، وعليه فان استدلالات البخاري والحافظ في الفتح أثناء كلامهم على صلاة الجماعة ، فيها نظر، ينظر الفتح (13/215) .
- ان يحول مانع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين فعل الشيء فهذا هو الذي قال فيه الشافعي في الام (1/251) : في مسالة تحويل الرداء اثناء صلاة الاستسقاء ، وهذا النوع يختلف عما قبله ، لانه اوكد منه واعلى ، وينبغي ان يحمل كلام الشافعي على هذا النوع خلافا للزركشي الذي جعل مذهب الشافعي ان الهم مطلقا من اقسام السنة . والتفريق بين النوعين واضح .
قلت : قال المؤلف : فالقول بانه من اقسام السنة لايستبعد ا.هـ ولم يجزم بذلك ، والصحيح انه يقول بما قاله من قبله الشوكاني كما صرح به ص 149
ملاحظة : حادثة الاستسقاء وتحويل الرداء انفصل عنها ابن قدامة بتخطئة الراوي ، وتابعه المصنف على ذلك .
ملاحظة : حادثة تقديم الضب الى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيها جواز الاقدام على أكل ما لا يعرفه إذا لم يظهر فيه علامة تحريم . ( ص150)

37- ذكر السيوطي في الأشباه والنظائر(ص33) الفروق بين الهم والعزم ، والمؤلف في مقاصد المكلفين .وقد جعل الزركشي الهم من اقسام السنة ، قلت : وليس على اطلاقه كما تقدم .

38- أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة :
اتفق اهل العلم على ان اقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وافعاله قبل البعثة ليست بحجة في الاحكام الشرعية ، وانما ينتفع بها في دلائل النبوة كما أفاده ابن تيمية ، ولذلك يذكرها أهل التواريخ والسير ويهملها المحدثون ، اما الأصوليون فقد اختلفوا هل كان النبي صلى الله عليه وسلم متعبدا بشرع قبل البعثة ام لا ؟ على قولين ، وقد قال الغزالي في هذه المسالة : قال المازري وامام الحرمين هذه المسالة لا تظهر لها ثمرة في الأصول ولا في الفروع البتة بل تجري مجرى التواريخ ولا ينبني عليها حكم في الشريعة. كما في شرح تنقيح الفصول ص130 . ويؤيد ما تقدم استدلال خديجة رضي الله عنها بأحواله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة على نبوته ، وهنا قال البخاري في صحيحه باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها ولم يذكر الا حديث جابر في نقله صلى الله عليه وسلم للحجارة الى الكعبة ، وقوله لابن السائب نعم الشريك. (ص154).

39- علاقة التكليف بالأخلاق ، وتعليق المؤلف على كلام ابن عبد السلام في قواعد الأحكام وذكر قصة اشج عبد القيس ص155

40- رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام لا تدل على حكم .ص158

41- حكم ما فعل به عليه الصلاة والسلام بعد موته :
مثل غسله وتكفينه ودفنه ونحو ذلك ، جعله بعضهم حجة ، واستدل بان الله تعالى لم يكن ليختار لرسوله إلا الأفضل ، وهو قول ابن حجر في الفتح (12/135)، وليس بشيء ، فان المنازل والمآكل والمشارب لا يدعى أفضلية شيء منها الا بدليل خاص ، والقبر منزلة من المنازل ، أفاده المؤلف ، ( ص166) ، لكن يبقى النظر في أفعال الصحابة التي انتشرت ولم يعلم لها مخالف ، نعم من هذه الجهة يمكن الاستدلال بها على الأحكام .

42- أفعال الله تبارك وتعالى :
هذا نوع من الأحكام قلّ من ذكره من أهل الأصول ، وقد ذكره ابن تيمية في المسودة (ص298) ومثال ذلك الاستدلال على رجم المفعول به ( فعل قوم لوط ) بان الله تعالى عذب قوم لوط بالرجم . وهو قول مالك والشافعي واحمد ونصره الشوكاني في إرشاد الفحول ، وفيه قول انه لاحد عليه وهو مذهب أبي حنيفة.
قلت :في جعل هذا أصلا مستقلا نظر واضح ، فان ما ذكره المؤلف لا ينهض دليلا على على جعله أصلا قائما بنفسه ، والأمثلة التي ذكرت يمكن الاستدلال عليها من جهات أخرى .
فوائد :
1) سنة الله تعالى في إهلاك الكافرين .
2) الاستدلال بالفعل على لازمه .
3) فرار الحجر بثوب موسى عليه السلام .
4) الآداب البيانية من القران .
5) كل قضية ذكرت في القران ولم ينبه سبحانه وتعالى على بطلانها فهي قضية حق .
( هذا متعلق بمسالة شرع من قبلنا )
6) استدل العلماء على صحة المهايأة بقوله تعالى ( ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ) واستدلوا بقصة الخضر في خرق السفينة على جواز عيب ملك الغير لاجل إنقاذه .
7) تعقيب المؤلف على كلام ابن تيمية رحمه الله حيث جعل الإقرار حجة مطلقا وبين المؤلف أن هذا مشروط بعلم النبي صلى الله عليه وسلم .
هذه الفوائد كلها (ص167-ص179).


وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

تقويم النظر
16-01-06, 03:29 PM
تلخيص جميل نافع ليتك وضعته على ملف ورد

وهذا تلخيص لكتاب الاشقر لا لكتاب العروسي ، اليس كذلك ؟

أبوحاتم
18-01-06, 02:43 AM
هلا وضعته على ملف وورد؟

المصلحي
21-01-06, 02:32 PM
الى الاخوين الكريمين (تقويم النظر - ابي حاتم ) وفقكما الله لكل خير :
السلام عليكما ورحمة الله وبركاته:
- اما اولا فانه تلخيص لكتاب الاشقر .
- واما ثانيا فانا لا اعرف كيف انزل البحث بصيغة وورد .
واعتذر عن تاخر الاجابة فاني اتي الى الانترنت كل اسبوع تقريبا .
وشكرا على مروركما .

ابن الخطيب الهاشمي
05-07-14, 02:20 PM
تسلم وجزاك الله خير الجزاء