المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المنهج التعليمي عند المقرئين(إبراهيم الجوريشي)


أهل الحديث
19-01-06, 09:39 AM
ملتقى أهل الحديث > منتدى العلوم الشرعية التخصصي > المنهج التعليمي عند المقرئين

--------------------------------------------------------------------------------
تسجيل الدخولView Full Version : المنهج التعليمي عند المقرئين


--------------------------------------------------------------------------------

إبراهيم الجوريشي30-08-2005, 10:07 AM
المنهج التعليمي عند المقرئين
________________________________________
مقدمة في المنهج التعليمي
عند المقرئين

د. جايد زيدان مخلف

(( سمع الأحنف بن قيس التميمي أحدهم يقول : التعلم في الصغر كالنقش في الحجر، فرد الأحنف قائلا: الكبير اكبر عقلا ولكنه اشغل قلبا )).
البيان والتبيين للجاحظ
- 1 -
كان المقرئون هم الروَّادَ الأوائل في نشر المعرفة والتعليم، وعلى أيديهم نشأت العلوم اللسانية من نحو وصرف ومعاجم وبلاغة، والعلوم الشرعية من تفسير وفقه وحديث وما شابه ذلك، ولكن أحدا لم يحدثنا في مقام واحد عن المنهج الذي اتبعه أولئك المقرئون في مسيرتهم التعليمية، فكانت الحاجة ماسة إلى بحث يجمع الشتات المتفرقة في موضع واحد، وإعادة النظر في هذا الأسلوب المتبع في التعليم، ومدى الإفادة منه في الوقت الحاضر، والتدبر في أثر هذا الأسلوب في تقويم اللسان عند السابقين، واستشراق الصعوبة التي يعانيها طلاب اللغة العربية في الوقت الحاضر، بحيث لا يتمكن من تقويم لسانه من لحن في اعراب، أو حرج في تلفظ، كلُّ هذا يستدعي التوقف وتقليب النظر في الموضوع، علنا أن نهتدي إلى ما يخدم أبناءنا الطلبة في هذا المضمار.
فالقصد الذي ينزع اليه البحث إذن هو الكشف عن المنهج الذي أُتِّبِعَ في تعليم القرآن وحفظه واستظهاره ، ومدى صلاحية هذا المنهج للوقت الحاضر، وما الأضرار التي لحقت النشئ من ترك هذا المنهج من ضعف عام في سليقة هذه اللغة، وعدم استقامة اللسان على الفصحى، وعدم القدرة على الكتابة بصورة صحيحة تتوخى فيها استقامة العبارة ودقة التركيب، وضبط القراءة المعبرة عن المعنى.
فهو يرمي إلى علاج داء استشرى ، ويصلح أن يكون مقدمة لباحثين يتوغلون في جزئيات الموضوع، إذ أن السابقين كانوا قد تركوا لنا شذرات في صفة هذا المنهج نجدها في كتب التفسير والتراجم، ومن هذه الشذرات صُغتُ هذه المقدمة .
- 2 -
والأصول الأولى للمنهاج الذي اتبع في اقراء القرآن يلتمسه الباحث من آي الذكر الحكيم، والاخبار التي أحيط بها ذلك النزول من قبيل تلك الاشارات التي تتعلق بالآيات التي يمكن بسط القول فيها، وأولها قوله تعالى : {إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم }.
حيث ذكر الرازي في قوله تعالى {إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم} مسائل :
أولها: (قال بعضهم: إقرأ أولا لنفسك، والثاني للتبليغ، أو الأول للتعلم من جبريل، والثاني للتعليم...)( ).
فنجد منذ بدء نزول الآيات الأولى كان هناك منهج في تعلم القرآن وتعليمه، وتلقينه تلقينا، حيث أن جبريل حتى أعاد قراءتها عليه، ونقشت في قلبه، بعد أن غطهعليه السلام - لم يدع الرسول للاستقبال والتلقي :ثلاث مرات، والغط: هو العصر الشديد، وذلك ليهيء نفس الرسول قال تعالى : {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} [سورة النمل آية 6]، ومن معاني التلقي التلقين ، قال ابن منظور : (والرجل يلقى الكلام: أي يلقنه)( )، فالرسول لقن القرآن من جهة جبريل عليه السلام ثم أعاد هذه القراءة على جبريل وعرفها عليه يسير وفق هذين الأمرين ، التلقي(وعرض الشيء عليه أراه إياه)( ) فكان تعلم الرسول والعرض.
ويرافق التلقي أمور، منها : الاستماع التام، والتدبر، وعدم العجلة، والتدرج، وعدم النسيان لغرض التطبيق العملي لمفهوم القرآن ، والقرآن يتحدث عن هذه الأمور جميعا .
قال تعالى : {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}[الأعراف آية :204]، وقال: {أفلا يتدبرون القرآن} [النساء آية 82]، قال ابن كثير : ( يقول تعالى آمرا لهم بتدبر القرآن ، وناهيا لهم عن الاعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة)( ) .
وقال الزمخشري : ( تدبر الأمر : تأمّلَهُ ، والنظر في أدباره، وما يؤول اليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تأمل ، فمعنى تدبر القرآن ؛ تأمل معانيه وتبصر ما فيه) ( ). وهذا التدبر والفهم للمعاني يتطلب التريث وعدم العجلة في قراءته، قال تعالى: {لا تحرك لسانك لتعجل به، إنا علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرآناه فاتبع قرآنه ، ثم إن علينا بيانه} [سورة القيامة في كيفية تلقيهآية 16-19]، قال ابن كثير: (هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل - إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، فالحالة الأولى : جمعه في صدره، والثانية : تلاوته، والثالثة : تفسيره وايضاح معناه) ( ).
وذكر الرازي في قوله تعالى : {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} مسألتين :
الأولى : جعل قراءة جبريل عليه السلام قراءته ، وهذا يدل على الشرف العظيم لجبريل عليه السلام .
والثانية: لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبريل، ولكن يجب أن تسكت حتى يتم جبريل عليه السلام القراءة ، فإذا سكت جبريل فخذ أنت بالقراءة) ( ).
والقرآن لم ينزل مرة واحدة كالكتب السماوية السابقة، وإنما أنزل متدرجا، لأجل فهمه وتطبيقه، ولأجل تعليمه وتثبيته في النفوس، قال تعالى:{وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً} أي أنزل آية آية مبينا مفسرا، ولهذا قال {لتقرأه على الناس} أي لتبلغه للناس وتتلوه عليهم، { على مكث}، أي مهل {ونزلناه تنزيلا} [سورة الإسراء آية 106]، أي ؛ شيئا بعد شيء، وهذا دال على تدريج نزوله ليسهل حفظه وفهمه( ) حيث كان يبين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.
ومما يقتضيه هذا التطبيق العملي للقرآن أن يكون مستحضرا في الذهن وأن لا ينساه، لذلك كان من أوائل ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى : {سنقرئك فلا تنسى} [سورة الأعلى آية 6]، وفي هذا بشارة من الله سبحانه لرسوله أنه سيقرؤه القرآن ولا ينساه ، وقد ذكرت في كيفية ذلك الاقراء والتعليم وجوه :
أحدها: أن جبريل عليه السلام سيقرأ عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظا لا تنساه.
ثانيا : انا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظ في المرة الواحدة حفظا لا تنساه.
ثالثا: انه تعالى أمره في أول السورة بالتسبيح، فكأنه تعالى قال: واظبْ على ذلك ودم عليه ، فإنا سنقرئك القرآن الجامع لعلوم الأولين والآخرين، ويكون فيه ذكرك وذكر قومك، ونيسرك لليسرى، وهو العمل به.) ( ) .
وهذه الأمور التي ذكرها العلماء تقتضي المواظبة والتكرار لما يقرأ ، لذلك كانت الخطوة الثانية في التعليم وهي ( العرض) مهمة في سبيل الثبات والديمومة على الحفظ، لذلك كان جبريل عليه السلام يعارضه في قراءة القرآن كل سنة في رمضان مرة، وفي العام عارضه بها مرتين، وكانت العرضة الأخيرة هي التي عليها المصحف الذيالذي قبض فيه بين أيدينا ( ).
وبعد هذا وذاك ففي القرآن تيسير من الله لحفظه وتعلمه حيث قال : {ولقد يسرنا القرآن للذكر} [القمر آية :17] ، وذكر العلماء وجوها لهذا التيسير منها :
1- تيسير حفظه حيث لم يكن قبل القرآن شيء من كتب الله يحفظ عن ظهر قلب .
2- تيسير الاتعاظ به حيث أتى به بكل حجة .
3- جعله يعلق بالقلوب، ويستلذ في السماع، فلا يسأم .
حيث تحداهم به، ولا يسع أحد انكاره فهو4- جعله معجزة لرسول الله تذكرة لكل أحد( ).
يتلخص من هذه الأصول التي يتلمسها الباحث في المنهاج الذي انه كان مبنيا على أمرين هما : التلقي والعرض.اتبع في تعلم الرسول
ويرافق هذين الأمرين أمور هي :
1- الانصات والاستماع التام وعدم التعجيل حتى يتم جبريل عليه السلام قراءته .
2- التدرج في الحفظ وعدم تجاوز الآيات ذوات العدد .
3- فهم المعاني وإدراك المطلوب من الآيات القرآنية.
4- العمل مع العلم ، وهو المنهج بأن خلقه القرآن.التطبيقي لما يوحى ، حيث وصف الرسول
5- التكرار لما قرأه ، والمواظبة على ذلك لئلا ينسى.
- 3 -
هذه الأصول الأولى هي التي إتبعها الرسول في تعليم أصحابه القرآن وزاد على ذلك أن أمرهم بكتابته، إذ ما كان شيء من القرآن الكريم ينزل إلا أمر كتاب الوحي بإثباته، فكانت الكتابة خير عامل مساعد لتعليم القرآن ، علما أن الكثير منهم كان يعتمد ذاكرته في الحفظ دون أن يعرف الكتابة، إذ وهبهم الله قلوبا حافظة وألسنة لافظة.
ففي قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جاء إلى بيت أخته فاطمة وفيه زيد، كان الصحابي الجليل خباب بن الأرت - رضي الله عنه - يقرئهما سورة طه في صحيفة( ) ومن اهتمامه بالكتابة جعل فداء الأسير من قريش بعد معركة بدر تعليم عشرة من صبيان المدينة الكتابة.
قدوكان رسول الله رسم لهم المنهج في تعليم القرآن على نحو ما قال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثني الذين كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب - رضي الله كان يقرئهم عشر آيات ، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتىعنهم - أن رسول الله يتعلموا ما فيها من العمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعمل معا) ( ). وهؤلاء الذين وغيرهم كثير.( )ذكرهم كانوا قد جمعوا القرآن الكريم على عهد رسول الله
فكان رسول الله يقرئ بعضا، ويسمع من بعض، ويطلب من بعض أن يقرأ عليه. فهذا أبى بن كعب يأتيه رسول الله ، ويقول له : (( إني أمرت أن أقرأ عليك، وفي لفظ؛ إني أقريك القرآن، قال: الله سماني لك، قال : نعم، فبكى أبي )) ( ) .
وهذا أبو موسى قراءته،الأشعري (( كان من نجباء الصحابة، وكان من أطيب الناس صوتا، سمع النبي فقال : لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود)) ( ).
وهذا عبد الله بن مسعود ( أقرأ علي فقلت : يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليكيقول : (( قال لي رسول الله أنزل؟ قال : نعم، أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [سورة النساء آية:41] فقال : حسبك ، فإذا عيناه تذرفان )) ( ).
وابن مسعود هو الذي كان يقول : (( حفظت سبعين سورة ))( ).من في رسول الله
هذه الروايات تطلعنا على الأسلوب الذي كان في تعليم أصحابه، حيث كان يقرئهم، ويطلب منهم القراءة عليه فيجيزهميتبعه الرسول على ذلك، ويسمع منهم، ويتأثر بقراءتهم، ويشجعهم على ذلك ويمتدحهم، والرواية الأخيرة تطلعنا على كثرة التكرار لما يقرأه عليهم، إذ لم يكن ابن مسعود رضي الله عنه ليحفظ سبعين سورة من الرسول مباشرة مرة واحدة، أو مرتين في قراءة الآيات ، بل سمعها منه مرات عديدة حتى حفظها.
وكان يشجعهم في تعليم غيرهم ويوجههم إلى ذلك حيث كان يدفع بمن يدخل في الاسلام إلى أصحابه لتعليمه القرآن ، ويوضح هذا ما ذكره الصحابي الجليل عبادة بن الصامت إذ يقول كان رسول دفعه إلى رجل يُشغل فإذا قدم رجل مهاجر إلى رسول الله الله رجلا، وكان معي في البيت، أعشيه عشاء أهلمنا يعلمه القرآن ، فدفع إلى رسول الله البيت، فكنت أقرئه القرآن ، فانصرف انصرافه إلى اهله، فرأى أن عليه حقا، فأهدى إلي فقلت ما ترى ياقوسا لم أر أجود منه عودا، ولا أحسن منه عطفا، فأتيت رسول الله رسول الله فيها؟ قال : جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها)( ).
هذه الرواية تفيد بعد أن رسم لهم المنهج في التعليم مرنهم على تعليم غيرهم،أمورا : منها أن الرسول وتحفيظهم إياه بالتكرار لضبطه. وأنه نهاهم عن أخذ الأجرة على قراءة القرآن ليكون أخلص للقرآن في الدعوة، وأدعى إلى تجريد النفوس مما عند الناس طلبا لما عند الله، يحدوهم حديثه الشريف (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))( ), كما كان يبعث بمن يتقنون القرآن إلى الأمصار والبوادي من أحياء العرب الذين يدخلون في الاسلام، يعلمونهم إلى المدينةالقرآن ، ويفقهونهم في الدين، فهذا مصعب بن عمير بعث به رسول الله بعد بيعة العقبة ( وأمره أن يقرئهم القرآن ، ويعلمهم الاسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمي المقرئ بالمدينة مصعب)( ). وهكذا كان يفعل بالصحابة من الذين أتقنوا القرآن في أحياء العرب حيث يبعث بهم معلمين ومرشدين.
- 4 -
وبعد وفاة الرسول واتساع رقعة الاسلام احتاجت الديار المفتوحة إلى من يقوم بإقرائها وتعليمها القرآن، وأحكام الاسلام، فكان القادة يبعثون إلى الخلفاء ليوفدوا من يعلم الناس القرآن، فهذا يزيد بن أبي سفيان أحد قادة الجيوش الاسلامية التي فتحت ديار الشام يكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطلب منه أن يعينه برجال من القراء ليعلموا الناس الداخلين في الاسلام، فيوجه اليه ثلاثة من الصحابة هم: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، فيقيم عبادة بن الصامت في حمص، ويقيم أبو الدرداء في دمشق، ويقيم معاذ بن جبل في فلسطين، يعلمون الناس القرآن ويفقهونهم في الدين( ). كما أرسل عمر بن الخطاب عبد الله بن مسعود إلى الكوفة، وأبا موسى الأشعري إلى البصرة ( ).
هؤلاء الصحابة هم الذين أرسوا قواعد مدارس إقراء القرآن في الأمصار الإسلامية، فهذا أبو الدرداء يلي قضاء دمشق، يقول عنه سويد بن عبد العزيز: (كان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه ، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم يرجع إلى عريفه، وإذا غلط عريفهم يرجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك، وكان ابن عامر عريفا على عشرةِ، كذا قال سويد، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر)( ). ومثل هذا جرى في البصرة والكوفة وبقية ديار الاسلام المفتوحة تسير عملية تعليم القرآن مع الفتوحات لتعليم الداخلين في الاسلام، إذ لا تصح العبادة إلا بقراءة القرآن، وكان كل منهم يحرص على تعلمه والتعبد به، والقرآن الكريم هو الذي وحّد ألسنتهم بعد توحيد اعتقادهم، واخذه بسنة التدرج التي درجت عليها الشريعة في معظم أحكامها؛ إذ كان العرب قبائل متناوئة المحال وكان يصعب عليهم قراءته بلغة قريش ولغة الفصحاء من ((إنالعرب التي أُنْزل فيها القرآن، فكانت رخصة الأحرف السبعة بنص حديث الرسول هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف فأقرءوا ما تيسر منه))( ) علاجا لهذه المسألة ، وأخذا لهم بسنن التدرج، ويعلل ابن قتيبة ذلك بقوله: (ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا، لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة، فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات)( ) ولكن بعد اختلاطهم وتمازجهم وتأثرهم بلغة القرآن الجامعة، وتكرارهم لقراءته، أخذت تزول هذه اللهجات المتباينة بعد اجتماعهم على المصحف الامام الذي كتب في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث بعث مع كل نسخة من هذا المصحف بمقرئ يقرئ الناس بها ويعلمها، وعلى أيدي هؤلاء الذين أخلصوا أنفسهم لإقراء القرآن نشأت العلوم اللسانية والشرعية.
- 5 -
فكان من القراء أبو الأسود الدؤلي الذي قام بنقط المصحف نقط الأعراب، وتعد عملية نقط المصحف العملية الأولى في نشأة النحو العربي .
وكان أبو عمرو بن العلاء سيد القراء في البصرة واحد القراء السبعة يعد رأساً للمدرستين البصرية والكوفية في النحو، إذ تتلمذ على يديه نحاة البصرة والكوفة .
وكان الكسائي أحد القراء السبعة وراس المدرسة الكوفية النحوية
والمنهاج الذي اتبعه في تعليم أصحابه، من أخذهمهؤلاء المقرئون هو المنهاج نفسه الذي اتبعه رسول الله بسنة التدرج، فكان منهم من يقرأ عليهم آية آية، ومنهم من يقرأ خمسا خمسا، ومنهم من يقرأ عشرا عشرا .
والتدرج لم يكن في المقدار الذي يحفظه المتعلم فقط، الذي كانت تراعى فيه الفروق المقروئة، بل تعدى ذلك إلى النوعية في اتقان القرآن من ادغام أو عدمه والى همز أو تسهيل ووقف وابتداء ، أو فتح وإقالة، وما شابه ذلك من أمور يقتضيها تجويد القرآن وتلاوته وضبط أحكامه، فمثلا كان أبو عمرو بن العلاء إذا قرأ عليه المبتدئ لا يحاسبه في أمور الادغام كما لو قرأ عليه المنتهي، قال أبو معشر الطبري: (واعلم أن أبا عمرو كان يميز هذا التمييز على المنتهي، فإذا كان القارئ مبتدئا لا يبالي وقف بالامالة أم بغير الامالة)( ).
(والمبتدئ هو من شرع في الافراد إلى أن يفرد ثلاثا من القراءات، والمتوسط: إلى أربع أو خمس، والمنتهي: هو من عرف من القراءات أكثرها واشهرها )( ).
فعلى هذا نجد أن التدرج كان قائما في كل العصور، ولكن التدرج عند المتقدمين كان في المقدار الذي يحفظه المتعلم من الآيات، والتطبيق العملي لما احتوته الآيات من الأحكام، ولكن حين نشأ المتعلمون في ظل الاسلام، كان سلوكهم العملي يأخذونه من أهليهم ومجتمعهم الذي ربي على الاسلام، فصار التدرج ليس في العدد فقط، وانما كان في ضبط الألفاظ وتقويم اللسان على ذلك، إضافة إلى القدرة على الحفظ والاستيعاب.
والمنهاج في الكيفية تعددت اشكاله، منهم من كان يجيد القراءة والكتابة، فيعرض قراءته على المشايخ فييزيونه بعد تصويب ما كان يخطئ فيه، ومنهم من كان يتلقاه تلقيا - أي يلقنه تلقينا -، ومنهم من كان يكتفي بالسماع ويضبط مصحفه على ما يسمع، من ذلك ما حدث به خلف بن هشام الأسدي قال كان الكسائي إذا كان شعبان وضع له منبر فقرأ هو على الناس في كل يوم نصف سبع، يختم ختمتين في شبعان...) ( )وكان الناس يضبطون مصاحفهم على قراءته .
ومنهم من كان لا يكتفي بقراءته عليهم إذا كثر عليه الناس بل كان يطلب منهم ترديد ما قرأه عليهم لفظة لفظة، وهذا ما ذكره السيوطي عن ابن الجزري إذ يقول:
(يحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري، لما قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لإقراء الجميع، فكان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة فلم يكتف بقراءته)( ). ويظهر من هذا أن الترديد الجماعي هو استثناء لعلة كثرة الناس الذين يقرءون عليه، وضيق الوقت الذي لا يسمع له بإقراء كل على انفراد، والأصل لطالب القراءة أن يلقن القراءة ثم يعرض ما لقنه على شيخه فيسمع منه ويصحح له إلى أن يتقن القراءة فيجيزه بها. وبهذه الطريق اتقنوا القراءات وحفظوها في سن مبكرة، يقول سليم (سمعت حمزة يقول : أحكمت القراءة ولي خمس عشرة سنة) ( )وكثير غيره أتقن القراءة بهذه السن أو اقل من ذلك أو اكثر .
وتعليم القرآن للصبيان يكون عن طريق الاستظهار فالمنهج بطبيعته يتجه إلى التعليم اللفظي ، ويعتمد على الذاكرة، وعلى الأخص إذا عرفنا أن القرآن وهو أهم المعلوم يجب حفظه بألفاظه دون تحريف أو تبديل، لهذا السبب كانت الطرق التعليمية التي أوصى بها القابسي - أبو الحسن علي بن محمد بن خلف الفقيه القيراني ت 433هـ - لا تخرج عن الطرق الموصلة إلى جودة الحفظ وعدم النسيان فيما يختص بالقرآن ، وعنده أن طرق الحفظ ثلاث؛ التكرار، والميل، والفهم )( ).
وهذه الأمور الثلاثة التي أكدها القابسي تثبت النصوص في صدور المتعلمين . إذ التكرار يرسخ الحفظ، والميل اليها يكون بالترغيب في الثواب الذي أعده الله لمعلمي القرآن ومتعلميه، والفهم لهذه الأحكام يثبتها أكثر باقترانها بالعمل، لأن الفهم يعين على التطبيق، فيكون ذلك سلوكا للمتعلم، وسجية له في قراءته وانطباعه على الصحيح .
فالحديث الشريف (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )) هو الذي اقعد أبا عبد الرحمن السلمي أربعين سنة في مسجد الكوفة يعلم الناس القرآن .
والرغبة عند المعلم والمتعلم تكون أقوى وأفضل، خاصة إذا كانت عقيدة راسخة في النفوس، والقرآن الذي وحَّد اعتقاد العرب المسلمين أولا، ووحد السنتهم ثانيا، لقادر اليوم على علاج ألسنتهم من اللحن الذي طغى على عامتهم وخاصتهم .
وهذا المنهاج الذي اتبع في تعليم القرآن كأنه تطبيق للمقولة العربية الشهيرة التي سمعها الأحنف بن قيس التميمي من أحدهم ( التعلم في الصغر كالنقش في الحجر) .
وكان رد الأحنف عليه صحيحا أيضا إذ قال : ( الكبير اكبر عقلا ، ولكنه أشغل قلبا)( )
فتعليم العربية وتقويم اللسان يكون بإقراء القرآن وتلقينه للصبيان أولا، لأن الصبيان في هذه السن المبكرة قادرون على الاستظهار أو الحفظ، ومتى ثبتوا على ذلك الحفظ وتقدمت بهم السن اصبحوا قادرين على التحليل والفهم، وإدراك دقائق الأمور، فيكون تعلم العلوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة ... ميسورا سهلا، لأن المتعلم الذي يقرأ القرآن ويحفظه أو يحفظ منه، ويضبط ما يحفظ ويقرأ ، يطبع على اللفظ الصحيح، والاعراب الصحيح، ويكون له سجية لا تقبل الخطأ بسهولة، وهو يملك الامثلة الكثيرة على كل أمر من هذه العلوم وجزيئاتها .
وهجران هذا المنهج هو الذي أدى إلى الضعف العام الذي نراه بين الخاصة والعامة، والعلاج لهذا الضعف يكون بالرجوع إلى ذلك المنهج الذي اثبت نجاحه على مدى العصور السالفة، التي تخرج فيها فحول الشعراء والأدباء والفقهاء والقراء والمفسرون ...، والافادة من هذا المنهج بما يوائم روح العصر، من استخدام الأجهزة الحديثة المتقدمة التي تعين على تثبيت تلك النصوص في أذهان المتعلمين، لتكون لهم الأساس المتين في تعلم العربية .
فخلاصة الموضوع والنتائج التي يؤدي اليها :
المنهج الذي اتبع في تعليم القرآن هو التلقي والعرض وتراعى في ذلك أمور أهمها:
التدرج ومراعاة الفروق الفردية بين طالبي القراءة، والتدرج يشمل عدد الآيات التي يحفظها كل يوم مع ضبط أحكام التجويد، إذ حساب المبتدي خلاف حساب المنتهي.
والتكرار المستمر لما يقرأ الطالب، لأن ترك القراءة يؤدي إلى النسيان، في حين التكرار يثبت ما تعلمه في صدره، ويصبح له سجية ملازمة في حفظه .
والرغبة الصادقة من المعلم والمتعلم في إقراء القرآن ، لأنه عقيدة راسخة في النفوس لنيل الثواب والأجر المترتب على ذلك.
وحفظ القرآن ورسوخه في الأذهان يؤدي إلى امتلاك خزين كبير من صنوف الأمثلة لكل فروع العربية من نحو وصرف وبلاغة وأدب رفيع، ويسهل تعلمها واستقامة اللسان على ذلك.
والفهم والتطبيق العملي لما في القرآن يؤدي إلى السلوك المستقيم المنسجم مع ما تعلمه الطالب في حياته، وهذا يؤدي إلى الرضا الذي ترتاح له النفوس وتطمئن اليه الخواطر.




مجلة الحكمة

--------------------------------------------------------------------------------

ابو انس السلفى صعيدى
19-03-19, 03:50 PM
جزاكم الله خيرا موضوع قيم وياليت قومنا يطبقون هذا المنهج فى المدارس فالله المستعان