المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رد خبر الواحد بما يسمى بـ ( الانقطاع الباطن )حقيقته ، وحكمه وأثره في الفقه الإسلامي


أبوحاتم
07-04-03, 03:08 PM
رد خبر الواحد بما يسمى بـ ( الانقطاع الباطن )

حقيقته ، وحكمه وأثره في الفقه الإسلامي

د. ترحيب بن ربيعان الدوسري

الاأستاذ المساعد- بقسم أصول الفقه - كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية


ملخص بحث


فكرة البحث ونتائجه :

ذكرت فيه : أن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن ، به تضبط الاستنباطات ، والمآخذ الفقهيات ، وهو سياج عن الزلل والخطأ والخلل في التفقه في الدين ، وبالتمكن فيه يسهل الترجيح بين الأقوال والمذاهب الفقهية .

عرفت في البحث الخبر لغة واصطلاحاً وذكرت أقسامه ، وما يفيده كل قسم من العلم أو الظن وذكرت منزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها ، وبينت ما يرد به خبر الواحد عند الحنفية بما يسمونه بالانقطاع الباطن وذكرت اقسامه الأربعة ذاكراً أدلتهم في ردهم لخبر الواحد في كل قسم مبيناً الحق فيها مع ذكر الأمثلة التطبيقية في كل قسم من المسائل الفقهية مع ذكر حجج كُلٍّ في كل مسألة فيما يتعلق بهذا المأخذ ، مخرجاً أقوال الإمام أبي حنيفة في كل مسألة فقهية بما يتفق مع أصوله وأصول بقية الأئمة الثلاثة و المنقولة عنه وعنهم نقلاً لا مجال في الشك فيه من تقديم السنة على الرأي .

وقد توصلت إلى نتائج هامة جداً أهمها :

1-أن هذه المسائل دخيلة على علم أصول الفقه بل صلتها وثيقة بمباحث علم العقيدة .

2-لا خلاف بين أحد من علماء الأمة –لا سيما الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المعتبرين ومنهم الأئمة الأربعة – في وجوب الاحتجاج بالسنة ، معتبرينها صنو القرآن الكريم في التشريع العلمي والعملي .

3- أن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى يرون حجية خبر الواحد مطلقاً وأنه يفيد العلم والعمل معاً خلافاً لمن شذ عن طريقهم ممن نَسَبَ نفسه إليهم .

4- أن الطعن في خبر الواحد الصحيح بما يسمى بالانقطاع الباطن لدليل معارض قول مخترع اخترعه عيسى بن أبان ثم تبعه على ذلك أبو زيد الدبوسي ثم تتابع على القول به كثير من علماء الحنفية كالبزدوي والنسفي وعبدالعزيز البخاري حتى أصبح هذا القول أصلاً من أصول الحنفية .

5- لم يَثْبُتْ بناء أي مسألة من المسائل الفقهية على تلك القواعد ، كما لم يثبت عن الإمام أبي حنيفة القول بها .



* * *

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الغر الميامين وعلى من اتبع أثره واستن بسنته إلى يوم الدين . وبعد :

أهمية الموضوع :
فإن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن ، به تضبط الاستنباطات ، والمآخذ الفقهية . وهو سياج عظيم لمن أراد التفقه في الدين من الزلل والخطأ و الخطل. وبالتمكن فيه يسهل الترجيح في المسائل الفقهية المختلف فيها بين أئمة الفقه لإحاطته بالقواعد الأصولية التي بنى الفقهاء والعلماء عليها فقههم ؛ وكلما ازداد رسوخاً في علم أصول الفقه استطاع اختيار القول الراجح بسهولة ويسر مع اطمئنان إلى ما يذهب إليه . إلا أن هذا العلم دخله ما ليس منه – كما دخل غيره من فنون العلم الأخرى – فأذهب بريقه وصفاءه في كثير من مسائله مما يوجب على الباحثين فيه التحري والتحقق من صحة تلك الأصول وتلك القواعد والتأكد من عدم معارضتها لقواعد الشريعة الكلية أو الجزئية .

وقد أوضح فضيلة الدكتور محمد العروسي عبدالقادركثيراً من تلك المسائل التي أدخلت في مباحث أصول الفقه وليست منه ، مبيناً أنها مبنيةٌ على مسائل عقدية منحرفة ، فقال :- ( ولما تصدى هؤلاء المتكلمون للكتابة في أصول الفقه، لم يكتفوا أن خلطوها بعلم الكلام ومقدماته ، بل أدخلوا فيها أموراً افتراضية كتعارض خبرين ثابتين عن النبي r، وكتخصيص عموم الكتاب للسنة، وكجواب الرسول r للسائل بجواب أخص من سؤاله ، وكتمثيلهم في مسألة تكليف ما لا يطاق بالمستحيل لغيره وزعمهم أنه واقع في الشريعة . وكل هذه المسائل لا وقوع لها في الشريعة .

ثم إن المتكلمين يرون أن علم الكلام أساس في معرفة الأصول ، بل قد يفهم من ثنايا كلام القاضي أنه يرى أن التبحر في فن الكلام شرط في استجماع أوصاف المجتهدين ...

لأن كثيراً من هؤلاء الفقهاء أدخلوا فيما كتبوه عن الأصول شيئاً من أصول الأشعري وشيئاً من أصول الكلامية ، فكان حكمهم في الأشياء بحسب معتقداتهم وتصوراتهم لا بحسب الواقع الذي يشهد له الكتاب و السنة ….)([1])

وقال :- أيضاً – ( وقرر القاضي مسائل الأصول وبناها على مذهب أبي الحسن الأشعري – رحمه الله – فإنه كان يذهب مذهبه في القدر والصفات والكلام ، وينافح عنه .

ولما كان بعض مسائل أصول الفقه تشترك مع بعض مسائل أصول الدين ، كمسائل الأخبار ، وحجية المتواتر ، وأخبار الآحاد ، ووقوع النسخ ، ومسائل التكليف ، كالأمر بالشيء والنهي عنه هل يقتضي الأمر والنهي عن ضدهما ؟ والخلاف في جواز كون الأمر مشروطاً ببقاء المأمور على صفات التكليف ، وهل الأمر بالفعل يتعلق به حال حدوثه ؟ ومسألة الاستطاعة ، ومسألة تكليف ما لا يطاق ، والمسائل المتعلقة بالإكراه وغيرها من مسائل الإجماع والقياس والاجتهاد .

وأما حجية الإجماع والكلام في صحته وإثباته فمن مسائل علم الكلام ، ولما كان الأمر كذلك ، استطاع كثير ممن شارك في علم الكلام أو كتب فيه أن يكتب في أصول الفقه ؛ لأنه الميدان الذي ظهر فيه أراء المعتزلة ؛ ولأنه الفن الذي يمكن فيه تقرير مذهب أبي الحسن الأشعري أو مذهب غيره ….

ثم تتابع الأصوليون من المتكلمين أو المنتسبون إليهم كالقاضي البيضاوي وابن الحاجب والإسنوي– وفي عصر هؤلاء – وقبله بقليل ظهرت نزعة الكلام في أصول الحنفية ويتضح ذلك في كتابات شراح البزدوي والمنتخب للأخسيكثي ، ناهيك عن المتأخرين منهم كالنسفي حافظ الدين وابن الهمام . وهؤلاء المتكلمون من الأصوليين منهم من كتب وألف في الأصلين ، ومن له تأليف في أصول الدين وشرح لأحد كتب أصول الفقه ) ([2]).

ومن هذه المسائل التي حُشر بحثها في علم أصول الفقه وليست منه مقررة على خلاف الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين ، وعلى خلاف من ينتسب إليه مقرروها ألا وهو مذهب الإمام أبي حنيفة – رحمه الله – مسألة الانقطاع الباطن في أخبار الآحاد .



سبب اختيار الموضوع :-
لقد دفعني للكتابــة في هذه المســألة غير ما سبق أمورٌ أجمل أهمها فيما يأتي :-

1-توضيح هذه المسألة وبيان تعلقها بمسائل عقدية خطيرة خالف بعض المنتسبين إلى مذاهب الأئمة الأربعة الفقهية فيها أئمتهم .

2-توضيح رأي الأئمة الأربعة ولا سيما رأي أبي حنيفة في هذه المسألة .

3-نصرة الحق وتنقيته مما شابه من باطل .

4-كثرة ما ترتب على القول بها من مسائل فقهية مخالفة للأدلة الشرعية .

5-تبرئة أعلام الحنفية من القول بها وتبيين أن قائلها الأول ليس منهم ، وإن كان قد تبنى القول بها فيما بعد كثير من المنتسبين إلى أبي حنيفة .

6-ترغيب طلاب العلم في تعلم أصول الفقه على طريقة أهل السنة والجماعة حقاً (أهل الحديث والأثر) وذلك بالرجوع إلى أقوال الأئمة المعتبرين أمثال الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والبخاري ومسلم وابن قتيبة والسمعاني وابن عبدالبر وابن تيمية وابن القيم وابن كثير ومن سار على طريقتهم واقتفى أثرهم ، وفي الوقت نفسه تحذيرهم عن سلوك طريق المتكلمين من معتزلة وأشاعرة وماتريدية وغيرهم .

7-تشجيع طلاب العلم ممن هو متمكن في علم أصل الأصول : العقيدة ، وعلم أصول الفقه للكتابة في المسائل التي اختلط فيها الحابل بالنابل ، والحق بالباطل لتمييزها ، وتوضيحها ، وتنقيتها مما علق بها من شوائب باطل المتكلمين وبعض المنتسبين إلى مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - ممن أصبح فيما بعد يُعد من فقهاء الحنفية .

8- جدة الموضوع فإني لا أعلم أن أحداً من الباحثين أفردها ببحث مستقل.

خطة البحث :-
قسمت البحث إلى مقدمة اشتملت على أهمية الموضوع ، وسبب اختياره ، وخطة البحث ، ومنهجي فيه ، وإلى ستة مباحث على النحو التالي :-

المبحث الأول :- في تعريف الخبر ، وذكر أقسامه .

المبحث الثاني :- في بيان منـزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها وفيه مطلبان :-

المطلب الأول : في بيان منزلة السنة عند الشارع . وفيه أربع مسائل :-

المسألة الأولى :- في منزلة السنة في كتاب الله .

المسألة الثانية :- في منزلة السنة في السنة .

المسألة الثالثة :- في دلالة الإجماع على منزلة السنة .

المسألة الرابعة :- في دلالة المعقول على منزلة السنة .

المطلب الثاني : في بيان منزلة السنة عند سلف الأمة وأئمتها .

وفيه ثلاث مسائل :

المسألة الأولى :- في منزلة السنة عند الصحابة .

المسألة الثانية :- في منزلة السنة عند التابعين .

المسألة الثالثة :- في منـزلة السنة عند أعلام الهدى ومصابيح الدجى:- وفيها فقرتان .

الفقرة الأولى : في منزلة السنة عند الأئمة الأربعة على وجه الخصوص

الفقرة الثانية : في منزلة السنة عند سائر علماء الأمة .

المبحث الثالث :- في إفادة خبر الواحد العلم .

المبحث الرابع : في المشهور عند الحنفية .

المبحث الخامس :- في تحرير موطن النزاع وذلك ببيان ما المراد بالانقطاع

الباطن ، وذكر أقسامه وأنواع كل قسم .

المبحث السادس :- في أوجه انقطاع خبر الواحد الباطن لدليل معارض من

القسم الأول . وفيه أربعة مطالب :-

المطلب الأول :في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً لكتاب الله تعالى .وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .

المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .

المطلب الثاني : في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً للسنة المشهورة .وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .

المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .

المطلب الثالث :- في رد خبر الواحد لكونه حديثا شاذاً لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته .وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .

المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .

المطلب الرابع :- في انقطاع خبر الواحد لكونه حديثاً قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول. وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .

المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .

منهجي في البحث

سرت في البحث على النهج الآتي :-

1-عرفت بالمصطلحات العلمية ذات العلاقة بالموضوع ، والكلمات الغريبة .

2-عزوت الآيات القرآنية إلى مواطنها من كتاب الله وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية.

3-خرجت الأحاديث من مظانها مبيناً حكم العلماء عليها من حيث الصحة أو عدمها .

4-خرجت الآثار من مظانها .

5-حررت المسألة المبحوثة معتمداً في نسبة الأقوال إلى قائليها والمذاهب إلى أصحابها على الكتب الأصلية والمصادر القديمة .

6-ذكرت في المسائل الأربع أدلة المذاهب المختلفة ، واعتراضات كلٍ .

7-أبرزت أقوال السلف من الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة الأربعة في تلك المسألة لكونهم القدوة.

8-وثقت المسائل الفقهية من مصادرها المعتبرة .

وختاماً فقد اجتهدت فيما كتبت قدر استطاعتي متوخياً فيه الحق والصواب فإن كنت وفقت إليه فبفضل الله وحده أولاً و آخراً وإن كانت الأخرى فأستغفر الله وأتوب إليه .

هذا .. وقد سميت هذا البحث : بـ ( رد خبر الواحد بما يسمى بالانقطاع الباطن ؛ حقيقته ، وحكمه ، وأثره في الفقه الإسلامي ) .

وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .





المبحث الأول : في تعريف الخبر وذكر أقسامه

الخبر في اللغة([3]) هو :- واحد الأخبار . والخبر ما أتاك من نبأ عمن تستخبر. وخبره بكذا ، وأخبره : نبأه . و استخبره : سأله عن الخبر وطلب أن يخبره .

وفي الاصطلاح([4]) :- هو الكلام المحتمل للصدق والكذب لذاته .

و المراد بالخبر في هذا البحث: هو الخبر المنقـول عن الشارع ، وهو قسمان :- متواتر وآحاد.

و المتواتر لغة([5]) :- مأخوذ من التواتر وهو التتابع بين أشياء بينها مهلة .

واصطلاحاً([6]) :- خبر عددٍ يمتنع معه لكثرته تواطؤٌ على كذبٍ عن محسوسٍ أو خبرُ عددٍ عن عددٍ كذلك إلى أن ينتهي إلى محسوس .

والمتواتر يفيد العلم الضروري اليقيني عند جمهور العلماء ([7]) خلافاً للكعبي وأبي الحسين البصري المعتزلي وأبي الخطاب والجويني والدقاق الشافعي وغيرهم حيث قالوا إنه يفيد العلم النظري .

وأما الآحــاد فهـو في اللغة([8]) : جمع أحدٍ ، وهمزته مبدلة من الواو فأصل أحد: وحد .

واصطلاحاً([9]) :- هو ما لم يتواتر .

وهذا التعريف يشمل الخبر الصحيح وغيره ، إلا أن المراد هنا بخبر الآحاد أو الواحد :- هو الخبر الصحيح المروي عن رسول الله r بعدد من الرواة لا يبلغ عددهم حد التواتر .

وأما الحديث عمَّا يفيده خبر الواحد فسيأتي في موطنه – إن شاء الله – .


المبحث الثاني : في منـزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها.
وفيه مطلبان :
المطلب الأول: في منـزلة السنة عند الشارع . وفيه أربع مسائل :-

المسألة الأولى : في منزلة السنة في كتاب الله .

للسنة منزلة عظيمة عند الله وعند رسوله r فهي وحي من الله لرسوله كالقرآن إلا أن الفرق بينها وبين القرآن أن القرآن لفظه ومعناه من الله ، والسنة معناها من الله ولفظها من رسول الله r .

وهي مصدر للتشريع ككتاب الله. فالقرآن هو الأصل الذي حوى القواعد الكلية الأساسية من أمور العقيدة والعبادات والأخلاق والمعاملات وغيرها ، والسنة هي البيان الحقيقي والشرح الدقيق لما أُحتيِجَ فيه من القرآن إلى تبيين .

فمن رام العمل بالقرآن وحده دون الرجوع إلى السنة - ولا سيما السنة الآحادية لكثرتها وقلة أو ندرة المتواتر منها - فقد كذب ، بل هو - في الحقيقة - منسلخ من الإسلام ساعٍ في هدمه ، مستهزئ به وبأهله .

وقد دل على حجية السنة - متواترها وآحادها ، وأنها المصدر الثاني من مصادر التشريع ،وأن الواجب على من انتسب إلى الإسلام والإيمان وجوب الرجوع إليها في كل شيء - الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة ، والعقل الصريح ، والنظر الصحيح .

ولقد جاءت آيات كثيرات تدل بدلالات مختلفة ومتنوعة على أن السنة وحي من الله يجب على المكلفين اتباعها والرجوع إليها ، وليس لأحد الخيرة في تركها أو الإعراض عنها .

من ذلك :-

قولـه تعالى :- ) وما ينطــق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ( (النجم 3 ،4) فهذه الآية عامة في جميع ما ينطق به النبي r .

قال ابن حزم([10]) –رحمه الله - :- ( فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله r على قسمين :-

أحدهما :- وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن .

والثاني :- وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء ، وهو الخبر الوارد عن رسول الله r وهذا القسم هو المبين عن الله عز وجل مراده منا . قال تعالى :-) لتبين للناس ما نزل إليهم ( (النحل 44) ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق فقال تعالى :) أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ( (التغابن 12) فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع أولها عن آخرها ، وهي قوله تعالى :-) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ( (النساء 59) فهذا أصل ، وهو القرآن .

ثم قال تعالى :-) وأطيعوا الرسول ( (النساء 59) فهذا ثانٍ وهو الخبر عن رسول الله r ، ثم قال تعالى :-) وأولي الأمر منكم ( (النساء 59) فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله r حكمه ، وصح لنا بنص القرآن أن الأخبار هي أحد الأصلين المرجـوع إليهــما عند التـنازع ، قال تعالى :-) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ( (النساء 59) .

قال علي :- والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله r ؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يخلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنِّة والناس كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله r ، وكل من أتى بعده عليه السلام وقبلنا ولا فرق، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيل لنا إلى رسول الله r ...

والقرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض ، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى ، وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما لما قدمناه آنفاً في صدر هذا الباب ) انتهى كلامه مختصراً .

المسألة الثانية : في منزلة السنة في السنة النبوية .

كما دل الكتاب الكريم على حجية السنة ووجوب العمل بها والانقياد لها ظاهراً وباطناً سراً وعلانيةً ، وعدم رد شيء منها ، فقد دلت السنة النبوية على ذلك كله . من ذلك :-

أ-قوله r :- ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، قالوا يا رسول الله: ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ) ([11]) .

ب-قوله r :- (… فمن أطاع محمداً r فقد أطاع الله ، ومن عصى محمداً r فقد عصى الله ، ومحمد فَرَّقَ بين الناس ) ([12]).

ج-قوله r :- ( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ) ([13]) .

د-قوله r :- ( أوصيكم بتقوى الله تعالى ، والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعةٍ ضلالة ) ([14]) .

هـ-قوله r :- ( إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال : يا قوم إني رأيت الجيش بعينيّ ، وإني أنا النذير العُريان ، فالنجاء ، فأطاعة طائفة من قومه فادلجوا ، فانطلقوا على مهلهم فنجوا ، وكذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذَّب بما جئت به من الحق) ([15]).

وهذه الأحاديث السابقة وغيرها تدل على ما دلت عليه الآيات الكريمات السابقات من وجوب طاعة الرسول وأن طاعته من طاعة الله وأنه لا يمكن للعبد أن يطيع ربه من غير طاعة نبيه وأن في طاعته النجاء وفي معصيته الخسران المبين في الدنيا والآخرة ، وأن سنته r باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وأنها لا تفترق عن كتاب الله حتى يردا على رسول الله حوضه ، وأن الضلال والانحراف والابتداع هو ترك سنته وهديه ، وأن دعوى من يقول بعدم حجية السنة إنما هي من البدع والاختلافات والضلالات التي حذرنا منها رسول الله r .

وإن من أصرح الأحاديث الدالة على حجية السنة ، وضرورة التمسك بها – غير ما سبق – قوله r :-

و-( من رغب عن سنتي فليس مني ) ([16]) فمن كان لديه عقل أودين كفاه هذا فضلاً عما ذكر من الآيات والأحاديث وما سَيُذكر .

ز-قوله r :- ( نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها ، فرُبَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيهٍ ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه . ثلاثُ لا يَغِلُّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة للمسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) ([17]) .

قال الإمام الشافعي([18]) :- ( فلما ندب رسول الله صلى الله عليه إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرَأً يؤديها ، والامرءُ واحد : دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أُدِّي إليه ، لأنه إنما يؤدي عنه حلالٌ ، وحرام يُجتنب ، وحدٌّ يقام ، ومال يؤخذ ويعطى ، ونصيحة في دين ودنيا ) .

المسألة الثالثة : في دلالة الإجماع على منزلة السنة النبوية .

قال الشوكاني([19]) :- ( اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام ….والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورية دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام ) .

المسألة الرابعة : في دلالة المعقول على منزلة السنة النبوية .

قال الدكتور عبدالكريم زيدان([20]) :- ( ثبت بالدليل القاطع : أن محمداً r رسول الله ، ومعنى الرسول : هو المبلغ من الله ، ومقتضى الإيمان برسالته : لزوم طاعته ، والانقياد لحكمه ، وقبول ما يأتي به ، وبدون ذلك لا يكون للإيمان به معنى . ولا تتصـور طاعـة الله والانقيـاد إلى حكمـه ، مع المخالفة لرسوله r ) .

المطلب الثاني : في منزلة السنة عند سلف الأمة وأئمتها .
وفيه ثلاث مسائل :-
المسألة الأولى :- في منزلة السنة عند الصحابة رضي الله عنهم .
لقد كان للسنة النبوية في صدور سلفنا الصالح وأئمتنا منزلة عظيمة جداً فقد كان لها من الحب والاحترام والتقدير ما يهون معه كل شيء ، بل كانوا يرون أن الهدى في الاعتصام بها والتمسك والعمل بها في كل شيء هو دليل التقوى ، وقد تنوع ذلك الحب بين عمل بها وقول يحض ويدعو إلى توقيرها ، والعمل بها ، وحفظها ، وضبطها ، ونشرها ، وهجر لمن أعرض عنها، وتحذير عن هجرها وترك لها .

ولم يكن أحد أكثر حباً لسنة المصطفى والعمل بها والحض عليها والتمسك بها والتحذير من مخالفتها من الصحابة رضي الله عنهم فقد أشتهر عنهم ذلك شهرةً لا تخفى على أحدٍ ، وتواتر عنهم تواتراً لا يُدفع في مواقف كثيرة جداً فاقت العد والحصر .

ولكثرة ما تواتر عنهم في هذا المجال فإني سأكتفي بإيراد بعض الأمثلة التي تفي بالمراد ، فمن ذلك :-

1- قول أبي بكر الصديق([21]) –رضي الله عنه- : لست تاركاً شيئاً كان رسول الله r يعمل به ، إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ .

2-قول عمر بن الخطاب([22]) – رضي الله عنه – في تقبيله للحجر الأسود: إنك حجـر لا تنفع ولا تضر ؛ ولولا أني رأيت رسول الله r يقبلك ما قبلتك .

3-قول علي([23]) رضي الله عنه :- إلا إني لست بنبي ، ولا يوحى إلي ؛ ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد r ما استطعت ([24]) .

المسألة الثانية :- في منزلة السنة عند التابعين .
لقد ربى الصحابة رضي الله عنهم التابعين على حب السنة والعمل بها ظاهراً وباطناً سراً وعلانيةً ونشرها بين الناس ودعوتهم للعمل بها والتحذير من مخالفتها ومجانبتها فنقل عن التابعين من الآثار الدالة على ذلك كما نقل عن أساتذتهم رضي الله عنهم أجمعين . فمن ذلك :-

1-قول قتادة بن دعامة ( ت 117هـ)([25]) :- والله ما رغب أحد عن سنة نبيه r إلا هلك . فعليكم بالسنة وإياكم والبدعة .

2-قول محمد بن مسلم الزهري(ت 124هـ) ([26]) :- كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة ، والعلم يقبض سريعاً ([27]) .

المسألة الثالثة :- في منـزلة السنة عند أعلام الهدى ومصابيح الدجى ، وفيها فقرتان : -

الفقرة الأولى :- في منزلة السنة عند الأئمة الأربعة على وجه الخصوص :-

لقد سار أعلام الهدى من علماء الأمة من بعد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان على طريق سلفهم الصالح من الاحتجاج بالسنة وتقديرها وتوقيرها والرجوع إليها في كل صغيرٍ وكبيرٍ والتحذير عن مجانبتها أو مخالفتها أو تركها أو التقدم عليها وبين يديها ، وقد أُثر عنهم كما أُثر عن سلفهم من الأقوال الدالة على ذلك - وهي كثيرة جداً - إلا أني سأقتصر على بعضها مبتدئياً بذكر أقوال الأئمة الأربعة ؛ لإمامتهم ، وشهرتهم ، ومكانتهم عند عامة الأمة ، ثم أذكر أقوال بعض العلماء من عصرهم ومن غيره - من غير استقراء- للدلالة على أن هذا الموقف هو موقف أهل العلم جيلاً بعد جيل .

فمما جاء عن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ما يأتي :-

أولاً :- أقوال الإمام أبي حنيفة ( ت150هـ) رحمه الله في ذلك :-

1-إذا صح الحديث فهو مذهبي ([28]) .

2-دخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة ، والحديث يقرأ عنده ، فقال الرجل : دعونا من هذه الأحاديث . فزجره أبو حنيفة أشد الزجر، وقال له : لو لا السنة ما فهم أحد منا القرآن ([29]) .

ثانياً :-أقوال الإمام مالك (ت 179هـ) رحمه الله في ذلك : -

ما من أحدٍ إلا و مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله r ([30]).

ثالثاً :-أقوال الإمام الشافعي (ت 204هـ ) رحمه الله تعالى في ذلك :-

1-ليس في سنه الرسول الله r إلا اتباعها([31]).

2-كل حديث عن النبي r فهو قولي وإن لم تسمعوه مني([32]) .

رابعاً :-أقوال الإمام أحمد (ت 241هـ ) رحمه الله في ذلك :-

من رد حديث رسول الله r فهو على شفا هلكة([33]) .

الفقرة الثانية :- في منزلة السنة عند سائر علماء الأمة :-

لقد سبق حكاية الإجماع على حجية السنة ، وأن العلماء سلفاً وخلفاً متفقون على وجوب الاحتجاج بالسنة وتوقيرها واحترامها والذب عنها والاجتهاد في نشرها وتعليمها للعامة والخاصة ، وأنها صنو القرآن في التشريع ؛ لأنها وحي من عند الله سبحانه وتعالى ، وفي هذه الفقرة سأذكر بعض النقول عن بعض الأئمة-لعدم إمكانية الحصر ، ولأن المراد التمثيل - للدلالة على منزلة السنة ومكانتها عند سائر علماء الأمة فمن ذلك :-

قول الحسن بن علي البربهاري (ت 329هـ):- إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها ، أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله r فاتهمه على الإسلام ، فإنه رديء المذهب و القول …. القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن([34]) .

المبحث الثالث : في إفادة خبر الواحد العلم

تبين من النقول السابقة عن الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة المرضيين احتجاجهم بالسنة مطلقاً وعدم التمييز بينها ، وعدم تقسيمها - كما أُحْدِث فيما بعد – إلى : متواتر وآحاد .

حيث إن الجميع عند أئمة الهدى والتقى سنةٌ واجب اتباعها وقبولها مع ضرورة الانقياد لها لكونها وحياً من الله وما كان كذلك وجب قبوله واعتقاده والعمل به سواء كان في العلميات أو العمليات.

ويكفي العاقل المنصف أن يقنع بما ذُكِر من النقول عن علماء الأمة على قبولها والعمل بها والانقياد لها ، و بما نقله العلماء الربانيون من اتفاق السلف وأئمة الدنيا على العمل بالسنة متواترها وآحادها لا فرق في ذلك بين العقائد والعبادات .

قال الإمام الشافعي([35]) –رحمه الله - :-( وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث، يكفي بعض هذا منها . ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل . وقد حكي لنا عمن حكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان ….

ومحدِّثي الناس وأعلامهم بالأمصار : كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله ، والانتهاء إليه ، والإفتاء به . ويقبله كل واحد منهم عن من فوقه ، ويقبله عنه من تحته .

ولو جاز لأحدٍ من الناس أن يقول في علم الخاصة : أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه ، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي ) انتهى باختصار .

وقال([36]) –أيضاً- : ( لم أسمع أحداً -نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم– يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله r ،والتسليم لحكمه.بأن الله عز وجل لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتباعه . وأنه لا يلزم قولٌ بكل حالٍ إلا بكتاب الله أو سنة رسوله r . وأن ما سواهما تبع لهما. وأن فرض الله علينا وعلى الناس من بعدنا وقبلنا ، في قبول الخبر عن رسول الله r : واحدٌ. لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله r إلا فرقةٌ ، سأصف قولها إن شاء الله تعالى ) .

قال شـيخ الإسلام ابن تيمية([37]) : ( وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه ولم يتواتر لفظه ولا معناه لكن تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا له ،….، فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد من الأولين والآخرين ، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع )



المبحث الرابع : في المشهور عند الحنفية

قسم الحنفية الأخبار إلى متواتر ومشهور وآحاد . وجعلوا المشهور في رتبة بين المتواتر والآحاد ، وخصوه بأحكام تُلْحِقُهُ في الاحتجاج به بالمتواتر . وفي هذا المبحث سأتكلم باختصار عن المشهور عند الحنفية خاصة لتعلقه بالمسألة المبحوثة ، ولأن المشهور عند الجمهور من قبيل الآحاد .

فالمشهور لغة([38]) :- اسم مفعول من شهرت الأمر إذا أظهرته وأعلنته .

واصطلاحاً عرفوه بقولهم([39]) :- هو ما كان من الآحاد في الأصل ، ثم انتشر حتى نقله قوم ثقات لا يتهمون ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب ، وهم القرن الثاني من بعد الصحابة ، ومن بعدهم .

والمشهور هذا يفيد علم الطمأنينة عندهم حتى أنه تجوز الزيادة به على الكتاب ويضلل جاحده ولا يكفر([40]).

المبحث الخامس : في تحرير موطن النزاع
وذلك ببيان ما المراد بالانقطاع الباطن ، وذكر أقسامه وأنواع كل قسم :
يقسم الحنفية الانقطاع الذي يلحق الخبر إلى نوعين رئيسين :- انقطاع صورة ، وانقطاع معنى .

أما انقطاع الصورة ففي المراسيل من الأخبار : مراسيل الصحابة رضي الله عنهم ، و مراسيل من بعدهم من القرن الثاني والثالث .

وأما انقطاع المعنى فيقسمونه – أيضاً – إلى قسمين :- انقطاع لدليل معارض ، وانقطاع لنقصان في حال الراوي .

ويقسمون القسم الأول - وهو ثبوت الانقطاع في خبر الواحد بدليل معارض - إلى أربعة أوجه :-

الأول :- أن يكون خبر الواحد مخالفاً لكتاب الله تعالى أو للسنة المتواترة أو للإجماع .

الثاني :- أن يكون خبر الواحد مخالفاً لسنة مشهورة عن رسول الله .

الثالث :- أن يكون خبر الواحد حديثا شاذاً لم يشتهر فيما تعم به البلوى

ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته .

الرابع :- أن يكون خبر الواحد حديثاً قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول بأن ظهر منهم الاختلاف في تلك الحادثة ولم تجر بينهم المحاجة بذلك الحديث .

وأما القسم الثاني :- وهو الانقطاع لنقصان في حال الراوي فيبحثون فيه خبر المستور ، والفاسق ، والكافر ، والصبي ، والمعتوه ، والمغفل ، والمتساهل ، وصاحب الهوى .

والذي يهمنا هنا والذي هو مثار البحث هو القسم الأول من الانقطاع لمعني أي ثبوت الانقطاع في خبر الواحد بدليل معارض بأوجهه الأربعة .

ومما ينبغي التَنبيهُ عليه أن الخبر المردود هنا للمعنى المذكور :- هو الخبر الذي صح سنده إلى رسول الله r .



المبحث السادس : في أوجه ثبوت الانقطاع في خبر الواحد لمعنى لدليل معارض وفيه أربعة مطالب :-

المطلب الأول :- في رد الخبر الصحيح المسند لمخالفته كتاب الله أو السنة المتواترة أو للإجماع . وفيه مسألتان :-

المسألة الأولى : في أدلة القائلين بالانقطاع في هذه المسألة ومناقشتها .

قال عيسى بن أبان البصري و أبو زيد الدبوسي والسرخسي والبزدوي و النسفي وعبدالعزيز البخاري وغيرهم من المنتسبين لأبي حنيفة رحمه الله تعالى :- إن الخبر الصحيح إذا جاء مخالفاً لكتاب الله أو للسنة المتواترة أو للإجماع فإنه لا يكون مقبولاً ولا حجةً للعمل به ، سواء خالف الخبر الكتاب من أصله أو عمومه أو ظاهره ، مستدلين على ذلك بالأدلة التالية([41]) :-

الدليل الأول :-قوله عليه السلام :-( … فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرطٍ فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق ) ([42]).

وقد بَيَّن السرخسي وجه الدلالة منه بقوله ([43]) : ( والمراد كل شرط هو مخالف لكتاب الله تعالى لا أن يكون المراد ما لا يوجد عينه في كتاب الله تعالى فإن عين هذا الحديث لا يوجد في كتاب الله تعالى .

وبالإجماع من الأحكام ما هو ثابت بخبر الواحد والقياس وإن كان لا يوجد ذلك في كتاب الله تعالى .

فعرفنا أن المراد ما يكون مخالفا لكتاب الله تعالى وذلك تنصيص على أن كل حديث هو مخالف لكتاب الله تعالى فهو مردود ).

ويمكن مناقشة هذا الرأي على النحو التالي :-
أولاً :- بأن يقال هل سبقكم أحد من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم أو واحد من الأئمة الأربعة إلى هذا الفهم ؟

فإن قالوا : لا . قلنا : إذن لا حاجة لنا بهذا القول المخترع .

وإن قالوا : نعم . قلنا : سموا لنا من قال بهذا ممن سبق من أهل العلم . ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً . ذلك أن الحديث لا يشك في ثبوته أحد ، فهو في الصحيحين ، وإذا كان ذلك كذلك فإنه مما قد تعبد به الصحابة رضي الله عنهم ربهم وتقربوا إليه بالعمل بمدلوله ومفهومه فيجب حينئذٍ الرجوع إلى أقوالهم وأفعالهم وفهمهم له وإلا لزم من القول بما ذكره هؤلاء لوازم خطيرة وسيئة ، من ذلك : نسبة الجهل إلي السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المتبوعين ، وعملهم بالباطل لخفاء الحق عليهم حتى فهمه متأخرو الحنفية ، وهذا لا يقول به جاهل فضلاً عمن ينسب نفسه إلى العلم.

وحين الرجوع إلى كتب أهل العلم الذين نقلوا عن سلفنا وجدنا أن المراد بـ(كتاب الله ) في قوله : ( ما كان من شرط ليس في كتاب الله ) : أي حكمه كقوله تعالى :-) كتاب الله عليكم ( (النساء 24) وقول النبي r :- ( كتاب الله القصاص ) ([44]) في كسر السن.

فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وحكمه الذي حكم به على لسان رسوله.

وليس المراد به القرآن قطعاً ؛ فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن بل علمت من السنة فعلم أن المراد بـ(كتاب الله ) : حكمه .

ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له ، فيكون باطلاً([45]).

قال السمعاني في قواطع الأدلة([46]) :- ( فالمراد من كتاب الله : هو حكم الله تعالى وتقدس ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية([47])–رحمه الله تعالى -:(فكل شرط ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع فليس في كتاب الله بخلاف ما كان في السـنة أو في الإجماع فإنه في كتاب الله بواسـطة دلالته على اتباع السنة والإجماع ) .

وقال([48]) –أيضاً- : ( يدل على ذلك أن الشرط الذي بينا جوازه بسنة أو إجماع صحيح بالاتفاق فيجب أن يكون في كتاب الله وقد لا يكون في كتاب الله بخصوصه لكن في كتاب الله الأمر باتباع السنة واتباع سبيل المؤمنين فيكون في كتاب الله بهذا الاعتبار ؛ لأن جامع الجامع جامع ، ودليل الدليل دليل بهذا الاعتبار ) .

ثانياً :- أن قولهم هذا مبني على أن هناك تعارضاً بين الكتاب والسنة الصحيحة وهذا غير صحيح .

قال ابن حزم([49]) : ( ويبين صحة ما قلنا من أنه لا تعارض بين شيء من نصوص القرآن ونصوص كلام النبي r وما نقل من أفعاله ، قول الله عز وجل مخبراً عن رسوله عليه السلام : ) وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ( ( النجم 3) وقوله تعالى : ) لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجـو الله واليـوم الآخـر وذكر الله كثـيـراً( ( الأحزاب 21) وقال تعالى : ) أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً( ( النساء 82 ) فأخبر عز وجل أن كلام نبيه r وحي من عنده، كالقرآن في أنه وحي ، وفي أنه كل من عند الله عز وجل ، وأخبرنا تعالى أنه راض عن أفعال نبيه r ، وأنه موفق لمراد ربه تعالى فيها لترغيبه عز وجل في الإئتساء به عليه السلام ، فلما صح أن كل ذلك من عند الله تعالى ، ووجدناه تعالى قد أخبرنا أنه لا اختلاف فيما كان من عنده تعالى صح أن لا تعارض ولا اختلاف في شيء من القرآن والحديث الصحيح ، وأنه كله متفق كما قلنا ضرورة ، وبطل مذهب من أراد ضرب الحديث بعضه ببعض ، أو ضرب الحديث بالقرآن ، وصح أن ليس شيء من كل ذلك مخالفاً لسائره ) .

والقول بعدم وقوع التعارض بين الأدلة الشرعية مطلقاً في نفس الأمر هو قول أئمة السلف والأئمة الأربعة وكثير من علماء الأصول([50]) .

ثالثاً :-قولهم هذا مبني على أن خبر الواحد لا يفيد العلم ، وقد سبق في المباحث السابقة بيان إفادته العلم عند سلفنا الصالح والأئمة ومنهم إمام المذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

ومما يزيد الأمر وضوحاً في كون خبر الواحد مما يحتج به في العقيدة ، وأنه يفيد العلم عند أهل العلم :-

1-قول أبي حنيفة([51]) -رحمه الله -: ( وخبر المعراج حق ، فمن رده فهو ضال مبتدع ) .

2-وقوله([52]) –أيضاً - : ( وخروج الدجال ، و يأجوج ومأجوج ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى عليه السلام من السماء ، وسائر علامات يوم القيامة ، على ما وردت به الأخبار الصحيحة حق كائن ) .

3-أن أهل العلم من أهل السنة والجماعة قد قاموا بذكر عقائدهم المبنية على الكتاب وصحيح السنة في مؤلفاتهم التي ألفوها للرد على المبتدعة ، أو لبيان عقيدتهم ابتداءً([53]) .

فلو لم يفد خبر الواحد العلم لما احتجوا به ولما اعتقدوا ما فيه ؟********!!

فمن القسم الأول ما يأتي :-
أ-كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ) .

ب-كتـاب الرد على الجهميــة لعبدالله بن أحـمد بن عبدالله الجعفي (ت229هـ) .

ج-كتاب الرد على الزنادقــة والجهميــة للإمــام أحمد بن حنبل ( ت 241هـ) .

د-كتاب الرد على الجهمية لأمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) .

هـ-كتاب خلق أفعال العباد للبخاري .

و-كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية المشبهة لعبدالله بن مسلم بن قتيبة (ت 276هـ).

ز-كتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي ( ت 280 هـ ) .

ح-كتاب الرد على بشر المريسي للدارمي .

ط-كتاب الإبانة عن أصول الديانة للإمــام أبي الحســن الأشــعري ( ت 324هـ).

ي-كتاب الرد على الجهمية لعبدالرحمن بن أبي حاتم ( ت 327هـ) .

وأما القسم الثاني فمنه :-
1-كتاب السنة للإمام أحمد بن حنبل ( ت241هـ) .

2-كتاب السنة لأبي بكر الأثرم ( ت 260هـ ) .

3-كتاب السنة لابن أبي عاصم ( ت 277هـ) .

4-كتاب السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل ( ت 290هـ) .

5-كتاب السنة لمحمد بن نصر المروزي ( ت 294هـ) .

6-كتاب السنة لأحمد بن محمد هارون الخلال (ت 311هـ) .

7-كتاب التوحيد لابن خزيمة ( ت 311هـ) .

8-كتاب الشريعة لأبي بكر الآجري ( ت 360هـ) .

9-كتاب العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني ( ت 369 هـ) .

10-كتاب الصفات،وكتاب رؤية الله جل جلاله لأبي الحسن الدارقطني (ت 385هـ) .

11-كتاب الإبانة لعبيدالله بن محمد بن بطة ( ت 387هـ) .

12-كتاب التوحيد لمحمد بن اسحاق بن مندة ( ت 395هـ) .

13-كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعــة لهبة الله اللآلكائي ( ت 418هـ) .

14-كتاب ذم الكلام وأهله لعبدالله بن محمد الهروي ( ت 481هـ).

فهؤلاء أئمة الدنيا في وقتهم قد احتجوا بأخبار الآحاد في عقائدهم وردودهم على المبتدعة ، فهل يصح أن يتواطأ هؤلاء على العمل بالباطل والدعوة إليه والمنافحة عنه ؟

من له مسكة من عقل وذرة من إيمان لا يقول إلا : لا .

رابعاً :-قولهم هذا مبني -أيضاً - على أن خبر الواحد قد يكون بخلاف الواقع وهذا غير صحيح لعصمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم من أن تجتمع على ضلالة . وقد سبق بيان ذلك في مبحث إفادة خبر الواحد العلم فليرجع إليه.

الدليل الثاني :- قوله عليه السلام :- ( تكثر الأحاديث لكم بعدي فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه واعلموا أنه مني وما خالفه فردوه واعلموا أني منه بريء ) .

والجواب عن هذا الدليل بأن يقال :-

أولاً :- هذا الحديث نقده النقاد أهل الحديث والأثر فقالوا : إنه لا يصح عن رسول الله r ، وقد روي بألفاظ مختلفة فها هي محكوماً عليها من قبلهم:-

1-(سئلت اليهود عن موسى فأكثروا فيه وزادوا ونقصوا حتى كفروا ، وسئلت النصارى عن عيسى فأكثروا فيه وزادوا ونقصوا حتى كفروا ، وأنه ستفشو عني أحاديث فما أتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروا فما وافق كتاب الله فأنا قلته ومالم يوافق كتاب الله فلم أقله)([54]).(عن ابن عمر ).

قال السخاوي([55]) : قال الحافظ ابن حجر عنه : إنه جاء من طرق لا تخلو عن مقال .

وقال الهيثمي([56]) : وفيه أبو حاضر عبد الملك بن عبد ربه وهو منكر الحديث .

قال العلامة الألباني([57]) رحمه الله : ضعيف .

2-( إذا رويتم – ويروى- إذا حدثتم عني حديثاً فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإن خالف فردوه ) .

قال الصغاني([58]) : موضوع .

3-( إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني ) ([59]) . ( عن ابن عباس ) .

4-( ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده ألا وسيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو عني وما خالفه فليس عني )([60]) . (جابر بن زيد ) .

5-(إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإن لم يوافقه فردوه) (عن أبي هريرة ) .

قال الخطابي([61]) : حديث باطل لا أصل له .

وقال يحيى بن معين([62]) : هذا حديث وضعته الزنادقة .

6-( إذا سمعتم عني حديثاً فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه ) .

قال العجلوني([63]) : هذا الحديث من أوضع الموضوعات ...بل صح خلافه .

7-( ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله ). ( عن أبي هريرة ) .

قال ابن معين في تاريخه ([64]) :- سمعت يحيى يقول : كان يحيى بن آدم يحدث بحديث بن أبي ذئب عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي r . وغير يحيى بن آدم يرسله.

8-( ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله )

قال الشافعي([65]) : ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر .

9-( ألا إن رحا الإسلام دائرة قال كيف نصنع يا رسول الله قال أعرضوا حديثي على الكتاب فما وافقه فهو مني وأنا قلته ) ([66]) . ( عن ثوبان ) .

قال الهيثمي([67]): وفيه يزيد بن ربيعة وهو متروك منكر الحديث.

10- ( إنـها تكون بعدي رواة يروون عني الحديث فأعرضوا حديثهم على القرآن فما وافـق القرآن فخذوا به وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به) . (عن علي بن أبي طالب) .

وقد أعله الدارقطني([68]) بقوله : هذا وهم ، والصواب عن عاصم بن زيد عن علي بن الحسين مرسلاً عن النبي r .

وقال الشيخ الألباني رحمه الله([69]) : ضعيف .

11- ( ستبلغكم عني أحاديث ، فاعرضوها على القرآن ، فما وافق القرآن فالزموه ، وما خالف القرآن فارفضوه ) ([70]) ( عن الحسن البصري ) .

قال العلامة الألباني([71]) رحمه الله : ضعيف جداً .

وخلاصة القول في هذه الأحاديث ما ذكره ابن عبد البر وغيره من أهل العلم.

قال ابن عبدالبر([72]) : ( وهذه الألفاظ لا تصح عنه r عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه ).

وقال الدكتور عبدالغني عبدالخالق في كتابه حجية السنة([73]) : ( أما عن أحاديث العرض على كتاب الله : فكلها ضعيفة ، لا يصح التمسك بها .

فمنها : ما هو منقطـع . ومنها : ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول . ومنها : ما جمع بينهما ).

فائدة : من غريب ما ذكره عبدالعزيز البخاري الحنفي في كتابه كشف الأسرار حينما أراد الرد على من طعن في ثبوت بعض الروايات السابقة والرد على قدح يحيى بن معين فيها بقوله : هذا حديث وضعته الزنادقة .

قال عبدالعزيز البخاري([74]) : ( والجواب أن الإمام أبا عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري أورد هذا الحديث في كتابه ، وهو الطود المنيع في هذا الفن وإمام هذه الصنعة فكفى بإيراده دليلاً على صحتـه ولم يلـتف إلى طـعن غيره بعد ...) .

قلت :- هذا الكلام يوهم أن البخاري أورده في صحيحه إذ كتابه إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى صحيحه.

وبعد البحث تبيَّن أنه يشير إلى ما ذكره البخاري في التاريخ الكبير([75]) حيث قال : ( سعيد بن أبي سعيد المقبري أبو سعد قال : ابن أبي أويس ينسب إلى مقبرة ، وقال غيره : أبو سعيد مكاتب لامرأة من بني ليث مدني .

وقال ابن طـهمان : عن ابن أبي ذئـب عن سعيد المقبري عن النبي r: " ما سمعتم عني من حديث تعرفونه فصدقوه "

وقال يحيى : عن أبي هريرة . وهو وهم . ليس فيه أبو هريرة هو سعيد بن كيسان ) .

فالبخاري رحمه تعالى يشير إلى أن هذا المروي لا يصح لكونه مرسلاً لا أنه كما أوهم عبدالعزيز البخاري بكلامه أن الحديث مروي في الصحيح أو أن البخاري صححه في كتابه التاريخ الكبير أو في غيره .

ثانياً :-لقد عارض هذه الأحاديث قوم من أهل العلم ، وقالوا : نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك ، قالوا : فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفاً لكتاب الله ؛ لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث رسول الله r إلا ما وافق كتاب الله ، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به والأمــر بطاعتــه ، ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال ([76]).

ثالثاً :-لا يمكن القول بأن معنى تلك المرويات : أن ما صدر عن رسول الله r على نوعين :-

- نوع وافق الكتاب ، وهذا يعمل به .

- ونوع خالف الكتاب ، وهذا لا يعمل به .

والنوع الأخير لا يمكن القول به عند الجميع لأن الرسول r معصوم بالاتفاق عن أن يصدر عنه ما يخالف القرآن و يضاده ؛ لأن الله قال فيه : ) قل إنّما اتبع ما يوحى إليّ من ربي ( ( الأعراف 203) .

وقال –أيضاً -: ) إن اتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين ((الأحقاف9) وقال تعالى : ) وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى( (النجم 3)

وقال : ) قل ما يكــون لي أن أبدله من تلقاء نفــسي إن اتبع إلا ما يوحى إليّ ( ( يونس 15) .

فكلٌ يعتقد أن ما صدر عن الرسول r لا يخالف القرآن ([77]) .

قال الشافعي([78]) رحمه الله : ( إن الله عز وجل وضع نبيه r من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه .

فالفرض على خلقه أن يكونوا عالمين بأنه لا يقبل فيما أنزل الله عليه إلا بما أنزل عليه ، وأنـه لا يخالـف كتاب الله ، وأنه بيّن عن الله عزَّ وعلا معنى ما أراد الله .

وبيان ذلك في كتاب الله عزَّ وجلَّ : قال الله تبارك وتعالى : ) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا إئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلا ما يوحى إلي ( ( يونس 15) .

وقـال الله عـزَّ وجـلَّ لنبيه r : ) اتبع ما أوحـي إليك من ربـك ( ( الأنعام 106) . وقال مثل هذا في غير آية .

وقال عزَّ وجلَّ : ) من يطع الرسول فقد أطاع الله ( (النساء 80) .

وقال :) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ( ( النساء 65) .

ثم قال : ولا تكون سنةٌ أبداً تخالف القرآن ) انتهى كلامه باختصار .

والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه بينها ابن القيم – رحمه الله – أحسن بيان فقال([79]) :-

( أحدها :- أن تكون موافقةً له من كل وجه ، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها .

الثاني :- أن تكون بياناً لما أريد بالقرآن وتفسيراً له .

الثالث :- أن تكون موجبةً لحكم سكت القرآن عن ايجابه أو محرمةً لما سكت عن تحريمه .

ولا تخرج عن هذه الأقسام ، فلا تعارض القرآن بوجهٍ ما ، فما كان منها زائداً على القرآن فهو تشريعٌ مبتدأٌ من النبي r تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته وليس هذا تقديماً لها على كتاب الله بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله ، ولو كان رسول الله r لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى وسقطت طاعته المختصة به ، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به وقد قال الله تعالى : ) من يطع الرسول فقد أطاع الله ( ( النساء 80) .

وكيف يكمن أحداً من أهل العلم أن لا يقبل حديثاً زائداً على كتاب الله ، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها ، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب ، ولا حديث خيار الشرط ، ولا أحاديث الشفعة ، ولا حديث الرهن في الحضر ، مع أنه زائد على ما في القرآن ، ولا حديث ميراث الجدة ، ولا حديث تخيير الأمة إذا أعتقت تحت زوجها ، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة ، ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ، ولا أحاديث إحداد المتوفي عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة ).

رابعاً :-هذه المرويات التي استدلوا بها معارضة بمرويات أخرى من جنسها، وأخرى صحيحة.

فأما التي من جنسها فما رواه الدارقطني في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله r : ( سيأتيكم عني أحاديث مختلفة فما جاءكم موافقاً لكتاب الله ولسنتي فهو مني وما جاءكم مخالفاً لكتاب الله ولسنتي فليس مني ) ([80]) .

قال البيهقي([81]) : ( تفرد به صالح بن موسى الطلحي وهو ضعيف لا يحتج بحديثه ).

فهذا الحديث يأمر بعرض ما يرد علينا مما لا نطمئن إليه ولا نعلم أهو من شرع الله أم لا على كتاب الله وسنة رسوله r ، فتبين أن المراد من أحاديث العرض التي ذكرها المخالف : هو الرجوع إلى الكتاب والسنة لمعرفة مراد الله ومراد رسوله مما قد يشكل علينا لا أن المراد من ذلك ما ادعاه المخالف من عرض السنة الأحادية الصحيحة -والتي قد تكون نصاً صريحاً أو ظاهراً واضحاً – على كتاب الله فإن وافقته وإلا ردت .

وأما الروايات الصحيحة التي عارضت ما عليه تلك السقيمة فمنها :-

1-حديث المقدام بن مــعدي كرب – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله r : ( يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته يحدث بحديثي فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمنــاه ، ألا وإن ما حــرم رسول الله r مثل حرم الله ) ([82]) .

قال الترمذي([83]) : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه .

وقال الألباني([84]) : صحيح .

2-حديث أبي رافع قال : قال رسول الله r : ( لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ما وجدنا في كتاب الله أتبعناه ) ([85]) .

قال أبو عيسى([86]) : هذا حديث حسن صحيح .

وقال الحاكم([87]) : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

وقال الألباني([88]) : صحيح .

3-حديث العرباض بن سارية قال : قال رسول الله r : ( أيحسب امرؤ قد شبع حتى بَطِنَ وهو متكئ على أريكته لا يظن أن الله حرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله حرمت وأمرت ووعظت بأشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر ألا وإنه لا يحل لكم من السباع كل ذي ناب ولا الحمر الأهلية ) ([89]) .

4-قوله r :- ( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ) ([90]) .

الدليل الثالث([91]) :- ( ولأن الكتاب متيقن به وفي اتصال الخبر الواحد برسول الله r شبهة ، فعند تعذر الأخذ بهما لا بد من أن يؤخذ بالمتيقن ويترك ما فيه شبهة ... لأن المتن من الكتاب متيقن به ومتن الحديث لا ينفك عن شبهة، لاحتمال النقل بالمعنى ، ثم قوام المعنى بالمتن فإنما يشتغل بالترجيح من حيث المتن أولاً إلى أن يجيء إلى المعنى ولا شك أن الكتاب يترجح باعتبار النقل المتواتر في المتن على خبر الواحد فكانت مخالفة الخبر للكتاب دليلاً ظاهراً على الزيافة فيه ).

ويمكن الجواب عن هذا الدليل بما يأتي :-
1-أما قولهم : ( ولأن الكتاب متيقن به ، وفي اتصال الخبر الواحد برسول الله r شبهة )

الشق الأول منه مسلم به ، وأما الشق الآخر وهو وجود الشبهة في اتصال الحديث برسول الله r وأنه قد يكون في الظاهر صحيحاً وفي نفس الأمر غير صحيح ، فيقال :

أ-لقد تعبدنا الله في كثير من الأحكام بالأمور الظاهرة كالقضاء بشهادة الشهود مع احتمال أن يكونوا شهود زورٍ ، والمفتي يفتي بحسب سؤال السائل لا ما يتعلق بدواخله وباطنه إلى غير ذلك .

ب-قد بيَّنا فيما سبق أن أخبار الآحاد الصحيحة قد قال العلماء السابقون من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة بقبولها في العقائد والعبادات وهي مفيدة للعلم عندهم فلا حاجة للإعادة .

ج-إن دعوى احتمال الشبهة في صحة اتصال أخبار الآحاد إلى رسول الله r هي كدعوى من يدعي أن هذا العام مخصوص ولا مخصص ، أو أن هذا الدليل المطلق مقيد ولا مقيد ، أو أن هذا الحكم منسوخ ولا وجود لناسخه ونحو ذلك ، فما أسهل الدعاوى !!!

فكلام الأصوليين القائلين بهذا القول ، والقائلين بظنية حجية أخبار الآحاد متجه إلى الفرض الذهني فهم يقولون : كل أخبار الآحاد تفيد الظن ، لوجود احتمال انقطاعها بأي نوع من أنواع الانقطاع ككذب الراوي أو نسيانه أو خطئه في روايته ...الخ .

بخلاف أئمة الحديث والأثر فإن حكمهم متجه إلى كل حديث وإسناده على حده فكانت أحكامهم على الأحاديث وأسانيدها – بل أحياناً على الحديث وسنده - مختلفة فقالوا : هذا حديث صحيح لذاته ، وهذا صحيح لغيره ، وهذا حسن لذاته ، وهذا حسن لغيره ، وهذا ضعيف ، وآخر موضوع، وهكذا … حسب عدالة الرواة وضبطهم واتصال السند وصحة السماع وغير ذلك مما هو معروف في علم مصطلح الحديث .

فليس كل حديث آحاد يفيد الظن ، ولا كل حديث آحاد يفيد القطع بل فيه وفيه ، فمن نسب إلى السلف القول بأحد الكُلِّيتين فقد أخطأ ، إلا أنهم يقولون : إن خبر الواحد الصحيح يفيد العلم ، والعلم هنا ليس هو العلم المراد عند المتكلمين من الأصوليين كما أن معنى الظن عند علماء السلف ليس هو بمعنى الظن عند الخلف ، فلا العلم هو العلم ولا الظن هو الظن .

لأن ما ثبت بالدليل الشرعي فهو علم ، وقد يكون العلم مقطوعاً به إذا كان الدليل المثبت له قطعي الدلالة ، قطعي الثبوت ، وقد يكون ظناً غالباً أو راجحاً إذا كان الدليل المثبت له دون ذلك . وهو قول العلماء السابقين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والأئمة المرضيين .

وأما الخلف فالعلم عندهم مقصور على اليقين الثابت بالعقل - هذا هو الأصل - ، وقد يثبتون اليقين بالدليل النقلي .

والظن في إطلاقهم هو : الشك أو التخمين أو الخرص أو الوهم – والظن بهذا المعنى لا يطلقه السلف على ما ثبت بالدليل العقلي أو النقلي – ويستدل الخلف على دعواهم تلك بالآيات التي نزلت منكرة على الكفار عبادتهم لآلهتهم الباطلة نحو قوله تعالى : ) إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ( (الأنعام 117) .

وقوله : ) سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ( ( الأنعام 149) .

وقوله : ) إن الظن لا يغني من الحق شيئا ( ( يونس 36 ) .

وقوله : ) إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين ( ( الجاثية 31) .

وقوله : ) إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ( ( النجم 23) .

فالظن المذكور في الآيات السابقات معناه : الشك أو الوهم أو الخرص أو التخمين .

وهذا هو الظن المذموم الذي لا يجوز لأحد العمل به في العقائد أو العبادات.

وأما الظن الذي عمل به السلف فهو المذكور في قوله تعالى : ) إني ظننت أني ملاق حسابيـه ( ( الحاقة 20) وقولــه : ) وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ( (التوبة 119) وقوله تعالى : ) فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ( ( البقرة 230) .

وقوله : ) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ( ( الحجرات 12) .

وقـولـه : ) وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكـرني عنـد ربـك ( (يوقف 42) .

فالظن في هذه الآيات ونحوها المراد منه : العلم واليقين ، أو الظن الراجح والغالب.

وهذا الظن يجب العمل به في العقائد والعبادات على حد سواء إذ هو علم والعلم يجب العمل به .

ولهذا نظير في الأمور الحسية فنظيره الميزان الذي توزن به الأشيئاء ، فإن الميزان الصحيح ما استوت كفتاه وهذه الحالة بمثابة الشك ، فإذا وُضِع في إحدى كفتيه أي شيء ما -مهما بلغ في الخفة - فإن الكفة التي فيها ذلك الشيء ستبدأ تدريجياً بالانخفاض والميلان إلى أسفل ، وهذه الحالة أشبه بالظن الغالب أو الراجح أي رجحان شيء على شيء آخر ، وكلما زِيْدَ في هذه الكفة من الأوزان فإنها ستزداد في الميلان والانخفاض إلى درجةٍ لا يمكن بعدها نـزول هذه الكفة أكثر مما نزلت إليه ، وهذه المرحلة أشبه بمرحلة اليقين والقطع .

كذا سائر العلوم أو الأشيئاء المطلوب معرفتها فإنها تبدأ بالوضوح شيئاً فشيئاً حتى تصبح يقينية لا يمكن الشك فيها بوجه من الوجوه . فكما أن الناظر إلى ذلك الميزان لا يمكنه دفع رجحان إحدى الكفتين على الأخرى ، كذا الناظر في خبر الواحد الذي درس سنده فلم يجد ما يقدح في صحته ؛ فإنه لا يستطيع حينئذٍ دفع ما يجده في صدوره من اعتقاد صحته ورجحان ثبوته إلا بالهوى والتشهي .

د-إن أخبار الآحاد المضافة إلى الشارع ليست كسائر الأخبار المضافة إلى غيره ؛ لأن أخبار الشارع محفوظة عن الضياع أو الاشتباه بالأخبار المكذوبة عليه ، بخلاف أخبار الآحاد عن غيره فإنها قد تضيع وقد تشتبه بالمكذوبة ولا تعلم إلى قيام الساعة .

قال ابن حزم([92]) : قال تعالى :) إنا نـحن نزلنــا الذكر وإنا له لحافظون ( (الحجر 9) .

وقال تعالى : ) وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ( (النحل 44) .

فصح أن كلام رسول الله r كله في الدين وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل . فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يُحَرَّف منه شيء أبداً تحريفاً لا يأتي البيان ببطلانه إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذباً وضمانه خائساً وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل ، فوجب أن الذي أتانا به محمد r محفوظ بتولي الله تعالى حفظه ، مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبداً إلى انقضاء الدنيا .

قال تعالى :) قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ( (الأنعام 19) .

فإذ ذلك كذلك فبالضرورة نعلم أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء مما قاله رسول الله r في الدين ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطاً لا يتميز لأحد من الناس بيقين إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ ولكان قول الله تعالى : ) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( (الحجر 9) كذباً ووعداً مخلفاً وهذا لا يقوله مسلم ) .

هـ-ومما يزيد الأمر وضوحاً في أن الله سبحانه وتعالى حافظ لوحيه إلى قيام الساعة أنه جل وعلا نصب أئمةً أعلاماً جهابذةً حفاظاً أثباتاً نقاداً للحديث يَمِيزُون الطيب من الخبيث ، والصحيح من السقيم ، والحق من الباطل . قيل لابن المبارك : هذه الأحاديث المصنوعة . قال : يعيش لها الجهابذة([93]) .

فمن هؤلاء الجهابذة :- عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت157هـ) ، وشعبه بن الحجاج (ت 160هـ)، وسفيان الثوري(ت161هـ)، ومالك بن أنس (ت179 هـ)، وحماد بن زيد (ت179هـ )، وعبدالله بن الـمبارك (ت181هـ) ، و وكيع بن الجراح ( ت196هـ) ، وسـفيان بن عييـنة (ت 198هـ ) ، ويحيى بن سعيد القطان (ت198هـ) ، وعبدالرحمن بن مهدي (ت198هـ) ، ويحيى بن معـين (ت233هـ) ، وعلي بن المديـني (ت234هـ) ، وإسحاق بن إبراهـيم الحنظلي المعروف بابن راهـويـه (ت238هـ) ، وأحمد بن حنبل (ت241هـ) ، وأبو محمد عبدالله الدارمي (ت255هـ) ، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) ، ومسلم بن الحجاج القشيري (ت261هـ) ، وعبيد الله بن عبدالكريم أبو زرعـة الرازي ( ت264هـ) ، وأبو داود السجستاني (ت275هـ) ، وأبو حاتم الرازي محمد بن إدريس الحنظلي (ت277هـ ) .

فهؤلاء الذين لا يختلف فيهم ويعتمد على جرحهم وتعديلهم ويحتج بحديثهم وكلامهم في الرجال والحديث قبولاً أو رداً ….

لاتفاق أهل العلم على الشهادة لهم بذلك . كما أن الله لم ينـزلهم هذه المنـزلة إذ انطق ألسنة أهل العلم لهم بذلك إلا وقد جعلهم أعلاماً لدينه ، ومناراً لاستقامة طريقه وألبسهم لباس أعمالهم .

فما قبله هؤلاء فهو المقبول وما ردوه فهو المردود([94]) . لا سيما وقد قال رسول الله r في حديث عبادة بن الصامت في مبايعتهم الرسول r : بايعنا رسول الله صلى عليه وسلم على السمع والطاعة ، في العسر واليسر …وعلى أن لا ننازع الأمر أهله([95]) …الحديث .

فالقول بترك الحديث الذي قبلوه وأخذ ما تركوه هو من منازعة الأمر أهله.

و-يلزم هؤلاء على القول بهذه القاعدة المزعومة رد ما يسمونه عندهم مشهوراً لكونه آحاد الأصل ، وقد يكون ضعيفاً أو موضوعاً ، إذ لا يلزم من كونه مشهوراً أن يكون صحيحاً ، فما يدعونه في قبول هذا هو بعينه ما سيدعيه الآخرون في قبولهم لخبر الواحد صحيح السند ، فليس قول أولى من قول ، بل القول الأخير أولى بالقبول وأحرى .

ز-قولهم : إن في اتصال الخبر الواحد برسول الله r شبهة .

يقال لهم : ليس البحث في أخبار الآحاد مطلقاً ، ولا من حيث الناحية النظرية فهذا لا قيمة له .

وإنما البحث في إفادة الخبر الصحيح المسند المروي من طريق الآحاد والذي دُوِّن في دواوين أهل العلم كالصحيحين وسنن ابن ماجة وأبي داود والترمذي والنسائي وموطأ مالك ومسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم والسنن الكبرى للبيهقي ومصنف ابن أبي شيبة وعبدالرزاق ...الخ .

فما اتُفِقَ على صحته من قبل هؤلاء العلماء الأعلام –الذين سبق ذكرهم – ما حكمه ؟ بمعنى ، هل يقال بعد ذلك إن في اتصال الخبر الواحد برسول الله r شبهة ؟!!. اللهم : لا ، إلا من مكابر . وهذا مما ينـزه عنه أهل العلم .

وهل يقال –أيضاً - : هي أخبار آحاد لا تفيد إلا الظن ؟!! اللهم : لا ؛ لأن في ذلك طعناً في الإجماع المتيقن من حفظ الله لدينه فلا يمكن أن تكون تلك الأحاديث التي تداولها العلماء –بعد فحصها ومحصها- بالحفظ والنقل والشرح والتدريس والوعظ والإرشاد معتقدين صحتها وصحة ما دلت عليه جيلاً بعد جيلٍ لا يمكن تكون غير صحيحة في نفس الأمر، هذا من المحال عقلاً وشرعاً . كما أن ما أجمع أولئك الجهابذة على تضعيفه لا يكون صحيحاً في نفس الأمر ، أما ما اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه فهذا مما يقال إنه في مجال الأخذ والرد والبحث والمناقشة وحينئذٍ لا تثريب على من عمل بما صح عنده أولم يعمل به لعدم صحته عنده ، وهذا كنظير اختلاف الصحابة على قولين ، فإنه لا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث . بل لا يتصور ها هنا إلا أحد قولين الصحة أو عدمها.

قال شيخ الإسلام([96]) : ( فإن العصمة ثبتت بالنسبة الإجماعية، كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحدٍ واحد من المخبرين بمفرده ولا يجوز على المجموع، والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها ورؤياها ...) .

فإن قالوا : نحن من الأمة وقد خالفنا في حجية خبر الواحد أو صحته .

قلنا : أنتم مسبوقون بإجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المرضيين على الاحتجاج بما كان هذا سبيله .

لذا وجب التنبيه على أن طرح قضية حجية خبر الواحد ينبغي أن تكون في هذا الإطار، أعني أخبار الآحاد الصحيحة المنقولة في دواوين أئمة الإسلام ، أما تعميمها في كل خبر وفي كل وقت ففيه تعمية للحق ومدعاة لاعتقاد الباطل وخروج عن نطاق البحث العلمي الصحيح .

ح-وإما قولهم : (فعند تعذر الأخذ بهما لا بد من أن يؤخذ بالمتيقن ويترك ما فيه شبهة ).

فالجواب :لقد بُيِّن أن خبر الواحد الذي صح سنده وعمل به وتلقي بالقبول من قبل علماء الحديث والأثر أنه متيقن وليس فيه شبهة أبداً .

وأما قولهم : إن تعذر الأخذ بهما . فهذه دعوى مجردة عن الدليل ، وقد سبق –أيضاً – ذكر البيان الساطع في أنه لا تعارض البتة بين الأدلة الشرعية إلا في حالة النسخ ، والعمل بالناسخ هو المتعين .

ط- وأما قولهم : ( لأن المتن من الكتاب متيقن به ومتن الحديث لا ينفك عن شبهة ، لاحتمال النقل بالمعنى ، ثم قوام المعنى بالمتن فإنما يشتغل بالترجيح من حيث المتن أولاً إلى أن يجيء إلى المعنى ولا شك أن الكتاب يترجح باعتبار النقل المتواتر في المتن على خبر الواحد فكانت مخالفة الخبر للكتاب دليلاً ظاهراً على الزيافة فيه ).

قلت : لا خلاف بين أحد من المسلمين في صدق الشق الأول وهو قولهم إن متن الكتاب متيقن ، كما أنه لا خلاف بين الأئمة الأربعة وجمهور العلماء في جواز نقل الحديث بالمعنى بما لا يحيل المعنى أو يغيره تغييراً يؤثر على صحة الاستدلال به مما لم نُتَعَبد بلفظه كألفاظ الأذان والإقامة والأذكار والأدعية([97]) ، وحينئذٍ فليس هناك كبير فائدة من قولهم لاحتمال النقل بالمعنى ؛ لأن الأصل عدم نقله بالمعنى ، و لو فُرِضَ -أيضاً - نقله بالمعنى فلا يخلو من أن يكون النقل بالمعنى هو عين المعنى المستفاد من اللفظ النبوي أو لا ، فإن كان هو هو سقطت الدعوى ، وإن كانت الأخرى فلا يخلو من أن يتكشف خطأ ناقل الحديث إلى معناه الجديد أو لا فإن كُشف الخطأ سقطت الدعوى أيضاً ولزم العمل بالدليل المُبَيِّن ، وإن كانت الأخرى فهذا لا يصح فرض وقوعه لما سبق من حكاية الإجماع على أن الله قد تكفل بحفظ دينه و أنه لا يمكن أن تجمع أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم على ضلالة .

ونقول –أيضاً - إن المسألة إنما هي مفروضة في حديث صحيح ثابت منقول إلينا نقل آحاد مروي بلفظه عن رسول الله r ، فإذا كان ذلك كذلك فيجب قبوله لصحته ولعدم وجود ما يقدح فيه .

علماً بأنا قد بينا أن الأخبار المعنية هي الأخبار الصحيحة التي رواها أئمة الحديث والسنة في مصنفاتهم التي سبق ذكرها ، لا مطلق الأخبار. وما ذكروه من احتمالات لعدم العمل بها قد سبق بيان وجه بطلانها .

فالواجب أن تفرض المسألة في تعارض خبر آحاد صحيح مروي بلفظه مع كتاب الله ، فهل يقبل أو يرفض لمعارضته الظاهرة للكتاب ؟!!

والقول بوجوب قبوله هو المتعين لما سبق من أدلة كثيرة على حجية السنة عموماً وأخبار الآحاد على وجه الخصوص . ولأنه يلزمهم في ردهم لأخبار الآحاد حين معارضتها لظاهر الكتاب رد ما ادعوه من قبيل المشهور للعله نفسها . وما يذكرونه من حجج لقبول أحاديثهم المشهورة هي بعينها الحجج الداعية إلى قبول أخبار الآحاد الصحيحة.

قال أبو المظفر السمعاني([98]) : ( إنا نظن أن النبي r قال الذي قال في خبر الواحد ، وقام لنا الدليل القطعي على العمل بما يغلب على ظننا من ذلك . فكل هذا علم ؛لأنا نعلم أنه غلب على ظننا صدق الراوي ، ونعلم قيام الدليل على وجوب العمل بما ظنناه ، فثبتت مساواة الطريق إلى العلم بحكم الخبر طريقنا إلى العلم بعموم الكتاب ).

المسألة الثانية :- في الآثار الفقهية المترتبة على القول بهذا النوع من الانقطاع :

لقد تبين من استعراض أدلة القائلين برد خبر الواحد الذي صح سنده لمخالفته ظاهر الكتاب أنها لم تكن صائبة ، ومع هذا كله ترتب على القول بها مسائل فقهيةٍ كثيرةٍ – خلا المسائل العقدية –.

وفي هذا الموطن سأتطرق –إن شاء الله – إلى بعض المسائل المهمة المبنية على هذه القاعدة ذاكراً لها على سبيل المثال تاركاً ذكر أدلة كلٍ والمناقشات التي دارت فيها خشية الخروج عن أصل الموضوع فمن تلك المسائل :-

1- نقض الوضوء بمس الذكر([99]) .

قال السرخسي : ( ولهذا لم يقبل علماؤنا خبر الوضوء من مس الذكر ؛ لأنه مخالف للكتاب فإن الله تعالى قال :- ) فيه رجال يحبون أن يتطهروا ( (التوبة 108) يعني الاستنجاء بالماء فقد مدحهم بذلك وسمى فعلهم تطهراً .

ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر . فالحديث الذي يجعل مسه حدثاً بمنـزلة البول ، يكون مخالفاً لما في الكتاب ؛ لأن الفعل الذي هو حدث لا يكون تطهراً )

المناقشة :- يمكن مناقشة ما ذكره السرخسي على النحو التالي :-
أولاً : الحديث الذي أشار إليه السرخسي هو ( من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ )([100])قد ورد بألفاظ متقاربة ومن طرق مختلفة بعضها حسنة وبعضها صحيحة([101]).

وأما الحديث الذي عارض حديث بسرة فهو حديث طلق بن علي قال: خرجنا إلى نبي الله r وفداً حتى قدمنا عليه فبايعناه وصلينا معه فجاء رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله : ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ . فقال : ( وهل هو إلا بضعة أو مضغة منك ) ([102])

قال الترمذي([103]) : هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب .

وقد ذهب جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة إلى إيجاب الوضوء من مس الذكر([104]) .

وذهب بعض الصحابة والتابعين وبعض الفقهاء كأبي حنيفة والثوري وغيرهما إلى عدم نقض الوضوء بمس الذكر([105]) .

أقول : من هذا العرض الموجز لأقوال العلماء في تصحيح الحديثين أو تضعيفهما أو تصحيح أحدهما دون الآخر ومن ثم اختلافهم في القول بأيهما ، تبين أن سبب الخلاف هو هذا لا ما ذكره متأخرو الحنفية من أن سببه هو مخالفة الحديث لظاهر القرآن .

ومما يؤيد أن هذا هو السبب -وهو تصحيح الحديثين أو تضعيفهما أوأحدهما دون الآخر- أن بعض أهل العلم قد جمع بينهما فقال : يحمل ذكر الوضوء في حديث بسرة على غسل اليدين لا الوضوء الشرعي .

قال ابن قتيبة([106]) : ( أما عَلِمَ أن كثيراً من أهل الفقه قد ذهبوا إلى أن الوضوء يجب من مس الفرج في المنام واليقظة بهذا الحديث وبالحديث الآخر من مس فرجه فليتوضأ وإن كنا نحن لا نذهب إلى ذلك ونرى أن الوضوء الذي أمر به من مس فرجه غسل اليد لأن الفروج مخارج الحدث والنجاسات ...) .

ثانياً : وأما قولــهم : ( فإن الله تعــالى قال :-) فيه رجال يحبون أن يتطهروا ( ( التوبة 108) يعني الاستنجاء بالماء فقد مدحهم بذلك وسمى فعلهم تطهراً .

ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر . فالحديث الذي يجعل مسه حدثاً بمنـزلة البول ، يكون مخالفاً لما في الكتاب ؛ لأن الفعل الذي هو حدث لا يكون تطهراً )

فيقال : نعم امتدح الله أهل قباء بذلك . قال الشعبي([107]): هم أهل مسجد قباء أنزل الله فيهم هذا.

قال رسول الله r : (يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا ؟ قالوا : يا رسول الله نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة . فقال رسول الله r : فهل مع ذلك من غيره ؟ فقالوا : لا غير إلا أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء .

قال : هو ذاك فعليكموه ) ([108]) .

قال الحاكم([109]) : حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

فالآية امتدحتهم لتطهرهم أي لإزالتهم النجاسة الحقيقية من الفرجين بالماء فهو كتطهير الثياب والأماكن من النجاسات الحسية ، لا أن المراد بالتطهر الطهارة عن الحدث فهذا كل الصحابة رضي الله عنهم فيه سواء . وتلك الطهارة لا تزول عن الشخص كما لو أرعف أو خرجت منه ريح بعد استنجائه وحينئذٍ ليس هناك مخالفــة بين الحديــث والآية .وبهذا يتضح خطأ قولهم : ( فالحديث الذي يجعل مسه حدثاً بمنـزلة البول ، يكون مخالفاً لما في الكتاب ؛ لأن الفعل الذي هو حدث لا يكون تطهراً ) .

فإن قالوا : إن الله تعالى جعل الاستنجاء تطهراً مطلقاً فينبغي أن يكون تطهراً حقيقة وحكماً ، فلو جعل المس حدثاً لا يكون تطهراً من كل وجه .

قيل : هذا قول ضعيف لأنه يلزم منه أن من أزال النجاسة عن السبيلين أصبح متطهراً أي متوضأ حكماً وهذا لا قائل به أبداً .

2- المبتوتة نفقتها وسكناها :-
قال السرخسي : ( وكذلك لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة للمبتوتة ؛ لأنه مخالف للكتاب وهو قوله تعالى :-) أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ( (الطلاق 6) .

ولا خلاف أن المراد وأنفقوا عليهن من وجدكم ، فالمراد الحائل ؛ فإنه عطف عليه قوله تعالى :-) وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ( ( الطلاق 6 ) .

قلت : ورد في هذه المسألة حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها المشار إليه آنفاً ، وحديث آخر عن عمر بن الخطاب مما جعل العلماء يختلفون في حكم نفقة وسكنى المبتوتة .

وسيكون بحث المسألة في فقرات على النحو التالي :

1-روى مسلم في صحيحه([110]) حديث فاطمة بنت قيس أنهاقالت : إن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال : والله ما لك علينا من شيء . فجاءت رسول الله r فذكرت ذلك له ، فقال : ( ليس لك عليه نفقة ) .

2-روى الدارقطني في سننه([111]) قال : قالت فاطمة بنت قيس : قال رسول الله r:( المطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة ).

وروى الدارقطني([112]) عن : ( عمر بن الخطاب أنه لما بلغه قول فاطمة بنت قيس قال : لا ندع كتاب الله لقول امرأة لعلها نسيت ) .

وروى الدارقطني([113]) – أيضاً – أن عمر رضي الله عنه قال : ( لا نترك كتاب الله وسنة نبينا r لقول امرأة لا ندري حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة قال الله تعالى: ) لا تخرجوهن من بيوتهن ( { الطلاق 1} الآية

قال ابن القيم([114]) : ( قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصح عنه أبداً . قال الإمام أحمد : لا يصح ذلك عن عمر ) .

وروى الدارقطني([115]) عن عمر رضي الله عنه أنه قال لفاطمة رضي الله عنها : ( إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله r وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة ) لا تخرجوهن من بيوتهن ( {الطلاق 1} الآية .

قال الدارقطني : ولم يقل فيه وسنة نبينا .

وروى الدارقطني عن الحسن بن عمارة عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن الخليل الحضرمي قال ذكر لعمر بن الخطاب قول فاطمة بنت قيس أن رسول الله r لم يجعل لها السكنى ولا النفقة فقال عمر لا ندع كتاب الله وسنة نبيه لقول امرأة .

قال الدارقطني : الحسن بن عمارة متروك .

وفي سنن الدارقطني([116]) أن : ( عمر قال : لا ندع كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة المطلقة ثلاثاً لها السكنى والنفقة )

قال الدارقطني : أشعث بن سوار ضعيف الحديث ورواه الأعمش عن إبراهيم عن الأسود ولم يقل وسنة نبينا وقد كتبناه قبل هذا والأعمش أثبت من أشعث وأحفظ منه .

3-روى البخاري في صحيحه([117]) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما لفاطمة ،ألا تتقي الله ؟ يعني في قولها : لا سكنى ولا نفقة .

وفي صحيحه([118]) - أيضاً - عنها : قالت : إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي r .

4-قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري([119]) : ( وادعى بعض الحنفية أن في بعض طرق حديث عمر : للمطلقة ثلاثاً السكنى والنفقة ) .

5-قال الطحاوي([120]) : (خالفت فاطمة سنة رسول الله r ؛ لأن عمر روى خلاف ماروت … )

6-قال حماد بن أبي سليمان : أخبرت إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس ، فقال لي إبراهيم : إن عمر أخبر بقولها فقال : لسنا بتاركي آية من كتاب الله تعالى ، وقول النبي r لقول امرأة لعلها أوهمت . سمعت النبي r يقول : لها السكنى والنفقة([121]) .

7-قال ابن القيم([122]) : ( وأما حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله r يقول : ( لها السكنى والنفقة ) .

فنحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذب على عمر رضي الله عنه وكذب على رسول الله r وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الإنتصار للمذاهب والتعصب لها على معارضة سنن رسول الله r الصحيحة الصريحة بالكذب البحت فلو يكون هذا عند عمر رضي الله عنه عن النبي r لخرست فاطمة وذووها ولم ينبسوا بكلمة ولا دعت فاطمة إلى المناظرة ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام المنتصرين للسنن فقط لا لمذهب ولا لرجل .

هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم ولو قدر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نخاعه فإن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر رضي الله عنه بسنين ) .

8-قال ابن عبدالبر([123]) : ( أحاديث فاطمة كلها لم يختلف في أنها لا نفقة لها ؛ وإنما اختلف في ذكر السكنى ، فمنهم من ذكرها ، ومنهم من لم يذكرها ..

وأما الصحابة ، فقد اختلفوا...

منهم من يقول : لها السكني والنفقة . منهم : عمر ، وابن مسعود .

ومنهم من يقول : لها السكنى ولا نفقة . منهم : ابن عمر ، وعائشة .

ومنهم يقــول : لا سكنى لها ولا نفقــة . وممن قال بذلك : علي ، وابن عباس ، وجابر ) .

وقد اختلف العلماء في حكم نفقة وسكنى المبتوتة كاختلاف الصحابة رضي الله عنهم إلى ثلاثة أقوال([124]) :

الأول : - ليس لها سكنى ولا نفقة . وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي وأحمد وإسحاق .

الثاني : - لها السكنى والنفقة . وبه قال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه .

الثالث : - لها السكنى ولا نفقة لها . وبه قال مالك بن أنس والليث بن سعد والشافعي.

وبعد هذا الاستعراض الموجز للروايات الواردة في المسألة وأقوال الصحابة و العلماء فيها تبين أن ترك بعض العلماء لرواية فاطمة بنت قيس إنما هو لتعارض روايتها مع رواية عمر بن الخطاب ، ولاختلاف ألفاظ حديث فاطمة في ذكر النفقة والسكنى ؛ فسبب اختلاف العلماء هو تعارض الروايات والسنن، لاكما يصوره متأخرو الحنفية من أن أبا حنيفة ومن معه من الأئمة قد ردوا خبر فاطمة رضي الله عنها لكونه مخالفاً لكتاب الله .

يوضح ذلك أنه لو كان حديث فاطمة رضي الله عنها باطلاً لمخالفته كتاب الله لما احتج به الأئمة كلهم في غير هذه المسألة .

قال ابن القيم([125]) : ( ولا يعلم أحد من الفقهاء رحمهم الله إلا وقد احتج بحديث فاطمة بنت قيس هذا وأخذ به في بعض الأحكام كمالك والشافعي وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلاً .

والشافعــي نفسه احتج به : على جواز جمع الثلاث ؛ لأن في بعض ألفاظه ( فطلقني ثلاثاً ) ، وقد بينا أنه إنما طلقها آخر ثلاث كما أخبرت به عن نفسها .

واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال .

واحتج به الأئمة كلهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول .

واحتجوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه أو يعامله أو يسافر معه وأن ذلك ليس بغيبة .

واحتجوا به على جواز نكاح القرشية من غير القرشي .

واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر وأنه لا يشترط حضوره ومواجهته به .

واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن .

وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها وصدق حديثها فاستنبطتها الأمة منها وعملت بها فما بال روايتها ترد في حكمٍ واحدٍ من أحكام هذا الحديث وتقبل فيما عداه فإن كانت حفظته قبلت في جميعه وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من أحكامه وبالله التوفيق ) .

3- القضاء بالشاهد واليمين :-

قال السرخسي:( وكذلك لم يقبل خبر القضاء بالشاهد واليمين ؛ لأنه مخالف للكتاب من أوجه :-

فإن الله تعالى قال :-)واستشهدوا شهيدين من رجالكم({البقرة 282} الآية

وقوله )واستشهدوا ( أمر بفعل هو مجمل فيما يرجع إلى عدد الشهود كقول القائل : كُلْ . يكون مجملاً فيما يرجع إلى بيان المأكول ، فيكون ما بعده تفسيراً لذلك المجمل وبياناً لجميع ما هو المراد بالأمر وهو استشهاد رجلين فإن لم يكونا فرجل وامرأتان ، كقول القائل : كُلْ طعام كذا فإن لم يكن كذا فكذا ، أو أذنت لك أن تعامل فلاناً فإن لم يكن ففلاناً ، يكون ذلك بياناً لجميع ما هو المراد بالأمر والإذن .

و إذا ثبت أن جميع ما هو المذكور في الآية كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائداً عليه والزيادة على النص كالنسخ عندنا.

يقرره قوله تعالى :- ) وأدنى ألا ترتابوا ( {البقرة 282} فقد نص على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين بهذه الصفة وليس دون الأدنى شيء آخر تنتفي به الريبة .

ولأنه نقل الحكم من استشهاد الرجل الثاني بعد شهادة الشاهد الواحد إلى استشهاد امرأتين مع أن حضور النساء مجالس القضاء لأداء الشهادة خلاف العادة وقد أُمِرْن بالقرار في البيوت شرعاً ، فلو كان يمين المدعي مع الشاهد الواحد حجة لما نقل الحكم إلى استشهاد امرأتين وهو خلاف المعتاد مع تمكن المدعي من اتمام حجته بيمينه …) .

ويمكن الجواب عما سبق في النقاط التالية : -
1-الحديث الذي ردوه هو حديث رواه جمع من الصحابة كأبي هريرة وابن عباس وجابر رضي الله عنهم بلفظ ( أن النبي r قضى بيمينٍ وشاهدٍ ) ([126]) .

قال ابن عبدالبر([127]) : ( وفي اليمين مع الشاهد آثار متواترة حسان ثابتة متصلة أصحها إسناداً وأحسنها حديث ابن عباس وهو حديث لا مطعن لأحد في إسناده ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجاله ثقات ) .

وحق له حكاية ذلك ، فقد قال الإمــام مالك ([128]) : ( إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو عامل على الكوفة : أن اقض باليمين مع الشاهد .

وقال : إن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار سئلا هل يقضى باليمين مع الشاهد؟ فقالا : نعم .

قال مالك : مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد ) .

وروى النسائي([129]) ( أن شريحاً قضى باليمين مع الشاهد الواحد في مسجد الكوفة. وأن عمر بن عبد العزيز قضى باليمين مع الشاهد ) .

وقد قضى باليمين مع الشاهد قبل هؤلاء جميعاً رسول الله r وصحابته الكرام : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وعبدالله بن عمر ، ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر القضاء باليمين مع الشاهد ، وإلىهذا القول ذهب جمهور التابعين :سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبدالرحمن والقاسم بن محمد وعروة وسالم وأبو بكر بن عبدالرحمن وعبيدالله بن عبدالله وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وعلي بن حسين وأبو جعفر محمد بن علي وأبو الزناد وغيرهم ، ومن الأئمة : مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم واسحاق بن راهوية وأبو عبيد وأبو ثور وداود بن علي ، وجماعة أهل الأثر . ذكر ذلك ابن عبدالبر([130]) ، ثم قال([131]) : هو الذي لا يجوز عندي خلافه لتواتر الآثار به عن النبي r وعمل أهل المدينة به قرناً بعد قرن .

قال الحافظ ابن حجر([132]) : ( وفي الباب – يعني القضاء بالشاهد مع اليمين – عن نحو من عشرين من الصحابة فيها الحسان والضعاف ، وبدون ذلك تثبت الشهرة ) .

قال ابن عبدالبر([133]) : ( فهؤلاء قضاة أهل العراق أيضاً يقضون باليمين مع الشاهــد في زمن الصحابة وصدر الأمة ، وحسبك به عملاً متوارثاً بالمدينة).

قلت : إن لم يكن القضاء باليمين مع الشاهد متواتراً تصح به الزيادة على القرآن إجماعاً فلا أقل من أن يكون حديثاً مشهوراً على رأي عيسى بن أبان([134]) ومن تبعه كأبي زيد الدبوسي والسرخسي والبزدوي وغيرهم فيعمل به، وإن لم يكن عمل هؤلاء الأئمة الأعلام من الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة وغيرهم به ، وروايتهم له تستدعي الشهرة فلا شهرة حينئذٍ ولا تواترله إلا إذا حكم بذلك عيسى بن أبان ومن تبعه . فما قاله أو عمل به هؤلاء المنتسبون إلى أبي حنيفة - رحمه الله -فهو المشهور وهو المتواتر وما لا فلا !***!!

فإن قيل: قد خالف في ذلك إمام المذهب أبو حنيفة والثوري وعطاء وغيرهم([135]) فقالوا : بعدم القضاء باليمين مع الشاهد الواحد .

قلت : خالفوا لأنه لم يصح عندهم الخبر في ذلك ، كيف وقد قال أبو حنيفة رحمه الله : ( ما جاءنا عن الله وعن رسوله فعلى الرأس والعين ) لا أنهم يقولون كما يقوله هؤلاء : إن الحديث قد صح عندنا ولكن لا نعمل به لمخالفته كتاب الله . أقول : معاذ الله أن يكون ذلك هو قولهم .

يوضحه قول عطاء([136]) : إن أول من قضى به عبدالملك بن مروان . فهذا دليل على أنه لم يصح عنده فيه شيء لا عن رسول الله r ولا عن صحابته أو التابعين .

وبهذا يتبين خطأ قول السرخسي ومن معه : ( كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائداً عليه والزيادة على النص كالنسخ عندنا ) .

2-وأما قولـه : ( فإن الله تعالى قال :-) واستشهدوا شهيدين من رجالكم ( {البقرة 282 } الآية

وقوله )واستشهدوا ( أمر بفعل هو مجمل فيما يرجع إلى عدد الشهود ...، فيكون ما بعده تفسيراً لذلك المجمل وبياناً لجميع ما هو المراد بالأمر وهو استشهاد رجلين فإن لم يكونا فرجل وامرأتان …

وإذا ثبت أن جميع ما هو المذكور في الآية كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائداً عليه والزيادة على النص كالنسخ عندنا.

يقرره قوله تعالى :- ) وأدنى ألا ترتابوا ( {البقرة 282 } فقد نص على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين بهذه الصفة وليس دون الأدنى شيء آخر تنتفي به الريبة ) .

فالجواب عن ذلك بأمور منها :

أولاً : - إنه ليس في جعل اليمين والشاهد حجةً دليلٌ على النسخ في هذه الآية ؛ لأن الآية ما تعرضت بنفي ولا إثبات ، وهذا لأن التخيير بين الشيئين لا يتعرض لما عداهما بتحريم ولا إيجاب ، فانتفاء الثالث ليس بحكم الآية بل بحكم أن الأصل فيه الانتفاء . والنقل من الأصل لا يكون نسخاً([137]) .

ثانياً : - إن طرق الحكم شيء وطرق حفظ الحقوق شيء آخر وليس بينهما تلازم فتحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه ولا خطر على باله من نكـول ورد يمين وغير ذلك. قاله ابن القيم([138]) ثم قال : (قال الشافعي : واليمين مع الشاهد لا تخالف من ظاهر القرآن شيئا لأنا نحكم بشاهدين وشاهد وامرأتين فإذا كان شاهد واحد حكمنا بشاهد ويمين وليس ذا يخالف القرآن لأنه لم يحرم أن يكون أقل مما نص عليه في كتابه . ورسول الله r أعلم بما أراد الله وقد أمرنا الله أن نأخذ ما آتانا

قلت- القائل ابن القيم - : وليس في القرآن ما يقتضي أنه لا يحكم إلا بشاهدين أو شاهد وامرأتين فإن الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به فضلاً عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك ولهذا يحكم الحاكم بالنكول واليمين المردودة والمرأة الواحدة والنساء المنفردات لا رجل معهن وبمعاقد القمط ووجوه الآجر وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن فإن كان الحكم بالشاهد واليمين مخالفاً لكتاب الله فهذه أشد مخالفةً لكتاب الله منه وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفةً للقرآن فالحكم بالشاهد واليمين أولى ألا يكون مخالفاً للقرآن ...

والقضاء بالشاهــد واليمين مما أراه الله تعالى لنبيه r فإنه سبحانه قال : ) إنا أنزلنا إليك الكـتاب بالحق لتحكـم بين النـــاس بما أراك الله ( {النساء 105} .

وقد حكم بالشاهد واليمين وهو مما أراه الله إياه قطعاً ) .











المطلب الثاني : في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً للسنة المشهورة

وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .

لم يتطرق القائلون بهذه القاعدة إلى أدلتها بخصوصها اكتفاءً بما ذكروه من أدلة في المطلب الأول وهو انقطاع خبر الواحد لمخالفته لكتاب الله تعالى فالأدلة، والمناقشات هي هي ، إلا أنهم قد ذكروا وجهاً آخر لرد خبر الواحد لمخالفته السنة المشهورة –باصطلاحهم-فقالوا : إن ( خبر الواحد إذا خالف السنة المشهورة فهو منقطع في حكم العمل به ؛ لأن ما يكون متواتراً من السنة أو مستفيضاً أو مجمعاً عليه فهو بمنزلة الكتاب في ثبوت علم اليقين به وما فيه شبهة فهو : مردود في مقابلة اليقين ، وكذلك المشهور من السنة ، فإنه أقوى من الغريب لكونه أبعد عن موضع الشبهة ولهذا جاز النسخ بالمشهور دون الغريب فالضعيف لا يظهر في مقابلة القوي ) .

ويمكن أن يقال : بأنه ليس هناك تعارض البتة بين الكتاب وصحيح السنة ، وقد سبق التنبيه على مثل هذا فليرجع إليه ، وأما قولهم إن المشهور من السنة أقوى من الغريب ( السنة الآحادية الصحيحة ) فهذه القوة لا تمنع من العمل بالخبر الصحيح لا سيما إذا كانت دلالة خبر الواحد قطعية ودلالة المشهور محتملة كأن تكون عامة أو مطلقة أو مجملة .

وقولهم إن الضعيف لا ينسخ القوي فهذا غير مسلم فإن النسخ متعلق بالدلالة لا بالسند فالناسخ صحيح السند –وهذا لابد منه - رافع لدلالة المنسوخ ومبطل لها .

قال الشيخ الشنقيطي([139]) رحمه الله : ( التحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه والدليل الوقوع.

أما قولهم إن المتواتر أقوى من الآحاد والأقوى لا يرفع بما هو دونه فإنهم قد غطلوا فيه غلطاً عظيماً مع كثرتهم وعلمهم ، وإيضاح ذلك أنه لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما في وقته ، وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما ، أما إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتهما ، فلو قلت : النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ، وقلت أيضاً : لم يصل إلى بيت المقدس ، وعنيت بالأولى ما قبل النسخ ، وبالثانية ما بعده لكانت كل منهما صادقة في وقتها .

ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه نسخ إباحة الحمر الأهلية - مثلاً -المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية ) قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً …( {الأنعام 145} الآية ، بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه لأن الآية من سورة الأنعام وهي مكية أي نازلة قبل الهجرة بلا خلاف ، وتحريم الحمر الأهلية بالسنة واقع بعد ذلك في خيبر ولا منافاة البتة بين آية الأنعام المذكورة وأحاديث تحريم الحمر الأهلية لاختلاف زمنهما ، فالآية وقت نزولها لم يكن محرماً إلا الأربعة المنصوصة فيها ، وتحريم الحمر الأهلية طارئ بعد ذلك ، والطروء ليس منافياً لما قبله ، وإنما تحصل المنافاة بينهما لو كان في الآية ما يدل على نفي تحريم شيء في المستقبل غير الأربعة المذكورة في الآية ، وهذا لم تتعرض له الآية بل الصيغة فيها مختصة بالماضي لقوله : ) قل لا أجد فيما أوحي إلي ( {الأنعام 145}بصيغة الماضي ، ولم يقل فيما سيوحى إلي في المستقبل ، وهو واضح كما ترى ، والله أعلم ) .

المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .

لقد ترتب على القول بهذه القاعدة الموهومة مسائل فقهية كثيرة منها :-

1- القضاء بالشاهد واليمين .

قال السرخسي([140]) : ( لم يعمل بخبر القضاء بالشاهد واليمين لأنه مخالف للسنة المشهورة ، وهو قوله عليه السلام :- ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ([141]) .

من وجهين :-

أحدهما :- أن في هذا الحديث بيان أن اليمين في جانب المنكر دون المدعي .

والثاني :- أن فيه بيان أنه لا يجمع بين اليمين والبينة فلا تصلح اليمين متممة للبينة بحال ).

الجواب : لقد سبق أن بينت أن السنة الصحيحة لا تعارض بينها وبين كتاب الله إذ الجميع وحي من عند الله العليم الحكيم ، وذكرت الأدلة على عدم وقوع ذلك . كما نقلت أقوال العلماء بل إجماعهم على عدم وقوع التعارض والتضاد بين الكتاب والسنة الآحادية الصحيحة . وحينئذٍ فلا حاجة بنا للإعادة بل تنظر في موطنها .

وما ذكروه في هذا الوجه من عدم أخذهم بحديث النبي r من أنه قضى باليمين مع الشاهد ما هو إلا إمعان في رد السنة الصحيحة الصريحة عن رسول الله وصحبه الكرام والأئمة الأعلام بقواعد موهومة مزعومة ، فالحديث – عندهم – لا محالة مردود - مع كونه متواتراً عند أهل العلم والاختصاص - إما لمخالفته الكتاب –كما سبق - أو لمخالفته السنة المشهورة .

ومن العجيب حقاً قصرهم الشهرة في حديث ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) دون حديث القضاء بشاهد مع يمين المدعي ، مما يدل دلالة لا لبس فيها أن الشهرة معيارها هو : موافقة الحديث لمذهبهم . فما وافق مذهبهم فهو مشهور ولو كان ضعيفاً وربما موضوعاً وما خالف مذهبهم فهو ضعيف أو خبر آحاد لا تقوم به حجة ولو كان في الصحيحين وبقية كتب السنة كحديث القضاء باليمين مع الشاهد .

أما قولهم إن هذا الحديث بيان أن اليمين في جانب المنكر دون المدعي ، فلا يسلم لهم القصر وحصر اليمين في جانب المدعى عليه ، -وأيضاً -هذا القول مبني على حجية مفهوم المخالفة ، والحنفية لا يقولون بحجيته أبداً .

وقد أجاد ابن القيم رحمه الله في رد هذه الدعوى ولحسن جوابه وقوته فقد قمت بنقله بتمامه .

قال ابن القيم الجوزية([142]) : - ( فصل : منـزلة السنة من الكتاب )

والذين ردوا هذه المسألة لهم طرق :-

الطريق الأول : أنها خلاف كتاب الله فلا تقبل وقد بين الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم أن كتاب الله لا يخالفها بوجه وإنها لموافقة لكتاب الله وأنكر الإمام أحمد والشافعي على من رد أحاديث رسول الله r لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن وللإمام أحمد في ذلك كتاب مفرد سماه كتاب طاعة الرسول

والذي يجب على كل مسلم اعتقاده أنه ليس في سنن رسول الله r الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل :-

المنـزلة الأولى :- سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل .

المنـزلة الثانية :- سنة تفسر الكتاب وتبين مراد الله منه وتقيد مطلقه .

المنـزلة الثالثة :- سنة متضمنة لحكم سـكت عنه الكتاب فتبينه بياناً مبتدأً .

ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة

وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة .

الطريق الثاني :- أن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه فلا تشرع في جانب المدعي.

قالوا : ويدل على ذلك قوله r : ( البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر ) فجعل اليمين من جانب المنكر .

وهذه الطريقة ضعيفة جداً من وجوه :-

أحدها :- أن أحاديث القضاء بالشاهدين واليمين أصح وأصرح وأشهر وهذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب الستة .

الثاني :- أنه لو قاومها في الصحة والشهرة لوجب تقديمها عليه لخصوصها وعمومه .

الثالث :- أن اليمين إنما كانت في جانب المدعى عليه حيث لم يترجح جانب المدعي بشيء غير الدعوى فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين لقوته بأصل براءة الذمة فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل فكانت اليمين من جهته فإذا ترجح المدعي بلوث أو نكول أو شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك فاليمين مشروعة في جانب أقوى المتداعيين فأيهما قوي جانبه شرعت اليمين في حقه بقوته وتأكيده ولهذا لما قوي جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم ولما قوي جانب المدعي بنكول المدعى عليه ردت اليمين عليه كما حكم به الصحابة ، وصوبه الإمام أحمد وقال : ما هو ببعيد يحلف ويأخذ . ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية كانت اليمين في حقه وكذلك الأمناء كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي القول قولهم ويحلفون لقوة جانبهم بالأيمان فهذه قاعدة الشريعة المستمرة

فإذا أقام المدعي شاهداً واحداً قوي جانبه فترجح على جانب المدعى عليه الذي ليس معه إلا مجرد استصحاب الأصل وهو دليل ضعيف يدفع بكل دليل يخالفه ولهذا يدفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة فدفع بقول الشاهد الواحد وقويت شهادته بيمين المدعي فأي قياس أحسن من هذا وأوضح مع موافقته للنصوص والآثار التي لا تدفع ) انتهى كلامه .

2- بيع الرطب بالتمر :-
قال السرخسي([143]) : ( لم يعمل أبو حنيفة بخبر سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه - في بيع الرطب بالتمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال :( أينتقص إذا جف )قالوا : نعم .قال :- ( فلا إذاً ) ، لأنه مخالف للسنة المشهورة وهو قوله عليه السلام : (التمر بالتمر مثل بمثل ) ([144]).

من وجهين :-

أحدهما :- أن فيها اشتراط المماثلة في الكيل مطلقاً لجواز العقد . فالتقييد باشتراط المماثلة في أعدل الأحوال وهو بعد الجفوف يكون زيادة .

والثاني :- أنه جعل فضلاً يظهر بالكيل هو الحرام في السنة المشهورة .

فجعل فضل يظهر عند فوات وصف مرغوب فيه رباً حراماً يكون مخالفاً لذلك الحكم ) انتهى كلامه .

قلت : روى سعد بن أبي وقاص قال : تبايع رجلان على عهد رسول الله r بتمر ورطب . فقال النبي r : ( هل ينقص الرطب إذا يبس ؟ ) فقالوا : نعم . فقال النبي r : فلا إذاً ) .

وهذا الحديث رواه مالك([145])،وبدالرزاق([146])،وأحمد([147])،وأبو داود([148])، وابن ماجة([149])، والترمذي([150])، والنسائي([151])، وأبو يعلى([152])، وابن حبان([153]) ، والدارقطني([154]) والحاكم([155])، والبيهقي([156]).

وقال الحاكم([157]): هذا حديث صحيح ، والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش .

وأما الحديث الآخر وهو حديث عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله r : (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ) . فحديث رواه الشيخان([158]) وغيرهما .

وأما الجواب عما ذكره السرخسي وغيره من وجود تعارض بين الحديثين فنقول : ليس هناك تعارض بين أحاديث رسول الله r متواترها ومشهورها الثابتة وآحادها الصحيحة فالكل من عند الله العليم الحكيم وقد سبق التنبيه على هذا مراراً وتكراراً فليرجع إليه .

وعلى فرض وجود التعارض بينهما فإن أمكن الجمع تعين كأن يقال : إن حديث النهي عن بيع التمر بالتمر إلا مثلاً بمثل عام ، وحديث سعد خاص بالنهي عن بيع الرطب بالتمر فيجعل مخصصاً لعموم حديث عبادة بن الصامت السابق فلا يكون حينئذٍ أي تعارض فكأن النبي r قال : يجوز بيع البدلين رَطْبَيْن أو يابسين إذا وجدت المساواة ولا يجوز بيعهما إذا كان أحدهما رَطْبَاً والآخر يابساً ولو وجدت المساواة .

فالرسول r لما سئل عن بيع التمر بالرطب أرشدهم إلى أن العلة في التحريم عدم المماثلة ؛ لأن مآلهما عدم المساواة إذا يبس الآخر .

قال ابن القيم([159]) : ( كانوا إذا سألوه عن الحكم نبههم على علته وحكمته كما سألــوه عن بيع الرطب بالتمر فقال : أينقص الرطب إذا جف قالوا : نعم قال : فلا إذن . ولم يكن يخفى عليه r نقصان الرطب بجفافه ولكن نبههم على علة الحكم ) .

وقد أوضح ذلك الإمــام ابن عبد البر بقوله([160]) : ( ... للعلماء فيه قولان :-

أحدهما : وهو أضعفهما أنه استفهام ، استفهم عنه أهل النخيل والمعرفة بالتمور والرطب ورد الأمر إليهم في علم نقصان الرطب إذا يبس .

والقول الآخر : وهو أصحهما أن رسول الله لم يستفهم عن ذلك ولكنه قرر أصحابه على صحة نقصان الرطب إذا يبس ليبين لهم المعنى الذي منه منع .

فقال لهم : أينقص الرطب : أي أليس ينقص الرطب إذا يبس وقد نهيتكم عن بيع التمر بالتمر إلا مثلاً بمثل .

فهذا تقرير منه وتوبيخ وليس باستفهام في الحقيقة لأن مثل هذا لا يجوز جهله على النبي r ، والاستفهام في كلام العرب قد يأتي بمعنى التقرير كثيراً وبمعنى التوبيخ،كما قال الله عز وجل : ) وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ءآنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ( {المائدة 116} فهذا استفهام : معناه التقرير وليس معناه أنه استفهام عما جهل جل الله وتعالى عن ذلك .

ومن التقرير- أيضاً- بلفظ الاستفهام قوله عز وجل :) ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون ( {يونس 59}

وقوله : ) ءآلله خير أم ما يشركون ( {النمل 59} .

وقوله : ) وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي ({طه 18} وهذا كثير .

وقوله r في هذا الحديث أينقص الرطب إذا يبس نحو قوله : ( أرأيت إن منع الله الثمرة ففيم يأخذ أحدكم مال أخيه ) فإنه قد قال أليس الرطب إذا يبس نقص فكيف تبيعونه بالتمر ، والتمر لا يجوز بالتمر إلا مثلاً بمثل ، والمماثلة معروفة في مثل هذا فلا تبيعوا التمر بالرطب بحال .

فهذا أصل في مراعاة المآل في ذلك وهذا تقرير قوله r عند من نزهه ونفى عنه أن يكون جهل أن الرطب ينقص إذا يبس وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى وبه التوفيق ) انتهى كلامه .

وأما ما نُسِبَ إلى أبي حنيفة رحمه الله من عدم الأخذ بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لأنه مخالف للسنة المشهورة وهو قوله عليه السلام :- ( التمر بالتمر مثل بمثل ) ([161]) ، فكذب محض فإنه لم يتركه لهذه القاعدة الباطلة وإنما تركه لعدم صحته عنده فقد سئل عن هذه المسألة حينما دخل بغداد فاحتج بحديث النهي عن بيع التمر بالتمر ، فأورد عليه حديث سعد فقال([162]) : هذا الحديث دار على زيد أبي عياش وهو ممن لا يقبل حديثه .

يؤيد ذلك قول الحاكم في المستدرك عن حديث سعد : هذا حديث صحيح، والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش .

وأما صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن فقد خالفاه في المسألة فقالا بالحديث الذي رواه سعد لصحته عندهما .

وبهذا يتبين فساد ما نُسب([163]) إلى الإمام وصاحبيه من أنهم قد تركوا حديث سعد لكونه مخالفاً للحديث المشهور .

ولما أعترض على هذه الدعوى بأن الصاحبين قد عملا بحديث سعد وهو مخالف للحديث المشهور ، قالوا : إنما عملا به ، بناء على أن لفظ المشهور تناول التمر فقط ، والرطب ليس بتمر عادةً وعُرْفاً . بدليل أن من حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً أو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعدما صار تمراً لم يحنث ،لا أنهما لا يقولان بأن الحديث يرد لمخالفته السنة المشهورة .

فهؤلاء الذين قَوَّلُوا الأئمة مالم يقولوه قد ارتكبوا جناياتٍ لا حصر لها أعظمها نسبة القول إليهم بأنهم قد ردوا سنن المصطفى الصحيحة بأهوائهم ، وهذا لا يقوله جاهل فضلاً عمن ينسب نفسه إلى العلم .



المطلب الثالث : في رد خبر الواحد لكونه حديثاً شاذاً لم يشتهر

فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته

وفيه مسألتان :-

المسألة الأولى : في أدلة القائلين بهذه القاعدة ومناقشتها .

إن خبر الواحد الذي صح سنده إذا ورد موجباً للعمل فيما يعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته للعمل به لا يقبل ، عند عيسى بن أبان وأبي زيد الدبوسي والسرخسي والبزدوي وعبدالعزيز البخاري وغيرهم ممن تبعهم ممن ينتسب لمذهب أبي حنيفة رحمه الله محتجين على ما ادعوه بما يأتي :-

قالوا ([164]) :(إن صاحب الشرع كان مأموراً بأن يُبَيِّن للناس ما يحتاجون إليه وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم .

فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم . وأنهم لم يتركوا نقله على وجه الاستفاضة ، فحين لم يشتهر النقل عنهم عرفنا أنه سهو أو منسوخ ، ألا ترى أن المتأخرين لما نقلوه اشتهر فيهم فلو كان ثابتاً في المتقدمين لاشتهر أيضاً وما تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته ) انتهى .

والجواب عن هذا الدليل بأن يقال([165]) : ( إنما يجب ذلك لو لزم المكلفين العمل به على كل حال ، فأما إذا لزمهم العمل بشرط أن يبلغهم الخبر فليس في ذلك تكليف ما لا طريق إليه ، ولو وجب ما ذكروه فيما تعم به البلوى لوجب فيما لا تعم به البلوى أيضاً ؛ لأنه وإن كانت البلوى لا تعم به لكنه يجوز وقوعه لكل واحد من آحاد الناس ، فيجب في حكمه إشاعة حكمه خوفاً من أن لا يصل إلى من يُبتلى به فيضيع فرض عليه .

جواب آخر : أن الحكم وإن عم به البلوى ، فليس هو بشيء وقعت واقعته في الحال لكلّ أحد في نفسه وذاته ، بل غاية ما في الباب : توهم وقوعه . وإذا لم يكن إلا محض التوهم ، فإذا وقع يمكن الوصول إلى موجب الحكم ؛ لأن حكمه وإن نقله الواحد والاثنان فالتمكن من الوصول إليه موجود . فيكفي ذلك ؛ لأنه إذا أمكنه الوصول فليس يضيع الحكم ) .

فالنبي r مبلغ عن الله وقد يبلغ الكافة وقد يبلغ العديد القليل وأحياناً الفرد والفردين ، فقولهr : ( نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها ) ([166]) و الحديث لم يشترط ما شرطه هؤلاء بل أطلق لكل من سمع مقالته أن يبلغها سواء كانوا جماعة أو أفرادا أو حتى فرداً واحداً أن يبلغ ما سمع فالواجب أنه متى ما صح عن رسول الله صلى الله من خبر وجب قبوله وعدم رده ، وقد سبق بيان وجوب قبول خبر الواحد العدل فليرجع إليه .

وأما قولهم : ( ولهذا لم تقبل شهادة الواحد من أهل المصر على رؤية هلال رمضان إذا لم يكن بالسماء علة .

ولم يقبل قول الوصي فيما يدعي من إنفاق مال عظيم على اليتيم في مدة يسيرة ، وإن كان ذلك محتملاً ؛ لأن الظاهر يكذبه في ذلك ) .

فيقال : هذا غير مسلم ؛ لأنه قياس مع الفارق فكم من مواقف لرسول الله r بيَّن فيها بياناً عاماً ونقلت من طريق الآحاد كحجه وخطب الجمع ورجم ماعز وغير ذلك ، ولهذا فإن المطلوب نقل حديث رسول الله r ، وقد يترك بعض الصحابة الرواية اكتفاءً بنقل غيره .

كما أنا لا نسلم عدم قبول شهادة العدل الواحد على رؤية هلال رمضان وإن شاركه غيره الرؤية ولم يروه .

قال ابن عباس([167]) : تمارى الناس في رؤية هلال رمضان ، فقال بعضهم : اليوم ، وقال بعضهم : غداً فجاء أعرابي إلى النبي r فذكر أنه رآه ، فقال النبي r : ( أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) قال نعم : فأمر النبي r بلالاً فنادى في الناس : صوموا ، ثم قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً ثم صوموا ولا تصوموا قبله يوماً )

قال ابن القيم([168]) : ( فأي فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعاينه يتعلق بمشهود له وعليه وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلق بالعموم وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد وهو شهادة منه بدخول الوقت وخبر عنه يتعلق بالمخبر وغيره وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد وهي خبر عن حكم شرعي يعم المستفتي وغيره ).

المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .

لقد ترتب على القول بهذه القاعدة مسائل فقهية كثيرة أهمها ما يأتي : -

1-الوضوء من مس الذكر :-

قال السرخسي : (وعلى هذا الأصل لم نعمل بحديث الوضوء من مس الذكر ؛ لأن بسرة تفردت بروايته مع عموم الحاجة لهم إلى معرفته .

فالقول بأن النبي عليه السلام خصها بتعليم هذا الحكم مع أنها لا تحتاج إليه ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة حاجتهم إليه شبه المحال ) .

أقول : قد سبق مناقشة هذه المسألة في القاعدة السابقة وهي مخالفة خبر الواحد للكتاب فلا حاجة للإعادة .

2- الوضوء مما مسته النار :

أقول :ورد عن رسـول الله r أنه قال كما في حديــث زيد بن ثابت : ( الوضوء مما مست النار ) .

وقوله عليه السلام كما في حديث أبي هريرة : ( توضأوا مما مست النار ) .

وقوله عليه السلام كما في حديث عائشة : ( توضأوا مما مست النار ) .

وكل هذه الأحاديث في صحيح مسلم([169]) .

وورد فيه من حديث ابن عباس([170]) : أن رسول الله r أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ .

وورد من حديث ميمونة ([171]): أن النبي r أكل عندها كتفاً ثم صلى ولم يتوضأ .

و عن جابر بن عبد الله قال([172]) : آخر الأمرين من رسول الله r ترك الوضوء مما مست النار .

قال الحافظ ابن حجر([173]) : ( قال النووي : كان الخلاف فيه معروفاً بين الصحابة والتابعين ، ثم استقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مست النار إلا ما تقدم استثناؤه من لحوم الإبل .

وجمع الخطابي بوجه آخر وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب ) .

قال ابن عبدالبر([174]): (وقوله r توضئوا مما مست النار أمر منه بالوضوء المعهود للصلاة لمن أكل طعاماً مسته النار، وذلك عند أكثر العلماء ، وعند جماعة أئمة الفقهاء منسوخ بأكلهr طعاماً مسته النار وصلاته بعد ذلك دون أن يحدث وضوءاً .

فاستدل العلماء بذلك على أن أمره بالوضوء مما مست النار منسوخ .

وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة والبصرة ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ أو لم يعرفوا منه غير الوجه الواحد فكانوا يوجبون الوضوء مما مست النار و يتوضأون من ذلك ، وممن روى عنه ذلك زيد بن ثابت وابن عمرو ، وأبو موسى وأبو هريرة وعائشة وأم حبيبة أما المؤمنين ، واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري وعن ابن عمر وأنس بن مالك وبه قال خارجة بن زيد بن ثابت وأبو بكر بن عبد الرحمن وابنه عبد الملك ومحمد ابن المنكدر وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب الزهري فهؤلاء كلهم مدنيون ، وقال به من أهل العراق أبو قلابة وأبو مخلد والحسن البصري ويحيى بن يعمر وهؤلاء كلهم بصريون .

وكان ابن شهاب رحمه الله قد عرف الوجهين جميعاً في ذلك وروى الحديثين المتعارضين في هذا الباب وكان يذهب إلى أن قوله r توضأوا مما غيرت النار ناسخ لفعله المذكور في حديث ابن عباس هذا ومثله وهذا مما غلط فيه الزهري مع سعة علمه وقد ناظره أصحابه في ذلك فقالوا كيف يذهب الناسخ على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء الراشدون فأجابهم بأن قال : أعيى الفقهاء أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله r من منسوخه ) .

قلت : مما سبق ذكره من بعض الأحاديث والآثار في المسألة وأقوال العلماء اتضح أنها معدودة من باب تعارض الأدلة من الأحاديث والآثار المروية فيها فمن رجح أحد الطرفين قال به ومن جمع قال بما توصل إليه في نظره ولم يذكر أحد من العلماء الذين ذُكِروا أنه ترك حديث توضأوا مما مست النار لكونه حديثاً روي فيما تعم به البلوى فلا يعمل به .

3-تغسيل الجنازة وحملها :
لم يعمل القائلون بهذه القاعدة بخبر الوضوء والغسل من حمل الجنازة أو تغسيلها ، لكون الخبر المروي في المسألة خبر آحاد فيما يعم به البلوى فلا يقبل.

قلت : الحديث المشار إليه هو حديث رواه المغيرة([175]) وحذيقة([176]) وأبو هريرة([177]) وابن عباس ([178]) قالوا : قال رسول الله r : ( من غسل ميتاً فليغتسل ) .

وزاد أبو هريرة ([179])في حديثه : ( ومن حمله فليتوضأ ) .

وفي لفظ ([180]) : ( من حمل جنازةً فليتوضأ ) .

وفي لفظ([181]) : ( ِمنْ غُسْلِه الغُسْلُ ، ومِنْ حَمْلِه الوضوء ) .

وقد اختلف العلماء في تصحيحه ، فقال الترمذي([182]) : ( حديث حسن ، وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً ) .

وقال الإمام أحمد وعلي بن المديني([183]) : لا يصح في هذا الباب شيء .

وقال محمد بن يحيى([184]) : لا أعلم من غسل ميتاً فليغتسل حديثاً ثابتاً ولو ثبت لزمنا استعماله .

قال ابن حجر([185]) : ( وذكر البيهقي له طرقاً وضعفها ،ثم قال : والصحيح أنه موقوف .

وقال البخاري : الأشبه موقوف .

وقد حسنه الترمذي وصححه ابن حبان ، وله طريق أخرى من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رفعه : مَنْ غَسَّل مَيْتَاً فليغتسل . ذكره الدارقطني وقال : فيه نظر. قال الحافظ : رواته موثقون ) انتهى كلامه باختصار .

وقد جاء ما يعارض الأحاديث السابقة مثل قوله عليه السلام فيما رواه الحاكم([186])عن ابن عباس قال : قال رسول الله r : ( ليس عليكم في غُسْلِ ميتكم غُسْلٌ إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم)

قال الحاكم([187]) : ( هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه .

وفيه رفض لحديث مختلف فيه على محمد بن عمرو بأسانيد ( من غسل ميتاً فليغتسل ) ).

قلت : ولهذا اختلفت طرائق العلماء في العمل بهذه الأحاديث ، فبعضهم رفضها لضعفها عنده ، وبعضهم قال : إن الغسل من تغسيل الميت منسوخ كما ذهب إليه أبوداود([188]) ، وأيده الحافظ ابن حجر في كتابه تلخيص الحبير([189]) محتجاً بالحديث الأخير .

وقال : وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث والله أعلم .

وبعضهم جمع بين الأحاديث فقال : يحمل الأمر في الغسل على الندب أو المراد بالغسل غسل الأيدي كما صرح به في الحديث الأخير ، يؤيده ما روي عن ابن عمر قال([190]) : كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل .

قال البيهقي([191]) : ( أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا عبد الكريم بن الهيثم ثنا أبو اليمان أخبرني شعيب بن أبي حمزة قال : وقال نافع :كنا نغسل الميت فيتوضأ بعضنا ويغتسل بعض ثم يعود فنكفنه ثم نحنطه ونصلي عليه ولا نعيد الوضوء .

وبإسناده قال : أخبرني شعيب قال : قال نافع : قد رأيت عبد الله بن عمر حنط سعيد بن زيد وحمله فيمن حمله ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ ) .

قال الخطابي([192]) : ( لا أعلم أحداً من الفقهاء يوجب الاغتسال على من غسل الميت ولا الوضوء من حمله ، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب ) .

أقول : تبين من استعراض الأحاديث والآثار الواردة في المسألة وأقوال العلماء فيها أنه لا صلة لأقوالهم بهذه القاعدة المزعومة فمن صحح الأحاديث جمع أو قال بالنسخ ومن ضعف رجع إلى البراءة الأصلية وأنه لا تكليف إلا بدليل صحيح .

4-رفع الأيدي عند الركوع وعند رفع الرأس منه :

ذهب القائلون بهذه القاعدة إلى عدم العمل بالأحاديث الواردة في الحض على رفع الأيدي عند الركوع وعند الرفع منه لكون هذه الأحاديث أخبار آحاد مروية فيما يعم به البلوى فلا تقبل .

والأحاديث المشار إليها أحاديث كثيرة وآثار متنوعة عن الصحابة والتابعين وغيرهم ، فمن تلك الأحاديث :-

1-مارواه البخاري ومسلم في صحيحيهما([193]) من حديث مالك بن الحويرث قال : إن رسول الله r كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه . وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه . وإذا رفع رأسه من الركوع ، فقال ( سمع الله لمن حمده ) فعل مثل ذلك .

2- مارواه الشيخان في صحيحيهما([194]) عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال : كان رسول الله r إذا قام للصلاة ، رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه . ثم كبر . فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك .وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك .

أقول : لقد روى كثير من علماء الحديث هذا الحديث في دواوينهم عن هذين الصحابيين وعن غيرهما، وممن روى ذلك: ابن أبي شيبة([195])، والدارمي([196])، وأبوداود([197])، ابن ماجة([198])، والترمذي([199])، والنسائي([200])، وابن خزيمة([201]) ، والدارقطني([202]) ، والبيهقي([203])، وغيرهم.

قال الترمذي([204]) : ( وفي الباب عن عمر وعلي ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وأنس وأبي هريرة وأبي حميد وأبي أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة وأبي قتادة وأبي موسى الأشعري وجابر وعمير الليثي ) .

قال الحسن البصري([205]) :كان أصحاب رسول الله r يرفعون أيديهم إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنما أيديهم مراوح .

وروى البخاري في (جزء رفع اليدين )([206]) عن مالك : أن ابن عمر كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى .

ونقل البخاري عن شيخه علي بن المديني قوله([207]) : رفع اليدين حق على المسلمين بما رواه الزهري عن سالم عن أبيه .

قال البخاري في ( جزء رفع اليدين )([208]): من زعم أن رفع الأيدي بدعة فقد طعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف من بعدهم وأهل الحجاز وأهل المدينة وأهل مكة وعدة من أهل العراق وأهل الشام وأهل اليمن وعلماء أهل خراسان منهم ابن المبارك حتى شيوخنا عيسى بن موسى وأبو أحمد وكعب بن سعيد …..ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يرفع يديه ) .

وذكر أنه رواه سبعة عشر رجلاً من الصحابة([209]) .

وذكر الحاكم وأبو القاسم بن منده ممن رواه : العشرة المبشرة بالجنة([210]).

قال الحافظ ابن حجر([211]) :وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلاً .

قلت : إذا كان هذا الحديث وما في معناه قد بلغ عدد رواة أصله من الصحابة خمسين صحابياً أفلا يكون هذا الحديث من قبيل المتواتر ؟!

-وأيضاً - أولم يتحقق فيه أن ( صاحب الشرع كان مأموراً بأن يُبَيِّن للناس ما يحتاجون إليه وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم . فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم ) .

أقول : فهل ترك صاحب الشرع بيان هذه السنة لكافة أصحابه وتعليمهم إياها مع أن عدد رواتها قد بلغوا خمسين رواياً ؟!!

وبعد : فإنه لا يصح أن يقال : لا يجوز العمل بهذه السنة ؛ لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفتها ؛ لأن هذا القول يكون حينئذٍ مكابرة مع ما ذكر من عدد رواتها وصحة طرقها وعدم وجود دليل صحيح يعارضها أو يدفعها .



فائدة :-

قال النووي رحمه الله([212]) : ( والأحاديث الصحيحة في الباب كثيرةٌ غَيْرُ منحصرة ... )

قلت : بهذه النقول وغيرها تَبَيَّنَ أن قول الجصاص([213]) : ( حديث رفع اليدين في الركوع ، لو كان ثابتاً لنقل نقلاً متواتراً ) قولٌ عارٍ عن التحقيق والتدقيق والبحث العلمي الرصين المتجرد للدليل لا للتعصب المقيت ؛ لأنه قد سبق –وسيأتي إن شاء الله- النقل عن أئمة الحديث والأثر روايتهم له من طرق بلغت حد التواتر عند أهل العلم والمعرفة بالحديث وطرقه ، وإلا فإن الجصاص ومن قال بقوله إنما هم مخبرون عن حالهم ومبلغ علمهم ، وهم صادقون فيما أخبروا به عن أنفسهم مخطئون في حكمهم على أئمة الدنيا من أهل الحديث والأثر ومخطئون-أيضاً - في حكمهم على الحديث نفسه ، كما أن القول بما ادعاه الجصاص ومن وافقه فيه فتح باب عظيم من أبواب الشر والفساد لرد سنة سيد المرسلين إذ لا يُعْجِزُ أي شخص لا يريد العمل بالسنة أن يدعي ما ادعوه .

- وأيضاً - مخالف الجصاص ومن معه لا يُعْجِزُهُ أن يقول فيما ادعاه الجصاص ومن معه من تواتر بعض الأحاديث أو اشتهارها بأنها لم تثبت لأنها لو كانت ثابتة لنقلت نقلاً متواتراً ، فما كان جوابهم عنها فهو بعينه جواب مخالفيهم .

فائدة أخرى :

قال أبو عبدالله محمد بن نصر المروزي رحمه الله([214]) : ( لا نعلم مصراً من الأمصار ينسب إلى أهله العلم قديماً تركوا بإجماعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة.

والسبب في ذلك تعلقهم بما روي عن ابن مسعود عن النبي r : أنه كان لا يرفع يديه في الصلاة إلا مرة في أول شيء ) انتهى .

قال ابن عبدالبر([215]) : ( هو حديث انفرد به عاصم بن كليب واختلف عليه في ألفاظه وقد ضعف الحديث أحمد بن حنبل وعلله ورمى به ) .

وقد احتج بعض متأخري الكوفة بحديث مسلم عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله r : ( مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة ) ([216]) .

قال ابن عبدالبر([217]) :(وهذا لا حجة فيه لأن الذي نهاهم عنه رسول الله r غير الذي كان يفعله لأنه محال أن ينهاهم عما سن لهم وإنما رأى أقواماً يعبثون بأيديهم ويرفعونها في غير مواضع الرفع فنهاهم عن ذلك .

وكان في العرب القادمين والأعراب من لا يعرف حدود دينه في الصلاة وغيرها وبعث r معلماً فلما رآهم يعبثون بأيديهم في الصلاة نهاهم وأمرهم بالسكون فيها وليس هذا من هذا الباب في شيء والله أعلم ) انتهى .

قلت : لم يعمل أبو حنيفة وسفيان الثوري والحسن بن حي وفقهاء الكوفة بأحاديث رفع اليدين في الركوع والرفع منه؛ لأنها لم تصح عندهم ، مع تمسكهم بما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه من عدم رفعه ليديه في تلك المواطن .

والدليل على عدم صحة هذه السنة عند أبي حنيفة رحمه الله ما رواه البيهقي في السنن الكبرى([218]) حيث قال : ( قال : وكيع صليت في مسجد الكوفة فإذا أبو حنيفة قائم يصلي وابن المبارك إلى جنبه يصلي فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع وأبوحنيفة لا يرفع فلما فرغوا من الصلاة .



قال أبو حنيفة لعبد الله : يا أبا عبد الرحمن رأيتك تكثر رفع اليدين أردت أن تطير .

قـال له عبد الله : يا أبا حنيفة قد رأيتك ترفـع يديك حين افتتحت الصلاة فأردت أن تطير .

فسكت أبو حنيفه .

قال وكيع : فما رأيت جواباً أحضر من جواب عبد الله لأبي حنيفة ) .

قلت:من المعلـوم من الدين بالضرورة أن الاستهزاء بشيء من السنة الصحيحة الثابتة هو استهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبشرعه ، والاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بشرعه كفر مخرج من الملة .

فإن قيل بثبوت هذه السنة عند أبي حنيفة ومن ثَمَّ صدر عنه ما صدر فهذا كفر بالله ينـزه عنه أبو حنيفة رحمه الله فلزم حينئذٍ القول بأن هذه السنة لم تثبت عنده ، بدليل أنه كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ، بما ظن صحته عن ابن مسعود رضي الله عنه من عدم الرفع في غير تكبيرة الإحرام ، ولم يقل لابن المبارك ما قال له في الرفع عند الركوع والرفع منه لكونها سنة في نظره .

فالمسألة إذن ليست كما صورها السرخسي ومن قال بقوله من أنها من باب خبر الواحد إذا روى خبراً فيما يعم به البلوى لا يقبل ، بل هي من قبيل عمل كل إمام بما بلغه من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .











المطلب الرابع : في رد خبر الواحد لكونه حديثاً قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول وهو ما لم تجر المحاجة بخبر الواحد بين الصحابة مع ظهور الاختلاف بينهم في الحكم

وفيه مسألتان :-

المسألة الأولى : في أدلة القائلين بهذه القاعدة ([219]):

استدل القائلون بصحة هذه القاعدة : بأن الخبر الذي هذه صفته لا يقبل ؛ لأنه زيف ؛ ذلك أن الصحابة هم الأصول في نقل الدين و لا يتهمون بالكتمان ولا بترك الاحتجاج بما هو الحجة والاشتغال بما ليس بحجة .

فإذا ظهر منهم الاختلاف في الحكم وجرت المحاجة بينهم فيه بالرأي -والرأي ليس بحجة- مع ثبوت الخبر فلوكان الخبر صحيحاً لاحتج به بعضهم على بعض حتى يرتفع به الخلاف الثابت بينهم بناءً على الرأي فكان إعراض الكل عن الاحتجاج به دليلاً ظاهراً على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو هو منسوخ .

وقد يعترض على هذا بأن يقال : لا يخلو حين اختلاف الصحابة في المسألة من أن يعلموا جميعاً أو يعلم بعضهم أن فيها دليلاً عن رسول الله r أو أن لا يعلموا بأجمعهم ، فإن علموا بالدليل ومن ثم تركوه جميعاً قائلين بأنه لم يصح عن رسول صلى الله عليه وسلم فيها شيء ؛ فإن ذلك والقول و الفعل إجماع منهم على عدم صحته وأنه مطعون فيه أو منسوخ وإجماعهم حجة ، وإن علمه البعض دون البعض الآخر ، فإن كان موافقاً لقولهم ولم يحتجوا به وقالوا عن الحديث بأنه لم يثبت عن رسول صلى الله عليه وسلم فقد يقال : إنه لا يصح لاحتمال أنه إذا سمعه المخالف لهم قد يقر به عن الرسول عليه السلام ويرجع عن قوله . وإن كان مخالفاً لقولهم موافقاً لقول مخالفيهم فترك من علمه العمل به لا يدل على عدم صحته لما سبق ، وإن لم يعلم به الجميع فلا يخلو من أن يكون مخالفاً لقول الجميع أو لا ، فإن كان مخالفاً لقول الجميع فهذا دليل على أنه غير صحيح ثم هذا لا يتصور وقوعه لعصمة الله أمة محمد r من الاجتماع على ضلالة فإن وقع فهذا دليل على بطلانه ، وإن كان الحديث موافقاً لأحد القولين، فهذا متصور وقوعه ومن ثم فالراجح من القولين ما وافق الحديث .



المسألة الثانية : الآثار الفقهية المترتبة على القول بهذه القاعدة :

لقد ترتب على القول بهذه القاعدة رد بعض الأحاديث الواردة في بعض المسائل الفقهية والتي منها ما يأتي : -

الحديث الأول : ( الطلاق بالرجال والعدة بالنساء ) .

قال السرخسي([220]) :( فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث أصلاً فعرفنا أنه غير ثابت أو مؤول . والمراد به أن إيقاع الطلاق إلى الرجال ) .

قلت: روي هذا الحديث عن علي([221])وابن مسعود([222])وابن عباس([223])وزيد بن ثابت([224]) بلفظ : ( الطلاق بالرجال والعدة بالنساء ) .

وروي عن بعض التابعين منهم :سعيد بن المسيب ([225]) ، والشعبي([226]) ، وعكرمة([227]) ، وسليمان ابن يسار([228]) نحوه .

وروي عن علي([229]) وعبدالله([230]) أنهما قالا : (الطلاق والعدة بالنساء ) . وبه قال اثنا عشر من أصحاب رسول الله r([231]) .

كما روي نحوه عن إبراهيم([232]) والحسن([233]) وغيرهما .

وقد أطال العلماء البحث في هذه الآثار تصحيحاً وتضعيفاً ، رفعاً ووقفاً ، فلتنظر في : الدراية في تخريج أحاديث الهداية([234]) ، ونصب الراية([235]) ، وتلخيص الحبير([236]) ، ونيل الأوطار([237]) ، وتحفة الأحوذي([238])، وعون المعبود([239]).

قال ابن الجوزي([240]) : (وقد رويت أحاديث في الطرفين كلها ضعاف ) .

ومن هنا يتبين عدم صحة إدراج هذا الحديث في هذا الوجه من وجوه الانقطاع لمعنى بدليل معارض ، ذلك أن هذا ليس من قبيل خبر الواحد الصحيح الذي أعرض عنه الصحابة في الاحتجاج به بل هي من قبيل اختلاف الصحابة على قولين فمن سعد بالنظر الصحيح في الدليل فهو أولى بالحق .

وقد بَيَّن المباركفوري([241]) خلاف العلماء في هذه المسألة بقول مختصر مفيد، فقال : ( قال أبو حنيفة : الطلاق يتعلق بالمرأة ،فإن كانت أمة يكون طلاقها اثنتين سواء كان زوجها حراً أو عبداً .

وقال الشافعي ومالك وأحمد : الطلاق يتعلق بالرجل فطلاق العبد اثنتان وطلاق الحر ثلاث ولا نظر للزوجة .

وعدة الأمة على نصف عدة الحرة فيما له نصف فعدة الحرة ثلاث حيض وعدة الأمة حيضتان لأنه لا نصف للحيض

وإن كانت تعتد بالأشـهر فعدة الأمة شهر ونصف وعدة الحرة ثلاثة أشهر ).

الحديث الثاني : ما يروى أن النبي r قال :( ابتغوا في أموال اليتامى خيراً كيلا تأكلها الصدقة )

قال السرخسي : ( فإن الصحابة اختلفوا في وجوب الزكاة في مال الصبي وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث أصلاً فعرفنا أنه غير ثابت إذ لو كان ثابتاً لاشتهر فيهم وجرت المحاجة به بعد تحقق الحاجة إليه بظهور الاختلاف ) .

قلت : الحديث الذي أشار إليه السرخسي قد روي عن جماعة من الصحابة مرفوعاً وموقوفاً ، فمن ذلك([242]) :-

1- مـا رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص([243]) أن رسول الله r قام فخطب الناس ، فقال : من ولي يتيماً له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة .

وفي لفظ : قال([244]) : قال رسول الله r : احفظوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها الزكاة .

وفي لفظ آخر : أن رسول الله r قال([245]) : ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر له فيه ولا يتركه تأكله الزكاة .

وفي لفظ : قال([246]) : قال رسول الله r : ابتغوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها الزكاة .

2-ما رواه أنس بن مالك قال([247]):قال رسول الله r : اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة.

3-ما رواه يوسف بن ماهك([248]) أن رسول الله r قال : ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى لا تذهبها أو لا تستهلكها الصدقة .

قال البيهقي([249]) : هذا مرسل .

4- ما رواه - أيضاً - عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال([250]): قال رسول الله r : في مال اليتيم زكاة .

وأما الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والتي تدل على وجوب الزكاة في مال اليتيم فكثيرة منها :-

أ-قال سعيد بن المسـيب([251]) : إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة .

ب-قال عبد الرحمن بن أبي ليلى([252]) : إن علياً زكى أموال بني أبي رافع فلما دفعها إليهم وجدوها بنقص .

فقالوا : إنا وجدناها بنقص .

فقال علي رضي الله تعالى عنه : أترون أن يكون عندي مالٌ لا أزكيه .

ج-قال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال([253]) : كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تليني وأخاً لي يتيم في حجرها وكانت تخرج من أموالنا الزكاة .

د-قال نافع ([254]) : إن ابن عمركان يستسلف أموال اليتامى عنده لأنه كان يرى أنه أحرز له من الوضع . قال : وكان يؤدي زكاته من أموالهم .

هـ-روى سالم عن أبيه([255]) : أنه كان عنده مال يتيمين فجعل يزكيه .

فقلت : يا أبتاه لا تتجر فيه ولا تضرب ، ما أسرع هذه فيه .

قال : َلأُزَكِيَّنَهُ ولو لم يبق إلا درهم . قال : ثم اشترى لهما به داراً .

و-حديث عبد الرزاق عن ابن جريج قال([256]) : سئل عطاء أفي مال اليتيم الصامت صدقة ؟ فعجب ، وقال : ماله لا يكون عليه صدقة ؟ قال : نعم على مال اليتيم الصامت والحرث والماشية وغير ذلك من ماله .

ز-وقد روي الأمر بتزكية مال اليتيم عن الحسن بن علي وجابر بن عبدالله وغيرهما([257]) .

وإلى وجوب الزكاة في مال اليتيم ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم .

هذا وقد رويت بعض الآثار عن بعض الصحابة وبعض التابعين تدل على عدم القول بتزكية مال اليتيم ، منها :-

1-ما رواه عكرمة عن ابن عباس قال([258]): لا يجب على مال الصغير زكاة حتى تجب عليه الصلاة .

قال الدارقطني([259]) : ( فيه ابن لهيعة لا يحتج به ) .

2-ما رواه مجاهد عن ابن مسعود قال([260]) : من ولي مال يتيم فَلْيُحْصِ عليه السنين فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة فإن شاء زكى وإن شاء ترك .

قال الشافعي([261]) : هذا ليس بثابت عن ابن مسعود من وجهين :

أحدهما : أنه منقطع ، وأن الذي رواه : ليس بحافظ .

قال البيهقي([262]) : ( قال الشيخ : وجهة انقطاعه : أن مجاهداً لم يدرك ابن مسعود . وراويه الذي ليس بحافظ : هو ليث ابن أبي سليم ، وقد ضعفه أهل العلم بالحديث .

وروي عن ابن عباس إلا أنه يتفرد بإسناده ابن لهيعة ، وابن لهيعة لا يحتج به والله أعلم ) .

3-ما رواه عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول في زكاة مال اليتيم ([263]) : ليست عليه زكاة كما ليست عليه صلاة .

4-ما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن يونس عن الحسن قال : سألته عن مال اليتيم .

فقال ([264]) : عندي مال لابن أخي فما أزكيه .

5-ما رواه –أيضاً - عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن الشعبي ، ومنصور عن إبراهيم قال([265]) : ليس على مال اليتيم زكاة .

وإلى عدم وجوب الزكاة في مال اليتيم ذهب الأئمة سفيان الثوري وعبدالله ابن المبارك وأبوحنيفة وأصحابه .

قال ابن الهمام([266]) : ( وأما ما روي عن عمر وابنه وعائشة رضي الله عنهم من القول بالوجوب في مال الصبي والمجنون لا يستلزم كونه عن سماع ، إذ يمكن الرأي فيه ، فيجوز كونه بناء عليه فحاصله قول صحابي عن اجتهاد عارضه رأي صحابي آخر ) انتهى .

قلت : ذكرت قول ابن الهمام للدلالة على أن ما قاله السرخسي ومن معه من أن هذه المسألة مبنية على أن خبر الواحد الصحيح المسند إذا روي في مسألة تنازع فيها الصحابة رضي الله عنهم ولم يلتفت أحد منهم إلى الاحتجاج به فإن ذلك يدل على زيفه أو نسخه قول مجانبه الصواب ، ذلك أن الصحابة لم يثبت عنهم بالسند الصحيح الاختلاف في وجوب الزكاة في مال اليتيم([267]) ، ومنه تتضح مجازفة السرخسي ومن قال بقوله بأن الصحابة قد تركوا بأجمعهم الاحتجاج بالأحاديث السابقة ، و على فرض تسليم اختلافهم في ذلك فمن أخبر السرخسي ومن معه بأن القائلين بوجوبها من الصحابة والتابعين لم يعولوا على الاحتجاج بها ، كيف وقد نُقِل ما نُقِل ، بل إن هذه الدعوى الباطلة لتفتح الباب على مصراعيه للطعن في كل حديث اختلف الصحابة في مسألة هو نص فيها إذ لا يُعْجِز المخالف أن يقول ما قاله هؤلاء ، وبهذا المسلك تُبْطَلُ السُنَنُ .



* *

الخاتمة :

بتوفيق من الله وحده لا شريك له انتهيت من هذا البحث متوصلاً إلى نتائج هامة أهمها ما يأتي:-

1-أن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن في علوم الشريعة الإسلامية إلا أنه قد شانه وأذهب بريقه وصفاءة - في بعض جوانبه - بعض ما أدخل فيه من مسائل ليس لها صلة به البتة .

ومن هذه المسائل الدخيلة على هذا الفن مسألتنا المبحوثة في هذا البحث فهي مسألة وثيقة الصلة بمحث من مباحث علم العقيدة .

2-كما توصلت إلى أنه لا خلاف بين أحد من علماء الأمة -لا سيما الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المعتبرين ومنهم الأئمة الأربعة - في وجوب الاحتجاج بالسنة ، معتبرينها صنو القرآن الكريم في التشريع العلمي والعملي .

3-أن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى يرون حجية خبر الواحد مطلقاً وأنه يفيد العلم والعمل معاً خلافاً لمن شذ عن طريقهم ممن نَسَبَ نفسه إليهم .

4-أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد تقسيم اصطلاحي ، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا لم يؤد إلى رد الأخبار سواء في باب العقيدة أو العمل .

5-اشتهر مذهب الحنفية دون بقية المذاهب بقسم ثالث من أقسام الأخبار، وهو ما يعرف بـ( المشهور ) حيث جعلوه قسيماً للمتواتر والآحاد وقالوا إنه يمكن الزيادة به على النص كالمتواتر ، فهو عندهم فوق الآحاد ودون المتواتر ؛ لذا كانت أحكامه فيها شبه بأحكام الآحاد لكون أصله آحاداً ، وفيها شبه بأحكام المتواتر لكونه قد تواتر فيما بعد .

6-أن الطعن في خبر الواحد الصحيح بما يسمى بالانقطاع الباطن لدليل معارض قول مخترع اخترعه عيسى بن أبان ثم تبعه على ذلك أبو زيد الدبوسي وفيما بعد بقية علماء الحنفية كالبزدوي والنسفي وعبدالعزيز البخاري حتى أصبح هذا القول أصلاً من أصول الحنفية .

7- أن أبا حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى براء من هذه القواعد الموهومة، حيث لم يثبت – بعد البحث العلمي الدقيق – عنهم القول بها ، وما أثر عنهم من فتاوى فقهية لم تكن مبنية عليها ، وأما هذه القواعد المذكورة فهي من اختراع عيسى بن أبان حيث قام باستخلاص ما يؤيدها من بعض فتاوى الإمام أبي حنيفة والصاحبين بتعسف شديد ، وتخريج أقوالهم عليها لإضفاء القبول عليها لدى

اتباع الإمام ، فليست هذه القواعد قواعد أصول فقه أبي حنيفة وأصحابه وإنما هي قواعد أصول فقه عيسى بن أبان وأتباعه .

قال الشيخ ابن جبرين([268]) : ( ... وبهذا يعرف تقديس هؤلاء الأئمة للحديث المتواتر والآحاد .

ولما أن روي عنهم بعض المسائل التي لا تجتمع ظاهراً مع ما صح من الأحاديث ، وكان قد قلدهم بعض من أتى بعدهم ، واعتمد أقوالهم نصوصاً ترد لها الأحاديث الصحيحة ، وكان لا بد يعتذر أتباعهم عن تلك الأحاديث الواردة عليهم ، فهنالك وضعوا قواعد وأصولاً زعموا أن أئمتهم لا يقبلون ما خالفها من أخبار الآحاد ، ككون الحديث فيما تعم به البلوى ، أو خلاف القياس ، أو لم يعمل به راوية ونحو ذلك . وإذا كان قد روي عن الأئمة شيء من تلك القواعد فلعلهم أرادوا بها معنى صحيحاً لا على الإطلاق ...)

وقال([269]) – أيضاً -: ( وقد نسب إلى أبي حنيفة رد خبر الواحد إذا خالف الأصول كالاستحسان والاستصحاب ، وأنا أعتقد أن أكثر تلك الروايات التي تحكي عن هؤلاء الأئمة مخالفة للقواعد الشرعية لا تصح عنهم ، وإنما خرجها على مذاهبهم بعض من غلا في تقليدهم ، عندما وجد لهم أقوالاً اعتمدوا فيها القياس ، حيث لم تبلغهم الأحاديث فيها ، أو لم تتضح لهم دلالتها، فأراد بعض أتباعهم أن يعتذر عنهم بأن تلك الأحاديث آحاد قد خالفت الأصول ، ثم أضيفت تلك القواعد إلى مذاهب الأئمة لشهرتها عند أتباعهم ...)

8-لم يَثْبُتْ بناء أي مسألة من المسائل الفقهية على تلك القواعد ، كما لم يثبت عن الإمام أبي حنيفة ما يؤيد ما ذهب إليه أولئك القائلين بها .

9-كما توصلت إلى أن كثيراً من هؤلاء – وإن كان من اتباع الإمام أبي حنيفة رحمه الله حفاظ وأئمة أمثال الطحاوي وغيره – قليلة بضاعتهم بعلم الحديث ومصطلحه ومعرفة الرجال والجرح والتعديل و التمييز بين صحيح السنة وسقيمها ومتواترها وآحادها ، فهم يصححون ما هو ضعيف عند أهل العلم بالحديث ، ويضعفون ما هو ثابت كثبوت الجبال الراسيات عند أهله ، ويحكمون بأحادية ما تواتر ، وشهرة وتواتر ما ضُعِّفَ أو أُنْكِرَ عند علماء السنة والأثر.

يوضح ذلك ما يأتي :-

1-تصحيحهم لحديث ( تكثر الأحاديث لكم بعدي فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه واعلموا أنه مني وما خالفه فردوه واعلموا أني منه بريء ) .

مع أنه لا يصح عند أهل العلم بالحديث بل قال بعضهم إنه من وضع الزنادقة .

2-تركهم لحديث فاطمة بنت قيس مع كونه صحيحاً مخرجاً في صحيح مسلم وغيره ، وأخذهم بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قوله : (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا r لقول امرأة لا ندري حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة ...)

مع أن أهل العلم بالحديث قالوا عنه كما قال ابن القيم : ( قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصح عنه أبداً . قال الإمام أحمد : لا يصح ذلك عن عمر ) .

3-ردهم لما تواتر عند علماء الحديث والأثر كما في حديث قضاء النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد، ورفعه ليديه في الركوع وحين الرفع منه .

4- قولهم بعد ذكرهم لحديث ( الطلاق بالرجال والعدة بالنساء)، وحديث ( ابتغوا في أموال اليتامى خيراً كيلا تأكلها الصدقة ) حديثان صحيحان أعرض الصحابة عن الاحتجاج بهما في موطن النزاع والحجاج .

وقد سبق بيان أن هذين ليسا كما ذكروا بل هما مما اختلف العلماء فيهما تصحيحاً وتضعيفاً ، رفعاً ووقفاً .

هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً .

أبوحاتم
07-04-03, 03:16 PM
الحواشي والتعليقات



([1]) انظر : المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (16-17)

([2]) المصدر السابق (12-14)

([3]) انظر : لسان العرب (4/227) والكليات (2/279-280) .

([4]) انظر : معجم البلاغة العربية (1/231)

([5]) انظر : القاموس المحيط (631) .

([6]) انظر تعريف المتواتر اصطلاحاً في : إحكام الفصول (235) وأصول السرخسي (1/282) والمحصول ( 2/108) والإحكام للآمدي (2/15) وكشف الأسرار للنسفي (2/4، 6) وشرح الكوكب المنير(2/324)وإرشاد الفحول (41) .

([7]) انظر :- المعتمد (2/81) وإحكام الفصول (238) وأصـول السرخسي (1/283) والبرهان (1/579) والمستصفى (1/133) والإحكام للآمدي (2/18) وكشف الأسرار للبخاري (2/362) وشرح الكوكب المنير (2/326) وإرشاد الفحول (41) وشرح الروضة للطوفي ( 2/79)

([8]) انظر : القاموس المحيط (338) ، والكليات (1/64-65) ، وشرح الكوكب المنير (2/345) ومذكرة أصول الفقه(102).

([9]) انظر : تعريفه اصطلاحاً في :- إحكام الفصول (235) والمستصفى (1/145) وشرح الروضة للطوفي (2/103) والإحكام للآمدي (2/31) وكشف الأسرار للبخاري ( 2/370) والمغني للخبازي (194) وكشــف الأســرار للنسفي (2/13) وشرح الكوكب المنير (2/345) وإرشاد الفحول (43) ومذكرة أصول الفقه (1/102) .

([10]) انظر : الإحكام له ( 1/95-96) .

([11]) رواه البخاري في صحيحه من أبي هريرة (8/139) .

([12]) المصدر السابق من حديث جابر بن عبدالله (8/139-140) .

([13]) رواه الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة (1/93) .

([14]) رواه البيهقي في السنن الكبرى من حديث العرباض بن سارية ( 10/114) .

([15]) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي موسي (8/140) .

([16]) رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك (6/116) .

([17]) رواه ابن ماجة في سننه (1/84) والترمذي في سننه (5/34).

([18]) انظر : الرسالة ( 402-403) .

([19]) في كتابه إرشاد الفحول (29) . وقد حكى الإجماع على ذلك كثير من أهل العلم . انظر عل سبيل المثال :- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي (376) وحجية السنة ( 248 ، 341 )وشرح المحلي على جمع الجوامع (2/94-95)وفواتح الرحموت (1/17) .

([20]) في كتابه الوجيز (163) وانظر أيضاً منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (1/108) .

([21]) رواه البخاري في صحيحه (4/42) في باب فرض الخمس وانظر ما هو بمعناه في سنن الدارمي (1/42)وسنن ابن ماجة (2/910) .

([22]) رواه البخاري في صحيح (2/162) في باب تقبيل الحجر وانظر ما هو في معناه في موطأ مالك (1/278) وصحيح البخــاري (4/62)وسنن النسائي (8/231)و إعلام الموقعين (1/54-55) .

([23])حجية السنة ( 248)وانظر ما هو في معناه في صحيح البخاري (2/151) .

([24]) وقد نقل عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم ما يدل على توقيرهم للسنة وعدم تقديم شيء عليها والرجوع إليها والتعويل عليها في جميع أمورهم ، ومن أولئك عبدالرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين وعبدالله بن مغفل وخراش بن جبير وغيرهم . انظر ما ورد عنهــم في : صحيح البخاري (6/219)، (8/123) ومســند الإمام أحمد (1/337)وصحيح مسلم (1/64 ، 327) ، (3/1176) وشــرح السنة للبغوي (8/257)وسنن الدارمي (1/79-80)وجامع بيان العلم وفضله (2/239) .

([25]) انظر : مفتاح الجنة (152-153) .

([26]) رواه اللآلكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/94) .

([27]) وقد ورد عن شريح وبن مهران الرياحي وعمربن عبدالعزيز ومجاهد والحسن البصري وابن سيرين وغيرهم ما يدل على أن الفلاح في التمسك بالسنة والهلاك والضلال في تركها وأن الراغب عنها مطعون ومتهم في دينه . انظر أقوالهم رحمهم الله تعالى في : شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/56-57 ، 94) وسنن الدارمي (1/40)والمدخل إلى السنن الكبرى (22)وجامع بيان العلم وفضله (2/167-168)ومفتاح السنة (92، 152-153) .

([28]) انظر : حاشية ابن عابدين ( 1/385 )وانظر مقالات وكلمات أخرى للإمام في هذا الموضوع في سير أعلام النبلاء (6/401) والمدخل إلى الســـنن الكبرى (1/46) وإعلام الموقعين (4/123) ومفتاح الجنة (92) والمستخر ج على المستدرك (15) .

([29]) انظر : المستخرج على المستدرك ( 15 ) .

([30]) انظر : عقد الجيد (2/27-28) وله أقوال أخرى في هذا المعنى في : شرح السنة (1/216) والمدخل إلى السنن الكبرى (1/34) والحلية لأبي نعيم(6/326) ومفتاح الجنة (103) وحجية السنة (360).

([31]) انظر : إعلام الموقعين (2/285) .

([32]) انظر : سير إعلام النبلاء (10/34- 35)،(1/164) وله أقوال شبيهة بهذه تنظر في : المدخل إلى السـنن الكبرى (1/34)وإعلام الموقـــعين (2/282، 285) وكتاب الأم (7/265) وحلية الأولياء(9/106- 107).

([33]) انظر : المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (2/400) وله أقوال أخرى في هذه المسألة تنظر في كتاب مسائل الإمام أحمد لأبي داود(276)وطبقات الحنابلة لأبي يعلى (2/15-16) .

([34]) انظر : شرح السنة له (41) و طبقات الحنابلة لأبي يعلى (2/25)وقد قال كثير من أهل العلم بنحو ما قاله البربهاري رحمه الله مثل الحكم بن عتيبة والأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن الشيباني ووكيع وسحنون وابن خزيمة وغيرهم . انظر : جامع بيان العلم وفضله (2/111) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللآلكائي (1/64) ومفتاح الجنة (75) والمدخل إلى السنن الكبرى (200)وحجية السنة (361)وكتاب معرفة السنن والآثار للبيهقي(84).

([35]) انظر : الرسالة (453-457) .

([36]) انظر : جماع العلم (11-12) .

([37]) انظر : مختصر الصواعق (2/372 ) .

([38]) انظر : لسان العرب (7/212) .

([39]) انظر : أصول السرخسي (1/292) والإحكام للأمدي (2/31) وكشـف الأسرار للنسفي (2/11) وكشف الأسرار للبخاري (2/368) وغاية الوصول (97) ونزهة النظر (23) وتدريب الراوي (2/173) وتيسير مصطلـــح الحديــث (22) وشرح الكوكب المنير (2/345) وإرشاد الفحول (43-44)وشرح الروضة للطوفي (2/108)

([40]) انظر : أصول الجصاص (3/48) وأصول السرخسي (1/292) وميزان الأصول (429) وكشف الأسرار للنسفي (2/12) وكشف الأسرار للبخاري (2/368) وشرح الكوكب المنير (2/347) وفتح الغفار(2/78) وتيسير التحرير (3/37-38).

([41]) انظر هذه الأدلة في : أصول السرخسي (1/364 ) وأصول البزدوي (173) وكشف الأسرار للنسفي(2/49)وكشف الأسرار للبخاري (3/9)وقواطع الأدلة (2/392) وما بعدها .

([42]) رواه البخــاري في صحيحــه ( 3/127) في كتاب المكاتـب (3) ومسلم في صحيحه (2/1143) .

([43]) في أصوله ( 1/364) .

([44]) رواه البخاري في صحيحه (3/169) ومسلم في صحيحه (3/1302) .

([45]) انظر : إعلام الموقعين ( 1/348) .

([46]) (2/413) .

([47]) انظر : القواعد النورانية (1/187) .

([48]) انظر : المصدر السابق ( 1/209) .

([49]) انظر : الإحكام ( 1/174) .

([50]) انظر : إرشاد الفحول ( 243) ونهاية السول ( 4/434) والإحكام للأمدي (4/171) والإبهاج (3/199) وكتاب التعارض والترجيح (54-56) وخبر الواحد في التشريع الإسلامي (480) والسنة المفترى عليها (236)وإعلام الموقعين (1/331).

([51]) انظر : كتاب الفقه الأكبر بشرح القاري ( 165) .

([52]) انظر : المصدر السابق ( 166، 168 ) .

([53]) انظر : خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته (87-88) .

([54]) رواه الطبراني في الكبير (12/316 ) برقم 13224 .

([55]) انظر : المقاصد الحسنة ( 36-37) .

([56]) انظر : مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/170) .

([57]) انظر : سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (3/209) .

([58]) انظر : كتابه الموضوعات ( 76 ) .

([59]) انظر : مسند الربيع بن حبيب (36) .

([60]) انظر : مسند الربيع بن حبيب (365) .

([61]) انظر : تفسير القرطبي ( 1/38) و عون المعبود (12/232) .

([62]) انظر : المصدرين السابقين .

([63]) انظر : كشف الخفاء (2/569) .

([64]) انظر : (3/446) .

([65]) انظر : الرسالة (224-225) .

([66]) رواه الطبراني في الكبير : (2/97) ورقمه 1429 .

([67]) انظر : مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/170) .

([68]) انظر : سنن الدارقطني (4/208) .

([69]) انظر : سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (3/209) .

([70]) انظر : ذم الكلام وأهله ( ) .

([71]) انظر : سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (3/210) .

([72]) انظر : جامع بيان العلم وفضله ( 2/233) .

([73]) انظر : ( ص 474) وما بعدها .

([74]) انظر : كشف الأسرار له (3/10) .

([75]) (3/474) .

([76]) قاله ابن عبدالبر في : جامع بيان العلم وفضله ( 2/233) .

([77]) انظر : حجية السنة ( 475-476) .

([78]) انظر : كتاب جماع العلم ( 118-124) .

([79]) انظر : إعلام الموقعين (2/307-308) وانظر أيضاً الرسالة للشافعي ( 91) وما بعدها .

([80]) انظر : سنن الدارقطني ( 4/208) .

([81]) انظر : مفتاح الجنة ( 52 ) .

([82]) رواه الإمام أحمد في المسند (4/132)،(4/130) والدارمي في سننه (1/153)وأبو داود في سننه (4/200)وابن ماجة في سننه (1/6) والترمذي في سننه (5/38) والطبراني في المعجم الكبير(20/274،283) والدارقطني في سننه (4/287) والبيهـــقي في السنن الكبرى (7/76)، (9/331-332).

([83]) انظر : سنن الترمذي (5/38) .

([84]) انظر : صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/1360) .

([85]) رواه أحمد في المسند (6/8)وأبوداود في سننه (4/200)وابن ماجة في سننه ( 1/6) والترمذي في سننه (5/37) والطبراني في المعجم الأوسط (8/292)وكذا في المعجم الكبير(1/316)،(1/327)والحاكم في المستدرك (1/190-191)والبيهقي في السنن الكبرى (7/76) .

([86]) انظر : سنن الترمذي (5/37) .

([87]) انظر : مستدرك الحاكم (1/190-191) .

([88]) انظر : صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/1204) .

([89]) رواه أبو داود في سننه (3/170) والطبراني في المعجم الأوسط ( 7/184-185) وفي المعجم الكبير (18/258) والبيهقي في السنن الكبرى (9/204) .

([90]) رواه الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة (1/93)

([91]) انظر هذا الدليل في : أصول السرخسي( 1/365)وكشف الأسرار للبخاري (3/9-10)

([92]) انظر : الإحكام (1/117-118) .

([93]) انظر : هذا الكلام والذي بعده في : كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم(1/3 ، 10) .

([94]) انظر : قواطع الأدلة (2/406) وما بعدها .

([95]) رواه مسلم في صحيحه (3/1470) .

([96]) انظر : مجموع الفتاوى (1/9-10 ، 257) ، (13/351-352) ، (18/17).

([97]) انظر :قواطع الأدلة (2/326-331 ) .

([98]) انظر : قواطع الأدلة (2/419) .

([99]) انظر : هذه المسألة في : أصول السرخسي ( 1/365)وكشف الإسرار للبخاري (3/10-11)وكشف الأسرار للنسفي (2/48-51) .

([100]) انظر : سنن الترمذي ( 1/128) .

([101]) روي هذا الحديث من تسع طرق ذكرها ابن الجوزي في كتابه الخلاف ( 1/176) والحديث رواه : مالك في الموطأ ( 1/42-43) ،والطيالسي في مسنده ( 2/230) والإمام أحمد في المسند (2/223) ، (5/194) ،(6/406-407) والدارمي في سننه ( 1/199) وأبوداود في سننه (1/46) وابن ماجة في سننه (1/161-163) والنسائي في سننه ( 1/100 ، 216 ) والنسائي في السنن الكبرى(1/98)والدارقطني في سننه ( 1/146) والحاكم في المستدرك ( 1/229) والبيهقي في السنن الكبرى (1/128-138)قال ابن عبد البر رحمه في كتابه التمهيد (17/197) : (وكل من خرج في الصحيح ذكر حديث بسرة في هذا الباب وحديث طلق بن علي إلا البخاري فإنهما عنده متعارضان معلولان وعند غيره هما صحيحان ) .

([102]) انظر : الحديث والتعليق هذا في : السنن الكبرى للبيهقي ( 1/134-135) .

([103]) انظر : سنن الترمذي ( 1/132) .

([104]) انظر : سنن الترمذي ( 1/132)ومستدرك الحاكم (1/229)والتمهيد ( 17/198 ، 199).

([105]) انظر : سنن الترمذي ( 1/132)ومستدرك الحاكم (1/229)و التمهيد ( 17/201) .

([106]) انظر : تأويل مختلف الحديث (131) .

([107]) انظر : تفسير القرطبي ( 8/259-260) وتفسير ابن كثير (2/390) .

([108]) رواه ابن ماجـة (1/127-128) والترمذي في سننه (5/280) والدارقطــني في سننه (1/62) والحاكم في المســتدرك (1/258)،(2/365) والبيهقــي في السنن الكبرى ( 1/105).

([109]) انظر : المستدرك ( 2/365) .

([110]) (2/1114)وقد رواه مسلم رحمه بألفاظ مختلفة منها : فقال r : ( لا نفقة لك ولا سكنى ) وفي لفظ: ( ليست لها نفقة وعليها العدة ) ، وفي لفظ : ( لا نفقة لك )، وفي لفظ : فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة ، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم .

([111]) ( 4/22) .

([112]) في سننه (4/24) .

([113]) في سننه (4/25) .

([114]) انظر : زاد المعاد (5/539) وفتح الباري (9/481) .

([115]) في سننه (4/25) .

([116]) (4/27) .

([117]) (6/183) .

([118]) (6/183-184) .

([119]) ( 9/481) .

([120]) انظر : فتح الباري (9/481) .

([121]) ذكره ابن حزم في المحلى ( 10/ 297-298) .

([122]) انظر : زاد المعاد ( 5/ 539) .

([123]) انظر : التمهيد ( 19/144 ، 151-152 ) .

([124]) انظر هذه الأقوال وأدلة كلٍ والمناقشات التي جرت فيها في : الأم (5/237-238) والمغني (8/185)وبدائع الصنائع (3/209) والتمهيد (19/141) .

([125]) انظر : زاد المعاد ( 5/540-541) .

([126]) رواه مالك في الموطأ(2/821) وأحمد في المسند (1/323)،(3/305)،(5/285)ومسلم في صحيحــه (2/1337) وأبو داود في سننه (3/309) وابن ماجة في سننه (2/793) والترمذي في سننه (3/627) والنسائي في السـنن الكبرى (3/490) وأبو يعلى في مسنده (12/37)وابن حبان في صحيحه (11/462)والطبراني في المعجم الصغير (2/9)والأوسط (2/19)، (5/98)، (5/310)، (7/229) والكبير (1/370)، (5/150)، (6/16)،(11/105) والدارقطني فيسننه (4/212) والحاكم في المســـتدرك (3/593) والبيهقي في السنن الكبرى (10/167،170) وابن عبدالبر في التمهيد (2/134).

([127]) انظر : التمهيد ( 2/138) .

([128]) انظر : الموطأ ( 2/722) .

([129]) في السنن الكبرى ( 3/491) .

([130]) انظر : التمهيد (2/153) .

([131]) انظر : المصدر السابق ( 2/154) .

([132]) في فتح الباري (5/282) .

([133]) انظر : التمهيد ( 2/157) .

([134]) هو أول من ابتدع هذه القواعد الموهومة المخالفة للكتاب والسنة وعمل الأمة والأئمة . انظر : قواطع الأدلة (2/412) .

([135]) انظر : التمهيد (2/154)

([136]) انظر : التمهيد (2/154) .

([137]) نص على ذلك أبو المظفر السمعاني . انظر : كتابه قواطع الأدلة (3/154) .

([138]) انظر : الطرق الحكمية (1/198-199) وفتح الباري (5/282) .

([139]) في مذكرة أصول الفقه ( 86-87) .

([140]) انظر : أصول السرخسي ( 1/365) .

([141]) الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى ( 10/252)من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر )

وأصله في الصحيحين ففي صحيح البخاري من كتاب الرهن ( 3/116) أن ابن مليكة قال : كتبت إلى ابن عباس فكتب إليَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه .

وفي صحيح مسلم (3/1336) عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ….ولكن اليمين على المدعى عليه ) وفيه أيضاً (1/124) من حديث وائل بن حجر قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجلان يختصمان في أرض ، فقال أحدهما : إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية ، فقال : بينتك . فقال : ليس لي بينة . قال : يمينه . قال : إذن يذهب بها . قال : ليس لك إلا ذاك … ) الحديث .

([142]) انظر : الطرق الحكمية ( 106-111) .

([143]) انظر : أصول السرخسي (1/367).

([144]) في السنن الكبري ( 3/496) ، (4/22) .

([145]) في الموطأ (2/624).

([146]) في مصنفه (8/32).

([147]) في المسند (1/175) ، (1/179) .

([148]) في سننه (3/215).

([149]) في سننه (2/761).

([150]) في سننه (3/528) .

([151]) في السنن الكبري ( 3/496) ، (4/22) .

([152]) في مسنده (2/68) ، ( 2/141) .

([153]) في صحيحه (11/378).

([154]) في سننه (3/49-50) .

([155]) في المستدرك ( 2/44).

([156]) في السنن الكبرى (5/294، 295).

([157]) في المستدرك ( 2/44).

([158]) انظر : صحيح البخاري (3/29) وصحيح مسلم (3/1211) .

([159]) في مدارج السالكين (2/294) .

([160]) انظر : التمهيد (19/192-193) .

([161]) في السنن الكبري ( 3/496) ، (4/22) .

([162]) انظر : كشف الأسرار للبخاري ( 3/15) .

([163]) نسب هذه القاعدة الباطلة لأبي حنيفة وصاحبيه كل من : السرخسي والبزدوي وعبدالعزيز البخاري .انظر : أصول السرخسي (1/367) وأصول البزدوي ( 175-176) وكشف الأسرار( 3/15-16).

([164]) انظر : أصول السرخسي (1/368) وكشف الأسرار للبخاري (3/16-18) .

([165]) ذكره أبو المظفر السمعاني . انظر : قواطع الأدلة ( 2/362-263) .

([166]) سبق تخريجه .

([167]) انظر : سنن ابن ماجة ( 1/529) .

([168]) انظر : إعلام الموقعين ( 1/104) .

([169]) انظر : صحيح مسلم ( 1/272-273) .

([170]) انظر : صحيح مسلم ( 1/273).

([171]) انظر : صحيح مسلم ( 1/274).

([172]) رواه أبوداود في سننه (1/49) والنسائي في السنن الكبرى (1/105) وابن خزيمة في صحيحه (1/28) وابن حبان في صحيحه (3/417).

([173]) انظر : المجموع ( 2/57-60)و فتح الباري (1/311).

([174]) انظر : التمهيد (3/330-332) .

([175]) انظر : مسند الإمام أحمد ( 4/246) .

([176]) انظر : معجم الطبراني الأوسط ( 3/149)و السنن الكبرى للبيهقي ( 1/303).

([177]) انظر : مسند الإمام أحمد (2/280 ، 433 ، 472) وسنن ابن ماجة ( 1/470) والسنن الكبرى للبيهقي (1/302).

([178]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي (1/305) .

([179]) انظر : مسند الإمام أحمد (2/454) وصحيح ابن حبان (3/436) والطبراني في المعجم الأوسط (1/296)والسنن الكبرى للبيهقي ( 1/300، 302) .

([180]) انظر : مسند الطيالسي ( 2/305)ومصنف ابن أبي شيبة (3/47) والسنن الكبرى للبيهقي ( 1/303)والكامل في الضعفاء ( 2/456) .

([181]) انظر : سنن الترمذي ( 3/318) والسنن الكبرى للبيهقي ( 1/300-301) .

([182]) في سننه ( 3/318) .

([183]) انظر : تلخيص الحبير ( 1/136) .

([184]) انظر : تلخيص الحبير ( 1/136) .

([185]) انظر : تلخيص الحبير ( 1/136) .

([186]) في المستدرك (1/543) والسنن الكبرى للبيهقي ( 1/306) .

([187]) في المستدرك ( 1/543) .

([188]) في سننه ( 3/201) .

([189]) ( 1/137-138) .

([190]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 1/306) .

([191]) في السنن الكبرى ( 1/306) .

([192]) في معالم السنن ( 3/305) .

([193]) انظر : صحيح البخاري (1/180) وصحيح مسلم ( 1/292) .

([194])انظر : صحيح البخاري (1/180) وصحيح مسلم ( 1/293) .

([195]) في مصنفه ( 1/212) .

([196]) في سننه (1/342) .

([197]) في سننه (1/198) .

([198]) في سننه (1/280) .

([199]) في سننه (2/35) .

([200]) في السنن الكبرى (1/221) .

([201]) في صحيحه (1/294) .

([202]) في سننه ( 1/287) .

([203]) في السنن الكبرى (2/68) .

([204]) في سننه ( 2/35) .

([205]) السنن الكبرى للبيهقي ( 2/75) .

([206]) ( ص 17) .

([207]) انظر : جزء رفع اليدين ( ص 9) .

([208]) ( ص 54-55) .

([209]) انظر : جزء رفع اليدين ( ص 7 ) .

([210]) انظر : فتح الباري ( 2/220) .

([211]) في فتح الباري (2/220) .

([212]) انظر : المجموع ( 3/401) .

([213]) انظر : الفصول في الأصول ( 3/115) .

([214]) انظر : التمهيد 9/213) .

([215]) في التمهيد ( 9/219) .

([216]) رواه مسلم في صحيحه ( 1/322) .

([217]) في التمهيد (9/221-222) .

([218]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 2/82) .

([219]) انظر : أصول السرخسي ( 1/369)وكشف الأسرار للبخاري(3/18-19)وكشف الأسرار للنسفي(2/53) .

([220]) انظر : أصول السرخسي ( 1/369) .

([221]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 7/370) .

([222]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 7/370)ومسند ابن الجعد ( 117) والمعجم الكبير للطبراني (9/337) .

([223]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 7/370) ومصنف عبدالرزاق ( 7/236).

([224]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 7/369) .

([225]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 7/370) ومصنف ابن أبي شيبة ( 4/102) ومصنف عبدالرزاق ( 7/236).

([226]) انظر : مصنف ابن أبي شيبة ( 4/101) .

([227]) انظر : مصنف ابن أبي شيبة ( 4/101) .

([228]) انظر : مصنف ابن أبي شيبة ( 4/101) .

([229]) انظر : مصنف ابن أبي شيبة ( 4/100) ومصنف عبدالرزاق ( 7/237) .

([230]) انظر : مصنف ابن أبي شيبة ( 4/101) ومصنف عبدالرزاق ( 7/237) .

([231]) انظر : مصنف عبدالرزاق ( 7/237).

([232]) انظر : مصنف عبدالرزاق ( 7/237) ومصنف ابن أبي شيبة ( 4/101) .

([233]) انظر : مصنف عبدالرزاق ( 7/237) ومصنف ابن أبي شيبة ( 4/101).

([234]) (2/70) .

([235]) (3/225) .

([236]) (3/212) .

([237]) (7/26) ، ( 7/92) .

([238]) (4/301-302) .

([239]) (6/184) .

([240]) انظر : أحاديث الخلاف ( 2/299) .

([241]) في تحفة الأحوذي ( 4/301) .

([242])للوقوف على طرق ما روي في المسألة من أحاديث وآثار والحكم عليها يرجع – ضرورة – إلى : الدراية (1/249) وتلخيص الحبير ( 2/157) وتحفة الأحوذي ( 3/238) .

([243]) انظر : سنن الدارقطني ( 2/110) .

([244]) انظر : سنن الدارقطني ( 2/110) .

([245]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 4/107) ، (6/2) .

([246]) انظر : المعجم الأوسط للطبراني ( 1/298) .

([247]) انظر : المعجم الأوسط للطبراني ( 4/264) .

([248]) انظر : مصنف عبدالرزاق ( 4/66) والسنن الكبرى للبيهقي (4/107) ، (6/2) .

([249]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي (4/107) .

([250]) انظر : سنن الدارقطني ( 2/110-114) .

([251]) انظر : سنن الدارقطني(2/110-114)والسنن الكبرى للبيهقي ( 4/107) ، (6/2).

([252]) انظر : سنن الدارقطني ( 2/110-114)والسنن الكبرى للبيهقي ( 4/107) .

([253]) انظر : مصنف عبدالرزاق ( 4/66) والسنن الكبرى للبيهقي ( 4/107) ، (6/2).

([254]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 6/2) .

([255]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 6/2) .

([256]) انظر : مصنف عبدالرزاق ( 4/66) .

([257]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 4/107) . .

([258]) انظر : سنن الدارقطني ( 2/110) .

([259]) في سننه ( 2/110) .

([260]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 4/107) .

([261]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 4/107) .

([262]) في السنن الكبرى ( 4/107) .

([263]) انظر : مصنف عبدالرزاق ( 4/66) .

([264]) انظر : مصنف عبدالرزاق ( 4/66) .

([265]) انظر : مصنف عبدالرزاق ( 4/66) .

([266]) انظر : شرح فتح القدير ( 2 / 157 ) .

([267]) نص على ذلك المباركفوري في تحفة الأحوذي (3/239) .

([268]) انظر : أخبار الآحاد في الحديث النبوي ( 188 ) .

([269]) انظر : المصدر السابق (182) .







المصادر والمراجع



1- الإبهاج في شرح المنهاج ، لعلي بن عبدالكافي السبكي (ت 756هـ) وولده عبدالوهاب بن علي (ت 771هـ )، صححه جماعة من العلماء ، طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 1404هـ –1984م

2- إحكام الفصول في أحكام الأصول ،لسليمان بن خلف الباجي (ت474هـ)، تحقيق / الدكتور عبدالله محمد الجبوري، طبع مؤسسة الرسالة – بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 1409هـ-1989م

3- الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن أبي علي بن محمد الآمدي ( ت 631هـ)

4- الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ( ت456 هـ)، دار الآفاق الجديدة للنشر – بيروت – لبنان – طبعة 1403هـ 1983م ، طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – طبعة 1405هـ –1983م

5- أخبار الآحاد في الحديث النبوي ، حجيتها ، مفادها ، العمل بموجبها ، لعبدالله بن عبدالرحمن الجبرين ، طبع دار عالم الفوائد – مكة المكرمة – السعودية ، الطبعة الثانية –1416هـ

6- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي الشوكاني (ت1255 هـ)، طبع دار المعرفة – بيروت – لبنان ، عباس أحمد الباز – مكة المكرمة

7- أصول السرخسي ، لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 490هـ)، تحقيق أبو الوفا الأفغاني لجنة إحياء المعارف النعمانية – حيدر آباد الدكن – الهند .

8- إعلام الموقعين عن رب العالمين ، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ( 751هـ)، تعليق / طه عبدالرؤوف سعد، دار الجيل – بيروت – لبنان

9- الأم ، لمحمد بن إدريس الشافعي ( ت 204هـ) ، مكتبة الكليات الأزهرية – مصر – بإشراف / محمد زهدي النجار، طبع شركة الطباعة الفنية المتحدة ، الطبعة الأولى 1381هـ _ 1961م

10- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لأبي بكر مسعود الكاسأني الحنفي (ت 587هـ) ، الطبعة الثانية 1402 هـ –1982م ، دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان .





11- البرهان في أصول الفقه ، لعبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني ( ت478 هـ) ، تحقيق / عبدالعظيم الديب، طبع دولة قطر – على نفقة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، الطبعة الأولى 1399هـ

12- تأويل مختلف الحديث ، لعبد الله بن مسلم قتيبة الدنوري (ت/276هـ) ، تحقيق/محمد زهري النجار ، سنة الطبع 1393هـ – 1972م ، دار الجيل – بيروت -لبنان

13- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ، لمحمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري ( ت1353 هـ ) ، دار الكتب العلمية - بيروت -لبنان

14- تحقيق أحاديث الخلاف، لعبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي (ت/597 هـ) ، تحقيق/مسعد عبد الحميد محمد السعدي، الطبعة الأولى سنة الطبع/1415هـ ، دار الكتب العلمية –بيروت –لبنان

15- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911هـ) ، تحقيق / عبدالوهاب عبداللطيف، طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان ، الطبعة الثانية 1399هـ – 1979م

16- التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي، د. محمد بن إبراهيم محمد الحفناوي ، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع – مصر - المنصورة ، الطبعة الثانية (1408هـ – 1987م )

17- تلخيص الحبير في أحاديث الراافعي الكبير ، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ) ، تحقيق / السيد عبد الله هاشم اليماني المدني، سنة الطبع 1384هـ –1964م ، المدينة المنورة - السعودية

18- التمهيد في أصول الفقه ، لمحفــــوظ بن أحمد بن الحســـن أبي الخطاب الكلوذاني ( ت510 هـ) ، تحقيق / الدكتور مفيد محمد أبو عمشه ، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى ، طبع دار المدني – جده – السعودية ، الطبعة الأولى 1406هـ –1985م

19- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ليوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري ( ت 436 هـ ) ، تحقيق/مصطفى بن أحمد العلوي ، محمد عبد الكبير البكري، سنة الطبع 1387هـ ، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب

20- تيسير التحرير ، لمحمد أمين المعروف بأمير باد شاه، طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان

21- تيسير مصطلح الحديث، لمحمود الطحان، الطبعة الرابعة ( 1402هـ-1982م ) ، طبع مكتبة السروات للنشر والتوزيع

22- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ، ليوسـف بن عبدالبر النمري القرطبي ( ت463 هـ) ، تقديم / الأستاذ عبدالكريم الخطيب ، طبع المطبعة الفنية ، الطبعة الثانية 1402 هـ – 1982م، دار الكتب الإسلامية – القاهرة – مصر

23- الجامع لأحكام القرآن ، لمحمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ( ت671 هـ ) المحقق/ أحمد بن العلم البرودي ، الطبعة الثانية - 1372م ، جهة النشر دار الشعب القاهرة مصر

24- الجرح والتعديــل ، لعبد الرحمـن بن أبي حاتم محمـــد بن إدريس الزاري التميمي ( ت 327 هـ ) ، الطبعة الأولى – 1371هـ-1952م ، دار الأحياء التراث العربي – بيروت - لبنان

25- جماع العلم، لمحمد بن أدريس الشافعي ( ت 204 هـ )، الطبعة الأولى - 1405هـ ، دار الكتب العلمية – بيروت - لبنان

26- حاشية ابن عابدين ، محمد أمين ، طبع دار الفكر – بيروت - لبنان ، الطبعة الثانية – 1386هـ

27- حاشية الجلال المحلي على جمع الجوامع ، محمد بن أحمد المحلي، طبع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية 1356هـ – 1937م.

28- حجية السنة ، د.عبدالغني عبدالخالق ، دار القرآن الكريم – بيروت – والمعهد العالمي للفكر الإسلامي- واشنطن ، الطبعة الأولى 1407هـ –1986م

29- حلية الأولياء، أحمد بن عبدالله بن أحمد الأصبهاني ( ت 430هـ) ، تحقيق / عبدالحفيظ سعد عطية ، طبع دار السعادة / على نفقة محمد إسماعيل ومحمد أمين أفندي ، الطبعة الأولى 1392هـ –1972م

30- خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته ، القاضي برهون ، مطبعة النجاح الجديدة – المغرب – الدار البيضاء ، الطبعة الأولى 1415هـ – 1995م

31- الدارية في تخريج أحاديث الهداية ، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ )

المحقق / عبد الله بن هاشم اليماني المدني ، دار المعرفة - بيروت - لبنان

32- ذم الكلام وأهله ، عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (ت481هـ )، تحقيق / عبدالرحمن ابن عبدالعزيز الشبل، مكتبة العلوم والحكم – المدينة المنورة – السعودية

الطبعة الأولى 1416هـ –1996م .

33- الرسالة ، محمد بن إدريس الشافعي ( ت 204هـ) ، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر طبع المكتبة العلمية – بيروت – لبنان

34- زاد المعاد في هدي خير العباد، لأبي عبد الله محمد أبي بكر الزرعي الدمشقي أبن القيم الجوزية (ت 751هـ ) ، تحقيق وتخريج / شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط

الطبعة الثانية (1405هـ-1985م ) ، جهة النشر مؤسسة الرسالة بيروت لبنان

35- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة ، محمد ناصر الدين الألباني تحقيق / زهير الشاويش، المكتــب الإسلامي – دمشق – بيروت ، الطبعة الخامسة 1405هـ – 1985م

36- السنة المفترى عليها، سالم علي البنهساوي، دار الوفاء – مصر – المنصورة . طبع دار البحوث العلمية – الكويت – الكويت، الطبعة الرابعة 1413هـ – 1992م

37- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، المكتبة الإسلامي - دمشق – بيروت، الطبعة الثانية (1398هـ-1978م )

38- سنن ابن ماجة ، محمد بن يزيد القزويني ( ت 275هـ) ، تحقيق / محمد فؤاد عبدالباقي طبع دار إحياء الكتب العربية – مصر – القاهرة ، دار الحديث

39- سنن الترمذي ، محمد بن عيسى بن سورة ( ت 279هـ)، تحقيق / أحمد محمد شاكر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية 1398هـ – 1978م

40- سنن الدارقطني ، لعلي بن عمر أبو الحسن الدارقطني ( ت385 هـ ) ، تحقيق / السيد هاشم اليماني المدني ، 1386هـ – 1966م ، دار المعرفة – بيروت - لبنان

41- سنن الدارمي ، عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي ( ت 255هـ) ، تحقيق / السيد عبدالله هاشم يماني، طبع شركة الطباعة الفنية المتحدة ، طبعة 1386هـ 1966م

42- السنن الكبرى ، لأحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي ( ت 303 هـ ) تحقيق / د.عبد الغفار سليمان البنداري ،سيد كسروي حسن ، الطبعة الأولى 1411هـ –1991م ، دار الكتب العلمية – بيروت - لبنان

43- سير أعلام النبلاء ، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748هـ) ، تحقيق / شعيب الأرناؤط و محمد نعيم العرقسوسي ، طبع مؤسسة الرسالة – بيروت – لبنان ، الطبعة التاسعة 1413هـ

44- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ، هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللآلكائي (ت 418هـ) ، تحقيق / د. أحمد سعد حمدان ، دار طيبة للنشر والتوزيع – الرياض – السعودية

45- شرح السنة ، حسين بن مسعود البغوي ( ت 516هـ ) ، تحقيق / شعيب الأورناؤط ومحمد زهير الشاويش ، طبع المكتب الإسلامي – بيروت – لبنان ، الطبعة الثانية 1403هـ – 1983م

46- شرح فتح القدير ، محمد بن عبدالواحد السيواسي (ت681هـ )، طبع دار الفكر – بيروت – لبنان ، الطبعة الثانية

47- شرح الكوكب المنير ، محمد بن أحمد بن عبدالعزيز المعروف بابن النجار ( ت 972هـ) تحقيق / الدكتور محمد الزحيلي ، والدكتور نزيه حماد ، طبع دار الفكر – دمشق – سوريا، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى

48- شرح مختصر الروضة، سليمان بن عبدالقوي بن عبدالكريم الطوفي (ت 716هـ) تحقيق / د.عبدالله بن عبدالمحسن التركي ،طبع مؤسسة الرسالة – بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 1410هـ –1990م

49- صحيح ابن خزيمة (ت 311هـ) ، لمحمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري ، تحقيق د.محمد مصطفى الأعظمي ، 1414هـ_1994م ، مكتبة دار الباز - السعودية

50- صحيح البخاري ، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ( ت 256هـ) ،طبع المكتبة الإسلامية – استانبول – تركيا ، مكتبة العلم – جدة – السعودية

51- صحيح الجامع الصغيروزيادته ، محمد ناصر الدين الألباني ، تحقيق / زهير الشاويش ، المكتب الإسلامي - بيروت - لبنان ، الطبعة الثانية (1406 هـ –1986م )

52- طبقات الحنابلة ، محمد بن أبي يعلى ( ت 524هـ) ، دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت – لبنان

53- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ، لأبي عبد الله محمد أبي بكر الزرعي الدمشقي أبن القيم الجوزية (ت 751هـ ) ، تحقيق / د.محمد جميل غازي ، دار المدني للطباعة والنشر - السعودية - جدة ، الطبعة الأولى

54- العدة في أصول الفقه ، محمد بن حسين الفراء أبو يعلى ( ت 458هـ) ، تحقيق / أحمد بن علي سير المباركي ، طبع مؤسســة الرسالة – بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 1400هـ –1980م

55- عون المعبود شرح سـنن أبي داود ، لمحمد شمس الحق العظيم أبادي ، الطبعة الثانية 1415هـ ، بيروت - لبنان

56- فتح الباري شرح صحيح البخاري ، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( 852هـ)، بترقيم / محمد فؤاد عبدالباقي، طبع بإشراف محب الدين الخطيب في دار المعرفة – بيروت – لبنان

57- فتح الغفار بشرح المنار ، زين الدين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم ( ت970هـ) ، طبع مطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر ، الطبعة الأولى 1255هـ 1936م

58- الفصول في الأصول ( أصول الجصاص ) ، لأحمد بن على الرازي الجصاص ( 370هـ) تحقيق / الدكتور عجيل جاسم النشمي، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الطبعة الأولى 1405هـ – 1985م

59- فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ، عبدالعلي محمد بن نظام الدين الأنصاري ،طبع المطبعة الأميرية – بولاق – مصر ، الطبعة الأولى 1324هـ

60- القاموس المحيط ، لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي ، طبع مؤسسة الرسالة – بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 1406هـ – 1986م

61- قواطع الأدلة في أصول الفقه ، منصور بن محمد بن عبدالجبار السمعاني ( ت 489هـ)

تحقيق / الدكتور / عبدالله بن حافظ حكمي، الطبعة الأولى 1419هـ – 1998م

62- الكامل في ضعفاء الرجال ، لعبد الله عدي بن عبد الله الجرجاني ( ت365 هـ ) تحقيق / يحي مختار غزاوي ، الطبعة الثانية 1409هـ-1988م ، دار الفكر – بيروت - لبنان

63- كتاب مسائل الإمام أحمد ، سليمان بن الأشعث بن اسحاق بن بشير بن شداد السجستاني

تقديم / محمد رشيد رضا ، دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت – لبنان

64- الكتاب المصنف في الأحاديــث والآثـــــار ، لعبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي ( ت235 هـ ) ، تحقيق / كمال يوسف الحوت ، الطبعة الأولى 1409هـ ، مكتبة الرشد – الرياض - السعودية

65- كشف الأسرار شرح المصنف على المنار ، لعبدالله بن أحمد المعــروف بالنسفي (ت 710هـ) ، طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 1406هـ – 1986م

66- كشف الأسرار في أصول فخر الإسلام البزدوي ، لعبدالعزيز بن أحمد البخاري ( ت 730هـ) ،الصدف ببشرز – كراتشي – باكستان .

67- كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما أشتهر من الأحاديث على الناس ، لإسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي (ت 1162 هـ) ،تحقيق / أحمد القلاس ، الطبعة الرابعة 1405هـ

جهة النشر/ مؤسسة الرسالة – بيروت – لبنان.



68- الكليات معجم المصطلحات والفروق اللغوية ، أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ت1094 هـ ) ، تحقيق / د.عدنان درويش ، ومحمد المصري ، دار الكتاب الإسلامي – القاهرة – مصر ، الطبعة الثانية ( 1413هـ –1992م )

69- لسان العرب ، لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري ، طبع دار صادر – بيروت – لبنان .

70- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، لعلي بن أبي بكر الهيثمي ( ت 807هـ )، دار الريان للتراث – القاهرة – مصر ، طبع سنة 1407هـ

71- المجموع شرح المهذب ، لأبي زكريا محيي بن شرف النووي ( ت676 هـ ) ، جهة النشر / دار الفكر – بيروت - لبنان

72- مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ، جمع وترتيب / عبدالرحمن بن محمد بن قاسم النجدي ، طبع بإشراف الرئاسة العامة لشئون الحرمين الشريفين .

73- المحصول في علم الأصول، لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي ( ت 606هـ)

طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 1408هـ –1988م

74- المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين ، لمحمد العروسي عبدالقادر، دار حافظ للنشر والتوزيع –جده – السعودية ، الطبعة الأولى 1410هـ –1990م

75- المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل ، جمع وتحقيق ودراسة / عبدالإله بن سلمان بن سالم الأحمد، دار طيبة - الرياض – المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 1412هـ

76- المستدرك على الصحيحين ، لمحمد بن عبدالله المعروف بالحاكم ( ت 405هـ)

طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان .

77- المستخرح على المستدرك للحاكم (أمالي الحافظ العراقي )، لعبدالرحيم بن الحسين العراقي (806هـ)، تحقيق / محمد عبدالمنعم رشاد ، الطبعة الأولى – 1410هـ

الناشر مكتبة السنة – القاهرة – مصر

78- المستصفى من علم الأصول ، لمحمد بن محمد الغزالي ( ت 505هـ) ، طبع المطبعة الأميرية – بولاق – مصر ، الطبعة الأولى 1324هـ.



79- المسند ، لسليمان بن داود بن الجارود الطيالسي (ت 204هـ) ، مكتبة المعرفة – الرياض – السعودية

80- مسند الإمام أحمد ، لأحمد بن حنبل الشيباني ، طبع المكتب الإسلامي – بيروت – لبنان ، الطبعة الخامسة 1405هـ –1985م

81- المسودة في أصول الفقه ، لعبدالسلام بن عبدالله بن الخضر ، و عبدالحليم بن عبدالسلام ، وأحمد بن عبدالحليم ، جمع / أحمد بن محمد الحنبلي ، تحقيق / محمد محيي الدين عبدالحميد ، مطبعة المدني – السعودية - مصر

82- معالم السنن للخطابي ، لحمد محمد شاكر بن إبراهيم الخطابي (ت388) ، تحقيق / محمد شاكر ، ومحمد حامد الفقي ، دار المعرفة - بيروت - لبنان

83- المعتمد في أصول الفقه ، لمحمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي ( ت 436هـ) ، تقديم / خليل الميـس ، طبع دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان ، الطبعة الأولى 1403هـ –1983م

84- المعجم الأوسط ، لسليمان بن أحمد الطبراني ( ت360 هـ) ، تحقيق / طارق بن عوض الله بن محمد ، و عبدالمحسن بن إبراهيم الحسيني ، دار الحرمين – القاهرة – مصر ، طبع سنة 1415هـ

85- معجم البلاغة العربية ، د.بدوي طبانه ، دار العلوم للطباعة والنشر - السعوية ، الطبعة الأولى (1402هـ –1982)

86- المعجم الكبير ، سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360هـ) ، تحقيق / حمدي عبدالمجيد السلفي ،طبع مطبعة الوطن العربي – العراق ، الطبعة الأولى 1400هـ

87- المغني ، لعبد الله بن أحمد بن محمد ين قدامة المقدسي (ت620 هـ ) ، طبعة (1401هـ –1981م ) ، مكتبة الرياض

88- المغني في أصول الفقه ، لعمر بن محمد بن عمر الخبازي(ت 691هـ) ، تحقيق د.محمد مظهر بقا، الطبعة الأولى (1403هـ) ، مركز البحث العلمي في جامعة أم القرى

89- مفتاح الجنة في الاعتصـــام بالسنة ، لجـلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ( ت 911هـ) ، تحقيق / بدر بن عبد الله البدر ، دار النفائس للنشر والتوزيع - الكويت - الحولي ، ومؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع - لبنان - بيروت ، الطبعة الأولى (1414هـ –1993م )

90- مناقب الشافعي ، لأحمد بن الحسين البيهقي (ت 458هـ) ، تحقيق / السيد أحمد صقر، طبع مكتبة دار التراث – القاهرة – مصر ، دار النصر للطباعة – القاهرة – مصر الطبعة الأولى 1391هـ – 1971م

91- منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد ، لعثمان بن علي حسين ، الطبعة الأولى 1412هـ –1992م ، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع - الرياض - السعودية، الطبعة الأولى

92- الموطأ ، لمالك بن أنس ، تحقيق / محمد فؤاد عبدالباقي ، دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه

93- ميزان الأصول في نتائج العقول ، لمحمد بن أحمد السمرقندي ( ت 539هـ) ، تحقيق / الدكتور محمد زكي عبدالبر، مطابع الدوحة الحديثة – الدوحة – قطر ، الطبعة الأولى 1404هـ – 1984م

94- نزهــة النظر شــرح نخبة الفكـر في مصطلح أهل الأثر ، لأحمد بن علي العسقلاني ( ت 852هـ) ، مكتبة طيبة – المدينة المنورة – السعودية ، طبع سنة 1404هـ

95- نهاية السهول في شرح منهاج الأصول، لعبد الرحيم بن الحسن الأسنوي (ت772 هـ )

طبع / عالم الكتب – بيروت - لبنان

96- الوجيز في أصول الفقه ، لعبد الكريم زيدان ، مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان ، طبع سنة ( 1987م )

بو محمد
05-08-03, 04:21 PM
جزاك الله خيراً و بارك الله فيك

و هنا المقال مرفق على شكل ملف وورد

أبو أيمن الماعزي
25-07-14, 03:21 PM
هل هناك من رد الحديث بسبب مصادمته أو معارضته لمقاصد الشريعة ؟

رياض العاني
25-07-14, 05:15 PM
رحم الله عز وجل من نشر علما نافعا