المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تاريخ القرآن الكريم- محمد طاهر الكردي


أهل الحديث
25-04-03, 02:24 AM
- تاريخ القرآن الكريم- محمد طاهر الكردي
ص 1 :
صفحة 1 / كتاب تاريخ القرآن الكريم وهو اول كتاب من نوعه ملتزم طبعه ونشره مصطفى محمد يغمور بمكه طبع للمرة الاولى بمطبعة الفتح بجدة - الحجاز عام 1365 ه‍ و 1946 م / صفحة 2 / كل نسخة لم تكن مختومة بختم الناشر تعد مسروقة الختم مؤلفات محمد طاهر الكردى الخطاط صاحب هذا الكتاب غفر الله له ( 1 ) تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه طبع ولله الحمد ( 2 ) تاريخ الخط العربي وآدابه . . " ( 3 ) تحفة العباد في حقوق الزوجين والوالدين والاولاد " ( 4 ) حسن الدعابة فيما ورد في الخط وادوات الكتابة " ( 5 ) كراسة الحرمين في تعليم خط الرقعة . " ( 6 ) مجموعة الحرمين في تعليم خط النسخ . " ( 7 ) رسالة في الدفاع عن الكتابة العربية في الحروف والحركات " ( 8 ) ارشاد الزمرة لمناسك الحج والعمرة ( على المذهب الشافعي ) سيطبع ان شاء الله ( 9 ) تحفة الحرمين في بدائع الخطوط العربية . " " ( 10 ) نفحة الحرمين في تعليم خطى النسخ والثلث " ( 11 ) مختصر المصباح والمختار ( في اللغة العربية ) . " ( 12 ) بدائع الشعر ولطائفه . . " ( 13 ) المحفوظات الادبية الممتازة . . " ( 14 ) أدبيات الشاى والقهوة . " * ( هامش ) * وقد كتب المذكور مصحفا كريما سماه مصحف مكة المكرمة وهو اول مصحف كتبه بيده كما هو اول مصحف سيطبع ان شاء الله تعالى بمكة المشرفة ادام الله عليه توفيقه وفضله ورضاه وختم حياته بخير على الايمان الكامل آمين ( * ) / صفحة 1 / تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه يبحث عن تعريف القرآن وما يتضمنه ، وعن جمعه وكتابته وترتيب آياته وسوره وضبطه وتصحيحه ، وعن غرائب رسم كلماته وهل رسمه توقيفي ام لا ، وعن حكم اتباعه وسبب نقطه وتشكيله ، وعن معرفة الصحابة للاملاء والكتابة ، وعن مقارنة كتاباتنا برسمه وغير ذلك من المباحث القيمة تأليف محمد طاهر بن عبد القادر الكردى المكى الخطاط بالمعارف العامة * بمكة المشرفة لطف الله به وعامله برحمته واحسانه وستره في الدنيا والآخرة آمين حقوق الطبع محفوظة للمؤلف طبع سنة 1365 هجرية بجدة
/ صفحة 2 / بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمدا يليق بعظمته وجلاله ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وصحبه وآله ( وبعد ) فلقد وفقنا الله تعالى لكتابة القرآن العظيم ( 1 ) الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كتبناه على وفاق رسم المصحف العثماني ناقلين عن المصحف الذى طبعته الحكومة المصرية سنة ألف واثنين وأربعين هجرية تحت إشراف مشيخة الازهر المعمور ومشيخة المقارئ العمومية ، لان اتباع رسمه واجب بالاجماع وإن كتب بعض كلماته على غير طريقتنا المتبعة " ولدا يقال " * ( هامش ) * ( 1 ) انتهينا من كتابة هذا المصحف الكريم في ختام عام ألف وثلثمائة واثنين وستين هجري وقد تألفت لجنة من قبل الحكومة للعناية بتصحيحه ، وهو أول مصحف كتبناه كما هو أول مصحف سيطبع بمكة المشرفة ان شاء الله تعالى في عام 1366 ه‍ ( * )
/ صفحة 3 / خطان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط العروض ( 1 ) والمراد بالمصحف العثماني مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه الذى أمر بكتابته وجمعه وكانوا يسمونه " المصحف الامام " ( 2 )* ( هامش ) * ( 1 ) أي لا تقاس كتاباتنا العامة على خط المصحف العثماني لمخالفته القواعد الاملائية في بعض الكلمات كما بينا ذلك مفصلا في هذا الكتاب ، وكذلك لا تقاس كتاباتنا على خط العروض لانه يكتب على حسب الملفوظ به فمثلا هذا البيت تلق الامور بصبر جميل * وصدر رحيب وخل الحرج فان العروضيين يكتبونه هكذا تلقق ل امور بصبرن جميلن وصدرن رحيبن وخلل ل حرج ومثله هذا البيت لا تسأل المرء عن خلائقه * في وجهه شاهد من الخبر فانهم يكتبونه هكذا لا تسأل ل مرء عن خلائقهى * في وجههى شاهدن من ل خبرى ( 2 ) الاصل في هذه التسمية ما جاء في بعض الروايات ان عثمان بن عفان رضى الله عنه لما بلغه اختلاف المعلمين في القرآن قال عندي تكذبون به وتلحنون فيه فمن نآي عنى كان اشد تكذيبا واكثر لحنا يا اصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس اماما - واما سبب تسميته بالمصحف فانه لما جمع أبو بكر رضي الله عنه القرآن قال سموه فقال بعضهم سموه انجيلا فكرهوه وقال بعضهم سموه السفر فكرهوه فقال ابن مسعود رأيت بالحبشة كتابا يدعونه المصحف فسموه به ( * )
/ صفحة 4 / من حيث اتباعه رسما وكتابة ( 1 ) وهو يشمل جميع المصاحف التى كتبت بأمره رضي الله عنه وارسلت إلى الامصار ، وقال بعضهم انه خاص بمصحفه الذي كان يقرأ فيه . هذا ولما شرعنا في كتابة مصحفنا المذكور ووصلنا إلى نحو خمسة اجزاء منه ، وجدنا في الرسم العثماني العجب العجاب ، ورأيناه جديرا بدراسته وتحقيق النظر فيه ، وحريا بأن تؤلف فيه رسالة خاصة تطبع وتنشر في الاقطار الاسلامية - فألفنا هذا الكتاب واستقصينا جميع انواع الكلمات المخالفة لقواعد كتاباتنا ، اللهم الا ماشرد عن لنظر
ص 4 :
وغاب عن الفكر والحق يقال - ان في رسم المصحف العثماني يقف الفكر حائرا ، والذهن تائها ، إذ أنه في نفسه لا قاعدة له - فمثلا نجد كلمة " كتاب " * ( هامش ) * ( 1 ) فان قيل ان المصحف العثماني الامام لم يكن فيه نقط ولا شكل ولم تكن فيه ارقام للآيات ولا علامات للاجزاء والاحزاب فكان الواجب حذف هذه الاشياء من المصاحف اتباعا للمصحف العثماني - نقول - ان هذه الامور حدثت فيما بعد حيث اختلفت الالسن باختلاط العرب بالعجم لانتشار الاسلام فخوفا من التصحيف والالتباس في كلمات القرآن اخترعوا هذه الاشياء التى هي ليست داخلة في جوهر الحروف وانما هي من العلامات الدالة على القراءة الصحيحة فصار وضعها من اللازم وسنتكلم عنها مفصلا في الخاتمة ان شاء الله تعالى وكان تقسيم القرآن إلى اجزاء واحزاب في زمن الحجاج ( * )
/ صفحة 5 / مرسومة في جميع القرآن بغير ألف ما عدا اربعة مواضع ( 1 ) فانها مرسومة بالالف نحو " لكل أجل كتاب " وكلمة " قال " مرسومة في جميع القرآن بالالف ما عدا خمسة مواضع ( 2 ) فانها بحذف الالف نحو " قل رب احكم بالحق " وكلمة " أيها " مرسومة في جميع القرآن بالف بعد الهاء ما عدا ثلاثة مواضع ( 3 ) فانها بحذف الالف نحو " أيه الثقلان " وكلمة " ابراهيم " مرسومة في سورة البقرة هكذا " ابرهم " وفي بقية القرآن هكذا " ابرهيم " وكلمة " يا ابن أم " مرسومة في سورة طه هكذا " قال يبنؤم " وفي الاعراف هكذا " قال ابن أم " وكلمة " ما نشاء " مرسومة في سورة هود هكذا " ما نشؤا " وفي سورة الحج هكذا " ما نشاء " وكلمة " الامثال " مرسومة بالالف بعد الثاء ومرسومة بحذف الالف . وحذفت الواو والياء من آخر هذين الفعلين " ويدع الانسان - فهو يشفين " من غير علة إلى غير ذلك من الكلمات التى قد تكتب في بعض المواضع بشكل وفى بعضها بشكل آخر مع ان الكلمة هي هي بعينها لم تتغير ( 4 ) فمن يرشدنا إلى سبب هذا التغاير في رسم المصحف العثماني الا الصحابة * ( هامش ) * ( 1 و 2 و 3 ) ذكرنا هذه المواضع كلها في آخر الفصل الثاني من الباب الخامس ( 4 ) انظر في الجدول الثاني في الفصل الثاني من الباب الرابع ، وانظر ايضا في الفصل الرابع من الباب الخامس في بعض غرائب الرسم العثماني ( * )
/ صفحة 6 / الذين كتبوه بأمرنا عثمان وهذا إذا قاموا من قبورهم ولقد صدق من قال " كما ان للقرآن معجز في ذاته فخطه معجز ايضا " وإلى هذا المعنى اشار العلامة الشيخ محمد العاقب بن ما يأبى الشنقيطى دفين فاس رحمه الله تعالى بقوله . والخط فيه معجز للناس * وحائد عن مقتضى القياس لا تهتدى لسره الفحول * ولا تحوم حوله العقول قد خصه الله بتلك المنزله * دون جميع الكتب المنزله ليظهر الاعجاز في المرسوم * منه كما في لفظه المنظوم والحقيقة ان تأليف كتابنا هذا هو من بركة كتابتنا للمصحف المذكور حيث كنا نتبع فيه الرسم العثماني كلمة كلمة ، ولولاه لما كنا ندرك معنى الرسم العثماني ووجهة مخالفته لقواعد املائنا - وغاية ما كنا نعرف ان نحو * كتاب ، وابراهيم ، واسماعيل ، واسحاق وهارون ، وسليمان ، ، ، مكتوب في المصحف بغير ألف ، اما غيرها فلا تقع اعيننا عليه لتعود ألسنتنا على القراءة الصحيحة - والسبب في عدم ملاحظتنا هيئة رسم الكلمات في المصحف هو عدم الاعتناء بتعليم القراءات وفن الرسم وعلم التجويد حتى اندثرت من غالب البلاد الاسلامية وربما كانت مصر هي الوحيدة في المحافظة على هذه العلوم .
/ صفحة 7 / وهذا الكتاب هو أول كتاب من نوعه فانه لم يؤلف في هذا الموضوع على نمطه كتاب من قبل - نعم لقد ألف علماء القراءات المتقدمون في رسم المصحف العثماني مؤلفات جليلة وحصروا مرسوم القرآن كلمة كلمة على هيئة ما كتبه الصحابة رضى الله عنهم بحيث لم يفهم شئ منه ، الا انهم لم يبحثوا عنه كما بحثنا ، ولم يقارنوا بين مرسومه كما قارنا - على اننا لا ندعى المعرفة اكثر منهم بل نمشي على ضوئهم مع ما يفتح الله به علينا من فضله الواسع فهو الفتاح العليم لا راد لفضله . ولقد بسطنا القول في هذا الكتاب عن القرآن العظيم من جميع نواحيه بسطا وافيا ولم نتعرض للناسخ والمنسوخ ولا لوجوه القراءات وتراجم القراء لان كلا من ذلك فن مستقل بذاته يحتاج إلى مؤلف خاص ، وجعلنا في ذيله هامشا لزيادة الايضاح وتمام الفائدة ، وحصرناه في ستة ابواب وخاتمة تحت كل باب جملة فصول ، وسميناه " تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه " نسأل الله الحى القيوم أن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، وأن ينفع به من طالعه بقلب سليم ، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة ويسترنا في الدارين ، ويجعلنا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين
/ صفحة 8 / والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا آمين ، وصلى الله على نبينا محمد أبى القاسم الامين ، وعلى آله وصحبه أجمعين . " وما
ص 8 :
توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب " غرة جمادى الثانية سنة 1365 هجرية المؤلف محمد طاهر الكردى الخطاط بالمعارف العامة بمكة المكرمة
/ صفحة 9 / الجدول الاول وفيه بعض الكلمات بحسب رسم المصحف العثماني الله يبدؤا الخلق هي عصاي أتوكؤا عليها أو من وراى حجاب وما دعؤا الكفرين إلى فرعون وملايه وجائ يومئذ بجهنم وجاءو على قميصه قال يبنؤم لا تأخذ بأييكم المفتون وألو استقموا والسماء بنينها بأييد علمؤا بنى اسرءيل الذين أسئوا السوآى ولا تقولن لشائ أصحاب لئيكة امرأت فرعون قرت قل هو نبؤا عظيم ثلث مائة سنين أفإين مات أو قتل ألئن حصحص الحق ومن يعظم شعئر الله سنت الاولين فقال الملؤا الذين لايلاف قريش إى لفهم لكم أيه الثقلان لتخذت عليه أجرا أفتوني في رءيى رحمت الله وبركته ومعصيت الرسول ولا مستئنسين * ( هامش ) * وقد وضعنا جدولا آخر في الفصل الثاني من الباب الرابع يشتمل على بعض كلمات بالرسم العثماني فراجعه في محله ( * )
/ صفحة 10 / الباب الاول ( وفيه ثلاثة فصول ) ( الفصل الاول * في تعريف القرآن وما يتضمنه ) ذهبوا في معنى القرآن إلى جملة أقوال ذكرها السيوطي في كتابه الاتقان والمختار منها ما نص عليه إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى وهو : ان لفظ القرآن المعرف بأل ليس مهموزا ولا مشتقا بل وضع علما على الكلام المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم واما القرآن فقد قال اهل السنة القرآن كلام الله تعالى منزل غير مخلوق منه بدأ واليه يعود وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالالسنة مسموع بالآذان والاشتغال بالقرآن من أفضل العبادات سواء كان بتلاوته أو بتدبر فيه - قال الله تعالى - إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم اجورهم ويزيدهم من فضله انه غفور شكور - وقال - كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الالباب - وقال - الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم وتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد
/ صفحة 11 / ولبعضهم : وإذا أردت من العلوم أجلها * فعليك بالقرآن والاعراب هذا لدينك ان أردت ديانة * وهدى وذاك لمنطق وخطاب ولبعضهم ايضا : نعم السمير كتاب الله ان له * حلاوة هي أحلى من جنى الضرب ( 1 ) به فنون المعاني قد جمعن فما * تفتر من عجب الا إلى عجب أمر ونهى وأمثال وموعظة * وحكمة أو دعت في أفصح الكتب لطائف يجتليها كل ذى بصر * وروضة يجتنيها كل ذى أدب فالقرآن يتضمن الاحكام ، والشرائع ، والامثال ، والحكم ، والمواعظ والتاريخ ، ونظام الكون ، وغير ذلك . قال بعضهم : ألا انما القرآن تسعة أحرف * سأنبيكها في بيت شعر بلا خلل حلال حرام محكم متشابه * بشير نذير قصة عظة مثل فالقران ما ترك شيئا من أمور الدين الا وبينه ، ولا من نظام الكون الا واوضحه ، وفيه يقول الله تعالى " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " ويقول " ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون " * ( هامش ) * ( 1 ) الضرب بفتحتين العسل الابيض قاله في المصباح ( * )
/ صفحة 12 / وقال عليه الصلاة والسلام " كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله تعالى ومن ابتغى الهدى في غيره اضله الله تعالى وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذى لا تزيع به الاهواء ولا تلتبس به الالسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه " أخرجه الترمذي . ومعنى لا يخلق لا يبلى ( وقال ايضا ) " أعربو القرآن والتمسوا غرائبه " رواه البيهقى والحاكم عن ابى هريرة والمراد باعرابه معرفة معاني ألفاظه وما أحسن ما رواه الامام السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الاتقان عن بعضهم حيث يقول : اعتنى قوم بضبط لغات القرآن وتحرير كلماته ومعرفة مخارج حروفه وعددها ، وعدد كلماته وآياته وسوره واحزابه وأنصافه وأرباعه ، وعدد سجداته والتعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة والآيات المتماثلة ، من غير تعرض لمعانيه ولا تدبر لما اودع فيه فسمو القراء - واعتني النحاة بالمعرب منه والمبنى من الاسماء والافعال والحروف العاملة وغيرها ، وأوسعوا الكلام في الاسماء وتوابعها وضروب الافعال واللازم والمعتدى ورسوم خط الكلمات وجميع ما يتعلق به حتى ان بعضهم اعرب
/ صفحة 13 / مشكله وبعضهم اعربه كلمة كلمة - واعتني المفسرون بألفاظه فوجدوا منه لفظا يدل على معنى واحد ولفظا يدل على معنيين ولفظا يدل على اكثر فأجروا الاول على حكمه وأوضحوا معنى الخفى منه وخاضوا في ترجيح احد المحتملات ذى المعنيين أو المعاني وأعمل كل منهم فكره
ص 13 :
المحتملات ذى المعنيين أو المعاني وأعمل كل منهم فكره وقال بما اقتضاه نظره - واعتني الاصوليون بما فيه من الادلة العقلية والشواهد الاصلية والنظرية فاستنبطوا منه وسموا هذا العلم بأصول الدين - وتأملت طائفة منهم معاني خطابه فرأت منها ما يقتضى العموم ومنها ما يقتضى الخصوص إلى غير ذلك فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز - وتكلموا في التخصيص والاخبار والنص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه والامر والنهى والنسخ ، إلى غير ذلك من الاقيسة واستصحاب الحال والاستقراء وسموا هذا الفن أصول الفقه - وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الاحكام فأسسوا أصوله وفرعوا فروعه وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا وسموه بعلم الفروع وبالفقه ايضا - وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السالفة والامم الخالية ونقلوا أخبارهم ودونوا آثارهم ووقائعهم حتى ذكروا بدء الدنيا وأول الاشياء وسموا ذلك بالتاريخ والقصص -
/ صفحة 14 / وتنبه آخرون بما فيه من الحكم والامثال والمواعظ التى تقلقل قلوب الرجال فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد ، والتحذير والتبشير ، وذكر الموت والميعاد ، والحشر والحساب ، والعقاب والثواب ، والجنة والنار فصولا من المواعظ واصولا من الزواجر فسموا بذلك الخطباء والوعاظ - وأخذ قوم بما في آية المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك من علم الفرائض واستنبطوا منها من ذكر النصف والربع والسدس والثمن حساب الفرائض - ونظر قوم الي ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج وغير ذلك فاستخرجوا منه علم المواقيت - ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم وحسن السياق والمبادئ والمقاطع والمخالص والتلوين في الخطاب والاطناب والايجاز وغير ذلك فاستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع - انتهى جميع العلم في القرآن لكن * تقاصر عنه أفهام الرجال ويعجبنا وصف الاستاذ مصطفى صادق الرافعى رحمه الله تعالى ( 1 ) للقران الكريم حيث يقول في كتابه اعجاز القران ما نصه : القرآن الفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة ، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة ، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها ، وتصف الآخرة * ( هامش ) * ( 1 ) توفى الرافعى المذكور في 10 مايو 1937 م الموافق 29 صفر 1356 هجرية ( * )
/ صفحة 15 / فمنها جنها وضرامها ، ومتى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب ، وان أوعدت جعلت الالسنة ترعد من حمى القلوب ، ومعان بينا هي عذوبة ترويك من ماء البيان ، ورقة تستروح منها نسيم الجنان ، ونور تبصر به في مرآة الايمان وجه الامان ، وبينا هي ترف بندى الحياة على زهرة الضمير ، وتخلق في اوراقها من معاني العبرة معنى العبير ، وتهب عليها بأنفاس الرحمة فتنم بسر هذا العالم الصغير ، ثم بيناهى تتساقط من الافواه تسافط الدموع من الاجفان ، وتدع القلب من الخشوع كأنه جنازة ينوح عليها اللسان ، وتمثل للمذنب حقيقة الانسانية حتى يظن انه صنف آخر من الانسان ، إذا هي بعد ذلك اطباق السحاب وقد انهارت قواعده ، والتمعت ناره وقصفت في الجو رواعده ، وإذا هي السماء وقد اخذت على الارض ذنبها واستأذنت في صدمة الفزع ربها ، فكادت ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ، وانما هي عند ذلك زجرة واحدة ، فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الارض مائدة . انتهى كلام الرافعى رحمه الله تعالى هذا وان ومن عظمة القرآن في ذاته اقرار علماء الافرنج بسمو مكانته واعترافهم برفيع منزلته ، وخشوعهم لدي سماع ترتيل آياته ، واعجابهم بما حواه من نظام الكون ودستور المدنية والعمران .
/ صفحة 16 / وهناك بعض من نوابغ مستشرقي الافرنج من يتخصص لحفظ القرآن وفهم تفاسيره ، ومن يعتنى بعلم القراءات وفن التجويد ، ومن ينقطع إلى دراسته وبيان مزايا دين الاسلام ولهم في ذلك مؤلفات . وان بقوا على ديانتهم . وان أول طبع للمصحف بالخط العربي كان في مدينة همبرج بألمانيا وذلك في سنة 1113 هجرية ( 1 ) ويوجد من هذه الطبعة مصحف بدار الكتب العربية المصرية بالقاهرة قال المستشرق الالماني الدكتور شومبس في القرآن الكريم في احدى الجمعيات " يقول بعض الناس ان القرآن كلام محمد - وهو خطأ محض - فالقرآن كلام الله تعالى الموحى على لسان رسوله محمد ، فليس في استطاعة محمد ذلك الرجل الامي في تلك العصور الغابرة أن يأتينا بكلام تحار فيه عقول الحكماء ويهدى الناس من الظلمات إلى النور ، وربما تعجبون من اعتراف رجل أو ربى بهذه الحقيقة ، انى درست القرآن فوجدت فيه تلك المعاني العالية والنظامات المحكمة وتلك البلاغة التى لم اجد مثلها قط في حياتي ، جملة واحدة منه تغنى * ( هامش ) * ( 1 ) وسببه على ما يظهر لنا ان اختراع المطبعة كان في ألمانيا سنة 1431 ميلادية ثم عم شارها
ص 16 :
بقية الممالك ، واول دخولها إلى تركيا كان في زمن السلطان احمد الثالث وكان طبع المصاحف في عهده ممنوعا وسنتكلم في آخر الكتاب عن ظهور المطابع وانتشارها انشاء الله تعالى ( * )
/ صفحة 17 / عن مؤلفات هذا ولا شك اكبر معجزة اتى بها محمد عن ربه " اه‍ كلامه وقال المستشرق ما كس مننى : ان مرشد المسلمين هو القرآن وحده ، والقرآن ليس بكتاب دينى فقط بل هو ايضا كتاب الآداب وتجد به الحياة السياسية والاجتماعية ، بل هو يرشد الانسان إلى وظائفه اليومية ، والاحكام الاسلامية التى لا توجد بالقرآن توجد في السنة والتى لا تكون واضحة لا في القرآن ولا في السنة توجد في الفقه الواسع الذى هو علم الحقوق الاسلامي اه‍ كلامه وما قيمة ما يقوله الانسان في القرآن الكريم بعد قوله تعالى فيه " كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير " وقوله " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " وقوله " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " وقوله " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون يمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " ( قال المقرى في اضاءة الدجنة ) وأخبر الله بعجز الانس * والجن عن إتيانهم بالجنس من مثله وطولبوا بسوره * فما استطاعوا مثلها ضروره ومن لجلباب الحيا أزاحا * معارضا له حوى افتضاحا كمثل ما جاء به مسيلمه * من ترهات باختلال معلمه ركيكة في لفظها والمعنى * كقوله والطاحنات طحنا . . الخ
/ صفحة 18 / الفصل الثاني ( القرآن في اللوح المحفوظ ) جاء في تفسير ابن كثير في سورة القدر ما نصه : قال ابن عباس ( 1 ) وغيره أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وجاء فيه ايضا عند قوله تعالى " بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ " ما نصه : وقال الحسن البصري ان هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه وقال الطبراني عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور لله في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيى ويعز ويذل ويفعل ما يشاء . اه‍ * ( هامش ) * ( 1 ) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ولد بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين وصح انه صلى الله عليه وسلم دعاله بقوله اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل اللهم علمه الحكمة وتاويل القرآن اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين قال الحسن كان ابن عباس يقوم على منبرنا هذا فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية توفى رضى الله عنه بالطائف سنة ثمان وستين وقيل سنة تسع وقيل سنة سبعين وعمره احدى وسبعون سنة وله مناقب عظيمة ( * )
/ صفحة 19 / الفصل الثالث ( في انزال القرآن ) جاء في تفسير ابن كثير عند قوله تعالى " شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن الآية " ما ملخصه روى الامام أحمد بن حنبل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انزلت صحف ابراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان والانجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وانزل القرآن لاربع وعشرين خلت من رمضان ، وفي حديث جابر بن عبد الله ان الزبور انزل لثنتى عشرة خلت من رمضان والانجيل لثماني عشرة والباقى كما تقدم . وقال اسرائيل عن السدى عن محمد بن ابى المجالد عن مقسم عن ابن عباس انه سأل عطية بن الاسود فقال وقع في قلبى الشك قول الله تعالى " شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن " وقوله " انا انزلناه في ليلة مباركة " وقوله " انا أنزلناه في ليلة القدر " وقد انزل في شوال وفي ذى القعدة وفي ذى الحجة وفي المحرم وصفر وشهر ربيع فقال ابن عباس انه انزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة ثم انزل على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور والايام * وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال انزل القرآن / صفحة 20 / في النصف الثاني من شهر رمضان إلى سماء الدنيا فجعل في بيت العزة ( 1 ) ثم انزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة ( 2 ) لجواب كلام الناس وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء ولا يجئ المشركون بمثل يخاصمون به الا جاءهم الله بجوابه وذلك قوله " وقال الذين كفروا لولا انزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل الا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا " اه‍ من تفسير ابن كثير الباب الثاني ( وفيه خمسة فصول ) ( الفصل الاول في جمع القرآن الكريم ) يطلق جمع القرآن تارة على حفظه في الصدور وتارة على كتابته فعلى المعنى
ص 20 :
الثاني نقول : ان القرآن جمع ثلاث مرات ( الجمع الاول ) كتب كله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع في موضوع واحد * ( هامش ) * ( 1 ) وهو البيت المعمور وهو مسامت للكعبة بحيث لو نزل لنزل عليها ( 2 ) وفي رواية ابن عباس السابقة في ثلاث وعشرين سنة لان بعضهم يقول كان صلى الله عليه وسلم اول ما نزل عليه القرآن في الاربعين من عمره على أرجح الاقوال ، وبعضهم يقول كان في الثالثة والاربعين وبعضهم يقول كان في الثانية والاربعين وهجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كانت بعد مضى ثلاث وخمسين سنة من مولده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ( * )
/ صفحة 21 / ولا مرتب السور بل كان مفرقا في العسب واللخاف والرقاع والاقتاب ( 1 ) ونحوها مع كونه محفوظا في الصدور - فقد روي الحاكم في المستدرك عن زيد بن ثابت قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع الحديث - وعنه ايضا قال كنت أكتب الوحى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يملى على فإذا فرغت قال اقرأه فأقرؤه فان كان فيه سقط أقامه وروى البخاري عن البراء قال لما نزلت " لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " قال النبي صلى الله عليه وسلم ادع لى زيدا وليجئ باللوح والدواة والكتف أو الكتف والدواة ثم قال أكتب لا يستوى القاعدون الحديث ، وأخرج مسلم من حديث ابى سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكتبوا عنى شيأ غير القرآن ( 2 ) قال * ( هامش ) * ( 1 ) العسب بضم فسكون وبضمتين ايضا جمع عسيب وهو جريد النخل كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض ، واللخاف بكسر اللام جمع لخفة بفتح فسكون وتجمع ايضا على لخف بضمتين وهى صفائح الحجارة الرقاق ، والرقاع بالكسر جمع رقعة بالضم وهى القطعة من النسيج أو الجلد والاقتاب جمع قتب بفتحتين وهو رحل البعير ( 2 ) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم عند هذا الحديث ما ملخصه : قيل انما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ وقيل ان حديث النهي منسوخ بجملة احاديث " ذكرها النووي في شرحه " ثم قال قال القاضي كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم واجازها اكثرهم ثم اجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف اه‍ ( * )
/ صفحة 22 / الحارث المحاسبى في كتاب فهم السنن كتابة القرآن ليست بمحدثة فانه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقا في الرقاع والاكتاف والعسب اه‍ وعدم جمعه في مجلد في حياته عليه الصلاة والسلام كان لامرين ( الاول ) الامن فيه من وقوع خلاف بين الصحابة لوجوده صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ( الثاني ) خوف نسخ شئ منه بوحى قرآن بدله ، ففى الاتقان قال الخطابى انما لم يجمع صلى الله عليه وسلم القرآن في مصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ( 1 ) ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الامة وإلى ما تقدم اشار العلامة الشيخ محمد العاقب الشنقيطى رحمه الله بقوله لم يجمع القرآن في مجلد * على الصحيح في حياة أحمد للامن فيه من خلاف ينشأ * وخيفة النسخ بوحى يطرأ وكان يكتب على الاكتاف * وقطع الادم واللخاف وبعد إغماض النبي فالاحق * أن أبا بكر بجمعه سبق جمعه غير مرتب السور * بعد إشارة إليه من عمر ثم تولى الجمع ذو النوزين * فضمه ما بين دفتين مرتب السور والآيات * مخرجا بأفصح اللغات * ( هامش ) * ( 1 ) توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين 13 ربيع الاول سنة احدى عشرة للهجرة ( * )
/ صفحة 23 /( الجمع الثاني ) جمع ابى بكر الصديق رضى الله عنه روى البخاري في صحيحه عن عبيد بن السباق ( 1 ) ان زيد ابن ثابت رضى الله عنه قال أرسل إلى أبو بكر مقتل اهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضى الله عنه ان عمر اتانى فقال ان القتل قد استحر يوم اليمامة ( 2 ) بقراء القرآن وانى أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وانى ارى أن تأمر بجمع القرآن فقلت لعمر كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذى رأى عمر قال زيد قال أبو بكر انك رجل شاب عاقل لانتهمك وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فو الله لو كلفوني نقل * ( هامش ) * ( 1 ) قال في فتح الباري عبيد بن السباق بفتح المهملة وتشديد الموحدة مدني يكنى أبا سعد ذكره مسلم في الطبقة الاولى من التابعين ( 2 ) استحر القتل أي اشتد واليمامة واقعة جهة نجد وكانت مع مسيلمة الكذاب الذى ادعى النبوة وقد قتل في هذه الوقعة وابتدأت غزوتها في اواخر عام الحادي
ص 23 :
عشر وانتهت في ربيع الاول عام الثاني عشر للهجرة وفيها قتل من القراء سبعون قارئا من الصحابة وقيل سبعمائة وقد قتل منهم مثل هذا العدد في بئر معونة قرب المدينة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ، ولا يخفي ان قتل مثل هذا العدد من القراء ليس بقليل خصوصا والكتابة ما كانت منتشرة عندهم حتى يرجعوا إلى ما كتبوه بل كان اعتمادهم على ما في صدورهم ( * )
/ صفحة 24 / جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرنى من جمع القرآن ( 1 ) قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو والله خير فلم يزل ابو بكر براجعنى حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر ابى بكر وعمر رضى الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع ابى خزيمة الانصاري لم أجدها مع احد غيره ( 2 )" لقد جائكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم " حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند ابى بكر حتى توفاه الله * ( هامش ) * ( 1 ) استثقاله لهذا الامر لم يكن من جهة ما يحصل له من المشقة والتعب وانما كان خوفا من اقدامه على امر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به فلما ظهرت له المصلحة في ذلك اقدم عليه بهمة ونشاط ( 2 ) أي لم يجد صحيفتها والا فهي محفوظة في الصدور ، أولم يجد في آخر سورة التوبة قراءة من الاحرف السبعة الا عند ابى خزيمة الانصاري فتأمل - ولم يذكره احد انه من حفاظ القرآن ولكن قد يحفظ منه بعض السور والايات وقد جاء من طريق ابى العالية انهم لما جمعوا القرآن في خلافة ابى بكر كان الذى يملى عليهم ابى بن كعب فلما انتهوا من براءة إلى قوله يفقهون ظنوا ان هذا آخر ما نزل منها فقال ابى بن كعب اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم آيتين بعدهن " لقد جاءكم رسول من انفسكم إلى آخر السورة " قال في فتح الباري شرح صحيح البخاري - الارجح ان الذى وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية والذى وجد معه الآية من الاحزاب خزيمة ، وابو خزيمة قيل هو بن اوس بن زيد بن أصرم مشهور بكنيته دون اسمه وقيل هو الحارث بن خزيمة واما خزيمة فهو ابن ثابت ذو الشهادتين اه‍ من الفتح ( * )
/ صفحة 25 / ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضى الله عنه ( 1 ) رواه البخاري في كتاب التفسير في باب جمع القرآن ورواه ايضا في الكتاب المذكور في سورة براءة وجاء في رواية ابن ابى داود أن عمر ابن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع فلان قتل يوم اليمامة فقال انا لله فأمر بجمع القرآن - اي راجع ابا بكر حتى أمر بجمعه ( ويحتار بعضهم ) في فهم هذه الرواية كيف ان الآية التى سأل عنها عمر لا توجد الا مع فلان الذى قتل يوم اليمامة فنقول ان منطوق الرواية لا يدل على حصر الآية عند فلان فهناك غيره ممن يحفظها ايضا فعمر لما سمع بقتل فلان يوم اليمامة خاف من قتل حفاظ كلام الله تعالى ان يضيع * ( هامش ) * ( 1 ) تقول دائرة المعارف الاسلامية لماذا أو دعت الصحف عند حفصة ولم تودع عند الخليفة الجديد الذى ولى امر المسلمين وهو عثمان بن عفان ( فنقول ) أو دعت الصحف عند حفصة بوصية من ابيها عمر بن الخطاب لانها كانت تحفظ القرآن كله في صدرها وكانت تقرأ وتكتب وهى زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ام المؤمنين وابنة عمر بن الخطاب خليفة المسلمين ، ثم انه لم يتعين خليفة حين وفاة عمر حتي تسلم إليه لان عمر لم يوص بالخلافة إلى أحد وانما جعلها شورى في بضعة اشخاص فلهذه الاعتبارات كانت حفصة رضى الله عنها أولى من غيرها بحفظ المصحف ، ونظر عمر أصوب وأحكم . وفي كتاب الاصابة قال أبو عمر أوصى عمر إلى حفصة وأوصت حفصة إلى اخيها عبد الله بما اوصى به إليها عمر وبصدقة تصدقت بها بالغابة . توفى عمر رضى الله عنه في ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين . ( * )
/ صفحة 26 / القرآن فراجع ابا بكر في ذلك حتى جمعه في الصحف . وجاء في رواية اخرى : ان عمر بن الخطاب دخل على ابى بكر فقال ان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة يتهافتون تهافت الفراش في النار وانى اخشى ان لا يشهدوا موطنا الا فعلوا ذلك حتى يقتلوا وهم حملة القرآن فيضيع القرآن وينسى ولو جمعته وكتبته فنفر منها أبو بكر وقال أفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتراجعا في ذلك ثم ارسل أبو بكر إلى زيد ابن ثابت ( 1 ) قال زيد فدخلت عليه وعمر مسربل ( 2 ) فقال لى أبو بكر * ( هامش ) * ( 1 ) هو زيد بن ثابت بن الضحاك الانصاري الخزرجي يقال انه شهد أحدا واستصغر يوم بدر ويقال اول مشاهده الخندق وكتب الوحى وغيره للنبى صلى الله عليه وسلم وكان من علماء الصحابة واعلمهم بالفرايض وفيه جاء الحديث افرض امتي زيد بن ثابت ، وعن خارجة بن زيد عن ابيه قال اتي بى النبي صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة فقيل هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة فقرأت عليه فأعجبه
ص 26 :
ذلك فقال تعلم كتاب يهود فاني ما آمنهم على كتابي ففعلت فما مضى لى نصف شهر حتي حذقته فكنت اكتب له إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له ، استخلفه عمر بن الخطاب على المدينة ثلاث مرات وكان عثمان إذا حج يستخلفه على المدينة ايضا ورمى زيد يوم اليمامة بسهم فلم يضره - مات وهو ابن ست وخمسين وقيل اربع وخمسين واختلف في وقت وفاته فقيل سنة خمس واربعين وقيل غير ذلك قال أبو هريرة حين مات زيد اليوم مات حبر هذه الامة وعسى الله ان يجعل في ابن عباس منه خلفا اه‍ ملخصا من الاصابة والاستيعاب ، والمراد بكتاب يهود السريانية كما في الرواية الاخرى الآتية في الفصل الثاني ، وقيل العبرانية والله تعالى اعلم ( 2 ) السربال ما يلبس من قميص أو درع - قاله في المصباح ( * )
/ صفحة 27 / ان هذا قد دعاني إلى أمر فأبيت عليه وانت كاتب الوحى فان تكن معه اتبعتكما وان توافقني لا أفعل فاقتص أبو بكر قول عمر وعمر ساكت فنفرت من ذلك وقلت يفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال عمر كلمة وما عليكما لو فعلتما ذلك فذهبنا ننظر فقلنا لا شئ والله ما علينا في ذلك شئ قال زيد فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الادم وكسر الاكتاف والعسب ( 1 ) اه‍ وهذه الرواية أوردها الطبري في تفسيره وهل اللفظ واحد ام لا يحتاج إلى المراجعة . وكان زيد لا يقبل من احد شيئا حتى يشهد شهيدان فان ابا بكر قال لعمر ولزيد اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه - اخرجه ابن ابى داود من طريق هشام بن عروة عن ابيه ( 2 ) جاء في كتاب نهاية القول المفيد ( فان قيل ) كان زيد حافظا للقرآن وجامعا له فما وجه تتبعه المذكورات ( والجواب ) انه كان يستكمل وجوه قراءاته ممن عنده ما ليس عنده وكذا نظره في المكتوبات التى قد عرف كتابتها وتيقن امرها فلا بد من النظر فيها * ( هامش ) * ( 1 ) الادم بضمتين وبفتحتين ايضا جمع اديم وهو الجلد المدبوغ ، والاكتاف جمع كتف وهو عظم عريض يكون في اصل كتف الحيوان ، والعسب بضم فسكون وبضمتين ايضا جمع عسيب وهو جريد النخل إذا نزع منه خوصه ( 2 ) انظر الفصل الثاني في احتياط الصحابة في كتابة القرآن ( * )
/ صفحة 28 / وان كان حافظا ليستظهر بذلك وليعلم هل فيها قراءة غير قراءته ام لا وإذا استند الحافظ عند الكتابة إلى اصل يعتمد علية كان آكد واثبت في ضبط المحفوظ وجاء في ارشاد القراء والكاتبين : ان زيدا كتب القرآن كله بجميع اجزائه وأوجهه المعبر عنها بالاحرف السبعة الواردة في حديث ان هذا القرآن انزل على سبعة احرف فاقرؤا ما تيسر منه وكان اولا اتاه جبريل فقال له إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف واحد ثم راجعه إلى السابعة فقال ان الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤا عليه أصابوا ( 1 ) اه‍ من عنوان البيان في علوم التبيان . فأبوبكر رضى الله عنه هو اول من جمع القرآن الكريم بالاحرف السبعة التى نزل بها واليه تنسب الصحف البكرية وكان ذلك بعد وقعة اليمامة التى كان انتهاؤها سنة اثنتى عشرة للهجرة - فجمعه للقرآن كان في سنة واحدة تقريبا ( 2 ) لانه وقع ببن غزوة اليمامة وبين وفاته * ( هامش ) * ( 1 ) سيأتي شرح هذا الحديث في الفصل الخامس من الباب الثاني ( 2 ) لولا همة الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله لما تم في مدة سنة واحدة كتابة المصحف بالاحرف السبعة كلها وجمعه من الاحجار والعظام والجلود ونحوها فانظر إلى توفيق الله لهم وعنايته بهم وتأمل كيف خدموا الدين ونشروا الاسلام رضى الله عنهم ( * )
/ صفحة 29 / رضى الله عنه التى كانت في جمادى الثانيه سنة ثلاثة عشر - قال على بن ابى طالب أعظم الناس في المصاحف اجرا أبو بكر رحمة الله على أبى بكر هو أول من جمع كتاب الله . ( ويسأل بعضهم ) لما ذا لم يأمر أبو بكر أو عمر أن ينسخ الناس مصاحف مما كتبه زيد بن ثابت ولماذا لم يحرص كبار الصحابة على ان يكون لدي كل واحد منهم أو لدى بعضهم على الاقل نسخ من هذه الصحف التى تتضمن كتاب الله . ( فنقول ) ان ابا بكر رضى الله عنه لم يجمع القرآن لحدوث خلل في قراءته وانما جمعه خوفا من ذهاب حملته بقتلهم في الغزوات وكان جمعه له بالاحرف السبعة والناس يقرؤن بها إلى زمن عثمان فلا يختلف مصحف ابى بكر عما يقرؤه الناس ويحفظونه فلا داعى إذا لحمل الناس على مصحفه . اما عثمان رضى الله عنه فانه لم يجمع القرآن الا بعد أن رآى اختلاف الناس في قراءته حتى ان بعضهم كان يقول ان قراءتى خير من قراءتك وكان جمعه له بحرف واحد وهو لغة قريش وترك الاحرف الستة الباقية فكان من الواجب حمل الناس على اتباع مصحفه وعلى قراءته بحرف واحد فقط قبل ان يختلفوا فيه
/ صفحة 30 / اختلاف اليهود والنصارى كما ترى تفصيل ذلك في الجمع الثالث اما عدم نسخ كبار الصحابة مصاحف على نمط ما جمعه أبو بكر فلم يكن ناك
ص 30 :
ما يدعو لذلك لعدم اختلاف ما جمعه أبو بكر بما عند الناس ، وان بعضهم كتبوا مصاحفهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتلقوه منه سماعا - فكان جمع ابى بكر بمثابة سجل للقرآن يرجع إليه إذا حدث أمر كما وقع لعثمان حين جمعه القرآن فانه رجع إلى الصحف البكرية وكانت عند حفصة بنت عمر ( ويسأل بعضهم ايضا ) لم لم يجتمع أبو بكر وعمر وعثمان وعلى على نسخ المصحف وهم يحفظونه كله في صدورهم ( فنقول ) ان ابا بكر هو خليفة المسلمين وهؤلاء هم كبار الصحابة وهم اصحاب الرأى والشورى ومنهمكون في الغزوات ونشر الاسلام والنظر في مصالح الامة فاشتغالهم بأنفسهم بجمع القرآن يمنعهم عن النظر في شؤن المسلمين لان التفرغ لجمعه يحتاج إلى مدة طويلة وعناء عظيم - وإذا عرفت انهم كانوا يجمعونه مما كتب على نحو العظام والالواح والحجارة وانهم ما كانوا يقبلون من احد شيئا من القرآن الا بشاهدين علمت انهم يحتاجون في البحث والترتيب والمراجعة
/ صفحة 31 / والتصحيح إلى مدة غير قصيرة ، وظهر لك ما تحملوه من المشقة العظمى والتعب الكبير - خصوصا وانهم في هذه المرة جمعوه بالاحرف السبعة كلها وهذا يستلزم أن يكون حجم مصحف ابى بكر أضعاف حجم مصحف عثمان لان هذا جمعه على حرف واحد من الاحرف السبعة . لذلك اسند الخلفاء الاربعة جمع القرآن إلى زيد بن ثابت كاتب الوحى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذى شهد العرضة الاخيرة وكان من حفظة القرآن وأعلم الصحابة فقام بهذه المهمة خير قيام في مصحف أبى بكر وفي مصحف عثمان رضى الله عنهم ( 1 ) وجزاهم عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء والحقيقة لو لم يلهم الله تعالى هؤلاء الصحابة الكرام بجمع القرآن العظيم بكتابته في الصحف لذهب بموت حفاظه وانقراض الصحابة وهذا مصداق عزوجل " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " ولقد كان سعى عمر رضى الله عنه لجمع القرآن من فضائله التى * ( هامش ) * ( 1 ) كان عمر زيد حين كتب مصحف ابي بكر نحو اثنتين وعشرين سنة وكان عمره حين كتب مصحف عثمان نحو خمس وثلاثين سنة ( * )
/ صفحة 32 / لا تحصى ومناقبه التى لا تستقصى كيف وقد قال فيه صلى الله عليه وسلم ان الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ، وقال * ( لقد كان فيما قبلكم من الامم محدثون فان يكن في امتى أحد فانه عمر ) * رواه البخاري ومسلم قوله محدثون هو بفتح الدال المهملة وتشديدها أي ملهمون وكما نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر وفي الحجاب وفي تحريم الخمر وافق عمر الحق والصواب وفى اشارته على ابى بكر بجمع القرآن ولقد جمع بعضهم موافقات عمر رضى الله عنه في منظومة أولها الحمدلله وصلى الله * على نبيه الذى اجتباه يا سائلي والحادثات تكثر * عن الذى وافق فيه عمر وما يرى انزل في الكتاب * موافقا لرأيه الصواب ( الجمع الثالث ) جمع عثمان بن عفان رضى الله عنه ( 1 ) ولم ينقل انه كتب بيده مصحفا وانما امر بجمعه وكتابته على حرف واحد من الاحرف السبعة التى نزل بها القرآن فلذلك ينسب إليه ويقال " المصحف العثماني " * ( هامش ) * ( 1 ) تولى عثمان لآخر يوم من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة فاستقبل بخلافته المحرم عام اربع وعشرين وقتل في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ( * )
/ صفحة 33 / وسببه كما في البخاري عن أنس ان حذيفة بن اليمان ( 1 ) قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذريجان مع اهل العراق * ( هامش ) * ( 1 ) هو حذيفة بن اليمان العبسى واسم اليمان حسيل بن جابر واليمان لقب كان ابوه قد اصاب دما فهرب إلى المدينة فحالف بنى عبد الاشهل فسماه قومه اليمان لكونه حالف اليمانية وتزوج والدة حذيفة وهى من الانصار اسمها الرباب بنت كعب بن عدى فولد له بالمدينة واسلم حذيفة وابوه وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون وشهدا أحدا فاستشهد اليمان بها وشهد حذيفة الخندق وله بها ذكر حسن وما بعدها * وروي حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم روى مسلم عن عبد الله بن يزيد الخطمى عن حذيفة قال لقد حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان وما يكون حتى تقوم الساعة وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم فان لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر وكان فتح همدان والرى والدينور على يد حذيفة ، سئل حذيفة اي الفتن اشد قال ان يعرض عليك الخير والشر فلا تدرى أيهما تركب قال العجلى استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان وبعد بيعة على بأربعين يوما وذلك سنة ست وثلاثين اه‍ ملخصا من الاصابة والاستيعاب وحذيفة هذا هو الذي يقول " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى فقلت يارسول الله انا كنا الخ " وتمام الحديث في البخاري في كتاب الفتن وفي علامات النبوة أيضا
ص 33 :
وتمامه في صحيح مسلم في كتاب الامارة في باب الامر بلزوم الجماعة ولو لا التطويل لسقنا الحديث بتمامه . فانه حديث مهم ( ونقول ) بما ان النبي صلى الله عليه وسلم حدث حذيفة بما كان وما يكون لى يوم القيامة لا يبعد أن يسر عليه الصلاة والسلام إليه ان يحرض عثمان لجمع القرآن على حرف واحد إذا رآى اختلاف الناس في قراءته فكتم حذيفة هذا الامر حتى جاء وقته ( * )
/ صفحة 34 / فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا امير المؤمنين أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ( 1 ) فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي الينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها اليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد ابن ثابت ( 2 ) وعبد الله بن الزبير ( 3 ) وسعيد بن العاص ( 4 ) و عبد الرحمن * ( هامش ) * ( 1 ) وفي رواية قدم حذيفة من أرمينيا فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان فقال يا امير المؤمنين أدرك الناس . الخ . وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري عند هذا الحديث روايات كثيرة فيما اختلفوا فيه من القراءات لم ننقلها هنا خوف التطويل فراجعها ان شئت ( 2 ) تقدمت ترجمة زيد عند جمع أبى بكر للمصحف في صحيفه 26 ( 3 ) هو عبد الله بن الزبير بن العوام وامه أسماء بنت ابى بكر ولدته سنة ثنتين من الهجرة وقيل ولد في السنة الاولى وهو اول مولود ولد في الاسلام من المهاجرين بالمدينة وكانت به لسانة وفصاحة وكان كثير الصلاة والصيام بويع له بالخلافة سنة اربع وستين وقيل خمس وستين وقتل في ايام عبد الملك سنة ثلاث وسبعين . اه‍ ملخصا من الاستيعاب ( 4 ) هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن امية ولد عام الهجرة وقيل بل سنة احدي وكان احد اشراف قريش ممن جمع السخاء والفصاحة وهو احد الذين كتبوا المصحف لعثمان استعمله عثمان على الكوفة وغزا بالناس طبرستان فافتتحها توفى في خلافة معاوية سنة تسع وخمسين . اه‍ ملخصا من الاستيعاب " وقد ورد ابن العاص بالياء وبغير ياء ( * )
/ صفحة 35 / ابن الحارث بن هشام ( 1 ) فنسخوها في المصاحف ( 2 ) وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فانه انما نزل بلسانهم ففعلوا ( 3 ) حتى إذا نسخوا * ( هامش ) * ( 1 ) هو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومى تزوج عمر أمه فنشأ في حجر عمر وتزوج بنت عثمان ثم كان ممن ندبه عثمان لكتابة المصاحف من شباب قريش قال ابن سعد كان من اشراف قريش قال ابن حبان مات سنة ثلاث واربعين . اه‍ ملخصا من الاصابة ( 2 ) واخرج ابن أبى داود انه جمع اثنى عشر رجلا من قريش والانصار وقال لهم إذا اختلفتم في لغة فاكتبوه بلغة قريش فلم يختلفوا الا في التابوت في البقرة فقال زيد بالهاء وقال عيره بالتاء فكتبوه بالتاء ( 3 ) وفي البخاري في كتاب التفسير في باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب " وقال لهم ( أي عثمان لزيد ومن معه من المذكورين ) إذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش فان القرآن انزل بلسانهم ففعلوا " . جاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري قال القاضى أبو بكر الباقلانى معنى قول عثمان نزل القرآن بلغة قريش أي معظمه وان لم تقم دلالة قاطعة على ان جميعه بلسان قريش فان ظاهر قوله تعالى انا جعلناه قرآنا عربيا انه نزل بجميع ألسنة العرب . . الخ كلامه " وقال أبو شامة يحتمل ان يكون قوله نزل بلسان قريش اي ابتداء نزوله ثم أبيح ان يقرأ بلغة غيرهم كما سيأتي تقريره في باب انزل القرآن على سبعة احرف اه‍ وتكميله ان يقول انه نزل أولا بلسان قريش احد الاحرف السبعة ثم نزل بالاحرف السبعة المأذون ( * )
/ صفحة 36 / الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وارسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ( 1 ) قال ابن شهاب واخبرني خارجة بن زيد ابن ثابت سمع زيد بن ثابت قال فقدت آية من الاحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت اسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها * ( هامش ) * في قراءتها تسهيلا وتيسيرا كما سيأتي بيانه فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد راى ان الحرف الذى نزل القرآن اولا بلسانه أولى الاحرف فحمل الناس عليه لكونه لسان النبي صلى الله عليه وسلم ولما له من الاولية المذكورة وعليه يحمل كلام عمر لابن مسعود ايضا اه‍ من فتح الباري ، وكلام عمر لابن مسعود سيأتي قريبا في الهامش ( 1 ) والسبب في احراقها هو قطع جذور اختلاف الناس في القراءة فقد يكون بعضهم كتب شيئا من القرآن على غير وجه صحيح لما نشأ فيهم من الخلاف الذى كان سببا في قيام عثمان بجمع القرآن وحمل الناس عليه - فباحراق تلك الصحف تتوحد قراءتهم على حرف واحد حسب ما في مصحف عثمان * روي ابو بكر بن ابى داود باسناد صحيح عن مصعب بن سعد بن ابى وقاص قال ادركت الناس و افرين
ص 36 :
حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك أو قال لم ينكر ذلك منهم احد اه‍ " وانما لم يأمر عثمان بحرق صحف حفصة لانها كتبت بأمر ابى بكر بالاحرف السبعة لا يتطرقها الشك وعنها نقل مصحفه ولانه وعدها بردها إليها فبقيت عندها إلى وفاتها فلما توفيت استردها مروان حين كان اميرا بالمدينة من جهة معاوية وأمر بتشقيقها وغسلها وقال انما فعلت هذا لانى خشيت ان طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب " وقيل لما ماتت حفصة سلم عبد الله بن عمر هذه الصحف لجمع من الصحابة فغسلت غسلا ( * )
/ صفحة 37 / مع خزيمة بن ثابت الانصاري ( 1 )" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهداو الله عليه " فالحقناها في سورتها في المصحف - رواه البخاري في كتاب التفسير في باب جمع القرآن ورواه الطبري في تفسيره بلفظ اخر وفي رواية ابى قلابة فلما فرغ عثمان من المصحف كتب إلى اهل الامصار انى صنعت كذا وكذا ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم اه‍ وفي رواية شعيب عند ابن أبى داود ( 2 ) والطبراني وغيرهما وأمرهم ان يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذى ارسل به اه‍ . ( نقول ) اكثر الروايات على الاحراق وبعضها على المحو فيمكن الجمع بينها بأن نقول كان الاحراق فيما كتب على نحو الجلود والعظام وكان المحو فيما كتب على نحو الالواح والحجارة والمحو قد يكون بالغسل وقد يكون بالطمس . وفي رواية أن حذيفة قال يا أمير المؤمنين أدرك الناس فقال عثمان وما ذاك قال غزوت مرج أرمينيا فحضرها أهل العراق وأهل الشام فإذا أهل الشام يقرؤن بقراءة أبى بن كعب فيأتون * ( هامش ) * " 1 " ستأتي ترجمة خزيمة في الفصل الثالث في ضبط وتصحيح المصحف العثماني . ( 2 ) هو ابن داود الظاهرى وهو من جملة اصحاب الحديث ( * )
/ صفحة 38 / بما لم يسمع أهل العراق فيكفرهم اهل العراق وإذا أهل العراق يقرؤن بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفرهم أهل الشام قال زيد فأمرني عثمان إلى آخر القصة ( 1 ) وفى رواية اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون ( 2 ) فبلغ ذلك عثمان بن عفان فقال عندي تكذبون به وتلحنون فيه فمن نآى عنى من الامصار كان اشد تكذيبا واكثر لحنا يا اصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما . واخرج ابن ابى داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال قال على لا تقولوا في عثمان الا خيرا فو الله ما فعل الذى فعل في المصاحف الا عن ملا منا قال ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني ان بعضهم يقول قراءتى خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرا قلنا فما ترى قال أرى ان يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف * ( هامش ) * ( 1 ) اعلم ان اهل دمشق وحمص اخذوا عن المقداد بن الاسود واهل الكوفة عن ابن مسعود واهل البصرة عن ابى موسى الاشعري وكانوا يسمون مصحفه لباب القلوب وقرأ كثير من اهل الشام بقراءة ابى بن كعب . انظر في الفصل الخامس من الباب الثاني في حديث انزل القرآن على سبعة احرف ( 2 ) فان قيل - كيف يتصور ذلك مع ان الطالب هو الذى يتلقى القرآن والعلم من معلمه - نقول - يمكن ذلك بان يسمع من اهله وجيرانه قراءة غير قراءة معلمه وتأكيدهم له بصحتها . ( * )
/ صفحة 39 / قلنا فنعم ما رأيت ( 1 ) وقال على ايضا لو وليت لعملت بالمصاحف التى عمل بها عثمان . وفي عنوان البيان قال الالوسى في تفسيره وهذا الذى ذكرناه من فعل عثمان هو ما ذكره غير واحد من المحققين حتي صرحوا بان عثمان لم يصنع شيئا فيما جمعه أبو بكر من زيادة أو نقص أو تغيير ترتيب سوى انه جمع الناس على القراءة بلغة واحدة وهى لغة قريش محتجا بأن القرآن نزل بلغتهم اه‍ ( 2 ) وهو ظاهر في ان ترتيب السور كترتيب الآيات كان في عهد ابى بكر رضى الله عنه خلافا لما ذكره الحاكم في مستدركه . انتهى من عنوان البيان .
* ( هامش ) * ( 1 ) الظاهر من هذه الرواية والتى قبلها ان عثمان رضى الله عنه كان في نيته جمع الناس على مصحف واحد وعلى قراءة واحدة حين رآى اختلاف الناس في قراءة القرآن غير أنه لم يعزم علي تنفيذ ما كان يضمره الا بعد ان انذره حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم من عاقبة هذا الاختلاف * بل ان عمر شعر بهذا في ايام خلافته فكتب إلى ابن مسعود يأمره ان يقرئ الناس القرآن بلغة قريش كما يأنى بعد هذا الكلام ( 2 ) واخرج أبو داود من طريق كعب الانصاري ان عمر كتاب إلى ابن مسعود ان القرآن نزل بلسان قريش فاقرئ الناس بلغة قريش لا بلغة هذيل قال ابن عبد البر يحتمل ان يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار لان الذى قرأ به ابن مسعود لا يجوز قال وإذا ابيحت قراءته على سبعة اوجه انزلت جاز الاختيار فيما أنزل اه‍ من فتح الباري على صحيح البخاري - وابن مسعود كان من هذيل وستأنى ترجمته ( * )
/ صفحة 40 / قال ابن حجر وكان ذلك ( أي جمع عثمان للمصحف ) في سنة خمس وعشرين قال وغفل بعض من أدركناه فزعم انه في حدود سنة لاثين
ص 40 :
ولم يذكر مستندا ( 1 ) قال ابن التين وغيره الفرق بين جمع ابى بكر وجمع عثمان أن جمع ابى بكر كان لخشية ان يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته لانه لم يكن مجموعا في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبا لايات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشى من تفاقم الامر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم وان كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الامر فرآى ان الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة اه‍ فلو تأملت ما كان يحصل لبعضهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الفزع وتغير الحال عند سماعه قراءة لا يعرفها كما سيأتي بيانه عند * ( هامش ) * ( 1 ) إذا تحققنا متى كانت غزوة ارمينيا واذربيجان وقدرنا المدة التى تستغرق كتابة المصحف ظهر لنا ذلك . وقد غزا العرب أرمينيا مرتين الاولى في عهد عمر بن الخطاب سنة ثمانية عشر هجرية والثانية في عهد عثمان بن عفان سنة ست وعشرين كما ذكره الاستاذ عبد الوهاب النجار في كتابة تاريخ الاسلام قال وجعل الطبري ذلك سنة احدى وثلاثين ( * )
/ صفحة 41 / حديث انزل القرآن على سبعة احرف ، لم تستغرب حدوث الاختلاف في قراءة القرآن بعد وفاته عليه الصلاة والسلام بنحو خمسة عشر عاما وان جمع عثمان القرآن بحرف واحد وحمل الناس عليه لهو عين الحكمة وعين الصواب ، وهو سر قوله تعالى " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " ولو ترك الناس على ما كانوا عليه ولم تتوحد قراءتهم للقرآن لوقع التحريف والتبديل فيه إلى يوم القيامة . . فرضى الله تعالى عن صحابة رسول الله اجمعين ( فان قيل ) لم امتثل زيد بن ثابت امر عثمان بجمع القرآن ولم يمتثل أمر أبى بكر الا بعد نظر ومراجعة ( نقول ) كان ذلك مع ابى بكر لان هذا الامر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به فخوفا من وقوعهم في محظور توقف هو وابو بكر ايضا عن موافقة عمر ثم بعد روية وتفكر ظهر لهم أن ذلك من المصلحة الدينية وأن تركهم له قد يؤدى إلى ضياع ما أنزله الله على رسوله ، فبعد أن جمع زيد المصحف لابي بكر لا مبرر له في عدم موافقته وامتثاله امر عثمان خصوصا وقد رآى اختلاف الناس في قراءة القرآن ( وان قيل ) لم اسند أبو بكر حمع المصحف لزيد وحده واسنده إليه عثمان واشرك معه رجالا من قريش ( نقول ) اختص أبو بكر زيدا / صفحة 42 / وحده لما يعهده فيه من النشاط وقوة الشباب ولانه كان يكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ادرى بأوجه القراءات كلها وعثمان انما اشرك معه نفرا من قريش لانه يريد جمع القرآن على حرف واحد وهو لغة قريش ويد من الانصار ، ولانه يريد سرعة انجاز جمعه خوفا من تفاقم امر اختلاف الناس في القراءة ولننقل هنا شيئا مناسبا مما ذكره الامام محمد بن جرير الطبري المولود سنه اربع وعشرين ومائتين في اول تفسيره بعد أن بين وجهة حمل عثمان الناس على مصحفه وهو ( فان قال ) بعض من ضعفت معرفته وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم وامرهم بقراءتها ( قيل ) ان امرهم بذلك لم يكن أمر ايجاب وفرض وانما كان أمر اباحة ورخصة الخ ( ويسأل بعضهم ) لم لم تكن الاحرف الستة الموجودة وقد انزلت من عند الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وهو أقرأها اصحابه فان نسخت فرفعت فما الدليل عليه ، وان نسيتها الامة وتركتها فذلك تضييع ما قد امروا بحفظه ( فأجاب الامام ابن جرير الطبري ) على هذه الاسئلة بقوله : لم تنسخ الاحرف الستة فترفع ولا ضيعتها الامة وهى مأمورة بحفظها ولكن الامة أمرت بحفظ القرآن
/ صفحة 43 / وخيرت في قراءته وحفظه بأى تلك الاحرف السبعة شاعت وضرب لها مثلا في الفقه وهو إذا حنث موسر في يمين فله ان يختار كفارة من ثلاث كفارات اما بعتق أو اطعام أو كسوة فكذلك الامة امرت بحفظ القرآن وقراءته وخيرت في قراءته بأى الاحرف السبعة شاءت فرأت لعلة من العلل اوجبت عليها الثبات على حرف واحد ( 1 ) قراءته بحرف واحد ورفض القراءة بالاحرف الستة الباقية ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به ثم اورد الطبري انباء ما قد حدث في ايام ابى بكر وعثمان من جمع المصحف اه‍ كلام ابن جرير رحمه الله تعالى ولا يخفى ان جوابه سديد ومعتمد ، وقد اطال البحث في هذا الموضوع فراجع تفسيره ان شئت وجاء في فتح الباري على صحيح البخاري قال أبو شامة وقد اختلف السلف في الاحرف السبعة التى نزل بها القرآن هل هي مجموعة في المصحف الذى بأيدى الناس اليوم أو ليس فيه الا حرف واحد منها مال الباقلانى إلى الاول وصرح الطبري وجماعته بالثاني وهو المعتمد اه‍ منه * ( هامش )
ص 43 :
1 (* ) فان قال قائل ما العلة التي اوجبت على الامة الثبات على حرف واحد من الاحرف السبعة قيل الخوف من ضياع القرآن باختلافهم في قراءته كما في تفسير الطبري ( * )
/ صفحة 44 / وجاء في فتح الباري ايضا ما نصه : وسبب اختلاف القراءات السبع وغيرها كما قال ابن ابى هشام ان الجهات التى وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه اهل تلك الجهة وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل قال فثبت اهل كل ناحية على على ما كانوا تلقوه سماعا عن الصحابة بشرط موافقة الخط وتركوا ما يخالف الخط امتثالا لامر عثمان الذى وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراءة الامصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة اه‍ من فتح الباري لابن حجر ( فخلاصة ما تقدم ) أن أبا بكر أول من جمع القرآن باشارة عمر رضى الله عنهما وكان جمعه بالاحرف السبعة كلها التى نزل بها القرآن وسببه الخوف من ضياعه بقتل القراء في الغزوات - ثم في خلافة عثمان كثر اختلاف الناس في قراءة القرآن فخشى رضى الله عنه عاقبة هذا الامر الخطير وقام بجعع القرآن على حرف واحد من الا حرف السبعة وهو حرف قريش وترك الا حرف الستة الباقية حرصا منه على جمع المسلمين على مصحف واحد وقراءة واحدة وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف لمصحفه الذى جمعه أن يحرقه فأطاعوه واستصوبوا رأيه - فالمصحف العثماني لم يجمع الا بحرف واحد من
/ صفحة 45 / الاحرف السبعة وان القراءات المعروفة الآن جميعها في حدود ذلك الحرف الواحد فقط واما الاحرف الستة فقد اندرست بتاتا من الامة كما صرح بهذا الامام ابن جرير الطبري في تفسيره حيث قال " فتركت الامة القراءة بالاحرف الستة التى عزم عليها امامها العادل ( يعنى عثمان ) في تركها طاعة منها له ونظرا منها لانفسها ولمن بعدها من سائر اهل ملتها حتى درست من الامة معرفتها وتعفت آثارها فلا سبيل لاحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها وتتابع المسلمون على رفض القراءة بها من غير جحود منها بصحتها وصحة شئ منها ولكن نظرا منها لانفسها ولسائر اهل دينها فلا قراءة اليوم للمسلمين الا بالحرف الواحد الذى اختاره لهم امامهم الشفيق الناصح دون ما عداه من الا حرف الستة الباقية فان قال بعض من ضعفت معرفته وكيف جاز لهم ترك قراءة اقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بقراءتها قيل ان امرهم بذلك لم يكن امر ايجاب وفرض وانما كان اباحة ورخصة . . الخ اه‍ فتنبه لهذا الموضوع المهم ولا تفوتك معرفته فانه مبحث نفيس . ولقد اتينا بكلام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى لانه من كبار الائمة ولان عصره كان قريبا من عصر الصحابة والتابعين فانه ولد سنة مائتين واربع وعشرين وطاف الاقاليم في طلب العلم وسمع
/ صفحة 46 / عن الثقات الاجلة وجمع من العلوم ما لم يشاركه احد في عصره وله تصانيف عديدة حكى انه مكث اربعين سنة فكتب في كل يوم منها اربعين ورقة توفى في شوال عام ثلاثمائة وعشره وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا اه‍ باختصار من طبقات الشافعية الكبرى ولنختم هذا الفصل بابيات في موضوع جمع القرآن من نظم الامام الشاطبي رحمه الله تعالى في عقيلة اتراب القصائد وهى : ان اليمامة أغواها مسيلمة الك‍ * - ذاب في زمن الصديق إذ خسرا وبعد بأس شديد حان مصرعه * وكان بأسا على القراء مستعرا نادى أبا بكر الفاروق خفت على الق‍ * - راء فادارك القرآن مستطرا فأجمعوا جمعه في الصحف واعتمدوا * زيد بن ثابت العدل الرضى نظرا فقام فيه بعون الله يجمعه * بالنصح والجد والحزم الذي بهرا من كل أوجهه حتى استتم له * بالاحرف السبعة العليا كما اشتهرا فأمسك الصحف الصديق ثم إلى الف‍ * - اروق أسلمها لما قضى العمرا وعند حفصة كانت بعد فاختلف الق‍ * - راء فاعتزلوا في أحرف زمرا وكان في بعض مغزاهم مشاهدهم * حذيفة فرآى في خلفهم عبرا فجاء عثمان مذعورا فقال له * أخاف أن يخلطوا فادارك البشرا فاستحضر الصحف الاولى التي جمعت * وخص زيدا ومن قريشهم نفرا على لسان قريش فاكتبوه كما * على الرسول به انزاله انتشرا فجردوه كما يهوى كتابته * ما فيه شكل ولا نقط فيحتجرا / صفحة 47 / الفصل الثاني ( في احتياط الصحابة في كتابة القرآن ) جمع القرآن العظيم لاول مرة في التاريخ وهو مفرق في الالواح والعظام وصدور الرجال ليس بالامر الهين ، بل هو عمل خطير يحتاج إلى عناية كبرى ونثبت تام * لذلك ما كانت اللجنة القائمة بجمعه يعتمدون على ما في صدورهم منه وفيهم من يحفظه كله كما انهم ما كانوا يكتفون بمجرد نظر إلى ما هو مكتوب في الرقاع ونحوها بل يأخذونه عمن تلقاه سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك أدعى للاطمئنان والاحتياط وأبعد للشك والارتياب . فقد اخرج ابن أبى داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال قدم عمر فقال من تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن ليأت
ص 47 :
به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والالواح والعسب وكان زيد لا يقبل من احد شيئا حتى يشهد شهيدان . واخرج ابن أبى داود ايضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه . فهاتان الروايتان تدلان صريحا انهم ما كانوا يكتفون بمجرد وجدان شئ من كتاب الله مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا
/ صفحة 48 / زيادة في الاحتياط ، وهذه الطريقة محكمة جدا وحيث يطمئن إليها كل مسلم ولا تدع مجالا لطعن المنافقين . قال ابن حجر - وكأن المراد بالشاهدين شاهد الحفظ والكتابة قال السخاوي المراد انهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) والمراد انهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التى نزل بها القرآن . يقول بعض المعاصرين لنا - أن رواية الجلوس على باب المسجد واستعراض مالدى الناس من قرآن هي إلى الوهم اقرب منه إلى الحقيقة - فنقول - ان جمع القرآن بالاحرف السبعة واستقصاؤها لا يكون الا باستعراض ما لدى الناس من قرآن لما عسى ان توجد عند بعضهم آية أو قراءة من الاحرف السبعة تلقاها من النبي صلى الله عليه وسلم لا توجد عند آخر - ثم ان المسجد في ذلك العهد هو خير مكان يليق باستقبال الناس لمثل هذا الامر الجليل ، فالحضارة المدنية المستلزمة لانتظام دواوين الحكومات لم تكن تعرف عند العرب وقنئذ بل كانوا في حالة من البداوة وبساطة العيش حتى ان نفس المسجد النبوى كان سقفه * ( هامش ) * ( 1 ) يؤيد هذا المعنى رواية ابن عساكر الآتية قريبا وهى ان عثمان خطب في الناس . . الخ ( * )
/ صفحة 49 / من الجريد وجدرانه من اللبن ، فإذا علم ما ذكر زال الاستغراب من هذه الرواية التى هي عين الحقيقة . واخرج ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية الا بشاهدي عدل وان آخر سورة براءة لم توجد الا مع خزيمة بن ثابت ( 1 ) فقال اكتبوها فان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين ( 2 ) فكتب وان عمر اتى بآية الرجم * ( هامش ) * ( 1 ) ترجمة خزيمة بن ثابت ستأتي في الفصل الثالث في ضبط وتصحيح المصحف الكريم - لكن ورد في بعض الروايات " مع أبى خزيمة الانصاري " فتأمل وقد تقدم الكلام عليه في جمع ابى بكر للقرآن ( 2 ) سبب جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين هو ان النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسا من سواد بن الحارث فاستتبعه ليقضيه ثمن الفرس فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم المشى وابطأ البائع المذكور فجعل رجال يعترضونه يساومونه في الفرس حتى زادوه على ثمنه وهم لا يعلمون ان النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منه فانكر الاعرابي بيعه للنبي صلى الله عليه وسلم فشهد له خزيمة بن ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بم تشهد ولم تكن حاضرا قال بتصديقك وانك لا تقول الا حقا فقال عليه الصلاة والسلام من شهد له خزيمة أو عليه فحسبه وفي رواية فجعل شهادته بشهادة رجلين - هذه خلاصة القصة وهى مشهورة في كتب الاحاديث والسير قال الامام السندي في حاشيته على سنن النسائي والمشهور انه صلى الله عليه وسلم رد الفرس بعد ذلك على الاعرابي فمات من ليلته عنده ، رواه النسائي في اواخر كتاب البيوع ( * )
/ صفحة 50 / فلم يكتبها لانه كان وحده ( 1 ) وروى ابن عساكران عثمان خطب في الناس يومئذ وعزم على كل رجل عنده شئ من كتاب الله لما جاء به فكان الرجل يجئ بالورقة والاديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة ثم دعاهم رجلا رجلا فناشدهم اسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو املاه عليك فيقول نعم فلما فرغ من ذلك عثمان قال من اكتب الناس ( 2 ) قالوا كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم * ( هامش ) * ( 1 ) آية الرجم هي " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " وقد كانت مكتوبة فنسخت تلاوتها وبقى حكمها معمولا بها - عن ابن عباس حدثنى عبد الرحمن بن عوف ان عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول ألا وان ناسا يقولون ما الرجم في كتاب الله وانما فيه الجلد وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ولو لا ان يقول قائل أو يتكلم متكلم ان عمر زاد في كتاب الله ما ليس مثه لاثبتها كما نزلت - رواه الامام احمد والنسائي - وقد ذكر الشوكاني في كتابه نيل الاوطار في اوائل كتاب الحدود شيئا كثيرا عن آية الرجم وحكمه فراجعه ( 2 ) أي في معرفة فواعد الكتابة وحسن الخط - وترجمة زيد تفدمت وكان يكتب السريانية ايضا فقد قال أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اتعلم السريانية قال انى لا آمن يهود على كتابي فما مر بى نصف شهر حتى تعلمت وحذقت فيه فكنت أكتب له صلى الله عليه وسلم واقرأ له كتبهم ، وفي رواية تعلمتها في سبعة عشر يوما - وذكروا انه تعلم العبرانية ايضا في خمسة عشر يوما ولا يخفى ان
ص 50 :
الانسان يحتاج لبضعة اعوام لتعلم اي لغة قراءة وكتابة وكون زيد يتعلم السريانية في نصف شهر لا شك ان ذلك من معجزاته صلى الله عليه وسلم فانه لما احتاج إلى من يكتب له السريانية وامر زيدا بتعلمها طوى الله له مرحلة التعليم التى تحتاج لبضع سنين إلى نصف شهر ( * ) / صفحة 51 / زيد بن ثابت قال فأى الناس أعرب ( 1 ) قالوا سعيد بن العاص قال فليمل سعيد وليكتب زيد اه‍ - وفي الرواية السابقة ان عثمان احضر معهما عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وقد تقدمت ترجمتهم فرواية ابن عساكر هذه تقتضي ان عثمان استأنف في جمعه أخذ القرآن من الناس وبعد أن استوثق بصحة ما اتوه به من الآيات القرآنية أمر زيدا ومن معه بكتابته ونسخه ، ورواية البخاري المتقدمة في الفصل الاول تدل على ان عثمان انما نسخ مصحفه عن صحف أبى بكر التى اخذها من حفصة وقد علمت ان جمعه وجمع أبى بكر متفقان غير أن جمع عثمان كان بحرف واحد وهو لغة قريش وجمع أبى بكر كان بجميع الاحرف السبعة فعلى رواية ابن عساكر يمكن ان نقول ان عثمان فعل ذلك للوقوف على ما عند الناس من القراءات ، أو لانه عزم في نفسه على احراق ما كتبه الناس من القرآن إذا تم نسخ مصحفه - لا انه فعل لشكه في صحة جمع ابى بكر وهو الذى اعتمد في نسخ مصحفه على صحف أبى بكر * ( هامش ) * ( 1 ) أي افصح وقد تقدم في ترجمة سعيد بن العاص انه ممن جمع السخاء والفصاحة ( * ) / صفحة 52 / ففى هذه الروايات كلها دلالة واضحة على شدة احتياطهم في جمع القرآن الكريم وتثبتهم في كتابته لذلك اجمعت الصحابة كلهم على هذا العمل المبرور وتلقوه بالقبول التام ( 1 ) وكان عددهم حينئذ اثنى عشر ألفا تقريبا ( 2 ) رضى الله عنهم اجمعين الفصل الثالث ( في ضبط وتصحيح المصحف الكريم ) قد يتوهم بعض قاصري العقول ان القرآن ربما سقط منه شئ حين نسخهم وجمعهم له أو حصل فيه تغيير أو تحريف كما زعم ذلك * ( هامش ) * ( 1 ) ذكروا أن ابن مسعود رضى الله عنه لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على اعدام مصحفه من غير ان ينكر على عثمان عمله وقال أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة . . الخ وابن مسعود هذا هو احد الاربعة المذكورين في حديث خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبى بن كعب كما في صحيح البخاري . وترجمة ابن مسعود ستأتي في الفصل الخامس في نزول القرآن على سبعة احرف ( 2 ) الظاهر انهم كانوا يحصون المسلمين فقد اخرج البخاري في كتاب الوصايا في باب كتابة الامام الناس عن حذيفة رضى الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم اكتبوا لى من تلفظ بالاسلام من الناس فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل . . الخ ( * )
/ صفحة 53 / بعض المستشرقين من الافرنج وكما زعمت الشيعه ان الصحابة حرفوا القرآن وأسقطوا كثيرا من اياته وسوره وكتموا ما نزل في امامة على رضى الله عنه واستخلافه ( 1 ) فنقول . ان الله تعالى قد تكفل بحفظ القرآن الكريم وضمن صيانته من عبث العابثين بصريح قوله " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " وقوله " وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " واى دليل اعظم على ذلك من مرور أربعة عشر قرنا والقرآن هو هو ما مسته ايدى الخلائق بالتحريف ولا بالتزوير وهكذا يكون محفوطا إلى ان يرفعه الله من الصدور والمصاحف فلا تبقى في الارض منه آية ويكون هذا في اخر الزمان قبل يوم القيمة كما جاء في كثير من الاخبار ( 2 ) فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم ما كانوا ليتهاونوا في امر المصحف وهم الذين ايد الله بهم الاسلام ، فقد ورد عن زيد بن ثابت انه قال كنت * ( هامش ) * ( 1 ) راجع تفسير الالوسى في مقدمة الجزء الاول فانه روى كثيرا من اقوال الشيعة قاتلهم الله تعالى ، وراجع ايضا تفسير القرطبى فانه ذكر شيئا مما طعن بعضهم في القرآن بالزيادة والنقصان والرد على قائل ذلك ( 2 ) قال القرطبى ان رفع القرآن على هذه الكيفية الواردة في الاحاديث انما يكون بعد موت عيسى عليه السلام وهدم الحبشة للكعبة اه‍ ( * ) / صفحة 54 / اكتب الوحى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يملى على فإذا فرغت قال اقرأه فأقرؤه فان كان فيه سقط أقامه . وفي بعض الروايات عن زيد بن ثابت ايضا المتخصص في كتابة القرآن أنه قال - فلما فرغت ( أي من نسخ مصحف عثمان ) عرضته عرضة فلم اجد فيه هذه الاية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ( 1 ) قال فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم اجدها عند احد منهم ثم استعرضت الا نصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم حتى وجدتها عند خزيمة ( يعنى ابن ثابت ) ( 2 ) فكتبتها ثم عرضته عرضة اخرى فلم اجد فيه هاتين الآيتين لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه * ( هامش )
ص 54 :
1 (* ) في سورة الاحزاب ( 2 ) وترجمة خزيمة كما نلخصها من الاصابة هي . خزيمة بن ثابت بن الفاكة الانصاري الاوسي من السابقين الاولين شهد بدرا وما بعدها وقيل أول مشاهده أحد وكان بكسر أصنام بني خطمة ( بفتح المعجمة وسكون المهملة ) وكانت راية خطمة بيده يوم الفتح وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم من شهد له خزيمة أو عليه فحسبه وجعل شهادته بشهادة رجلين ( وقد تقدم سبب ذلك ) قتل خزيمة يوم صفين فانه قال انا لا اقتل ابدا حتى يقتل عمار فلما قتل عمار جرد سيفه فقاتل حتى قتل اه‍ وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين ( * ) / صفحة 55 / ما عنتم حريص عليكم . إلى اخر السورة فاستعرضت المهاجرين فلم اجدها عند أحد منهم ثم استعرضت الانصار أسألهم عنها فلم اجدها عند احد منهم حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة ايضا ( 1 ) فأثبتها في آخر براءة ولو تمت ثلاث ايات لجعلتها سورة على حدة ثم عرضته عرضة اخرى فلم أجد فيه شيئا ثم ارسل عثمان إلى حفصة يسألها ان تعطيه الصحيفة وحلف لها ليردنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فلم يختلف في شئ ( 2 ) فردها إليها وطابت نفسه وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف ( 3 ) فأنت ترى في كلام زيد بن ثابت أنه بعد فراغه من كتابة * ( هامش ) * ( 1 ) جاء في بعض الروايات ان آخر سوره التوبة لقد جاءكم رسول من انفسكم الخ وجد مع خزيمة الانصاري وجاء في بعضها انه وجد مع ابى خزيمة الانصاري وقد تقدم الكلام على هذا في جمع ابى بكر للقرآن في الفصل الاول ( 2 ) أي لم يختلف مصحفه مع مصحف ابى بكر في الحرف الذى أخذه منه وهو حرف قريش هذا هو المقصود من كلامه لا أن مصحفه مطابق لمصحف ابى بكر كلمة كلمة فان مصحف ابى بكر مكتوب بجميع الاحرف السبعه كما سبق بيانه ومصحف عثمان كتب على حرف واحد منها ( 3 ) هذه الرواية تدل على أن عثمان طلب صحف ابي بكر من حفصة بعد ان تم نسخ مصحفه ليستعرضه عليها ، والرواية التى سبقت عند جمع عثمان المصحف تدل على انه طلب الصحف منها عند الشروع في جمع مصحفه لينسخه منها فنأمل ( * ) / صفحة 56 / المصحف راجعه ثلاث مرات ثم راجعه امير المؤمنين عثمان بنفسه فلما اطمأن قلبه حمل الناس على ان يكتبوا المصاحف على ؟ فط هذا المصحف الامام ، فهل بعد هذه المراجعات الاربعة واجماع الصحابة كلهم على قبوله يتطرق الشك إلى قلب احد من المسلمين في كلام رب العالمين القائل " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " ولو جوزنا في نسخ القرآن وكتابته وجمعه السهو والنسيان عليهم أو عدم معرفتهم لاصول الكتابة وقواعد الاملاء لادى ذلك فيه إلى التغيير والتبديل والنقص والزيادة وهذا محال فالقرآن سليم من اللحن والغلط ليس فيه حرف زايد ولا حرف ناقص ولا تبديل في كلمة ولا تحريف في اخرى - وكيف لا يكون كذلك والذين جمعوه هم كبار الصحابة وأشراف العرب الذين عنهم اخذت الفصاحة وفيهم ظهر البيان وقد تلقوه غضا طريا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما ما ورد أن عثمان رضى الله عنه قال ( ان في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها ) فغير صحيح ولا يعقل ان عثمان يقول ذلك لا قبل جمعه القرآن ولا بعده - نعم انه قال قبل جمعه لما بلغه اختلاف الناس في القرآن حتى اقتتل الغلمان والمعلمون ( عندي تكذبون به وتلحنون فيه فمن نآى عنى من الامصار كان اشد تكذيبا واكثر لحنا يا اصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس اماما ) ولا يخفى الفرق بين القولين / صفحة 57 / وقد رد القول الاول العلامة الالوسى في اول تفسيره روح المعاني بقوله . فالحق ان ذلك لا يصح عن عثمان والخبر ضعيف مضطرب منقطع إذ كيف يظن بالصحابة اولا اللحن في الكلام فضلا عن القرآن وهم هم ثم كيف يظن بهم ثانيا اجتماعهم على الخطأ وكتابته ثم كيف يظن بهم ثالثا عدم التنبه والرجوع ثم كيف يظن بعثمان عدم تغييره وكيف يتركه لتقيمه العرب وإذا كان الذين تولوا جمعه لم يقيموه وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم فلعمري ان هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة اه‍ منه ومن المشاهد انه لو أمر احد الملوك أو الامراء بنسخ مصحف أو كتاب لا يقدمه الكاتب إليه الا بعد العناية بتصحيحه والتثبت من عدم وجود أي غلط فيه فكيف بهؤلاء الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله لا يتحرون في كتابة وضبط المصحف الكريم الذى هو اساس الدين الاسلامي الحنيف هذا ولقد وصلت عدة مصاحف من جمع عثمان إلى البلدان الاسلامية فلو وجدوا فيها خطأ أو غلطا لما سكت احد من المسلمين عليه ولكنهم أجمعوا على صحتها وقبولها وقد قال عليه الصلاة والسلام " ان امتى لن تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الاعظم " رواه ابن ماجة عن انس بن مالك وهو حديث صحيح / صفحة 58 / وقال ايضا في حديث العرباض بن سارية " فانه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ " رواه أبو داود والترمذي ولهذا كان اجماعهم حجة . على انك لن
.................................................. ..........
- تاريخ القرآن الكريم- محمد طاهر الكردي ص 58 :
تجد من المسلمين عناية بشئ كعنايتهم بكتاب الله تعالى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - سواء في نسخه أو تصحيحه أو حفظه أو حرمته وهذا لا يحتاج إلى دليل . وانظركم من المصاحف التى لا تعد ولا تحصى قد كتبت منذ بدء الاسلام إلى يومنا هذا " أي اربعة عشر قرنا " فهل رأيت فيه تبديلا أو تغييرا مع كثرة اعداء الدين من مختلف الاجناس والعقول ( ولنختم هذا الفصل ) بما رواه البيهقى عن يحى بن اكثم قال دخل يهودى على المأمون فأحسن الكلام فدعاه إلى الاسلام فابى ثم بعد سنة جاء مسلما فتكلم في الفقه فأحسن الكلام فسأله المأمون ما سبب اسلامه قال انصرفت من عندك فامتحنت هذه الاديان فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة ( 1 ) فاشتريت منى وعمدت إلى الانجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني وعمدت إلى القرآن فكتبت * ( هامش ) * ( 1 ) قال في المنجد البيعة بكسر الباء المعبد للنصارى واليهود ( * ) / صفحة 59 / ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها إلى الوراقين ( 1 ) فتصفحوها فوجدوا فيها الزيادة والنقصان فرموا بها فلم يشتروها فعلمت ان هذا الكتاب محفوظ فكان هذا سبب اسلامي - ذكره الزرقاني على المواهب في الجزء الخامس ( حفظة القرآن ) ( في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ) حفظ كثير من الصحابة القرآن كله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فممن حفظه من المهاجرين أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلى ، وطلحة ، وسعد وابن مسعود ، وحذيفة ( 2 ) وسالم مولى ابى حذيفة ( 3 ) وابو هريرة وابن عمر ، وابن عباس ، وعمرو بن العاص ، وابنه عبد الله ، ومعاوية * ( هامش ) * ( 1 ) هم الذين يبيعون الكتب والورق ( 2 ) تقدمت ترجمته عند جمع عثمان القرآن في صحيفة 33 ( 3 ) هو سالم مولى ابى حذيفة بن عتبة احد السابقين الاولين ، روى ان عائشة احتبست على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما حبسك قالت سمعت قارئا يقرأ فذكرت من حسن قراءته فأخذ رداءه وخرج فإذا هو سالم مولي ابى حذيفة فقال الحمد لله الذى جعل في امتى مثلك ، وروى البخاري من حديث ابن عمر كان سالم مولى ابى حذيفة يؤم المهاجرين الاولين في مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر اه‍ ملخصا من الاصابة ( * ) / صفحة 60 / وابن الزبير ، و عبد الله بن السائب ، وعائشة ، وحفصة ، وام سلمة ( 1 ) وأم ورقة ( 2 ) وممن حفظه من الانصار * زيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبى ابن كعب ، وابو الدرداء ، ومجمع بن حارثه ، وانس بن مالك ، وابو زيد الانصاري أحد عمومة أنس بن مالك ( 3 ) رضى الله تعالى عنهم اجمعين ( ومما يناسب المقام ) ما يروى . أن خزرجا كانت تفاخر أوسا بأربعة ممن حفظوا القرآن كله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن أوسا كانت تفاخر خزرجا * ( هامش ) * ( 1 ) عائشة وحفصة وام سلمة هن امهات المؤمنين ازواج النبي صلى الله عليه وسلم وام سلمة اسمها هند على الاصح وهى آخر أمهات المؤمنين موتا ودفنت بالبقيع بالمدينة رضي الله عن امهات المؤمنين اجمعين ( 2 ) ام ورقة هي بنت عبد الله بن الحارث كانت قد جمعت القرآن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة وقد كان أمرها أن تؤم اهل دارها وكان لها مؤذن فغمها غلام لها وجارية كانت قد دبرتهما فقتلاها في امارة عمر فقال عمر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول انطلقوا بنا نزور الشهيدة اه‍ ملخصا من الاصابة ( 3 ) قال في الاصابة في تمييز الصحابة . أبو زيد الذى جمع القرآن وقع في حديث أنس في صحيح البخاري غير مسمى وقال أنس هو احد عمومتي واختلفوا في اسمه فقيل أوس وقيل ثابت بن زيد وقيل معاذ وقيل سعد بن عبيد وقيل قيس بن السكن وهذا هو الراجح كما بينته في حرف القاف اه‍ منه ( * ) / صفحة 61 / بأربعة ممن لهم مناقب اخرى وإلى مفاخرتهما اشار صاحب نظم عمود النسب رحمه الله تعالى بقوله . فاخرت الخزرج أوسا بنفر * مع النبي حفظوا كل السور زيد بن ثابت معاذ بن جبل * ثم أبى وابو زيد البطل والاوس خزرجا بذى الشهادة * كانت شهادتين في الافاده والمراد بذى الشهادتين خزيمة بن ثابت وبما ان المقصود ذكر حفاظ القرآن لم نأت ببقية المفاخرة * وإذا تأملت حالة العرب اول ظهور الاسلام وعدم انتشار الكتابة بينهم علمت ان عدد الذين ذكرناهم ممن يحفظ القرآن كله ليس بقليل - ولا شك ان جميع الصحابة رضى الله عنهم يحفظون منه بعض السور والآيات كل منهم بحسب فراغه واستعداده وذلك لصلواتهم وعباداتهم . الفصل الرابع ( في ترتيب آيات القرآن وسوره ) جاء في كتاب الاتقان للسيوطي ان الاجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك ( اما الاجماع ) فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وابو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره / صفحة 62 / من غير لاف
.................................................. ..........
- تاريخ القرآن الكريم- محمد طاهر الكردي ص 62 :
في هذا بين المسلمين ( ومنها النصوص ) فمنها حديث زيد السابق كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع ، ومنها ما اخرجه احمد بأسناد حسن عن عثمان بن أبى العاص قال كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ( 1 ) ببصره ثم صوبه ثم قال أتانى جبريل فأمرني أن أضع هذه الاية هذا الموضع من هذه السورة ( ان الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى إلى اخرها ) ومنها ما اخرجه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الانفال وهى من المثانى وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ( 2 ) فقال عثمان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم * ( هامش ) * ( 1 ) قال في المصباح شخص بصره من باب خضع إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف اه‍ منه ( 2 ) قال في الاتقان . السبع الطوال بكسر الطاء وضمها أولها البقرة وآخرها براءة " هذا بجعل الانفال وبراءة سورة واحدة " وقيل السابعة يونس وقيل الكهف ، والمئون ما وليها سميت بذلك لان كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها ، والمثاني ما ولى المئين لانها ثنتها أي كانت بعدها فهى لها ثوان والمئون لها أوائل ، وقال الفراء هي السورة التي آيها اقل من مائة آية وقد تطلق على الفاتحة وعلى القرآن كله ايضا والمفصل ما ولى المثانى من قصار السور سمى بذلك لكثرة الفصول التى بين السور بالبسملة ويسمى المفصل بالمحكم ايضا وآخره سورة الناس بلا نزاع - واختلف في أوله على اثنى عشر قولا أحدها ق ) * / صفحة 63 / تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التى يذكر فيها كذا وكذا وكانت الانفال من اوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من اخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت انها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا انها منها فمن اجل ذلك قرنت بينهما ولم اكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال واخرج القشيرى الصحيح ان التسمية لم تكن فيها ( أي في براءة ) لان جبريل عليه السلام لم ينزل فيها * ( هامش ) * والثانى الحجرات وصححه النووي . . الخ انظر الاتقان - وللمفصل طوال وأوساط وقصار ( قيل ) طواله إلى عم واوساطه منها إلى والضحى ومنها إلى آخر القرآن قصاره . وقد ذكر صاحب الاتقان جملة اقوال فراجعه وجاء في كتاب الفقه على المذاهب الاربعة في الجزء الاول من قسم العبادات ما ملخصه : الشافعية قالوا ان طوال المفصل من الحجرات إلى سورة عم يتساءلون واواسطه من سورة عم إلى سورة والضحى وقصاره منها إلى آخر القرآن * والحنفية قالوا ان طوال المفصل من الحجرات إلى سورة البروج واواسطه من سورة البروج إلى سورة لم يكن وقصاره من سورة لم يكن إلى سورة الناس * والمالكية قالوا ان طوال المفصل من سورة الحجرات إلى آخر والنازعات واواسطه من بعد ذلك إلى والضحى وقصاره منها إلى آخر القرآن * والحنابلة قالوا ان طوال المفصل من سورة ق إلى عم واواسطه إلى سورة والضحى وقصاره إلى آخر القرآن انتهى من كتاب الفقه المذكور ( * ) / صفحة 64 / وقال البغوي في شرح السنة : الصحابة رضى الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذى انزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن قدموا شيئا أو أخروا أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن اصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذى هو عليه الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل اياه على ذلك واعلامه عند نزول كل آية ان هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا فثبت ان سعى الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فان القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذى انزله الله جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة - اه‍ من الاتقان ( واما ترتيب السور ) ففى كونه اجتهاديا أو توقيفيا خلاف والجمهور على الاول قال أبو بكر الانباري انزل الله تعالى القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين فكانت السورة تنزل لامر يحدث والآية جوابا لمستخبر فيوقف جبريل النبي صلى الله عليه وسلم على موضع الآية والسورة فمن قدم أو أخر فقد افسد نظم القرآن * / صفحة 65 / وقال ايضا اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن قدم سورة أو اخرها فقد افسد نظم القرآن . وفي ايقاظ الاعلام قال أبو جعفر النحاس والمختار كون ترتيب السور توقيفا كالآيات وقال الزركشي والخلاف بين الفريقين في ترتيب السور لفظي لان القائل بعدم
.................................................. ..........
- تاريخ القرآن الكريم- محمد طاهر الكردي ص 65 :
صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم يقول انه رمز لهم بذلك والثانى يقول انه صرح لهم به ولذلك قال مالك انما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم اه‍ وذكر الامام النووي في شرحه على صحيح مسلم في باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه في الليل عند حديث حذيفة قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلى بها في ركعة فمضى فقلت يركع ذبها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح ال عمران فقرأها يقرأ مترسلا . . . الخ الحديث - مانصه - قال القاضى عياض فيه دليل لمن يقول ان ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف وانه لم يكن ذلك من ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم بل وكله إلى امته بعده قال وهذا قول مالك وجمهور العلماء واختاره القاضى أبو بكر الباقلانى قال ابن الباقلانى هو اصح القولين مع احتمالهما قال والذى نقوله ان ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة ولا في الصلاة ولا في / صفحة 66 / الدرس ولا في التلقين والتعليم وانه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نص ولا حد تحرم مخالفته ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان قال واستجاز النبي صلى الله عليه وسلم والامة بعده في جميع الاعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين - قال واما على قول من يقول من اهل العلم ان ذلك بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم حدده لهم كما استقر في مصحف عثمان انما اختلف المصاحف قبل ان يبلغهم التوقيف والعرض الاخير فيتأول قراءته صلى الله عليه وسلم النساء أولا ثم آل عمران هنا على انه كان قبل التوقيف والترتيب وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبى قال ولا خلاف انه يجوز للمصلى ان يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التى قرأها في الاولى وانما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو في غير صلاة قال وقد اباحه بعضهم وتأول نهى السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من اخر السورة إلى اولها قال ولا خلاف ان ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف وهكذا نقلته الامة عن نبيها صلى الله عليه وسلم هذا آخر كلام القاضي عياض والله تعالي اعلم انتهى ما ذكره النووي . قال السيوطي في الاتقان والذى ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقى وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي الا براءة والانفال ولا ينبغى ان يستدل بقراءته صلى الله عليه وسلم / صفحة 67 / سورا ولاء على ان ترتيبها كذلك وحينئذ فلا يرد حديث قراءته النساء قبل آل عمران لان ترتيب السور في القراءة ليس بواجب ولعله فعل ذلك لبيان الجواز اه‍ وقال الكرماني : ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ وعليه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرض عليه في السنة التى توفى فيها مرتين ، وقال ابن الحصار ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها انما كان بالوحى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما اجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف اه‍ وقال البيهقى في المدخل كان القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب الا الانفال وبراءة لحديث عثمان السابق اه‍ وقد ذكر السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الاتقان روايات عديدة فراجعه ان شئت وإلى ما سبق أشار الشيخ محمد العاقب الشنقيطى رحمه الله في نظمه كشف العمى بقوله : قد أنزل القرآن دون ثنيا ( 1 )* ليلته إلى سماء الدنيا ثم على قلب النبي هجما * به الامين أنجما منجما * ( هامش ) * ( 1 ) الثنيا بضم الثاء مع الياء والثنوى بالفتح مع الواو اسم من الاستثناء قاله في المصباح أي انزل القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة دون استثناء شئ منه ( * ) / صفحة 68 / وليس ترتيب النزول كالادا * وفي الاد الترتيب بالوحى اقتدى ( 1 ) فهو كما هو عليه مستطر * في لوحه المحفوظ نعم المستطر وذاك في السور في القول الاحق * والحق في الآى عليه متفق ويحرم التنكيس فيه والخبر * جاء بتنكيس قراءة السور ( 2 )( واما اسماء السور ) فبتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك من الآحاديث والآثار فمن ذلك ما اخرجه احمد باسناد حسن عن عثمان بن ابى العاص قال كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال أتانى جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى * ( هامش ) * ( 1 ) أي ليس ترتيب النزول كترتيب التلاوة فان اول ما نزل اقرأ باسم ربك الذى خلق واول القرآن الفاتحة ( 2 ) أي يحرم التنكيس في الآيات مطلقا خطا وقراءة ، واما في السور فيحرم تنكيسها في الخط عن حالتها في المصحف ، اما في قراءتها فقد ورد في الحديث ان ي
.................................................. ..........
- تاريخ القرآن الكريم- محمد طاهر الكردي ص 68 :
صلى الله عليه وسلم فعله اه‍ من كتاب ايقاظ الاعلام لوجوب اتباع رسم المصحف الامام للشيخ محمد حبيب الله الشنقيطى رحمه الله قال في فتح الباري واما ما جاء عن السلف من النهى عن قراءة القرآن منكوسا فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها اه‍ ( * ) / صفحة 69 / إلى آخرها ( ومنه ) ما أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة ان البيت الذى تقرأ فيه البقرة لا يدخله شيطان ( ومنه ) ما اخرجه مسلم ايضا عن ابى الدرداء مرفوعا من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال وفي لفظ من قرا العشر الاواخر من سورة الكهف * ومن تتبع ما ورد في خصائص بعض السور ظهر له ذلك واضحا جليا فلا داعى لاطالة البحث . فعلم من جميع ما تقدم ان ترتيب آيات القرآن توقيفي باتفاق العلماء ، وكذلك تسمية السور باسماء خاصة ، وان ترتيب سوره مختلف فيه فقال بعضهم انه توقيفي وقال بعضهم انه من اجتهاد الصحابة رضى الله تعالى عنهم . ولقد أنعمنا النظر في ترتيب السور فلم يظهر لنا ترجيح أحد القولين على الآخر فلكل منهما وجهة ولا يسعنا الا أن نفوضه إلى علام الغيوب ، ولا بأس أن نذكر هنا ما يؤيد كلا القولين فنقول ( الدليل على انه توقيفي ) أن الصحابة رضى الله تعالى عنهم هم أشد الناس اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبعدهم عن الابتداع والعمل بالظن والهوى ، ومما لا شك فيه انه حين جمعهم للقرآن الكريم تحروا فيه كل شئ فما قدموا سورة على اخرى الا باستناد إلى أمره صلى الله عليه وسلم أو فعله / صفحة 70 / أو تقريره ، ولا يخفى أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض القرآن على جبريل مرتين ( 1 ) في السنة التى توفى فيها ، ولا ريب أن القرآن حينئذ كان قد انزل كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضه على جبريل هذه المرة كان من أوله الي آخره ، وبالضرورة يكون ترتيبه على ما هو في اللوح المحفوظ الموافق على ما هو عليه الآن بهذه الصفة إذ لا يعرضه صلى الله عليه وسلم العرض الاخير على جبريل الا مرتب الايات والسور ، وان زيد بن ثابت كان حاضرا هذه العرضة الاخيرة وهو كاتب الوحى فعلى هذه العرضة كتب مصحف ابى بكر ومصحف عثمان . ثم لا يعقل أن يضعوا سور القرآن كيفما اتفق لهم ، فلو كان ترتيبها باجتهادهم لرتبوها اما بحسب تاريخ نزولها أو مواقعها ، واما بحسب طولها وقصرها ، واما بحسب ترتيب مصحف احد كبار الصحابة * ( هامش ) * ( 1 ) قال في فتح الباري شرح صحيح البخاري واختلف في العرضة الاخيرة هل كانت بجميع الاحرف المأذون في قراءتها أو بحرف واحد منها وعلى الثاني فهل هو الحرف الذى جمع عليه عثمان جميع الناس أو غيره وقد روى احمد وابن ابى داود والطبري من طريق عبيدة بن عمر السلمانى ان الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الاخيرة اه‍ من الفتح وتؤخذ من هذه العرضة جملة امور - منها - اكمال نزول القرآن - ومنها ترتيب الآيات والسور - ومنها الاشارة إلى قرب أجله صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري انه اسر إلى ابنته فاطمة أن جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة وانه عارضنى العام مرتين ولا أراه الا حضر اجلى . ( * ) / صفحة 71 / كعلى بن ابى طالب وابن عباس وابن مسعود وأبى بن كعب - وكل ذلك لم يكن فما هناك سوى التوقيف ( والدليل على انه اجتهادى ) ما جاء في صحيح مسلم عن حذيفة قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلى بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا . . الخ الحديث ، فكونه صلى الله عليه وسلم قرأ النساء اولا ثم آل عمران فيه دليل على ان ترتيب سور المصحف من اجتهاد الصحابة كما تقدم ذلك من قول القاضى عياض وان ترتيبها في الصلاة ليس بواجب وايضا ما جاء في صحيح البخاري عن يوسف بن ماهك قال انى عند عائشة ام المؤمنين رضى الله عنها إذ جاءها عراقى فقال أي الكفن خير قالت ريحك وما يضرك قال يا ام المؤمنين ارينى مصحفك قالت لم قال لعلى أولف القرآن عليه فانه يقرأ غير مؤلف قالت وما يضرك أيه قرأت قبل انما نزل اول ما نزل منه سورة من المفصل . . الخ الحديث ، ففى قول عائشة للعراقي وما يضرك أيه قرأت قبل دليل على أن ترتيب السور في التلاوة ليس بواجب ، وهو كذلك في جميع المذاهب فانه يجوز ترك ترتيبها في الصلاة والتلاوة والدرس ، لان كل سورة / صفحة 72 / مستقلة بذاتها مستوفية لآياتها - ويفهم من هذا الحديث أن الناس كانوا يقرؤن القرآن ويكتبونه من غير ترتيب لسوره حتى جمع عثمان مصحفه وحمل الناس عليه . فلو كان ترتيب المصحف توقيفيا لم يختلف ترتيب السور في مصاحف كبار الصحابة كعلى بن ابى طالب وأبى بن كعب ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وعائشة ام المؤمنين وزيد ابن ثابت فكل واحد من هؤلاء كتب مصحفه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمصحف على ن
.................................................. ..........
- تاريخ القرآن الكريم- محمد طاهر الكردي ص 72 :
أوله اقرأ ثم المدثر ثم ن وهكذا إلى آخر المكى والمدنى ومصحف ابن مسعود كان أوله البقرة ثم النساء ثم آل عمران على اختلاف شديد ، وقد ذكر ابن النديم في كتابه الفهرست ( 1 ) ترتيب سور مصاحف بعض الصحابة كما ذكره ايضا السيوطي في كتابه الاتقان فراجعهما ان شئت . فلو كان هناك أمر صريح أو اشارة خفية من النبي صلى الله عليه وسلم في ترتيب سور المصحف لما عزب ذلك على هؤلاء وهم من اجلاء الصحابة واكثرهم اتصالا به عليه الصلاة والسلام * ( هامش ) * ( 1 ) الف ابن النديم كتابه الفهرست عام 377 هجرية وهو يعد من اقدم الكتب واهمها وقد ظهر الآن في عالم المطبوعات ( * ) / صفحة 73 /( وختام المقام ) أن ترتيب سور المصحف سواء كان توقيفيا أو اجتهاديا فانه يجب علينا اتباع المصحف العثماني في ترتيب سوره ورسم كلماته ، لاننا مأمورون باتباع الصحابة آثمون بمخالفتهم قال عليه الصلاوة والسلام كما في حديث العرباض بن سارية " . . فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ( 1 )" ولهذا كان * ( هامش ) * ( 1 ) والحديث المروي عن عرباض بن سارية رضي الله عنه هو " قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون قلنا يارسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال اوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان تأمر عليكم عبد فانه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي - وفي رواية احمد وابن ماجه عن عرباض ايضا " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي الا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم . . الخ الحديث والعرباض بن سارية رضى الله عنه هو بكسر العين وسكون الراء كان من اهل الصفة وهو ممن نزل فيه قوله تعالى " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم " قال محمد بن عوف كان قديم الاسلام جدا ، نزل الشام ثم سكن حمص ومات في فتنة ابن الزبير سنة خمس وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان " فقوله صلى الله عليه وسلم ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا " هذا من ضمن معجزاته عليه الصلاة والسلام التي لا تحصى ملقد وقع ويقع كثير من الامور والفتن التى اخبر بها فكم من المغيبات ذكرا * فبعضها مضى وبعض سيرى ومعجزات المصطفى ليست تعد * وفي الشفا منها كثير قد ورد ( * ) / صفحة 74 / اجماعهم حجة ، وقد أجمعوا على اعتماد مصحف عثمان ونسخوا مصاحفهم على نمطه كما سبق بيانه - فلا يوجد مسلم على وجه الارض يرى مخالفته ولله الحمد وهذا مصداق قوله تعالى " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " عدد المصاحف ( التى فرقها عثمان رضى الله عنه في الامصار ) تقدم أن عثمان بن عفان لما فرغ من جمع مصحفه أرسل إلى كل افق بمصحف مما نسخوا وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذى أرسل به - وقد أختلفوا في عدة المصاحف التى فرقها في الامصار فقيل انه أربعة وهو الذى اتفق عليه اكثر العلماء ، وقيل انها خمسة وقيل انها ستة وقيل سبعة وقيل ثمانية أما كونها اربعة فقيل انه ابقى مصحفا بالمدينة وارسل مصحفا إلى الشام ومصحفا إلى الكوفة ومصحفا إلى البصرة ، وأما كونها خمسة فالاربعة المتقدم ذكرها والخامس ارسله إلى مكة ، وأما كونها ستة فالخمسة المتقدم ذكرها والسادس اختلف فيه فقيل جعله خاصا لنفسه وقيل ارسله إلى البحرين ، وأما كونها سبعة فالستة المتقدم ذكرها والسابع ارسله اليمن ، واما كونها ثمانية فالسبعة المتقدم ذكرها والثامن / صفحة 75 / كان لعثمان يقرأ فيه وهو الذى قتل وهو بين يديه . اه‍ من نهاية القول المفيد . وبعث رضى الله عنه مع كل مصحف من يرشد الناس إلى قراءته بما يحتمله رسمه من القراءات مما صح وتواتر ( 1 ) فكان عبد الله بن السائب مع المصحف المكى ، والمغيرة بن شهاب مع المصحف الشامي وابو عبد الرحمن السلمى مع المصحف الكوفى ، وعامر بن قيس مع المصحف البصري - وأمر زيد بن ثابت أن يقرئ الناس بالمدني . ولا ندرى لم لم يرسل عثمان رضى الله عنه لكل بلدة من البلاد الاسلامية مصحفا أو بضعة مصاحف ، والظاهر والله تعالى اعلم ان ذلك كان لقلة النساخ في عهدهم ولعدم وجود الورق عندهم فقد كانوا يكتبونها على الجلود والعسب واللخاف والاكتاف ونحوها فربما يلزم لكتابة مصحف واحد قنطار من هذه الاشياء ولقد وصف الزنجانى مصحف على رضى الله عنه بأنه كان في سبعة اجزاء وقد أتى به يحمله على جمل وهو يقول هذا القرآن جمعته ، وروى أن الصاحب بن عباد المتوفى سنة 385 هجرية كان يحمل معه في اسفاره * ( هامش ) * ( 1 ) وهذا اختلاف قراءات في لغة واحدة لا اختلاف لغات ، انظر في الفصل الثاني من الباب الثالث لتقف على سبب اختلاف رسوم هذه المصاحف . ( * ) / صفحة 76 / كتاب الاغانى
ص 76 :
على اربعين جملا ، وذكروا أن الامام الشافعي رحمه الله تعالى كان كثيرا ما يكتب المسائل على العظام حتى ملاء منها خبايا ( 1 ) كل ذلك كان لعدم انتشار الورق عندهم في ذلك الزمن ( 2 )، ولا ندرى كيف كانوا يعثرون على مسألة من المسائل وهى مكتوبة على نحو العظام واللخاف والاكتاف التى يعسر ترتيبها لا شك ان مراجعتها والوقوف عليها ليس بسهل ومع ذلك كانوا أئمة الدين وانجم الهدى والذى نراه ان المصاحف العثمانية التى ارسلت إلى الامصار كتبت على الجلود وكتبت بالخط الكوفى الذى ما كانوا يعرفون من الخط سواه وكتبت بغير نقط ولا شكل ولم يكن فيها علامات للاجزاء والاحزاب ونحوها * ( هامش ) * ( 1 ) نستنتج مما ذكر : أن المصاحف التى رفعت على رؤس الرماح في الحرب بين على ومعاوية رضى الله عنهما سنة 37 البالغ عددها نحو ثلاثمائة مصحف طلبا للهدنة وحقنا للدماء ، لم تكن بمصاحف كاملة وانما هي اجزاء من القرآن مكتوبة على نحو العسب والالواح والاكتاف وبذلك يمكن للرجل رفع ما كتب من القرآن على شئ مما ذكر ، فاطلاق المؤرخين رفع المصاحف في هذه الحرب انما هو من اطلاق الكل وارادة الجزء والله اعلم ( 2 ) إذا أردت الوقوف على ظهور الورق فعليك بمراجعة كتابنا " تاريخ الخط العربي وآدابه " وهو مطبوع بمصر ( * )
/ صفحة 77 / الفصل الخامس ( في نزول القرآن على سبعة أحرف ) روى البخاري في كتاب التفسير عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقرأنى جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيدة ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف . وأخرج أبو يعلى في مسنده ان عثمان قال على المنبر اذكر الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال ان القرآن انزل على سبعة احرف كلها شاف كاف لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال وانا اشهد معهم رواه جمع من الصحابة يبلغ عددهم واحدا وعشرين صحابيا وقد نص ابو عبيدة على تواتره . وروي مسلم والبخاري واللفظ له عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال سمعت هشام بن حكيم ( 1 ) يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أساوره ( 2 ) في الصلاة فتصبرت * ( هامش ) * ( 1 ) هو هشام بن حكيم بن حزام القرشى الاسدي أسلم يوم الفتح ومات قبل ابيه كان من فضلاء الصحابة وخيارهم ممن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر قال ابو نعيم استشهد بأجنادين اه‍ من الاستيعاب ( واجنادين موضع بالشام من نواحى فلسطين بعضهم يقول انه بلغظ التثنية وبعضهم بلفظ الجمع قاله صاحب معجم البلدان ) ( 2 ) اساوره أي أثب عليه ( * ) /
صفحة 78 / حتى سلم فلببته ( 1 ) بردائه فقلت من أقرأك هذه السورة التى سمعتك تقرأ فقال أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت كذبت فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت ( 2 ) فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت انى سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله اقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة التى سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك انزلت ثم قال اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التى أقرأنى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك انزلت ان هذا القرآن انزل على سبعة احرف فاقرؤا ما تيسر منه ( 3 ). * ( هامش ) * ( 1 ) أي اخذته بردائه وهو بفتح اللام وتشديد الباء الاولى ( 2 ) وسبب اختلاف قراءتهما كما ذكره ابن حجر في فتح الباري ان عمر حفظ هذه السورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قديما ثم لم يسمع ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده ، ولان هشاما من مسلمة الفتح فكان النبي صلى الله عليه وسلم اقرأه على ما نزل اخيرا فنشأ اختلافهما من ذلك ، ومبادرة عمر للانكار محمولة على انه لم يكن سمع حديث انزل القرآن على سبعة احرف الا في هذه الواقعة اه‍ ( 3 ) روى البخاري هذا الحديث في كتاب التفسير في باب انزل القرآن على سبعة احرف ورواه ايضا في باب من لم ير بأسا ان يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا في كتاب التفسير ، ورواه مسلم في آخر كتاب صلاة المسافرين وقصرها في فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه عند بيان ان القرآن انزل على سبعة حرف . ورواه الطبري ايضا في تفسير . ( * ) /
صفحة 79 / قال ابن حجر في فتح الباري على صحيح البخاري عند هذا الحديث ما نصه . " فصل " لم اقف في شئ من طرق حديث عمر على تعيين الاحرف التى اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان وقد زعم بعضهم فيما حكاه ابن التين انه ليس في هذه السورة عند القراء خلافء فيما ينقص من خط المصحف سوى قوله وجعل فيها سراجا وقرى سرجا جمع سراج قال وباقى ما فيها من الخلاف لا يخالف خط المصحف قال ابن حجر قلت وقد تتبع أبو عمر بن عبد البر ما اختلف فيه القراء من ذلك من لدن
ص 79 :
الصحابة ومن بعدهم من هذه السورة فأوردته ملخصا وزدت عليه قدر ما ذكره وزيادة على ذلك وفيه تعقب على ما حكاه ابن التين في سبعة مواضع أو اكثر اه‍ منه ثم ذكر ابن حجر ما ورد من القراءات في سورة الفرقان فراجعه ان شئت فلو نقلناه هنا لطال بنا الكلام اه‍ وفي رواية لابي بن كعب ( 1 ) انه قال دخلت المسجد اصلى فدخل * ( هامش ) * ( 1 ) هو ابى بن كعب بن قيس الانصاري النجاري سيد القراء وهو احد فقهاء الصحابة واقرؤهم لكتاب الله تعالى وهو اول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة كتب الوحى قبل زيد ومعه ايضا وروانس ان النبي صلى الله عليه وسلم دعا ابيا فقال ان الله امرني ان اقرا عليك قال آلله سمانى لك قال نعم فجعل ابى ( * )
/ صفحة 80 / رجل فافتتح النحل فقرأ فخالفنى في القراءة فلما انفتل ( 1 ) قلت من أقرأك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل فقام وصلى فقرأ فافتتح النحل فخالفنى وخالف صاحبي فلما انفتل قلت من أقرأك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فدخل قلبى من الشك والتكذيب اشد مما كان في الجاهلية فأخذت بأيديهما وانطلقت بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت استقرئ هذين فاستقرأ احدهما فقال أحسنت فدخل قلبى من الشك والتكذيب أشد مما كان في الجاهلية ثم استقرأ الآخر فقال احسنت فدخل صدري من الشك والتكذيب اشد مما كان في الجاهلية فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري بيده فقال اعيذك بالله يا أبى من الشك ثم قال ان جبريل عليه السلام اتانى فقال ان ربك عزوجل يأمرك ان تقرأ القرآن على حرف واحد فقلت اللهم خفف عن امتى ثم عاد فقال ان ربك عزوجل يأمرك ان تقرأ القرآن على حرفين فقلت اللهم خفف عن امتى ثم عاد فقال ان ربك عزوجل يأمرك ان تقرا القرآن على سبعة احرف وأعطاك بكل ردة مسألة الحديث - وفي صحيح مسلم عن ابى بن كعب * ( هامش ) * يبكى قال انس ونبئت انه قرا عليه لم يكن الذين كفروا ، مات ابى سنة اثنين وعشرين فقال عمر اليوم مات سيد المسلمين وقيل مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين وقيل غير ذلك اه‍ ملخصا من الاصابة والاستيعاب . ( 1 ) انفتل أي انصرف من صلاته . ( * )
/ صفحة 81 / رواية بهذا المعنى ايضا في آخر كتاب صلاة المسافرين وقصرها في فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وللطبرى رواية بهذا المعنى عن أبى بن كعب ايضا وروى البخاري عن ابن مسعود ( 1 ) رضى الله عنه قال سمعت رجلا قرأ وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال كلا كما محسن ولا تختلفوا فان * ( هامش ) * ( 1 ) هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلى اسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها ولازم النبي صلى الله عليه وسلم وكان يحمل نعليه قال أبو نعيم كان سادس من أسلم وكان يقول أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة واختلف في وفاته فقيل توفى سنة اثنين وثلاثين وقيل غير ذلك اه‍ ملخصا من الاصابة وينسب إلى امه احيانا فيقال ابن أم عبد وكان يلج على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلبسه نعليه ويمشى امامه ومعه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اذنك على أن يرفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك رواه مسلم في كتاب السلام في باب استحباب السلام على الصبيان وكان يعرف في الصحابة بصاحب السواد والسواك وزاد بعضهم والفراش والوساد وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وإلى ما ذكر اشار صاحب نظم عمود النسب بقوله ومن هذيل صاحب السواد * والنعل والفراش والوساد قال الامام النووي في شرحه على صحيح مسلم عند الحديث المذكور السواد بكسر السين المهملة اتفق العلماء على ان المراد به السرار بكسر السين وبالراء المكررة وهو السر والمسارر يقال ساودت الرجل مساودة إذا ساررته اه‍ ( * )

يتبع بإذن الله تعالى

أبو مالك العوضي
23-11-06, 02:43 AM
تاريخ القرآن الكريم - محمد طاهر الكردي (الخطاط)

الكتاب كاملا في المرفقات موافق للمطبوع بصيغة وورد

أبو يوسف السلفى
23-11-06, 11:33 PM
جزاك الله خيراً

المخلافي
08-12-06, 04:20 PM
بارك الله فيكم

أبو عدنان
07-05-07, 09:28 AM
جزاكم الله خيرا

لو أعدتم تنزيله ..فالمرفق لا يعمل.

شتا العربي
11-01-08, 02:57 PM
المرفق لا يعمل

هل يمكن التكرم بإعادة رفعه مرة أخرى

وجزاكم الله خير الجزاء وبارك فيكم وأورثكم الفردوس الأعلى

أبو مالك العوضي
11-01-08, 03:12 PM
http://www.shamela.ws/open.php?cat=5&book=1914

شتا العربي
11-01-08, 03:21 PM
جزاكم الله خير الجزاء وبارك فيكم وأورثكم الفردوس الأعلى

شتا العربي
11-01-08, 04:14 PM
وهل ممكن الحصول على نسخة مصورة من هذا الكتاب على الشبكة؟

وجزاكم الله خيرا وبارك فيكم

علي الونشريسي
31-07-15, 07:21 AM
السلام عليكم:
http://library.tafsir.net/book/7431