المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المزال الخفية للفتوى الشرعية (عبدالعزيز بن سعد)


محمود المصري
14-08-06, 09:14 PM
الصفحة قبل أن تحذف

محمود المصري
14-08-06, 09:15 PM
05/06/06, 04 :10 04:10:49 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405

المزال الخفية للفتوى الشرعية

--------------------------------------------------------------------------------
الحمد لله أحق الحمد وأوفاه والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الله تعالى أكمل لهذه الأمة الدين فشمل حلولا لمشاكل الحياة في العهد النبوي وبين طريق إصلاح كل مشكلة وحل كل معضلة تنتاب البشرية إلى يوم الدين. ولا يكون ذلك إلا بالاجتهاد الشرعي من أهله المؤهلين الذين كملت لديهم آلة الاجتهاد.

إلا أن المجتهد المفتي قد يروم الحق فلا يصل إليه، وهو بلا شك يسعى لإصابة الحق ليحظى بالأجرين ، فقد ورد في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد" .

ولذا، فإن المفتي يحتاج لأمعرفة سبل إصابة الحق، وأسباب الزلل في الفتوى وخصوصا المزال الخفية التي لا ينتبه لها الشخص، وقد يراها غيره، وكما في المثل الصيني: من في قمة الجبل يرى ما لايرى من هو وسط الغابة.

وحيث أن الفتوى تعتبر من القرارات المهمة بل هي تمثل توقيعا عن رب العالمين بحكم الشرع، لذا فإن مزال اتخاذ القرارات تدخل فيها، لأنها قرار يتخذه المفتي بعد النظر والتأمل واستحضار النصوص وإعمال المقاصد الشرعية، ولذا فإن من المناسب الاستفادة من كتابات المختصين في كيفية اتخاذ القرار، وموطنها الكتب الإدارية، مع الاستنارة بأقوال أهل العلم والأمثلة الواردة في كتبهم.
ومما يزيد التأكيد بطرح مثل هذا الموضوع، كثرة حاجة الناس للفتوى، وسهولة الحصول عليها مع توسع الاتصالات وتيسرها، عبر محاور عدة، منها:

1. مئات المواقع الحاسوبية التي يمكن أن تحصل على ما تريد من فتيا من مختصين وغير مختصين في أنحاء المعمورة.
2. كثرة البرامج المباشرة على القنوات الفضائية.
3. كثرة البرامج في الإذاعات، وبعضها على الهواء مباشرة.
4. تخصيص كثير من الصحف والمجلات ركنا للإفتاء، استجابة لطلبات الناس.
5. كثير من الوعاظ والمذكرون يتلقون أسئلة بعد المحاضرات، للفتيا.
6. أغلب الدول تعين مجموعة من المفتين لسد جزء من حاجة الناس في الفتيا.
7. كثير من البنوك تعين لجنة استشارية للفتيا في المسائل للبرامج التمويلية والمنتجات الإسلامية، استجابة لطلب الزبائن.
8. وجد عدد من رجال الأعمال من يعين مستشارين شرعيين للإفتاء في المعاملات المالية وتجارة الأسهم ونحوها.
9. انتشار أرقام الهواتف للمفتين، في عدة قوائم، مما يحتم على المفتي أن يجيب على عشرات وأحيانا مئات الفتاوى في اليوم الواحد.

وهذه في الحقيقة تمثل تحديا للمتخصصين في علوم الشريعة ويقوي مسؤوليتهم أمام الله تعالى، فمن جانب ينظر المفتي إلى عظيم أجر من يدل الناس إلى الخير ومن يعلمهم دينهم، ومن جانب ثان ينظر إلى تحريم الفتوى دون تمعن واجتهاد، ويخشى من الرقيب العتيد:" ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" ، وبين عينيه حديث:" من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على الذي أفتاه".


ومما يكثر من تصدر من لم يصل للأهلية المطلوبة، ما تدفعه وسائل الإعلام للمفتي ليشارك في برنامج الإفتاء، مما يدخل أهل الطمع في الفتوى فيضلون ويضلون والله المستعان.

وليعلم أنني لا أقصد أحدا بعينه في كل مثال، ولكن أحببت جمع هذه المزال لينتفع بها من يطلع عليها، ومن الله أستمد العون والتوفيق.

وأتمنى من الإخوة الكرام أن يتفاعلوا مع الموضوع لتصحيح مسار الفتيا الشرعية. وما مثلي بين إخوتي إلا كمثل هدهد سليمان، أو كحامل التمر إلى هجر، ولكن حسبي أنني أريد المشاركة وطرح ما لدي بين يدي إخواني ومن الحوار والنقاش ينبثق النور.




كتبه/ عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
العنوان/ ص ب 242230 الرياض 11322
البريد الالكتروني/ adogaither@gawab.com

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

05/06/06, 08 :27 08:27:10 PM
أبو مالك العوضي
عضو مخضرم تاريخ الانضمام: 04/10/05
المشاركات: 2,399



--------------------------------------------------------------------------------
جزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل على هذا الموضوع المهم

وكثيرا ما كنت أنصح نفسي وإخواني عند دراستهم للمسائل الفقهية أن لا ينظروا فقط إلى القول الراجح وبيانه وأدلته فقط، وإنما يكون نظرهم بعمق في خطأ من أخطأ من أهل العلم، ومعرفة السبب الذي أدى به إلى هذا الخطأ؛ من باب معرفة الشيء الخاطئ لتجنبه.

فينبغي لطالب العلم أن يسأل نفسه:

هل أنا أفضل من هؤلاء العلماء الكبار الذين أخطئوا؟!
هل عقلي أفضل من عقولهم؟

وإذا كان الجواب بالنفي فإن طالب العلم ينبغي أن يكون أشد تحرزا في البحث والدرس، وينبغي له أن يكون همه منصبا على معرفة مواقع الزلل، ومواضع الخطأ، ليكون أقدر على تجنبها وعدم الوقوع فيها.

وينبغي لطالب العلم أن لا يدع اتهام عقله وفهمه أبدا، وليعلم علم اليقين أن في الخلق من هو أكبر عقلا منه، وأكثر فهما، وأعمق استنباطا، وأغزر علما.

فإني أعجب - والله العظيم - أشد العجب حينما أرى بعض الطلاب الذين قرءوا بعض قواعد مصطلح الحديث ثم يأتون - بناء على هذه القواعد - يخطئون ابن معين وابن المديني وابن عدي والدارقطني! ولا يعلمون أن هذه القواعد ما بنيت أصلا إلا على هؤلاء الأئمة الأعلام.

أو أرى من قرأ كتابا واحدا من كتب أصول الفقه ثم يأتي فيخطئ أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد بن حنبل؛ لأنهم - بناء على فهمه - خالفوا هذه القواعد!!

وأنا لا أريد أن يفهم كلامي خطأ، أو أن يظن بي أني أدعي العصمة في هؤلاء العلماء، وإنما أنا أنكر على بعض من لم يبلغ عشر معشار نصف عشر هؤلاء في العلم، ويظن أنه قد حصل من العلوم ما يكفيه لبيان أخطائهم ويغتر بما فهمه ويحسبه يقينا، وهو لا يعدو أن يكون قد أخطأ في الفهم !!


(فائدة) لمن لم يتبين المعنى، فإن (المزال) بتشديد اللام جمع (مزلّة) من الزلل.

والله تعالى أعلم.

__________________


قال الفـراء: قَـلَّ رجلٌ أنعَمَ النظـرَ في العربيةِ، وأراد علمًا غيـرَه، إلا سَهُلَ عليه.
حاجة الناس إلى التصنيف - معجم الأخطاء الشائعة للعدناني في الميزان
ما لم يكتبه ابن كثير من البداية والنهاية - للتحميل رسائل ماجستير ودكتوراه


أبو مالك العوضي
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى أبو مالك العوضي
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى أبو مالك العوضي
إيجاد جميع المشاركات للعضو أبو مالك العوضي

06/06/06, 08 :34 08:34:12 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
شكر الله لك يا شيخنا العوضي على إضافتك، ولفتتك التربوية التي تؤدي بطالب العلم - إن وعاها- إلى أن يعرف قدره أمام الكبار، وكما قال الأول: ما نحن إلا كبقل أمام نخل طوال.

وقد يقول قائل: من أنت حتى تبحث في أسباب زلل المفتين، وهل يقوم العالم إلا من هو أعلم منه؟
فأقول: ليس ما ذكر تقويما لأحد، فقد حرصت على عدم ذكر اسم أحد ، ولا أذكر فتاوى مشهورة حتى لا يفهم انتقاص لأحد، ولكن الهدف هو أن يميز المستفتي بين الفتاوى في الواقعة الواحدة التي يختلف فيها المفتون.
وثمت هدف ثان وهو أن يحرص من يسير في العلم صعدا لينال الإمامة في الدين على معرفة أسباب الزلل فيجتنبها مما يضبط الفتوى مستقبلا، بعد أن قرحت أكبادنا من هذه الفوضى التي لا ترضي أحدا فضلا عن طالب علم غيور!، حتى إذا كثر على طالب العلم الناهلون والواردون، من السائلين والمستفيدين، لا نجد منه إلا الفتاوى المضبوطة المحررة التي يتلقاها الناس بالقبول والتسليم.
فإلى أولى المزال.

مزلة التعلق بأول معلومة:

من المزال التي يقع فيها المفتي أن يتعلق بأول معلومة، وقد تكون هذه المعلومة صادرة من المستفتي أو تكوت نتيجة بحث الفقيه في المسألة فيقع نظره على معلومة من كتاب أو سنة أو قول عالم، فيقع في قلبه قول، ويقتنع به فإذا ما رأى قولا آخر أقوى حجة صعب عليه الانتقال إلى الأصوب. وقد يكون النص منسوخا أو مخصوصا أو مقيدا أو مأولا ، وقد يكون الدليل لم يثبت أصلا، ومع ذلك فإن لأول معلومة تقع في النفس قوة وجذبا لا يتخلص منها ناشد الحق إلا بمجاهدة وتربية، وتدريب على قبول الحق والبحث عنه.
ولذا نجد لبعض طلبة العلم المجربين وجهة نظر في حفظ المتون الفقهية، فهم يرون أن القول الذي يستقر في القلب يصعب تغييره إلا بدليل بالغ القوة، على قول القائل:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى------------فصادف قلبا خاليا فتمكنا

وبعيدا عن قبول هذا الرأي أو رفضه، فإن المقصود أن من أكثر أسباب الزلل في الفتوى أن تستقر نفسه على المعلومة الأولى في بحثه، مما يحمله على التعصب لها وعدم قبول غيرها.

ولذا فإنه بالنظر في مجمل شروط الاجتهاد للوصول للفتيا الصحيحة التي عليها أكثر الأصوليين نجد أنها ترجع إلى شرطي الولاية المذكورة في قوله تعالى:" إن خير من استأجرت القوي الأمين" فالقوة العلمية والأمانة هما مجمع الشروط. وما أحسن ما نقله الشاطبي رحمه الله حيث يروي رحمه الله أحد شيوخه عن بعض العلماء قال: لا يسمى العالم عالما بعلم ما إلا بشروط أربعة:
أحدها: أن يكون قد أحاط علما بأصول ذلك العلم على الكمال.
والثاني: أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العلم ،
والثالث: أن يكون عارفا بما يلزم عنه،
والرابع: أن تكون له قدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم .
ومن كان هكذا فإن هذا الزلل يبعد أن يصدر منه لاستيعابه النصوص الواردة فيه، وكلام العلماء عنه.

سبل الوقاية من مزلة التعلق بأول معلومة:

أولا: حصر المعلومات المؤثرة في الفتيا وأهمها النصوص الشرعية:

ليعلم أن اشتراط العلم بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة واستحضارها قبل الفتوى شرط في جواز الفتوى وصحتها، ولو في مسألة جزئية، وهذا الشرط أهم الشروط ولم يخالف في اشتراطه أحد من العلماء . وذلك لأنه لا يجوز له الفتيا بالقياس مع وجود النصوص الشرعية فقد نص الشافعي رحمه الله في الرسالة على أنه لا يحل القياس والخبر موجود وقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"(الحجرات:1) .

ثانيا: نخل الأخبار وتمييزها ما يصلح للاستشهاد

يشترط أن يكون للمفتي تمييز بين الأحاديث الصحيحة وغير الصحيحة، حتى لا يستدل بحديث ضعيف، فقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يكون عنده الكتب فيها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة ولا يعرف صحة الأسانيد ولا الصحيح من غيره هل يأخذ بما شاء من ذلك؟ فقال: لا ، بل يسأل أهل العلم .
وسئل الإمام أحمد ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث وليس بعالم بالفتيا؟ قال: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عارفا بالسنن، عالما بوجوه القرآن عالما بالأسانيد الصحيحة وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها"، و قيل لابن المبارك رحمه الله: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالما بالأثر بصيرا بالرأي" .
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله:" من لم يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سماعه ولم يميز بين صحيحه وسقيمه فليس بعالم" . وقال عبدالرحمن بن مهدي رحمه الله:" لا يجوز أن يكون الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح" .
وقال الفتوحي: ويشترط أن يكون عالما بصحة الحديث وضعفه سندا ومتنا وأن يكون عالما بحال الرواة ولو تقليدا، كنقله ذلك من كتاب صحيح .

ثالثا: معرفة الناسخ والمنسوخ:

قد يجد المفتي نصا قرآنيا أو حديثا نبويا صحيحا ثابتا في المسألة المبحوثة، فيستند على النص ويفتي به، مع أنه منسوخ بنص آخر، وهو زلل وارد ولذا حرص السلف من الصحابة فمن بعدهم على تأكيد معرفة المتفقه للناسخ والمنسوخ – مع التنبيه إلى أنهم يطلقون على العام الذي دخله التخصيص بأنه منسوخ .
ويعلل الطوفي رحمه الله اشتراط ذلك فيقول: لأن المنسوخ بطل حكمه، وصار العمل على الناسخ، فإن لم يعرف الناسخ من المنسوخ أفضى إلى إثبات المنفي ونفي المثبت، وقد اشتدت وصية السلف واهتمامهم بمعرفة الناسخ والمنسوخ حتى روي عن علي رضي الله عنه أنه رأى قاصًّا يقص في مسجد الكوفة وهو يخلط الأمر بالنهي والإباحة بالحظر، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت، ثم قال له: أبو من أنت؟ قال: أنا أبو يحيى، قال: أنت أبو اعرفوني، ثم أخذ أذنه ففتلها، وقال: لا تقص في مسجدنا بعد . وقصده: لا تعظ في مكان عام مع جهلك بالناسخ والمنسوخ.

رابعا: معرفة الإجماع والخلاف

مما يقل في طلاب الفقه معرفة خلاف الفقهاء وأدلتهم وهذا نقص ظاهر، خصوصا اختلاف الصدر الأول من الصحابة والتابعين قال الأوزاعي رحمه الله: العلم ما جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما كان غير ذلك فليس بعلم . وكذلك قال الإمام أحمد رحمه الله ، وقال في التابعين: أنت مخير، يعني مخير في كتابته وتركه. وقد كان الزهري رحمه الله (ت:124هـ) يكتب ذلك، وخالفه صالح بن كيسان رحمه الله (ت:140هـ) ثم ندم على تركه كلام التابعين. قال ابن رجب رحمه الله: وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد رحم الله الجميع .
واشترط الإمام أحمد في المفتي أن يعرف الخلاف ، فقد قال في رواية : ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم ، وإلا فلا يفتي ، وقال في رواية أخرى : أحب أن يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس .
وقد قال الشاطبي في الموافقات : ولذلك جعل الناس العلم معرفة الاختلاف ، فعن قتادة : من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه . وعن هشام بن عبيدالله الرازي رحمه الله : من لم يعرف اختلاف القراءة فليس بقارئ ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه . وعن عطاء رحمه الله قال: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس ، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه . وعن أيوب السختياني وابن عيينة رحمهما الله : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما باختلاف العلماء ، زاد أيوب : وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء ، وقال مالك: لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه. قيل له: اختلاف أهل الرأي؟ قال: لا ، اختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم،...إلى أن قال الشاطبي - وما أحسن ما قال-: وحاصله معرفة مواقع الخلاف لا حفظ مجرد الخلاف .
ونقل ابن مفلح عن أحمد قال:قال سعيد بن جبير: من علم اختلاف الناس فقد فقه. وعن قتادة قال: قال سعيد بن المسيب: ما رأيت أسأل عما يختلف فيه منك، قال: قلت: إنما يسأل من يعقل عما يختلف فيه، فأما ما لا يختلف فيه فلمَ نسأل عنه؟ وقال سعيد بن جبير: أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف .
ومن فوائد معرفة الخلاف : حصر الأقوال في المسألة حتى لا يقع إحداث قول مبتدع ، قال السمعاني في قواطع الأدلة :"لأن إجماعهم على قولين إجماع على تحريم ما عداهما ..." .
ومنها : معرفة ما ينكر باليد ، قال شيخ الإسلام :" ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره : إن المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها ولكن يتكلم فيها بالحجج ، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه " .

ومن أعظم المزال، أن ينشأ المفتي على مذهب فقهي ويتعلم منه ويحفظ متنا فقهيا في ذلك المذهب، فإذا ما سئل عن مسألة فأول ما يتبادر لذهنه ما ورد في ذلك المتن الفقهي، ويغلب عليه، فلا يكاد يخرج عنه. والخروج من هذا المأزق في الاطلاع على أقوال الفقهاء الآخرين من كتبهم، والتأمل فيها وإعمال الذهن للوصول إلى الحكم الشرعي.

خامسا: معرفة القضية المبحوثة بالرجوع لأهل الاختصاص (الخبراء):

وهذا أمر مهم إذ كيف يجتهد الفقيه في مسألة اقتصادية وهو لا يدري ما الاقتصاد، وكيف يقسم الفرائض وهو لا يحسن الحساب وقد قال النووي رحمه الله: وهل يشترط أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية؟ حكى أبو إسحاق وأبو منصور فيه خلافا لأصحابنا والأصح اشتراطه . ومثل الحساب كل علم يحتاج إلى اجتهاد كالمسائل الطبية وأصول العلاقات الدولية والاقتصاد ونحوها.
وعلى المفتي أن يطرح المسألة على الخبير دون إشعار له بميل نحو قول من الأقوال، وعليه أن يحذر من تقديم الخبير لرأيه مغلفا برأي، كأن يقول الطبيب في تأثير بخاخ الربو على الصوم: إنه كالهواء، ولا يدخل المعدة، ولا يتغذى به الجسم، والناس في حاجة إليه، وإذا لم يسمح لهم فإن حالة المريض تتفاقم...فكأن هذا الكلام من الطبيب وسيلة ضغط لاستصدار الفتوى بعدم فساد صوم من يستخدم البخاخ، وهو خطأ من مقدم المشورة، والواجب على المفتي أن ينتبه لهذا الزلل.

سادسا: معرفة الواقع:

قد يسأل المفتي عن مسألة من بيئة مجهولة لدى المفتي، ولا يعرف أحوالها وظروفها وأعرافها، فيفتي وهو مستحضر لحاجة المجتمع الذي يعيش فيه، مما يوقع في الزلل، ومن أمثلة ذلك أن يفتي العالم بتحريم لبس الخمار الأبيض للمرأة لأنه تشبه بالرجال، وسبب خطأ هذه الفتوى أنه استحضر حالة بلده ولم ينظر في أعراف البلد الآخر.
ومثال آخر أن يفتي العالم بتحريم خضاب الرجل بالحناء لأنه تشبه بالنساء، مع أنه في كثير من البلاد يستعمل الحناء الجميع من رجال أو نساء بلا تميز، بل ورد في الحديث النبوي الخضاب بالحناء فقد ثبت عن سلمى- خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت :" ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا في رأسه إلا قال:"احتجم" ولا وجعا في رجله إلا قال:أخضبها" .
وعنها أيضا رضي الله عنها أنها قالت: ما كان يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم قرحة ولا نكبة إلا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضع عليها الحناء" .وفي رواية: كان لا يصيبه قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء" .

وقد يسأل المفتي عن مسألة فيها شر فيفتي بدرئه ومنعه وحسمه، ولا ينتبه للشر المترتب على فتواه والذي ينيف على الشر المدروء، وصدق عمرو بن العاص رضي الله عنه في قوله : ليس العاقل من يعرف الخير من الشر ولكن هو الذي يعرف خير الشرين .
ومسائل السياسة الشرعية تحتاج إلى هذا الأصل كثيرا، ولذا فإن الواجب على المفتي أن يعرف الواقع المحيط بالمستفتي والظروف الزمانية والمكانية، وواقع المستفتي.
وهذا المعنى متقرر لدى أهل العلم، فقد قال الإمام أحمد: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
o أولها: أن يكون له نية فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
o الثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينه،
o والثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه،
o الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس،
o الخامسة: معرفة الناس.
قال ابن عقيل شارحا قوله: "معرفة الناس": فمتى لم يكن الفقيه ملاحظا لأحوال الناس عارفا لهم وضع الفتيا في غير موضعها .
وقال ابن القيم شارحا العبارة نفسها: هذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه، فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وتصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال...بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وأعرافهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله" .
وقال شيخ الاسلام: " وبسبب ضعف الفقهاء من العلم الكافي للسياسة العادلة وقع انفصام في المجتمع الاسلامي فصار يقال: الشرع والسياسة، هذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعوه الى السياسة، والسبب تقصير هؤلاء في معرفة السنة" .
وقال ابن القيم: ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
o أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.
o والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع. ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا. فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله .


ولعل لدى الإخوة ما يفيد من تعقيب أو إضافة، نسأل الله التوفيق والسداد.

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

07/06/06, 02 :15 02:15:14 PM
وائل النوري
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 27/11/05
المشاركات: 270



--------------------------------------------------------------------------------
السلام عليكم ورحمة الله
حيا الله الشيخين الفاضلين الحريصين على نفع المسلمين وتحذيرهم من مزال الفتوى مزال الأقدام.
فقد سبق لي كتابة مقال نصح وتوجيه على منوال ما كتب الآن وإن غلب عليه الإجمال وهو من المزال في مواطن البيان وقد نبه على ذلك جمع من أهل العلم فقلت مع بعض التغيير، اقتضته المناسبة :
قد يند "القلم".. فيغفل عنه العَلم.. فيوقع الناس في الزلل.
وقد لا .. وسببه فقر في العلم وضعف في التصور.. فلا تجد أحيانا المنكت الماهر.. فتنتشر الفتوى.. فيتناقلها الناس.. فتصبح عدوى.
فعن لي أمر.. فأضحى عزيمة.. وقد أكون مجانبا للصواب ..لكن رغبت في نشره ديانة ولا أكتمه:
أن يقوم أهل الفضل والعلم بتتبع المزال العلمية مما يعلم فسادها بضرورات العقول فضلا عن الشرع وجمعها تحت مقالي هذا، أو إفرادها بعنوان خاص.
ولكن المرجو من الاخوة الأفاضل عدم ذكر صاحب الخطأ.. فإن ذلك قد يورث الغل و.. والأفضل دفع ما يفضي إلى مفسدة محتملة.
هذه نصيحتي والنصيحة من محض الديانة. والله أجل وأعلم.اهـ
والمزال لها اعتباران:
الأول: باعتبار الدليل، نحو الخفاء والظهور..
الثاني: باعتبار الواقعة، نحو الإحاطة والفهم..
والواجب حصرها إما إجمالا، لكن نفعها ضعيف، وغالب كتب الأصول أنهكت المسألة بحثا.
وإما تفصيلا وتمثيلا، لكن الحذر من مزال الهوى، والله من وراء القصد.

__________________




وائل النوري
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى وائل النوري
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى وائل النوري
إيجاد جميع المشاركات للعضو وائل النوري

07/06/06, 04 :10 04:10:51 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------

صدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله:" إن من البيان لسحرا"،
سعدت بتعليقك النفيس يا شيخ وائل النوري،



ونعود إلى موضوعنا في محاولة حصر المزال الخفية التي توقع المفتي في الخطأ.

مزلة سوء الفهم للقضية المفتى بها، أو للنصوص الواردة فيها، أو كلام العلماء:

معرفة الدلالات اللغوية وإعمالها للوصول إلى الفتوى الصحيحة شرط للمفتي، قال شيخ الإسلام:" إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية" .
وقيل للحسن البصري رحمه الله: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويقيم بها منطقه؟ قال:" نعم فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها فيهلك"، وقال:" أهلكتهم العجمة يتأولون القرآن على غير تأويله" .
وقد كان كبار الأئمة يعنون بعلوم العربية عناية فائقة ، قال الشافعي رحمه الله : من تبحر في النحو اهتدى إلى كل العلوم. وقال أيضا : لا أسأل عن مسألة من مسائل الفقه إلا أجبت عنها من قواعد النحو .
وقال الشافعي أيضا: ما أردت بها – يعني علوم العربية – إلا الاستعانة على الفقه . ولهذا السبب يقول الإمام مالك رحمه الله: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا . ورحم الله مالكا كيف لو رأى زماننا هذا!!.
والضعف في علوم العربية سبب ضلالا في فهم كثير من المتفقهة ، قال ابن جني: إن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها ، وحاد عن الطريقة المثلى إليها ،فإنما استهواه واستخف حلمه ضعفه في هذه اللغة الكريمة الشريفة التي خوطب الكافة بها .
وقال الشاطبي رحمه الله: وإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإذا انتهى إلى الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة، كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجةً، فمن لم يبلغ شأوه فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يكن حجة، ولا كان قوله مقبولا" .

سبل الوقاية من مزلة سوء الفهم:

أولا: ضرورة التبحر في معرفة أصول الفقه:

وليعلم أن علم أصول الفقه هو ميزان العلوم الذي يرتب العقل وينمي التفكير، وقد اشترط جمهور الأصوليين للمجتهد أن يكون عالما بأصول الفقه، وجعله الرازي أهم العلوم للمجتهد، واستحسنه الشوكاني، وقال الجويني: وعلم الأصول أصل الباب، حتى لا يقدم مؤخرا ولا يؤخر مقدما ويستبين مراتب الأدلة والحجج .

ثانيا: ضرورة التبحر في العلوم العربية
وتقدم بعض النقولات في أهمية ذلك.

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

09/06/06, 10 :36 10:36:25 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
مزلة الميل غير الواعي إلى التعلق بالوضع الراهن:

نجد هذا الميل عند كثير من المتخصصين في علوم الشريعة، إذا ما طرحت وجهة نظر تخالف السائد في المجتمع، فإننا نسمع من يقول: لا تشوشوا على الناس، والناس على هذا من قديم، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين... ونحو ذلك من العبارات.
وبمثل هذه الحجج انتشرت البدع العملية، والبدع الاعتقادية، وكم حورب أهل الإصلاح بالواهيات من الحجج، ولذا تكرر في القرآن ذم المشركين المتمسكين بما عليه الآباء والأجداد، كقوله تعالى {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ }الزخرف22. ولذا نجد في رسائل الإمام محمد بن عبدالوهاب لعلماء زمانه المنشورة في المجلد الثاني من تاريخ ابن غتام تكرار لهذا المعنى، والتحذير من التعلق بالوضع الراهن وإغفال الحق المبني على النصوص لعدم عمل الناس بها.
كما أن لتطوير الأعمال أعداء، وهم رافضو التغيير، لأن في التعلق بالوضع الراهن راحة، وفي التغيير تحمل للمسؤولية، وقد تورث الندم والنقد، وكما هو معلوم فإن من لا يغير لا يخطئ كما أن من لا يعمل لا يخطئ. وقد ينجر هذا النزوع النفسي للإنسان على بعض الأمور الشرعية وخصوصا في المعاملات المالية الحديثة واستخدام التقنية الجديدة في الأمور الشرعية، ولها شواهد لا تحصى، تبين أن المفتي قد يتأثر بهذه النزعة الإنسانية المتخوفة من التغيير.


ونكمل إن أعان الله

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

11/06/06, 08 :57 08:57:23 AM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
زلل استجلاب الأدلة المؤيدة:

فقد يؤيد المفتي رأيه بأدلة بتحميلها ما لا تحتمل، أو لي أعناقها لتوافق فتواه، وقد يستدل بما ليس بدليل كالأحاديث الباطلة والمنامات، ونحو ذلك مما يدل على أن المفتي وضع الجواب ثم بحث عن الدليل المؤيد، مع أن الواجب أن يستحضر الأدلة ثم يستنبط الجواب والرأي الفقهي منها.

ونكمل إن يسر الله

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

13/06/06, 02 :46 02:46:58 PM
وائل النوري
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 27/11/05
المشاركات: 270



--------------------------------------------------------------------------------
بارك الله فيك ونفع بك أيها الشيخ الفاضل.
ما ذكرت ـ حفظك الله ـ في المزال الأخيرة أمر معلوم مشاهد، وقد عده شيخ الإسلام من مسالك أهل البدع في تقرير المسائل.
قال ابن تيمية في المجموع(13/356):.. فالذين أخطأوا فى الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذى عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها وعمدوا الى القرآن فتأولوه على آرائهم تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه.

وقال رحمه الله في (3/62):فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم فى شىء من الدين الا تبعا لما جاء به الرسول ولا يتقدم بين يديه بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعا لقوله وعلمه تبعا لأمره.
ونظيره ما ذكر العلامة المعلمي في التنكيل(2/212): وقد جربت نفسي أنني ربما أنظر فيما يخدش في ذلك المعنى، فأجدني أتبرم بذلك الخادش، وتنازعني نفسي إلى الجواب عنه، وغض النظر عن مناقشة ذلك الجواب، وإنما هذا، لأني قررت ذلك المعنى أولا تقريرا أعجبني صرت أهوى صحته، هذا مع أنه لم يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنت قد أذعنه في الناس ثم لاح لي الخدش؟ فكيف لو لم يلح لي الخدش؟ ولكن رجلا آخر اعترض علي به؟ فكيف لو كان المعترض ممن أكرهه؟!.

__________________




وائل النوري
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى وائل النوري
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى وائل النوري
إيجاد جميع المشاركات للعضو وائل النوري

13/06/06, 04 :18 04:18:04 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
شكر الله لك يا شيخ وائل، ونفع بك...
ونقلك عن الإمام ابن تيمية رحمه الله نقل نفيس، يبين انتبه أهل العلم المحققين للنزعات النفسية التي تؤثر على المفتي، وعلى الباحث الشرعي...

وما أشرت إليه - بارك الله فيك - عن الشيخ المعلمي رحمه الله كلام من خبير مجرب، وقد استل كلامه في خاتمة التنكيل ونشر باسم:
ما لا يسع المسلم جهله من ضرورات التفكر، ونشرها الشيخ علي الحلبي

وأعتقد أن كل طالب علم بحاجة إلى قراءتها في كل فترة ، لتعيده إلى مقصده الأساس في بحثه ومناظراته...
ونعود إلى المزال الخفية للفتوى:...


مزلة الصياغة:

فقد نجد أن المستفتي إذا أراد أن يؤثر على المفتي ليستصدر فتوى تناسبه فإنه يبدأ السؤال بذكر المخاطر والأضرار، بقوله مثلا: تعلمون ما في الشيء الفلاني من أضرار على النفس والدين والأخلاق، وقد انتشر بين الناس، فنأمل منكم تبيين خطره للناس وحكم استعماله، فالمستفتي حاصر المفتي بالسؤال، فقد يؤثر عليه بأخذ ما يريد من فتوى إن لم ينتبه لهذه الحيلة من المستفتي.

ونعود إن أعان الله....

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

14/06/06, 03 :17 03:17:48 PM
وائل النوري
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 27/11/05
المشاركات: 270



--------------------------------------------------------------------------------
حفظك الله أيها الشيخ الفاضل وزادك حرصا على نفع المسلمين.
من مزال الفتوى ما يصاب به الأقران من العداوة الموجبة للشطط.
قال اللكنوي في الرفع والتكميل(409):لأن المعاصرة تفضي غالبا إلى المنافرة.اهـ
فتقوم سوق الفتنة..وتترتفع أعلام فتوى الأعيان..فيتهارج العوام..وينكشف التعصب..فتضيق أسباب النظر والفهم على العالم..فتكون البلية، بل الرزية..ولله في خلقه شؤون.
قال الذهبي في السير(14/62):
ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في صحيح البخاري،قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ، وكفره بإجازته الكتب على رسول الله النبي الأمي، وأنه تكذيب للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم:

برئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال : إن رسول الله قد كتبا
فصنف القاضي أبو الوليد رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة، قلت: يجوز على النبي أن يكتب اسمه ليس إلا، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا.اهـ

__________________




وائل النوري
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى وائل النوري
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى وائل النوري
إيجاد جميع المشاركات للعضو وائل النوري

17/06/06, 02 :34 02:34:21 PM
وائل النوري
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 27/11/05
المشاركات: 270



--------------------------------------------------------------------------------
من خفايا المزال الحرص الحثيث على الفتوى.
قال ابن القيم في بدائع الفوائد(3/277):
قال بعض العلماء قل من حرص على الفتوى، وسابق إليها، وثابر عليها، قل توفيقه واضطرب في أمره ،وإن كان كارها لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في جوابه وفتاوية أغلب.

__________________




وائل النوري
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى وائل النوري
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى وائل النوري
إيجاد جميع المشاركات للعضو وائل النوري

17/06/06, 04 :31 04:31:37 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
شكر الله لك يا شيخ وائل

وأعتقد أن مسألة الحسد من الصعوبة اكتشافها
لأنها تلتبس بالغيرة على محارم الله، والغيرة على دين الله...
فتجد مفتيا فيه من السماحة والخلق، فإذا ذكرت فتوى لمعاصر له، وخاصة إذا كان يشاركه في البلد أو الفن تغير خلقه واشتد نكيرا وإغلاظا في القول

والمعاصرة حجاب.
وكلام الأقران يطوى ولا يروى...
إلا أن مسألة الحسد قد لا تكون داخلة في مزال الفتوى، بلا في الأحكام على الناس...

وأما التعجل في الفتيا فهو داء الأدواء، إلا أنه لا يمكن قياسه لبيان مدى الوقوع فيه..

فقد يتساءل العامي والمتأهل: متى يحق للشخص الفتيا؟ ومتى يكون متعجلا؟

فلا نجد جوابا إلا بذكر الشروط المجملة ثم سبر ما صدر عنه من فتاوى على قواعد الشرع، فإذا رأيناه لا يتناقض في أحكامه، ويحرر فتواه بالأسلوب المعروف عند العلماء عرفنا أنه أهل للفتوى، على نحو قوله تعالى:" وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منه رشدا فادفعوا إليهم أموالهم.."

وقد أدركنا علماء ربانيين يختبرون الطلبة المتقدمين في الفتيا،

ومن المعروف عند السابقين إعطاء الإذن في الفتيا...

وأظن أننا بحاجة إلى تنظيم لذلك ولعلنا نذكره في ختام الموضوع،

ونعود إلى الموضوع:


فمن المزال الخفية

مزلة الثقة المفرطة:

وسببها عدم احترام التخصص، فقد يظن من يوجه إليه السؤال أنه محيط بكل شيء، فيسأل عن حديث، فينسفه بأن لا أصل له، مع أنه في الصحيحين، أو يسأل عن مسألة اقتصادية متخصصة

مزلة الحذر المفرط:

وهذه المزلة ناتجة من سوء تطبيق مبدأ:" سد الذرائع"، فقد ذكر العلماء شروطا لتطبيق هذا المبدأ، ومتى ما تخلفت وقع الخطأ.

مزلة الموافقة للرأي السائد دون اقتناع

وهذا ملاحظ عند بعض الباحثين والمفتين، فقد تسأل شخصا متصدرا للفتوى عن حكم ما يحدث في الموالد فينكره، فإذا سئل في مكان عام أمام العوام فإنه ينكص على عقبيه ويغير فتواه مراعاة لرأي الجماهير، وكم من مفت يقرر في درسه رأيا بتحريم شيء أو تحليله أو وجوبه، فإذا كان في مكان عام خاف من إبداء رأيه، والواجب على الباحث أن يجعل الحق مطلوبه، ولا يفتي بخلاف ما لا يعتقد لأنه من غش عباد الله.

مزلة حب المخالفة والمعاكسة للسائد:

من أنواع الزلل الخفية، نزوع البعض لمخالفة الفتاوى السائدة، والسباحة ضد التيار رغبة في المخالفة والاشتهار، والتفريق بين هذا الصنف ومن قبله يحتاج إلى تأمل وتأن، وشاهد هذا الصنف أن ترى التناقض جليا في فتاواه، فمرة يستدل بحديث مرسل يؤيد قولا يراه، وفي مسألة أخرى يرد الحديث المرسل بأنه ضعيف. ومرة يستشهد بقول صحابي لم يعرف له مخالف، وفي فتوى ثانية يقرر أن الإجماع السكوتي ليس بحجة، وهكذا تجد التناقضات في جهة الاستدلال وطريقته مما يجعلك تجزم أن هذا المفتي قد وقع في مزلة مخالفة السائد والسباحة ضد التيار.

مزلة التعلق بالأحداث الماضية

قد يتعرض المفتي لحدث ما يجعله يستحضره إذا سئل عن شيئ قريب من ذلك الحدث، فقد يمر يعايش حادثة رجل أدب ولده على بعض الأمور مما سبب هروبه وتغيبه عن البيت ونزوعه إلى الإجرام المنظم، ثم يسأل المفتي عن تأديب الولد والشدة عليه، فتجد في لفظه نزوعا إلى عدم الضرب وإصلاح الخلل بالحوار ، لأنه يستحضر تلك القصة ويخشى أن يؤدي ضرب الابن إلى ما حدث في السابق.


ولعلنا نذكر فيما يأتي من الحلقات ما يمنع من الوقوع في الزلل..

إن أعان الله.

محبكم عبدالعزيز الدغيثر

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

17/06/06, 05 :47 05:47:12 PM
أبو مالك العوضي
عضو مخضرم تاريخ الانضمام: 04/10/05
المشاركات: 2,399



--------------------------------------------------------------------------------
جزى الله مشايخنا الأفاضل خير الجزاء على ما يقدمون من خير وما يبذلون من جهد

وعندي إشكال في بعض الكلام المذكور هنا، لعل أحد المشايخ يتفضل علينا بحله:

وبيان ذلك أن الذي أفهمه من عنوان الموضوع أنه يتعلق بالمواطن التي تجعل المفتي يخطئ ويزل في الفتوى بغير قصد منه، وأيضا الذي أفهمه من عنوان الموضوع أن الكلام هنا عن المواضع الخفية في الزلل بخلاف المواضع الظاهرة الواضحة.

فإذا كان فهمي صحيحا، فينبغي أن لا يدخل في هذا الباب ما زل فيه المفتي لهوى في نفسه أو تعمد منه لمخالفة الحق؛ لأن ذلك ضلال قبيح، وزيغ عن طريق أهل العلم.

وأيضا لا يدخل في هذا الباب ما كان ناتجا عن جهل واضح أو نقص في الأصول العلمية، كمن يجهل أصول الفقه أو لغة العرب، فإن هذا لا يحل له أن يفتي أصلا؛ لأنه فاقد لآلات الفتوى.

والله تعالى أعلى وأعلم.

__________________


قال الفـراء: قَـلَّ رجلٌ أنعَمَ النظـرَ في العربيةِ، وأراد علمًا غيـرَه، إلا سَهُلَ عليه.
حاجة الناس إلى التصنيف - معجم الأخطاء الشائعة للعدناني في الميزان
ما لم يكتبه ابن كثير من البداية والنهاية - للتحميل رسائل ماجستير ودكتوراه


أبو مالك العوضي
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى أبو مالك العوضي
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى أبو مالك العوضي
إيجاد جميع المشاركات للعضو أبو مالك العوضي

18/06/06, 03 :53 03:53:05 PM
وائل النوري
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 27/11/05
المشاركات: 270



--------------------------------------------------------------------------------
أحسن الله إليكما، وزادكما علما وفضلا.
المعتبر في المزال معرفة حقيقة الفتوى، ولها جهتان:
الأولى:الدليل.
الثانية: الواقعة.
قال أهل العلم: الفتوى: إخبار العالم عن حكم الله تعالى في الوقائع عند السؤال بالدليل.
انظر صفة الفتوى لابن حمدان.
فالقصور فيهما بغض النظر عن صفته يورث الزلل، فقد يكون ظاهرا وقد يكون خافيا.والمسألة نسبية ولها اعتبارات، وليس هذا محل النظر فيها.
فالمعتبر في المزال الخفية الآثار وذلك لتعلق الفتوى بالعمل، وهذا من التناسب.ولا يعني إهمال غيرها، وهذا ما فهمته عن أهل العلم خاصة من صنف في آداب الفتوى، والأمر يحتاج مزيد بسط.
والكلام عن فاقد الأهلية أمره ظاهر جلي، لأن غير المتأهل المتصدي للفتوى قاصر بجهله آثم بفعله، لا يجوز سؤاله، قولا واحدا.
ومن ذلك وهو أخفى منه: اسيفاء شروط النظر العقلي:
أحدها أن يكون الناظر كامل الآلة والثاني أن يكون نظره في دليل لا في شبهة والثالث أن يستوفي الدليل ويرتبه على حقه فيقدم ما يجب تقديمه ويؤخر ما يجب تأخيره.كما ذكر الشيرازي في شرح اللمع.
أما مسألة الأقران، فسداد القول فلا يتأتى إلا مع اعتدال المزاج.
قال ابن القيم :..لما قال لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه ويمنعه من كمال الفهم ويحول بينه وبين استيفاء النظر ويعمى عليه طريق العلم والقصد فمن قصر النهى على الغضب وحده دون الهم المزعج والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديد وشغل القلب المانع من الفهم فقد قل فقهه وفهمه.اهـ
وقال الشافعي: فأي حال أتت عليه، تغير خلقه أو عقله انبغى له أن لا يقضي حتى تذهب، وأي حال صيرت إليه سكون الطبيعة واجتماع العقل، انبغى له أن يتعاهدها فيكون حاكما عندها.اهـ
فالقاضي والمفتي سواء في هذا، وإن كان التثبت والأناة أخص بالأول من جهة الإلزام بالحكم.
فما يحصل بين الأقران من العداوة والمنافرة بسبب اختلاف العقيدة أو الحسد أو الغيرة ونحو ذلك آثاره على العلم واضحة، كآثار الغضب والحقن والحقب، سواء بسواء.
فلا وجه لإخراجه من المزال الخفية، بل هو بها أولى. والله أعلم.
وللحديث بقية.

__________________




وائل النوري
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى وائل النوري
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى وائل النوري
إيجاد جميع المشاركات للعضو وائل النوري

18/06/06, 04 :12 04:12:14 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
أخي الكريم : العوضي

من المعلوم أن الوصول إلى رتبة الفتوى لا يمكن قياسها، وإنما يبدأ طالب العلم بالفتيا في الأمور المتكررة، ثم يتدرج،
والحاصل الآن أن الذين يمارسون الفتيا يتدرجون من معلم التربية الإسلامية في المدارس إلى أئمة المساجد وخطبائها، والوعاظ والمحاضرين في المساجد، ووصولا إلى أساتذة الجامعات...
وهم يمارسون الفتيا في الأمور المتكررة، وأما المسائل الجديدة أو التي فيها خلاف يحتاج إلى أهلية ترجيح فإنهم يحيلون إلى من هو أعلم منهم..
فلو استمعت إلى برامج الفتيا في وسائل الإعلام فستجد أن أسباب وقوع الخطأ من المفتي محصورة، إلا أن العامي لا يدركها..ولو روجع المفتي لرجع في الغالب لوضوحها

وأنا أخشى من ضرب أمثلة يتضح بها القائل.

وشكر الله لك مرة أخرى على إثرائك الموضوع.

كما أشكر الشيخ وائل على إضافاته، ونكمل ما وقفنا عنده.



ما يمنع من الوقوع في الزلل



أولا : القرب من الله عز وجل

لا شك أن إصابة الحق تحتاج إلى إصلاح السيرة والسريرة للمفتي، والاعتصام بالله تعالى والقرب منه ليوفق للصواب، فقد سئل الإمام أحمد رحمه الله فقيل له : ربما اشتد علينا الأمر من جهتك ، فلمن نسأل بعدك ؟ فقال : سلوا عبدالوهاب الوراق، فإنه أهل أن يوفق للصواب. قال ابن القيم: واقتدى الإمام أحمد بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون ، فإنهم تجلى لهم أمور صادقة ، وذلك لقرب قلوبهم من الله ، وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء ، وكان نور كشفه للحق أتم وأقوى ، وكلما بعد عن الله ، كثرت عليه المعارضات ، وضعف نور كشفه للصواب ، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب ، يفرق به العبد بين الخطأ والصواب. وقد قال مالك للشافعي رضي الله عنهما أول ما لقيه : إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية. وقد قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا "( الأنفال : 29) ، ومن الفرقان النور الذي يفرق به العبد بين الحق والباطل ، وكلما كان قلبه أقرب إلى الله كان فرقانه أتم وبالله التوفيق .

ثانيا: أن يكثر من اللجوء إلى الله عند استغلاق المسائل عليه
قال إسماعيل بن أبي أويس : سألت خالي مالكا عن مسألة فقال لي : قِرَّ –أي امكث-، ثم توضأَ ، ثم جلس على السرير ثم قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وكان لا يفتي حتى يقولها .
وقال ابن القيم رحمه الله:وشهدت شيخ الإسلام قدس الله روحه إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجأ إليه ، واستنزال الصواب من عنده ، والاستفتاح من خزائن رحمته . فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدا ، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ .
وقال ابن القيم أيضا رحمه الله : حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح : اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك ، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول : يا معلم إبراهيم علمني، ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ رضي الله عنه حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته ، وقد رآه يبكي ، فقال : والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك ، ولكن أبكي على العلم والإيمان التي كنت أتعلمهما منك ، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : إن العلم والإيمان مكانهما ، من ابتغاهما وجدهما ، اطلب العلم عند أربعة : عويمر أبي الدرداء وعند عبدالله بن مسعود وأبي موسى الأشعري وذكر الرابع ، فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز ، فعليك بمعلم إبراهيم صلوات الله عليه .

ونكمل إن أعان الله....

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

19/06/06, 04 :28 04:28:18 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
ثالثا: استشعار المسؤولية
كان أئمة بني أمية يرون قصر الفتيا في المسائل العامة على أحد العلماء خشية التشويش على العامة ، فقد ذكر الذهبي رحمه الله في ترجمة عطاء بن أبي رباح ( ت 114هـ) أن بني أمية كانوا يأمرون مناديا في الحج يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح ، فإن لم يكن عطاء فعبدالله بن أبي نجيح . وفي ترجمة مالك ذكر الخطيب أنه كان ينادى : لا يفتي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى مالك، وعقب الشيخ بكر أبو زيد على ذلك لما أورده فقال: وعليه : فيجب على من بسط الله يده ، أن يقيم سوق الحجر في الفتيا على المتعالمين ، فإن الحجر لاستصلاح الأديان أولى من الحجر لاستصلاح الأبدان والأموال ، وإن الوالي إن لم يجعل على الفتيا كبلا فسيسمع لها طبلا ، وأن لا يمكن من بذل العلم إلا المتأهل له .
ودخل رجل على ربيعة الرأي فوجده يبكي ، فقال : ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك ؟ وارتاع لبكائه ، فقال: لا ، ولكن استفتي من لا علم له ، وظهر في الإسلام أمر عظيم .ثم قال : ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالحبس من السراق .
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين ، فمن صلح للفتيا أقره ، ومن لا يصلح منعه ، ونهاه أن يعود ، وتواعده بالعقوبة إن عاد . وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتيا أن يسأل علماء وقته ، ويعتمد أخبار الموثوق بهم .
قال ابن القيم رحمه الله: من أفتى الناس وليس أهلا للفتوى فهو آثم عاص ، ومن أقره من ولاة الأمور فهو آثم أيضا . قال ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية ، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب ، وليس له علم بالطريق ، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة ، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس ، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم ، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لا يحسن التطبب من مداواة المرضى ، فكيف بمن لا يعرف الكتاب والسنة ، ولم يتفقه في الدين . وكان شيخ الإسلام رحمه الله شديد الإنكار على هؤلاء . فسمعته يقول : قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسبا على الفتوى ؟ فقلت له : يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟ .

رابعا: جعل الحق هو الهدف
وعدو الحق هو التعصب ، سواء للمذاهب الفقهية أو للشيوخ، أو للسائد في المجتمع، جمع ابن دقيق العيد رحمه الله المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح انفرادا واجتماعا في مجلد ضخم وذكر في أوله أن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام وأنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها لئلا يعزوها إليهم فيكذبوا عليهم . وليس ذلك بعيب فيهم، لأنهم لم يدعوا العصمة، ولكن العيب فيمن عرف ذلك فلم يعترف به. وما أحسن وصية ابن مسعود رضي الله عنه لأحد أبنائه التي يقول فيها: لا تشرك به شيئا وزل مع القرآن حيث زال ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيدا بغيضا ومن جاءك بالباطل فاردده عليه وإن كان حبيبا قريبا .

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

20/06/06, 04 :04 04:04:09 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
نعود إلى الوسائل الواقية من الوقع في مزال الفتوى:

خامسا: منازعة الميل النفسي والهوى

قد تميل النفس لاتباع الرخص والتسهيل بلا مسوغ شرعي، وتعرف الرخصة بأنها أهون أقوال العلماء في مسائل الخلاف .
وقد حذر السلف من زلات العلماء فمن ذلك ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ثلاث يهدمن الدين؛ زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون .
ومن ذلك ما ورد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال حين يجلس:" الله حكم قسط، هلك المرتابون..." وفيه:"..وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق". فقال يزيد بن عميرة: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات-وفي رواية المشتبهات- التي يقال لها ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا" .
وقال السمعاني الكبير (ت489):" المفتي من استكمل فيه ثلاث شرائط: الاجتهاد والعدالة والكف عن الرخص والتساهل، وللمتساهل حالتان:
o إحداهما: أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفِكَر، فهذا مقصر في حق الاجتهاد، ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز أن يستفتى.
o والثانية: أن يتساهل في طلب الرخص وتأول السنة فهذا متجوِّز في دينه وهو آثم في الأول" .

سادسا: مراعاة التخصص

وهذا هو الذي تقتضيه الشريعة ، وعليه هدي السلف ، فقد خطب عمر رضي الله عنه بالجابية وقال: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت . وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا ، التفت إلى الشافعي فيقول : سلوا هذا .

سابعا: التأني والتثبت وعدم العجلة

ولقد أحسن الإمام الشافعي رحمه الله في وصاياه للمتفقه التي منها :ولا يعجل بالقول به دون التثبت... وعليه في ذلك بلوغ جهده والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك .
وقد نقل الشاطبي أحوالا عجيبة للإمام مالك في تأنيه في الفتوى وتأمله قبل إصدارها، فقد نقل عنه أنه قال: ربما وردت علي المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم. فقيل له : يا أبا عبدالله! والله ما كلامك عند الناس إلا نقر في حجر، ما تقول شيئا إلا تلقوه منك . قال : فمن أحق أن يكون هكذا إلا من كان هكذا . وقال: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن. وقال: ربما وردت علي مسألة فأفكر فيها ليالي .
وقال سحنون رحمه الله: أنا أحفظ مسائل فيها ثمانية أقاويل من ثمانية أئمة فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب ؟
ومن أكثر أهل العلم استقصاء في البحث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، فقد قال : وأما الذي أقوله الآن وأكتبه وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي ، وإنما أقوله في كثير من المجالس : إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها ، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة ، وما رووه من الحديث ، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته ، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام أهل التأويل ما لا يحصيه إلا الله .
وكان السراج البلقيني (ت805) لا يأنف من تأخير الفتوى عنده إذا أشكل عليه منها شيء إلى أن يحقق أمرها من راجعة الكتب . وكثيرا ما كان الإمام الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله يطلب من سائليه الإمهال حتى يستقصي الشيخ في البحث .


ونكمل إن أعان الله..........

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

21/06/06, 08 :53 08:53:58 AM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
ثامنا: مباحثة الآخرين من المتأهلين للفتيا، واستشارتهم
يقول الشافعي في وصاياه للمجتهد : ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ويزداد به تثبيتا فيما اعتقد من الصواب . وقد كان السلف يتدارسون الفقه ويتباحثون الليالي الطوال لما عرفوه من أهمية هذا الجانب وتفتيقه للأذهان وتمرينه للعقول.

تاسعا: الفتوى الجماعية في القضايا المستحدثة
أصل هذا الباب النصوص الواردة في الشورى وفعل الصحابة في الوقائع المستجدة ، قال أبو الحسن الأزدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر . وكان الفاروق رضي الله عنه يشاور الصحابة ولو كانوا حدثاء في السن ما داموا من أهل الاجتهاد كابن عباس رضي الله عنهما . وقد ورد عن علي رضي الله عنه قال: يا رسول الله: الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم تمض منك سنة فقال: أجمعوا العالمين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد" .
وكان كبار التابعين يحرصون على الاجتهاد الجماعي فقد جاء في ترجمة سالم بن عبدالله بن عمر أحد الفقهاء السبعة عن ابن المبارك قال: كانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعا فنظروا فيها ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم فينظرون فيها فيصدرون .
فالاجتهاد الجماعي - خاصة في الأمور العامة - يقي الأمة من مشاكل الاختلاف الذي ينتج عنه اختلاف الآراء، ومستند ذلك النصوص العامة في الأمر بالشورى وتطبيق الخلفاء لها . قال الإمام المزني رحمه الله: إذا اختلف الأئمة وادعت كل فرقة بأن قولها هو الذي يوافق الكتاب والسنة، وجب الاقتداء بالصحابة وطلبهم الحق بالشورى الموروثة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيحضر الإمام أهل زمانه فيناظرهم فيما مضى وحدث من الخلاف، ويسأل كل فرقة عما اختارت، ويمنعهم من الغلبة والمفاخرة، ويأمرهم بالإنصاف والمناصحة، ويحضهم على القصد به إلى الله تعالى، فإن الله تعالى يقول:" إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما" ، فبذلك يتبين لهم نظر الكتاب والسنة .
وقد كان في الأندلس مجالس للشورى بين أهل العلم يتشاورون فيها في المسائل النوازل ولها أرزاق من بيت المال كما في الموافقات .
ولقد أدرك كبار علماء القرن الماضي ضرورة إيجاد هيئة عامة مؤسسية على مستوى العالم الإسلامي تختص بإصدار الفتاوى العامة للمسلمين، فقال ابن عاشور: وإن أقل ما يجب على العلماء في هذا العصر أن يبتدئوا به من هذا الغرض العلمي أن يسعوا إلى جمع مجمع علمي يحضره أكبر العلماء بالعلوم الشرعية في كل قطر إسلامي على اختلاف مذاهب المسلمين في الأقطار، ويبسطوا بينهم حاجات الأمة، ويصدروا فيها عن وفاق فيما يتعين عمل الأمة عليه، ويعينوا يومئذ أسماء العلماء الذين يجدونهم قد بالغوا رتبة الاجتهاد أو قاربوا . وفي أهمية الاجتهاد الجماعي أيضا قال الشيخ أحمد شاكر: العمل الصحيح المنتج هو الاجتهاد الاجتماعي فإذا تبودلت الأفكار وتداولت الآراء ظهر وجه الصواب إن شاء الله .
ولقد قامت هيئات فقهية عالمية، وهيئات أخرى قطرية، ولكن لا زال بعض أهل العلم يصدرون الفتاوى في الأمور العامة التي حقها أن لا يستبد فيها مجتهد بالفتوى، بل أن تكون الفتوى جماعية حتى لا يتشتت الناس. فنسأل الله أن يجمع الكلمة ويوحد الصف ويصفي القلوب.

أسأل الله أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا لصالح القول والعمل، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

01/07/06, 03 :45 03:45:28 AM
عبد الرحمن السديس
عضو مخضرم تاريخ الانضمام: 27/03/03
محل السكن: الرياض
المشاركات: 1,852



--------------------------------------------------------------------------------
لله درك ما أحسن ما كتبت ، وليت الإحسان يكمل ببعث نسخة من هذا البحث النافع لمن تصدى للفتيا ، فما أحوجهم لذلك ، ولا أظن أحدا منهم يدخل هنا .

__________________
مكتبات كبرى : هنا وهنا و هنا و هناو هنا
لتخريج الأحاديث هنا و هناو هنا
للفتاوى هناو هناو هنا
sds55@gawab.com



عبد الرحمن السديس
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبد الرحمن السديس
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبد الرحمن السديس

01/07/06, 04 :25 04:25:10 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
شكر الله لك يا شيخ عبدالرحمن

وأعتقد أن في هذا المنتدى من سيكون مفتيا في المستقبل إن لم يكن مفتيا في الوقت الحالي..

ومما يحسن إيراده من إضافات أنقلها للفائدة - ومن أسند فقد خرج من العهدة:

قال الشنقيطي:
وقال عز وجل عائيا لأهل الكفر وذاما لهم ) ما هاذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون قالوا وجدنآ ءابآءنا لها عابدين (

وقال ) وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا (

ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء

وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر

وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجل فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة

لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه

وقال الله عز وجل ) وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون (

وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب هذا وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا

فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك

أخبرنا عبد الوارث ثم ساق السند إلى أن قال حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله e يقول ( إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قال وما هي يا رسول الله قال أخاف عليهم من زلة العالم ومن حكم جائر ومن هوى متبع )
ثم قال:
وكثير بن عبد الله المذكور في الإسناد ضعيف وأبوه عبد الله مقبول

ثم قال:
ذكر أبو عمر بن عبد البر في جامعه بإسناده عن زياد بن حدير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ثلاث يهدمن الدين زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون

ثم ذكر بالإسناد المذكور عن ابن مهدي عن جعفر بن حبان عن الحسن قال قال أبو الدرداء إن فيما أخشى عليكم زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق وعلى القرآن منار كأعلام الطريق

ثم أخرج بإسناده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول في مجلسه كل يوم قلما يخطئه أن يقول ذلك ( الله حكم قسط هلك المرتابون إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة وإياكم وزيغة الحكيم ) إلى آخر ما ذكره رحمه الله من الآثار الدالة على نحو ما تقدم من أن زلة العالم من أخوف المخاوف على هذه الأمة

وإنما كانت كذلك لأن من يقلد العالم تقليدا أعمى يقلده فيما زل فيه فيتقول على الله أن تلك الزلة التي قلد فيها العالم من دين الله وأنها مما أمر الله بها ورسوله وهذا كما ترى والتنبيه عليه هو مراد ابن عبد البر

ومرادنا أيضا بإيراد الآثار المذكورة

ثم قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه ما نصه

وشبه الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير

وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطى ء لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه

حدثنا عبد الرحمن بن يحيى ثم ساق السند إلى أن قال عن ابن مسعود أنه كان يقول ( اغد عالما أو متعلما ولا تغد إمعة ) فيما بين ذلك

ثم ساق الروايات في تفسيرهم الإمعة

ومعنى الإمعة معروف

قال الجوهري في صحاحه يقال الإمع والإمعة أيضا للذي يكون لضعف رأيه مع كل أحد ومنه قول ابن مسعود لا يكونن أحدكم إمعة ا ه منه
ولقد أصاب من قال ولقد أصاب من قال شمر وكن في أمور الدين مجتهدا
ولا تكن مثل عير قيد فانقادا


وذكر ابن عبد البر بإسناده عن ابن مسعود في تفسير الإمعة أنه قال

كنا ندعو الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره وهو فيكم اليوم المحقب دينه الرجال

ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال

ويل للأتباع من عثرات العالم قيل كيف ذلك قال يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله e منه فيترك قوله ذلك ثم تمضي الأتباع

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي وهو حديث مشهور عند أهل العلم يستغنى عن الإسناد لشهرته عندهم

يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق إلى آخر الحديث

وفيه أف لحامل حق لا يصيره له ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا يدري أين الحق إن قال أخطأ وإن أخطأ لم يدر مشغوف بما لا يدري حقيقته فهو فتنة لمن افتتن به وإن من الخير كله من عرفه الله دينه وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه

ولا شك أن المقلد غيره تقليدا أعمى يدخل فيما ذكره علي رضي الله عنه في هذا الحديث لأنه لا يدري عن دين الله شيئا إلا أن الإمام الفلاني عمل بهذا

فعلمه محصور في أن من يقلده من الأئمة ذهب إلى كذا ولا يدري أمصيب هو فيه أم مخطى ء

ومثل هذا لم يستضى ء بنور العلم ولم يلجأ إلى ركن وثيق لجواز الخطأ على متبوعه وعدم ميزه هو بين الخطأ والصواب

ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال

ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر
وقال في جامعه أيضا رحمه الله وثبت عن النبي e مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال ( تذهب العلماء ثم تتخذ الناس رؤساء جهالا يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون )

وهذا كله نفي للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدي لرشده

ثم ذكر رحمه الله آثارا نحو ما تقدم ثم قال

وقال عبيد الله بن المعتمر لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد

وهذا كله لغير العامة فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها

لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها

وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة والله أعلم

ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المرادون بقول الله عز وجل ) فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (

وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه في القبلة إذا أشكلت عليه

فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد من تقليد عالمه وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا

وذلك والله أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحريم والتحليل والقول في العلم

ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه ( أن رسول الله e قال من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه ومن أفتى بفتيا من غير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه )

ثم ذكر بسنده أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال

من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه اه

انتهى من أضواء البيان 7/309.

وفي سنن الدارمي : 214 أخبرنا محمد بن عيينة انا علي هو بن مسهر عن أبي إسحاق عن الشعبي عن زياد بن حدير قال قال لي عمر هل تعرف ما يهدم الإسلام قال قلت لا قال يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين

وروى الحاكم في المستدرك 8296 أخبرني محمد بن المؤمل ثنا الفضل بن محمد الشعراني ثنا نعيم بن حماد المروزي بمصر ثنا الفضل بن موسى ثنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة عن الحارث بن عميرة قال قدمت من الشام إلى المدينة في طلب العلم فسمعت معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله e يقول المتحابون في الله لهم منابر من نور يوم القيامة يغبطهم الشهداء فأقمت معه فذكرت له الشام وأهلها وأشعارها فتجهز إلى الشام فخرجت معه فسمعته يقول لعمرو بن العاص رضي الله عنهما لقد صحبت النبي e وأنت أضل من حمار أهله فأصاب ابنه الطاعون وامرأته فماتا جميعا فحفر لهما قبرا واحدا فدفنا ثم رجعنا إلى معاذ وهو ثقيل فبكينا حوله فقال إن كنتم تبكون على العلم فهذا كتاب الله بين أظهركم فاتبعوه فإن أشكل عليكم شيء من تفسيره فعليكم بهؤلاء الثلاثة عويمر أبي الدرداء وبن أم عبد وسلمان الفارسي وإياكم وزلة العالم وجدال المنافق فأقمت شهرا ثم خرجت إلى العراق فأتيت بن مسعود رضي الله عنه فقال نعم الحي أهل الشام لولا أنهم يشهدون على أنفسهم بالنجاة قلت صدق معاذ قال وما قال قلت أوصاني بك وبعويمر أبي الدرداء وسلمان الفارسي وقال وإياكم وزلة العالم وجدال المنافق ثم تنحيت فقال لي يا بن أخي إنما كانت زلة مني فأقمت عنده شهرا ثم أتيت سلمان الفارسي فسمعته يقول قال رسول الله e إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فأقمت عنده شهرا يقسم الليل ويقسم النهار بينه وبين خادمه هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

ورواه ابن أبي شيبة في المصنف 30335.
وروى الطبراني في المعجم الكبير 14 حدثنا علي بن المبارك الصنعاني ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني كثير بن عبد الله المزني ح وحدثنا محمد بن علي الصائغ المكي ثنا القعنبي ثنا كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله e يقول إني أخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قالوا ما هي يا رسول الله قال زلة العالم أو حكم جائر أو هوى متبع .


وفي السنن الكبرى للبيهقي: 20706 أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنبأ أحمد بن عبيد الصفار ثنا تمتام ثنا محمد بن إسحاق المسيبي ثنا عبد الله بن نافع عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أن رسول الله e قال اتقوا زلة العالم وانتظروا فيئته وكذلك رواه معن بن عيسى عن كثير
وفي الزهد لابن المبارك:
1449 أخبركم أبو عمر بن حيوية حدثنا يحيى حدثنا الحسين أخبرنا ابن المبارك أخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع ان تميم الداري استأذن عمر بن الخطاب في القصص فقال انه على مثل الذبح فقال اني ارجو العافية فأذن له عمر فجلس اليه يعني عمر يوما فقال تميم في قوله اتقوا زلة العالم فكره عمر أن يسأله عنه فيقطع بالقوم فحضر منه قيام فقال لابن عباس إذا فرغ فسله ما زلة العالم ثم قام عمر فجلس ابن عباس فغفل غفلة وفرغ تميم وقام يصلي وكان يطيل الصلاة فقال ابن عباس لو رجعت فقلت ثم أتيته فرجع وطال على عمر فأتى ابن عباس فسأله فقال ما صنعت فاعتذر اليه فقال انطلق فأخذ بيده حتى آتي تميم الداري فقال له ما زلة العالم فقال العالم يزل بالناس فيؤخذ به فعسى أن يتوب منه العالم والناس يأخذون به .
وفيه:
1474 أخبركم أبو عمر بن حيوية حدثنا يحيى حدثنا الحسين أخبرنا ابن المبارك أخبرنا ابن لهيعة حدثني عبيد الله بن أبي جعفر قال قيل لعيسى بن مريم صلوات الله يا روح الله وكلمته من أشد الناس فتنة قال زلة العالم إذا زل العالم زل بزلته عالم كثير

قوال ابن كثير في البداية والنهاية 9/293:
وقال وهب أتى رجل من أهل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنزير فأعظم الناس مكانه وهالهم أمره فقال له صاحب شرطة الملك سرا بينه وبينه أيها العالم اذبح جديا مما يحل لك أكله ثم ادفعه إلى حتى أصنعه لك على حدته فإذا دعا الملك بلحم الخنزير أمرت به فوضع ين يديك فتأكل منه حلالا ويرى الملك والناس أنك إنما أكلت لحم الخنزير فذبح ذلك العالم جديا ثم دفعه إلى صاحب الشرطة فصنعه له وأمر الطباخين إذا أمر الملك بأن يقدم إلى هذا العالم لحم الخنزير أن يضعوا بين يديه لحم هذا الجدى واجتمع الناس لينظروا امر هذا العالم فيه أياكل ام لا وقالوا أن أكل اكلنا وإن امتنع امنتنعنا فجاء الملك فدعا لهم بلحوم الخنازيز فوضعت بين أيديهم ووضع بين يدى ذلك العالم لحم ذلك الجدي الحلال المذكى فألهم الله ذلك العالم فألقى في روعه وفكره فقال هب أني أكلت لحم الجدي الذي أعلم حله أنا فماذا أصنع بمن لا يعلم والناس إنما ينتظرون أكلى ليقتدوا بي وهم لا يعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير فيأكلون اقتداء بي فأكون ممن يحمل أوزارهم يوم القيامة لا أفعل والله وإن قتلت وحرقت بالنار وأبى أن يأكل فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه ويومي إليه ويأمره بأكله أي إنما هو لحم الجدي فأبى أن يأكل ثم أمره الملك أن يأكل فأبى فألحوا عليه فأبى فأمر الملك صاحب الشرطه بقتله فلما ذهبوا به ليقتلوه قال له صاحب الشرطة ما منعك أن تأكل من اللحم الذي ذكبته أنت ودفعته إلي أظننت أني أتيتك بغيره وخنتك فيما ائتمنتني عليه ما كنت لأفعل والله فقال له العالم قد علمت أنه هو ولكن خفت أن يتأسى الناس بي وهم إنما ينتظرون أكلي منه ولا يعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير وكذلك كل من أريد على أكله فيما يأتي من الزمان يقول قد أكله فلان فأكون فتنة لهم فقتل رحمه الله فينبغي للعالم أن يحذر المعايب ويجتنب المحذورات فإن زلته وناقصته منظورة يقتدى بها الجاهل وقال معاذ بن جبل اتقوا زيغة الحكيم وقال غيره اتقوا زلة العالم فإنه إذا زل بزلته عالم كبير ولا ينبغي له أن يستهين بالزلة وإن صغرت ولا يفعل الرخص التي اختلف فيها العلماء فإن العالم هو عصاه كل أعمى من العوام بها يصول على الحق ليدحضه ويقول رأيت فلانا العالم وفلانا وفلانا يفعلون ويفعلون وليجتنب العوائد النفسية فإنه قد يفعل أشياء على حكم العادة فيظنها الجاهل جائزة أو سنة أو واجبة كما قيل سل العالم يصدقك ولا تقتد بفعله الغريب ولكن سله عنه يصدقك إن كان ذا دين وكم أفسد النظر إلى غالب علماء زمانك هذا من خلق فما الظن بمخالطتهم ومجالستهم ولكن ) من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.

وفي فيض القدير 1/140:

اتقوا زلة العالم أي سقطته وهفوته وفعلته الخطيئة جهرا إذ بزلته يزل عالم كثير لاقتدائهم به فهفوته يترتب عليها من المفاسد ما لا يحصى وقد يراقبه للأخذ عنه من لا يراه ويقتدي به من لا يعلمه فاحذروا متابعته عليها والاقتداء به فيها ولكن مع ذلك احملوه على أحسن المحامل وابتغوا له عذرا ما وجدتم لذلك سبيلا وعلم من ذلك أنه لا عذر لنا في قولنا إن أكلنا الحرام فالعالم الفلاني يأكله مثلا

قال الغزالي في هذا جهل وكيف يعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فإن من خالف أمر الله تعالى لا يقتدى به كائنا من كان ولو دخل غيرك النار وأنت تقدر على أن لا تدخلها فلا عذر لك في موافقته

والزلة في الأصل استرسال الرجل بغير قصد والمزلة المكان الزلق قيل للذنب من غير قصد زلة تشبيها بزلة الرجل ذكره الراغب وانتظروا فيئته بفتح الفاء بضبط المصنف أي رجوعه وتوبته عما لابسه من الزلل تقول فاء إلى الله فيئة حسنة إذا تاب ورجع ذكره الزمخشري وغيره إنما قال ذلك لأن العلم يحمله على التوبة كما قال في الحديث الآخر ستنهاه صلاته وفي الحديث الآخر إن المؤمن خلق مفتنا توابا إذا ذكر تذكر قال الغزالي احذر من الاغترار بعلماء السوء فإن شرهم أعظم على الدين من شر الشياطين إذ الشياطين بواسطتهم يتصدون إلى انتزاع الدين من قلوب المؤمنين ولهذا لما سئل رسول الله من أشر الخلق قال اللهم غفرا حتى كرروا عليه فقال هم علماء السوء

قال ابن عباس ويل للعالم من الأتباع يزل زلة فيرجع عنها ويتحملها الناس فيذهبون في الآفاق وفي منثور الحكم والمدخل زلة العالم كانكسار السفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير وقيل لعيسى عليه الصلاة والسلام من أشد الناس فتنة قال زلة عالم

وفي الإسرائيليات أن عالما كان يضل الناس ببدعته ثم تاب وعمل صالحا فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له لو كان ذنبك فيما بيني وبينك لغفرته لك لكن كيف بمن أضللته من عبادي فأدخلتهم النار فأمر العلماء خطر وعليهم وظيفتان ترك الذنب ثم إخفاؤه إن وقع وكما يتضاعف ثوابهم على الحسنات فيضاعف عقابهم على الذنوب والسيئات إذا اتبعوا

والعالم إذا ترك الميل إلى الدنيا قنع منها بالقليل ومن الطعام بالقوت ومن الكسوة بالخلق اقتدى به العامة فكان له مثل ثوابهم بنص خبر من سن سنة حسنة وإن مال إلى التوسع في الدنيا مالت طباع من دونه إلى التشبه به ولا يقدرون على ذلك إلا بخدمة الظلمة وجمع الحطام الحرام فيكون هو السبب في ذلك

فحركات العلماء في طوري الزيادة والنقصان تتضاعف آثارها إما بربح أو خسران الحلواني بالضم نسبة إلى حلوان بلد بآخر العراق وهو الحسن بن علي الحلواني الخلال شيخ مسلم عد هق وكذا العسكري في الأمثال كلهم عن كثير المزني بمثلثة ضد قليل المزني قال في الكاشف واه

وقال أبو داود كذاب

وفي الميزان عن الشافعي وأبي داود ركن من أركان الكذب وضرب أحمد على حديثه وقال الدارقطني وغيره متروك

وقال ابن حبان له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة وقال ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه هو ابن عبد الله قال الذهبي صحابي وثق ابن عمرو بن عوف المزني الصحابي عن أبيه عبد الله عن جده عمرو المذكور ولم يقتصر المصنف على الصحابي فقط كما هو عادته ليبين أنه من رواية الرجل عن أبيه عن جده وذلك من أنواع علوم الحديث كما هو معروف وقد سكت عليه فلم يرمز له بضعف وغيره ومن قال إنه رمز لضعفه فقد وهم فقد وقفت على نسخته بخطه ولا رمز فيها إن سلم عدم وضعه فقد علمت القول في كثير وقال الزين العراقي رواه ابن عدي من حديث عمرو بن عوف هذا وضعفه انتهى

فعزو المصنف الحديث لابن عدي وسكوته عما أعله به غير مرضي ولعله اكتفى بإفصاحه بكثير

وقال 1/187:
إحذروا زلة العالم أي احذروا الاقتداء به فيها ومتابعته عليها كلبسه الإبريسم وركوبه مراكب العجم وأخذه ما فيه شبهة من مال السلطان وغيره ودخوله عليه والتردد إليه ومساعدته إياه بترك الإنكار وتمزيقه الأعراض وتعديه باللسان في المناظرة واستخفافه بالناس وترفعه عليهم واشتغاله بالعلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه وكتساهله في الإفتاء وفي الإجازة به وكتقصير في بذل الجهد في الاجتهاد وإعطائه النظر حقه فيما يسأل عنه وتسارعه إلى الجواب من رأس القلم أو اللسان وإجماله في محل التفصيل والبيان فهذه ذنوب يتبع العالم فيها العالم فيموت العالم ويبقى شره مستطيرا في العالم ومن ثم قال فإن زلته تكبكبه بضم المثناة فوق وفتح الكاف وسكون الموحدة في النار أي تقلبه على رأسه وترديه لوجهه فيها لما يترتب على زلته من المفاسد التي لا تحصى لاقتداء الخلق به ولهذا قال بعض الصوفية إذا زل عالم زل بزلته عالم قال الزمخشري والكبكبة تكرير الكب وجعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى ومن ألقي في النار انكب مرة بعد أخرى حتى يستقر بمستقرها فلما قلب الخلق عن الهدى بزلته قلبه الله تعالى في النار جزاء وفاقا وعصيان العالم إنما هو من رين القلب وظلمة الذنب ولو كشف له غطاء قلبه ورأى ما منح عز عليه أن يدنس خلعة الله التي خلعها عليه كما عز عليه أن يدنس خلع الملوك في الدنيا فلو أن ملكا شرفه بخلعة من خز لصانها فكيف بخلعة رب العالمين على ذلك المسكين من عامة المسلمين تنبيه قال الغزالي كان بلعم بن باعوراء من العلماء وكان بحيث إذا نظر رأى العرش وهو المعنى بقوله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ( الأعراف 175 ) ولم يقل آية واحدة ولم يكن له إلا زلة واحدة مال إلى الدنيا وأهلها ميلة واحدة وترك لنبي من الأنبياء حرمة واحدة فسلبه معرفته وجعله بمنزلة الكلب المطرود فقال فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ( الأعراف 175 ) الآية فإن قلت كيف تدخل العالم زلته النار مع أنه مأجور على اجتهاده وإن أخطأ ولهذا قال ابن المبارك رب رجل حسن وآثاره صالحة كانت له هفوة وزلة فلا يقتدى به فيهما قلت الزلة والغلط تارة تقع عن تقصير في الاجتهاد وفاعل ذلك غير مأجور بل مأزور وتارة تقع عن اجتهاد تام لكن وقع فيه الغلط في استحلال محرم أو تحريم حلال أو ترك واجب بتأويل وهو في نفس الأمر خطأ فهذا يؤجر على اجتهاده ولا يعاقب على زلته فر عن أبي هريرة لم يرمز المصنف له بشيء وهو ضعيف لأن فيه محمد بن ثابت البناني قال الذهبي ضعفه غير واحد ومحمد بن عجلان أورده في الضعفاء وقال صدوق ذكره البخاري في الضعفاء وقال الحاكم سيى ء الحفظ عن أبيه عجلان وهو مجهول

وقال 1/202:
أخاف على أمتي زاد في رواية بعدي فالإضافة للتشريف ثلاثا أي خصالا ثلاثا قال الزمخشري والخوف غم يلحق الإنسان لتوقع مكروه والحزن غم يلحقه لفوت نافع أو حصول ضار زلة عالم أي سقطته يعني عمله بما يخالف علمه ولو مرة واحدة فإنه عظيم المفسدة لأن الناس مرتقبون لأفعاله ليقتدوا به ومن تناول شيئا وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم قاتل سخروا منه واتهموه وزاد حرصهم على ما نهاهم عنه فيقولون لولا أنه أعظم الأشياء وألذها لما استأثر به وأفرد الزلة لندرة وقوعها منه وجدال منافق بالقرآن أي مناظرته به ومقابلته الحجة بالحجة لطلب المغالبة بالباطل وربما أول منه شيئا ووجهه بما يؤول إلى الوقوع في محذور فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ( آل عمران 7 ) ................
قال الطيبي وقدم زلة العالم لأنها السبب في الخصلتين الأخيرتين فلا يحصلان إلا من زلته ولا منافاة بين قوله هنا ثلاثا وفيما يأتي ستا وفي الخبر الآتي على الأثر ضلالة الأهواء إلى آخره لأنا إن قلنا إن مفهوم العدد غير حجة وهو ما عليه المحققون فلا إشكال وإلا فكذلك لأنه أعلم أولا بالقليل ثم بالكثير أو لأن ذلك يقع لطائفة وهذا لأخرى طب عن أبي الدرداء قال الهيثمي فيه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

01/07/06, 10 :45 10:45:08 PM
عبدالله المحمد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 05/12/03
المشاركات: 369



--------------------------------------------------------------------------------
جزاك الله خيرا

قال الشيخ محمد الموسى متحدثا عن الشيخ ابن باز -رحمه الله - :

12 – ومن صور تواضعه أنه لا يأنف من قول : لا أدري ، لا أعلم ، أتوقف ، فكثيرا ما يقول ذلك حين يُسأل وهو لا يعلم سواء كان ذلك في مجالسه الخاصة ، أو العامة ، أو في المحاضرات ، أو المساجد ، أو في الإذاعة.

وفي عام 1402 هـ كان يلقي درسا في الحرم فسُئل : هل الأنثى مثل الذكر يُحلق رأسها ويوزن ، ويتصدق بوزنه ورقا ؟

فأجاب –رحمه الله- : بقوله : ما عندي علم أسأل اخواني طلبة العلم وأخبركم إن شاء الله.

انتهى (جوانب من سيرة الإمام ) ص135

__________________


البال منكسف والحال منهكة ** والدمع منحدر والنفس تنفطر
إني لفي عجب من حبه ثمل ** لو بحت عنه هنا لاستنكر البشر

من قصيدة للشيخ سعود الشريم في رثاء الشيخ ابن باز رحمه الله


عبدالله المحمد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالله المحمد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالله المحمد

02/07/06, 04 :15 04:15:47 PM
عبدالعزيز بن سعد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 20/01/06
المشاركات: 405



--------------------------------------------------------------------------------
بارك الله فيك

وسمعت الشيخ ابن باز رحمه الله سئل عن حلق رأس البنت حتى يقوى الشعر ويكثر؟ فقال: الله أعلم .

وكان ذلك أثناء درس بتاريخ 15/10/1418هـ

__________________




عبدالعزيز بن سعد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالعزيز بن سعد
إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى عبدالعزيز بن سعد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالعزيز بن سعد

08/07/06, 01 :47 01:47:38 AM
عبدالله المحمد
عضو نشيط تاريخ الانضمام: 05/12/03
المشاركات: 369



--------------------------------------------------------------------------------
هذه فائدة يا شيخ إن كان مقصودكم في البنت بعد ولادتها



اقتباس:
المشاركة الأصلية بواسطة عبدالله المحمد
جزاك الله خيرا

قال الشيخ محمد الموسى متحدثا عن الشيخ ابن باز -رحمه الله - :

12 – ومن صور تواضعه أنه لا يأنف من قول : لا أدري ، لا أعلم ، أتوقف ، فكثيرا ما يقول ذلك حين يُسأل وهو لا يعلم سواء كان ذلك في مجالسه الخاصة ، أو العامة ، أو في المحاضرات ، أو المساجد ، أو في الإذاعة.

وفي عام 1402 هـ كان يلقي درسا في الحرم فسُئل : هل الأنثى مثل الذكر يُحلق رأسها ويوزن ، ويتصدق بوزنه ورقا ؟

فأجاب –رحمه الله- : بقوله : ما عندي علم أسأل اخواني طلبة العلم وأخبركم إن شاء الله.

انتهى (جوانب من سيرة الإمام ) ص135



حلق شعر رأس البنت بعد ولادتها وختانها صدر من مكتب سماحته برقم 3398\ب بتاريخ 24\12\1407هـ .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخت المكرمة : ن . س . ر . خ .

سلمها الله .


سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد :


فأشير إلى استفتائك المقيد في إدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم 4312 وتاريخ 23\11\1407هـ الذي تسألين فيه عن : ختان البنات وحلق شعر البنت بعد ولادتها؟

ج : وأفيدك : أن السنة حلق رأس الطفل الذكر عند تسميته في اليوم السابع فقط ، أما الأنثى فلا يحلق رأسها ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : سنن الترمذي الأضاحي (1522),سنن النسائي العقيقة (4220),سنن أبو داود الضحايا (2837),سنن ابن ماجه الذبائح (3165),مسند أحمد بن حنبل (5/17),سنن الدارمي الأضاحي (1969). كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عند يوم سابعه ، ويحلق ، ويسمى خرجه الإمام أحمد ، وأصحاب السنن الأربع بإسناد حسن .

وأما الختان للنساء فهو مستحب وليس بواجب ؛ لعموم الأحاديث الواردة في ذلك ، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - : صحيح البخاري اللباس (5550),صحيح مسلم الطهارة (257),سنن الترمذي الأدب (2756),سنن النسائي الزينة (5225),سنن أبو داود الترجل (4198),سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (292),مسند أحمد بن حنبل (2/239),موطأ مالك الجامع (1709). خمس من الفطرة : الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، ونتف الإبط ، وحلق العانة متفق على صحته .

وفق الله الجميع لما فيه رضاه .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

(الجزء رقم : 10، الصفحة رقم: 48)

http://www.alifta.com/sites/iftaa/Re2asa/ResultDetails.aspx?view=result&fatwaNum=&FatwaNumID=&ID=1410&searchScope=4&SearchScopeLevels1=&SearchScopeLevels2=&highLight=0&SearchType=EXACT&bookID=&LeftVal=2551&RightVal=2552&simple=&SearchCriteria=Phrase&siteSection=1&searchkeyword=216173217132217130032216180216185216 17703221617721616321617903221616721713221616821713 4216170#firstKeyWordFound

والشيخ رحمه الله يرى بالنسبة لأحاديث حلق الغلام أنها ثابتة

بخلاف الوزن ( الوجه ب من شريط الأطعمة )


المعذرة يا شيخ عبدالعزيز ولو أنا ابتعدنا قليلا عن موضوعك

__________________


البال منكسف والحال منهكة ** والدمع منحدر والنفس تنفطر
إني لفي عجب من حبه ثمل ** لو بحت عنه هنا لاستنكر البشر

من قصيدة للشيخ سعود الشريم في رثاء الشيخ ابن باز رحمه الله


عبدالله المحمد
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى عبدالله المحمد
إيجاد جميع المشاركات للعضو عبدالله المحمد