المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : استصحاب الإجماع في محل النزاع حجة


سيد أحمد مهدي
12-09-06, 05:56 PM
سئل أحد الطلبة الباحثين في علم أصول الفقه:
السؤال:قال الشنقيطي رحمه الله (المذكرة 122) في استصحاب حال الإجماع في محل النزاع: "والمختار هو الأول في عدم اعتباره لأن محل الوفاق غير محل الخلاف فلا يتناوله بوجه وإنما يوجب استصحاب الإجماع حيث لا يوجد صفة تغيره ولأن الدليل إن كان هو الإجماع فهو محال في محل الخلاف وإن كان غيره فلا مستند إلى الإجماع الذي يزعم أنه يستصحب"ا هـ
ما هو الراجح في حجية استصحاب الإجماع في محل النزاع؟
الجواب:الصحيح أنه حجة والجواب عن الاعتراضات أن دليل المسألة المجمع عليها هو الإجماع ولا دليل معتبر ومؤثر في التفريق بين محل الإجماع والمحل الذي يستصحب فيه الإجماع ومن زعم أن الصورتين مختلفتين في الصفة فليبطل القياس فإن القياس الذي يسمى بنفي الفارق وهو من أقوى أنواع القياس لا ينظر فيه إلى الاختلافات التي لا تعتبر شرعا وكذلك هذا الاستصحاب فإنه لا يلتفت في نقضه إلا لفرق مؤثر شرعا أما المثال المشهور الذي يضربونه في هذا الباب ( استصحاب طهارة المتيمم عند رؤية الماء في الصلاة...) فهو معيق للفهم وداع إلى إنكار هذا النوع من الاستصحاب وهو في الحقيقة تعارض استصحابين يقدم أقواهما ولا يقول عاقل أن تعارض قياسين أو نصين يؤدي إلى عدم حجية القياس أو النص
.

وائل النوري
14-09-06, 04:46 PM
هذه المسألة من المضايق، ولعل هذا الذي استظهرته وجيه وهو ما ذهب إليه ابن القيم في الإعلام.
والمثال المذكور نوزع من جهتين:
الجهة الأولى: استصحاب عدم الماء، ولا أثر للوجود في استدامته.
الجهة الثانية: استصحاب وجود الماء، واستدامته.
والصحيح اعتبار الدليل الناقل ولا يتمسك بالاستصحاب. قال ابن القيم"فلا يمكن المعترض رفعه إلا أن يقيم دليلا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلا على نقل الحكم حينئذ، فيكون معارضا في الدليل".
وجه ذلك:
أولا: عن أبي ذر رضي الله قال: قال رسول الله صصص"الصعيد الطيب طهور وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك"
فأمره النبي صصص باستعمال الماء ولم يفصل، فدل على الإطلاق فيمن وجد الماء بعد الوقت وقبل خروجه وحال الصلاة وبعدها.
ومثله حديث عمران وفيه قال رسول الله صصص "اذهب، فأفرغه عليك"
ثانيا: الأصل في الصلاة الطهارة المائية
العمل بالأصل مقدم على البدل عند القدرة عليه.
قال النبي صصص "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ".
وأدلة الأصل كثيرة.
فلا طهارة تصح بصعيد مع وجود الماء إلا لمن أجازه الشارع، وحديث أبي ذر يدل على ذلك.وانظر القاعدة السابعة في تقرير القواعد(1/39 ـ 40)
ثالثا: القدرة على الماء تنقض التيمم
وهذا ظاهر في حديث أبي ذر"فإذا وجدت الماء فأمسه"
قال ابن رشد في البداية(1/53): فغير مناسب للشرع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة وينقضها في غير الصلاة.اهـ
فوجود الماء ينقض التيمم ويجب استعماله، ولا فرق بين حال وحال كالأحداث سواء بسواء، ومن فرق فعليه بالدليل.
وانظر المحلى(2/172)
رابعا: بطلان الاستمرار في الصلاة كان بسبب شرعي ولا إرادة للمكلف فيه.
وفيه رد على من استدل بقول الله عز وجل"ولا تبطلوا أعمالكم" فهذا متعلق بالإرادة وذاك لم يبطل الصلاة بإرادته، وإنما أبطلها طرو الماء كما لو أحدث.
انظر البداية(1/53)
هناك أوجه أخرى يصعب دفعها، وما ذكرته يفي بالغرض.
لذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله كما في الروايتين(1/41): كنت أقول يمضي في صلاته ثم تدبرت، فإذا أكثر الأحاديث على أنه يخرج.اهـ
حقا يا إلكيا الهراسي: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهب الرياح.

أبو مالك العوضي
20-09-06, 07:33 PM
السؤال:قال الشنقيطي رحمه الله ....

الشنقيطي مسبوق بهذا الكلام عند غيره كالزركشي في البحر.



الجواب:الصحيح أنه حجة والجواب عن الاعتراضات أن دليل المسألة المجمع عليها هو الإجماع ولا دليل معتبر ومؤثر في التفريق بين محل الإجماع والمحل الذي يستصحب فيه الإجماع ومن زعم أن الصورتين مختلفتين في الصفة فليبطل القياس فإن القياس الذي يسمى بنفي الفارق وهو من أقوى أنواع القياس لا ينظر فيه إلى الاختلافات التي لا تعتبر شرعا وكذلك هذا الاستصحاب فإنه لا يلتفت في نقضه إلا لفرق مؤثر شرعا


هذا كلام فيه نظر واضح؛ لأن هذا القائل إن كان يعني أن هذه الحجة من باب القياس، فإن الذي احتج بها لم يسمها قياسا، فكيف يدعي عليه أنه قد احتج بشيء لم يذكره؟!

وإن كان يعني أن هذه الحجة إجماع، فهي ليست إجماعا اتفاقا.

وإن كان يريد أن الصواب فيها أنها تدخل في باب القياس، فنقول: الإجماع إما أن يكون على صورة من الصور لا يتعداها أو على معنى من المعاني، فإن كان على صورة من الصور فلا يصح القياس فيها؛ لأنه يكون كالأمر غير المعقول المعنى، وإن كان على معنى من المعاني فهذا يشبه الإجماع على علة من العلل، فيكون الاستناد حينئذ إلى ثبوت هذه العلة في الفرد المختلف فيه، فيكون الاستدلال حينئذ بالإجماع وليس باستصحابه.

وأما ما ذكره من نفي الفارق المؤثر فهذا يشبه الاستدلال بالمسألة المتنازع عليها؛ لأنهم لو اتفقوا على أنه لا فرق بين الصورتين لما اختلفوا في حكمهما.
فللمخالف أن يقول: لا أسلم أنه لا يوجد فرق مؤثر بينهما، فلا يصح الاستدلال.

أبو الفرج مهدي
21-09-06, 08:29 PM
[quote=أبو مالك العوضي;477717]وإن كان يريد أن الصواب فيها أنها تدخل في باب القياس، فنقول: الإجماع إما أن يكون على صورة من الصور لا يتعداها أو على معنى من المعاني، فإن كان على صورة من الصور فلا يصح القياس فيها؛ لأنه يكون كالأمر غير المعقول المعنى، وإن كان على معنى من المعاني فهذا يشبه الإجماع على علة من العلل، فيكون الاستناد حينئذ إلى ثبوت هذه العلة في الفرد المختلف فيه، فيكون الاستدلال حينئذ بالإجماع وليس باستصحابه.

أرجو أن تعطينا مثالا عن الإجماع الواقع على صورة والإجماع الواقع على معنى ومن قال بهذا التفريق بارك الله فيك؟

أبو مالك العوضي
22-09-06, 02:10 AM
هذا ليس تفريقا بارك الله فيك، وإنما هو تقسيم، والفرق واضح.

وإن كان لديك شبهة فاعرضها، أو فائدة فاكتبها، وجزاك الله خيرا

أبو مالك العوضي
22-09-06, 02:19 AM
الإجماع على (صورة) كاتفاق أهل العلم على أن الظهر أربع ركعات
فحتى لو قلنا باستصحاب الإجماع فهذه الصورة لا تحتمل الاستصحاب، فأين ستستصحب هذا الإجماع؟

والإجماع على (معنى) كاتفاق أهل العلم على أن الشريعة جاءت لمصالح العباد في العاجل والآجل
فحتى لو قلنا باستصحاب الإجماع في ذلك فلن يفيد لأن الخلاف حينئذ سيكون في تحقق المصلحة في هذا الفرع أو عدم تحققها أو في تعارض المصالح، وليس في صحة الإجماع نفسه.

فعلى الصورتين لا يصح الاحتجاج باستصحاب الإجماع، هل فهمتَ مقصدي؟

أتمنى أن يكون كلامي واضحا.

المصلحي
17-11-06, 12:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه وبعد :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
تحرير محل النزاع :

الاستصحاب عدة انواع ، وكلامنا هو حول نوع واحد من هذه الانواع ، ويجب التنبه لذلك حتى لاتختلط ادلة بعض الانواع ، وادلة هذه المسالة ، كما ننبه ان من نفى هذه المسالة لايلزم من قوله انه لايرى حجية الانواع الاخرى من الاستصحاب ، وذلك لان الاستصحاب انواع منه ماهو صحيح معتمد عليه .

صورة المسالة :
اذا احمع العلماء على حكم مسالة في حالة معينة ، ثم اختلف حال تلك المسالة فهل يجوز استصحاب الاجماع الى الحالة الجديدة ؟
اختلف الاصوليون في ذلك على قولين :
الاول :
ان استصحاب الاجماع في مواضع النزاع حجة شرعية . وهوقول ابي ثور والظاهرية والمزني وابن سريج والصرفي وابن خيران وابن القطان وابن الحاجب والامدي والشوكاني .
الثاني :
ان ذلك غير حجة ، وهو قول جماهير الاصوليين والفقهاء ، كالشافعي ، وحكي عن ابي حنيفة ، واختاره ابو اسحاق الشيرازي والماوردي والغزالي والروياني وابن السمعاني وابو يعلى الفراء والسبكي والزركشي والشنقيطي .
قلت :
ونسبة القول اعلاه الى الظاهرية فيه نظر ، لان الظاهرية يقولون بان الاجماع منحصر في اجماع الصحابة ، ولعله حصل خطا عليهم في فهم كلامهم ، فان الاستصحاب انواع ، وهم يقولون بها ، لكن استصحاب الاجماع في مواضع النزاع كيف يقولون به هكذا على الاطلاق وهم لايقولون الا باجماع الصحابة ؟ ولقد بحثت في احكام ابن حزم فلم اجد له كلاما حول استصحاب الاجماع عندما تكلم عن الاستصحاب وقد ذكر باقي انواعه ، والله اعلم .

رأيي في المسالة :
والذي يبدو لي من خلال مقارنة ادلة الفريقين ان الراجح هو القول الثاني ، اي عدم حجية ذلك ، للادلة التالية :
1- ان القول باستصحاب الاجماع في مواضع النزاع يؤدي الى تكافؤ الادلة .
بيانه :
مامن شخص يستصحب الاجماع في مسالة ، الا وخصمه يستطيع قلب ذلك عليه .
مثال :
رؤية المتيمم للماء اثناء الصلاة .
يقول الاول ( من يرى حجية ذلك ):
انعقد الاجماع على صحة صلاة المتييم قبل رؤيته للماء اثناء الصلاة ، ثم حصل خلاف في صحة صلاته بعد رؤيته للماء اثناء الصلاة ، فانا استصحب هذا الاجماع ماقبل الرؤية الى بعد الرؤية ، لان الاصل بقاء ماكان على ماكان حتى ياتي دليل يغيره .
فيقابله الثاني (من لايرى حجية ذلك ):
انعقد الاجماع على بطلان التيمم برؤية الماء قبل الصلاة ، فانا استصحب هذا الاجماع الى اثناء الصلاة ، لان الاصل بقاء ماكان ....
وهذا مانعنيه هنا بتكافؤ الادلة .
2- ان القول بثبوت الحكم في موضع النزاع اما ان يكون لدليل او لغير دليل والثاني غير جائز فتعين الاول ، والدليل اما نص من كتاب وسنة او قياس او اجماع ، فان كان الحكم ثابتا بنص او قياس لم يكن الحكم ثابتا باستصحاب الاجماع في موضع النزاع بل باستصحاب النص او القياس في موضع النزاع ، وان كان الحكم ثابتا بالاجماع فلايوجد اجماع في موضع الخلاف فكيف يقال بحجية ذلك؟
3- ان استصحاب النص او القياس في مواضع النزاع يختلف عن استصحاب الاجماع في مواضع النزاع ، والفرق بينهما ان الدليل في حالة النص والقياس مازال قائما ، فيجوز الاعتماد عليه ، ونقول ان الاصل بقاء ماكان على ماكان ، اما الاجماع فلم يعد قائما في موضع النزاع فلايعتمد عليه فلا يجوز ان نقول ان الاصل بقاء ماكان على ماكان لان ذات الاجماع لم يعد باقيا ، اذ كيف يعتمد عليه وهو لم يعد موجودا ، بخلاف النص والقياس فانه مازال موجودا فيصح استصحابه في موضع النزاع .
قال الحافظ ابو يعلى الحنبلي رحمه الله :
الاستدلال بالاحماع لايصح بعد زواله وانما يصح الاحتجا ج به مع بقائه لان الدليل اذا زال زال الحكم المتعلق به . العدة ( 2/ 275) ط دار الكتب العلمية .
4- اننا في حالة استصحاب النص او القياس ( الانواع الاخرى ) نقول بحجية الاستصحاب اعتمادا على القاعدة ان الاصل عدم تغير الحكم ولاينتقل عن الاصل الابدليل ، فنتستصحب بقاء الامر على ماهو عليه ، وقد اتفق القائلون بحجية الاستصحاب على انه لايقال به اذا ورد شيء يدل على تغيير الاصل ، مثل ورود نص مخصص او ناسخ ... اي وجود قرينة تدل على عدم استمرار الدليل ، والقرينة موجود في حالة استصحاب الاجماع ، وهي حصول الخلاف ، فهو قرينة دالة على عدم بقاء الحكم على ماهو عليه .
والفرق بين القرينة المغيرة للاصل في الحالات الاخرى انها تاتي من خارج الدليل اما في حالة الاجماع فانها تاتي من ذات الدليل هي انه لم يعد هو موجودا بنفسه ، بينما في الادلة الاخرى تكون القرائن خارجية تدل على انها لم تعد موجودة .
ووجود القرينة الدالة على عدم بقاء الاصل يمنع من الاستصحاب بالاتفاق .
وبهذا يظهر لنا ان قول القائل ان الاصل بقاء ماكان على ماكان حتى يرد مايغيره انما هو في الدليل الذي يمكن بقاؤه ، مثل النص او القياس ، اما الاجماع فقد اختفى في موضع النزاع فكيف يستصحبه المحتج به ؟
واذا تاملت ادلة من قال بحجية ذلك وجدتها تدور حول استصحاب الادلة الاخرى غيردليل الاجماع ، ووجدتها تدور حول الانواع الاخرى من انواع الاستصحاب .
هذا والله تعالى اعلم .
ينظر :
البحر المحيط ( 4/331) ، احكام الامدي ( 2/374) ، ارشاد الفحول ( 2/177) ، الابهاج للسبكي ( 3/140) ، قواطع الادلة ( 2/35) ، العدة ( 2/ 274 ) ، اصول الجصاص ( 2/167) ، المسودة ( ص343) ، تشنيف الاسماع للزركشي ( 2/145) ، المذكرة ( ص180) .

أبو الفرج مهدي
20-11-06, 12:20 PM
الصحيح أنه حجة والجواب عن الاعتراضات أن دليل المسألة المجمع عليها هو الإجماع ولا دليل معتبر ومؤثر في التفريق بين محل الإجماع والمحل الذي يستصحب فيه الإجماع .
- المسألة التي يستصحب فيها الإجماع إما أن تكون هي نفسها المسألة التي وقع عليها الإجماع أولا, فإن كانت نفسها فدليلها الإجماع لا استصحابه, وإن لم تكن نفس المسألة فإما أن يكون بينهما فرق مؤثر أو لا, فإن كان بينهما فرق مؤثر فلا يكون استصحاب الإجماع حجة باتفاق, وإن لم يكن بين المسألتين فرق مؤثر فهذا هو محل النزاع, والذي يظهر والله أعلم أنه ليس بحجة, وهذا لما يلي:
(1) أن الاستصحاب عموما ليس دليلا مستقلا بل يرجع إلى أحد الأدلة المتفق عليها, ولهذا استصحاب البراءة الأصلية هو استصحاب لعدم الدليل المنافي للدليل الذي ثبتت به المسألة الأولى, إذ لا يخلو شيء من حكم لله فيه, إذن قد حكمنا في استصحاب البراءة الأصلية بالدليل الذي ثبتت به أولا, وأما استصحاب الدليل كاستصحاب العموم فالأمر فيه واضح أنه استدلال بالدليل نفسه, ولهذا أثبتهم بعضهم وقال لا نسميه استصحابا كالسمعاني, أما استصحاب الإجماع في محل النزاع فالأمر فيه مختلف, فالمتمسكون به يقولون من جهة أنه يرجع إلى أحد الأدلة وهو الإجماع(وهذا مقتضاه أن يكون الدليل في المسألة هو الإجماع لما قلناه من قبل أن الاستصحاب ليس دليلا مستقلا), ومن جهة أخرى يقولون ليس إجماعا.
(2) أن المسألة المختلف فيها مهما كان اختلافها عن مسألة الإجماع فهي مسألة أخرى لا يصح استصحاب الإجماع فيها وإن كان الاختلاف غير مؤثر, وأما تشبيهها بالقياس فلا يصح كما سبق أن ذكر الشيخ أبو مالك, وهذا لأنهم اختلفوا في القياس بنفي الفارق هل هو من القياس أو لا فعلى القول بأنه من القياس يكون استدلالنا صحيحا لأنا استدللنا بالقياس وهو حجة مستقلة بخلاف الاستصحاب, وعلى القول بأنه ليس من القياس نكون قد استدللنا بالنص فيلزمهم أن يستدلوا هم بالإجماع في محل النزاع لا باستصحابه.
(3) أن الإجماع كالنص الخاص في المسألة, حيثما ورد لا يجوز أن يعمم ويستدل به في غيرها, فالإجماع لا عموم له, وأما المتمسكين باستصحاب الإجماع فإنه يلزمهم أن يكون للإجماع عموم, إذ لولا عمومه لما استطاعوا تعديته إلى المسألة المختلف فيها.
(4) أن الاستصحاب يكون في المسألة الواحدة يختلف فيها أو لا يعثر فيها عن دليل فيستصحب فيها دليل من الأدلة, وهذا ما نراه في استصحاب البراءة الأصلية واستصحاب الدليل, ولهذا كانا حجة, أما استصحاب الإجماع في محل النزاع فقد وقع في مسألتين مختلفتين انتقل فيه من مسألة إلى أخرى, فهذا الأولى أن يسمى انتقالا لا استصحابا, ومثل هذا الانتقال لا يكون إلا في القياس بوجود علة وشروط, ولهذا المسألة المختلف فيها -والتي يدعون فيها استصحاب الإجماع- إذا لم نجد لها دليلا فدليلها هو البراءة الأصلية وهو نوع من الاستصحاب وهو أقوى من استصحاب الإجماع في محل النزاع, والله أعلم.

وإن كان لديك شبهة فاعرضها، أو فائدة فاكتبها، وجزاك الله خيرا
شيخنا أبا مالك منكم نستفيد إنما أردت من سؤالي التوضيح فقط, وقد فعلتم ذلكم مشكورين, وكلامك واضح جزاك الله خيرا ولا عدمنا منك فائدة.
والذي يبدو لي من خلال مقارنة ادلة الفريقين ان الراجح هو القول الثاني ، اي عدم حجية ذلك ، للادلة التالية :
1-ان القول باستصحاب الاجماع في مواضع النزاع يؤدي الى تكافؤ الادلة .

هذا الدليل الذي يذكره الأصوليون هو في الحقيقة لا شيء, وإن كان يبدو في أول وهلة أنه قوي, وقد ذكر "مهدي الجزائري" الرد على هذا الدليل في ثنايا الجواب والرد على المثال الذي مثلت به, وأزيده بيانا:
1-أن تكافؤ الأدلة يعني تعارضها بشكل لا يمكن معه الترجيح, وتعارض الدليلين الجزئيين ليس دليلا على عدم حجية الدليل الكلي, مثاله أن كثيرا من المسائل نرى فيها اختلافا بين العلماء وكل فريق يستدل بالقياس, ولم يقل أحد أن تعارض الأقيسة دليل على أن القياس ليس بحجة, فكذلك هنا تعارض الاستصحابين ليس دليلا على عدم حجية الاستصحاب.
2-أن الترجيح أمر نسبي يختلف من شخص لآخر فما رآه أحدهم متعارضا لا يمكن معه الترجيح يراه غيره ممكنا.
3-أن قولهم أنه "مامن شخص يستصحب الاجماع في مسالة ، الا وخصمه يستطيع قلب ذلك عليه ." هذا مجرد ادعاء, ولم يجدوا له مثالا إلا مسألة التيمم التي ذكرتها, فمثلا: مسألة رؤية الهلال في النهار بعد الزوال هل هو لليلة الماضية أو القادمة, استدل بعضهم باستصحاب الإجماع, وذلك أنهم أجمعوا على أنه إذا رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية فاستصحبوا هذا الإجماع لما بعد الزوال لعدم الفارق المؤثر, فهنا نقول لمن استدل بتكافؤ الأدلة ائتنا باستصحاب لإجماع معارض.والله تعالى أعلم.

أما الدليل الثاني والثالث فهما ينصبان في مجرى واحد وكلاهما يقصد منه أن وقوع الخلاف دليل على عدم وجود إجماع مستصحب, وهذا يسلمه لك الخصم لأنه لا يستدل في موضع الخلاف بالإجماع وإنما يستدل باستصحابه, ولكن الأمر الذي ينبغي أن يناقش فيه المخالف هو هل الاستصحاب دليل مستقل أو لا؟ فالخصم لا يقر أنه دليل غير مستقل بمعنى أنه يعود إلى أحد الأدلة المتفق عليها, وأحسن شيء يمثل به لبيان المقصود هو بيان الفرق بين استصحاب البراءة الأصلية واستصحاب الإجماع, ليظهر وجه حجية الأول وعدم حجية الثاني وقد ذكرت الفرق بينهما في أول الكلام, والله تعالى أعلم.

سيد أحمد مهدي
25-11-06, 12:55 PM
السلام عليكم ورحمة الله
أشكر الإخوة والمشايخ الكرام على تجاوبهم مع الموضوع المطروح ومناقشتهم العلمية لهذه المسألة
لقد أورد الإخوة الكرام إيرادات وانتقادات على حجية دليل استصحاب الإجماع في محل النزاع أود مناقشة بعضها وقبل ذلك رأيت أن أصدر لهذه المناقشة بمقدمات أراها مهمة لتحرير محل النزاع بين المثبت والمنكر لهذا الدليل فإن لم يوافقني الإخوة على بعض ما فيها شرعوا في مناقشتها قبل غيرها حتى يهدينا الله عز وجل إلى الحق فيهاا نسأل الله تعالى الهداية والسداد وهذه هي المقدمات:
1-الإجماع حجة شرعية يجب اتباعها والمصير إليها ولا تجتمع الأمة إلا بدليل من الكتاب والسنة يسمى مستند الإجماع لا يجب البحث عنه ولا تشترط معرفته وهذا المستند يعرض له ما يعرض للنصوص من عموم وإطلاق وإجمال...
2-الصحيح أن الاستصحاب حجة سواء قلنا أنه دليل مستقل أوهو استدلال بالدليل المستصحب في نفس الأمر واستدلالنا بالاستصحاب لا يلزم منه تضمينه قطعية الدليل الذي استصحبنا حكمه إن كان قطعيا إلا إذا قطعنا بعدم الناقل وليست دلالة النص على المسألة استصحابا كدلالته عليها نصا كما نقول أنها ليست كدلالته عليها قياسا أو مفهوما أو اقتضاء وإن كنا نقول أن أصل هذه الدلالات هو النص الأصلي.
3-لا اعتبار في الشرع للفروق التي لا تأثير لها في الحكم الشرعي كالوصف الطردي في القياس و ولولا ذلك لعطلنا العموم والقياس
4-العموم والقياس والاستصحاب معان متشابهة تشترك في كون مقتضاها اندراج أفراد متشابهين تحت حكم واحد وهذا التشابه قد يكون علة بمعناها الأصولي التي تتحقق فيها الشروط المذكورة في باب القياس وقد يكون غير ذلك فالإلحاق في القياس يكون بالعلة وفي العموم بصيغ العموم وفي الاستصحاب بالبقاء على أصل الدليل وعدم الناقل، وعدم الناقل دليل على اشتراك المسألة التي لم يدل عليها الدليل نصا مع المسألة المنصوصة في بعض المعاني وعدم اعتبار الفروق بينهما ومما يوضح لنا اشتراك الاستصحاب والعموم في بعض المعاني أنهم قد ذكروا من أنواع الاستصحاب استصحاب العموم واختلفوا في تسمية ذلك استصحابا
بعد هذا أقول:
استصحاب الإجماع في محل النزاع من أنواع الاستصحاب لا من أنواع الإجماع ولا يقول أحد أن الحكم في المسألة المتنازع فيها من حيث القوة في الدلالة كقوته في الدلالة على المسألة المجمع عليها كما تقدم فلا مسوغ للاعتراض بأن لا إجماع في المسألة فالأمر معلوم ويسلم به الخصم ولا يصلح نفي الإجماع في المسألة المتنازع فيها لنسف الاستصحاب وغاية ما في الأمر انتفاء الإجماع قال ابن القيم في حكاية رد من أثبت استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع على من استدل على انه لا إجماع في المسألة المختلف فيها إعلام الموقعين 1/341-342 :" غاية ما ذكرتم أنه لا إجماع في محل النزاع وهذا حق ونحن لم ندع الإجماع في محل النزاع بل استصحبنا حال المجمع عليه حتى يثبت ما يزيله "
وهذا الاستدلال ليس قياسا كذلك لكنه يشبه القياس في عدم اعتبار الفارق غير المؤثر شرعا كما تقدم من تشابه القياس والاستصحاب في بعض المعاني.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين ص343-344:" ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة أن تبدل حال المحل المجمع على حكمه أولا كتبدل زمانه ومكانه وشخصه وتبدل هذه الأمور وتغيرها لا يمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدل فكذلك تبدل وصفه وحاله لا يمنع الاستصحاب حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلا للحكم مثبتا لضده كما جعل الدباغ ناقلا لحكم نجاسة الجلد وتخليل الخمرة ناقلا للحكم بتحريمها وحدوث الاحتلام ناقلا لحكم البراءة الأصلية وحينئذ فلا يبقى التمسك بالاستصحاب صحيحا"
أما أن الإجماع يقع إما على صورة وإما على معنى فهذا تفريق منطقي مقبول ولا يلزم منه عدم حجية هذا الاستدلال لأن الصورتين وإن افترقتا في بعض الأمور مع الشبه الكبير في أكثر الأمور فهما كالصورة الواحدة شرعا فلما لم نجزم أنهما على صورة واحدة مع ترجيحنا أن الفروق بينهما غير مؤثرة شرعا استصحبنا حال الإجماع في المسألة المتفق عليها.فمما لا شك فيه أن المسائل التي تكون بينها من الفروق الظاهرة الجلية الكثيرة التي دل الشرع على تأثيرها في الأحكام ليس بابها استصحاب الإجماع في محل النزاع وإنما نتكلم عن هذا الدليل في المسائل التي بينها من الشبه ما لا يخفى ولا تؤثر الفروق التي بينها شرعا وتأثير الفرق أو عدمه بحث آخر ينظر فيه في كل مسألة بحسبها
كما بين ابن القيم رحمه الله أن حصول النزاع ليس دليلا على انتفاء حكم الإجماع قال في الإعلام1/342:" قال الآخرون الحكم إذا كان إنما ثبت بالإجماع وقد زال الإجماع زال الحكم بزوال دليله فلو ثبت الحكم بعد ذلك لثبت بغير دليل وقال المثبتون الحكم كان ثابتا وعلمنا بالإجماع ثبوته فالإجماع ليس هو علة ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتى يلزم من زوال العلة زوال معلولها ومن زوال السبب زوال حكمه وإنما الإجماع دليل عليه وهو في نفس الأمر مستند إلى نص أو معنى نص فنحن نعلم أن الحكم المجمع عليه ثابت في نفس الأمر والدليل لا ينعكس فلا يلزم من انتفاء الإجماع إنتقاء الحكم بل يجوز أن يكون باقيا ويجوز أن يكون منتفيا لكن الأصل بقاؤه"
فلا يجب أن نغفل عن مستند الإجماع الذي هو أصل ثبوت الإجماع وحجيته فاستصحابنا لحال الإجماع استصحاب لمستنده في الحقيقة كما يفهم من كلام ابن القيم رحمه الله.
ثم إننا في مثل هذه المسائل نرجع إلى استصحاب الدليل -وهو الإجماع في هذه الحالة- وهو أولى من الرجوع إلى البراءة الأصلية التي هي بذاتها عموم واسع جدا.
بل جعل ابن قيم رحمه الله تعالى استصحاب الإجماع في محل النزاع هو الرجوع إلى البراءة الأصلية كما بينه في الإعلام1 ص 342
ومما يستأنس به لتقوية القول بحجية هذا الاستدلال أن الإجماع المستصحب قد يكون منقولا من أقوال الصحابة رضي الله عنهم فيكون لأقوالهم عموما أو إطلاقا يشمل المسألة المتنازع فيها
وفيما يلي مواضع بعض المسائل الفقهية من كتاب بداية المجتهد استدلوا فيها باستصحاب حال الإجماع في محل النزاع فالمسألة الأصولية لا تتجلى إلا بذكر فروعها وتطبيقاتها فأرجو من الإخوة الإطلاع عليها لمناقشتها وإفادتنا بما وقفوا عليه من مسائل تندرج تحت هذا الباب في كتب الفقه لا سيما من يرى حجية هذا الدليل نسأل الله عز وجل الهداية والسداد
المسألة الأولى
قال 1/69-70:"المسألة الرابعة اختلفوا في وقت العشاء الآخرة في موضعين أحدهما في أوله والثاني في آخره أما أوله فذهب مالك والشافعي وجماعة إلى أنه مغيب الحمرة وذهب أبو حنيفة إلى أنه مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم الشفق في لسان العرب فإنه كما أن الفجر في لسانهم فجران كذلك الشفق شفقان أحمروأبيض ومغيب الشفق الأبيض يلزم أن يكون بعده من أول الليل إما بعد الفجر المستدق من آخر الليل أعني الفجر الكاذب وإما بعد الفجر الأبيض المستطير وتكون الحمرة نظير الحمرة فالطوالع إذن أربعة الفجر الكاذب والفجر الصادق والأحمر والشمس وكذلك يجب أن تكون الغوارب ولذلك ما ذكر عن الخليل من أنه رصد الشفق الأبيض فوجده يبقى إلى ثلث الليل كذب بالقياس والتجربة وذلك أنه لا خلاف بينهم أنه قد ثبت في حديث بريدة وحديث إمامة جبريل أنه صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق وقد رجح الجمهور مذهبهم بما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء ثم مغيب القمر في الليلة الثالثة ورجح أبو حنيفة مذهبه بما ورد في تأخير العشاء واستحباب تأخيره الصلاة إلى نصف الليل وأما آخر وقتها فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال قول إنه ثلث الليل وقول إنه نصف الليل وقول إنه إلى طلوع الفجر وبالأول أعني ثلث الليل قال الشافعي وأبو حنيفة وهو المشهور من مذهب مالك وروي عن مالك القول الثاني أعني نصف الليل وأما الثالث فقول داود وسبب الخلاف في ذلك تعارض الاثار ففي حديث إمامة جبريل أنه صلاها بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني ثلث الليل وفي حديث أنس أنه قال أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل خرجه البخاري وروي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل وفي حديث أبي قتادة ليس التفريط في النوم إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى فمن ذهب مذهب الترجيح لحديث إمامة جبريل قال ثلث الليل ومن ذهب مذهب الترجيح لحديث أنس قال شطر الليل وأما أهل الظاهر فاعتمدوا حديث أبي قتادة وقالوا هو عام وهو متأخر عن حديث إمامة جبريل فهو ناسخ ولو لم يكن ناسخا لكان تعارض الاثار يسقط حكمها فيجب أن يصار إلى استصحاب حال الإجماع وقد اتفقوا على أن الوقت يخرج لما بعد طلوع الفجر واختلفوا فيما قبل فإنا روينا عن ابن عباس أن الوقت عنده إلى طلوع الفجر فوجب أن يستصحب حكم الوقت إلا حيث وقع الاتفاق على خروجه وأحسب أن به قال أبو حنيفة "
المسألة الثانية
وقال: 1 ص: 81-82" وفي هذا الباب مسألة مشهورة وهي جواز الصلاة في داخل الكعبة وقد اختلفوا في ذلك فمنهم من منعه على الإطلاق ومنهم من أجازه على الإطلاق ومنهم من فرق بين النفل في ذلك والفرض وسبب اختلافهم تعارض الاثار في ذلك والاحتمال المتطرق لمن استقبل أحد حيطانها من داخل هل يسمى مستقبلا للبيت كما يسمى من استقبله من خارج أم لا أما الأثر فإنه ورد في ذلك حديثان متعارضان كلاهما ثابت أحدهما حديث ابن عباس قال لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة والثاني حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال بن رباح فأغلقها عليه ومكث فيها فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى فمن ذهب مذهب الترجيح أو النسخ قال إما بمنع الصلاة مطلقا إن رجح حديث ابن عباس وإما بإجازتها مطلقا إن رجح حديث ابن عمر ومن ذهب مذهب الجمع بينهما حمل حديث ابن عباس على الفرض وحديث ابن عمر على النفل والجمع بينهما فيه عسر فإن الركعتين اللتين صلاهما عليه الصلاة والسلام خارج الكعبة وقال هذه قبلة هي العربي ومن ذهب مذهب سقوط الأثر ثم التعارض فإن كان ممن يقول باستصحاب حكم الإجماع والاتفاق لم يجز الصلاة داخل البيت أصلا وإن كان ممن لا يرى استصحاب حكم الإجماع عاد النظر في انطلاق اسم المستقبل للبيت على من صلى داخل الكعبة فمن جوزه أجاز الصلاة ومن لم يجوزه وهو الأظهر لم يجز الصلاة في البيت"
المسألة الثالثة
قال 2/136-137" باب في طرو النقصان وأما إن طرأ على المبيع نقص فلا يخلو أن يكون نقص في قيمته أو في البدن أو في النفس فأما نقصان القيمة لاختلاف مؤثر في الرد بالعيب بإجماع وأما النقصان الحادث في البدن فإن كان مؤثر في القيمة فلا تأثير له في الرد بالعيب وحكمه حكم الذي لم يحدث وهذا نص مذهب مالك وغيره وأما النقص الحادث في البدن المؤثر في القيمة فاختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال أحدها أنه ليس له أن يرجع إلا بقيمة العيب فقط وليس ذلك إذا أبى البائع من الرد وبه قال الشافعي في قوله الجديد وأبو حنيفة وقال الثوري ليس له إلا أن يرد ويرد مقدار العيب الذي حدث عنده وهو قول الشافعي الأول والقول الثالث قول مالك إن المشتري بالخيار بين أن يمسك ويضع عنه البائع من الثمن قدر العيب أو يرده على البائع ويعطيه ثمن العيب الذي حدث عنده وأنه إذا اختلف البائع والمشتري فقال البائع للمشتري أنا أقبض المبيع وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك وقال المشتري أنا أمسك المبيع وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك فالقول قول المشتري والخيار له وقد قيل في المذهب القول قول البائع وهذا إنما يصح على قول من يرى أنه ليس للمشتري إلا أن يمسك أو يرد وما نقص عنده وشذ أبو محمد بن حزم فقال له أن يرد ولا شيء عليه وأما حجة من قال إنه ليس للمشتري إلا أن يرد ويرد قيمة العيب أو يمسك فلأنه قد أجمعوا على أنه إذا لم يحدث بالمبيع عيب ثم المشتري فليس إلا الرد فوجب استصحاب حال هذا الحكم وإن حدث ثم المشتري عيب مع إعطائه قيمة العيب الذي حدث عنده وأما من رأى أنه لا يرد المبيع بشيء وإنما قيمة العيب الذي كان ثم البائع فقياسا على العتق والموت لكون هذا مجمع عليه وقد خالف فيه عطاء وأما مالك فلما تعارض عنده حق البائع وحق المشتري غلب المشتري وجعل له الخيار لأن البائع لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون مفرطا في أنه لم يستعلم العيب ويعلم به المشتري أو يكون علمه فدلس به على المشتري وعند مالك أنه إذا صح أنه دلس بالعيب وجب عليه الرد أن يدفع إليه المشتري قيمة العيب الذي حدث عنده فإن مات من ذلك العيب كان ضمانه على البائع بخلاف الذي لم يثبت أنه دلس فيه وأما حجة أبي محمد فلأنه أمر حدث من ثم الله كما لو حدث في ملك البائع فإن الرد بالعيب دال على أن البيع لم ينعقد في نفسه وإنما انعقد في الظاهر وأيضا فلا كتاب ولا سنة يوجب على مكلف غرم ما لم يكن له تأثير في نقصه إلا أن يكون على جهة التغليظ ثم من ضمن الغاصب ما نقص عنده بأمر من الله فهذا حكم العيوب الحادثة في البدن"
المسألة الرابعة
وقال 2 ص: 245:" كتاب الهبات والنظر في الهبة في أركانها وفي شروطها وفي أنواعها وفي أحكامها ونحن إنما نذكر من هذه الأجناس ما فيها من المسائل المشهورة فنقول أما الأركان فهي والموهوب له والهبة فإنهم اتفقوا على أنه تجوز هبته إذا كان مالكا للموهوب صحيح الملك وذلك إذا كان في حال الصحة وحال إطلاق اليد واختلفوا في حال المرض وفي حال السفه والفلس وأما المريض فقال الجمهور إنها في ثلثه تشبيها بالوصية أعني الهبة التامة بشروطها وقالت طائفة من السلف وجماعة أهل الظاهر إن هبته تخرج من رأس ماله إذا مات ولا خلاف بينهم أنه إذا صح من مرضه أن الهبة صحيحة وعمدة الجمهور حديث عمران بن حصين عن النبي عليه الصلاة والسلام في الذي أعتق ستة أعبد ثم موته فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتق ثلثهم وأرق الباقي وعمدة أهل الظاهر استصحاب الحال أعني حال الإجماع وذلك أنهم لما اتفقوا على جواز هبته في الصحة وجب استصحاب حكم الإجماع في المرض إلا أن يدل الدليل من كتاب أو سنة بينة والحديث عندهم محمول على الوصية والأمراض التي يحجر فيها ثم الجمهور هي لأمراض المخوفة وكذلك ثم مالك الحالات المخوفة مثل الكون بين الصفين وقرب الحامل من الوضع وراكب البحر المرتج وفيه اختلاف وأما الأمراض المزمنة فليس عندهم فيها تحجير...."
المسألة الخامسة
وقال: 2 ص: 294-295:" كتاب أمهات الأولاد وأصول هذا الباب النظر في هل تباع أم الولد أم لا وإن كانت لا تباع فمتى تكون أم ولد وبماذا تكون أم ولد وما يبقى فيها لسيدها من أحكام العبودية ومتى تكون حرة أما المسألة الأولى فإن العلماء اختلفوا فيها سلفهم وخلفهم فالثابت عن عمر رضي الله عنه أنه قضى بأنها لا تباع وأنها حرة من رأس مال سيدها إذا مات وروي مثل ذلك عن عثمان وهو قول أكثر التابعين وجمهور فقهاء الأمصار وكان أبو بكر الصديق وعلي رضوان الله عليهما وابن عباس وابن الزبير و جابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري يجيزون بيع أم الولد وبه قالت الظاهرية من فقهاء الأمصار وقال جابر وأبو سعيد كنا نبيع العالمين الأولاد والنبي عليه الصلاة والسلام فينا لا يرى بذلك بأسا واحتجوا بما روي عن جابر أنه قال كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر ثم نهانا عمر عن بيعهن ومما اعتمد عليه أهل الظاهر في هذه المسألة النوع من الاستدلال الذي يعرف باستصحاب حال الإجماع وذلك أنهم قالوا لما انعقد الإجماع على أنها مملوكة قبل الولادة وجب أن تكون كذلك بعد الولادة إلى أن يدل الدليل ذلك وقد تبين في كتب الأصول قوة هذا الاستدلال وأنه لا يصح ثم من يقول بالقياس وإنما يكون ذلك دليلا بحسب رأي من ينكر القياس وربما احتج الجمهور عليهم بمثل احتجاجهم وهو الذي يعرفونه بمقابلة الدعوى بالدعوى وذلك أنهم يقولون أليس تعرفون أن الإجماع قد انعقد على منع بيعها في حال حملها فإذا كان ذلك وجب أن يستصحب حال هذا الإجماع بعد وضع الحمل إلا أن المتأخرين من أهل الظاهر أحدثوا في هذا الأصل نقضا وذلك أنهم لا يسلمون منع بيعها حاملا"

سيد أحمد مهدي
29-11-06, 01:26 PM
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ج: 5 ص: 734
ّوحديث عائشة رضي الله عنها يدل على أن الحائض قد تحبل ونحن نقول بذلك لكنه يقطع ويرفعه قالوا ولأن الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنا غذاء فالخارج وقت الحمل يكون غيره فهو دم فساد قال المحيضون لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها لا سيما في أول حملها النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده وقد كان حيضا قبل الحمل بالإتفاق فنحن حكمه حتى يأتي ما يرفعه بيقين قالوا والحكم إذا ثبت في محل فالأصل بقاؤه يأتي ما يرفعه فالأول استصحاب لحكم الإجماع في محل النزاع والثاني استصحاب الثابت في المحل حتى يتحقق ما يرفعه والفرق بينهما ظاهر قالوا وقد قال النبي إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف وهذا أسود يعرف فكان حيضا...ّ

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 05:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من الإشكالات حول حجية دليل استصحاب الإجماع في محل النزاع:
*نسبة الاستدلال باستصحاب الإجماع إلى الظاهرية وحدهم وإلزام من من استدل به أن ينكر القياس.
*القول بأن كل ما اُستدل فيه باستصحاب الإجماع يمكن يستدل عليه بالقياس.
وسأحاول إن شاء الله تعالى التطرق إلى هذين الإشكالين في النقاط الآتية راجيا من المشايخ والإخوة الكرام المناقشة والإفادة :
1-أثر المثال في رد الدليل
مثال التيمم تتابع عليه المؤلفون في علم الأصول (أنظر على سبيل المثال أصول السرخسي2/116 الإبهاج 3/170 التبصرة 1/527 المستصفى 1/160 المسودة 1/307 ....)
وتمسك بعضهم بالأمثلة المشكلة الأخرى كقضية بيع أم الولد (قال في البحر المحيط 3/125وَقَدْ احْتَجَّ ابْنُ دَاوُد عَلَى بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَقَالَ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ أَمَةً تُبَاعُ , فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَزُولُ بِوِلَادَتِهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ . فَقَلَبَهُ عَلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ , وَقَالَ : اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا لَا تُبَاعُ , فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهَا لَا تُبَاعُ إذَا وَلَدَتْ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ , فَبُهِتَ .)
فكثير من المنكرين لهذا الدليل استدلوا بهذين المثالين الذين يمكن بهما قلب الاستدلال على الخصم ثم الخلوص إلى تكافؤ الأدلة فإبطال الدليل، لذا كان من الضروري لمن يبحث عن حجية هذا الدليل اطراح مثل هذه الأمثلة التي تندرج تحت باب تعارض استصحابين، بل واطراح كل مثال فقهي تمسك به الظاهرية إذا أردنا أن نثبت أن هذا الدليل ليس من فرائدهم (ومنها أغلب الأمثلة المنقولة من بداية المجتهد)، و مناقشة أمثلة فقهية من استدلال أئمة غير الظاهرية فالقول بهذا الدليل منسوب إلى الشافعي والمزني و والصيرفي وَ أبي ثور وابْنِ سُرَيْجٍ وغيرهم

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 05:28 PM
2-أثر الخلاف بين المثبتين والمنكرين لاستصحاب الدليل عموما
قال في البحر4/30: "الرَّابِعَةُ : اسْتِصْحَابُ الدَّلِيلِ مَعَ احْتِمَالِ الْمُعَارِضِ : إمَّا تَخْصِيصًا إنْ كَانَ الدَّلِيلُ ظَاهِرًا , أَوْ نَسْخًا إنْ كَانَ الدَّلِيلُ نَصًّا , فَهَذَا أَمْرُهُ مَعْمُولٌ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ . وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا النَّوْعِ بِالِاسْتِصْحَابِ , فَأَثْبَتَهُ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ وَمَنَعَهُ الْمُحَقِّقُونَ , مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ " وَإِلْكِيَا فِي تَعْلِيقِهِ " , وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " , لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِيهِ مِنْ نَاحِيَةِ اللَّفْظِ لَا مِنْ نَاحِيَةِ الِاسْتِصْحَابِ . ثُمَّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إنَّهَا مُنَاقَشَةٌ لَفْظِيَّةٌ
ويتوضح أثر هذا الخلاف لما نرى أن ابن حزم في إثباته استصحاب الدليل لم يفرق بين استصحاب النص واستصحاب الإجماع (الإحكام 3/404 ) ،والسمعاني في إبطال الاستصحاب لم يفرق بين استصحاب النص واستصحاب الإجماع (القواطع2/35 وما بعدها)، لذا فالمنكرون للاستصحاب ،أو لكون الاستصحاب دليلا مستقلا على القول بأن المناقشة لفظية، من باب أولى أن ينكروا استصحاب الإجماع، فالخلاف في تسمية هذا الدليل باستصحاب حال الإجماع وحجيته ينحصر ابتداء بين المثبتين للاستصحاب أما الخلاف مع من ينكر الاستصحاب أصلا فيأخذ منحى آخر

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 05:30 PM
3-مستند الإجماع معلوم في كثير من الأحيان وقد يراد بالاتفاق اتفاق الخصمين
مما يعرقل المناقشة ويصعب التصور النظري لهذا الدليل فرض عدم العلم بالمستند الذي انعقد عليه الإجماع المستصحب، وإلا فقد اتضح في بعض أمثلة استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع-كما سبق وكما سوف يأتي إن شاء الله تعالى- أن المستند قد يكون معلوما، وهذا يساعد في فهم الدليل بشكل كبير، بل الغالب -والله أعلم- أن يعلم المستند في المسائل التي بابها هذا الدليل، لأن من يستدل بهذا النوع من الاستصحاب لا يلجأ إليه إلا عند تعارض الأدلة والآثار ، فيعتمد على الإجماع الواقع على قدر من حكم أحد الدليلين المتعارضين ،ويستصحبه في المسألة المتنازع فيها، وإن كان التأصيل النظري مع فرض عدم العلم بالمستند يستقيم أيضا –حسب رأيي-.
فقولهم أجمعوا في مثل هذه المسائل قد يكون إجماعا على دلالة معينة لنص ما، أو إجماعا على دلالته على بعض أفراده ثم الاختلاف في دلالته على أفراد آخرين،وبشكل أعم هو إجماع على قدر مشترك من فهم العلماء لنص من النصوص أو مجموعة منها والخلاف فيما زاد عنه.

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 05:35 PM
4-إخراج بعض الصور المشتبهة :القياس على إجماع والإجماع على عموم
هناك بعض المسائل الأصولية تتداخل مع مسألتنا في الصورة والجامع بين هذه المسائل: رد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه نذكر منها مسألتين:
القياس على أصل ثابت بالإجماع
*ومثاله ما ذكر ابن عبد البر في الاستذكار 1/286:" ولم يختلف العلماء فيما عدا المني من كل ما يخرج من الذكر أنه نجس وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على نجاسة المني المختلف فيه ولو لم تكن له علة جامعة بين ذلك إلا خروجه مع البول والمذي والودي مخرجا واحدا لكفى"
*وقوله في الاستذكار 1/402 في مسألة الأذان قبل الوقت في صلاة الصبح:"ومن حجتهم أيضا أن سائر الصلوات قد أجمعوا أنه لا يجوز لها الأذان قبل وقتها واختلفوا في الصبح فواجب أن ترد الصبح قياسا على غيرها إذ لم يجمعوا فيها على ما يجب التسليم له "
*وقوله في الاستذكار 2/307:" وأما قوله كان يخرج يديه في اليوم الشديد البرد من تحت برنس له فإن ذلك مستحب مأمور به عند الجميع والدليل على ذلك إجماع الجميع على أن المصلي يسجد على ركبتيه مستورتين بالثياب وهي بعض الأعضاء التي أمر المصلي بالسجود عليها فكذلك سائر أعضائه إلا ما أجمعوا عليه من كشف الوجه"
الإجماع على عموم حكم
ومن المسائل الأكثر اشتباها وتداخلا مع مسألتنا الإجماع على عموم حكم في ما يندرج تحته ثم الخلاف بين من أخرج بعض الأفراد من هذا العموم المجمع عليه، وبين من تمسك بأصل العموم، *مثاله قوله في الاستذكار 2/415:" ومن حجة من قال بالجهر في صلاة الكسوف إجماع العلماء على أن كل صلاة سنتها أن تصلى في جماعة من الصلوات المسنونات فسنتها الجهر كالعيدين والاستسقاء قالوا فكذلك الكسوف"
* وقوله الاستذكار2/124 وقد أجمع العلماء أنه لا تقطع صلاة فريضة لصلاة مسنونة فيما عدا الوتر واختلفوا في قطعها للوتر فالواجب رد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه"

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 05:39 PM
5-التلازم بين الظاهرية وهذا الدليل وسببه:
قال ابن حزم رحمه الله في الإحكام 3/404مؤصلا الأخذ بهذا الدليل:" وأما الذي عملنا فيه بأن سميناه استصحاب الحال فكل أمر ثبت إما بنص أو إجماع فيه تحريم أو تحليل أو إيجاب ثم جاء نص مجمل ينقله عن حاله فإنما ننتقل منه إلى ما نقلنا النص فإذا اختلفوا ولم يأت نص ببرهان على أحد الوجوه التي اختلفوا عليه وكانت كلها دعاوى فإذا ثبت على ما قد صح الإجماع أو النص عليه ونستصحب تلك الحال ولا ننتقل عنها إلى دعاوى لا دليل عليها "
وقال ابن رشد في بداية المجتهدص1192:"ومما اعتمد عليه أهل الظاهر في هذه المسألة(أي بيع أم الولد) النوع من الاستدلال الذي يعرف باستصحاب حال الإجماع وذلك أنهم قالوا لما انعقد الإجماع على أنها مملوكة قبل الولادة وجب أن تكون كذلك بعد الولادة إلى أن يدل الدليل ذلك وقد تبين في كتب الأصول قوة هذا الاستدلال وأنه لا يصح عند من يقول بالقياس وإنما يكون ذلك دليلا بحسب رأي من ينكر القياس "
وقال في الضروري 96-97:"والخامس استصحاب الإجماع أو بالجملة الحكم الشرعي الثابت بالنقل في موضع يظن أنه أن المحكوم عليه قد تغير حكمه لتغيره في نفسه كبيع أم الولد وما أشبه ذلك وهذا الاستدلال يراه أهل الظاهر وهم لازمون في ذلك لأصولهم لأن من لا يجوز في الشرع النوع من النظر الذي يسمى عند أهل الصناعة بالقياس فالأشياء كما أنها عندهم على البراءة الأصلية حتى يرد دليل السمع كذلك إذا ورد دليل الشرع بقي على حكمه وإن تغيرت أوصافه حتى يرد دليل الارتفاع وكان الحال ههنا بالعكس في استصحاب البراءة الأصلية لأن هناك كان العدم أظهر فوجب الدليل على المثبت وههنا الوجود أظهر فوجب الدليل على النافي وأما من يرى القياس في الشرع فيلزمه ألا يقول بمثل هذا الاستصحاب لان له أن يقول نحن مكلفون بالنظر في القياس فيما ليس فيه نص وهذا قد تغير وصفه فله حكم ما لم يرد فيه نص إذ تغير الوصف يوجب تغير الحكم"
فأخذ الظاهرية بهذا الدليل ونسبته إليهم لا غبار عليها فما هو سبب هذا الارتباط؟

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 05:45 PM
الظاهرية –كما قال ابن رشد- لازمون لأصولهم في الأخذ بهذا الدليل، فمن هذه الأصول أن ما ثبت بإجماع لا ينتقل عنه إلا بإجماع مثله، وهذا القول منسوب إلى بعض أصحاب الشافعي كما في المسودة1/307 ،ومن هذه الأصول أيضا أن الإجماع لا يترك بقياس لأنه ليس بدليل مطلقا عند الظاهرية، وهذين الأصلين ذريعة إلى الإغراق في الاستصحاب وتحميله ما لا يتحمل، ولهذا فإن إلزام المنكر لاستصحاب الإجماع المثبتَ أن يبطل القياس يستقيم إن قصد به الظاهرية ومن يقترب من أصولهم، أما من قال به من غيرهم فلا يصلح هذا إلزاما.
أما الوجه الثاني من ارتباط هذا الدليل بالظاهرية فيوضحه ما نقل في الإبهاج 3/169-170" وكان القاضي يعني أبا الطيب يقول داود لا يقول بالقياس الصحيح وهنا يقول بقياس فاسد لأنه يحمل حالة الخلاف على حالة الإجماع من غير علة جامعة"
فالظاهرية إنما أتوا –أيضا-من قبل إنكارهم لمفهوم المخالفة فوقعوا في القياس من حيث لا يشعرون، فإنهم بإنكارهم المفهوم المخالف أثبتوا الحكم الواقع على صفة لصفة تناقضها من كل وجه،فكأنهم قاسوها عليها مع وجود الفارق الواضح المؤثر، أما غيرهم من الأئمة فهم مع إثباتهم لمفهوم المخالفة إلا أنهم رأوا أن الصفة الزائدة التي وقع الإجماع عليها في المسائل التي بابها هذا الدليل لامفهوم لها أو لا دليل على تأثيرها واعتبارها، لذلك لم يعملوا به في خصوص تلك الصور .
ثم إن الظاهرية لإنكارهم القياس يعتبرون ما هو مؤثر ناقل الحكم في عرف الشرع غير ناقل ولا مؤثر لإنكارهم التعليل والتأثير المبني عندهم على الظنون والقول على الله بلا علم.

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 05:48 PM
فتتلخص أصول القول بحجية استصحاب الإجماع في محل النزاع عند الظاهرية ومن يقترب من مذهبهم فيما يلي:
*إنكار القياس
*ما ثبت بإجماع لا يترك إلا بإجماع
* عدم اعتبار الفروق والأوصاف الطارئة على المجمع عليه مؤثرة ناقلة للحكم حتى يرد النص أو الإجماع بانتقال الحكم
وبغض النظر عن مسألة استصحاب الإجماع، لا يخالف المثبتون للقياس الظاهريةَ في هذه الأصول من كل وجه، بل يوافقونهم في قدر منها، فالجمهور على أنه يترك الحكم الثابت بإجماع لإجماع مثله، ولكن يجوز أن يترك أيضا بقياس صحيح ناقل للحكم إلى أصل آخر، والمنصفون من القائسين يثبتون القياس الصحيح أيضا بشروطه، ويطرحون القياس الفاسد، بل ضيق بعض أئمة أهل الأثر من استعمال القياس جدا حتى جعلوه منزلة ضرورة كالميتة للمضطر، والقائسون أيضا لا يعتبرون الفروق والأوصاف الطردية والأشباه المحضة، ولكن يعتبرون الأوصاف التي ثبت تأثيرها في الأحكام في عرف الشرع، فمن أثبت استصحاب حكم الإجماع ممن أثبت القياس فقد وافق الظاهرية في الاستدلال به بقدر ما وافقهم من هذه الأصول،وله أن يخالفهم في الاستدلال به بالقدر الذي يخالفهم من الأصول المذكورة ،يستخلص من هذا:
-لا يستلزم أن يكون المستدل باستصحاب الإجماع ظاهريا صرفا وأن يلزم بإبطال القياس
-لمثبت حجية هذا الدليل أن ينكر الاستدلال المتعسف للظاهرية به مع القول بحجيته
والحاصل أن الظاهرية يسرفون في استعمال هذه الدليل ويحملونه ما لا يتحمل وهذا ليس مسوغا لإنكاره عند من أنكره

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 05:55 PM
6-نموذجين من استدلال غير الظاهرية بهذا الدليل
سبق وأن بينا أصول استدلال الظاهرية باستصحاب الإجماع في محل النزاع وموافقة القائسين لهم في قدر من هذه الأصول ،وسنحاول الآن بيان كيفية استدلال غير الظاهرية بهذا الدليل وقبل ذلك أعرض هذين المثالين مع التنبيه إلى أن المهم هنا الاستدلال وليس الراجح في المسألة
*ذهب الإمام مالك الثوري وأبو ثور وهو اختيار ابن المنذر إلى أن الخليطين لا يزكيان زكاة الواحد حتى يكون لكل واحد منهما نصاب (الاستذكار 3/194 المغني 2/476 ) قال ابن عبد البر في الاستذكار 3/195: " ومن حجة من قال بقول مالك أيضا في الخلطاء إجماع الجميع على أن المنفرد لا تلزمه زكاة في أقل من أربعين من الغنم واختلفوا في الخليط بغيره لغنمه ولا يجوز أن ينقض أصل مجتمع عليه برأي مختلف فيه"
الإجماع: لا زكاة على المنفرد إلا في أربعين الغنم
تغير الصفة ووقوع الخلاف: المنفرد إذا خلط غنمه بغنم شريكه
الحكم:استصحاب حكم الإجماع على أن المنفرد لا يزكي إلا إذا ملك النصاب في الغنم في محل النزاع وهو الخليط بغيره هل يجب أن يملك النصاب حتى يزكي مع الخليط الآخر زكاة الواحد= لا يزكي الخليطين زكاة الواحد إلا إذا بلغ كل واحد منهما النصاب عند مالك وأبي ثور

*ذهب مالك والليث وربيعة إلى أن البهيمة الداجن إذا استوحشت والبعير إذا شرد لا تؤكل حتى تذكى( الاستذكار 5/268-269 )ثم قال ابن عبد البر في الاستذكار 5/269:"وحجة مالك أنهم قد أجمعوا أنه لو لم يند الإنسي أنه لا يذكى إلا بما يذكى به المقدور عليه ثم اختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا "
الإجماع:وجوب تذكية الإنسي إذا لم يند والوحشي إذا قدر عليه
تغير الصفة ووقوع الخلاف: الإنسي إذا ند هل حكمه حكم الصيد؟
الحكم :استصحاب حكم الإجماع على وجوب تذكية الإنسي الذي لم يند في محل النزاع وهو الإنسي إذا ند=وجوب تذكية الناد عند مالك والليث وربيعة
قال ابن عبد البر معلقا على حجة مالك (الاستذكار 5/269):" وهذا لا حجه فيه لأن إجماعهم إنما انعقد على مقدور عليه وهذا غير مقدور عليه"

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 06:02 PM
مما سبق يتبين لنا أن الإجماع يقع على معنى من المعاني المطلقة كحد أدنى، ثم على صفة زائدة على هذا المعنى المطلق تكون محل اتفاق الخصمين على الأقل، ثم يقع الخلاف فيما عدا هذه الصفة الزائدة:
-فمن لمح المعنى المطلق الأصلي الذي وقع عليه الاتفاق، ورأى أن الصفة الزائدة لم يعتبرها الشرع ،أو أهملها مستند الإجماع ، أو لم يبلغه الدليل الناقل، أو لم تنهض عنده الأدلة المفرقة كأن يكون القياس الذي استدل به الناقل للحكم ضعيفا في نظره، بقي على الأصل من عدم التفريق.
- ومن لمح علة تلحق الحالة المختلف فيها بما قبل التغير ألحقها بها قياسا.
-ومن ثبت عنده الدليل من الشرع أن الصفة الزائدة معتبرة مع المعنى الأصلي، مقصودة بالإجماع أو مستنده، أو دل دليل خارجي من قياس أو غيره على نقلها عن حكم الأصل، ألحقها بحكم الدليل الناقل لها.
فلاحظ كيف عدل مالك رحمه الله عن إلحاق الانسي الناد بالصيد متمسكا بالأصل لأن القياس لم يقو عنده لنقل الحكم ، ولاحظ في المثال الذي ذكره ابن رشد في بداية المجتهد 1135 حيث أن جماعة من السلف وأهل الظاهر أبوا إلحاق هبة المريض بالوصية وجعلوها تخرج من رأس ماله لا من الثلث ،ثم بين أصل أهل الظاهر أنهم اعتمدوا على استصحاب حال الإجماع هو عندهم مبني على نفي القياس، فما هي عمدة الطائفة من السلف، أظن أنها أيضا استصحاب حال الإجماع ،لا لأنهم ينكرون القياس، ولكن لأن قياس الجمهور الهبة في المرض بالوصية لم يقو عندهم استصحبوا الأصل المجتمع عليه

سيد أحمد مهدي
20-08-07, 06:06 PM
7-هل يمكن أن يستدل بالقياس في كل مسألة استدل فيها باستصحاب الإجماع
ويبقى هل يسمى هذا النوع من الاستدلال تمسكا بالعموم أو قياسا أو استصحابا، أظن والله أعلم أنه لا مشاحة في الاصطلاح إذا بين المعنى واتضح الفرق بين استدلال الظاهرية وغير الظاهرية بهذا الدليل، ويبقى التأصيل النظري للدليل كما بينه ابن القيم في إعلام الموقعين مستقيما إذا أراد بالقياس القياس الأصولي بالمعنى الضيق، لا القياس الفقهي بالمعنى الواسع، ويبقى أيضا أثر الخلاف في حجية الاستصحاب كدليل مستقل أو هو استدلال بالدليل المستصحب في نفس الأمر، فمن رأى أن الاستصحاب ليس بدليل فمن باب أولى أن ينكر استصحاب الإجماع ويكيف كل استصحاب لإجماع أو لدليل على أنه قياس أو عموم، ومن رأى تمييز هذا النوع من الاستدلال بالنص وسماه استصحابا وأفرده دليلا مستقلا فيسوغ تسمية هذا الدليل باستصحاب الإجماع إن كان مثبتا له.
أما إلزام المجتهد القائل بهذا الدليل أن يصير إلى القياس كما قال ابن رشد، فهذا لازم للظاهرية، أما من يثبت القياس من القائلين به فما أدرانا أن المستدل به تطلب القياس واستفرغ الجهد فلم ينهض عنده رأي على معارضة الأصل المتمسك به، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أبو حازم الكاتب
26-08-07, 12:09 PM
الشيخ سيد أحمد مهدي بارك الله فيك ووفقني وإياك لكل خير .
في الحقيقة بحث لطيف وفيه إشارة لدقائق المسألة التي قل من تكلم عنها ، وفي الحقيقة إن استصحاب حكم الإجماع دليل مركب وغير متضح فيمكن لقائل أن يقول بأنه قياس المسألة المختلف فيها على المتفق عليها فيكون من باب القياس ، ويمكن ان يقول إنه إدعاء لبقاء الإجماع واستمراره فيكون من باب الإجماع ، ويمكن أن يقول هو استمرار عموم النص الذي استند إليه الإجماع فيكون من باب الاستدلال بالنص وهذا الخلط في هذا الدليل يبين لنا أمراً وهو أنه ليس الاستصحاب هنا مستقلا بالدلالة على الحكم وإذا كان الأمر كذلك فنحن نحتاج إلى أمور :

الأمر الأول : تحرير الدليل حقيقة هل هو الإجماع ؟ أو القياس ؟ أو النص ؟ وفي جميع الحالات يكون ما ادعي انه الدليل هو الدليل حقيقة لا الاستصحاب وعندئذ يكون الاعراض على ذلك الدليل بطرق الأسئلة والمعارضات المعروفة عند أهل العلم والتي توجه إلى النص والإجماع والقياس ومن ذلك :
- إثبات شمول النص الذي استند إليه الإجماع للصورة المختلف فيها .
- إثبات كون الصورة مجمعاً عليها إن كان الدليل هو الإجماع .
- إثبات صحة القياس بين الصورة المتفق عليها والمختلف فيها بوجود أركان وشروط القياس .
ويصعب على القائلين بحجية الاستصحاب هنا أن يثبتوا هذه الأمور ، وما يثبت منها يكون الحجة الدليل من نص أو إجماع أو قياس لا الاستصحاب وعندئذ فتسميته استصحابا تجوز ، وتكون المسألة المختلف فيها كالمبتدأة لا علاقة لها بالمجمع عليها ، وتسميته كذلك بالإجماع تجوز ؛ لنه ينزل الإجماع على مسألة مختلف فيها وهذا تضاد فافجماع والخلاف لا يجتمعان في محل واحد .

الأمر الثاني : من أركان الاستصحاب التي يعتمد عليها عدم وجود الدليل المغير الناقل عن الأصل العقلي أو الشرعي وفي هذه الصورة من الاستصحاب وجد المغير فكيف يدعى بقاء الاستصحاب واستمراره .

الأمر الثالث : لم يدع ابن حزم ولا من وافقه بحجية استصحاب الإجماع في محل النزاع أن الحكم ينقل عن طريق القياس ، وابن القيم رحمه الله أشار إلى أن الحجة هو مستند الإجماع لا القياس وعليه فيرجع الأمر عندهم إلى أنه الدليل لا الإجماع ولا الاستصحاب وإنما هو النص الذي اعتمد عليه الإجماع وعليه فيظهر النص فإن كان شاملا للصورة المختلف فيها فهو دلالة نص كحكم اي مسألة أخرى ولا يتعلق الأمر بالاستصحاب ولا الإجماع وغن لك يكن شاملا للمسألة فكيف يدعى أنه دليل لها وهو لا يشملها ؛ إذ سيكون حكم المسألة بلا دليل لا قياس ولا إجماع لأنهم ينفونهما هنا والدليل النصي لا يشملها وكون المسألة يكون لها حكم بدون دليل تحكم .

الأمر الرابع : القياس على امر مجمع عليه لا علاقة له بالاستصحاب فهو كالقياس على الأمر المنصوص عليه فالدليل هنا القياس .

الأمر الخامس : الإجماع على عموم أيضا هو استصحاب دليل العموم وقد اختلف في تسميته استصحابا وعلى القول بتسميته استصحابا فالحجة هو الدليل وعمومه وهو كاستصحاب الثبوت وعدم ورود النسخ وفي الحالتين الاستصحاب يكون للدليل وهو النص .

الدكتور صالح محمد النعيمي
27-08-07, 07:26 AM
مناقشة علمية بارك الله فيكم

أبو حازم الكاتب
27-08-07, 03:43 PM
وفيكم فبارك شيخنا

سيد أحمد مهدي
27-08-07, 06:21 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فضيلة الشيخ بارك الله فيكم وجزاكم خير الجزاء
وأسأل الله تعالى أن يرفع درجاتكم يوم القيامة، ليهنكم التواضع والعلم شيخنا أبا حازم
سأعكف على ما تفضلتم بذكره في مشاركتم تدبرا وتفهما ،وسأوافيكم إن شاء الله تعالى بما قد يعرض لي من استشكالات وأسئلة.

أبو حاتم بلال
01-09-07, 11:45 PM
جزاك الله خيرا شيخنا سيد أحمد ونفعنا بعلمكم

سيد أحمد مهدي
04-09-07, 05:28 PM
[quote=أبو حاتم بلال;665576]جزاك الله خيرا شيخنا سيد أحمد ونفعنا بعلمكم[/quo
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف حالك أخي بلال
سامحك الله! فأنت أعلم الناس أني لست بـ"شيخنا"
نرجو إفادتك حول هذا الموضوع،وفقك الله