المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وديعـة التراث العربي في تركية : المخطوطات والخطوط


الطيب وشنان
16-11-06, 10:16 PM
وديعـة التراث العربي في تركية : المخطوطات والخطوط

د.محمود الربداوي



نص المقال :
في العاشر من الشهر الثاني من عام 2005 جاء إلى سورية وفد اتحاد الكتّاب الأتراك، وفي الرابع عشر من الشهر السادس من العام نفسه ذهب وفد اتحاد الكتاب العرب إلى تركيا، وقبل هذين التاريخين وبعدهما ثمة زيارات متفرقة بين اتحادات كتّاب البلدين، كان آخرها مشاركة وفد اتحاد الكتاب الأتراك في المهرجان الأول للرواية العربية الذي نُظّم في مدينة الرقة واحتفاءً بـ (أيقونة الرقة الدكتور عبد السلام العجيلي) في مطلع الشهر الثاني عشر من عام 2005.‏

وكان هذا التقارب الثقافي بين الاتحادين في ظل التقارب السياسي بين البلدين المتجاورين: سورية وتركية بعد الزيارة التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى أنقرة عام 2004 هذه الزيارة التي وُصفت بأنها تاريخية حيث أسفرت عن إحداث نقلة نوعية في علاقات البلدين، وهي التي ظلت طوال السنوات الماضية خاضعة لحالة من الاضطراب، وعلى أثر ذلك تم الاتفاق بين الطرفين وصَفَه الجانب التركي بأنه قرار استراتيجي رأت فيه أنقرة مصلحة استراتيجية تركية عليا.‏

وقال عنه المسؤولون الأتراك إنه أوثق وأفضل علاقات التعاون وحُسن الجوار مع سورية، وهو ما جرى التعبير عنه من خلال الزيارة الهامة التي قام بها أيضاً الرئيس التركي: أحمد نجدت سيزار إلى دمشق على الرغم من الاعتراضات والضغوط الأمريكية والإسرائيلية، على الرغم من أن تركية عضو في حلف شمالي الأطلسي، وتربطها علاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية.‏

وسار التعاون الذي دشّنه الرئيس السوري بزيارته التاريخية عام 2004م بخطوات كبيرة ونوعية في شتى المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، فغدا يحقق الكثير من المصالح الاستراتيجية لدمشق وأنقرة.‏

ومن الجدير بالذكر أن زيارة الرئيس السوري لتركية شكل‍ّت نقطة تحوُّلٍ في العلاقات بين البلدين لكونها الزيارة الأولى من نوعها لرئيس سورية لتركية منذ الاستقلال، فكسرت بذلك الطوق الذي عملت إسرائيل سنوات عديدة على بنائه، ذلك أن إسرائيل التي كانت تتملل من الطوق العربي الذي كان يحيط بها، هداها تفكير ساستها إلى تطويق بلدان الطوق العربي لتخفيف الضغط عنها، فاتخذت خطة استراتيجية قوامها تطويق سورية من الشمال، وتطويق مصر والسودان من الجنوب، فأقامت في الشمال علاقات استراتيجية أيضاً في الجنوب مع اثيوبية وإرتيرية، واختارت بلاد الشمال والجنوب لتحقق الضغوطات الحيوية والاقتصادية على كبريات البلاد العربية؛ لأن تركية تتحكم بمنابع الموارد المائية التي تحتاجها ـ وبإلحاح شديد سورية والعراق، بمرور الشريانين الهامين في أراضيهما: دجلة والفرات، ولأن اثيوبية وارتيرية تتربعان على جانب كبير من منابع النيل الذي يغذّي أراضي كل من مصر والسودان، فجاءت زيارة الرئيس السوري إلى تركية اختراقاً لهذه الخطة الإسرائيلية الخبيثة.‏

بعد هذه المقدمة التي لابد منها، وإن كانت سياسية تاريخية إلا أنها تؤسس للبعد الثقافي الذي نتحدث عنه، والذي انعكس بإيجابية على تحرك الكتاب العرب والأتراك بين أنقرة ودمشق. وهذا التحرك والنقاشات التي تخللته لم يخل من حديث جاد وخصب عن محور هام في العلاقات الثقافية العربية والتركية وهو الحديث عن الوديعة العربية الهامة التي أودعتها الأحداث التاريخية في تركية وأعني بذلك المخطوطات العربية التي احتوتها المكتبات التركية، وأكتفي من هذا الجم الغفير من المخطوطات العربية مما احتوته المكتبات التركية العامة والخاصة بالحديث عن (المكتب السليمانية) ووديعتها من المخطوطات العربية علماً بأنه يوجد مخطوطات كثيرة خارج مكتبة السليمانية كمكتبة طوب قابو (الباب العالي) ومكتبة سراي يلدز، ومكتبة سراي ضولمة باغجه، ومكتبة السلطان أحمد والسلطان محمد الفاتح من جامعيهما، ومكتبة عاطف أفندي، وحاجي سليم آغا، وكوبرولو، ونور عثمانيه وراغب باشا. لذا تعد خزائن المخطوطات التركية أثرى خزائن التراث المخطوط العربي.‏

ولكن تظل المكتبة السليمانية أهم مركز للمخطوطات والكتب القديمة المطبوعة بالعربية والتركية والعثمانية، حتى يقدر ما تحتويه بـ 125 ألف مخطوطة و50 ألف كتاب مطبوع ويرجع تاريخ مكتبة السليمانية لعهد السلطان سليمان القانوني (1557)، وقد تحولت لمكتبة عامة سنة 1957م، وكانت من قَبل عبارة عن مدرسة للصبيان، وتمثّل الكتب العربية القسم الأعظم من محتويات المكتبة السليمانية، وتأتي الكتب العثمانية في المرتبة الثانية بعد العربية، وتأتي الكتب المكتوبة بالفارسية في المرتبة الثالثة بعدهما، ففيها ما يزيد عن 120 ألف كتاب ومخطوطة تمثل اللغة العربية منها حوالي 70 إلى 80 ألف كتاب، والعثمانية 30 ـ 40 ألف كتاب، وتبقى الفارسية بحدود 10 ـ 12 ألف كتاب.‏

أما عن موضوعات الكتب الموجودة بالمكتبة فهي تتعلق بعلوم إسلامية، مثل علوم القرآن الكريم، والتفسير، والحديث، والفقه، وعلم الكلام، والتاريخ والجغرافيا، والأدب، والكيمياء والفيزياء، والطب، والرياضيات، وكتب أخرى تتعلق بالفنون الإسلامية مثل الخط العربي وتذهيب المخطوطات، وفق الأوبرو (الرسم والتلوين على الماء)، ويرجع أقدم كتاب فيها لحوالي عام 1055م وهو مكتوب على الجلد، وتوجد بعض الكتب التي كُتبتْ على ورق قديم بالخط الكوفي.‏

وأكثر هذه الكتب التي تضمنتها المكتبة آلت إليها بجمع الكتب ونقلها من دور الوقف الخيرية، التي أنشأها سعيد باشا باستانبول.‏

وقد جمعت المخطوطات والكتب من الجوامع والمدارس والخانات والتكايا والزوايا والمساجد ودور الوقف العثمانية، ومن ثّمَّ تكونت مكتبة السليمانية التي تشمل على 117 مكتبة، مثل مكتبات السلاطين والوزراء العظام، ووالدات السلاطين، وشيوخ الإسلام.‏

هذا ولقد تم تصنيف الكتب الموجودة ـ إلا أقلها ـ وفهرسة معظمها وتحتوي المكتبة على فهارس : (كاتالوج) لمجموعة عهد السلطان عبد الحميد، ولكنه غير كافٍ، وهناك فهرس مطبوع في عام 1979 يتعلق بالمخطوطات الموجودة في كل تركية، وعدد أجزائه 30 جزءاً، وقد قامت المكتبة بتطبيق وسائل التقنية الحديثة كالحاسوب (الكومبيوتر)، ولعل وضع كل هذا على شبكة المعلومات خلال السنوات القليلة القادمة سيجعل القارئ من أي بلد يدخل على موقع المكتبة ليعرف ما هو موجود فيها، وسيكون الفهرس في بداية الأمر باللغة التركية، وسيكون بعد ذلك بالعربية والإنكليزية.‏

وليس من باب العتاب أن نقول إنه جاء وقت أصبح فيه الحصول على مخطوطٍ من المكتبات التركية دونه خرط القتاد، حيث يستلزم ذلك إذناً من السفارات أو القنصليات التركية في بلد القارئ، ولكن ألغي هذا القرار مؤخراً، فأصبح الباحث بإمكانه الحصول على مخطوطه بمخاطبة إدارة المكتبة برسالةٍ خطية أو بالناسوخ (الفاكس) يوضح فيه طلبه من المخطوطات، فتقوم المكتبة بالرد عليه، وبإعلامه بتحديد قيمة نسخة (الميكروفيلم) أو اسطوانة الـ (سي دي. C.D) ثُم ترسل له بعد قيامه بتحويل التكلفة لحساب المكتبة عبر البنوك.‏

وهناك مشروع جديد لتصوير محتويات المكتبات التي تقبع في أماكن خارج السليمانية وضمَّها إلى فهرس مكتبة السلمانية، بحيث يمكن جمع كل المخطوطات الموجودة في تركية في الحاسوب وفي مكتبة السليمانية في إطار مشروع وزارة الثقافة التركية.‏

ويقول المسؤولون الأتراك: إن الأمريكان ألحقوا ضرراً كبيراً في قطاع المخطوطات، فبقدوم قواتهم للمنطقة انخفض عدد الزوار الأجانب للسليمانية.‏

وفي السليمانية ـ فضلاً عن المخطوطات ـ هناك دورات تعليمية للخط العربي وفن التذهيب والمنمنمات، يقوم بالتدريس فيها المتخصصون في الفنون وتاريخها الإسلامي، ونضرب مثالاً على هذا أنْ استمر الدكتور الفنان علي ألب أصلان في تدريس دورات متتالية للخط العربي لمدة ست أو سبع سنوات، علاوة على قيام الفنان فؤاد باشا بتدريس فن الأوبرو.‏

وعلى ذكر الخط العربي نقول إن الخط العربي يُعد واحدً من أهم إنجازات الحضارة الإسلامية في مجال الفنون الجميلة التي قدمتها البشرية. إذ تجلت فيها عبقرية الفنان المسلم، فاستطاع توظيفه في أبدع صورة على جدران المساجد والمدارس وعلى المشكاوات والأواني النحاسية والسجاد، وتشهد الآثار التي وصلت إلينا حاملة هذا الفن البديع، على ما وصل إليه من رقي وإبداع.‏

وقد عني الأتراك العثمانيون ـ خاصة ـ بفن الخط العربي عناية عظيمة، بعد أن انتقلت إليهم الخلافة الإسلامية، فتقدّم على أيديهم، وبلغ درجات عالية من الجمال، وكان الخلفاء العثمانيون يحتفون بالخطاطين. ويجزلون لهم العطاء، ويوفرون لهم كل أسباب الإبداع، وحسبك أن نعلم أن خطاط السلطان كان يتقاضى 400 ليرة عثمانية ذهباً في كل شهر. بل إن بعض الخلفاء العثمانيين كانوا من هواة الخط العربي والبارعين فيه، أمثال السلطان سليمان القانوني والسلطان محمد خان الثالث والسلطان مصطفى خان الثاني (1664 ـ 1704) والسلطان أحمد خان الثالث الذي كان بارعاً في فن الخط، وبخاصة النسخ والثلث والجليل، وقد كتب عدة مصاحف بخطه الجميل، أهدى منها مصحفين شريفين للروضة المطهرة، وتحتفظ دار الكتب المصرية بمجموعتين من خطه. ومنهم السلطان محمود الثاني (1785 ـ 1839) والسلطان عبد المجيد الأول (1723 ـ 1861) والسلطان عبد العزيز خان (1830 ـ 1876) والسلطان عبد الحميد الثاني (1842 ـ 1918) ويستطيع المرء أن يتأمل نماذج من خطوطهم التي كانوا يفتخرون بها افتخارهم بما كانوا يحفظون من كتاب الله.‏

وقدَّم الأتراك عدداً من أعظم الخطاطين، من أمثال:‏

حمد الله مصطفى الأماسي (833 ـ 926)هـ، وهو أول من نقل الخط العربي من العرب إلى الأتراك، وبهذا يُعَد المعلم الأول للخطاطين الأتراك عامة، ومنهم الخطاط التركي أحمد قره حصاري، المولود سنة 873 اشتهر بالجمع بين قواعد شيوخه الذين أخذ منهم، فاستنبط طريقة خطية خاصةً به، تجمع ما اختلف منه من الخصائص والطرق التي بدأ بها أولاً، وتميّز هذا الخطاط بخطه (الجلي)، وتشهد لـه آثاره الخطية بطول باعه، وعلو منزلته، تمثلها كتاباته في جامع السليمانية، وقد قال عنه الأتراك إنه يتبوأ المنزلة الخامسة بين الخطاطين الأقطاب في تركية.‏

ومنهم الخطاط عبد العزيز الرفاعي الذي استقدمه الملك فؤاد من تركية إلى مصر سنة (1340هـ ـ 1921م) فكتب له مصحفاً في ستة أشهر، وذهبه وزخرفه في ثمانية أشهر، فجاء آية من الآيات في مجال الخط، ودقة الزخرفة، وبديع النقش، وأصبح الشيخ عبد العزيز من بين المدرسين للمدرسة الخاصة التي افتتحها الملك فؤاد لتعليم الخط العربي (1341هـ ـ 1922م).‏

غير أن شيخ الخطاطين الأتراك المبدعين هو حامد آيتاش الآمدي (1891 ـ 1982)م آخر عباقرة الخط العربي في تركية، وقف حياته لكتابة المصحف الشريف. اسمه الحقيقي (موسى عزمي) ونُسب إلى آمد (قرية من قرى ديار بكر).كان جده خطاطاً، تعلم الخط الثلث على يد أحمد حلمي بك، كما تعلم الرقعة على يد وحيد أفندي، وهؤلاء الأساتذة من كبار الأساتذة الأتراك المتميزين بأنواع من الخطوط، وعمل خطاطاً في دار الطبعة، ثم تقدم للعمل في مطبعة المدرسة العسكرية، ونال إجازة امتحان الخطاطين، ولما عاد من ألمانيا تعلم (الجلي ثلث) من الحاج نظيف بك، وكتابة الطُّغَرَاء من إسماعيل حقي، وغيرهم من مشاهير الخطاطين في عصره.‏

ومن آثاره التي يمكن مشاهدتها في تركيا والعراق ومصر ما تركه من كتابات قرآنية في مسجد شيشلي، ومسجد أيوب، ومسجد باشباهشي، ومسجد حاجي كوشك في استانبول، ودانزلي، وشانا قلعة. كما كتب أربعين حديثاً نبوياً وكثيراً من كتب تعليم الخط، والآلاف من مختلف الكتابات الإسلامية والمدائح النبوية أو الأشعار العربية.‏

وكان قمة إنتاجه نسخ المصحف الشريف مرتين بخطٍ يُعَدُّ من أجمل الخطوط، وله تلاميذ كثيرون في تركيا والشام والعراق أجازهم ومنحهم شهادات تقليدية تؤهلهم لحمل لقب خطاط، ومن الغريب أن تعلَّمتْ على يده طالبة يابانية أجازها في الخط العربي لتنقله إلى بلادها: اليابان.‏

أورث هذا العالم الفنان الأمة الإسلامية مصاحف خطّها قلمه، وطبعت في استانبول وبرلين، وتعد من روائع المصاحف التي طبعت في العالم، كان يتهاداها الملوك والسلاطين. ومن تلاميذه الكبار حسن شلبي.‏

ولو رحنا نعدد أسماء الخطاطين الأتراك لأعيانا العد، من أمثال: يساري أفندي ومصطفى راقم، وممتاز بك، والحافظ عثمان، وعبد الله زهدي ، وجلال الدين، ومحمد عزت، ومحمد مؤنس زاده، ومحمد جعفر، ومحمد محفوظ، وغيرهم كثيرون، وكتب هؤلاء الخطاطون الأتراك عشرات المصاحف المبثوثة في مكتبات العالم وآلاف الأدعية والسور القرآنية التي تشهد على ما قدموه من خدمات جليلة لهذا الفن الجميل.‏

ومن الجدير بالذكر أن نقول إن الإسلام عندما أغلق بابي التصوير والنحت أطلق النزعة الجمالية عند الإنسان المسلم فأبدعت الخط، فتفنَّن فيه تفنّن غير المسلم بالتصاوير والمنحوتات كالفراعنة واليونان مثلاً ومن الجدير بالذكر أيضاً أن نقول: إن الفنان المسلم شعر قبل انتشار حروف الطباعة بأهمية الخط الجميل، وطواعية الحرف العربي الشريف لهذا الإبداع، فاهتم به العثمانيون ـ خاصة ـ اهتماماً شديداً، وخدموه وطوَّروه، وسنوا له من القواعد والقوانين ما ارتقى به إلى أن أصبح الخط العربي على درجة كبيرة من الجمال والكمال والرقي، تتماشى مع المرحلة الحضارية التي مروا بها. واعترف العالم كله لهم بذلك.‏

وكان نسخ مخطوطات القرآن الكريم من أسباب اهتمام المسلمين بالخط العربي، وأصبح تعلم الخط العربي لا يقل أهمية عن باقي علوم اللغة وأصبح تعلم الخط يقترن بتحفيظ القرآن الكريم ككتابته كتابة صحيحة جميلة. بدليل أن هذا الاهتمام لم يكن محصوراً في عامة الناس فقط، بل وفي خاصتهم أيضاً، فكان الخط مادة أساسية في تعليم أبناء السلاطين والكبراء، كما رأينا قبل قليل.‏

ومن نافلة القول أن نقول إن الخط ملكة تنضبط بها حركة الأنامل بالقلم على قواعد معينة، وهذه الملكة تتزين بالتعليم، وتقوى بالتمرين والاجتهاد، وليس كل خطاطٍ يمكنه أن يكون خطاطاً مبدعاً محترفاً متميّزاً، وحُسن الخط كامن في الأفراد كمون النار في الحجر، لمن وهبه الله تعالى من الاستعداد الفطري، فإذا اشتغل به الموهوب نبغ نبوغاً عظيماً من غير كبير عناء.‏

ومن الجدير بالذكر أيضاً أن نقول إن الخط العربي خضع لمحنتين كبيرتين: الأولى: عندما أمر مصطفى كمال أتاتورك سنة 1926 استبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي، وذلك بعد سقوط الخلافة العثمانية التي حرص سلاطينها على خدمة الحرف العربي الشريف، فانقطعت بذلك الصلة بين الأتراك والثقافة الإسلامية، فأهمل بذلك الخط العربي، وضعفت مكانة الخطاطين، بل إن بعضهم هاجر من تركية ومارس فنه في بلادٍ إسلاميةٍ أخرى، والمحنة الثانية هذا الجهاز العجيب المسمى بالحاسوب، الذي قدّم للفكر والثقافة خدمات جليلة، ولكنه نافس الخطاطين في ألوانٍ من الخطوط ابتدعها لتتمشى مع تقنياته، ولكنها وقفتْ دون الخطوط التي كانت تبدعها ريشة الفنان ومداده. صحيح أن الحاسوب يقدم أنماطاً من الخطوط ولكنها لا ترقى إلى جمالية الخط الذي يهاجر من الورق ليرتسم على جدران المساجد والقصور ونفائس الأواني المزخرفة، و هذه لا يمكن أن تصل إليها عبقرية الحاسوب. بقي أن نقول إن المخطوطات والخطوط والخطاطين، قواسم مشتركة بيننا وبين الأتراك، وهي آيات تدل على تماسك اللحمة بين الشعبين: السوري والتركي تماسكاً ثقافياً وفنيّاً، يفضيان إلى تماسك سياسي واقتصادي، وهذا التماسك ليس يحديث العهد، وإنما هو عريق عتيق يعزز ما بين البلدين الجارين من أواصر المحبة والأخوة والمصلحة المشتركة التي يقتضيها حسن الجوار، ولعل اتحادَيْ الكتاب بين البلدين يعمق هذه اللحمة، ويعزز هذه الأواصر. وينمّي هذا التواصل الفكري والثقافي في قادمات الأيام، وخاصة أننا نعقد الآمال على رئيس اتحاد الكتّاب العرب الدكتور حسين جمعة، وهو رجل أكاديمي نعرف اهتمامه بالمخطوطات التي هي مادة البحث العلمي الأدبي واللغوي، ويدرك أن الكتاب المخطوط عمدة طلاب الدراسات العليا هواة التحقيق العلمي الرصين، ويعرف أيضاً مظانَّ نفائس المخطوطات العربية، فلعله يستثمر هذا التقارب الثقافي بين العرب والأتراك الذين يلتقون حول مجموعة من المقومات الثقافية والروحية.


المصدر :

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 101 السنة السادسة والعشرون - كانون الثاني 2006 - المحرم 1427

أبو حاتم المحلي
17-11-06, 03:43 AM
جزاكم الله خيراً.

عبد الرحمن أبو عبد الله
17-11-06, 01:29 PM
جزاك الله خيرا

أبو الأم
17-11-06, 06:09 PM
جزيت خيرا

أبوعبدالرحمن الدرعمي
17-11-06, 08:18 PM
جزاكم الله خيرا