المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرقابة على التاريخ...!!!


الطيب وشنان
20-11-06, 02:22 AM
الرقابة على التاريخ

###

ملحوظة : الموضوع يضم فقرتين ، و كل فقرة مذيلة بهوامشها.

الفقرة الأولى :
**********
الحمدُ لله الذي جعلَ تاريخَ المسلمينَ الأوائلَ مُشرقًا نَاصعًا ، والصلاةُ والسلامُ على رَسُولِ الله أولًا وآخرًا ، وعلى آلهِ وصَحبِهِ ومَنْ والاهُ إلى يَومِ الدينِ والآخرة .

أمَّا بَعْدُ : فإنَّ صِيَانةَ تَاريخنِا الإسلاميِّ المَجيدِ ، واستنقاذَهُ مِنْ أيدي العَابثِينَ ؛ مِنْ واجِبَاتِ أهلِ العِلْمِ والمعرفةِ ، فلا يتركُ بأيدي المستشرقينَ يَتخذونَهُ غَرَضًا ، ولا بأيدي المتغافلينَ - سهوًا أو عمدًا - لينتقوا منه ما يشينُ الأجْدَادَ والأمجادَ ، فيأخذونَ هذا ويتركونَ ذاكَ ، لحاجةٍ في نُفوسِهم ، وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا يَكْتُمُونَ .

وفي هذا العصرِ ؛ نجدُ شُعوبًا وأُمَمًا تحاولُ أنْ تصنعَ لها تاريخًا ، فتجمعُ الأحجارَ والأوراقَ ، وتحفرُ الأنفاقَ ، وتَهدمُ المنازلَ ، وتخربُ المساجدَ ... بزعمِ أنَّ هنالكَ لهم تاريخًا وتراثًا ، مما حَملَهُم على التَّنقيبِ والبحثِ والتَّخريبِ على أَمَلِ العثورِ على هذا التاريخِ الموهومِ .

وليس هذا حال تلك الأمة فقط ، بل هو حالُ الكثيرِ مِنَ الشعوبِ في هذا العصرِ . فما بالُ أُمَّتِنَا ؛ لديها هذا التاريخُ المشرقُ مخطوطًا ومطبوعًا ولا يُولُونَه اهتمامًا ؟!

مِنْ هذا المنطلقِ كان لِزَامًا علينا قراءةُ تاريخِنا قراءةَ تَمحيصٍ وتحقيقٍ ، وغربلتُه مما يَشُوبُهُ ، وتَنقيتُهُ مما اختلطَ به ، وصَهْرُهُ لِيَخرجَ مُشرقًا نَاصعًا نَقيًّا ، فينفعَ الناسَ ، ويكون كما قال ربُّنَا عز وجل "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ " [سورة الرعد]

لذا كانت هذه الوريقاتُ ، التي أردنا أن تكونَ نِبراسًا وطَريقًا مُمَهدًا لِمَنْ أرادَ أنْ يُطالعَ تاريخَنا مِنْ مَصادرِهِ ومَظَانِّهِ الصَّحِيحَةِ لِيطمئنَ قَلْبُهُ ، ويَزولَ عنه ما أُشْكِلَ عليهِ وأُبْهمَ .



أسبابُ القُصُـورِ في قِرَاءَةِ التَّاريخِ
يمكنُ أنْ نُرجعَ التقصيرَ الموجودَ في الكثيرِ مِنَ الدراساتِ التَّاريخيةِ المعاصرةِ إلى ثلاثةِ أسبابٍ :


(السبب الأول)

أنَّ كثيرًا مِنْ أبناءِ المسلمينَ وقَعُوا ضَحايا لِمَا كَتَبَهُ بَعضُ المستشرقينَ والمتأثِّرينَ بهم من بني جِلدتِنَا ، وغيرهم مِنَ الكَتَبةِ المُرتزقةِ ؛ الذين يَتلقَّفونَ الأكاذيبَ والتّرّهاتِ المُختلقة في تَاريخِنا الإسلاميِّ على وَجْهِ العُمومِ ، وما يَتعلَّقُ بآلِ البَيْتِ النَّبَويِّ الأطهارِ والصَّحَابَةِ الكِرَامِ |رَضِيَ اللهُ عنهم|على وَجْهِ الخصوصِ .

ثُمَّ يَجعلونَ هذه الأباطيلَ عُمدةً فيما يكتبونَ ، وكأنها مِنَ المُسَلَّماتِ ، مُروجينَ لها على السُّذَّجِ مِنَ القُرَّاءِ والدَّهماءِ ، معتمدينَ على كَونها مُسَطَّرةً في ثنايا الكُتُبِ التاريخيةِ ، وكأنَّ وجودَها في بطونِ الكُتُبِ كَافٍ في إسباغِ الأكاذيبِ صِفَةَ الصِّدقِ والثبوتِ ، متغافلينَ عن تطبيقِ وإعمالِ قَواعدِ البحثِ العلميِّ والتحقيقِ التي يُدندنونَ بها ليلَ نهارَ ؟!

على الرغمِ مِنْ أنَّ الكثيرَ مما ينقلونَهُ ويذكرونَهُ ؛ إمَّا أنْ يكونَ ضَعيفَ السَّنَدِ ، أو موضوعًا مكذوبًا ، أو ليسَ له أصلٌ (1 ) .
والكثيرُ منهم يَعلمُ هذه الحقيقةَ ويتغافلُ عنها ؛ مِنْ أجلِ الطَّعنِ في تاريخِنا العظيمِ وإسقاطِهِ ، فهم ينطلقون عندَ الكتابةِ مِنْ نوايا سَيئةٍ ، ومقاصدَ عَدائيةٍ ، تَرمي إلى الطَّعْنِ والتشكيكِ في ثوابتِ هذه الأُمَّةِ ، وإثارةِ الفِتَنِ والاستعداءِ بين أبنائها ، فكيف يجوزُ لِمُسلمٍ أنْ يجعلَ هؤلاء وما يسطرونَ الواسطةَ بينه وبينَ تُراثِهِ ودينهِ وتاريخهِ ؟!
وهذا لا يَعْنِي أنَّ كُلَّ المستشرقينَ سواء ، فهم أصنافٌ شَتَّى :
- فمنهم مَنْ تعَمَّدَ التَّحريفَ والطَّعْنَ والتَّشْكيكَ ؛ حِقْدًا وحَسَدًا ، وكانتْ دَوافعُهُ الاستشراقيةُ عَدائيّةً احتلاليةً ؛ لِنَهْبِ البلادِ وقَتْلِ العِبَادِ ، وإيقافِ المَدِّ الإسلاميِّ الحضاريِّ (2)

- ومنهم ـ وهم قِلَّةٌ ـ مَنْ تعرَّضَ لتُراثِنا بشيءٍ مِنَ الموضوعيَّةِ الحياديّةِ والحرفةِ الأكاديمية ، على إِعْوازٍ وقُصورٍ يَظهرُ عندَ أَدْنَى تَأمُّلٍ ؛ لغربتِهم عن هذا الدينِ ، وجَهلهم بلُغَتِهِ التي هي (أُسُّ هذا التُّراثِ ومحوره) ، فمن هذا : طباعة كتاب «الوافي بالوفيات» لصلاحِ الدينِ الصّفديِّ ، وتأليفِ «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف» .


(السبب الثاني)


غيابُ العِلْمِ الشَّرْعِيُّ ، وقِلَّةُ الوَعي والمعرفةِ ، والجهلُ بمناهجِ عُلماءِ التَّاريخِ وقواعدِهم ذاتِ الصِّلةِ بتدوينِ وسَرْدِ الرواياتِ التاريخيةِ .

فبعضُ العُلماءِ مثلَ الإمامينِ : (الطَّبَرِيِّ وابنِ كثيرٍ) لم يَشْتَرِطوا في كِتَابَيْهِما إيرادَ الصَّحيحِ والإعراضِ عَنِ السَّقيمِ مِنَ المروياتِ والقَصَصِ والوقائعِ والأحْداثِ ، بل سَلكوا مَسلكًا وانتهجوا مَنهجًا مُحَدَّدًا أشاروا إليه في مُقدِّماتِ كُتُبِهم ؛ ليكونَ القارئُ على بَيِّنَةٍ مِنَ الأمرِ.
لكنَّ الكثيرَ مِنَ المفكرينَ والكَتبَةِ والمُثقّفينِ على وَجْهِ العمومِ ؛ كانوا في مَعْزلٍ وما زالوا عن تلكم القواعد والمقدمات ، فكان الجهلُ بها وإهمالها سببًا لفقدانِ بحوثهم وكتاباتهم الكثيرَ مِنَ الموضوعيةِ والمصداقية ..
إذن ؛ مِنْ الأهميةِ بمكانٍ أنْ نقرأَ مقدمةَ أيِّ كتابٍ ليتضحَ لنا منهجُ كاتبهِ ، ولبيانِ حقيقةِ ما أسلَفْنا ؛ نسوقُ إليك أخي القارئ مثالًا على أهميةِ الوقوفِ على قواعدِ ومناهجِ كَتَبةِ التاريخِ ، وهو : منهج الإمام ابن جَريرٍ الطَّبَريِّ رحمه الله في تاريخه


هوامش الفقرة الأولى
::::::::::::::::::::::::

( 1 ) هذه الأصنافُ الثلاثةُ لا تقومُ بها الحُجَّةُ ولا تفضي إلى التَّصديقِ : -
أخطرُها : (المروياتُ التي لا أصلَ لها) : وهي التي ليسَ لها إسنادٌ بمرةٍ ، وإنما هو قولٌ يُذكرُ أو يُنسبَ لفلانٍ فيتلقَّفهُ عامّةُ النَّاسِ ويتداولونه .
يليها في الخطورة : (المرويات الموضوعة) ؛ وهي التي في أَحدِ رواتِها كَذَّابٌ ثَبَتَ عليهِ الكَذِبُ ، فهو يركبُّ الأسانيدَ ويَختلقُ الأحاديثَ والأخبارَ والقصصَ ؛ لأسبابٍ شَتَّى ليس هذا موضعَ بسطِها ، ولكنَّ أهمها نصرة مذهبهِ ، أو يكون فيها راوٍ مَتروكٌ مُتَّهَمٌ بالكَذِبِ ؛ لأنَّ أكثر ما يرويه يُشْبِهُ مروياتِ الوضَّاعينَ ، ومِن سِمَاتِ هذينِ الصِّنفينِ : أنَّ ما يروونه يكونُ غَريبًا مُنكرًا مُخالِفًا لكتابِ اللهِ الكريمِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ، وأنهم ينفردُونَ بهذه الأخبار دونَ أنْ يُتَابِعَهُم عليها الرّواةُ الثِّقَاتُ العدولُ، وأنهم أصحابُ بدعٍ وخرافات .
ثُمَّ (المرويات الضعيفة) ؛ وهي التي في أحدِ رواتِها ضَعفٌ لأسبابٍ معروفة عندَ أئِمَّةِ الجَرحِ والتعديل ، تَمنعُ مِن تصديق ما يرويه أو يُخبرُ به هذا الصِّنفُ إلاَّ إذا تابعَهُ أحدُ الرواةِ الثقاتِ .


(2) ذكرَ العلاَّمةُ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ أبو زيدٍ أَوْجُهَ العَبَثِ بالتُّراثِ في كتابهِ الفَذِّ - «الرقابةُ على التُّراثِ دعوةٌ إلى حمايتهِ مِنَ الجنايةِ عليه» ، فاسترسلَ في ذكرِها وقال :
«16 - المُتَابَعَةُ لِلَفِيفٍ مِنَ الكُّفَّارِ «المستشرقينَ» بطبعِ كُتُبِ السِّحْرِ ، والكَهانَةِ ، والتَّنجيمِ ، والقَصَصِ الكَاذِبِ ، والأَدَبِ المكشوفِ ، وكُتُبِ أَهلِ البِدَعِ والأَهواءِ المُضِلَّةِ ، كُلٌّ بقَدَرِ ما استنبطَهُ مِنَ الأَهواءِ والشَّهواتِ التي تُضِرُّ الخَلْقَ ، وتُغضِبُ الخَالِقَ سُبحانَهُ ، وهذا مِنَ الدعوةِ إلى الضلالِ ، وفي الحديثِ : «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» رواه أحمدُ ومُسلمٌ وأصحابُ السُّنَنِ» . اﻫ (ص 16-17 دار العاصمة) .
وأشار - وفقه الله - في الحاشية لشيءٍ مِنْ كَيْدِ «المستشرقينَ» ؛ حيثُ قامتْ (جامعةُ السربون) بتبنِّي طباعة كتابِ «الفتوحاتِ المَكِّيّة» لابنِ عَربيٍّ المُلحدِ .

************************************************** ***************
الفقرة الثانية:
*********

بيانُ مَنهجِ الإمامِ ابنِ جَريرٍ الطَّبَريِّ في كِتَابهِ التاريخيِّ «تاريخِ الأُمَمِ والمُلُوكِ» (1) .

ها هو الإمامُ ابنُ جَريرٍ الطَّبَرِيُّ يكشفُ لنا عن منهجِهِ في مُقَدِّمَةِ كتابهِ «تاريخِ الأُمَمِ والمُلُوكِ» (1/52) فيقولُ :
« .. ما يَكُنْ في كِتَابي هذا مِنْ خَبَرٍ ذَكرنَاه عَنْ بعضِ الماضينَ ، مما يَستنكِرُهُ قَارئُهُ ، أو يَستشنِعُهُ سَامِعُهُ ، مِنْ أجْلِ أنه لم يَعرفْ له وجهًا في الصِّحَّةِ ، ولا معنًى في الحقيقةِ ؛ فليعلمْ أنه لم يُؤتَ في ذلك مِنْ قِبَلِنَا ، وإنما أُتى مِنْ قِبَلِ بعضِ نَاقليهِ ، وأنَّا إنما أَدَّيْنَا ذلك على نَحوِ ما أُدِّيَ إلينا» . اﻫ

إذن ؛ الإمامُ الطَّبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - يُبَيِّنُ للقارئِ بوضوحٍ وجَلاءٍ أنه لَمْ يَشْتَرطِ الصِّحَّةَ فيما يَسوقُهُ مِنْ مَروياتٍ في كتابهِ هذا ، وأنَّ العُهْدَةَ فيما يَنقلُهُ إنَّما هي على الرّواةِ النَّقَلَةِ ، وأنه في هذا الكتابِ كان نَاقلاً أَمينًا ، لا مُحققًا فاحصًا .
فبعضُ مَنْ روَى عنهمُ الطَّبَرِيُّ جَمَعَ بين الكَذِبِ وكَثْرةِ الروايةِ ، من هؤلاءِ : -

 مُحَمَّدُ بنُ حميدٍ الرَّازِيُّ شَيْخُ الطَّبَرِيِّ ؛ فقد أكثرَ الطَّبَرِيُّ مِنَ الروايةِ عنه في كِتَابَيْهِ : «التَّاريخِ» و«التَّفسيرِ» على الرغم مِنْ أنَّ مُحَمَّدًا هذا قد رُمِيَ بالكَذِبِ والوَضْعِ ، وهو ضَعيفٌ سَاقطُ الحديثِ عندَ السَّوادِ الأعظمِ مِنْ عُلماءِ الجَرْحِ والتَّعديلِ(2) .
 لُوطُ بنُ يَحْيَى أبو مِخْنَفٍ ؛ له رواياتٌ كثيرةٌ في «تاريخِ الطَّبَرِيِّ» بلغت (585) روايةً ، تعرَّضَ فيها لأحداثٍ ووقائعَ مُهمةٍ مِنَ التاريخِ الإسلاميِّ ابتدأتْ مِنْ وَفَاةِ الرَّسُولِ |صلى الله عليه وآله وسلم| إلى سُقوطِ الدولةِ الأُمَوِيَّةِ ، ولُوطٌ هذا مَقدوحٌ فيه عندَ عُلَماءِ الحديثِ ؛
- قال ابنُ مَعِينٍ : «ليسَ بشيءٍ» .
- وقال ابنُ حِبَّانَ : «يَروي الموضوعاتِ عَنِ الثِّقَاتِ» .
- وقال الذَّهَبِيُّ : «إِخْبَارِيٌّ تَالِفٌ» (3) .

فظهرَ بهذا المثالِ أهميةُ الاطلاعِ على مَناهجِ وشُروطِ العُلَماءِ في كتابتهم للتاريخِ وفهمها ، وضرورةُ استحضارِها أثناءَ مطالعةِ كتابِ هذا الإمامِ أو ذاك . والأمرُ نفسُه ينسحبُ على باقي كُتُبِ الأخبارِ والتاريخِ ، بل على سائرِ كُتُبِ التُّراثِ وفنونِهِ المتنوعة .

وبعضُ هؤلاءِ المؤرِّخينَ كان مَنهجُهم نقلَ هذه الروايات والأخبارِ مُسندةً بغضِّ النَّظَرِ عن حالِ رجالِ أسَانيدِها ، سيرًا على القولِ الشَّائعِ : «مَنْ أسندَ فقد أحالَ» ، تَقليدًا منهم ومُحاكاةً لبعَضِ عُلَماءِ الحديثِ في تدوينِ الحديثِ ، إذْ إنهم يكتبونَ كُلَّ المروياتِ المُسندَةِ كمرحلة أولية ، ثُمَّ تأتي المرحلةُ التاليةُ ـ وهي الفَارقُ بينَ المؤرِّخينَ والمُحَدِّثينَ ـ حيثُ يقومون بالتنقيحِ والتفتيشِ والتحقيقِ وتمييزِ الصَّحيحِ مِنَ الضَّعيفِ .

وقد أشار إلى هذا المنهجِ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - مُبينًا طريقةَ ومنهج أكثرِ الأقدمين في الروايةِ ، فيقولُ : «أكثرُ المُحَدِّثينَ في الأعصارِ الماضيةِ مِنْ سَنةِ مئتين وهلم جرّا إذا ساقوا الحديثَ بإسنادِه ؛ اعتقدوا أنهم بَرئوا مِنْ عُهدَتِهِ» . اﻫ ( 4)
وبالطبعِ يقصدُ الحافظُ الرواةَ النَّقَلَةَ ، لا الأئمةَ النُّقَّادَ عُلَماءَ الروايةِ والجَرحِ والتعديلِ ، حُرَّاسَ الدين مِنَ التَّحويرِ والتَّبديلِ ، الذينَ يُطبِّقونَ على الرَّاويِ والمَرويِّ قواعدَ وقوانينَ القَبولِ والرَّدِّ الصَّارمةَ ، تلك القواعدُ التي لا يوجدُ لها شَبيهٌ ولا مَثيلٌ في التجربة الإنسانية وأطوارها الحضارية .

فالواجب على القارئ - إن كان مؤهلاً - أن يَتحقّقَ مِنْ مرويَّاتِ هذا الكتابِ أو ذاك على ضوءِ قواعدِ المُحدِّثينَ النُّقَّادِ ، وهو ما يُطلقُ عليه : علمُ «مصطلح الحديث» المخولُ بالكشفِ عن حالِ المروياتِ والأخبارِ وناقليها مِنْ حيثُ القبولُ والرَّدُّ ،
بواسطة أمرين :

* الأولُ : البحثُ والتفتيشُ عن حالِ الرواةِ النَّقَلَةِ لهذه المروياتِ ، اعتمادًا على أقوالِ الجَهابذةِ النُّقَّادِ مِنْ أئمَّةِ الجرحِ والتعديلِ(5) ، فمَنْ كان صالحًا ثقةً ؛ قُبلتْ مَروياتُهُ . ومَنْ كان طالحًا ضَعيفًا ، رُدَّتْ مروياتُهُ ولا كرامةَ .
* الثاني : النّظرُ في مُتونِ هذه المروياتِ ونقْدُها بمطابقتها على كِتابِ اللهِ تعالى والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الثابتةِ والأصولِ العامةِ المستنبطةِ مِنهما ؛ لمعرفة المُنكرِ منها مِنَ المحفوظِ ، والنّاسخِ مِنَ المنسوخ .
هذا إن كان القارئُ مؤهلاً لإجراءِ هذه البحوثِ وتحقيقها ، مطلعًا ذا دربةٍ وممارسة لهذا العلمِ الشَّريفِ الدَّقيقِ ؛ وإلاَّ فعليه أنْ يتقيَ اللهَ تعالى ويُحيلَ الأمرَ إلى أَهلهِ أصحابِ الاختصاصِ مِنْ أهلِ البحثِ والمعرفةِ العدولِ الثِّقاتِ .


(السبب الثالث)

ما يُدندنُ به بعضُ الكَتَبةِ مِنْ إمكانيةِ التَّساهلِ في روايةِ التاريخِ ، مقارنةً بالتَّشَدُّدِ في روايةِ الحديثِ النَّبَويِّ الشريفِ وهو لعمر الله ؛ مِنْ أكبرِ الأخطاءِ التي يَقعُ فيها مُثَقَّفُونا ؛ إِذْ إِنَّهُ لَونٌ مِنْ أَلوانِ التّأثُّرِ بالمنهجِ التاريخيِّ الغربيِّ ، الذي لا يهتمُ بنقلِ الأسانيدِ ، وأكبرُ مثالٍ على ذلكَ ؛ أنَّ الإسنادَ بينهم وبين (الإنجيل) ؛ منقطعٌ بمئات السنين وهو كتابهم المقدس فما بالك بغيره !
إنَّ تاريخَ آلِ البَيْتِ والصَّحَابَةِ |رَضِيَ اللهُ عنهم| هو جزءٌ مِنْ ديننا ، لا يصحُّ بحال أن نسوّيَ بينه وبين تاريخٍ آخرَ ، أو أن نتساهلَ في أَخذْهِ وروايتِهِ ، فأيُّ إجحافٍ أو تَمييعٍ في حَقِّ هذا التاريخِ وتوثيقهِ ؛ سوف يَعودُ أَثَرُهُ حَتْمًا على الدينِ ، وعلى صِحَّةِ الأحاديثِ وسَلامتِها مِنَ التغييرِ والتبديلِ .

ولنا في طُعونِ بعضِ مَنْ في قَلْبِهِ دَخَنٌ في رَاوِيَةِ الإسلامِ أبي هُرَيْرَةَ (6) ذلك الصَّحَابيُّ الكبيرُ رَضِيَ اللهُ عنه أوضحُ مثالٍ .
إنّ بعضَ الباحثينَ يصولونَ ويجولون في مناقشةِ بعضِ الوقائع والأحداثِ التاريخية القديمة والحادثة ، ما بين مُثبتٍ ونافٍ ، ويقدمُ كُلُّ طَرفٍ دَليلَهُ وحُجَّتَهُ على ما ذهبَ إليهِ ، على الرغم مِنْ أنَّ بعض هذه الأحداثِ لا يَترتبُ عليها كبيرُ فائدةٍ أو عملٍ ، فما بالك بتاريخِ آلِ البَيْتِ والصَّحَابَةِ |رَضِيَ اللهُ عنهم| حَمَلَةِ الشَّريعَةِ وحصونه المنيعةِ ؟!

وهذا لا يَعنِي وجُوبَ مُعَامَلةِ جَميعِ أخبارِ (الحِقْبَة الأولى) مِنْ تاريخِنا معاملةَ الأحاديثِ مِنْ حيثُ القَبولُ والرَّدُّ ، بل يَجبُ التفريقُ بين الأخبارِ والرواياتِ ؛ فإن كانتْ هذه الأخبارُ والآثارُ عن الآلِ والأَصْحَابِ تَحكي زُهْدَهُمْ وشَجاعتَهم وكَرمَهُم وتَضحيتَهم وحُسْنَ خُلُقِهِم وجَمَالَ طَبَائِعِهِم ولُطْفَ سَجَاياهُم ، ولم تكنْ خارجةً عَنِ الأُصُولِ العامَّةِ للشَّريعةِ ، ولا هي مِمَّا تَأْبَاهُ الفِطْرةُ السَّليمةُ ؛ فلا مَانِعَ مِنْ ذِكْرِها ورُوايَتِها وكِتَابَتِها ؛ لأنها لا تَمَسُّ أو تَخدشُ أَصْلاً شَرعيًّا ، ولا يوجدُ في روايتها ضَررٌ أو مَسَاسٌ لمقامِ الآلِ والأَصْحَابِ |رَضِيَ اللهُ عنهم|.
أَمَّا إنْ كانت تلك الأخبارُ تَتناولُ الفِتَنَ ، أو بعضَ المواقفِ الحاسمةِ ، أو بعضَ ما يُسيءُ إلى مَقامِ الآلِ والأَصْحَابِ ، أو فيها شَيءٌ مِنَ المخالفةِ لأصولِ الشَّريعَةِ العامَّةِ ، أو تَخلَّلَها بعضُ الشَّوائبِ التي تَمُجُّهَا وتأباها الفِطْرُة السَّويَّةُ ؛ فهذا النوعُ مِنَ الأخبارِ لابدَّ مِنَ النَّظَرِ في أسانيدِها نَظرًا دَقيقًا ، ومُحاكمَتِها مُحاكمةً عَادلةً . هذه هي الأسبابُ الثلاثةُ الجوهريةُ التي دَخلَ مِنْ خلالِها التقصيرُ في قِرَاءةِ وعَرْضِ ونَقْلِ التاريخِ الإسلاميِّ .

هوامش الفقرة الثانية
:::::::::::::::::::::::

( 1) الطَّبَرِيُّ : مُحَمَّدُ بنُ جَريرِ بنِ يَزِيدَ أبو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ . مُفَسِّرٌ وَمُحَدِّثٌ ومُؤرِّخٌ وفَقِيهٌ وأُصُولِيٌّ ، إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ . وُلِدَ بآمل طبرستانَ سنة (224ﻫ وتوفي سنة (310ﻫ ، مِنْ تصانيفه : «تاريخُ الأُمَمِ والمُلُوكِ» و«جَامِعُ البَيَانِ في تَأْويلِ القُرْآنِ» .
( 2) انظر : «ميزان الاعتدال» (3/530-531) .
(3 ) انظر كتابَ : «مرويات أبي مِخْنَفٍ (لُوطِ بنِ يَحْيَى الأَزْدِيِّ) في تاريخ الطَّبَرِيِّ =: عصر الخِلافةِ الرَّاشِدةِ» (ص 487 - الخاتمة) . للدكتور يَحْيَى بن إبراهيم اليحيى . (ط1 دار العاصمة/الرياض - 1410ﻫ .
( 4) «لسان الميزان» (3/75 - ط المعارف النظامية) : ترجمة الإمامِ سُليمانَ بنِ أحمدَ الطبراني صاحب «المعاجم الثلاثة» : (الكبير والأوسط والصغير) .

(5) كالإمام أحمد وابن معين والرازي أو ابن حجر والذهبي وغيرهم من فحول هذا العلم المبارك ورجاله ، وأقوال هؤلاء الأئمة موجودة في كتب مخصصة تسمى كتب الرجال مثل كتاب الجرح والتعديل للرازي وتهذيب الكمال للمزي واختصره الإمام ابن حجر في كتاب اسماه تهذيب التهذيب ثم اختصر هذا في كتابه القيم تقريب التهذيب ، وللذهبي كذلك كتب كثيرة من أهمها ميزان الاعتدال وهناك أصناف غير هذه كثيرة منها ما يهتم بالضعفاء ومنها ما يختص بالثقات وهلم جرا.
( 6) أبو هُرَيْرَةَ بنُ عَامِرِ بنِ عبد ذي الشري ، مِنْ دَوْسٍ ، صَحَابيٌّ جَلِيلٌ ، اُختُلِفَ في اسمهِ ، وله روايةٌ عن رَسُولِ الله |صلى الله عليه وآله وسلم| ، وكان آيةً في الحفْظِ ، وقد دَعَا رَسُولُ الله |صلى الله عليه وآله وسلم| لَهُ ولِأُمِّهِ ، تُوِفِّيَ سنةَ (57ﻫ ، أكثرَ مِنْ الروايةِ عن رَسُولِ الله |صلى الله عليه وآله وسلم| حتَّى بلغتْ رواياتُهُ في كُتُبِ الحديثِ (5374) روايةً على ما ذَكَرَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ في كتابه «جوامع السِّيرة» ، انظر ترجمتَه في «الإِصَابَةِ في تَمييزِ الصَّحَابَةِ» للحافظِ ابنِ حَجَرٍ .
وقد وجِّهتْ سهامُ النَّقدِ مِنْ قبلِ أُولي الأهواءِ إلى هذا الصَّحَابيِّ الجَلِيلِ (أبي هُرَيْرَةَ) =رضوانُ الله عليه ؛ تعجبًا مِنْ كَثرةِ رواياتِهِ عن رَسُولِ الله |صلى الله عليه وآله وسلم| ؛
- فصنَّفَ محمود أبو رية كتابَهُ : «أبو هريرة شيخ المضيرة» متطاولًا على شخصِ هذا الصَّحَابيِّ الجَلِيلِ ، وصنف عبد الحسن شرف الدين العامليّ كتابَهُ«أبو هريرة» وتعجب مِنْ كثرةِ رواياتهِ ، مع أنّ هناك من روى أضعافَ أضعاف مرويات (الصَّحَابيِّ الجَلِيلِ أبي هُرَيْرَةَ |رَضِيَ اللهُ عنه|) ، فمثلاً عبد الحسين شرف الدين العاملي يقولُ في كتابهِ «المراجعات» (ص308 ط مكتبة الألفين) : «وقال (عليه السلام) لأبانَ بنِ عثمان : إنّ أبان بن تغلب روى عني ثلاثين ألف حديثا ، فاروها عنه» . اﻫ . وهذا النَّصُّ في «رجال النجاشي» (1/78-79 ، ط1 : دار الأضواء ، تحقيق : مُحمد جواد النائيني) .
وكذلك ( جابر الجعفيّ ) : - أحد الرواةِ الذين يجلهم صاحب المراجعات - ؛ بلغتْ رواياتُهُ (210) ألف رواية ، أي ما يقرب مِنْ ربع مليون رواية ! أليس هذا العدد الضخم مِنَ هذا الراوي أولَى بالتعجب والدهشة مِنْ عدد مرويات الصَّحَابيِّ الجَلِيلِ أبي هُرَيْرَةَ |رَضِيَ اللهُ عنه|؟ وقد ذكر الدكتور محمد الأعظمي أن أحاديث أبي هريرة هي (1336) حديثاً فقط وذلك بعد حذف الأسانيد المكررة «أبو هريرة في ضوء مروياته» (ص76) وقد تكفل بالرد على شبهات أبي رية غير واحد من العلماء مثل العلامة المعلمي رحمه الله في كتابه «الأنوار الكاشفة» والدكتور محمد أبو شهبة رحمه الله في «دفاع عن السنة» وعبد المنعم العزي في كتابه «دفاع عن أبي هريرة» ، وأما في الرد على شبهات عبد الحسن شرف الدين العاملي فقد أجاد الشيخ الفاضل عبد الله الناصر في الرد عليه في «البرهان في تبرئة أبي هريرة من البهتان»



المصدر :

هنـا (http://www.altareekh.com/vb/showthread.php?threadid=40217)