المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تنبيهات وضوابط لقراء السّّير


الرايه
21-11-06, 06:23 AM
تنبيهات وضوابط لقراء السّّير

د.عمر المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،أما بعد :
فإن قراءة السير والأخبار متعة لدى كثير من الناس ، لما فيها من عرض للأحداث في غابر الزمان ،وأخبار أمم وقرون انقرضت ،وفيها من الوقوف على أخبار عقلاء الناس وتجاربهم الشيء الكثير .
ولما كانت كتب السير تجمع في طياتها أخبارا وسيرا لم تمحص ،ونقولات لم تعرض على ميزان النقد العلمي ـ لأن غرض المؤلف (غالبا) هو الجمع المحض من غير نقد ولا تمحيص ـ نشأ عن ذلك وجود عدد ليس بالقليل من الأخبار المردودة شرعا ،أو المواقف التي تنسب إلى أعيان من الفضلاء ـ قد يعتذر لهم عنها ـ ولكن لا يتابعون عليها ؛لكون ذلك العمل اجتهاد مطروح ؛ لمصادمته للنص ـ مثلاً ـ .

من هنا أحببت المشاركة بالإشارة إلى بعض الضوابط والتنبيهات التي ينبغي مراعاتها عند قراءة كتب السير والتراجم ،لما يُلحظ من أخطاء في التعامل مع هذه السير والأخبار ،ستتبين من خلال هذه التنبيهات والضوابط التنبه لها :

التنبيه الأول :
السير والأخبار فيها الصحيح والضعيف بل والمكذوب ،وإذا كان حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أدخل فيه ما ليس منه من الضعاف والموضوعات ،فما بالك بأخبار الرجال وسيرهم ؟!
ولهذا فإن التثبت واجب فيما ينقل من أخبارهم ، خاصة تلك التي يترتب عليها استدلال ـ وهذا فيما يتعلق بالصحابة بالذات وغيرهم على وجه العموم ـ لأن أقوال الصحابة رضي الله عنهم حجة إذا لم يُخالف أحدهم والمسألة مبحوثة في أصول الفقه ،والمقصود التثبت فيما يروى من قدح أو ذم ،يجب أن ينظر في ثبوته عنهم ،فإن الخطأ والتحريف ،والكذب فيما ينقل عمن اشتهر فضلهم ،وورعهم ،وصدقهم ،وبلاؤهم في الإسلام ـ وعلى رأسهم الصحابة – رضوان الله عليهم ـ الخطأ والكذب على هؤلاء كثير .
ولما تكلم شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ في "الواسطية " عن منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع ما روي عن الصحابة – رضوان الله عليهم ـ ،وعن الفرق بينهم وبين الرافضة ،قال رحمه الله تعالى:ص (36) :
" ويتبرءون من طريقة الروافض ،الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم ،وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقولٍ أو عمل ،ويمسكون عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم ، ويقولون : إن هذه الآثار المروية في مساويهم ،منها ما هو كذب ، ومنها ما قد زيد فيه ونقص ، وغُيِّر عن وجهه ، والصحيح منه هم فيه معذورون : إما مجتهدون مصيبون ،وإما مجتهدون مخطئون " ا. هـ كلامه ـ رحمه الله تعالى ـ .
فإذا كان الكذب والخطأ فيما يروى عن الصحابة – رضوان الله عليهم ـ ، فغيرهم من باب أولى ، ولذلك كان مما اختص الله به أمة الإسلام من بين سائر الأمم : الإسناد ،إذْ لولا الإسناد لقال في الدين من شاء أن يقول ، كما قال الإمام عبد الله بن المبارك ـ فيما رواه مسلم في مقدمة صحيحه ـ بل لقد بلغ الأئمة في هذا الباب مبلغا عظيما من الاحتياط ،فصاروا ينقلون أقوال أئمة الجرح والتعديل بالأسانيد ،وهذا ظاهر جلي في كتاب "الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم " أو "المعرفة والتاريخ" ليعقوب بن سفيان وغيرها من الكتب .
ويلحظ الناظر في كتاب الحافظ الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ "سير أعلام النبلاء " تطبيقا عمليا لهذا المنهج ،فكم حكم على قصص رويت ،أو أخبار ذكرت بالبطلان !! .
ومن عباراته ـ رحمه الله تعالى ـ : " إسنادها مظلم ، إسنادها تالف ،لا تصح ، حكاية منقطعة ..الخ تلك العبارات التي ينقد بها ما يورده من أخبار وحكايات .

التنبيه الثاني :
بعد التحقق والتثبت من ذلك المروي عن بعض السلف من قول أو فعل ،سواء كان من الصحابة – رضوان الله عليهم ـ أو غيرهم ، فينبغي أن يعذر ذلك الشخص فيما نقل عنه إن تبين خطؤه فيه ، وأن يعلم أنه لا يمكن أن يصدر تعمد مخالفة السنة ممن عرف بالفضل والعلم والصلاح ،كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه القيم : "رفع الملام عن الأئمة الأعلام " ،يقول رحمه الله تعالى في مقدمة هذا الكتاب :
" وليعلم أنه ليس أحدٌ من الأئمة ـ المقبولين عند الأمة قبولا عاماً ـ يتعمد مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من سنته دقيقٍ ولا جليل ،فإنهم متفقون اتفاقا على وجوب اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك ،إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه ،فلا بد له من عذر في تركه ،وجميع الأعذار ثلاثة أصناف :
أحدها : عدم اعتقاده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله .
والثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول .
والثالث : اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ .
وهذه الأصناف الثلاثة ، تتفرع إلى أسباب متعددة ... " ثم ذكرها ـ رحمه الله تعالى ـ وهي جديرة بالمراجعة لأهميتها ،والمقصود هنا ،وجوب التماس العذر لمن هذه صفته والله المستعان .

التنبيه الثالث :
أن الشخص قد يقرأ في بعض السير ـ وأعني بذلك سير التابعين ومن بعدهم ـ أخباراً عن أحوال وأقوال زائدة عن الأحوال التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم ،فبالإضافة إلى ما سبق من التنبيهين السابقين :[وهما : التثبت في النقل ،والتماس العذر لمن ثبتت عنه المخالفة ] فلا بد من الوقوف مع هذه المسألة لكثرة ما يعرض لقراء السير من ذل .
وأكتفي في التنبيه على هذه القضية بذكر كلام متين لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ في الفتاوى" 11/13-14 حينما تكلم عن بعض الأحوال التي تذكر عن بعض الصالحين من الزهاد والعباد والتي وقع فيها زيادة في العبادة والأحوال ،قال ـ رحمه الله تعالى ـ :
" وكذلك ما يذكر عن أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة ،وأمثال ذلك ،قد ينقل فيها من الزيادة على حال الصحابة رضي الله عنهم ،وعلى ما سنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمور توجب أن يصير الناس على طرفين :
قومٌ يذمون هؤلاء وينتقدونهم وربما أسرفوا في ذلك ، وقومٌ يغلون فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق وأعلاها ،والتحقيق أنهم في هذه العبادات والأحوال مجتهدون ... إلى أن قال : والصواب للمسلم : أن يعلم أن خير الكلام كلام الله ،وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - ،وخير القرون القرن الذي بُعث فيهم ، وأن أفضل الطرق والسبل إلى الله ما كان عليه هو وأصحابه ،ويُعْلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله بحسب اجتهادهم ووسعهم ،كما قال تعالى : "فاتقوا الله ما استطعتم " وقال - صلى الله عليه وسلم - :"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ،وقال تعالى :" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وإن كثيرا من المؤمنين ـ المتقين أولياء الله ـ قد لا يحصل لهم من كمال العلم والإيمان ما حصل للصحابة ،فيتقي الله ما استطاع ،ويطيعه بحسب اجتهاده ،فلا بد أن يصدر منه خطأ : إما في علومه وأقواله ،وإما في أعماله وأحواله ،ويثابون على طاعتهم ،ويُغفر لهم خطاياهم ،فإن الله تعالى قال : " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ،كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ...إلى قوله : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " قال الله تعالى : قد فعلت ،فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطئ ضال مبتدع ، ومن جعل كل مجتهد في طاعةٍ أخطأ في بعض الأمور مذموما معيبا ممقوتا ،فهو مخطئ ضال مبتدع ..." .
ولعلي أضرب لذلك مثلاً يمر كثيرا بقراء بعض سير العباد ،فمثلاً : قد يقرأ أحدنا في ترجمة رجلٍ ما : أنه كان يقوم الليل كله ، أو كان يختم القرآن كل يوم ، أو كان يصوم الدهر ،فإذا عرضنا هذه الأعمال على السنة وجدنا بعضها مخالف صراحةً للسنة كقيام الليل كله كما قالت عائشة رضي الله عنها ،وبعضها الراجح فيها من حيث الدليل ـ أيضا ـ أنها مخالفة للسنة كختم القرآن في أقل من ثلاث ، أو صيام الدهر .

التنبيه الرابع :
أنه ينبغي ـ بعد التثبت ـ من صحة ما قرأ ، أن يسأل عن سبب هذا النقد ؛ أو ذاك الذم ، فقد يكون الدافع لذلك النقد الذي وُجِّه إلى ذلك الشخص هو الحسد ، أو هو من قبيل التنافس بين الأقران ، وما أعظم أثر هذا السبب !!!
ولهذا لما أورد الحافظ الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ بعض الحكايات وكلام الأقران بعضهم في بعض في كتابه " سير أعلام النبلاء " قال ـ رحمه الله تعالى ـ : 5/275 : " كلام الأقران يطوى ولا يروى ، فإن ذُكر ، تأمله المحدّث فإن وجد له متابعا وإلا أعرض عنه " وقال مرةً (10/92) : " كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية ، لا يلتفت إليه ، بل يطوى ولا يروى ..." ا.هـ .
والإنسان بشر ، يغضب وتعتريه حِدّة نفَس ،ويغلط في بعض الأحيان ، فتصدر منه بعض الكلمات التي قد يتراجع عنها فيما بعد .
وقد يكون ذلك النقد وهماً من أحد النقاد بحيث يريد شخصا فيقع النقد على آخر ، وهذا كثير في كتب الرجال والتراجم .
ومن الأمثلة على ذلك ـ وهو محل تأمل ـ أن ابن حبان جزم في أن النسائي أنما تكلم في أحمد بن صالح الشمومي ، لا في أحمد بن صالح المصري الإمام الحافظ المشهور ـ كما في التقريب(48) ـ وهذا مبحث معروف عند أهل العلم ، وهو مبحث : الرواة الذين يقع الاشتباه في أسمائهم ، ولا يكاد يسلم من الوهم فيه إمام من الأئمة ، رحمة الله على الجميع .

التنبيه الخامس :
أن ما ذكر من التنبيهات ،ينبغي ألا يحدث ردة فعل عكسية ،بحيث يبدأ الإنسان لا يقبل ثناءً ولا مدحا قيل في فلان إلا بعد التثبت والنظر ، كلا ، فجانب المدح والثناء على الشخص الأمر فيه أسهل ، والخطب فيه أيسر ، اللهم إلا إذا ترتب على توثيقه وتعديله أثراً في الحكم على الأحاديث النبوية ، فهنا يأتي مجال الجرح والتعديل لرواة الحديث النبوي ، ولهذا الميدان رجاله وفرسانه .
أما إذا كان المدح والثناء على شخص بكثرة التعبد ، وبالزهد ،وببر الوالدين ، وصلة الأرحام ، فلا حاجة هنا للبحث والتفتيش ، إذْ الأصل في المسلم عموماً هو الخير والصلاح ، فكيف إذا نقل هذا عن أهل علم وفضل وصلاح ؟! .
وعلى كل حال : فإن الإنسان إذا اشتهر فضله ،وذاع في الخير صيته ، وعُرِف صلاحه عند صلحاء الأمة ، كان ذلك برهانا على صلاحه ،وأمر السرائر إلى الله تعالى ، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ كما في الصحيحين ـ من حديث أنس – رصي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنتم شهداء الله في الأرض ،أنتم شهداء الله في الأرض ،أنتم شهداء الله في الأرض " .

التنبيه السادس والأخير :
يقف بعض قراء السير على مواقف لبعض السلف – رضوان الله عليهم ـ ، سواء كان ذلك الموقف في التعامل مع الأهل ، أو مع الوالدين ، أو مع الأصحاب ، أو حتى مع السلاطين والحكام ، فيتخذ من ذلك الموقف أو تلك القصة منهجا يتعامل به ، وقد يكون ذلك الموقف غير صحيح من الناحية الشرعية ،وهو إما اجتهاد مرجوح ، أو غلط صدر منه وهو معذور فيه ، لكنه لا يتابع عليه .
ومكمن الخطأ الذي قد يقع فيه البعض هنا ، أنه يبدأ يتحاكم إلى هذا الموقف ، فيصوب ما وافقه ، ويخطّئ ما خالفه ،وأشد من ذلك أن يجعل هذا الفعل منهجاً ،فيقول : منهج السلف هكذا ، وهذه طريقة السلف ، وهو حينما يتحدث ، ربما ليس في ذهنه إلا هذا المثال ،مع أنه قد يتبين من خلال البحث أن ذلك الإمام مخالف من قِبَل آخرين من ممن شهدت لهم الأمة بالإمامة .
إن من الخطأ البين أن يختصر منهج السلف كله في منهج رجل أو رجلين ، أصاب أو أخطأ !! إن منهج السلف – رضوان الله عليهم ـ يتشكل من النظر في سيرة عشرات بل مئات من الأئمة الذين عاشوا في تلك الحقبة المباركة من عمر هذه الأمة ، فبمجموع ما ينقل عنهم ويُسْتقرأ من أحوالهم ـ إما كلُهم أو أغلبُهم على الأقل ـ يمكن أن يصف الإنسان ذلك المنهج بأنه منهج السلف أو بعبارة أدق : منهج كثير من السلف .

ومما ينبغي التنبه له أيضاً ، معرفة منازل أولئك الأئمة ،ومقدار بلائهم في الدين ، علما وعملاً ودعوة ،ولكل منهم قدره وفضله ،لكن : " ولكل درجات مما عملوا " .
هذا ما أحببت الإشارة إليه في هذه العجالة ، وفي اعتقادي أن الموضوع يحتاج إلى بسط ومزيد أمثلة ، ولعل فيما تقدم تنبيه على ما لم يذكر ،
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أبو مهند النجدي
21-11-06, 06:33 AM
جزاك الله خير

الرايه
26-11-06, 04:11 PM
جزاك الله خير

وإياك


وهذا ملف به تفريغ محاضرة لوزير الشؤن الاسلامية الشيخ صالح ال الشيخ
وهي جيدة في الجملة
عنوانها (( ضوابط في معرفة السيرة ))

الرايه
11-12-06, 06:38 PM
مراجعات في السيرة والتاريخ
ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من السيرة
د . محمد بن صامل السلمي
الأستاذ المشارك بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية الشريعة بجامعة ام القرى
(( نشر هذا المقال في مجلة البيان العدد 159 ، ذو القعدة 1421هـ))


إن استخراج الدروس والعبر والأحكام من حوادث السيرة النبوية من أهم أهداف الدراسة لها وأعظم فوائدها ؛ لكن هذا الأمر لا يستطيعه كل باحث أو قارئ للسيرة ؛ لأنه يحتاج إلى مرجعية شرعية ، وإلى ضوابط تضبط طريقة الاستنتاج ، وبالنظر إلى مناهج الاستدلال والاستنباط عند علماء المسلمين ؛ فإنه يمكن معرفة ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من خلال طريقهم في البحث والاستدلال وفقاً للخطوات الآتية :

1 - التأكد من صحة الحدث أو الواقعة التاريخية حتى يصح الاستدلال بها : وذلك أن السيرة النبوية جزء من السنة النبوية التي هي أحد مصادر الأحكام الشرعية ؛ فلا بد من التثبت من صحة الحادثة . ونجد أن العلماء يسلكون في منهج التوثيق لأحداث السيرة منهج علماء الحديث النبوي ، لكنهم يفرِّقون في النتيجة بين الأحداث والوقائع التي تبنى عليها أحكام شرعية واعتقادية ، وبين الأحداث التي لا تؤخذ منها الأحكام مثل الفضائل ، وأخبار الحضارة والعمران ، فيتشددون في الأولى ويتساهلون في النوع الثاني من الأخبار ، كما رُوي ذلك عن الإمام أحمد ، و ابن مهدي ، و ابن المبارك [1] ، وأمثالهم .

2 - بذل الجهد في جمع الأخبار الواردة في الموضوع الواحد : وهذه هي الطريقة العلمية الصحيحة حيث يحيط الباحث بجميع الأخبار الواردة في الموضوع ، بل يجمع الطرق والألفاظ لكل نص حتى يستطيع أن يخرج بحكم صحيح وتصور واضح ، ويَعْرف المتقدم من المتأخر ، والعام من الخاص ، والألفاظ يفسر بعضها بعضاًَ ، وبهذا يتمكن من الجمع بين النصوص والأخبار المتعارضة ، أو ترجيح أحدهما على الآخر على وجه صحيح . مثال ذلك : لو احتج بعض الباحثين أنه لا يجوز الدعاء على الكفار ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال له بعض الصحابة رضي الله عنهم : ادع الله على ثقيف ؛ قال : « اللهم اهدِ ثقيفاً » [2] . واحتج آخر بأنه لا يجوز الدعاء للكفار بل يدعى عليهم ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : « اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم كسني يوسف » [3] ، فكيف العمل ؟ نقول : إن الحديث الأول ضَعّف بعض أهل العلم إسناده ، لكن لمعناه شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم قال : قدم الطفيل وأصحابه ، فقالوا : يا رسول الله ! إن دوساً قد كفرت وأبت ، فادع الله عليها ، فقيل : هلكت دوس . فقال : « اللهم اهد دوساً وائت بهم » [4] . وبهذا نلجأ إلى الجمع بين الخبرين ، فيقال : إنه يجوز في بعض الأحوال الدعاء للكفار الذين ترجى هدايتهم ، ومن لا ترجى هدايته مع كثرة أذاه للمسلمين فيدعى عليه .

3 - معرفة حدود العقل في نقد الأخبار : المنهج النقدي الذي اتبعه العلماء المسلمون في نقد الأحاديث والأخبار النبوية يتناول نقد السند ونقد المتن ، فلم يكتفوا بالنقد الخارجي للنص ( نقد السند ) وإنما نظروا إلى داخل النص ، وقرروا ضوابط في نقد المتون منها : سلامة النص من التناقض ، وعدم مخالفته للوقائع والمعلومات التاريخية الثابتة ، وانتفاء مخالفته للأصول الشرعية ، وعدم اشتماله على أمر منكر أو مستحيل ... إلخ [5] .
ورغم تطبيقهم لمثل هذه المقاييس الدقيقة إلا أنهم يحترمون النصوص الثابتة سنداً ، ويعرفون حدود العقل في نقد الأخبار ، ويبتعدون عن المجازفات العقلية ؛ فإن في أمور الشرع ما لا يستقل العقل بإدراكه ؛ بل هو فوق طاقته ؛ وذلك مثل البحث في كيفية الصفات الإلهية ، وأمور الغيب ، ودلائل النبوة ومعجزاتها ؛ ولهذا يجب الوقوف عند النصوص الثابتة وعدم معارضتها بالمقولات العقلية ، أو متابعة الفكر المادي والفلسفات الوضعية التي أشاعها المستشرقون ومن تأثر بهم ؛ فقد أنكر بعضهم حادثة شق صدره صلى الله عليه وسلم وهو شاب في بادية بني سعد ، بينما الخبر ثابت في صحيح مسلم [6] ، وقد أفادنا راوي الحديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ، ودخول الرسول صلى الله عليه وسلم العقد السادس من عمره أنه رأى أثر المِخْيَطِ في صدره صلى الله عليه وسلم . وهذا نص واضح يلغي أي محاولة لتأويل النص والقول بأنه تطهير معنوي .

4 - أحكام الدعوة خاضعة للنصوص الشرعية في الكتاب والسنة وليست خاضعة للتجارب :
وهذا أمر له أهميته ؛ إذ إن الوسائل وإن كانت غير محدودة لها أحكام المقاصد ؛ فكل وسيلة أفضت إلى محرم أو خالفت نصاً شرعياً فإنها محرمة . مثال ذلك :
لو استدل بعضهم بجواز زيارة كنائس النصارى ومشاركتهم في أعيادهم واحتفالاتهم وذلك من باب التأليف والدعوة لهم ، أو إعطاء صورة حسنة عن تسامح المسلمين ونفي التشدد عنهم ، وقال : هذه وسيلة مجربة ووجدت ناجحة ؛ فهل هذا يكفي للاستدلال ؟ وهل استدلاله صحيح ؟
نقول : هذا لا يكفي في الاستدلال ؛ وذلك أن تلك الوسيلة التي يقول إنها مجربة وناجحة وسيلة غير شرعية ؛ لأنها أفضت إلى مخالفة نصوص شرعية تنهى عن الدخول على الكفار في أماكن عبادتهم التي يشركون فيها بالله ، كما تنهى عن تهنئتهم بأعيادهم فضلاً عن مشاركتهم فيها [7] .

5 - ملاحظة المراحل التي مرت بها السيرة النبوية ونزول التشريع :
فمن المعروف أن الأحكام والتشريعات قد نزلت على مراحل وبالتدريج حتى استقرت واكتمل التشريع ، وبوفاته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي وثبتت الأحكام ؛ فمثلاً تحريم الخمر جاء على مراحل ،
أولاً : بيان أن فيها إثماً كبيراً كما قال تعالى : [ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ]( البقرة : 219 ) ،
ثم في مرحلة ثانية جاء النهي عن شربها قرب أوقات الصلوات ، كما قال تعالى : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ]( النساء : 43 ) ،
وثالثاً : جاء الأمر بتحريمها نهائياً وفي كل وقت ، كما قال تعالى : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ]( المائدة : 90 ) . وهذا هو الحكم الثابت والمستقر ، وهو تحريم الخمر وأنها من الكبائر وأمُّ الخبائث .
ومن الأمثلة التي قد يطرحها بعض الناس ويجادل فيها : مسألة تغيير المنكر باليد ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي لم يغير المنكر باليد ، ولم يكسر شيئاً من أصنام المشركين في مكة ؛ وحيث إن الدعوة قد يأتي عليها زمان وحالة من الضعف تشبه الحالة المكية ؛ ولهذا فإنه يترك تغيير المنكر بحجة مشابهة الحال للحال .
نقول : إن هذا الاستدلال غير صحيح ، ومعارض لنصوص شرعية مثل قوله صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » [8] .
فتغيير المنكر كما نص عليه الحديث هو بحسب القدرة والتمكن من التغيير ، ونص أهل العلم على ضابط في ذلك وهو ألاّ يترتب على تغيير المنكر المحدد منكراً أعظم منه [9] ؛ فليست العلة في ترك تغيير المنكر لأجل النظر إلى المرحلية ودعوى مشابهة الحال بالعهد المكي ، ولكنها عدم التمكن ، ومن تمكن من تغيير المنكر بضابطه الذي ذكره أهل العلم فالواجب عليه القيام بذلك .
وكذلك الجهاد في سبيل الله قد جاء تشريعه على مراحل ، واستقر الحكم على المرحلة الأخيرة وهي وجوب قتال الكفار كافة ابتداءاً وطلباً ، ولكن هذا منوط بالقدرة عليه والتمكن منه ، فلا يجوز إيقاف الجهاد وتعطيله بدعوى مشابهة الحال للعهد المكي الذي كان الجهاد فيه ممنوعاً كما قال تعالى : [ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ ]( النساء : 77 ) .
بل يجب على المسلمين الاستعداد وتكوين القدرة على الجهاد التي يحصل بها النكاية في العدو وحماية المسلمين من شره ، وتتحقق بها أهداف الجهاد وغاياته .
وبهذا يتضح الفرق بين المرحلية في التشريع وسير الدعوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين المرحلية في اكتساب القدرة والاستعداد للجهاد بما يستطاع من عُدته ، ومن ثمّ البدء بالمواجهة وتغيير المنكر .

6 - ملاحظة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اتخذ بعض المواقف ، وعقد بعض المعاهدات بموجب ما أوحى الله إليه : الدارس للسيرة النبوية يجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُمِرَ من الله باتخاذ موقف محدد في بعض الحالات ، وقد أُعْلِم صلى الله عليه وسلم بأن مآل هذا سيكون خيراً على المسلمين في حين أن ظاهره غير ذلك ، مثل قبوله صلى الله عليه وسلم بعض الشروط في صلح الحديبية التي ظاهرها الحيف على المسلمين [10] ؛ ولذلك أنكر بعض الصحابة القبول بها وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغربين ومستفسرين ، فلما علموا أنه قد أُلْهِم فيها وحياً من الله رضوا ، ثم تحقق بعد الصلح والانصراف من الحديبية أن هذا الأمر كان فتحاً عظيماً بتقدير الله سبحانه وتعالى حيث نزلت سورة الفتح وسمَّت صلح الحديبية فتحاً مبيناً ، ثم صار الأمر أن تنازل المشركون عن شرطهم الظالم ؛ حيث انقلب ضد مصلحتهم وجاؤوا إلى رسول الله يطلبون موافقته على ذلك [11] .
وبهذا يتضح أن قبول الرسول صلى الله عليه وسلم لشرط قريش الجائر وغير المكافئ كان بوحي من الله ، وأن الله قدر أن مآله إلى خير للمسلمين .

ولكن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يوحى إليه ، أما والي أمر المسلمين وخليفتهم فيجب عليه الاجتهاد في مصلحة المسلمين وعدم مهادنة العدو أو عقد الصلح معهم على شروط فيها ذلّ للمسلمين أو تفريط بحقوقهم وقضاياهم ، أو قبول شروط فيها ضياع دينهم وعقيدتهم كما يحدث الآن في فلسطين ؛ حيث إن من أسس المصالحة المقترحة نبذ الدين والاحتكام إلى القوانين الوضعية ، وقيام نظام علماني يحكم المسلمين في فلسطين .

7 - هناك أمور في السيرة النبوية وقع تحديدها قدراً واتفاقاً فلا يقاس عليها : مثال ذلك : كون الفترة المكية ثلاث عشرة سنة ، وهي فترة الإعداد والتربية والصبر على الأذى وعدم المواجهة ، فلا يُلتزم بالمدة في الإعداد والتربية ؛ لأنها ليست شرطاً ولا مقصودة وإنما هذا يختلف بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال المحيطة . ومثل الاستدلال بإنزال النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه الغرباء والفقراء في صُفَّة المسجد على مشروعية بناء الزوايا الصوفية .

وهذا استدلال غير صحيح ، والغرباء الذين نزلوا الصُّفَّةَ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من العزَّاب والفقراء الذين لا يستطيعون تدبير سكن لهم ، ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر دار ضيافة ولا نُزُل ، ولذا كان إنزالهم في المسجد حلاً لمشكلة ، وتوظيفاً لمكان موجود ، وبياناً لبعض وظائف المسجد ، وهم ليسوا منقطعين عن العمل بل يعملون إذا تيسر لهم ذلك ، ويبادرون إلى الخروج في السرايا والغزوات ، ويتعلمون القرآن والأحكام طيلة مكثهم في المسجد ، ومجرد نزولهم الصفة لا يعطيهم فضيلة أو منزلة يتميزون بها عن بقية الصحابة ؛ فليس منقبة لأحدهم أنه نزل في الصُّفَّة كما يقال في مناقب الصحابة : مهاجري ، بدري ، عَقَبي بايع تحت الشجرة ... إلخ من المناقب والمشاهد العظيمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وبهذا يتضح الفرق بين الصُّفَّة النبوية ومن نزلها ، وبين الزوايا الصوفية البدعية ؛ في الأصل والهدف والغاية [12] ، وأنه لا يمكن الاستدلال بالصُّفَّة النبوية على جواز بناء الزوايا الصوفية التي تُمثِّل انحرافاً عن المنهج النبوي في التعبد والسلوك والجهاد والدعوة .
_____________
(1) الكفاية في علم الرواية ، الخطيب البغدادي ، ص 212 .
(2) أخرجه الترمذي في سننه ، كتاب المناقب ، ح/ 3942 ، وقال : « حسن صحيح غريب » ، قال الشيخ الألباني في دفاع عن السيرة ، ص 7 ، رواية الترمذي ضعيفة لعنعنة أبي الزبير ، وأخرجه أحمد في المسند ، 3/343 ، وانظر احتجاج البوطي به في فقه السيرة له ، ص 395 .
(3) متفق عليه من حديث أبي هريرة .
(4) صحيح مسلم ، كتاب الفضائل ، حديث رقم 2524 .
(5) انظر : مقاييس نقد متون السنة ، مسفر الدميني ، ومنهج نقد الروايات التاريخية ، محمد السلمي، ص 64 70 .
(6) كتاب الإيمان ، حديث رقم 261 .
(7) راجع أحكام أهل الذمة ، ابن القيم ، (1/205 وما بعدها) .
(8) رواه مسلم ، ح/ 49 .
(9) انظر : ابن تيمية ، مجموع الفتاوى (28/129) .
(10) ابن هشام ، السيرة النبوية (2/316 320) .
(11) المصدر السابق (2/324) .
(12) انظر : مجموع الفتاوى (11/40 41 ، 44 ، 56) ، وانظر بحثاً لطيفاً للأستاذ صالح الشامي بعنوان : (أهل الصُّفَّة بعيداً عن الوهم والخيال) .

حسين العسقلاني
12-12-06, 09:08 PM
بارك الله فيك وجعل ذلك في ميزان حسناتك

أبو مهند النجدي
13-12-06, 01:47 PM
صدر حديثاً

السيرة النبوية .. أهميتها ، أقسامها ، مقاصد دراستها
د. محمد بن صامل السلمي
دار ابن الجوزي – سلسلة بحوث محكمة ( 12 )
غلاف – 64صفحة

سلسلة بحوث محكمة (11)
مسائل في منهج دراسة السيرة النبوية
د. محمد بن صامل السلمي
دار ابن الجوزي
48 صفحة

أبو زارع المدني
03-11-07, 12:47 AM
اُكرمتم يا أكارم

الكاتب عبدالله
03-11-07, 08:08 PM
جزاكم الله خيرا

محمد الرشدان
01-01-08, 09:14 AM
منقول من صفحة الشيخ ابو عبدالله الذهبي



بسم الله الرحمن الرحيم



منهج كتابة التاريخ الاسلامي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد :-

لاشك أن رواية الخبر التاريخي يختلف عن رواية الحديث النبوي ، ولكل فن منهج خاص به ، وإن كانا يشتركان في بعض الأصول ..

وهنا لابد أن نتنبه إلى شيء مهم وهو : أنه يجب أن نفرق بين رواية ( الحديث ) و رواية ( الأخبار الأخرى ) ، فعلى الأولى تبنى الأحكام و تقام الحدود ، فهي تتصل مباشرة بأصل من أصول التشريع ، و من هنا تحرز العلماء –رحمهم الله – في شروط من تأخذ عنه الرواية .

لكن يختلف الأمر بالنسبة لرواية الأخبار ، فهي وإن كانت مهمة – لا سيما حينما يكون مجالها الإخبار عن الصحابة – إلا أنها لا تمحص كما يمحص الحديث ، و من هنا فلا بد من مراعاة هذا القياس و تطبيقه على الإخباريين .

و من درس مناهج دراسة التاريخ الإسلامي عرف هذا ، لكن من لم يدرس تخبط و أخذ يهرف بما لا يعرف ، وإليك تفصيل ذلك :-

شروط الرواية المقبولة : من العسير تطبيق منهج النقد عند المحدثين بكل خطواته على جميع الأخبار التاريخية ، وإن اشتراط العلماء في المؤرخ ما اشترطوه في راوي الحديث من أربعة أمور : العقل و الضبط و الإسلام والعدالة ، لأن الأخبار التاريخية لا تصل في ثبوتها وعدالة رواتها واتصال أسانيدها إلى درجة الأحاديث النبوية إلا فيما يتعلق ببعض المرويات في السيرة والخلافة الراشدة مما تأكدت صحته عن طريق مصنفات السنة ، أما أكثرها فمحمول عن الإخباريين بأسانيد منقطعة يكثر فيها المجاهيل والضعفاء والمتروكين .

و لهذا فرق العلماء بين ما يتشدد فيه من الأخبار و بين ما يتساهل فيه تبعاً لطبيعة ما يروى ، على أن تطبيق قواعد نقد الحديث في التاريخ أمر نسبي تحدده طبيعة الروايات .

فإذا كان المروي متعلقاً بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بأحد من الصحابة رضي الله عنهم ، فإنه يجب التدقيق في رواته والاعتناء بنقدهم .

و يلحق بهذا ما إذا كان الأمر متعلقاً بثلب أحد من العلماء والأئمة ممن ثبتت عدالته أو تنقصهم و تدليس حالهم على الناس – لأن كل من ثبتت عدالته لا يقبل جرحه حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه ، كما قال ابن حجر في التهذيب (7/273) - .

و كذلك إذا كان الأمر يتعلق بقضية في العقيدة أو موضوع شرعي كتحليل و تحريم ، فإنه لابد من التثبت من حال رواته ومعرفة نقلته ، ولا يؤخذ من هذا الباب إلا من الثقات الضابطين .

أما إذا كان الخبر المروي لا يتعلق بشيء من الأحكام الشرعية – وإن كان الواجب التثبت في الكل – فإنه يتساهل فيه قياساً على ما اصطلح عليه علماء الحديث في باب التشدد في أحاديث الأحكام والتساهل في فضائل الأعمال .

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا التساهل لا يعني الرواية عن المعروفين بالكذب و ساقطي العدالة ، لأن ساقط العدالة لا يحمل عنه أصلاً ، و إنما قصد العلماء بالتساهل إمرار أو قبول رواية من ضعف ضبطه بسبب الغفلة أو كثرة الغلط ، أو التغّير والاختلاط ، و نحو ذلك ، أو عدم اتصال السند كالرواية المرسلة أو المنقطعة ، و وفق هذه القاعدة جوّز بعض الفقهاء العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب – مع التنبيه على ضعف الحديث - .

وبناء على ذلك إذا كانت الرواية التاريخية لا تتعلق بإثبات أمر شرعي أو نفيه سواء كان لذلك صلة بالأشخاص – كالصحابة رضوان الله عليهم – أو الأحكام – كالحلال والحرام – فإن الأمر عندئذ يختلف ، فيقبل في هذا الباب من الروايات الضعيفة ما يقبل في سابقه ، فيستشهد بها ، لأنها قد تشترك مع الروايات الصحيحة في أصل الحادثة ، و ربما يُستدل بها على بعض التفصيلات و يُحاول الجمع بينها و بين الروايات الأخرى التي هي أوثق سنداً .

يقول الكافيجي – هو محمد بن سليمان بن سعد الرومي الحنفي الكافيجي ( ت 879 هـ ) له معرفة باللغة والتاريخ والتفسير وعلوم أخرى – في هذا الصدد : يجوز للمؤرخ أن يروي في تاريخه قولاً ضعيفاً في باب الترغيب و الترهيب والاعتبار مع التنبيه على ضعفه ، و لكن لا يجوز له ذلك في ذات الباري عز وجل و في صفاته ولا في الأحكام ، و هكذا جوز رواية الحديث الضعيف على ما ذكر من التفصيل المذكور . المختصر في علوم التاريخ ( ص 326 ) .

و يقول الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه دراسات تاريخية (ص 27) : أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير ، و الخطر الناجم عنه كبير ، لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تُعامل معاملة الأحاديث ، بل تم التساهل فيها ، و إذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوّة سحيقة بيننا ، و بين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع .. لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية ، فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة ، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا ، و لكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية ، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة .

و هذا التفريق بين ما يتشدد فيه من الأخبار و يتساهل فيه نلحظه بوضوح في تصرف الحافظ ابن حجر في جمعه بين الروايات في كتابه الفتح ، ففي الوقت الذي يقرر فيه رفض رواية محمد بن إسحاق إذا عنعن و لم يصرح بالتحديث ، و رفض رواية الواقدي ، لأنه متروك عند علماء الجرح والتعديل فضلاً عن غيرهما من الإخباريين الذي ليس لهم رواية في كتب السنة من أمثال عوانة والمدائني ، فإنه يستشهد برواياتهم ، و يستدل بها على بعض التفصيلات ، و يحاول الجمع بينها و بين الروايات الأخرى التي هي أوثق إسناداً .

و هذا يدل على قبوله لأخبارهم فيما تخصصوا فيه من العناية بالسير والأخبار ، و هو منهج معتبر عند العلماء المحققين وإن لم يقبلوا روايتهم في الأحكام الشرعية ، فنجد ابن حجر يقول في محمد بن إسحاق : إمام في المغازي صدوق يدلس .طبقات المدلسين (ص 51 ) . و يقول عن الواقدي : متروك مع سعة علمه . التقريب (2/194) . و يقول في سيف بن عمر : ضعيف في الحديث ، عمد في التاريخ . التقريب (1/344) .

هذا مختصر ما يمكن أن يقال في الحكم على الروايات التاريخية والفرق بينها وبين رواية الحديث .

القواعد التي تتبع في قبول أو رد الروايات التاريخية ..

القاعدة الأولى : اعتماد المصادر الشرعية وتقديمها على كل مصدر .
لأنها أصدق من كل وثيقة تاريخية فيما ورد فيها من أخبار ، كما أنها وصلتنا بأوثق منهج علمي ، ولئن كانت المادة التاريخية في كتب السنة ليست بنفس المقدار الموجود في المصادر التاريخية ، إلا أنها لها أهميتها لعدة اعتبارات منها :-
1 – أن معظم مؤلفيها عاشوا في فترة مبكرة ، وأغلبهم من رجالات القرن الثاني والثالث الهجري ، مما يميز مصادرهم بأنها كانت متقدمة .

2 – ثم إن المحدثين يتحرون الدقة في النقل ، الأمر الذي يجعل الباحث يطمئن إلى رواياتهم أكثر من روايات الإخباريين .

القاعدة الثانية : الفهم الصحيح للإيمان ، و دوره في تفسير الأحداث .
إن دارس التاريخ الإسلامي إن لم يكن مدركاً للدور الذي يلعبه الإيمان في حياة المسلمين ، فإنه لا يستطيع أن يعطي تقييماً علمياً وواقعياً لأحداث التاريخ الإسلامي .

القاعدة الثالثة : أثر العقيدة في دوافع السلوك لدى المسلمين .
إن منهج كتابة التاريخ الإسلامي وتفسير حوادثه يعتمد في أصوله على التصور الإسلامي ، ويجعل العقيدة الإسلامية ومقتضياتها هي الأساس في منطلقاته المنهجية ، وفي تفسير حوادثه والحكم عليها .

وإن معرفة أثر الإسلام في تربية أتباعه في صدر الإسلام وتزكية أرواحهم ، والتوجه إلى الله وحده بالعبادة والمجاهدة ، يجعل من البديهي التسليم بأن الدافع لهم في تصرفاتهم وسلوكهم لم يكن دافعاً دنيوياً بقدر ما كان وازعاً دينياً وأخلاقياً .

ولأجل ذلك يجب استعمال الأسلوب النقدي في التعامل مع المصادر التاريخية ، وعدم التسليم بكل ما تطرحه من أخبار ، فتوضع الوجهة العامة للمجتمع الإسلامي وطبيعته وخصوصيته في الحسبان ، وينظر إلى تعصب الراوي أو الإخباري أو المؤرخ من عدمه ، فمن لاحت عليه أمارات التعصب والتحيز بطعن أو لمز في أهل العدالة والثقة من الصحابة ، أو مخالفة لأمر معلوم من الشريعة أو عند الناس ، أو معاكسة طبيعة المجتمع وأعرافه وقيمه الثابتة ، ففي هذه الأحوال لا يؤخذ منه ولا يؤبه بأخباره ؛ لأن التحيز والتعصب حجاب ساتر عن رؤية الحقيقة التاريخية .

القاعدة الرابعة : العوامل المؤثرة في حركة التاريخ .
إن المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ منهج شامل لكل الدوافع والقيم التي تصنع التاريخ ، غير واقف أما حدود الواقع المادي المحدود الظاهر للعيان فقط ، بل إنه يتيح فرصة لرؤية بعيدة يستطيع المؤرخ معها أن يقدم تقييماً حقيقياً وشاملاً أكثر التحاماً مع الواقع لأحداث التاريخ الإنساني ، وهذا سر المفارقة بين المنهج الإسلامي وبقية المناهج الأخرى الوضعية التي تفسر التاريخ تفسيراً عرقياً أو جغرافياً أو اقتصادياً .

القاعدة الخامسة : العلم بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم والتثبت فيما يقال عنهم .
قال ابن تيمية رحمه الله : إن الحكم على أي طائفة أو قوم ، يقوم على أصلين ، أحدهما : المعرفة بحالهم ، و الثاني : معرفة حكم الله في أمثالهم . مجموع الفتاوى (28/510 ) .

وهذان الأصلان يقومان على العلم المنافي للجهل ، والعدل المنافي للظلم ؛ إذ الكلام في الناس لا يجوز بغير علم وبصيرة .

وعلى هذا الأساس ينبغي التحري فيما يروى عن الوقائع التي كانت بين أعيان الصدر الأول من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، فالمعرفة بحالهم تدل على كمال إيمانهم ، وصدقهم وحسن سريرتهم ، إذ توافرت النصوص الشرعية في تزكيتهم وتعديلهم .

وبناء على هذا لابد من الرجوع إلى المصادر الأصلية الموثوقة لمعرفة الحقيقة ، فلا يؤخذ من الكذابين والفاسقين وأصحاب الأهواء ؛ لأن فسقهم وهواهم يدفعهم إلى تصوير الأمر على خلاف حقيقته .

وهنا مجموعة من المقاييس ينبغي الأخذ بها في هذا الشأن ، و هي :-
1 – عدم إقحام الحكم على عقائد ومواقف الرجال بغير دليل في ثنايا سرد الأعمال ، إذ أن الحكم على أقدار الناس يجب أن يكون قائماً على حسن الظن حتى يثبت خلاف ذلك .

2 – عدم تجاوز النقل الثابت إلى إيراد الظنون والفرضيات ، فهذا من فضل الدين أن حجزنا عنه ، ولم يفعل هذا مؤرخ فاضل ، ولم يقل أحد أن حسن الأدب هو السكوت عن الذنوب ، وإنما حسن الأدب هو رده وتنقية سيرة الصدر الأول منه ، كما أن حسن الأدب يقتضي السكوت عن الظنون والكف عن اقتفاء مالا علم لنا به يقيناً ، وكثيراً ما تلحّ على المرء في هذا شهوة الاستنتاج ودعوى التحليل ، وقد أمرنا الشرع أن تكون شهادتنا يقينية لا استنتاجية فيما نشهد من حاضرنا ، ففي الآية { إلا من شهد بالحلق وهم يعلمون } ، فكيف بمن يشهد بالظن والهوى فيمن أدبر من القرون ؟؟!

3 – إن الإسلام له منهجه في الحكم على الرجال والأعمال ، فهو يأمر بالشهادة بالقسط وعدم مسايرة الهوى في شنآن أو في محبة ، ويأمر باتباع العلم لا الظن ، وتمحيص الخبر والتثبت فيه لئلا يصاب قوم بجهالة ، وهذا في حق كل الناس ، فكيف بخير القرون ؟؟!

القاعدة السادسة : الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف .
الأصل في هذه القاعدة قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون }.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في منهاج السنة ( 4/337 ) : والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل ، لا بجهل وظلم كحال أهل البدع .

ويدخل ضمن هذه القاعدة ، العدل في وصف الآخرين ، والمقصود به هو العدل في ذكر المساوئ والمحاسن والموازنة بينهما .

فمن المعلوم أن أحداً لا يسلم من الخطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند (3/198 ) : كل بني آدم خطّاء . ولذلك ينبغي للمسلم إذا وصف غيره ألا يغفل المحاسن لوجود بعض المساوئ ، كما لا ينبغي أن يدفن المحاسن ويذكر المساوئ لوجود عداوة أو شحناء بينه وبين من يصفه ، فالله عز وجل أدبنا بأحسن الأدب وأكمله بقوله { ولا بخسوا الناس أشياءهم } .

وحين نجد من يذم غيره بذكر مساوئه فقط ، ويغض النظر عن محاسنه ، فإن ذلك يرجع في العادة إلى الحسد والبغضاء ، أو إلى الظنون والخلفيات والآراء المسبقة ، أو إلى التنافس المذموم ، ولكن المنصفين هم الذين يذكرون المرء بما فيه من خير أو شر ولا يبخسونه حقه ، ولو كان الموصوف مخالفاً لهم في الدين والاعتقاد أو في المذهب والانتماء .

القاعدة السابعة : العبرة بكثرة الفضائل .
فإن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ، وكذلك من غلبت فضائله هفواته اغتفر له ذلك ، وفي هذا الصدد يقول الحافظ الذهبي رحمه الله : وإنما العبرة بكثرة المحاسن . السير ( 20 / 46 ) .

وهذه قاعدة جليلة تعد بمثابة منهج صحيح في الحكم على الناس ، لأن كل إنسان لا يسلم من الخطأ ، لكن من قل خطؤه وكثر صوابه فهو على خير كثير ، والإنصاف يقتضي أن يغتفر للمرء الخطأ القليل في كثير صوابه .

ومنهج أهل السنة هو اعتبار الغالب على المرء من الصواب أو الخطأ والنظر إليه بعين الإنصاف ، وهناك قاعدة أخرى يمكن اعتبارها في هذا الباب وهي كما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ( 8 / 412 ) : العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية .

القاعدة الثامنة : إحالة الحوادث على الخطأ في الاجتهاد .
نحن لا نعصم فرداً أو مجتمعاً ، إلا أن يكون نبياً أو رسولاً ، ومن هنا يجب أن نعلم أن الذين صنعوا التاريخ رجال من البشر ، يجوز عليهم الخطأ والسهو والنسيان ، وإن كانوا من كبار الصحابة وأجلائهم ، إلا أنه ينبغي إحالة الحوادث إلى الخطأ في الاجتهاد .

القاعدة التاسعة : الطريقة المثلى في معالجة القضايا والأخطاء .
يلزم دارس التاريخ أن يدرس الظروف التي وقعت فيها أحداثه ، والحالة الاجتماعية والاقتصادية التي اكتنفت تلك الأحداث ، حتى يكون حكمه أقرب إلى الصواب .

القاعدة العاشرة : الاستعانة بعلم الجرح والتعديل للترجيح بين الروايات المتعارضة وبناء الصورة التاريخية الصحيحة .
ينبغي الاستعانة بمنهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات ، فهو الوسيلة المثلى للترجيح بين الروايات المتعارضة ، كما أنه خير معين على رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ صدر الإسلام .

وعلى هذا الأساس يتم اعتماد الروايات الصحيحة ثم الحسنة لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام ، وعند التعارض يقدم الأقوى دائماً ، أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى ، فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة ، على شرط أن تتماشى مع روح المجتمع الإسلامي ، ولا تناقض جانباً عقدياً أو شرعياً ، لأن القاعدة : التشدد فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة ، كما قال الدكتور أكرم ضياء العمري في المجتمع المدني ( ص 25 ) .

ومن ناحية ثانية إذا كان أهل الحديث يتساهلون في الرواية عن الضعفاء إن كانت رواياتهم تؤيد أحاديث صحيحة موثقة : فلا بأس إذاً من الأخذ بهذا الجانب في التاريخ ، وجعله معياراً ومقياساً إلى تحري الحقائق التاريخية ومعرفتها .

ومن هذا المنطلق تتخذ الأخبار الصحيحة قاعدة يقاس عليها ما ورد عند الإخباريين مثل سيف بن عمر والواقدي وأبي مخنف .. وغيرهم ، فما اتفق معها مما أورده هؤلاء تلقيناه بالقبول ، وما خالفها تركناه ونبذناه .

القاعدة الحادية عشر : الرجوع إلى كتب السنة كمصدر مهم لأخبار صدر الإسلام .

إن من المفيد جداً في كتابة التاريخ الإسلامي الرجوع إلى كتب السنة كمصدر موثوق وراجح لأخبار الصدر الأول ، لوجود روايات تاريخية كثيرة فيها على درجة عالية من الصحة ، ونظراً لأن كتب الحديث خُدمت أكثر من كتب التاريخ من قبل النقاد .

وتتضاعف كمية هذه الأخبار الموثوقة بالرجوع إلى كتب السنن والمسانيد والمصنفات ومعاجم الصحابة وكتب الفضائل والطبقات والتواريخ التي صنفها المحدثون ، وكتابات العلماء الذين كانت لهم عناية بشرح كتب الحديث ، وذلك أن ثقافتهم الحديثية الممحصة واقتباساتهم من كتب التاريخ المفقودة التي دونها المحدثون الأولون جعلت شروحهم غنية بنصوص تاريخية .

فعلى سبيل المثال يعتبر كتاب : فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر رحمه الله مثلاً واضحاً لهذه الكتب وهؤلاء العلماء ، إذ يشمل من الفوائد التاريخية كمية لا يستهان بها كما هو كتاب حديث .

القاعدة الثانية عشر : معرفة حدود الأخذ من كتب أصحاب الأهواء والفرق .
اعتنى أهل السنة بضبط مذهب الفرق وأقوالهم لتعرف أحوالهم ومواقفهم ويكون المسلم على بينة منها ، فلا يخدع من قبلهم ، ولأجل هذا لابد للمؤرخ المسلم من التعرف على اتجاهات هؤلاء وعقائدهم ، لأن ذلك يمكنه من التعامل مع النصوص التي وأوردوها بما لديه من خلفية عن اتجاهاتهم وآرائهم ومواقفهم ، ثم يقارنها بغيرها من الآراء التي عند المؤرخين أو العلماء العدول الثقات .

وعلى ضوء المقابلة والمقارنة بين النصوص ينظر إلى تعصب الراوي من عدمه ، فمن لاحت عليه أمارات التحزب أو التحيز لنحلة أو طائفة أو مذهب لا يؤخذ منه في هذه الحال ، أما من لا يلحظ عليه التعصب – وإن كان من أهل البدع – وكان صدوقاً في نفسه معروفاً بالورع والتقوى والضبط تقبل روايته .

القاعدة الثالثة عشر : معرفة ضوابط الأخذ من كتب غير المسلمين .
إذا كان للتاريخ الإسلامي قواعد وأصول وضوابط شرعية يجب على المؤرخ المسلم أن يلتزم بها ، فذلك يعني الاحتياط عند الأخذ من كتب غير المسلمين ، خصوصاً وأن الحرية بلا قيود وبلا ضوابط تلقاها العلمانيون في الغرب أو الشرق ، وطبقوها على التاريخ الإسلامي بسبب الاختلاف في التصورات والمفاهيم والمبادئ ، مما جعل نتائج أبحاثهم ودراساتهم مناقضة للأحكام الإسلامية ، وواقع المجتمع الإسلامي ، لهذا فإن القضايا التي تطرحها كتب غير المسلمين من يهود ونصارى وغيرهم ، والتي تعالج التاريخ الإسلامي – خصوصاً الصدر الإسلامي الأول – ينبغي أن تدرس بعناية وحذر شديدين ، لأنهم لا يصدقون في كثير مما يقولونه عن الإسلام ونظمه ورجاله ، ولا يحل وفق ذلك لمسلم أن يروي عنهم أو يأخذ منهم ، لا سيما وأن من شروط البحث في هذه القضايا عرض الأقوال والأعمال على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ثم إذا كان علماء الإسلام لا يثبتون الأحكام بما يرويه المسلم الضعيف الضبط ، فكيف يحق لقوم مؤمنين أن يحملوا عن كافر ساقط العدالة ‍! ويضمر من الحقد والبغضاء لهذا الدين مالا يعلمه إلى الله .

القاعدة الرابعة عشر : مراعاة ظروف العصر الذي وقعت فيه الحادثة .
ينبغي أن نعلم أن بعض تلك الأحداث الواقعة في صدر الإسلام لا يبررها غير ظروفها التي وقعت فيها ، فلا نحكم عليها بالعقلية أو الظروف التي نعيش فيها نحن أو بأية ظروف يعيش فيها أصحاب تلك الأحداث ، لأن الحكم حينئذ لن يستند إلى مبررات موضوعية ، وبالتالي تكون نظرة الحاكم إلى هذه الوقائع غير مطابقة للواقع .

ومن الملاحظ أن الخلط بين الواقع المأساوي الذي يعيشه المسلمون في هذا العصر ، وبين واقع المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام يرجع إلى الخطأ في الفهم الناتج في الغالب عن الصورة القاتمة والمغرضة التي يتلقاها النشء عن تاريخ الإسلام وحضارته بواسطة المناهج المحرفة التي تعمم الأحكام وتشوه بذلك التاريخ .

ولاشك أن مصدر الخطأ في هذه المنهاج هو تدخل أصحابه بالتفسير الخاطئ للأحداث التاريخية وفق مقتضيات وأحوال عصرهم الذي يعيشون فيه ، دون أن يراعوا ظروف العصر الذي وقعت فيه الحادثة ، وأحوال الناس وتوجهاتهم في ذلك الوقت ، والعقيدة التي تحكمهم ويدينون بها ، أو بعبارة أخرى إن مصدر الخطأ في منهجهم هو تطبيق واقع العصر الحاضر ومفاهيمه على العصور السابقة ، مع أن لكل عصر مميزاته الواضحة التي تسمى في منهج البحث العلمي ( روح العصر ) .

القاعدة الخامسة عشر : استعمال المصطلحات الإسلامية .
تعد قضية المصطلحات من أشد العناصر أثراً وأهمية وخطورة في ثقافة الشعوب ، لأنه عن طريقها يتم تثبيت المفاهيم والأفكار ، ولأن المصطلحات بهذا القدر من الأهمية فإنه منذ أن تقرر في أوكار الصهيونية والصليبية تدمير الخلافة الإسلامية ، وأعداء الأمة الإسلامية يحرصون على تخريب الفكر الإسلامي وتشويه العقل المسلم من باب المصطلحات والمفاهيم .

فقد كان من تأثير الغزو الثقافي الأوربي للمسلمين أن شاعت بينهم مصطلحات ومفاهيم غريبة عن عقيدتهم وثقافتهم حتى كادت أن تختفي المصطلحات الإسلامية .

على أن هذا المنزلق يتمثل في عدم وعي الباحثين المعاصرين بأن المصطلحات الحديثة إنما تنبثق من رؤية خاصة للفكر الغربي .. فالمثقفون في العالم الإسلامي كانوا إلى مشارف الخمسينيات لا يدركون أن المصطلح جزء لا يتجزأ من التركيبة أو البنية الحضارية لأي مجتمع ، و كانوا في حالة الدفاع عن الذات ، يحاولون أن يوجدوا لكل عنوان برّاق في المدنية الغربية مثيله في الإسلام .

ولنذكر على سبيل المثال مصطلح : اليمين و اليسار و الاشتراكية و الديمقراطية و الرأسمالية .. الخ ، و رغم أن هذه المصطلحات لعبة صهيونية ، إلا أن بعض الباحثين مع الأسف وظفوها بصورة آلية ، حتى أن بعضهم ألفوا كتباً يصنفون فيها الصحابة رضي الله عنهم إلى يمين و يسار و اشتراكي و رأسمالي . فيجب الحذر من التقليد الأعمى ، و في ذلك يكمن خطر الذوبان في الفكر الجاهلي الغربي ، والضياع وسط مصطلحاته الكثيرة التي تفقدنا ذاتيتنا المستقلة ، و ينبغي استعمال المصطلحات الإسلامية ؛ لأنها ذات دلالة واضحة و محددة ، ولأنها معايير شرعية لها قيمتها في وزن الأشخاص والأحداث .

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد :-

إن دراسة التاريخ بحاجة إلى منهجية في معرفة الضوابط .. وهذه الضوابط لا تتأتى من فراغ .. بل بالممارسة والتجربة والتحليل والنقد ..

ولعل هذه الدراسات – التي سأذكرها بعد قليل – قد حاولت الالتزام بالمنهج الصحيح في نقد بعض النصوص التاريخية وتأصيل المنهج الإسلامي للتفسير التاريخي ، ذلك المنهج الذي يعتمد التصور الإسلامي للتاريخ ، ويفيد من منهج المحدثين في التعامل مع الرواية التاريخية ..

ولعلها أيضاً بما قدمته من حقائق تاريخية مستندة إلى هذا المنهج أن تكون لبنة من لبنات الجهود الجادة في بناء علم إسلامي قائم على تجربة تاريخية صحيحة وموثقة ..

وقد بدأت محاولات التنظير الحديثة لبناء منهج إسلامي في تفسير التاريخ الإسلامي – حسبما أعلم – من خلال مجموعة من العلماء الجادين ، من أمثال الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقاته على العواصم من القواصم لابن العربي ، ومن خلال مقاله عن المراجع الأولى في تاريخنا ، في مجلة الأزهر ( المجلد 24 / جزء / 2 ص 210 / صفر 1372هـ ) ، ومن أمثال الشيخ محمد قطب و محمد الصادق عرجون ، والدكتور أكرم ضياء العمري ، وقد قام – وهو رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية – بتوجيه عدد من الرسائل التي سجلت في قسم الدراسات العليا لنيل درجتي الماجتسير والدكتوراه نحو نقد المرويات التي احتوتها كتب الحديث والمغازي والتواريخ عن السيرة النبوية بهدف توثيق المعلومات عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم واصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ..

وحلقة اليوم تتعلق بذكر عدد من الكتب القيمة و المفيدة في هذا الباب والتي تعين على معرفة المناهج و الأصول والضوابط لقراءة وكتابة التاريخ الإسلامي ، والتي أنصح باقتنائها ..

1 – منهج كتابة التاريخ الإسلامي ، للدكتور محمد بن صامل السلمي .
2 – منهج دراسة التاريخ الإسلامي ، للدكتور محمد أمحزون .
3 – كيف نكتب التاريخ الإسلامي ، للأستاذ محمد قطب .
4 – فقه التاريخ ، للأستاذ عبد الحميد بن عبد الرحمن السحيباني .
5 – في أصول تاريخ العرب الإسلامي ، للأستاذ محمد محمد حسن شُرّاب .
6 – التاريخ الإسلامي بين الحقيقة والتزييف ، للدكتور عمر سليمان الأشقر .
7 – نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية ، للدكتور سليمان بن حمد العودة .
8 – قضايا ومباحث في السيرة النبوية ، للدكتور سليمان بن حمد العودة .
9 – المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ وتفسيره ، للدكتور محمد رشاد خليل .
10 – نحو رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي ، نظرات و تصويبات ، للدكتور عبد العظيم محمود الديب .
11 – تاريخنا من يكتبه ؟ للدكتور عبد الرحمن علي الحجي .
12 – حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي ، للدكتور عماد الدين خليل .
13 – قضايا كتابة التاريخ الإسلامي وحلولها ، للدكتور محمد ياسين مظهر الصديقي .
14 – منهج كتابة التاريخ الإسلامي لماذا وكيف ؟ ، للدكتور جمال عبد الهادي و الدكتورة وفاء محمد .
15 – دراسة وثيقة للتاريخ الإسلامي ومصادره ، من عهد بين أمية حتى الفتح العثماني لسورية ومصر ( 40 – 922هـ / 661 – 1516م ) ، للدكتور محمد ماهر حمادة .
16- المدخل إلى علم التاريخ ، للدكتور : محمد بن صامل السلمي .

والله أعلم والحمد لله رب العالمين


http://saaid.net/Doat/Althahabi/35.htm (http://saaid.net/Doat/Althahabi/35.htm)