المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبد الله بن سبأ في ميزان البحث العلمي


الطيب وشنان
04-12-06, 03:35 AM
عبد الله بن سبأ في ميزان البحث العلمي -1

منقول

المقدمــة

عبد الله بن سبأ والسبئية« أحـــــد الأبحــاث التي تطرق إليها بالدراسة الكثير من الباحثين من المسلمين والمستشرقين ، ومن أهم الدراســــــــات في هذا الباب بحث الدكتور سليمان بن حمد العودة بعنوان »عبد الله بن سبأ وأثره في إحـــــداث الفتنة في صدر الإسلام« وبحث »عبد الله بن سبأ بين الحقيقة والخيال« د. سعدي الهاشمي ، وبحث الأستاذ أحمد عرفات القاضي بعنوان »إنكار ابن سبأ نقش على الماء«(1). وهذه الدراسة للدكتور (محمد أمحزون) مناقشة بحث جديد حول الموضوع نفسه لباحث لم يأت بجديد وإنما هو نقل عن الباحثين حول تلك الشخصية، والـنـاقـــد (الـكـاتب) أحد الـمتخصصين في دراسة التاريخ ، وعضو هيئة التدريس في جامعة »مكناس« بالمغرب (قـســـم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية.



دراسات تاريخية
عبد الله بن سبأ في ميزان البحث العلمي -1-
د. محمـد أمحـزون
تـمـهـيـد:
موضوع »عبد الله بن سبأ والسبئية« أحـــــد الأبحــاث التي تطرق إليها بالدراسة الكثير من الباحثين من المسلمين والمستشرقين ، ومن أهم الدراســــــــات في هذا الباب بحث الدكتور سليمان بن حمد العودة بعنوان »عبد الله بن سبأ وأثره في إحـــــداث الفتنة في صدر الإسلام« وبحث »عبد الله بن سبأ بين الحقيقة والخيال« د. سعدي الهاشمي ، وبحث الأستاذ أحمد عرفات القاضي بعنوان »إنكار ابن سبأ نقش على الماء«(1).
وهذه الدراسة للدكتور (محمد أمحزون) مناقشة بحث جديد حول الموضوع نفسه لباحث لم يأت بجديد وإنما هو نقل عن الباحثين حول تلك الشخصية، والـنـاقـــد (الـكـاتب) أحد الـمتخصصين في دراسة التاريخ ، وعضو هيئة التدريس في جامعة »مكناس« بالمغرب (قـســـم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية.
-الـبـيـان-
هــــذه الدراسة نقد للبحث الذي نشره د. عبد العزيز الهلابي أستاذ التاريخ الإسلامي في جامـعـــة الملك سعود، في حوليات كلية الآداب الكويتية عن عبد الله بن سبأ، تدخـل في مجال اهتمامات التاريخ الإسـلامي، وقد قام فيه المؤلف بتحليل روايات الإخباري سيف بن عمر التميمي عن دور عبد الله بن سبأ في أحداث الفتنة الواقعة في خلافة عثمان وعلي رضي الله عـنـهـمـــا حيث انتهى بحثه إلى أن تلك الروايات مختلقـة ولا أسـاس لها من الصـحة!! ثم أورد النصوص عن »السبئية« في بعض المصادر المتقدمة فأوضح أنه من خلال استخدامها في تلك الـمصادر لا تعني جماعة لها عقيدة دينية أو مذهب سياسي محدد، وأنها أطلقت على أناس مختلفين، وكان يقصد بها في كل الأحوال الذم والتعيير ، وبعد أن ناقش أقوال الباحثين المعاصرين وآراءهم من عرب ومستشرقين خلص في بحثه إلى أن ابن سبأ شخصية وهمية، وأن الدور المنسوب إليه في إثارة الأحداث وتسييرها دور مزعوم.
إن هذا البحث الذي كتبه د. الهلابي يعتبر أحدث دراسة مستقلة أفردت عن عبد الله بن سبأ ولذلك أحببت إبــــداء بعض الملحوظات حول الآراء التي تبناها حيث نفى في بحثه وجود تلك الشخصية، وأن ابن سبأ في رأيه لا يعدو أن يكون مجرد خرافة سطرتها كتب التاريخ والفرق!!
ومن الملحوظات على هذه الدراسة ما يلي:
أولاً سيف بن عمر لم ينفرد بالرواية:
يقول د. الهلابي في ص(13) من بحثه: »ينفرد الإخباري سيف بن عمر التميمي من بين قدامى الإخباريين والمؤرخين بذكر تلك الشخصية في رواياته ، ويجعل له دوراً رئيساً في التحريض على الفـتنة، وقــتــل الخـلـيـفــة عثمان وإنشاب القـتال في معركة الجمل في البصرة«(2).
في الواقع أن سيف بن عمر لم يكن المصدر الوحيد الذي استأثر بأخبار عبد الله بن سبأ ، بل ورد ذكر أخبار ابن سبأ وطائفته منقولة عن علماء متقدمين ورواة غير سيف بن عمر مثل:
* سويد بن غفلة أبو أمينة الجعفي الكوفي المتوفى عام (80 هـ/ 699م) ، مخضرم ثقة، من أصـحــاب علي رضي الله عنه(3) جاء في »طوق الحمامة« لحيي بن حمزة الزيدي وفي »اللفظ« للبرقاني أنه دخل على علي في إمارته فقال: »إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر، يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك ، منهم عبد الله بـن سـبـــأ ، فـقـال علي: مالي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل ، ثم أرسل إلى ابن سبأ فسيّره إلى المدائن ، ونهض إلى المنبر حتى إذا اجتمع الناس أثنى عليهما خيراً ، ثم قال: أو لا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري(4).
* زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي المتوفى قبل عام (90هـ/709م) ، روى عن علي بن أبي طالب ، وهو من جلة التابعين ، متفق على الاحتجاج به ، أخرج ابن عساكر في »تاريخ دمشق« عنه قال: »قال علي بن أبي طالب: مالي ولهذا الخبيث الأسود ، يعني عبد الله بن سبأ ، وكان يقع في أبي بكر وعمر«(5).
* إبراهيم بن يزيد النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه الثقة الـمـتـوفـى عام (96 هـ / 714 م)(6). روى ابن سعد في »طبقاته« أن رجلاً كان يأتيه فيتعلم منه ، فيسمع قوماً يذكرون أمر علي وعثمان، فقال: أنا أتعلم من هذا الرجل وأرى الناس مختلفين في أمر علي وعثمان، فسأل إبراهيم النخعي عن ذلك فقال: »ما أنا بسبأي ولا مرجئ« (7).
* الشـعـبــي عـمــر بن شراحيل الحميري اليمني المتوفى عام (103هـ/721م) ، من رواة الأنساب والأخبار الثقات(8). أخرج عنه ابن عساكر في »تاريخ دمشق« قال: »أول من كذب عبد الله بن سبأ«(9).
*سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني المتوفى عام(106هـ/721م)، كـان أحــد فقهاء التابعين ، ثبتاً فاضلاً (10) ، روى يعقوب بن سفيان الفسوي في كتابه »المعرفة والتاريخ« قال: »قال أبو الوليد: سألني سالم بن عبد الله بن عمر: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال: بئس القوم بين سبأي وحروري« (11).
* أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي المعمر المتوفى عام (110هـ/728م) ، روى عن علي بن أبي طالب ، قال فيه الحافظ الذهبي: وبه ختم الصحابة في الدنيا (12). أخرج ابن عساكر عنه قال: »رأيت المسيب بن نجبة أتى به ملببه ، يعني ابن السوداء ، وعلي على المنبر ، فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله (13).
* حُجيّـة بن عـــدي الكندي أبو الزعراء الكوفي ، روى عن علي وجابر وهو من الطبقة الثالثة(14). ذكر ابن عساكر عنه أنه رأى علياً على المنبر ، وهو يقول: من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله ورسـوله يعني ابن السوداء (15).
* أبو الجلاس الكوفي ، روى عن علي بن أبي طالب ، من الطبقة الثالثة(16). نقل ابن عساكر عنه قال: »سـمـعــت علياً يقول لعبد الله بن سبأ: ويلك! والله ما أفضي إليّ بشيء كتمته أحداً من الناس ، ولـقــــد سمعته يقول: إن بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً وإنك لأحدهم (17).
* قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى عام (117هـ/735م) ، من ثقات التابعين وحفاظهم ، روى عن أبي الطفيل وأنس بن مالك ، كان آية في الحفظ والرواية(18). نقل الإمام الطبري في تفسير قوله: »وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية ((فأما الذين في قلوبهم زيغ...)) قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري« (19).
* أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي المتوفى عام (157هـ/773م)(20). نقل الإمام الطبري عنه في »تاريخه« رواية يصف فـيـهــا أشــراف أهل الكوفة لخصومهم من أصحاب المختار بالسبئية (21).
ثانياً الموهوم لا يدفع المعلوم:
يقول المؤلف: »لا أعلم فيما اطلعت عليه من المصادر المتقدمة أي ذكر لعبد الله بن سبأ عند غير سيف بن عمر سوى رواية عند البلاذري« (22).
إن المصادر المتقدمة التي اطلع عليها د. الهـــلابي إذا كـانــت أغفلت موضوع ابن سبأ والسبئية ، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه شخصية خرافية، إذ إن عدم ذكرها له لا يقوم دليلاً على الإنكار أو التشكيك، فهل استوعَبَت تلك المصادر كل أحداث التاريخ الإسلامي حتى نقـف وقفة المنكر أو المتشكك إذا لم تذكر شيئاً عن ابن سبأ؟! وهل من شروط صحة الرواية التاريخية تضافر كل كتب التاريخ على ذكرها؟! ثم هـــــل نـسـي د.الهلابي أن المصادر القديمة ضاع كثير منها فأصبحت مفقودة أو في حكم المفقود ، حيث ضاع كثير من مؤلفات الزهري وابن إسحاق والواقدي والمدائني وابن شبّه والأصمعي والهيـثـم بن عدي وعروة بن الزبير وغيرهم، إلا ما استوعبته بعض المصنفات الموسوعية كتاريخ الطبري مثلاً؟
ومن هنا ينبغي الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقـق للخروج من الشبهات والتوهمات ، إذ إن الموهوم لا يدفع المعلوم ، و المجهول لا يعارض المحقق فشخصية ابن سبأ وجماعته حقيقة تاريخية يتفق عليها كثير من المصادر المتقدمة غير البلاذري.
جاء ذكر السبئية على لسان أعشى همذان المتوفى عام (83هـ/702م) وقد هجى المختار وأنصاره من أهل الكوفة بقوله:
شهدت عليكم أنكم سبئية وأني بكم يا شرطة الكفر عارف (23)
وجـاء ذكــر السـبـئـيـة فـي كـتـاب »الإرجاء« للحسن بن محمد بن الحنفية المتوفى عام (95هـ/713م)، الذي أمر بقراءته على الناس وفيه: »... ومن خصومة هذه السبئية التي أدركنا، إذ يقولون هدينا لوحي ضل عنه الناس« (24).
وفي الطبقات لابن سعد المتوفى عــــام (230هـ/844م) ورد ذكر معتقدات السبئية وأفكار زعيمها، فعن عمرو بن الأصم قال: قيل للحسن بن علي: إن أناساً من شيعة أبي الحسن علي عليه السلام يزعمون أنه دابة الأرض،وأنه سيبعث قبل يوم القيامة،فقال كذبوا،ليس أولئك شيعته أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه ولا أنكحنا نساءه ...«(25). علماً بأن ما ذكر في هذا النص لا يخرج عما جاء به ابن سبأ من آراء، وأكده علماء الفرق والنحل والمؤرخون في كتبهم (26).
وتحدث ابن حبيب المتوفى عام (245هـ/860م) عـــــن ابن سبأ حينما اعتبره أحد أبناء الحبشيات (27) ، كما روى أبو عاصم خُشيش بن أصرم المتوفى عام (253هـ/859م) خبر إحراق علي رضي الله عنه لجماعة من أصحاب ابن سبأ في كتابه »الاستقامة« (28).
وفي »البيان والتبيين« للجاحظ المتوفى عام (255هـ/868م) رواية تشير إلى عبد الله بن سبأ (29)، كما ذكر الجوزجاني المتوفى عام (259هـ/873م) وهو من علماء الجرح والتعديل، أن من مزاعم عبد الله ادعاءه أن القرآن جزء من تسعة أجزاء ، وعلمه عند علي ، وأن علياً نفاه بعد ما كان هم به« (30).
ويقول ابن قتيبة المتوفى عام (276هـ/889م) في »المعارف«: »السبئية من الرافضة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ« (31).
ويذكر البلاذري المتوفى عام (279هـ/892م) ابن سبأ في جملة من أتوا إلى علي رضي الله عنه يسألونه عن رأيه في أبي بكر وعمر ، فقال لهم: أوتفرغتم لهذا؟ وحينما كتب علي الكتاب الذي أمر بقراءته على أنصاره كان منه عند عبد الله بن سبأ نسخة عنه فحّرفها« (32).
وأورد الناشيء الأكبر المتوفى عام (293هـ/905م) عن ابن سـبـــأ وطائفته ما يلي: »وفرقة زعموا أن علياً عليه السلام حي لم يمت، وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، وهؤلاء هم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ رجـــــلاً من أهل صنعاء، يهودياً... وسكن المدائن« (33).
ثالثاً السبئية في المصادر وليست للذم والتعيير فقط:
بعد أن ذكر المؤلف نصوصاً نثرية وشعرية ورد فيها ذكر السبئية، قال: »وبناءً على هذا فلا يمكن الاستنتاج من النصوص السابقة أن السبئية تعني فئة لها هوية سياسية معينة، أو مذهب عقائدي محدد، ولكن المؤكد أنها عندما تطلق على قوم يقصد بها الذم والتعيير« (34).
إن هذا الاستنتاج للباحث لا يخلو من المغالطة والتمويه، فهو يحاول جاهداً التشكيك في السبئية إلى حد جعله يتأولها مجرد كلمة تستعمل للسب والذم!!
إني لأكاد أدهش حين يقول ذلك، وهو نفسه يذكر نصاً شعرياً للفرزدق(35) فيه إشارة واضحة إلى ابن سبأ اليهودي الأصل، الهمداني اليمني المنشأة.
تـعـرف هـمدانيـة سـبئية وتكره عينيها عـلى ما تنكرا
ولو أنهم إذا نافقوا كان منهم يهوديهم كانوا بذلك أعـذرا
على أن وجود عبد الله بن سبأ وارتباط السبئية به مما أطبقت عليه المصادر، فذكرته كتب التاريخ والحديث والطبقات والرجال والأنساب والأدب واللغة ، وجزم بذلك علماء الفرق والمقالات.
فقد نقل القمي المتوفى عام (301هـ/913م) أن عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم وادعى أن علياً أمره بذلك(36).
وأما الإمام الطبري المتوفى عام (310هـ/922م) فقد أفاض في تاريخه في ذكر أخبار ابن سبأ ومكائده معتمداً على روايات الإخباري سيف بن عمر التميمي عن شيوخه(37).
ويتحدث النوبختي المتوفى عام (310هـ/922م) عن أخبار ابن سبأ فيذكر أنه لما بلغ نعي علي بالمدائن قال للذي فعله: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقـتل، ولا يموت حتى يملك الأرض(38).
ويقول أبو حاتم الرازي المتوفى عام (322هـ/933م) أن عبد الله بن سبأ ومن قال بقوله من السبئية كانوا يزعمون أن علياً هو الإله، وأنه يحيى الموتى وادعوا غيبته بعد موته (39).
وأكد ابن عبد ربه المتوفى عام (328هـ/939م) أن ابن سبأ وطائفـته السـبـئـيـة قد سلكوا مسلك الـغـلو فـي علي حينما قالوا هو الله خالقـنا،كما غلت النصارى في المسيح بن مريم (40).
ويذكر أبو الحسن الأشعري المتوفى عام (330هـ/941م) عبد الله بن سبأ وطائفـته من ضمن أصناف الغلاة، إذ يزعمون أن علياً لم يمت، وأنه سيرجع إلى الدنيا فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً (41).
وروى الكشي المتوفى عام 340هـ/951م) بسنده إلى أبي جعفر محمد الباقر قوله: إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة، ويزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، كما روى بسنده إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: »لعن الله من كذب عليناً، إني ذكرت عبد الله بن سـبأ فقامت كل شـعرة في جسـدي، لقد ادعى أمراً عظيماً، ماله لعنه الله«(42).
ويقول ابن حبان المتوفى عام (354هـ/965م): »وكان الكلبي محمد ابن السائب الإخباري سبئياً من أصـحـــاب عبد الله بن سبأ، من أولئك الذين يقولون: إن علياً لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا قبل قيام الساعة، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها« (43).
ويقول المقدسي المتوفى عام (355هـ/965م) في كتابه »البدء والتاريخ«: إن عبد الله بن سبأ قال عندما بلغه موت علي بن أبي طالب: لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه(44).
ويكشف الملطي المتوفى عام (377هـ/989م) عن عقيدة السبئية فيقول: »ففي عهد علي رضي الله عنه جاءت الـسـبـئـيـة إليه وقالوا: أنت أنت! قال: من أنا؟ قالوا: الخالق الباريء، فاستتابهم فلم يرجعوا فأوقد لهم ناراً عظيمة فأحرقهم(45).
ويذكر كبير محدثي الشيعة ابن بابويه القمي المتوفى عام (381هـ/991م) موقف ابن سبأ وهو يعترض على علي رضي الله عنه في رفع اليدين إلى السماء أثناء الدعاء(46).
وفي »مفتاح العلوم« للخوارزمي المتوفى عام (387هـ/997م): »السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ« (47).
وذكر البغدادي المتوفى عام (499هـ/1037م) أن فرقة السبئية أظهروا دعوتهم في زمان علي رضي الله عنه فأحرق قوماً منهم ، ونفى ابن سبأ إلى سباط المدائن ، إذ نهاه ابن عباس رضي الله عنهما عن قتله حينما بلغه غلوه فيه ، وأشار عليه بنفيه إلى المدائن حتى لا يختلف عليه أصحابه ، لاسيما وهو عازم على العود إلى قتال أهل الشام (48).
وقال أبو جعفر الطوسي المتوفى عام (460هـ/1067م)إن ابن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو(49).
ويقول الاسفراييني المتوفى عام (471هـ/1078م) إن ابن سبأ قال بنبوة علي في أول أمره، ثم دعا إلى ألوهيته، ودعا الخلق إلى ذلك، فأجابته جماعة إلى ذلك في وقت علي (50).
ويتحدث الشهرستاني المتوفى عــــام (548هـ/1153م) عن ابن سبأ فيقول »ومنه انشعبت أصناف الغلاة«(51). ويقول أيضاً: إن ابن سبأ أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي«(52).
كما أن كتب الأنساب هي الأخرى تؤكد نسبة السبئية إلى عبد الله بن سبأ ، ومنها كتاب الأنساب للسمعاني المتوفى عام (562هـ/1167م) (53).
وعرّف ابن عساكر المتوفى عـــام (571هـ/1176م) ابن سبأ بقوله: »عبد الله بن سبأ الذي تنسب إليه السبئية ، وهم الـغـــــلاة من الرافضة ، أصله من اليمن ، كان يهودياً وأظهر الإسلام« (54).
وفي اللباب في تهذيب الأنساب »يذكر ابن الأثير المتوفى عام (630هـ/1232م) ارتباط السبئية من حيث النسبة بعبد الله بن سبأ« (55).
وذكر ابن أبي الحديد المتوفى عام (655هـ/1257م) في »شرح نهج البلاغة ما نصه: »فلما قتل أمير المؤمنين عليه الـســـلام أظهر ابن سبأ مقالته وصارت له طائفة وفرقة يصدقونه ويتبعونه« (56).
وذكر السكسكي المتوفى عام (683هـ/1284م) أن ابن سبأ وجماعته أول من قالوا بالرجعة إلى الدنيا بعد الموت(57).
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى عام (728هـ/1327م) أن أصل الرفض من المنافقين الزنادقة ، فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق ، وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه ، وادعى العصمة له« (58).
وأشـــــار الحـســـــن الحلبي المتوفى عام (740هـ/1339م) إلى أن ابن سبأ ضمن أصناف الضعفاء(59).
وعند الحافظ الذهبي المتوفى عام (748هـ/1347م): »عبد الله بن سبأ من غلاة الشيعة ، ضال مضل«(60).
أما الصفدي المتوفى عـــــام (764هـ/1363م) فقد قال في ترجمته: »عبد الله بن سبأ رأس الطائفة السبئية... فلما قـتـــل علي زعم ابن سبأ أنه لم يمت لأن فيه جزءاً إلهياً ، وابن ملجم إنما قتل شيطاناً تصور بصورة علي ، وأن علياً في السحاب ، والرعد صوته ، والبرق صوته ، وأنه سينزل إلى الأرض«(61).
ويشير الشاطبي المتوفى عام (790هـ/1388م) إلى أن بدعة السبئية من البدع الاعتقادية المتعلقة بوجود إله مع الله تعالى الله وهي بدعة تختلف عن غيرها من المقالات(62).
ويعرف الجرجاني المتوفى عام (816هـ/1413م) عبد الله بن سبأ بأنه رأس الطائـفـــــة السبئية...وأن أصحابه عندما يستمعون الرعد يقولون: عليك السلام يا أمير المؤمنين«(63).
وفي خطط المقريزي المتوفى عام (845هـ/1441م) أن عبد الله بن سبأ قام في زمن علي رضي الله عنه مُحدثاً القول بالوصية والرجعة والتناسخ(64).
وسرد الحافظ ابن حجر المتوفى عام (852هـ/1448م) في كتابه: »لسان الميزان« عن ابن سبأ أخباراً غير روايات سيف بن عمر ، ثم قال في النهاية: »وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ ، وليس له رواية والحمد لله« (65).
وفي عقد الجمان للعيني المتوفى عام (855هـ/1451م) أن ابن سبأ دخــــــل مصر وطاف في كورها ، وأظهر الأمر بالمعروف ، وتكلم في الرجعة ، وقررها في قلوب المصريين (66).
وأكد السيوطي المتوفى عام (911هـ/1505م) في كتاب »لب الألباب في تحرير الأنساب« نسبة السبئية إلى عبد الله بن سبأ (67).
وتحسن الإشارة إلى أنه لا ينبغي الغض من قيمة المصادر المتأخرة التي ذكـــرت الـسـبئية، ذلك أن أصحابها كابن كثير والذهبي وابن حجر والسيوطي وغيرهم من الأئمة الحـفـــاظ، كانوا يستقون معلوماتهم من مصادر قديمة وقيمة بعضها الآن في عــداد المفقود ، كما عرفوا بسعة اطلاعهم، وغزارة معارفهم وتقصيهم الدقيق للأخبار، حتى إن الباحث يندهش مثلاً عندما يطلع على كثرة الطرق وتنوعها في رواية ابن حجر لأحــداث تاريخية، ومن مصادر متقدمة كأخبار البصرة لابن شبه، وكـتـاب صفـيـن لحـيــي بن سليمان الجعفي، والمعرفة والتاريخ للفسوي ، وتاريخ أبي زُرعة الدمشقي ، وغيرها من كتب التاريخ.

الهوامش:
* دورية علمية تصدر عن جامعة الكويت.
(1)المنشور في مجلة الأزهـــــر بدءاً من العدد (5 السنة 63) الصادر في جمادى الأولى عام 1411 هـ.
(2)الهلابي: عبد الله بن سبأ: دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفـتنة، ص 13.
(3)انظر: العجلي: الثقات ، ص 212 ، وابن حجر: تقريب التهذيب ، ج1 ، ص341.
(4)يحيى بن حمزة الزيدي: طوق الحمـامـة(نقلاً عن إحسان إلهي ظهير: السنة والشيعة، ص 8) ، وابن حجر: لسان الميزان ، ج3 ، ص 280 ، وتهذيب التهذيب ، ج2 ، ص 214 ، قال: (رواه البرقاني في اللفظ).
(5)ابن عسـاكر: تاريخ دمشـق (المخطـوط) ج9 ، ص 331.
(6)الذهبي: الكاشف ، ج1 ، ص51 ، وابن حجر: التهذيب ، ج1 ، ص 177.
(7)ابن سعد: الطبقات ، ج6 ، ص 192.
(8)انظر: الفسـوي: المعرفـة والتاريخ ، ج2 ص 592 ، والخطيب: تاريخ بـغـداد ج12 ، ص 227.
(9)ابن عساكر: المصدر السابق (المخطوط) ، ج9 ص 331.
(10)انظر: ابن سعد: المصدر السابق ، ج5 ص195 ، وخليفة: الطبقات ، ص 246.
(11)الفسوي: المصدر السابق ، ج2 ص7658.
(12)انظر: الذهبي: الكاشف ، ج2 ، ص52 وابن حجر: التقريب ، ج1 ، ص389.
(13)ابن عساكر: المصدر السابق (المخطـوط) ج9 ، ص331.
(14)انظر: العجلي: المصـدر السـابق ص110 وابن حـبان: الثقات ، ج4 ص92.
(15)ابن عساكر: المصدر السابق (المخطـوط) ج9 ، ص 331.
(16)انظر: ابن حجر: لسان الميزان ، ج3 ص289.
(17)ابن عساكر: المصدر السابق (المخطـوط) ج9 ، ص331.
(18)انظر: العجلي: المصـدر السـابق ص389 ، وابن معين: التاريخ ، ج2.
(19)الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3/3/119.
(20)انظر: ابن قيتبـة: المعـارف ، ص234 وابن النديم: الفهرست ، ص 105.
(21)الطبري: تاريخ الرسل ، ج6 ، ص 25.
(22)الهلابي: المرجع السابق ، ص16.
(23)أعشى همدان: ديوان ، ص148.
(24)أبو عمر العدني: كتاب الإيمان ، ص249.
(25)ابن سعد: المصدر السابق ، ج4 ، ص39.
(26)انظر: الأشعري: مقـالات الإسـلاميين ج1 ، ص86 ، والقمي: المقالات والفرق ص119، وابن حبان: المجروحين، ج4 ص253 ، والمقدسي: الـبـدء والتاريخ ج3 ، ص129.
(27)ابن حبيب: المحبر ، ص308.
(28)ابن تيمية: منهاج السنة ، ج1 ، ص7.
(29)الجاحظ: البيان والتبيين ، ج3 ، ص81.
(30)الجوزجاني: أحوال الرجال ، ص38.
(31)ابن قتيبة: المعارف ، ص267.
(32)البلاذري: أنساب الأشراف ، ج3 ص382.
(33)الناشيء الأكبر: مسائل الإمامة ، ص22.
(34)الهلابي: المرجع السابق ، ص48.
(35)المرجع نفسه ، ص 47.
(36)الفرزدق ، ديوان ، ص242.
(37)القمي: المصدر السابق ، ص20.
(38)الطبري: تاريخ الرسل ، ج4 ، ص283 ، 326 ، 331 ، 340..
(39)التوبختي: فرق الشيعة ، ص 23.
(40)أبو حاتم الرازي (أحمد بن حمدان): الزينة في الكلمات الإسلامية ، ص 305.
(41)ابن عبد ربـه: العقد الفريد ، ج2 ص405.
(42)أبو الحسن الأشـعري: المصـدر السابق ج1 ، ص85.
(43)أبو عمر الكشي: الرجال ، ص98.
(44)المصدر نفسه ، ص 100.
(45)ابن حبان: المجروحين ، ج2 ، ص253.
(46)المقعسي: المصدر السابق ، ج5 ، ص129.
(47)الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ، ص18.
(48)ابن بابويه القمي: من لا يحضـره الفقـيه ج1 ، ص213.
(49)الخوارزمي: مفاتيح العلوم ، ص22.
(50)الـبـغـدادي: الفـرق بـين الـفـرق ص15 ، 225.
(51)أبو جعفر الطوسي: تهذيب الأحـكام ج2 ، ص322.
(52)الاسفراييني: التبصير في الدين ، ص108.
(53)الشهرستاني: الملل والنحل ، ج2 ص116.
(54)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 155.
(55)السمعاني: الأنساب ، ج7 ، ص24.
(56)ابن عساكر: المصدر السابق ، ج9 ص328.
(57)ابن الأثير: اللباب في تهذيب الأنـساب ج2 ، ص98.
(58)ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ، ج2 ص99.
(59)السكسكي: البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ، ص50.
(60)ابن تيمية: مجموع الفتـاوى ، ج4 ص435.
(61)المجلسي: الرجال ، ج2 ، ص71.
(62)الذهبي: المغني في الضعفاء ، ج1 ص339.
(63)الصفدي: الوافي بالوفيات ، ج17 ص20.
(64)الشاطبي: الاعتصام ، ج2 ، ص197.
(65)الجرجاني: التعريفات ، ص79.
(66)المقريزي: المواعظ والاعتبار، ج 2ص356.
(67)ابن حجر: لسان الميزان، ج3، ص290.
(68)العيني: عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان،9/1/168.
(69)السيوطي: لب الألباب في تحرير الأنساب ج1،ص132.

أبو عبد الله فهد
03-05-09, 05:12 PM
جزاك الله خيرا

محمد الأمين
25-02-10, 07:42 PM
بارك الله بك

أبوالفوزان السنابلي
29-05-11, 03:14 PM
جزاك الله خيرا

أبودجانة الأردني
27-03-12, 02:59 PM
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :
إن مثل فعله كما فعل بولص في دين النصارى دخل فيهم ليفسد دين النصارى
او كما قال رضي الله عنه