ملتقى أهل الحديث

ملتقى أهل الحديث (https://www.ahlalhdeeth.com/vb/index.php)
-   منتدى أصول الفقه (https://www.ahlalhdeeth.com/vb/forumdisplay.php?f=60)
-   -   عودة إلى ابن تيمية والمجاز (https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=105814)

أبو عبد المعز 04-07-07 06:16 PM

عودة إلى ابن تيمية والمجاز
 
بسم الله الرحمن الرحيم.

يؤسفني أن أقول إن رأي ابن تيمية في المجاز لم يفهم كما ينبغي عند ثلة من المعاصرين سواء من قبل مناصريه أو من قبل مناوئيه، أو على الأقل لم يضعوا رأيه ذاك في المجال الأصلي والطبيعي أي مجال علم اللغة البحت ولكنهم جعلوا قوله في المجاز فرعا عقديا منتسبا للإشكال الأكبر في العقيدة وهو" الأسماء والصفات"...
فقال الخصوم:ابن تيمية ينكر المجاز ليمرر عقيدته "التجسيمية" المأخوذة من ظاهر النصوص...ف"التنزيه" عندهم لا يتأتى إلا مع التأويل، والتأويل مبني على ازدواجية المعنى (ظاهر/باطن أو حقيقة/ مجاز..)وهكذا يكون القول بالمجاز ضرورة للتنزيه وقد توهموا أن ابن تيمية فطن لهذا التلازم فأنكر المجاز مكابرة وعنادا ليقطع الطريق على المتكلمين ويرغمهم على الاكتفاء بظاهر النص ليتبعوه في" التجسيم."
أما أنصاره فمنهم من ضعف أمام تشنيع الخصوم واستعظموا إنكار المجاز في مثل قولنا "جاء الأسد " ونحن نريد الشجاع..فهذا كلام عربي مقبول مستساغ وكلمة أسد استعملت بالضرورة في غير الحيوان وليس المجاز إلا هذا...فكيف يليق بعاقل كابن تيمية أن يجحد ماهو قريب من الضرورة؟
فزعم بعضهم أن لابن تيمية قولين في المجاز...ولم يبينوا من القولين أيهما الناسخ وأيهما المنسوخ وأيهما القديم وأيهما الجديد...وإن كنا نرجح أنهم يذهبون إلى أن القول الجديد هو المثبت للمجاز تفاديا للتشنيع الذي أشرنا إليه..ولم يكن متمسكهم إلا نص أورده القاسمي في تفسبره:
"نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله وبالتأويل الجاري على نهج السبيل ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا أنا لا نقول بالمجاز والتأويل،والله عند لسان كل قائل،ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب،وما فتح به الباب إلى هدم السنة والكتاب واللحاق بمحرفة أهل الكتاب..."
أنظر لازما هذا الرابط:
[url]http://www.ahlalhdeeth.cc/vb/showthread.php?t=73563[/url]
وهذا النص فيه طامتان:
-إثبات التأويل في منهج السلف(وهو طاغوت عند تلميذه ابن القيم)فيكون ابن تيمية يخرب منهجه بيده.
-إثبات كذب ابن تيمية لأن كتبه مملوءة بإنكار المجاز فكيف يقول: ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا أنا لا نقول بالمجاز والتأويل...
فهنا سبيلان :
-إما أن ابن تيمية كذاب.
-أو أن ابن تيمية قال ما قاله قبل أن يستقر رأيه على انكار المجاز...فعليه يكون إثبات المجاز رأيا قديما قاله في بداية طلبه العلم ثم رجع عنه....فيكون ذكره- أو التذكير به- بلبلة وتهويشا فقط.
وذكرالعلامة القاسمي-رحمه الله- لهذه الفتوى المفقودة ليس بشيء واحتجاج من احتج بأن العلامة القاسمي قد ذكرها وهو المتخصص في آثار ابن تيمية حجة تقليدية فقط..يمكن معارضتها بأقوى منها فنقول:ابن القيم كان أعلم الناس بمقالات ابن تيمية ..فكيف شرع في كسر طاغوت المجاز بعشرات الوجوه جلها مأخوذة من آراء شيخه ...وهو يسمع ويرى شيخه يقول: ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا أنا لا نقول بالمجاز والتأويل...!!!
فهل خرج ابن القيم عن منهج شيخه أم أن فتوى سرية خفيت عنه وعلمها القاسمي بعد قرون!!!
نحن لا نتهم القاسمي-معاذ الله-فهو ناقل فقط... ولكننا نعلم كم زور على ابن تيمية وتلاميذه، والقاسمي معدود من أفاضل من ذب عن ابن تيمية ورد على مناوئيه ...
لكن تقديرنا للقاسمي لا يجعلنا نقبل فكرة تهدم منهجا.
وذهب نفر من أنصار ابن تيمية إلى أن شيخ الإسلام لا ينكر المجاز مطلقا ولكن ينكره في القرآن وبالضبط في مواطن أسماء الله وصفاته..
وهذا الرأي ضعيف قيل تحت وطأة التشنيع أيضا ..فيرون إنكار المجاز عند الشيخ من باب سد الذرائع فقط..وإلا فاصل المجاز ثابت في اللغة...
ولا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أن الشيخ الأمين –رحمه الله-يروج لهذا القول عندما خصص وجوها للرد على الشبهة القائلة:إن ثبت المجاز في اللغة فهو ثابت في القرآن أيضا لأن القرآن نزل على سنن تلك اللغة...
الشيخ الأمين –هنا-يدافع عن رأي بعض الظاهرية فلايرى عندهم تناقضا عندما أثبتوا المجاز في اللغة ونفوه من القرآن...وقد أدلى رحمه الله بحجج قوية في هذا الشأن ...
ولم يكن- رحمه الله- يدافع عن نفسه أو عن ابن تيمية فهما معا ينكران المجاز مطلقا.
والشنقيطي في رسالته تلك صرح بأن انكار المجاز في اللغة هو الصحيح..ومن ثم فاحنجاجه ينبغي ان يخرج على قاعدة الاحتجاج الجدلي لا غير.
-أما الدكتور المطعني –وهو لا شك من محبي ابن تيمية- لكنه لم يتحرج من نسبة ابن تيمية وتلاميذه القدامى والمعاصرين إلى التناقض ...وألزمهم القول بالمجاز رغم أنوفهم..
وأعتقد أن خطأ المطعني كسابقيه..فلو صبر وتفحص آراء ابن تيمية في اللغة انطلاقا من منهج البحث العلمي الصرف لا من منطلق الاتهام والتبرئة أو المخالفة والموافقة لوجد ابن تيمية يبشر بنظرية ثورية في اللغة الإنسانية سبق بها فتجنشتين وشومسكي معا....فيكون رأيه في المجاز فرعا من نظرية -غير مكتملة ولكنها واضحة المعالم- وليس مكابرة أو تشفيا في المتكلمين أو سدا للذريعة.
للكلام بقية أرجو من الله أن يوفقنا لإتمامها.

أبو عبد المعز 05-07-07 07:14 AM

لمعرفة حقيقة رأي ابن تيمية في المجاز لا بد من الرجوع إلى جذر المسألة.والجذر في تصورنا هو رأي شيخ الاسلام في اللغة الطبيعية
قال ابن تيمية في كتاب الايمان:
"فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا يَدَّعِيهِ هَؤُلَاءِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ مِنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ ؛ لَا يُوجَدُ إلَّا مُقَدَّرًا فِي الْأَذْهَانِ لَا مَوْجُودًا فِي الْكَلَامِ الْمُسْتَعْمَلِ . كَمَا أَنَّ مَا يَدَّعِيهِ الْمَنْطِقِيُّونَ مِنْ الْمَعْنَى الْمُطْلَقِ مِنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ لَا يُوجَدُ إلَّا مُقَدَّرًا فِي الذِّهْنِ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ خَارِجٌ عَنْ كُلِّ قَيْدٍ."
يقيم الشيخ تمييزا واضحا بين اللغة المقدرة في الذهن واللغة الحقيقية المتداولة بين الناس...
والتنبيه على ادعاء المنطقيين في هذا السياق فيه إشارة إلى أن سبب فساد التصور الشائع للغة عند بعض اللغويين والأصوليين هو اتباعهم سبيل المناطقة ...فكأن شر هؤلاء المناطقة كان لازما ومتعديا معا:
لازما إذ أفسدوا المعنى وهو مجال اختصاصهم.
ومتعديا لأن أهل اللغة والأصول تأثروا بهم وساروا على نهجهم فوقع الفساد في تصور اللفظ أيضا. ..
لكن ماذا يقصد الشيخ بقوله:
"اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ مِنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ ؛ لَا يُوجَدُ إلَّا مُقَدَّرًا فِي الْأَذْهَانِ لَا مَوْجُودًا فِي الْكَلَامِ الْمُسْتَعْمَلِ ."؟
للجواب على السؤال نمهد بسؤال آخر:
مم تتألف اللغة الطبيعية في نظر شيخ الإسلام؟
الجواب:تتألف من جمل...
والجملة هي أصغر وحدة في بناء اللغة!!
بهذا التصور تجاوز ابن تيمية عصره بقرون وسبق الأروبي فتجنشتين والأمريكي تشومسكي وهما عند الغربيين صاحبا أكبر ثورتين في مجال الدراسات اللغوية والمنطقية.
كان التصور السائد للغة في عصر ابن تيمية هو التصور الموروث عن المعلم الاول أرسطو القائم على منهج "التقشير "المنطقي:
"جرد وقشر حتى تصل إلى المكون البسيط ..."
وطبقت المنهجية على اللغة،فانتهى التجريد إلى ثلاث وحدات :هي الاسم والفعل والأداة...ولم يسمحوا للتجريد أن ينزل إلى مستوى الحروف والأصوات لأن اعتبارهم كان للمعنى وليس للمادة الصوتية ...فأصغر وحدة دالة هي كلمة"شجرة"مثلا ولا يلتفت إلى حروفها"ش-ج-ر-ه" فهي عاطلة من المعنى في ذاتها.
اللغة في نهاية المطاف تتكون من كلمات مصنفة ضمن ثلاث مقولات..وكل كلمة مستقلة بذاتها في معناها ودلالتها وعندما تدخل في التركيب فهي تدخل فيه وهي ملأى بمعنى سابق...لأنه لابد لكل كلمة من دلالة على معنى ما...فلا مناص إذن من افتراض نظرية "الوضع "ولا مناص من نظرية رديفة هي " المجاز".!!
لكن لابن تيمية تصورا آخر:
لا مانع عنده من أن تكون اللغة مكونة من كلمات،ولكن بالاصطلاح الشرعي المتقدم لا باصطلاح المتأخرين من النحاة والأصوليين والمناطقة...
فالكلمة شرعا هي المطابق ل"الجملة" في اصطلاح هؤلاء.
والحرف شرعا هو المرادف ل"الكلمة" في اصطلاح هؤلاء.
وكأن اصطلاح المتأخرين هو دائما زائد في المرتبة على اصطلاح الشرع.
قال الشيخ:
وَكَذَلِكَ حَيْثُ وُجِدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَلْ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ نَظْمِهِ وَنَثْرِهِ لَفْظُ كَلِمَةٍ ؛ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْمُفِيدُ الَّتِي تُسَمِّيهَا النُّحَاةُ جُمْلَةً تَامَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلَّا كَذِبًا } . وقَوْله تَعَالَى { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا } . وقَوْله تَعَالَى { تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } . وَقَوْلِهِ : { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } . وَقَوْلِهِ : { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } . وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ : أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ } وَقَوْلِهِ " { كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ } " . وَقَوْلِهِ . " { إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ بِهِ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ بِهِ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا سَخَطَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } " . وَقَوْلِهِ : " { لَقَدْ قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْته مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ : سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ } " .
أما توافق الحرف مع الكلمة فيستفاد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه:
أنه عليه الصلاة والسلام قال : « من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ، بل الألف حرف ولام حرف وميم حرف »
وتنبيهه عليه السلام بقوله "لا أقول الم حرف" يفهم منه أنه كان من المعهود عندهم إطلاق الحرف بمعناه اللغوي لا بالمعنى الإصطلاحي .
أصغر وحدة لغوية-إذن- لا بد أن تكون مفيدة،والحيز الذي تتحقق فيه الفائدة هو حيز الجملة ولا يمكن النزول إلى أدنى منها...وإذا حدث ذلك نكون قد انتقلنا من مجال اللغة الفعلية إلى مجال اللغة المقدرة في الذهن...
هذا هو غور قوله:
"اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ مِنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ ؛ لَا يُوجَدُ إلَّا مُقَدَّرًا فِي الْأَذْهَانِ لَا مَوْجُودًا فِي الْكَلَامِ الْمُسْتَعْمَلِ ."
نعم،
اللفظ المطلق من جمبع القيود هو اللفظ الخام الذي لم يدخل في أي تركيب ...
فمن المعلوم أن القيود إنما تنشأ من تآلف الألفاظ وتعالقها أو دخولها في النظم بحسب مصطلح عبد القاهر...والناس في تداولهم اليومي يعولون على الجمل فلا تجد واحدا منهم يقول مثلا" أسد" ويسكت...بل لا بد من تقييد هذه الكلمة بفعل أو ظرف أو إضافة أو غيرها...وقد يحدث أن تصدر عن المرء كلمة واحدة ولكن لا بد من تقدير.. كأن يسأل رجل صاحبه :من في القفص؟فيجيبه:"أسد"
واضح أن الكلمة هنا في قوة الجملة...فالتقدير :"في القفص أسد"
أما أسد معزولة عن كل سياق فلغو وليس لغة.
قال ابن القيم في الوجه العشرين:
"...فيقال لكم : اللفظ عند تجرده من جميع القرائن التي تدل على مراد المتكلم بمنزلة الأصوات التي ينعق بها،فقولك:تراب،ماء،حجر،رجل..بمنزلة قولك طق،غاق ونحوهما من الأصوات..."
فهاهو ابن القيم يرى تبعا لشيخه أن اللغة لا تصبح إنسانية إلا في التراكيب أما الكلمات المفردة فهي لغة الجماد (طق) ولغة الحيوان (غاق)...إن كان للجماد والحيوان لغة!!!

أبو عبد المعز 09-07-07 04:52 PM

إن عدم اعتبار القيود حق قدرها هو الذي أفسد دلالات النصوص الشرعية خاصة المتعلقة منها بالأسماء والصفات والأسماء والأحكام.فقد زلت قدم المتكلمين هنا حينما سطحوا اللغة واعتقدوا أن الكلمة هي هي حيثما وردت...فاليد في قولنا" يد الله "عندهم هي عينها في تعبير "يد الإنسان"..ثم لاعتبارات عقائدية توسلوا بالتأويل واصطنعوا المجاز.
وفيما يلي نصان أحدهما لابن تيمية من كتاب الإيمان الكبير والثاني لفتجنشتين من كتابه بحوث فلسفية...وسيكون لنا تعاليق-إن شاء الله- بعد ذلك.

قال ابن تيمية :
نَجِدُ أَحَدَهُمْ يَأْتِي إلَى أَلْفَاظٍ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ إلَّا مُقَيَّدَةً فَيَنْطِقُ بِهَا مُجَرَّدَةً عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَتُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا نُطِقَ بِهَا مُجَرَّدَةً وَلَا وُضِعَتْ مُجَرَّدَةً ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ حَقِيقَةُ الْعَيْنِ هُوَ الْعُضْوُ الْمُبْصِرُ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ عَيْنُ الشَّمْسِ وَالْعَيْنُ النَّابِعَةُ وَعَيْنُ الذَّهَبِ ؛ لِلْمُشَابَهَةِ . لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ لَا مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ؛ فَيُمَثِّلُ بِغَيْرِهِ مِثْلَ لَفْظِ الرَّأْسِ . يَقُولُونَ : هُوَ حَقِيقَةٌ فِي رَأْسِ الْإِنْسَانِ . ثُمَّ قَالُوا : رَأْسُ الدَّرْبِ لِأَوَّلِهِ وَرَأْسُ الْعَيْنِ لِمَنْبَعِهَا وَرَأْسُ الْقَوْمِ لِسَيِّدِهِمْ وَرَأْسُ الْأَمْرِ لِأَوَّلِهِ وَرَأْسُ الشَّهْرِ وَرَأْسُ الْحَوْلِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ . وَهُمْ لَا يَجِدُونَ قَطُّ أَنَّ لَفْظَ الرَّأْسِ اُسْتُعْمِلَ مُجَرَّدًا ؛ بَلْ يَجِدُونَ أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ بِالْقُيُودِ فِي رَأْسِ الْإِنْسَانِ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } وَنَحْوِهِ وَهَذَا الْقَيْدُ يَمْنَعُ أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ تِلْكَ الْمَعَانِي . فَإِذَا قِيلَ : رَأْسُ الْعَيْنِ وَرَأْسُ الدَّرْبِ وَرَأْسُ النَّاسِ وَرَأْسُ الْأَمْرِ ؛ فَهَذَا الْمُقَيِّدُ غَيْرُ ذَاكَ الْمُقَيِّدِ الدَّالِّ ، وَمَجْمُوعُ اللَّفْظِ الدَّالِّ هُنَا غَيْرُ مَجْمُوعِ اللَّفْظِ الدَّالِّ هُنَاكَ ؛ لَكِنْ اشْتَرَكَا فِي بَعْضِ اللَّفْظِ كَاشْتِرَاكِ كُلِّ الْأَسْمَاءِ الْمُعَرَّفَةِ فِي لَامِ التَّعْرِيفِ ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ النَّاطِقَ بِاللُّغَةِ نَطَقَ بِلَفْظِ رَأْسِ الْإِنْسَانِ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُتَصَوَّرُ رَأْسُهُ قَبْلَ غَيْرِهِ ، وَالتَّعْبِيرُ أَوَّلًا هُوَ عَمَّا يُتَصَوَّرُ أَوَّلًا ، فَالنُّطْقُ بِهَذَا الْمُضَافِ أَوَّلًا لَا يَمْنَعُ أَنْ يُنْطَقَ بِهِ مُضَافًا إلَى غَيْرِهِ ثَانِيًا ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ الْمَجَازِ كَمَا فِي سَائِرِ الْمُضَافَاتِ...

قال فتجنشتين:
"ومن الطبيعي أن يكون ما يؤدي إلى الخلط بالنسبة لنا ،هو المظهر الموحد للكلمات ،حينما نسمعها منطوقة أو نجدها مكتوبة أو مطبوعة.ذلك لأن تطبيقها أو استخدامها لا يكون ماثلا أمامنا بوضوح كاف.وخاصة إذا كنا نتفلسف.
-إن الأمر يشبه رؤيتنا لما هو موجود داخل غرفة قيادة إحدى القاطرات.فنحن نرى مقابض ،كلها متشابهة بدرجة متفاوتة.(ومن الطبيعي أن تكون كذلك-طالما أنه من المفروض أن تكون جميعها مما نمسك به).إلا أن أحدها يكون خاصا بذراع الدولاب الذي يمكن تحريكه بصفة مستمرة (وهو لتنظيم فتحة صمام).ومقبض آخر خاص بمفتاح التحويلة ،بحيث لا يعمل إلا في وضعين ،إما لوصل التحويلة أو فصلها.ومقبض ثالث خاص بذراع إيقاف الحركة [أو الكابح]،الذي كلما ضغط عليه الانسان كان إيقاف القاطرة أشد قوة .ومقبض رابع خاص بمضخة:تعمل وفقا لحركة المقبض إلى الأمام أو الخلف."
أنظر:بحوث فلسفية لودفيج فتجنشتين.ترجمة وتعليق عزمي إسلام.ص 53.

أبو مالك العوضي 09-07-07 05:31 PM

أحسن الله إليك شيخنا الفاضل

فقد أحسنت التصور ثم أجدت العرض

كنت أتناقش مع بعض الإخوة منذ شهرين تقريبا عن مذهب ابن تيمية في المجاز، وقلت له إن سبب الخلاف هو اعتقاد كثير من المتأخرين أن الكلام المكتوب في المعجمات مأخوذ عن العرب بنصه، وهذا خطأ كبير جدا.

فاللغة عند العرب متكلم بها في سياقات، وكل سياق له معنى مفهوم، فيأتي عالم اللغة المستقري الذي صنف المعجم فيعبر عن معنى الكلمة بحسب ما فهمه هو من كلام العرب، فالعرب لم تقل مثلا: ( العين عضو يستعمله الإنسان في الإبصار )، وإنما هذا ما فهمه اللغوي عندما أراد أن يعبر عن معاني الألفاظ عند العرب، فهو فهمها من السياق ثم عبر عنها بأسلوبه هو.

وهذا لا يمنع من أن بعض الألفاظ التي تستعمل في معانٍ ينصرف الذهن إلى معنى منها لشهرته وتداوله أكثر من غيره، ونلاحظ هنا أن هذا الكلام بعينه دليل واضح على صحة كلام ابن تيمية.

فكون الكلمة حقيقة في كذا ومجاز في كذا إنما يعرف عند أصحاب المجاز بما ينصرف الذهن إليه عند الإطلاق، وهذا الانصراف الذهني متعلق بالاستعمال أصلا، فإن الإنسان ينصرف ذهنه إلى معنى دون غيره لأنه الأكثر في استعماله، أو الغالب على ما يسمعه من الناس، فصار تفريقهم بين المجاز والحقيقة مبنيا على الاستعمال أصلا، والاستعمال لا توجد الكلمات فيه مجردة، فظهر تناقضهم.

أبو عبد المعز 09-07-07 09:10 PM

شيخي أبا مالك-رفع الله قدرك-
حجتك صحيحة،فاللغويون والنحاة والعروضيون كلهم انطلقوا من الكلام المستعمل...ثم صنفوا واصطلحوا وقعدوا...فاللغوي مثلا يستعرض مختلف موارد كلمة ما ...ثم ينص على معانيها بحسب مواقعها...ولكن أنى له أن يزعم أن هذا معنى أصيل وهذا معنى طاريء كما يدعي أصحاب الحقائق والمجازات مع أن المـأخذ واحد...والقول بالتمييز ضرب من الكهانة كما قال ابن القيم...
الحقيقة أن رأي ابن تيمية متفق مع أي منهج علمي صحيح في الدنيا...
وما قلته عن أمر التبادر وانصراق الذهن فهذا ينبغي أن يفسر في دائرة علم النفس...ولا ينبغي أن نستخلص منه تاريخ اللغة...فانظر إلى تهافت القوم:تبادر المعنى في الذهن دليل على أنه موضوع أولا..
ولابن تيمية نقد عنيف لكل معايير القوم في التحقق والتجوز..ستراها قريبا إن شاء الله.

ابن حسن الصيرفي 25-07-07 12:38 AM

سأكون أسيرا لهذه الصفحة الماتعة العظيمة ، في حسن عرضها ، وفقه منشئها ، و ازديانها بأبي مالك ، الشيخ الفاضل .
بارك الله فيك أيها النحرير ، و نستزيدك ، فانهمر .

أبو مالك العوضي 25-07-07 09:29 PM

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (بيان تلبيس الجهمية):

(( .... ما ذكره [يعني الرازي] مبني على أن ثم وضعا للألفاظ غير الاستعمال الموجود في الكلام، وهذا قد يمكن ادعاؤه في بعض الأسماء كأسماء الأعلام.
وأما الألفاظ الموجودة في كلام العرب التي نزل بها القرآن من ادعى أن جماعة من العرب وضعوها لأصناف قبل أن يستعملوها فيها احتاج إلى نقل ذلك ولا سبيل إليه، ولو كان هذا موجودا لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ولم يدع أن اللغات كلها اصطلاحية بهذا الاعتبار إلا أبو هاشم الجبائي وما علمت أحدا قال هذا القول قبله وبسط هذا له موضع آخر ))

وقال أيضا:
(( تقدير وضع غير الاستعمال مما لم يقم عليه دليل ))

السنافي 25-07-07 11:35 PM

بارك الله فيكم ..

شيخ الإسلام رحمه الله قد ألزم المجازيين بما لا مفر منه :

قال : بأنه يلزم من إثبات المجاز : الدور .

فاللغة عندهم وليدة الاصطلاح < والاصطلاح اتفاق كما هو معلوم > فلا يمكنهم التواضع على لغة.. إلا عن طريق التفاهم بلغةٍ اصطلحوا عليها من قبل.. كي يحصل لهم الاتفاق على تعيين الألفاظ و معانيها .
وهذا الاصطلاح لن يفهم إلا بلغة - هي اصطلاح سابق- < كما هو مذهبهم > يتفاهمون بها ، وهكذا تدور وتتسلسل القضية إلى ما لا نهاية .. وهذا عين المحال .

و كون " اصطلاحية اللغة " مذهباً مرجوحاً بنص القران، ألجأ بعض المجازيين إلى القول بالتوقيف فيها ... وهذا هو التناقض .

فإن إثبات المجاز لا يستقيم إلا بالقول بالاصطلاح .. وهو مذهب فاسد كما ذكرنا .

أبو مالك العوضي 25-07-07 11:39 PM

شيخنا

أين قرر شيخ الإسلام هذا التقرير؟

السنافي 26-07-07 12:20 AM

وفق الله الشيخ الكريم ..

إن هو إلا من محفوظ الصدور .. و لعلكم تقفون على محله بالمراجعة.


الساعة الآن 11:15 AM.

vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.