ملتقى أهل الحديث

ملتقى أهل الحديث (https://www.ahlalhdeeth.com/vb/index.php)
-   منتدى اللغة العربية وعلومها (https://www.ahlalhdeeth.com/vb/forumdisplay.php?f=33)
-   -   خطأ متابعة الإمام ابن تيمية في إنكار المجاز (https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=78264)

عبدالله الغالبي 17-04-06 07:58 PM

خطأ متابعة الإمام ابن تيمية في إنكار المجاز
 
بسم الله الرحمن الرحيم
وقفات فيها لفتات مع من أنكر المجاز:
وهي مختصرة من بعض كتب العلماء باختصار مفيد :

أخي مدرس اللغة العربية
ما كان ينبغي أن يخالف في وجود المجاز ووقوعه سواءً أكان في اللغة أم في القرآن الكريم، فإن شهرة المجاز أشهر من نار على علم، ووضوحه أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار، [COLOR="Blue"]قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه اسرار البلاغة : " ومن قدح في المجاز، وهمَّ أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً، وتهدف لما لا يخفى". أ ـ هـ [/COLOR]

وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام –، وقد قال به علماء كُثر في مختلف تخصصاتهم وتعدد الفنون التي برعوا فيها، منهم اللغويون والنحويون والمفسرون والمحدثون والأصوليون والأدباء والنقاد وأهل المنطق وعلماء البلاغة، وتداولته ألسنة وأقلام الكتاب قديماً وحديثاً، واستعملته العرب خلفاً عن سلف، .

[COLOR="blue"]وكان الفضل في اتساع البحث في المجاز يرجع إلى اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والاعجازيين أما مسائله وقضاياه ودقائقه فلم يحرر القول فيها إلا في مباحث البلاغيين بدءاً من الإمام عبدالقاهر الجرجاني إلى الخطيب القزويني ومن كان بينهما،[/COLOR]

[COLOR="Red"]وإنكار المجاز – بعد التحقيق – لا يكاد يوجد، لأن من قال بإنكاره في القرآن لم يمنع وقوعه في اللغة، ، وثلاثة من العلماء أنكروه مطلقاً وهم الإمام أبواسحق الاسفرائيني والإمام ابن تيمية وابن القيم الجوزية،رحم الله الجميع وهم وإن أنكروه من جهة فقد أقرّوا به من جهات في كثير من كلامهم ولهذا يقال : إنَّ إنكار المجاز لا يكاد يوجد. [/COLOR]

[COLOR="Blue"]ولكن في الحقيقة أن الاسفرائيني ثبت أنه لم ينكر المجاز ونسبة إنكار المجاز إلى أبي إسحاق وإن ورد ذكرها في كثير من كتب الأصول وغيرها فإنها لم تسلم من القدح والتشكيك، فقد تعقب بعض العلماء هذه النسبة واستبعدوا صدورها من أبي إسحاق منهم إمام الحرمين أبو المعالي وحجة الإسلام الغزالي، ويؤيد رأي هؤلاء العلماء ذلك النص الذي حكاه الأمام ابن القيم عن الأستاذ في مسألة " العام إذا خصص هل يكون حقيقة فيما بقى أم مجازاً ؟" وفيه اعتراف صريح من الأستاذ الاسفرائيني بالمجاز، ونقل عنه إمام الحرمين أبو المعالي نصاً آخر في " البرهان" حول مسألة أصولية كذلك وهي: ما المراد بالظاهر عند علماء الأصول وفي ذلك يقول إمام الحرمين: " وقال الأستاذ أبو إسحق: الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى ، وله عنده وجه التأويل مسوغ، لا يبتدره الظن والفهم، ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز" فهذا كلام من يقر بالمجاز لا من ينكره.[/COLOR] فلم يبق منكراً له مطلقاً إلا الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم.
وقد ألّف الدكتور عبد العظيم المطعني كتاب (المجاز في اللغة والقرآن الكريم) وهو بحث ممتع في جزئين في حوالي ألف ومائة وسبعين صفحة أقام الأدلة القاطعة على وجود المجاز في اللغة وفي القرآن (الناشر مكتبة وهبة).
وقد عقد الشيخ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن فصلا في كتابه (المحكم والمتشابه) ج2 ص 522 للرد على إنكارالإماتم ابن تيمية للمجاز ، وكذا رد عليه الدكتور على العماري بكتاب (المجاز) وكذا فضيلة الشيخ/ محمد العزازي كتب رداً عليه في ذلك وكذا في كتاب للشيخ منصور عويس. أما الدكتور/ عبد العظيم المطعني فكتابه المذكور موسوعة شاملة أثبت فيه أن المجاز هو مذهب الكثرة الكاثرة التي لا تحصى عدداً من علماء الأمة في كل التخصصات أي أنه يكاد أن يكون إجماعاً أو هو كذلك بالفعل، وأن المنكرين- بما فيهم ابن تيمية وابن القيم- لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين مع الشك الكبير في ثبوت هذا الإنكار عن بعضهم.
[COLOR="Red"]يقول الدكتور المطعني » ومن خلال قراءات متكررة ومتأنية للفصل الذي كتبه الإمام ابن تيمية بخصوص المجاز في كتابه » الإيمان « وجدناه قد اعتمد في إنكار المجاز في اللغة بعامة، وفي القرآن الكريم بخاصة على ما يأتي:[/COLOR]
1- أن سلف الأمة لم يقولوا به مثل الخليل ومالك والشافعي وغيرهم من اللغويين والأصوليين وسائر الأئمة، فهو إذن قول حادث؟!
2- إنكار أن يكون للغة وضع أول تفرع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما يقول مجوزوا المجاز ؟!
3- إنكار التجريد والإطلاق في اللغة. حتى يقال أن الحقيقة ما دلت على معناها عند الإطلاق والخلو من القرائن، والمجاز ما دل على معناه بمعونة القيود والقرائن.
4- مناقشة النصوص التي استدل بها مجوزو المجاز على وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم « أ.هـ (المجاز) ج2 ص 644.
ثم ذكر الدكتور المطعني أن ابن تيمية له شبه أخرى ولكنها جزئيات تندرج تحت هذه الركائز الأربع، وسنذكر هذه الركائز مع الإشارة إلى ما يبطلها وغالبه من كلام د. المطعني.
الشبهة الأولى لابن تيمية:
وحاصـلها:النـفي البـات أن يكـون أحد من السلف قد قال بالمجاز إلا الإمام أحمد بن حنبل تقسيم الألفاظ إلى حقائق ومجازات لم يحدث إلا بعد المائة الثالثة – محط الإنكار هو على وجود لفظ (المجاز) دون معناه … واعترف خلال ذلك بأن أبا يعلى وابن عقيل وأبا الخطاب الحنابلة قائلون بالمجاز تبعا لإمامهم.
( [COLOR="red"]هذا نص كلامه يقول : كما في كتاب "الإيمان":(( وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، بل أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم))[/COLOR] ودعوى بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي ، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة، فلقد ثبت أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة المجاز، فسيبويه ــ مثلا ــ وهو إمام النحاة يستعمل كلمة (التوسع) ففي الكتاب لسيبويه:( ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى:) واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها (إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا، ومثله ( بل مكر الليل والنهار) وإنما المعنى: بل مكركم في الليل والنهاروالأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف، والثاني جعلوه نوعا من المجاز العقلي، وغير سيبويه من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين.
ونواصل كلام المطعني
والرد على ذلك من كلام المطعني :
1- لفظ (المجاز) مجرد مصطلح والمصطلحات غالبا ما تتأخر في الظهور عن موضوع الفن نفسه وخاصة في عصور تدوين العلوم، وخير مثال على ذلك مصطلحات علمي النحو والصرف بل مصطلحات العلوم الشرعية نفسها من فقه وأصول فقه وحديث ومصطلح حديث وغير ذلك.
2- أن التأويل المجازي يصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر تدل عليه القرينة وله علاقة بالمعنى الظاهر، قد عرف منذ القرن الأول وكثر تطبيقه على آيات الذكر الحكيم عند الثقات من علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة- على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم – والتابعون وقبلهم جميعاً المعلم الأكبر r ومن تأويلاته المجازية: تأويله الخيطين الأبيض والأسود بالنهار والليل.
3- أن سلف الأمة يفهمون معنى المجاز ويستعملونه وإن لم يذكر بعضهم اسمه المصطلح (المجاز) لعدم انتشاره في البداية بل كان بعضهم يطلق عليه (الاتساع في اللغة) كما ورد عن سيبويه (ت قبل 190 هـ) والشافعي (ت 205هـ) وها هو الإمام الشافعي يقول في (الرسالة) عن ألفاظ القرآن: » وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره « فهو بذلك قد عرّف المجاز وبين نوعي القرينة: اللفظية التي لها ذكر في الكلام، والمعنوية التي تفهم من الأحوال وليس لها صورة في الكلام.
4- ذكر بعض السلف ممن عاشوا في القرنين الثاني والثالث (المجاز) بمعناه الفني الاصطلاحي بلفظه وبمعناه وكذا (الاستعارة) وهي أظهر أنواع المجاز. نقل ذلك عنهم من النصف الأول للقرن الثاني الهجري. وإليك ستة نماذج لذلك:
الأول: أبو عمر زبان بن العلاء (ت 154 هـ) أحد القراء السبعة، ذكر (الاستعارة) نصاً على ما هو استعارة فعلاً.
الثاني: أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي (ت 170هـ) ذكر مصطلح (المجاز) وشرحه ونصَّ على وجوده في اللغة وفي القرآن الكريم وضرب لذلك أمثله من القرآن ومن أشعار العرب كامرئ القيس وغيره.
الثالث: أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 209هـ) ذكر تخريجات مجازية عديدة في كتابه (مجاز القرآن) وهذه الصور المجازية لا تنطبق إلا على المجاز الذي هو قسيم الحقيقة، كما نقل عنه القول بالاستعارة في التعليق على شعر جرير ورد ذلك في كتاب (النقائض بين جرير والفردق).
الرابع: أبو عبد الله بن زياد ابن الأعرابي (ت 231هـ) شرح الاستعارة الموجودة في بيت شعر ونقل ذلك ابن رشيق في كتابه (العمدة).
الخامس: أحمد بن يحيى المعروف بـ (ثعلب) (ت 291هـ) أكثر من ذكر الاستعارة في كتابه (قواعد الشعر) محللا لها ومشيراً إلى المعنى الأصلي الخارجة عنه.
السادس: أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 231 هـ) الشاعر المشهور قال:
لقد تركتني كأسها وحقيقيتي مجاز وصبح من يقيني كالظن
قال الدكتور العماري تعليقا على هذا البيت:
» وأستطيع أن أؤكد أن هذا الاصطلاح: (المجاز) كان معروفا من زمن بعيد، ذلك أن الشعراء ليسوا من أرباب وضع المصطلحات، كما لا يمكن أن يقولوا ما ليس معروفا عند الناس. فلابد أن تكون كلمة (مجاز) المقابلة للحقيقة معروفة مشهورة حتى يستعملها شاعر لم يعرف عنه أنه عني بالدراسات النحوية التي كانت سائدة في عصره « أ.هـ (المجاز) للدكتور العماري ص 25، (المجاز) للدكتور المطعني ص 714 يقول د. المطعني بعد أن بين خطأ الركيزة الأولى لابن تيمية:
» ها نحن أولاء قد فرغنا من الرد على الإمام ابن تيمية في الشبهة الأولى من مجموع الشبه التي بني عليها رأيه في نفي المجاز عن اللغة، وعن القرآن الكريم، وهي: أن أحداً من سلف الأمة لم يقل به؟ قد واجهناه بنقيض دعواه. وبينا أن ثلاثة من الأئمة الفقهاء، وهم الإمام الشافعي، والإمام أبو حنيفة، ومعه صاحباه، والإمام أحمد ابن حنبل قد روى الرواة الثقات أنهم قالوا بالمجاز، وتكرر ذلك منهم، والإمام ابن تيمية يعترف بما ورد عن الإمام أحمد، ولكنه سلك فيه مسلكين:
أحدهما: تضعيف الرواية القوية، وتقوية الرواية الضعيفة الموافقة لمذهبه.
الثاني: تأويل قول الإمام بما يخرجه عن الاحتجاج به عليه على فرض صحته عنده.
كما رأينا كثيراً من اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والبلاغيين والإعجازيين،والمفسرين والمحدثين، والأصوليين والفقهاء قد قالوا بالمجاز، وتوسع بعضهم فيه، ونقلنا عن أبي عبيدة، وابن الأعرابي وأبي عمرو بن العلاء وثعلب نصوصا صريحة تدفع دعواه هو في نفي المجاز « أ.هـ (المجاز) ص 715.
الشبهة الثانية للإمام ابن تيمية:
أنكر ابن تيمية أن يكون للألفاظ وضع أول يدل على معنى معين لكل منها ثم استعملت الألفـاظ في معانيــها بعد ذلك ويذهب إلى أن كـل لفظ قـد استعمل ابتداء فما أريد منه دون أن يتقدم وضع سابق ثم حاول أن يقدم تفسيراً مقنعا لذلك فقال: أن أصل اللغة إلهام من الله سبحانه ثم كان النطق بالألفاظ مباشرة مستعملة فيما أريد منها.
كل ذلك لأنه رأى مجوزي المجاز يقولون: إن المجاز ما نقلت فيه الكلمة من المعنى الوضعي فاستعملت في المعنى غير الوضعي وهذا النقل هو أهم ركن من أركان المجاز.
والرد على ذلك:
1- أطبق علماء الأمة في كل زمان ومكان وفي كل فرع من فروع علم اللغة: قواعد وتطبيقات على أن جميع الألفاظ لكل منها وضع أول ويدل على معنى معين. وفكرة المعاجم اللغوية – كما يقول د. المطعني- إنما نشأت لجمع الألفاظ اللغوية والوقوف على مدلولاتها التي كان عليها الحال عند العرب الخلص … وهذه المفردات اللغوية ومعناها العام المتعارف هو ما عرف بالدلالة الوضعية.
2- أن البحث العلمي الحديث قد ضعّف تفسير نشأة اللغة بالإلهام ولم يوافق عليه. بل صفوة القول في ذلك أن هناك ثلاث نظريات تفسر نشأة اللغة:
أ ) التوقيف من الله سبحانه، واحتجوا بقوله سبحانه: } وعلّم آدم الأسماء كلها { .
ب) الاصطلاح والمواضعة، وفسروا الآية السابقة على أن الله أقدر آدم عليه السلام على وضع الأسماء.
ج) المحاكاة والتقليد يقول السيوطي »وذهب قوم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوى الريح وجنين الرعد وخرير الماء وشجيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد« ويعلق ابن جنى على هذا المذهب فيقول: »وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل « انظر المجاز للدكتور المطعني ص 735.
قلت: وفي قصة ابني آدم التي حكاها القرآن ما يشير إلى اعتماد هذا الطريق في التعليم }فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخية … { الآية 31 من سورة المائدة وهذه النظرية هي التي يكاد يجزم بصحتها الباحثون المعاصرون في علوم اللغة. وانظر ما ذكره د. علي عبد الواحد وافي في كتابيه: (علم اللغة)، (نشأة اللغة عند الإنسان والطفل).

يتبع إن شاء الله

عبدالله الغالبي 17-04-06 08:00 PM

3- الوضع والاستعمال متلازمان:
يقول د. المطعني تحت هذا العنوان:
» وما يوهن دعوى الإمام ابن تيمية أن قوله بالإلهام لا يؤدي إلى إنكار الوضع، وأن قوله بالاستعمال لا ينافي الوضع. بل أن الوضع ملازم لكل مذهب قيل به في أصل اللغات. لأن المراد بالوضع هو النطق أول مرة باللفظة دالا على معناه سواء كان مصدره الإلهام أو المحاكاة أو التوقيف.
والخروج عن الدلالة الأولى للألفاظ مستساغ ومعقول. فبعد أن يستقر استعمال الكلمة في معناها الذي كانت هي من أجله يقع فيها التصرف باستعمالها في دلالة أخرى هي الدلالة المجازية. فسواء كان مصدر نشأة اللغة توقيفا كما يقول ابن فارس وغيره، أو مواضعة كما يرى ابن جنى وآخرون أو إلهاما كما يؤكد ابن تيمية أو محاكاة كما يرى قوم أو غريزة زود بها النوع الإنساني كما يذهب بعض المحدثين فإن الوضع ملازم لهذه الفروض كلها، لأن الوضع هو ورود اللفظ لأول مرة دالا على المراد منه.
وتلازم الوضع للاستعمال مثل تلازم الحياة للحي. ويستحيل استعمال لفظ بمعزل عن اللفظ نفسه، كما يستحيل وضع لفظ بمعزل عن الاستعمال لأن الواضع يضع اللفظ ويعينه للدلالة على معنى. وتصور وضع لفظ دون أن تكون حقيقة معناه ومسماه ماثلة في ذهن الواضع مستحيل مستحيل.
فاالإمام ابن تيمية- مثلا- يرى أن أصل اللغة إلهام واستعمال لا وضع متقدم على الاستعمال. فحين ألهم الله الإنسان أن يستعمل كلمة (بحر) فلابد من أحد أمرين لصحة هذا الاستعمال؟
أحدهما: رؤية مجتمع الماء عيانا حين الاستعمال.
والثاني: تخيل تلك الصورة إذا لم تكن حاضرة مرئية. وفي كلتا الحالتين فكلمة بحر اخترعت مقرونة بالاستعمال إما حسا وإما معنى. ومستحيل أن تخترع كلمة (بحر) أو توضع وليس في ذهن الواضع أو المخترع تصور لمسماها.
وهذا المثال صالح للتطبيق على كل النظريات المفروضة في أصل اللغات. فلا مناص من التسليم بالوضع إذن. فالوضع ملازم لكل نظرية، وللاستعمال. لأن اللغة مظهر خارجي وليست فعلا من أفعال النفس يظل مكتوما بين طواياها.
فليكن الاستعمال ولا وضع كما يرى ابن تيمية. ولكن المجاز جائز ومستساغ حتى مع نفي الوضع وفرض الاستعمال.
فالكلمة في أول استعمال لها حقيقة. وحين تستعمل استعمالا ثانيا بينه وبين الاستعمال الأول صلة معتبرة، ووجدت في السياق قرينة ترجح أو توجب الأخذ بمعنى الاستعمال الثاني دون الأول كان المجاز لا محالة « أ.هـ المجاز ص 742- 743.
الشبهة الثالثة لابن تيمية:
نفى أثر الإضافة في تحقيق المجاز فقال غفر الله له :
1- أن كل الألفاظ في اللغة لم ترد إلا مقيدة بقيود وقرائن توضح المعنى المراد منها. فادعاء علماء اللغة ورود الألفاظ مجردة أو أنها بدون أية قرائن أو قيود تفيد معنى وبالتالي يكون المجرد منها حقيقة والمقيد بالقرائن مجاز هو خطأ غير معلوم من اللغة بل هو محال.
2- التسوية بين الإضافات المختلفة لأي لفظ، وقال بأنه ليس هناك إضافة لما حق اللفظ أن يضاف إليه وإضافة إلى ما ليس حق اللفظ أن يضاف إليه.
وهو في الحالتين ينكر رحمه الله ظاهرة تبادر المعنى الحقيقي للألفاظ عند سماعها مجردة من القرائن الصارفة عن هذا المعنى، .
والرد على ذلك:
1- إنكاره ـ رحمه الله ـ للتجريد في الألفاظ يخالف نص القرآن الكريم: } وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين { الآية 31 من سورة البقرة ويخالف ما قرره العلماء والباحثون في أصول اللغة قديماً وحديثاً من أن أسماء الذوات وهي الألفاظ الدالة على الأشياء مثل: أرض-سماء-بحر- فرس- إنسان.. إلخ هي بداية تعلم اللغة وحين نطق الإنسان الأول بهذه الأسماء فمن المؤكد أنه نطق بها مجردة قاصدا بها الدلالة على الصورة المتكاملة – سمعية بصرية حسية- كما هي مختزنة في خياله على ما شرحه د. أحمد عكاشة، ولم يكن في الوقت توصل إلى إطلاق الألفاظ الدالة على الأفعال ثم الحروف ثم الضمائر في فترات لاحقة كما أوضحه د. على عبد الواحد وافي من قبل.
2- مدلول كلامه أن اللفظ إذا ذكر بمفرده خال من أية قيود أو إضافات لا ينتج المعنى المقصود منه وبطلان هذا الرأى من البدهيات وها هي معاجم اللغة تذكر الألفاظ ومعناها مجردة من أي قيد أو إضافة وقد ضرب د. المطعني نماذج لذلك من معاجم اللغة وقال في موضع آخر: »... وكذلك لما نزل قوله تعالى } وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن … { (الآية 45 من سورة المائدة).
لم يفهم المسلمون من العين إلا العضو الباصر ولا من الأنف إلا العضو الشامّ، ولا من الأذن إلا العضو السامع، ولا من السن إلا الجارحة القاطعة. مع أن هذه الألفاظ لم تضف إلى ما حقها أن تضاف إليه، ولكنها عرفت تعريفا يؤدي نفس المعنى الذي تؤديه الإضافة. ولم ينصرف ذهن السامع إلى معنى آخر غير ما هو مراد في أصل اللغة. لأن هذه الألفاظ تخلو من القيود المؤذنة بصرفها عن الظاهر « أ.هـ (المجاز) ص 756- 757.
يقول الإمام تاج الدين:
» وأما من أنكر المجاز في اللغة مطلقا فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع أنه (أسد) فإن ذلك مكابرة وعناد ولكن هو دائر بين أمرين:
أ- أحدهما أن يدعي أن جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها وهذا مسلّم ويرجع البحث لفظيا ( أي خلاف لفظياً )فإنه حينئذ يطلق الحقيقة على المستعمل وإن لم يكن أصل الوضع ونحن لا نطلق ذلك.
ب- وإن أراد بذلك استواء الكُلّ في أصل الوضع: فقال القاضي في مختصر التقريب (فهذه مراغمة لحقائق فإنا نفهم أن العرب ما وضعت اسم (الحمار) للبليد، ولو قيل للبليد: حمار على الحقيقة كالدابة المعهودة وأن تناول الاسم لها متساو في الوضع، فهذا دنو من جحد الضرورة).
وكذلك من زعم أن الجدار له إرادة حقيقة تمسكا بقوله تعالى } جدارًا يريد أن ينقض { عد ذلك من مستشنع الكلام « أ.هـ انظر الإبهاج في شرح المنهاج 1/298، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/385 بألفاظ متقاربة.
3- إذا قيل لماذا لا يحمل تعدد المعاني على أنه من المشترك اللفظي بدلا من القول بالمجاز؟ وهو أن اللفظ الواحد يستخدم للتعبير عن أكثر من معنى وعند إطلاقه بدون قرينة لا يتبادر إلى الذهن معنى واحد منهم بل الجميع على قدم المساواة أو كما عرفه الإمام الأصولي ابن الجزري هو: » الموضوع لحقيقتين فأكثر وضعا واحداً « مثاله: كلمة (قرء) مشتركة بين الطهر والحيض، وكلمة (جون) مشتركة بين السواد والبياض، وكلمة (عسعس) مشتركة بين الإقبال والإدبار. قلنا:
أولاً: المشترك خلاف الأصل، لأنه لو كان المشترك هو الأصل لكان اللفظ عند إطلاقه بدون القرينة مجملا لا يعلم المراد منه ولما لم يكن كذلك بل تبادر إلى الذهن أحد هذه المعاني بمفرده فهذا يدل على أن الانفراد هو الأصل.
وأيضاً لو كان الاشتراك هو الأصل لما أمكن الاستدلال بالنصوص على حكم من الأحكام.
ثانياً: أن الاشتراك أقل من الانفراد واستقراء اللغة يدل على ذلك، والقلة دليل المرجوحية.
ثالثاً: أن الوضع يتبع المصلحة والاشتراك فيه مفسدة بالنسبة للسامع وللمتكلم. للسامع لصعوبة الفهم إلا بالقرائن وللمتكلم لصعوبة التعبير واحتياجه إلى إضافة ما يحدد مقصوده وهذه المفسدة وإن كانت لا تمنع وجود المشترك فلا أقل من أن تقتضي كونه مرجوحا.
رابعاً: أن المجاز كثير جداً في اللغة وذلك ثابت بالاستقراء وعند تردد الأمر بين الاشتراك والمجاز فحمله على المجاز أولى من حمله على الحقيقة المؤدي إلى الاشتراك لأن المجاز أغلب من المشترك بالاستقراء والحمل على الأغلب أولى وكما يقول العلامة الإسنوي (والكثرة تفيد الظن في محل الشك).
خامساً أن اللفظ يحمل على المعنى المجازي عند وجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي وعند عدم هذه القرينة فحمله على المعنى الحقيقي المتبادر للفهم الموضوع له، بخلاف الاشتراك فإنه بدون القرينة يجب التوقف وإهمال اللفظ.
سادساً في حمل اللفظ على المعنى المجازي إثبات للعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه اللفظ وذلك أقرب إلى مراعاة قصد المتكلم.
سابعاً: في المجاز صور بلاغية رائعة سيتم إهمالها حين الأخذ بالاشتراك.
ويمكن الرجوع في هذه النقطة (المقارنة بين الاشتراك والمجاز) إلى كتاب ( المحكم والمتشابه) للدكتور إبراهيم عبد الرحمن ص 539 فما بعدها وكذا إلى كتب أصول الفقه.
4- أن إثبات المجاز في اللغة لم يستند إلى التجرد المحض في الألفاظ يقول الدكتور المطعني:
» … فمن قال بوقوع المجاز في اللغة لم يذهب إلى التجرد المحض في الألفاظ حتى يكون المقيد منها مجازاً والمجرد حقيقة، وإنما أراد بالتجرد: التجرد من قيود خاصة إذا وجدت وجد المجاز وإذا خلا الكلام منها كان الكلام حقيقة« يشير العلامة بذلك إلى القرينة الدالة على المجاز وكذا العلاقة. وهذه القرينة عند علماء البيان مانعة قطعاً من إرادة المعنى الحقيقي، مثل (رأيت أسداً يرمى بالنشاب) فإن الحيوان المعروف لا يرمى بالنشاب، ومثل:
ومن عجب أن الصوارم والقنا تحيض بأيدي القوم وهي ذكور
فإن (الحيض) لغة لم يستعمل إلا في الدم السائل من أرحام النساء، فهذا التعبير استعارة ومجاز والعلاقة إما اللون وإما مطلق السيلان.
وهذه القرائن منها لفظية لها صورا في الكلام، ومنها حالية معنوية ليس لها صورة في الكلام بل تدرك من الأحوال التي عليها المتكلم.
ومصادر القرينة هي اللغة أو الشرع أو العقل أو العادة والعرف أو الحس والمشاهدة.
وقد توسع العلامة د. المطعني في شرح القرائن الدالة على المجاز وكذا الإضافات وضرب أمثلة قاطعة منها:
قـــد رابـــني وهن المنى وانقــابضها وبسط جديد اليأس كفيه في صدري
يقول د. المطعني: » وقد جعل الشاعر لليأس كفين وجعله ممسكا به يكاد يخنق أنفاسه ويحطم عظام صدره « وكما نعلم فاليأس ليس له كفان ولا هو جسم من الأجسام ولكنه كما يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني: » … لما أراد له ذلك جعل لليأس كفين واستعارهما له « فهل يستطيع الإمام ابن تيمية أن يقول أن إضافة الكفين إلى اليأس حقيقة! وهل هي نفس الإضافة في الأثر الذي رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع » … فأخرج كفاً له ضخمة كأنها كف بعير … « حديث (973) الأدب المفرد.
فهل إضافة الكف إلى سلمة أو إلى البعير في هذا الخبر كإضافة الكفين إلى اليأس؟! أم أن الشاعر قد صور المعنى الذي يريد نقله في أقصر عبارة بحيث يجذب السامع ويلفت انتباهه؟ يقول أبو هلال العسكري: (وفضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل في نفس السامع مالا تفعل الحقيقة) أ.هـ المجاز 269 للدكتور المطعني..
وأنواع المجاز أربعة:
1- العقلي. 2- المرسل. 3- الاستعارة المفردة. 4- الاستعارة التركيبية.
وأركان المجاز أربعة أيضاً:
1- المعنى الأصلي (الحقيقي) للفظ.
2- المعنى الثاني (المجازي) للفظ.
3- القرينة الدالة على منع إرادة المعنى الأصلي (الحقيقي).
4- العلاقة المعتبرة بين المعنى الأصلي (الحقيقي) والمعنى الثاني (المجازي).
ولكن هل المعنى المجازي لأي لفظ يجب أن يكون منقولا عن العرب؟ يقول الإمام عبد الوهاب السبكي: » فإن قلت إنما يكون من اللغة المجاز الذي تكلمت به العرب. قلت: تقدم أنه لا يشترط النقل في الآحاد وأن استعمال العرب لأصل العلاقة كاف في نسبة المجاز لها « كتاب رفع الحاجب 1/411 وذلك لأن الصور المجازية هي من إبداع خيال الشعراء والبلغاء وغير مقيدة بأن يكون غيرهم قد سبقهم إلى استخدام نفس هذا اللفظ في هذه الصورة وإلا لم يكن هناك إبداع. بل ما نقلته الأمة كلها عن العرب الخلّص هو استخدام اللفظ في هذا الموضع بغير قيود وفي موضع آخر يصنعون قيداً (قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي) في وجود علاقة بين المعنى الحقيقي وبين المعنى الجديد (المجازي).
مثال ذلك إذا قال أحدهم: (رأيت أسداً كبيراً) وقال آخر (رأيت أسداً يرمى بالنشاب) فلا يشك السامع أن الأول رأى الحيوان المعروف لعدم وجود صارف عن ذلك وأن الآخر رأى رجلا شجاعاً يرمي بالنشاب.
ويقول العلامة صدر الشريعة الحنفي : » واعلم أنه يعتبر السماع في أنواع العلاقات لا في أفرادها فإن إبداع الاستعارات اللطيفة من فنون البلاغة « .
يقول الإمام سعد الدين التفتازاني شارحا ذلك: » يعني أن المعتبر في المجاز وجود العلاقة المعلوم اعتبار نوعها في استعمالات العرب، ولا يشترط اعتبارها بشخصها حتى يلزم في آحاد المجازات أن تنقل بأعيانها عن أهل اللغة.
وذلك لإجماعهم على أن اختراع الاستعارات الغريبة البديعة التي لم تُسمَعْ بأعيانها من أهل اللغة هو من طرق البلاغة وشعبها التي بها ترتفع طبقة الكلام، فلو لم يصح لما كان كذلك ولهذا لم يدونوا المجازات تدوينهم للحقائق « أ.هـ. انظر (شرح التلويح على التوضيح).
جـ1 ص 152-153. دار الكتب العلمية.
الشبهة الرابعة للإمام ابن تيمية : (قوله ببطلان أدلة جمهور الأمة على إثبات المجاز) وهي: الدليل الأول: قوله تعالى: } جداراً يريد أن ينقض … { الآية من سورة الكهف.
يقول رحمه الله : » … فكل لفظ موجود في كتاب الله وسنة رسوله فإنه مقيد بما يبين معناه. فليس في شيء من ذلك مجاز بل حقيقة. ولهذا لما ادّعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازاً وذكروا ما يشهد لهم، رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى: }جداراً يريد أن ينقض{ قالوا: والجدار ليس بحيوان، والإرادة إنما تكون للحيوان فاستعمالها في ميل الجدار مجاز.
فقيل لهم لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد. وهو من مشهور اللغة: يقال (هذا السقف يريد أن يقع)، و (هذه الأرض تريد أن تحرث)، و(هذا الزرع يريد أن يسقى)… « أ.هـ (الإيمان) ص 102-103.
والرد على ذلك: نقول:
1- سبق إبطال كلامه في إنكاره التجريد والإطلاق في الألفاظ.
2- قوله (لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي، وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد) وضربه أمثله لذلك، ليس فيه دليل على تساوي استعمال اللفظ في الحالتين بل هو دليل على أن العرب قد نطقت بالحقائق وبالمجازات.
يقول الدكتور المطعني: » ولو كانت إرادة الحيوانات والجمادات مثل إرادة الإنسان لما أهدر الشرع الأضرار التي تقع على الإنسان من العجماوات ولما قال عليه السلام (جرح العجماوات جبار) يعني لا تبعه عليها فيه، ولكان القصاص من الحيوانات إذا رفصت إنساناً فمات ولم يقل بهذا أحداً.
وإذا كان جرح العجماوات هدراً وهي أرقى من الجمادات لما ركب فيها من إحساس وإدراك فإن جرح الجمادات أولى بعدم الإكثرات وليس بعد هذا الفرق من كلام أو نزاع « أ.هـ (المجاز ص 800).
الدليل الثاني: قوله تعالى:} فأذاقها الله لباس الجوع والخوف { الآية 112 من سورة النحل.
يقول الإمام ابن تيمية » … فإن من الناس من يقول: الذوق حقيقة في الذوق بالفم واللباس بما يلبس في البدن وإنما استعير هذا وهذا وليس كذلك. بل قال الخليل: الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء والاستعمال يدل على ذلك « أ.هـ (الإيمان ص 104).
والرد على ذلك: نقول: وهل يوجد الطعم في غير الفم ؟! يقول د. المطعني » فكلمة طعم هذه خاصة بما يؤكل أو يشرب والطعام هو المأكول والطعم أثره في اللسان من حلاوة ومرارة ومزازة … فالخليل إذا لما قال: وجود طعم الشيء اكتفى بذكر (طعم) عن ذكر اللسان فأجمل إجمالا لا يخل بالفهم… نقول: إن عبارة الخليل لا تفيد الإمام ابن تيمية فهى حجة عليه وليست له« أ.هـ (المجاز ص 803- 804).
الدليل الثالث: ذكر الأصوليون وبعض اللغويين من أدلة المجاز: قوله تعالى: } ومكروا مكراً ومكرنا مكراً { الآية 50 من سورة النمل قوله: } فيسخرون منهم، سخر الله منهم { الآية 180 من سورة التوبة.
يقول الإمام ابن تيمية: » وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق كانت ظلماً له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً « أ.هـ الإيمان ص 107 والرد على ذلك:
أن هذه الأمثلة كما يقول د. المطعني من باب المشاكلة وهي تسمية الشيء باسم غيره لوقوعه في صحبته لفظاً أو تقديراً، ولا يتوقف تحقيقها على المجاز، وإن وقع فيها مجاز فذلك ليس من شرطها.
وهنا نصوص أخرى من المشاكلة لا يستطيع نفي المجاز فيها، من هذه النصوص ما يتعلق بالله سبحانه مثل: }وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا{ الآية 34، من سورة الجاثية، }فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم { الآية 14 من سورة السجدة، } نسوا الله فنسيهم{ الآية 67، من سورة التوبة.
ونحن لا نناقش هل الكفار يستحقون ذلك أم لا، أو أن نسيان الله سبحانه وتعالى لهم عدل أم لا؟
لكننا نسأل هل يجوز إسناد النسيان إلى الله سبحانه وتعالى على وجه الحقيقة التي يعلمها الناطقون باللغة العربية وهي صفة نقص في المسندة إليه أم أن ذلك تعبير عن حرمانهم من فضله وإحسانه في ذلك اليوم فهو بذلك مجاز؟
وهناك نصوص أخرى من المشاكلة فيها المجاز جاءت في غير الله سبحانه فمنها قوله تعالى }فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم { الآية 194 من سورة البقرة.
} وجزاء سيئة سيئة مثلها … { الآية 40 من سورة الشورى، } ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، قل أذن خير لكم{ الآية 61 من سورة المائدة.
وقد شرح د. المطعني وجه المجاز في كل آية.
الدليل الرابع: وهو أشهر الأدلة التي يستدل بها جمهور الأمة وأعلامها يقول إمامنا الشافعي في (الرسالة) تحت عنوان: (الصنف الذي يبين سياقه معناه): قال الله تبارك وتعالى }واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون{ (الآية 163 من سورة الأعراف) فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر فلما قال: } إذ يعدون في السبت { دل على أنه إنما أراد أهل القرية لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون « ثم قال:
» وقال } وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين. فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون { (الآيتان 11،12 من سورة الأنبياء) وهذه الآية مثل الآية قبلها فذكر قصم القرية فلما ذكر أنها ظالمة بان للسامع أن الظالم إنما هم أهلها دون منازلها التي لا تظلم. ولما ذكر القوم المنشئين بعدها وذكر إحساسهم البأس عند القصم أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين « أ.هـ الرسالة ص 62-63.ومعلوم أن الإمام الشافعي حجة في اللغة .
يقول العلامة د. المطعني: » وأكاد أجزم أنه أراد بالسياق ما فيه من قرينة دالة على التجوز وهي كما قال: إن القرية باعتبارها مكانا لا تكون فاسقة ولا عادية ولا تكون ظالمة ولا تحس ألم البأس وغير خاف أن الإمام الشافعي يحمل المطلق (القرية باعتبار المكان) على المقيد (القرية بمعنى من فيها من الأهل) وهذا غير ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية من إبقاء القرية على ظاهرها حين يتحدث عنها وقد بالغ في هذا حيث قال: (ونظير ذلك لفظ الإنسان يتناول الجسد والروح ثم الأحكام تتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمها، فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت وإذا خربت كان عذابا لأهلها فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر كما ينال الجسد والروح ما يصيب أحدهما) فهل يا ترى يذهب الإمام ابن تيمية إلى القول بأن الخراب الواقع على القرية هو عقاب لها من حيث أنها قرية ومنازل ؟ !!« أ.هـ المجاز ص 816- 817.
قلت كان الأولى بابن تيمية في هذا النص أن يقول: فكذلك القرية إذا عذب أهلها عذبت وإذا خربت خرب جسد كل فرد من أهلها! وقد سبق له في كتاب الإيمان أن قال: » فقيل لهم: لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال وكلاهما داخل في الاسم ثم قد يعود الحكم على الحالّ وهو السكان وتارة على المحل وهو المكان وكذلك في النهر يقال حفرت النهر وهو المحل وجرى النهر وهو الماء ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء« أ.هـ الإيمان 108.
كل هذا كما قيل في الدليل الأول يثبت أن العرب كما قلنا نطقت بالحقيقة وبالمجاز واستعملت هذا وذاك من أساليبها وها هو يثبت في كلامه اعتبار العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي المنقول إليه عندما شبه القرية وسكانها بجسد الإنسان وروحه وهو يعترف بالقرائن الدالة على إرادة المعنى المجازي والصارفة عن المعنى الحقيقي فماذا لايقر بالمجاز لفظا ومعنى كباقي الأمة؟

وانظر إلى كلام الإمام الشافعي يشير بلفظ (السياق) إلى القرينة اللفظية الموجودة في الكلام ثم ذكر النوع الآخر للقرينة وهي القرينة الحالية المعنوية فيقول تحت عنوان (الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره): » قال الله تبارك وتعالى وهو يحكي قول أخوة يوسف لأبيهم } ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين. واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون{ (الآيتان 81، 82 من سورة يوسف) فهذه الآية في مثل معنى الآية التي قبلها لا تختلف عند أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمساءلة أهل القرية وأهل العير، لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم« الرسالة ص 64.
والقرينة الحالية المعنوية هنا كما يقول الإمام (لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم) فهورحمه الله يؤول لفظ القرية بأهلها ولفظ العير بأهلها أيضاً ولا يبقي اللفظ على ظاهره كما يفعل الإمام ابن تيمية.
ونحن نسأل لو قال قائل (ذهبت إلى قرية كذا) أو (ذهبت إلى العير) بدون أية قرينة أو إضافة أليس المتبادر إلى ذهن السامع أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية وأن الآخر ذهب إلى العير التي هي الجمال (الحيوانات) المعروفة؟ فكلام الإمام الشافعي والأمة كلها معه – يبين أن هذا هو المفهوم من اللفظ حيث إنه لا توجد قرينة تنفي هذا المفهوم أما على طريقة تقرير الإمام تقي الدين ابن تيمية فيجوز أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية ويجوز أنه ذهب إلى أهلها حتى وإن كانوا خارجها!، ومن ذهب إلى العير يجوز أنه ذهب إلى الحيوانات المعروفة ويجوز أنه ذهب إلى أصحابها في منازلهم بعيداً عن الحيوانات! وهل الإمام الشافعي القرشي الذي هو بإجماع أهل العلم حجة في اللغة العربية، والمولود سنة مائة وخمسين من الهجرة وأدرك أتباع التابعين كالإمام مالكt فبينه وبين الصحابة جيلين فقط ونشأ في مكة المكرمة وسط قريش أفصح العرب وتعلم لغة العرب من مصادرها النقية، أقول هل هذا الإمام الفذ لا يعرف أساليب العرب في التعبير ولا يدرك ما اكتشفه الإمام ابن تيمة في القرن الثامن من أن الألفاظ السابقة ونظائرها حقائق على ظاهرها في جميع الاستعمالات؟ وكذا أبو عبيدة معمر بن المثني ومن قبله أبو زيد القرشي وأبو عمر بن العلاء وأبو حنيفة الذي عاصر أربعة من الصحابة وصاحباه وغيرهم مما يكاد أن يكون إجماعا من الأمة في ذلك العصر، بل هو كذلك بالفعل فلم يكن الشافعي معبراً عن رأيه هو بل عن فكر الأمة كلها فهل كل هؤلاء أخطأوا ونقلوا لنا العربية بصورة غير صحيحة ؟!
هل كان الإمام ابن تيمية يعتقد صحة كلامه في بطلان المجاز ؟
يلاحظ أن ابن تيمية مر بثلاث فترات كان له فيها موقف مختلف في موضوع المجاز.
الفترة الأولى: في نشأة حياته العلمية: وألف فيها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) الذي أطراه وأثنى عليه كمال الدين بن الزملكاني، واستخدم المجاز في الدفاع عن أئمة المذاهب في موضعين أشار إليهما د. المطعني، ويبدو أنه ألف فيها أيضاً رسالة (الحقيقة والمجاز في صفات الله) ردا على سؤال لشيخ سماه (شمس الدين) ونشرها محمد عبد الرازق حمزة، عقب الفتوى الحموية مباشرة وفيها يقر بالمجاز بدون تحفظ.
الفترة الثانية: وهي التي ألف فيها الفتوى الحموية وبدأ يتحفظ فيها في الكلام على المجاز وإن كان ظاهر كلامه الإقرار به في اللغة ومنع تطبيقه في مسائل صفات الله لما رأى تصادم آرائه في العقيدة مع إباحته للمجاز وفي خلال هذه الفترة تصاعدت خلافاته مع علماء عصره .

الفترة الثالثة: إنكاره للمجاز مطلقاً في اللغة والقرآن والسنة وعلى نفس طريقته سار تلميذه ابن قيم الجوزية بعد وفاة ابن تيمية إذا ناقش موضوعات الصفات والنصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه تراه يسرع في إنكار المجاز وإبطاله بكل ما أوتي من قوة حتى يؤكد اسلوب تقرير العقيدة اللذي قرره الإمام ابن تيمية فإذا ناقش أفكاراً أخرى تحتاج جزماً إلى التأويل فيجنح إلى المجاز .

أورد الدكتور المطعني في كتابه تحت عنوان: (التأويل المجازي في أعمال ابن تيمية) حوالي سبعة عشر مثالا تغطى كل أنواع المجاز ومنها خمسة نماذج في صفات الله عز وجل منها تأويل (الرؤية والسمع) انظر ص 834.
ثم ذكر ورود المجاز صريحاً في أعمال ابن تيمية فأورد عشرة أمثلة ذكر فيها المجاز نصا واعترف به.

فلا وجه لمتابعة الإمام العلامة ابن تيمية في هذا الخطأ فإنه تقليد خاطىء وتعصب مذموم لا يرضاه الإمام رحمه الله
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

أبو عبد المعز 18-04-06 04:54 AM

لماذا أنكر شيخ الاسلام المجاز فى اللغة؟
معظم الذين نقدوا رأي ابن تيمية ذهبوا الى ان شيخ الاسلام يصدر فى رأيه هذا من منطلقات عقدية....فيرون انكاره المجاز من باب سد الذريعة....فقط:فلما كان ابن تيمية لا يقبل تأويل الاسماء والصفات الالهية..فقد ضحى فى سبيل ذلك بالمجاز نفسه...بمعنى ان انكار المجاز ليس بالقصد الاول بل بالقصد الثاني.....
هذا الرأي فى نظري بعيد من الصواب....بل ان شيخ الاسلام كان يصدر من منطلقات لغوية....وفى نقاشه للمجاز..كان فى قلب البحث اللغوي...بغض النظر عن نتائجه العقدية...وهذا ما سنعرض له فى هذا البحث.....

اولا: رفض ابن تيمية لنظرية المجاز.....بسبب هشاشتها..وعدم وضوح مسلماتها...
نظرية المجاز رهينة بنظرية الوضع....فإن سلمت الاخيرة سلمت معها الاولى....لكن هيهات...فمسلمة "الوضع"تضرب فى اعماق الغيب....ولا يمكن الاستدلال عليها...وهذا القدر وحده يكفي للتشكيك فى مصداقية المجاز....عند علماء المناهج....وفقهاء العلم..وهذا بيان ذلك:
عرف صاحب الايضاح:الحقيقة الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب
......والمجاز وهو ما استعمل فيما لم يكن موضوعا له لا في اصطلاح به التخاطب ولا في غيره...
قال ابن جني في الخصائص : الحقيقة ما أُقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة والمجازُ : ما كان بضدّ ذلك......
يلاحظ ان مفهوم"الوضع"ضروري لقيام المجاز...واصل له...فلا يصبح المجاز ممكنا ..الا إذا ثبت وضع سابق.....لكن الوضع السابق هو مجرد دعوى....فكيف تصمد نظرية المجاز؟
فلنستمع الى الامام ابن القيم....وهو يقول:"...وهذا كله انما يصح إذا علم ان الالفاظ العربية وضعت اولا لمعان ثم استعملت فيها.....ثم وضعت لمعان اخر بعد الوضع الاول والاستعمال بعده...ولا تتم لكم دعوى المجاز الا بهذه المقامات الاربع......"
فالقول بأن"الاسد"يرادبه الانسان...مجاز........يفترض ما يلي:
وضع اول لكلمة "اسد"يراد بها الحيوان المعروف.....
استعمالها للدلالة عليه...دلالة حقيقية
وضع ثان لكلمة اسد يراد بها الانسان..
استعمالها للدلالة عليه...دلالة مجازية..
هذا الترتيب..لا يرتضيه ابن القيم...ويرى -عن حق-انه قول بلا علم..وهو حرام فى حق المخلوق فكيف فى كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم...فمن يمكنه من بني آدم ان يثبت ذلك؟
وقد ينكر الوضع الثاني...فيقال بل هنا وضع واحد واستعمالان...لكن هذا لا يغير من القضية شيئا...فالمشكلة فى الوضع الاول....
لكن لماذا كان "الوضع" مشكلا؟
لاننا مهما نظرنا الى الوضع...ومهما غيرنا ادوات الاستفهام...لا نجد جوابا قطعيا شافيا:
متى كان الوضع؟
من الواضع؟
كيف كان الوضع؟
اين تم الوضع؟
لا سبيل الا طرح دعاوى....والتيه فى نظريات ميتافزيقية...متكافئة...
فالواضع....هو الله تعالى فى نظرية.....وهو الانسان فى نظرية اخرى....وهو الالهام فى نظرية ثالثة...
كيف تم الوضع....قيل اتفقت مجموعة انسانية...على وضع الفاظ بعينها لمسميات بخصوصها...وهذا التعليل متهافت...لان كلمة "اتفقت"تفترض لغة سابقة...وهذا تناقض...
وقيل وضعت الالفاظ محاكاة لاصوات الحيوانات...وهذا غير مقبول...فالانسان ارقى من الحيوان...فلا يقلد الاعلى الادنى...فضلا على ان الاسلام لا يقبل ابدا مفهوم" الانسان البدائي..."فهذا المفهوم نشأ فى بيئة ملحدة...تقوم على خرافة التطور....وقيل وضعت الالفاظ محاكاة لاصوات الطبيعة...كما نجد فى بعض الفاظ العربية ما يحاكي اصوات الشيء المعبر عنه...من قبيل "عواء" و"مواء"و "قضم" و"حفيف".....لكن الكثرة الكاثرة من الالفاظ لا تقلد صوتا ولا صدى...بل ان لغويي اليوم يرون العلاقة اعتباطية بين الدال والمدلول....
ثم يأتي الاشكال الاكبر ....اين النقل الصحيح ؟؟؟لان مسألة المواضعة مسألة نقلية لا دخل للعقل فيها...
بعد هذا....الم يكن شيخ الاسلام اولى بالحصافة المنهجية من غيره...عندما رفض فكرة الوضع...وأبى ان يستخدمها فى نظريته اللغوية.....
ولكن ما الحل البديل لنظرية"الوضع"؟
لما كان مفهوم "الوضع" ظنيا لم يجز اعتماده لبناء نظرية لغوية سليمة....فأقصى من قبل ابن تيمية..واعتمد على مفهوم واضح اجرائي :"الاستعمال"
فإن كان من المجازفة ان نقول ان العرب وضعت اسم" الاسد" للحيوان اولا ثم استعمل بعد ذلك فى الانسان..فإنه من المؤكد انهم استعملوا اسم "الاسد" فى المعنيين...معا...وهذا يمكن التحقق منه بالرجوع الى كلامهم...
قال ابن تيمية فى الايمان الكبير:"والمقصود هنا أنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة فى اللغة ثم استعملوها بعد الوضع وانما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعانى فان ادعى مدع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل فان هذا لم ينقله أحد من الناس..."
وكأني بشيخ الاسلام هنا يطبق القاعدة الشرعية....اليقين لا يزول بشك....فلا يجوز لفرضية الوضع المشكوك فيها ان تشوش على" الاستعمال "المقطوع به ...
وينتج عن هذا الاعتبار....تساوي الاستعمالات...فليس استعمال "الاسد" فى الحيوان اولى من استعمال "الاسد" فى الانسان من حيث القيمة....وبطل بالتالي التصنيف الى اصل وفرع...
والى هذا المذهب...مال ابو اسحق الاسفراييني....كما عرضه د.لطفي عبد البديع..فى كتابه "فلسفة المجاز":
".....ومن اجل ما قدمنا.......كان ما ذهب اليه ابو اسحق الاسفراييني من انه لا مجاز فى لغة العرب وعمدته ان حد المجاز عند مثبتيه انه كل كلام تجوز به عن موضوعه الاصلي الى غير موضوعه الاصلي للنوع مقارنة بينهما فى الذات او فى المعنى...اما المقارنة فى المعنى فكوصف الشجاعة والبلادة.....واما فى الذات فكتسمية المطر سماء........وهذا يستدعي منقولا عنه متقدما ومنقولا اليه متاخرا...وليس فى لغة العرب تقديم وتاخير بل كل زمان قدر ان العرب قد نطقت فيه بالحقيقة فقد نطقت فيه بالمجاز..........والعرب نطقت بالحقيقة و المجاز على وجه واحد..فجعل هذا حقيقة وهذا مجازا ضرب من التحكم فان اسم السبع وضع للاسد كما وضع للرجل الشجاع..
وما قيل فى الجواب عن هذا من ان الجهل بتاريخ تقدم الحقيقة على المجاز لا يدل على عدم التقديم والتاخير منقوض بعدم وجود تاريخ لذلك ...الا ان هذا التاريخ مبني على افتراض التقديم والتاخير...وهو فى الترتيب الزمني بمنزلة الاصل والفرع فى الترتيب العقلي..وكلاهما لا وجه له فى الظاهرة اللغوية...وحسبنا ان نقول ان اللفظة الواحدة قد تتوارد على معان شتى دون
ان يعرف اي هذه المعاني مقدم على الآخر لانه لا سبليل الى ذلك....انتهى كلام عبد البديع.
ومن النتائج الجليلة...عن اعتبار الاستعمال لا الوضع..تغير تصورنا للغة...فلن تكون بعد هذا "مجموعة من "المفردات "المخزونة-المحنطة- فى المعاجم.....بل هي مجموعة من "الجمل"المتداولة فى الحياة....ولهذا التصور غور عظيم...
ان المتتبع لتراث شيخ الاسلام...سيجد عنده احتفاء قويا..بمبدأ الواقعية...وهو المعبر عنه ب"نفس الأمر"...وهو المقابل للتقدير الذهني...لذلك كان مناوئا لنهج المتكلمين..بسبب انبناء كثير من نظرياتهم على....مجرد تقديرات ذهنية....والعبرة عند ابن تيمية لا بما تقدر بذهنك....ولكن .. بما يوجد فى "نفس الامر"..اي فى الخارج...
هذا النزوع المنهجي الواقعي ..ظل ابن تيمية وفيا له...وطبقه بكل لوازمه فى نظريته اللغوية..
وهكذا....طوح بمفهوم "المواضعة"وسلكه فى سلك التقديرات الذهنية.....واعتبر ان جوهر اللغة..هي استعمال "فى نفس الأمر"....فأين ما وجهت وجهك ...لن تجد الا من يستعمل اللغة...وقد يقال على سبيل الاعتراض...فما بال هذه المصطلحات الجديدة...فى كل العلوم..أليست نتاج المواضعة...ثم اليس من الممكن..ان نخترع فى كل لحظة اعرافا لغوية...غير مسبوقة...هذا الاعتراض يبدو قويا(وهو عمدة من اعترض على ابن تيمية)...لان شيخ الاسلام لا يمكن ان يتغاضى..على انه فى كل علم....تولدت مصطلحات...بعضها مرتجل وبعضها منقول...
لكن قوة هذا الاعتراض لبادي الرأي فقط....لأن شيخ الاسلام سيزيحه بضربة واحدة..
ألم تستعمل اللغة فى هذه المواضعة....؟بلى...
إذن هذا الاعتراض يقوي نظرية ابن تيمية..ولا يقوضها....فالرجوع الى الخارج اي الى "نفس الامر"...لا نجد الا الاستعمال الذى نوظف به الكلمات" القديمة "ونضع به الكلمات" الجديدة"...اما الوضع السابق للاستعمال...فلا يشهد له الا التقدير الذهني.....وقد قلنا آنفا انه لا سبيل الى البرهنة عليه...
قال -رضي الله عنه-فى الايمان الكبير:نعم قد يضع الناس الاسم لما يحدث مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه كما يولد لأحدهم ولد فيسميه اسما إما منقولا واما مرتجلا وقد يكون المسمى واحدا لم يصطلح مع غيره وقد يستوون فيما يسمونه وكذلك قد يحدث للرجل آلة من صناعة أو يصنف كتابا أو يبنى مدينة ونحو ذلك فيسمى ذلك باسم لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم فى اللغة العامة....
فلا مجال للتشغيب عليه...فالرجل واع بامكان الاصطلاح بين الناس...ويقر به..ويقبله...وهذه الوظيفة اللغوية..هي التي سماها علماء اللغة المعاصرون.."الوظيفة الميتا لغوية "وادرجوها ضمن وظائف اخرى كالوظيفة الانفعالية والتعبيرية..واللغوية(بالسكون) والاحالية..(ينظر مثلا ما كتبه رومان ياكبسون..احد الشكلانيين البنيويين....)
انظر الى قوله:فيسميه اسما ...اي يستعمل اللغة ليفهم الناس ان ابنه منذ اليوم يسمى زيد..او بكر...
لكن اين هذا من ذاك ..فالوضع الاولي ثبتت به اللغة.. الوضع الميتالغوي ثبت باللغة ...فليتأمل..
والآن نصل الى منعرج حاسم في نظرية ابن تيمية اللغوية..فالجزم بالاستعمال...وحده...وعدم التعويل على فرضية الوضع....يفضي لا محالة...الى اعادة النظر فى طبيعة اللغة...فلن يعود تعريف ابن جني مقبولا عند ما قال:أمّا حدّها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم...
بل حتى القول بأنها كلمات...حد قاصر ...
وليس الصواب الا ان نقول "اللغة جمل....وتراكيب"
لماذا ذلك؟...
لان الناس فى استعمالهم اليومي....يتخاطبون بالتراكيب لا بالاصوات...
قال ابن القيم -رضي الله عنه-:
الوجه التاسع عشر:انكم فرقتم ايضا بينهما ان المجاز ما يتبادر غيره الى الذهن فالمدلول ان تبادر الى الذهن عند الاطلاق كان حقيقة وكان غيرالمتبادر مجازا..فإن الاسد اذا اطلق تبادر منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع...فهذا الفرق مبنى على دعوى باطلة وهو تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية والنطق به وحده..وحينئذ فيتبادر منه الحقيقة عند التجرد...وهذا الفرض هو الذي اوقعكم فى الوهم....فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الاصوات التي ينعق بها..لا تفيد فائدة وانما يفيد تركيبه مع غيره تركيبا اسناديا يصح السكوت عليه..."
لله دره...كأن ابن القيم تبعا لشيخه ...يقرر ان الوحدة الاولى فى اللغة هي الجملة..وما قبل الجملة...اصوات ينعق بها....ك"غاق"...فيكون المسلمون قد سبقوا "شومسكي" وامثاله....الى اعتبار اللغة...تراكيب وان القدرة اللغوية الانسانية هي قدرة على انتاج عدد لا نهائي من الجمل...
ومن ثم ظهر ضعف حد ابن جني..عندما ارجع اللغة الى الاصوات...
فمن المؤكد ان" حمحمة "الفرس..و"غاق" الغراب...ليس من قبيل اللغة...
فإن قيل...لكن تلك التراكيب أليست مكونة من "اصوات" و"كلمات"
...أليس البسيط متقدما على المركب؟؟
قلنا بلى....بشرط ان نتبنى التحليل المنطقي...ذلك التحليل المهووس بارجاع كل شيء الى الماهيات المجردة...وقد مر ان الشأن مناط ليس بتقدير المنطق الذهني بل...بما هو موجود فى الخارج..فلتكن الجمل من الكلمات ولتكن الكلمات من الاصوات ولكن الناس فى تدوالهم اليومي...لا يقولون..."عندى اصوات اريد ان اوصلها الى سمعك"
وحتى عندما يقولون "هل تسمح لى بكلمة"...فهم يقصدون "جملة"...
هذا الاعتراض على التصور المنطقي وجيه...فإن كان لا بد من ارجاع المركب الى البسيط.....فلم الوقوف عند حدود الصوت...اليس هو نفسه مركب....من تموجات وذبذبات...أفتكون اللغة فى نهاية المطاف..
ذرات والكترونات.....؟؟؟؟
بعد هذه الجولة القصيرة..بين المواضعة والاستعمال..وهما مفهومان لا لا بد من تصورهما لفهم المجاز...نعود الى ما بني على المواضعة من افتراض "المجاز"....فقد يقال..هب المواضعة مجرد افتراض..فهل هذا مدعاة الى انكار المجاز...لاننا نجد فى كل العلوم..مباديء ومسلمات...بعضها غير مبرهن عليها...فقد بنيت هندسة اقليدس مثلا على افتراض المكان مستويا...وبنى غيره هندسة اخرى على افتراض المكان مقعرا....فهلا تعاملتم مع انصار المجاز....كما تعامل "ريمان" و"لو باتشفسكي"مع اقليدس...لا احد ينكر على الآخر...قلنا هيهات...لان الشرط المعتبر عند فقهاء العلم هو انسجام النظرية الداخلي.....وهذا مفقود فى نظرية المجاز......واليكم التفصيل:
القول بالمجاز..فرع عن القول بالحقيقة...عند القائلين بالمجاز..:فقال بعضهم الحقيقة اصل للمجاز وقال بعضهم هي كالاصل للمجاز..ولكنهم اتفقوا جميعا على ثنائية حقيقة/مجاز...
لكن الكارثة...ان القول بالمجاز يلغي الحقيقة فى آخر المطاف...فيكر الفرع على الاصل بالابطال...
وبتعبير آخر يصبح المجاز"غولا"يلتهم كل اللغة...بحقائقها وغيرحقائقها...وممن انتبه الى هذه الآفة ابن جني ..فى كتابه الخصائص....مع التنبيه الى ان ما سميناه نحن "آفة" ليست عند ابن جني ..الا امرا طبيعيا..لذلك صرح بكل شجاعة..جل اللغة مجاز...ومع ان رأيه هذا لم يتابعه عليه احد...بل عده البيانيون رأيا متطرفا..كتطرف من ينفى المجاز اصلا...لكن الحقيقة ان رأي ابن جني لازم للجميع....شاؤوا ام ابوا....فلنقف بعض الوقفات مع هذا النص المشهور لابن جني -رحمه الله-:
اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة . وذلك عامة الأفعال نحو قام زيد وقعد عمرو وانطلق بشر وجاء الصيف وانهزم الشتاء . ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية فقولك : قام زيد معناه : كان منه القيام أي هذاجنس من الفعل ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام وكيف يكون ذلك وهو جنس والجنس يُطبق جميع الماضى وجميع الحاضر وجميع الآتى الكائنات مِن كل مَن وُجد منه القيام . ومعلوم أنه لا يجتمع لإنسان واحد ( في وقت واحد ) ولا في مائة ألف سنةٍ مضاعفةٍ القيام كله الداخل تحت الوهم هذا محال عند كل ذى لبّ . فإذا كان كذلك علمت أن ( قام زيد ) مجاز لا حقيقة وإنما هو على وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير . ويدل على انتظام ذلك لجميع جنسه أنك تُعمله في جميع أجزاء ذلك الفعل فتقول : قمت قومة وقومتين ومائة قومةٍ وقياما حسنا وقياما قبيحا . فإعمالك إياه في جميع أجزائه يدل على أنه موضوع عندهم على صلاحه لتناول جميعها . وإنما يعمل الفعل من المصادر فيما فيه عليه دليل ألا تراك لا تقول : قمت جلوسا ولا ذهبت مجيئا ولا نحو ذلك لما لم تكن فيه دلالة عليه ألا ترى إلى قوله :
( لعمرى لقد أحببتك الحبَّ كله ... وزدتِك حبَّا لم يكن قبل يعرف )
فانتظامه لجميعه يدل على وضعه على اغتراقه واستيعابه وكذلك قول الآخر :
( فقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا )
فقوله ( كل الظن ) يدل على صحة ما ذهبنا إليه . قال لى أبو علي : قولنا : قام زيد بمنزلة قولنا خرجت فإذا الأسد ومعناه أن قولهم : خرجت فإذا الأسد تعريفه هنا تعريف الجنس كقولك : الأسد أشد من الذئب وأنت لا تريد أنك ( خرجت وجميع الاسد ) التي يتناولها الوهم على الباب . هذا محال واعتقاده اختلال . وإنما أردت : خرجت فإذا واحد من هذا الجنس بالباب . فوضعت لفظ الجماعة على الواحد مجازا لما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه . أما الاتساع فإنك وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد . وأما التوكيد فلأنك عظمت قدر ذلك الواحد بأن جئت بلفظه على اللفظ المعتاد للجماعة . وأما التشبيه فلأنك شبهت الواحد بالجماعة لأن كل واحد منها مثله في كونه أسدا
وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر وانطلق محمد وجاء الليل وانصرم النهار . وكذلك أفعال القديم سبحانه نحو خلق الله السماء والأرض وما كان مثله ألا ترى - أنه عز اسمه - لم يكن منه بذلك خلق أفعالنا ولو كان حقيقة لا مجازا لكان خالقا للكفر والعدوان وغيرهما من أفعالنا عز وعلا . وكذلك علم الله قيام زيد مجاز أيضا لأنه ليست الحال التي علم
عليها قيام زيد هي الحال التي علم عليها قعود عمرو ..."انتهى كلامه.
(بعد نقل هذا الكلام بدا لى ان اصحح قولى ان" المجاز غول يلتهم اللغة كلها"مستدركا: والعقيدة ايضا.....)
قلت:ينبغي للمجازيين ان يتحملوا هذا النص رغم بشاعته...فالاكتفاء بوصفه "فيه غلو" لا يكفي...لانني لم ار من رد على حجج ابن جني...
ولا سبيل الى الرد عليه الا بقفل الباب الذى خرج منه الوحش...كما كان صنيع الاسفراييني...وداود الظاهري وابنه..والبلوطي..وجل الظاهرية....وخويز منداد وابن تيمية وابن القيم والشنقيطي...رحمهم الله جميع وعفا عن مخالفيهم...
ما يعجبني فى نص ابن جني ان صاحبه يقر بما يلزم عن القول بالمجاز...ويتبنى اللوازم..بدون مواربة...ويصل الى النتيجة التي يفر منها الآخرون:
انظر مثلا الى تحليله لمقولة" الفعل"من حيث الوضع والاستعمال....فالفعل ان وضع لا بد ان يوضع للمعنى المطلق....وان استعمل فلا بد ان يستعمل فى المعنى المقيد...اي لا بد ان يستعمل فى غير ما وضع له......وهذا هو المجاز فى تعريف الناس....ولو شئنا استعمال الفعل فى" الحقيقة" تعذرالامر....
"ضرب"يجب ان تكون موضوعة للضرب المطلق...ويستحيل ان تكون موضوعة لخصوصية كل ضرب...لكننا عندما نريد استعمال....هذا الفعل فإننا...نسنده الى فاعل خاص....ونعبر به عن ضرب مخصوص..وقع فى مكان وزمان مخصوصين....فتحتم المجاز...لاننا استعملنا ما وضع للعموم..للدلالة على الخصوص...او ما وضع للمطلق للدلالة على المقيد..فثبت فى كلتا الحالتين استعمال كلمة فى غير ما وضعت له....وهذا مشهور متداول عند اهل البيان...ويسمونه "المجاز المرسل"علاقته الاطلاق او التقييد..
ففي قولهم "مشفر الرجل"....يقترحون التأويل التالي:المشفر موضوع لشفة البعير....وهنا اسند الى الرجل....فمشفر مجاز...ثم يفصلون :ان كان المستعمل لهذا التعبير قد قصد تشبيه شفة الانسان بمشفر البعير...من حيث الغلظ ..والتشقق..فهنا استعارة تصريحية....وان لم يعتبر علاقة المشابهة...بل اراد الشفة..فعبر عن الجنس بالنوع......فسيكون عندنا مجاز مرسل.....
هذا هو تحليل ابن جني...لمقولة الفعل بدون فرق...فعنده الضرب موضوع للجنس فان استعملناه فى النوع او الافراد....فقد حصل المجاز...
بل يمكن ان نضيف الى تحليله امرا آخر.......فصيغة ضرب تدل على الماضي..والصيغ الصرفية عند المحققين من اهل البلاغة...موضوعة "بالوضع النوعي"...لا الشخصي...صيغة فعل-بالفتح-..تدل على مطلق الماضي...ونحن عندما نقول..كتب ..نقصد حيزا فى الماضي خاصا-وقوع الكتابة يوم الجمعة مثلا-فصرنا الى المجاز مرة اخرى....اي باعتبار المادة وباعتبار الصيغة...
ويأبى ابن جني..الا ان يطم المجازعلى كل مساحات اللغة فيقول اثر ما نقلناه عنه آنفا:
وكذلك قولك : ضربت عمرا مجاز أيضا من غير جهة التجوز في الفعل - وذلك أنك إنما فعلت بعض الضرب لا جميعه - ولكن من جهة أخرى وهو أنك إنما ضربت بعضه لا جميعه ألا تراك تقول : ضربت زيدا ولعلك إنما ضربت يده أو إصبعه أو ناحية من نواحى جسده ولهذا إذا احتاط الانسان واستظهر جاء ببدل البعض فقال : ضربت زيدا وجهه أو رأسه . نعم ثم إنه مع ذلك متجوز الا ( تراه قد يقول ) : ضربت زيدا رأسه فيبدل للاحتياط وهو إنما ضرب ناحية من رأسه لا رأسه كله . ولهذا ما يحتاط بعضهم في نحو هذا فيقول : ضربت زيدا جانب وجهه الأيمن أو ضربته أعلى رأسه الأسمق لأن أعلى رأسه قد تختلف أحواله فيكون بعضه أرفع من بعض..."انتهى.
باختصار يبدو انه لا سبيل الى الحقيقة..الا بتعيين عدد الخلايا..التي وقع عليها ذلك القسط من الضرب..مع تحديد عدد الذرات التى تلامست..
ووقع فيها الاحتكاك.وهذا فوق طاقة البشر كما لا يخفى.....
ويأبى ابن القيم الا ان يثخن من جراح المجاز...فيحول الانظار الى ما تبقى فى اللغة وهو الحروف....فيلزم المجازيين...بأمور قريبة مما...سبق مع ابن جني......فيقول فى الصواعق:وهذه الروابط-اي الحروف-لها دلالتها على معناها الافرادي مشروط بذكر متعلقاتها...وهو القرينة المبينة لمعناها...وذلك امارة المجاز عندهم..
فهم بين امرين...اما ان يدعوا ان الحروف كلها مجاز فهذا غلط..لو كان المجاز ثابتا فإنها لم يسبق لها موضوع غير موضوعها الذى هي مستعملة فيه...واما ان يقول ان توقف فهم معناها على القرينة لا يوجب لها ان تكون مجازا...(كذا فى النسخة التى انقل منها..ولعل الصواب يوجب لها ان تكون مجازا...او لا يوجب لها ان تكون حقيقة...والمعنى مفهوم بلا ريب )فيقال لهم : هكذا الاسماء والافعال التي لها دلالة عند الاقتران ودلالة عند التجرد لا يؤدي توقف فهم معناها عند الاقتران على القرينة ان تكون مجازا..وهل الفرق الا تحكم محض.؟
وعلى العموم فنظرية وضع الحروف....تخبط فيها اللغويون والاصوليون كثيرا......
هذه الاعتبارات كافية لاضعاف نظرية المجاز فى اللغة...لكن عندما ندخل فى حسباننا النصوص الشرعية...سيكون نفي المجاز واجبا شرعيا- ومن ثم اصبح البحث فى مسألة المجاز ليس من قبيل الترف او الرياضة الذهنية...بل هو مطلوب شرعا -...فالقول بأن "لا مجاز فى القرآن"يستجيب فى الحقيقة...لنوعين من الاكراه: اكراه عام...يتمثل فى اللوازم الباطلة من افتراض المجاز- وقد ذكرنا بعضها -واكراه خاص يتعلق...بمسلمات المؤمن بالقرآن.....من كونه لا يأتيه الباطل من اية جهة من الجهات...والمجاز يحمل فى طياته "الكذب"لذا يتعين ابعاده عن النصوص الشرعية بكل قوة....
وقبل الاستدلال على طبيعة المجاز من حيث الصدق والكذب...نورد ادلة من يرى المجاز موجودا فى القرآن:
عمدة هؤلاء....دليلان:
القرآن نزل بلغة العرب...والمجاز اسلوب موجود فى العربية....فلاضير من وجوده فى القرآن....
اما الدليل الثاني....فقد صاغه جلال الدين السيوطي فى "اتقانه "على الشكل التالي:
وأما المجاز فالجمهور أيضا على وقوعه فيه وأنكره جماعة منهم الظاهرية وابن القاص من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزه عنه وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير وذلك محال على الله تعالى
وهذه شبهة باطلة ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد إتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها..."
لقد تصدى الشيخ الامين الشنقيطي..للدليل الاول..فنقضه فى رسالته "منع جواز المجاز":
"فإن قيل كل ما جاز فى اللغة العربية جاز فى القرآن لانه بلسان عربي مبين.
فالجواب: ان هذه كلية لا تصدق الا جزئية....وقد اجمع النظار على ان المسورة تكذب لكذب سورها كما تكذب الموجهة لكذب جهتها.وايضاح هذا على طريقة المناظرة ان القائل به يقول المجاز جائز فى اللغة العربية فهو جائز فى القرآن..ينتج من الشكل الاول المجاز جائز فى القرآن .
فنقول : سلمنا المقدمة الصغرى تسليما جدليا لان الكلام على فرض صدقها وهي قولنا المجاز جائز فى اللغة العربية....ولكن لا نسلم الكبرى التى هى قوله: وكل جائز فى اللغة العربية جائز فى القرآن..بل نقول بنقيضها.....وهي قولنا بعض ما يجوز فى اللغة ليس بجائز فى القرآن فإذا تحقق صدق هذه الجزئية السالبة تحقق نفي الكلية الموجبة ...
فمن ذلك ما يسميه علماء البلاغة "الرجوع"وهو نوع من انواع البديع المعنوي.....وحده الناظم بقوله:
وسم نقض سابق بلاحق*******لسر الرجوع دوم ما حق
فإنه بديع المعنى فى اللغة عندهم وهو ممنوع فى القرآن العظيم لأن نقض السابق فيه باللاحق انما هو لاظهار المتكلم الوله والحيرة من امر كالحب مثلا ثم ظهر انه ثاب له عقله وراجع رشده فينقض كلامه الاول الذي قاله فى وقت حيرته غير مطابق للحق كقول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم.....بلى وغيرها الارواح والديم
يقصد الشنقيطي-رحمه الله-ان "الرجوع "يقوم على ارتكاب خطإ ما ثم الرجوع عليه بالتصحيح...ويرى ان مثل هذا لا يجوز فى القرآن ضرورة.وان استحسن فى كلام الشعراء..
ومن هذا المشرب ايضا...ما يسمى عندهم ب"حسن التعليل"ومعناه ايراد معنى وتفسيره تفسيرا طريفا شعريا مخالفا للواقع ولكنه مستحب للنفوس..وحسن التعليل هذا... انواع ضرب له الشنقيطى امثلة وحسبنا منها مثالا واحدا يبين المقصود..قول ابي هلال العسكري:
زعم البنفسج انه كعذاره
حسنا فسلوا من قفاه لسانه..
فعلل الشاعر خروج ورقة البنفسج الى الخلف..باعتباره عقوبة له على افترائه.. عندما زعم انه يشبه المحبوب المتغزل به...
ولا ريب ان هذا الكذب"الشعري" لا يجوز فى القرآن....
ومن هذا السبيل ايضا....ما سماه اهل البديع..ب"تجاهل العارف"ومعلوم انه لا يجوز فى القرآن لاستحالة التجاهل على الله تعالى..
وقد فطن الامام الشنقيطي الى ان السكاكي فطن لهذا فعدل عن لفظ التجاهل وسماه "سوق المعلوم مساق غيره لنكتة"ليدخل فيه مواضع من القرآن زعم انها منه...
وعبارة الجمهور بلفظ التجاهل ولا تخفى استحالته على الله تعالى...(الا تصل احيانا رغبة الانتصار للمذهب الى حدود الاقتراب من اقتراف الغش.. فهل كان المظنون عند السكاكي ان تغيير التسمية يكفي لتسويغ الباطل؟؟؟ )
ثم ساق الشنقيطى وجوها اخرى من البلاغة مطلوبة عند الشعراء والادباء..لكنها لا تقبل فى القرآن...فثبتت سقوط دعوى ان كل ما يجوز فى اللغة العربية جاز فى القرآن العظيم....
أما الدليل الثاني الذى اورده السيوطي...فلم اجد من رد عليه...لكن الحقيقة حجته ضعيفة جدا....فقوله:"وهذه شبهة باطلة ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن."هو نفسه شبهة باطلة...
ونرد عليه بما يلي:انت نفسك لا تنكر وجود الحقيقة فى القرآن...فيلزم على رأيك ان يكون فيه شطر غير حسن...وهذا هو مفهوم قوله بلا ريب...
ويلاحظ ايضا ان السيوطي -غفرالله له-تحاشى فى النص السابق الرد على من قال ان المجاز كذب...واورد شبهته تلك مع ضعفها...فبقيت دعوى الكذب قائمة...وان حاول غيره الرد عليها ولكن الحقيقة لم يأتوا بشيء....
تقسيم اللغة الى حقيقة ومجاز....يثير الشك فى المجاز بالنظر المجرد الى الاصطلاح....فهو قسيم اي مقابل للحقيقة....ومما يقابل الحقيقة...الباطل...والكذب...والبهرج..والزيف...فيكو ن المجاز..منتميا لا محالة الى هذا الحقل الدلالي...الذي ينفر منه الانسان السوي...ومن ثم يدرك تهافت تعبير السيوطي...السابق..عندما جعل المجاز مقترنا بالحسن....وهو فى الوقت ذاته ضد الحقيقة...الا ان يكون المجاز له وجه داخلي هو الباطل او الكذب....او اي معنى يقترح ضدا للحقيقة..ووجه خارجي هو الحسن والبلاغة والرونق الخ....فيكون وضع المجاز..قلق جدا...متنازع فيه اشد التنازع...فبينا هو من وجهة نظر اخلاقية..كذب ممجوج....اذا هو من وجهة نظر جمالية حسن منشود...والفصل بين وجهتي النظر هاتين....هو من شأن العلمانيين...
لا من ديدن المسلمين....ف"خضراء الدمن...."مستقبحة شرعا...رغم الاعتراف بلونها وظاهرها البهيج....وكذلك المجاز..يستحق ان يوصف ب"خضراء الدمن"....كما استحق من قبل اسم "الغول"...
ولكن علينا ان نثبت اولا ان المجاز كذب....
اولا :ان وضع المجاز فى مقابل الحقيقة....فيه اقرار بمعنى الكذب...والا فماهذا الذي يكون ضد الحق......ولهذا الامر انشغل البلاغيون...بمصطلح "حقيقة" لكنهم لم يوردوا كل معانيها..لحاجة فى انفسهم قال الخطيب فى الايضاح:"الحقيقة إما فعيل بمعنى مفعول من قولك حققت الشيء أحقه إذا أثبته أو فعيل بمعنى فاعل من قولك حق الشيء يحق إذا ثبت أي المثبتة أو الثابتة في موضعها الأصلي....."
فلاحظ ايها اللبيب..ان الخطيب جعل معنى الحق..هو الثبات..ولم يشر الى غيره...بينما صاحب اللسان...جاء تعريفه الاول لمادة[ ( حقق ) الحَقُّ نقيض الباطل وجمعه حُقوقٌ وحِقاقٌ وليس له بِناء أدنى عدَد وفي حديث التلبية لبَّيْك حَقّاً حقّاً أي غير باطل ]ثم ذكر من معانيه الثبات والصدق والوجوب..ونحن لا ننكر معنى الثبوت للحق ولكن نقول من عادة المصنفين من المحققين..عندما يتعرضون لمصطلح ان يشيروا الى جل معانيه فى اللغة....وليس هذا صنيع الخطيب...رحمه الله.
وافضل من صاحب اللسان....صاحب التاج.عندما بدأبقوله : الحَقُّ : من أسماء اللهِ تَعالَى أو من صفاتِه قالَ ابنُ الأثِيرِ : هو المَوجُودُ حقيقةً المُتحَققُ وجُودُه وإلهِيته وقال الراغِبُ : أصلُ الحَقِّ : المُطابقةُ والمُوافَقَة كمُطابَقَةِ رِجلِ الباب في حُقهِ لدَوَرانِه على الاستِقامَةِ والحَقًّ : يقالُ لمُوجدِ الشيءَ . بحَسَب ما تَقْتَضِيه الحِكمَةُ ولِذلِكَ يُقال : فِعلُ اللهٍ كُله حَق وللاعْتقادِ في الشيء التطابِقِ لما عَلَيه ذلِكَ الشَّيء في نَفْسِه..
والحَق : خِلاف الباطِل جَمعُه : حُقُوق وحقاقٌ وليسَ له بِناءُ أَدنَى عدَد..
والحَق : المَوْجُودُ الثابِتُ الذي لا يَسُوغُ إِنْكارُه......
وفي شَرْح العَقائدِ : الحَق عُرْفاً : الحُكْمُ المُطابِقُ للواقِع يُطلَقُ على الأقوالِ والعَقائدِ والأدْيانِ والمَذاهِبِ باعتِبار اشْتِمالِها عَلَى ذلِك ويُقابِلُه الباطِلُ وأَمَّا الصِّدْقُ فشاعَ في الأَقْوالِ فَقَط ويُقابِلُه الكَذِبُ وفُرِّقَ بينَهُما بأنَّ المُطابَقَةَ تُعْتَبَرُ في الحَقِّ من جانِبِ الواقِع وفي الصِّدق من جانِبِ الحُكْم فمَتَى صَدَق الحُكمُ صَدَقَ مطابَقَتُه للواقِع ومَعْنَى حَقِّيَّتِه : حَقِّيَّة مُطابَقَةِ الواقِع إيّاه . والحَقُّ : واحِدُ الحُقُوقِ والحَقَّةُ : أَخَص منه يُقالُ : هذِه حَقَّتِي أي : حَقِّي نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ . والحَقَّةُ أيْضاً : حَقِيقَة الأمْرِ يُقال : لمّا عَرَفَ الحَقَّةَ مِنِّي هَرَب نَقَله الجَوْهَرِي . وحَقِيقَةُ الأمْرِ : ما يَصيرُ إِليه حَقُّ الأمْرِ ووُجُوبُه يُقال : بَلَغَ حَقِيقَةَ الأمْرِ أي : يَقِينَ شَأنِه.انتهى بعض كلام الزبيدي رحمه الله....
ومما يستفاد من كلامه...ان الحقيقة هي المطابقة للواقع....فغيرها وهو المجاز غير مطابق للواقع فهو باطل...وليس من المجازيين من ينكر هذا الامر فهم يقولون...."الاسد"فى المجاز ليس اسدا حقيقيا...ففي الواقع لم يأتك اسد...ولكن اتاك غيره....وهذا هو الباطل....
اما إذا اعتبرنا...حيثية الاخبار عن الواقع....فالمجاز كذب...ولا يخلو المجاز من الوصفين....: باطل باعتبار مطابقة الوقائع...او كاذب باعتبار علاقة اللغة بالواقع..
وحتى عند التسليم...بان الحقيقة هي الثبات....نصطدم..بكون" كلمة حقيقة"لا تعبر حتى عن نفسها بهذا المعنى..فى ادبيات المجازيين...
قال الدكتور لطفى عبد البديع...فى كتابه "فلسفة المجاز بين البلاغة العربية والفكر الحديث":"فالمعول عليه عندهم فى المجاز النقل خلافا للحقيقة التي تقوم على الثبات...ولكن هل نجت الحقيقة من النقل الذي ظلوا يلاحقون به المجاز؟والجواب عن ذلك بالسلب...فظاهر صنيعهم فى تصور الحقيقة يؤخذ منه انها نقل ايضا على ما ذكره صاحب" الكشف "[يقصد البزدوي]إذ نقل اولا اللفظ الى الاعتقاد المطابق للواقع لأنه اولى بالثبوت من غيره ..ثم نقل منه الى القول المطابق لذلك الاعتقاد....ثم نقل منه الى ذلك المصطلح عليه...اي اللفظ المستعمل فى موضوعه الاصلي...قال:فظهر ان اطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف مجاز واقع فى المرتبة الثالثة بحسب اللغة...
ولا يملك المرء الا ان يتعجب من هذه المفارقة..فالحقيقة التي هي اصل المجاز...تحتاج الى المجاز نفسه لتسمي نفسها...
كان لا بد لأنصار ثبوت المجاز من التصدي....لهذه الدعوى الخطيرة...دعوى ان المجاز اخو الكذب...لأنها ان سلمت...اصبح القرآن بريئا من المجاز...وفاقا...
بل السنة ايضا...لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفي عن الانبياء ان تكون لهم خائنة الاعين فضلا عن الكذب....
لكن مهمة البلاغيين صعبة جدا....لان بنية المجاز الداخلية مبنية على الادعاء....والادعاء شكل من اشكال الكذب لا ريب...فكيف يقول مسلم..ان الله سبحانه ادعى ...ان الصبح يتنفس....وان الجدار يريد ان ينقض..وان القرية لها سمع ووعي... ؟؟؟
فلننظر اولا ..الى اعتراف المجازيين .....بدخول الادعاء فى قلب المجاز..وخاصة الاستعارة منه....:
قال الخطيب القزويبي فى الايضاح:

"وقيل الاستعارة مجاز عقلي بمعنى أن التصرف فيها في أمر عقلي لا لغوي لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به. لأن نقل الاسم وحده لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر استعارة .ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة لأنه لا بلاغة في إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه ولما صح أن يقال لمن قال رأيت أسدا يعني زيدا أنه جعله أسدا كما لا يقال لمن سمى ولده أسدا إنه جعله أسدا لأن جعل إذا تعدى إلى مفعولين كان بمعنى صير فأفاد إثبات صفة للشيء فلا تقول جعلته أميرا إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة "
جاء هذا النص فى سياق اختلاف البيانيين فى طبيعة الاستعارة...أهي مجاز لغوي..ام عقلي..
فمعنى ان تكون الاستعارة مجازا لغويا......هو ان التصرف الذى حصل لغوي بحت...فالاسم الذى اعطي للسبع..."اسد"استعير منه...وسمي به انسان..فنكون قد اخذنا لفظا من جهة ما....وجعلناه لجهة اخرى..فمادة التعامل هنا هي اللفظ اي اللغة...فالاستعارة اذن مجاز لغوي..
لكن هذا التصور للاستعارة لم يرض الفريق الآخر...واحتجوا...بما اورده الخطيب القزويني..من الزام:فمن سمىولده "سيفا" او" فهدا" او " شمسا".....
فقد استعار....فهذه الاعلام مجاز على مذهبكم....ولا تقولون به..وهذا تناقض...
وقالوا بل الاستعارة مجاز عقلي....ومعنى ذلك....ان عقولنا تصرفت بالقدرة التخييلية....فتوهمت ان هذا الانسان الماثل امامنا...ليس انسانا...بل دخل فى جنس السباع...فأطلقنا عليه اسم "اسد" بعد ذلك....وليست البلاغة فى استعارة الفاظ ...بل فى استعارة المعاني...والمعاني عقلية ...فثبت ان الاستعارة مجاز عقلي وهذا هو المطلوب...
ورد الفريق الاول:لكن اسم "اسد" وضع فى الاصل للسبع...واستعمل هنا فى غير ما وضع له...والوضع والاستعمال امور لغوية...
لكن الامر الحرج فى اعتبار الاستعارة مجازا عقليا..هوخروج الاستعارة الى الحقيقة...فلن تعود مجازا..
قال ابن يعقوب المغربي....فى "مواهب الفتاح"وهو احد شراح التلخيص...وهو يعلق على تعريف الحقيقة عند السكاكي..باعتبارها "الكلمة المستعملة فيما وضعت له":
"ولما كانت الاستعارة موضوعة قطعا على كل قول وانما الخلاف فى انها مجاز لغوي أو عقلي على ما تقدم بيانه...(في شرحه )...فعلى انها مجاز عقلي فهي حقيقة لغوية لا يصح اخراجها[يقصد اخراجها من تعريف الحقيقة...]وانما يخرج المجاز المرسل..وعلى انها مجاز لغوي يحتاج الى اخراجها إذ لا تخرج بالوضع للاتفاق على وضعها لكن وضعها للمشبه بتأويل اي ادعاء انه من جنس المشبه به الذي وضع له اللفظ أصالة احتاج الى زيادة قيد لاخراجها إذ هي مجاز لغوي على هذا وذلك القيد هو ان وضع الحقيقة لا تأويل فيه ولا ادعاء ووضع الاستعارة فيه تأويل وادعاء لذلك زاد قيد قوله(من غير تأويل فى الوضع)...انتهى.
وهكذا يلاحظ..ان الادعاء لازم لمعنى الاستعارة...سواء أتبنينا التصور الاول ...ام الثاني....مع ان جل البيانيين...يذهبون الى المجاز اللغوي....فى تعريف الاستعارة......لان القول بالمجاز العقلي قد يلحق الاستعارة بالحقيقة...ويفقد المجاز رافدا هاما جدا هو الاستعارة...
قال ابن يعقوب:
(على اصح القولين) وهو القول بأن الاستعارة مجاز لغوي كما ذكرنا لأنها- ولو بولغ فى التشبيه فيها حتى ادعي دخول المشبه فى جنس المشبه به على ما تقدم-لا يقتضي ذلك كونها مستعملة فيما وضعت له حقيقة وانما استعملت فى غير ما وضعت له بالاصالة فاحتيج الى الاحتراز عنها كما بيننا لتخرج إذ هي مجاز لغوي فلو دخلت فى الحقيقة فسد حدها وأما ان بنينا على القول بأنها حقيقة لغوية بناء على انها استعملت فيما وضعت له حقيقة لأن التصرف وقع اولا في أمر عقلي بأن جعل المشبه نفس المشبه به فلما جعل نفسه أطلق اللفظ على ذلك المشبه لا على انه مشبه بل على انه نفس المشبه به فقد استعملت فى معناها الاصلي فكانت حقيقة لغوية.."
القاريء غير المختص سيشعر عند فراغه من نص ابن يعقوب...ان هناك "أزمة" ما... تتعلق بتصور الاستعارة...لكنه قد لا يعي جذور الازمة....فلا بد من توضيح....(يستغني عنه المهتمون بالبلاغة):
القول الاول ...الذي ينص على ان الاستعارة مجاز عقلي...يصر على اننا لم نطلق اسم اسد على الفرد...الا بعد ان جعلناه بأذهاننا اسدا....لأن نقل الاسم بدون صورة الاسد ليس بليغا...كما لو سميت ابنك "اسد"...فيكون الاسم علما محضا لا استعارة باتفاق...
إذن جاءت التسمية بعد ان اعتبر العقل الشخص اسدا....وهنا تأتي المفاجأة:لا مجاز هنا...لاننا استعملنا الكلمة فيما وضعت له...فهي حقيقة.....
وهذا مثال يوضح ذلك...:الطفلة الصغيرة عندما تسمي دميتها عروس...لا تستعمل المجاز..كلا ..فالدمية فى نظرها عروس حقيقية...وليس مجرد شيء مشبه بالعروس...فقد تخيلت الدمية عروسا..وسمتها كذلك...فالدمية فى تصورها ليست خشبا او بلاستيك تمثل العروس..بل هي عروس..لا اقل ولا اكثر...
وجاء القول الثاني للبيانيين...لإنقاذ الاستعارة...فرأوا ان ذلك الادعاء لتوحد المشبه والمشبه به...لا يقتضي الحقيقة...لإن "اسد" وضع للاسد الحقيقي لا للاسد الادعائي.....ونقله من الاول الى الثاني استعارة لغوية..
وقد حاول بعض البلاغيين التوفيق بين التصورين..فقال مثلا محقق كتاب "كتاب جامع العبارات فى تحقيق الاستعارات"د.محمد رمضان الجربي:
"والظاهر فى نظري ان الخلاف لفظي..فمن نظر الى الاصل ونفس الامر....جعلها مجازا لغويا..ومن نظر الى الادعاء جعلها مجازا عقليا..وفى عروس الافراح مع شروح التلخيص:"وهذا الادعاء لا ينكره من جعله لغويا...وكون اللفظ اطلق على غير معناه الحقيقي لا ينكره من جعله عقليا..وانما النزاع فى انه هل يسمى بالاول نظرا للاطلاق على غير المعنى الاصلي ..او بالثاني..نظرا لذلك الادعاء ... فصار الخلاف لفظيا اصطلاحيا...[انتهى كلام صاحب العروس وكلام حاشية المحقق..]
تلخيص الشارح جيد..وفق فيه بين المتنازعين...واستفدنا منه نحن ان الادعاء ...مجمع عليه فى تصور الاستعارة.....
وبقيت مسألة الادعاء هل هي كذب ام لا....
تقوم الاستعارة على مقومين اساسين لا تتصور الاستعارة بدونهما:
الادعاء .
المبالغة.
وقد تكلمنا من قبل عن مفهوم الادعاء..وانه يقول به كل البيانيين على المذهبين معا:مذهب من يرى الاستعارة مجازا لغويا..ومذهب من يراها مجازا عقليا..وقد لخص الامام يحيى العلوي فى كتابه "الطراز"
تلخيصا جامعا وجهة نظر الفريقين فقال:"قولكم فى حد المجاز انه "ما افاد معنى غير مصطلح عليه فى اصل تلك المواضعة "يؤدى الى خروج الاستعارة عن حد المجاز وبيانه انا اذا قلنا على جهة الاستعارة رأيت اسدا فالتعظيم والمبالغة الحاصلان من هذه اللفظة المستعارة ليس لانا سميناه باسم الاسد ولهذا فإنه لو جعلناه علما لم يحصل التعظيم والمبالغة بذلك بل انما حصلا لأنا قدرنا فى ذلك الشخص صيرورته فى نفسه على حقيقة الاسد لبلوغه فى الشجاعة التي هي خاصة الاسد الغاية القصوى ومتى قدرنا حصوله على صفة الاسدية وحقيقتها اطلقنا عليه الاسم وبهذا التقدير يكون اسم الاسد مستعملا فى نفس موضوعه الاصلي ويبطل المجاز...
والجواب....انه يكفي فى حصول المبالغة والتعظيم ان يُقدر انه حصل له من القوة ما كان للاسد وعلى هذا يكون استعمال لفظ الاسد فى معنى يخالف موضوعه الاصلي وبهذا التقرير يحسن وجه الاستعارة وتتضح حثيقة المجاز....."
ويستفاد من هذا النص..المقوم الآخر للاستعارة وهو المبالغة....فبدون المبالغة...تصبح الاستعارة "باردة"لا يحتاج اليها...لأن فى الحقيقة غنى عنها حينئذ ...وما ادخلت الاستعارة فى سلك البلاغة الا لذلك القدر الزائد من المعنى الذي تضيفه الى الحقيقة...
قال الدسوقي فى حاشيته على السعد:
(قوله ولما كانت الاستعارة ابلغ من الحقيقة) أي انه يلزم لو لم تراع المبالغة المقتضية لادخال المشبه فى جنس المشبه به الذي بني عليه كون الاستعارة مجازا عقليا ان لا تكون الاستعارة ابلغ من الحقيقة بل تكون مساوية له مع انهم جازمون بأ ن الاستعارة ابلغ من الحقيقة (قوله اذ لا مبالغة فى اطلاق الاسم المجرد)اي عن الادعاء وقوله عاريا عن معناه اي الحقيقي ولو بحسب الادعاء والمعنى ان الاسم إذا نقل الى معنى ولم يصحبه اعتبار معناه الاصلي فى ذلك المعنى المنقول اليه لم يكن فى اطلاق ذلك الاسم على ذلك المعنى المنقول اليه مبالغة فى جعله كصاحب ذلك الاسم كما فى الحقيقة المشتركة والمنقولة فإنه لما لم يصحبها معناها الاصلي انتفت المبالغة فى الحاق المعنى المنقول اليه بالغير..(شروح التلخيص المجلد 4 ص61)..
الآن...لا بد للبحث ان ينتقل الى الصعيد العقدي والفقهي....فالقول بأن فى القرآن استعارة...معناه ان فى القرآن...مبالغة.....والمبالغة زيادة وتضخيم للواقع...
فهل يليق هذا بالقرآن...؟
هل يتصور ان يقدم القرآن الكريم شيئا فيه زيادة او نقصان عن حقيقته...؟
وتمسك المتمسكين بأن القرآن قد نزل على المعهود من كلام العرب واساليبها لا يعد تبريرا لأن يكون فى القرآن باطل..كما استدل على ذلك الشيخ الشنقيطي رحمه الله..
وعلى فرض ان المجاز موجود ومستحب ..فهذا يليق بالشعر......ولا يليق بالقرآن..لأن الشعر ينبني على مقولة "أعذب الكلام أكذبه"حيث يغتفر فيه الكذب والمبالغات والادعاءات والمحالات...لكن القرآن...مبني على قاعدة:{وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ }الطارق.14.وعلى قاعدة تنزيه كلام الله ان يشبه كلام الشعراء:{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ }الحاقة41.
وفى الحقيقة...ان الانسان الممؤمن ليجد حرجا عقديا كبيرا عندما يقول.....ان الله سبحانه "يبالغ"عندما يقول كذا وكذا...او عندما يقول ان النبى صلى الله عليه وسلم..."زاد على الحقيقة" عندما قال...كيت وكيت....ولكن لم لا يتحرجون من القول بوجود الاستعارة فى كلام الله ورسوله...مع انهم يرون الاستعارة لا تنفصل عن المبالغة بشهادة البيانيين انفسهم؟؟والعبرة بالمعاني لا بالالفاظ...
فى الزوائد:

حدثنا العباس بن الفضل ثنا محمد بن عبد الله التميمي قال أخبرني الحسن بن عبيد الله قال حدثني من سمع النابغة الجعدي يقول : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فانشدته قولي ...
وانا لقوم ما نعود خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا ...
وننكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردها ... صحاحا ولا مستنكرا أن تعقرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وانا لنبغي فوق ذلك مظهرا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم الى أين قال قلت الى جنة قال نعم ان شاء الله ..
ولعل فى سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم الى اين.....معنى الانكار...من ظاهر مبالغة النابغة رضى الله عنه...فلما تبين ان الامر حقيقة....اقره صلى الله عليه وسلم...هذه والامر يتعلق بالشعر الذي يغتفر فيه ما يغتفر....فكيف يليق هذا بالنصوص الشرعية...
وعموما فان الاحاديث التى تنهى عن الاطراء والمدح اشهر من ان تذكر...
حاول الامام عبد القاهر الجرجاني التخفيف من حدة "أزمة المبالغة"فذهب الى ان المبالغة ليست زيادة فى المعنى بل زيادة فى تقرير المعنى فى نفوس السامعين...ويمكن ان نصوغ رايه على النحو التالي......: ليست المبالغة اثبات الزيادة بل زيادة الاثبات.....ولتفسير ذلك قال فى "دلائل الاعجاز ":

"أعلمْ أنَّ سبيلك أوّلاً أن تعلم أنْ ليستِ المزيّةُ التي تُثبتُها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهرِه والمبالغةُ التي تدَّعي لها في أنفسِ المعاني التي يقصدُ المتكلمُ إليها بخبرِه ولكنّها في طريق إثباتِه لها وتقريرِه إيّاها . تفسيرُ هذا أنْ ليس المعنى إذا قلنا : " إن الكنايَة أبلغُ منَ التَّصريح " أنّك لمّا كنيتَ عن المعنى زدتَ في ذاته بل المعنى أنّك زدتَ في إثباتهِ فجعلتَه أبلغَ وآكد وأشدَّ . فليستِ المزيّةُ في قولهم : " جمُّ الرماد " أنّهُ دلَّ على قِرًى أكثرَ بل المعنى أنك أثبتَّ له القِرى الكثيرَ من وجهٍ وهو أبلغُ . وأوجبْتَهُ إيجاباً هو أشدُّ وادَّعيته دعْوى أنتَ بها أنطقُ وبصحَّتها أوثق.وكذلك ليست المزيّةُ التي تراها لقولك : " رأيتُ أسداً " على قولك : " رأيتُ رجلاً لا يتميَّزُ منَ الأسد في شجاعته وجُرأته " أنّك قد أفدتَ بالأول زيادةً في مُساواته الأسدَ بل أنَّك أفدتَ تأكيداً وتشديداً وقوّة في إثباتك له هذه المساواةَ وفي تقريرِك لها . فليس تأثيرُ الاستعارةِ إذاً في ذاتِ المعنى وحقيقتِه بل في إيجابهِ والحكمِ به وهكذا قياسُ التّمثيل ترى المزيَّةَ أبداً في ذلك تقعُ في طريقِ إثباتِ المعنى دون امعنى نفسه . فإِذا سمعْتَهم يقولون : إنَّ من شأنِ هذه الأجناسِ أن تُكسِبَ المعاني نُبلاً وفضلاً وتوجِبَ لها شَرفاً وأن تفخمَها في نفوسِ السّامعين وترفَعَ أقدارَها عند المُخاطَبينَ فإِنّهم لا يُريدون الشَّجاعةَ والقِرى وأشباهَ ذلك من مَعاني الكلِم المُفردةِ وإنّما يَعْنون إثباتَ معاني هذه الكلِم لمَنْ تثبتُ له ويُخَبَّرُ بها عنه...."
لكن يبدو ان البلاغيين بعد الجرجاني لم يقتنعوا بهذا المسلك فتعقب الخطيب قول الجرجاني السابق قائلا:
ولقائل أن يقول قد تقدم أن الاستعارة أصلها التشبيه وأن الأصل في وجه الشبه أن يكون الشبه به أتم منه في المشبه وأظهر فقولنا رأيت أسدا يفيد للمرء شجاعة أتم مما يفيدها قولنا رأيت رجلا كالأسد لأن الأول يفيد شجاعة الأسد والثاني شجاعة دون شجاعة الأسد ويمكن أن يجاب بحمل كلام الشيخ على أن السبب في كل صورة ليس هو ذلك لا أن ذلك ليس بسبب في شيء من الصور أصلا ...
ويتلخص من كلام الخطيب ..ان المبالغة فى الاقناع والتأثير على المخاطب وان كانت واردة ومطلوبة فإنه لا ينبغي ان تخفي المبالغة الاخرى التى أنكرها الشيخ الجرجاني....وعلى هذا النهج سار ابن يعقوب المغربي عندما شرح كلام الخطيب المتعلق بالمفاضلة بين التشبيه والاستعارة فقال:"......فيستشعر من ذلك أنه بالغ فى التشبيه حتى سوى بينهما وصيرهما من جنس واحد بحيث يشملهما الاسم على ما تقدم فى الاستعارة ففهم من ذلك مساواتهما عند المتكلم فى الشجاعة الجامعة لهما فهنا مبالغة فى التسوية أفادها التعبير عن المشبه بلفظ المشبه به لأن ذلك يشعر باتحادهما وكونهما شيئا واحدا وهذه المبالغة لا توجد فى الحقيقة التي هي التشبيه كأن يقال زيد كالاسد لأن اصل التشبيه الاشعار بكون الوجه فى المشبه به أقوى فلا مساواة فقد ظهر أن الاستعارة تفيد المبالغة فى تسوية الشبيهين فى الوجه والمبالغة فى تقرير اللازم فى الذهن...."
ويستفاد من آخر كلام ابن يعقوب...ما تقرر عند الخطيب من ان المبالغة فى الاستعارة مزدوجة...مبالغة فى زيادة المعنى فى الخارج...وزيادة فى تقرير المعنى فى الذهن....فيعود الاشكال من جديد:
هل يمكن للنص الديني....ان يزيد على معاني الاشياء....فالاحمر الباهت مثلا هل يمكن ان ندعي فيه بأنه احمر قان....أليس هذا كذبا؟
وهذا اوان التفصيل فى مسألة الكذب هذه:
قال صاحب الايضاح:

اختلف الناس في انحصار الخبر في الصادق والكاذب فذهب الجمهور إلى أنه منحصر فيهما... ثم اختلفوا..
فقال الأكثر منهم صدقه مطابقة حكمه للواقع وكذبه عدم مطابقة حكمه له.. هذا هو المشهور وعليه التعويل.
وقال بعض الناس صدقه مطابقة حكمه الاعتقاد المخبر صوابا كان أو خطأ وكذبه عدم مطابقة حكمه له ..واحتج بوجهين أحدهما:أن من اعتقد أمرا فأخبره به ثم ظهر خبره بخلاف الواقع يقال ما كذب ولكنه أخطأ كما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت فيمن شأنه كذلك ما كذب ولكنه وهم.....
ورد بأن المنفي تعمد الكذب لا الكذب بدليل تكذيب الكافر كاليهودي إذا قال الإسلام باطل وتصديقه إذا قال الإسلام حق فقولها ما كذب متأول بما كذب عمدا.
الثاني قوله تعالى ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) كذبهم في قولهم إنك لرسول الله وإن كان مطابقا للواقع لأنهم لم يعتقدوه وأجيب عنه بوجوه
أحدها أن المعنى نشهد شهادة واطأت فيها قلوبنا ألسنتنا كما يترجم عنه أن واللام وكون الجملة اسمية في قولهم إنك لرسول الله فالتكذيب في قولهم نشهد وادعائهم فيه المواطأة لا في قولهم إنك لرسول الله
وثانيها أن التكذيب في تسميتهم إخبارهم شهادة لأن الإخبار إذ خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة.
وثالثها أن المعنى لكاذبون في قولهم إنك لرسول الله عند أنفسهم لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه المخبر عنه...
وأنكر الجاحظ انحصار الخبر في القسمين وزعم أنه ثلاثة أقسام صادق وكاذب وغير صادق ولا كاذب لأن الحكم إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر له أو عدمه وإما غير مطابق مع الاعتقاد أو عدمه: فالأول أي المطابق مع الاعتقاد هو الصادق... والثالث أي غير المطابق مع عدم الاعتقاد هو الكاذب..... والثاني والرابع أي المطابق مع عدم الاعتقاد وغير المطابق مع عدم الاعتقاد كل منهما ليس بصادق ولا كاذب فالصدق عنده مطابقة الحكم للواقع مع اعتقاده والكذب عدم مطابقته مع اعتقاده وغيرهما ضربان مطابقته مع عدم اعتقاده وعدم مطابقته مع عدم اعتقاده واحتج بقوله تعالى ( افترى على الله كذبا أم به جنة ) فإنهم حصروا دعوى النبي الرسالة في الافتراء والإخبار حال الجنون بمعنى امتناع الخلو وليس إخباره حال الجنون كذبا لجعلهم الافتراء في مقابلته ولا صدقا لأنهم لم يعتقدوا صدقه فثبت أن من ا لخبر ما ليس بصادق ولا كاذب...
وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد فهو نوع من الكذب فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب وهو الكذب لا عن عمد فيكون التقسيم للخبر الكاذب لا للخبر مطلقا والمعنى افترى أم لم يفتر وعبر عن الثاني بقوله أم به جنة لأن المجنون لا افتراء له....
وقد نقلت النص بطوله...لاننا سنعود اليه لاحقا لنثبت اضطرابهم فى تعريف الخبر الكاذب...وحسبنا الآن الاشارة الى ان عمدة المدافعين عن المجاز هو التأويل بنصب القرينة...وإلا فالمصير الى الكذب حتمي.

قال الصبان فى الرسالة البيانية:
الفرق بين المجاز أعني الكلام المشتمل عليه والكذب بالتاويل ..اي ارادة خلاف ظاهر اللفظ وبنصب القرينة على ان الظن الذى هو المعنى الحقيقي غير مراد فالمتجوز مؤول كلامه وناصب قرينة على ان الظن غير مراد له بخلاف الكاذب ...فإنه يدعي الظن ويريده ويصرف همته الىاثباته مع كونه غير ثابت فى نفس الامر ....مثلا إذا قال قائل :جاءني اسد مع ان الاسد الحقيقي لم يجيء اليه فإن لم يرد ظاهر اللفظ بل اراد الرجل الشجاع الذي يشبه الاسد الحقيقي ونصب على ذلك قرينة ..فالكلام استعارة وإذا اراد ظاهره ولم ينصب قرينة على خلافه فهو كذب ....كذا ذكره القوم ونظر فيه العصام فى رسالته الفارسية من وجوه:
أحدها:كما يشتبه المجاز بالكذب والفارق بينهما ما ذكر كذلك يشتبه المجاز بالخطأ كما اذا كان المجاز فى كلام طلبي مثل قول القائل آمرا الآخر فى مقام لا يتصور فيه الاسد الحقيقي "قاتل الاسد" فالاشتباه هنا ليس بالكذب لكون الكلام غير خبري بل بالخطأ لأن القائل لو اراد الظن كان مخطئا لأنه يكون آمرا بمحال فلا وجه للتخصيص بالكذب.
الثاني:
ان كلامهم هنا يشعر بان المجاز صدق دائما فإنهم قابلوه بالكذب ...وليس كذلك بل هو كسائر الاخبار فى احتمال الصدق والكذب. ..
الثالث:
ان كلامهم هذا يقتضي ان يكون اللفظ المجازي كاذبا باعتبار معناه الحقيقي البتة وليس كذلك إذ يجوز ان يجيء اليه الحيوان المفترس مثلا ايضا ...لكن مجيئه ليس مقصودا بالافادة من الكلام بل المقصود إفادة مجيء الرجل الشجاع ....
وأجاب "المولوي" عن الاول بأن الذي يجب تنزيه الكلام البليغ عن تهمة الاشتباه هو الكذب ولذلك خصوه بالذكر ....وعن الثاني بأن معنى كلامهم أن التأويل ونصب القرينة يدفعان عن المجاز كونه قطعي الكذب ..لا انهما يجعلانه قطعي الصدق..حتى يرد عليهم ما اورد........وعن الثالث بأن القوم إنما حكموا بأن قرينة المجاز إنما تمنع من ارادة المعنى الحقيقي من اللفظ أي تمنع السامع ان يذهب ذهنه الى المعنى الحقيقي ..هو مراد المتكلم من هذا اللفظ لا انها تمنع المعنى الحقيقي من ان يوجد جائيا فى نفس الامر ..فقولك :"يرمي" إنما يمنع ان يكون مراد المتكلم من الاسد الحيوان المفترس لا من يوجد جائيا للمتكلم فى نفس الامر...."
لا يخفى ان الجواب على الاعتراض الثالث ضعيف...فمن قال "جاء الاسد يرمي"فقد قصد الاخبار بخبر واحد يتضمن ثلاثة امور: اسد هو انسان...جاء منتقلا من مكان الى مكان....وهو فى حالة رمي...
وجواب المولوي يقتضي فصل الفعل عن الفاعل والحال عن صاحبها...وليس هذا مراد المتكلم أبدا...فذهن المستمع يدرك الجملة كلا...فيفهم ان رجلا شبه بالاسد جاء يرمي.....ولا يفهم ان اسدا حقيقيا جاء بسبب القرينة...ولكن لو ثبت ان الاسد الحقيقي هو الذي جاء بدل الشجاع من الناس لكان الخبر كذبا لا محالة....فلا يزول اعتراض العصام.... عندما قال : ان كلامهم هذا يقتضي ان يكون اللفظ المجازي كاذبا باعتبار معناه الحقيقي البتة وليس كذلك إذ يجوز ان يجيء اليه الحيوان المفترس مثلا ايضا.
ونزيد المسالة تفصيلا فنقول..:"جاء أسد يرمي"تعبير يلقيه المتكلم للمخاطب..وقصده ان ينصرف ذهن المتلقي عن الاسد الحقيقي...بقرينة الاستعارة التصريحية.. وهي فعل "يرمي"فكأن المتكلم قال : افهم أن اي شيء جاء جائز...لكن الاسد الحقيقي ممنوع من المجيء....وهذا صحيح على مذهبهم لانهم يزعمون ان القرينة مانعة لا معينة...لكن احتمال مجيء الاسد ممكن قطعا...فجاء اضطراب القوم....وقد تعمدنا الوقوف عند هذه النقطة من البحث..لما لها من ذيول فى مسالة الاسماء والصفات....فعندما يثبت الله لنفسه "يدا"يزعم المخالف ان هذا مجاز...ويقول فى اجرائه...لقد قامت القرينة العقلية وانتصبت لتعلن...ان اليد الحقيقية ممنوعة لرب العالمين...ولك مسلكان: ان تكتفي بالقرينة المانعة ولا تعين معنى وراء ذلك..وهذا هو التفويض..أو تجتهد لايجاد معنى يعادل اليد ويليق بالرب جل فى علاه.....اما الاتفاق على ان المعنى الحقيقي غير مراد فهو قطعي عند الفريقين....
ويقال للفريقين...ولكن الاسد الحقيقي يجوز ان يأتي....فلم لا يجوز للمعنى !الحقيقي لليد ان يكون مرادا ايضا....
وقد حاول الصبان ان يحوم حول الاشكال فقال:"لا يخفى ان هذا الجواب -يقصد جواب المولوي-لا يلاقي الاعتراض الثالث ولا يدفعه ..ويمكن دفعه بأن كلام القوم مفروض فيما إذا كان المعنى الحقيقي منتفيا بدليل قولهم فى التمثيل: إذا قال قائل:"جاءني اسد" مع ان الاسد الحقيقي لم يجىء اليه ..وبفرض ذلك يكون اللفظ المجازي كاذبا باعتبار معناه الحقيقي البتة فافهم..."
ولكن ماذا يفهم ؟
فقولهم "مع ان الاسد الحقيقي لم يجىء اليه.."هل عرفوه من قول القائل "جاءني اسد" ام من مصدر آخر......
فإن لم يفهم من الكلام ..كان الخطاب عبثا...سواء أكان حقيقة ام مجازا ولأصبح نصب القرينة لا معنى له لان القطع بعدم مجيء الاسد ثبت من غير كلام المتكلم...
وان فهم منه...بقي الاعتراض السابق...
فلم يأت الصبان بدافع....وللدكتور لطفى عبد البديع ان يعلق قائلا:"...فإن الاعتراض الثالث لا يقوم دونه شيء لأنه يضيق الخناق على كلام القوم بحيث يتهاوى معه ما قالوه فى بيان الفرق من أن المجاز يراد به خلاف الظاهر..لأن الظاهر فى اللفظ المجازي هو المعنى الحقيقي ..وهذا المعنى فى نفس الامر مما يصح له أن يثبت له المجيء وعدمه ...فإذا ثبت له المجيء فهل تكون ارادة الظاهر فى هذه الحالة الا الصدق؟؟؟
وقبل متابعة مسألة الكذب..نشير عرضا الى تمسكهم بمفهوم "القرينة" كفيصل بين ما يريد المتكلم وما لا يريد...فإن كانت القرينة عقلية...فالمرجع الى الكتاب العظيم لابن تيمية "درء التعارض بين العقل والنقل"وما احسب هذا الكتاب الا كتابا فى البلاغة أراد به شيخ الاسلام ..تفنيد دعوى القرينة العقلية...التى لهج بها مؤولو الاسماء والصفات...واعتبروها مانعة من ارادة المعنى الحقيقي ...ولعل الكلام فى هذا يطول..وحسبي ان ابين عيوب القرينة فى حالة كونها "لفظية" لنبقى داخل دائرة البلاغة فذلك هو مقصودنا الاصلي....
قال الطرودي التونسي المتوفى سنة1167ه فى شرحه "جامع العبارات فى تحقيق الاستعارات":
القرينة:ما يفصح عن المراد لا بالوضع..هذا التعريف ذكره الجامي وغيره فى اوائل المرفوعات..وعللوا بالتقييد بعدم الوضع بأنه لم يعهد ان يطلق على ما وضع بإزائه شيء أنه قرينة..فقوله : على المراد..اي مراد المتكلم بقرينة تعريفها أولا ....بما نصبه المتكلم للدلالة على قصده...واعلم ان نصب المتكلم وقصده مما لا يطلع عليه...فجعلوا قيام القرينة دليل النصب والاقامة عند انتفاء المانع من السهو..ولذا قالوا فى مقامات الحذف "لقيام قرينة" دون "إقامة قرينة"......(مانعة من ارادته) اي ارادة ما وضع له....وهذا تمام التعريف.....
وفى بعض مؤلفات الشارح لا بد من قيد آخر وهو ان تكون قرينة على المراد..فإنه لو لوحظ علاقة ونصب قرينة مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي ولم تنصب قريبة معينة للمعنى المستعمل فيه لا يكون مجازا...
إلا ان يناقش ويقال:القرينة المعينة شرط دلالة المجاز لا تحققه..انتهى قاله المحشي(يقصد حفيد العصام)
وفي شرح الشمسية للمحقق التفتازاني القرينة المانعة عن ارادة الموضوع له..وهي التي لا بد للمجاز منها وهي غير المعينة-بتشديد الياء مع كسرها-
وفى الرسالة الفارسية للشارح:واعلم ان المجاز يكفي فى تحققه القرينة المانعة عن ارادة المعنى الحقيقي وأما القرينة المعينة للمراد فليست شرطا فى التحقق بل فى استعماله وقبوله عند البلغاء..فإن فقدت كان مردودا الا ان يتعلق بعدم ذكر المعينة غرض ....كالتعميم لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فيكون مقبولا حسنا فليحرر......(انتهى كلام الطرودي بطوله واحالاته....)
هنا لا بد من سؤال: لماذا اصر جمهور البلاغيين......على ان القرينة مانعة فقط وليست معينة...ففى قولهم :أسد يرمي...يرون القرينة وظيفتها منع فهم الاسد ...وليس من وظيفتها تعيين الانسان الشجاع...فلو ان الانسان فهم ان الاسد غير مقصود ومع ذلك لم يستطع ان يفهم من هذا الذي جاء...فالاستعارة تحققت..ولو لم ندر من هذا الاسد المجازي.....
لا ارى الا جوابا واحدا مقنعا....لكنه مع الاسف يجعل الشك يحوم حول مصداقية علم البيان كله...على الاقل من الناحية الابستملوجية.....:
مرادهم الحقيقي...تصحيح مذهبي التفويض والتأويل ..وهما مذهبان معتبران معا عند الاشاعرة والماتريدية..وهم جل من اشتغل بالبلاغة...
فالمفوض يقول....يد الله ليست حقيقة قطعا....فإن قيل له وما المراد منها سكت وفوض...وفصل البلاغيون قاعدة القرينة ارضاء له....فالقرينة تمنع ولا تعين....وهذا هو التفويض...فلو انهم قالوا بوجوب تعيين القرينة للمعنى المراد لوقع المفوضون فى الحرج......
افيكون علم البيان علما تبريريا....واسمحوا لي باستعمال كلمات غريبة: هل البلاغة علم ام اديولوجيا؟
هل جاء هذا العلم ليفسر الظواهر اللغوية تفسيرا علميا موضوعيا ام جاء ليسند المذهب الاشعري؟
وعندي مثال آخر صارخ...قالوا يجوز ان يكون المجاز ولا حقيقة له.....ومع ان هذا الكلام اقرب الى المحال ...نصروه وأيدوه.....وتداولوه فيما بينهم لحاجة فى نفس يعقوب....قال ابن القيم فى مختصر الصواعق:"لو لم يكن المجاز مستلزما للحقيقة لعري وضع اللفظ للمعنى عن الفائدة..."
فما معنى ان يوضع اللفظ ولا يستعمل فى الحقيقة ابدا بل يستعمل فى المجاز فقط ؟؟
ثم ما الذي ورط البيانيين فى هذا وهم يقولون المجاز فرع عن الحقيقة...فكيف بفرع ولا اصل له؟؟
الجواب : ان هؤلاء كانوا يفكرون فى اسم الله "الرحمن"...فالرحمن على مذهبهم "مجاز"...لان الرحمة رقة تعتري الخ الخ.....ولكن هل استعمل الرحمن حقيقة؟ يعني هل وجد مخلوق انطبق عليه "رحمن" حقيقة...
الجواب لا....إذن فليكن المجاز ولا حقيقة له....وأضافوا الى هذا ما يشبه الخداع...فقالوا الدليل على ان المجاز قد لا يكون مسبوقا بالاستعمال الحقيقي...اسم الله "الرحمن"...فلبسوا الاسباب والنتائج...فأوهموا انهم خرجوا الاسم على القاعدة وما كان الا العكس اخترعوا القاعدة لتبرير الفهم الاشعري لاسم الله الرحمن....فكن على حذر...
بعد هذا الاستطراد..... نعود الى مسألة القرينة:

قالوا: "الاسد يرمي...."الاسد استعارة للانسان الشجاع..لمه؟لأن الرمي لا يناسب السبع...ويمنع فهم "الرمي"الا مسندا للانسان...لكن ماذا لو كانت قرينتكم "استعارة "اخرى....؟فهل يتسلسل الامر ام يدور؟
هذا الاعتراض ليس افتراضيا....بل هو حقيقي...فهم يقررونه ولا ينتبهون الى الدور فى استدلالهم كما سنأخذ من أقوالهم...

[size="6"]ملاحظة: [/size]

وقع في يدي مؤخرا كتاب الدكتور المطعني عن المجاز.....وهو كتاب ضخم جدا يشتمل على 1147 صفحة بدون احتساب الفهارس ...حشد فيه صاحبه كل ما وجده في طريقه من الفقهاء والمفسرين والأصوليين والبلاغيين.....وما ذلك بنافعه.........لأنه لم يحرر محل النزاع مع ابن تيمية.......فقد اعتقد أن شيخ الاسلام ينكر مثل قولنا:
رأيت أسدا يرمي.......
ويرميه بالتناقض.......لأن التعبير السابق عربي لا غبار عليه.....
ولو حرر الدكتور محل النزاع مع منكري المجاز لتخلى عن كتابه كله وأعاد البحث جذعا.

ومحل النزاع هو التالي:
عندما يسمع المستمع عبارة:رأيت أسدا يرمي.......

فماذا يحدث في ذهنه:
-هل يكتفي بالسياق اللفظي والحالي فيفهم أن المقصود رؤية رجل يرمي.
-أم لا بد من أن يستحضر صورة الأسد أولا ثم يفهم أن الأسد غير مقصود ثانيا ثم يصحح الفهم بملاحظة القرائن فيفهم أن المقصود رجل ثالثا.
أهل المجاز يقولون لا بد لفهم الجملة السابقة من المرور بالمراحل الثلاث.
ونحن نقول أن الأقرب هو الفرض الأول.....وندعي أن المرحلة الأخيرة كافية للفهم دون سابقتيها.

وقد رأيت الدكتور عبد العظيم المطعني قد أساء الأدب مع الامامين ابن القيم والامين الشنقيطي رحمهما الله.....وفي نيتي الرد على مطاعنه إن شاء الله.

المقدادي 18-04-06 01:36 PM

بورك فيك يا شيخ ابو عبد المعز على هذا الرد العلمي


و نتمنى منك اكمال الرد على مطاعن الدكتور المطعني

عبدالله الغالبي 18-04-06 05:47 PM

[COLOR="Blue"][SIZE="5"]أخي الكريم بارك الله بكم
قولك : ومحل النزاع هو التالي:
عندما يسمع المستمع عبارة:رأيت أسدا يرمي.......

فماذا يحدث في ذهنه:
-(هل يكتفي بالسياق اللفظي والحالي فيفهم أن المقصود رؤية رجل يرمي.
-أم لا بد من أن يستحضر صورة الأسد أولا ثم يفهم أن الأسد غير مقصود ثانيا ثم يصحح الفهم بملاحظة القرائن فيفهم أن المقصود رجل ثالثا.
أهل المجاز يقولون لا بد لفهم الجملة السابقة من المرور بالمراحل الثلاث.
ونحن نقول أن الأقرب هو الفرض الأول.....وندعي أن المرحلة الأخيرة كافية للفهم دون سابقتيها.)

أخي المرحلة الأخيرة التي ذكرتها هي مرحلة الحكم وهو ما اسميته بالفهم

لكن لايكون حكم إلا بتصور الواقعة وإلا لكان حكماً فاسداً فحذف مقدمات التصور ثم الوصول إلى نتيجة بلا تصورات هذا أمر مستحيل
لكن لا تتخيل أن معنى ذلك أن المسمع سيقرع سنة ويأخذ مدة من الزمن لفهم ذلك ثم يحكم ! فإن الأمر كله يا أخي قد يكون في ثانية أو أقل .
فالوصول للنتائج بلا مقدمات أمر بعيد حفظكم الله وسددكم

ثانياً : إن من يساوى بين المجاز والحقيقة في جعل استعمال المجاز وضعا ثانيا للفظ وما دمنا نقول بأن أصل المجاز وهو الحقيقة ثابت فقد جمعنا بين النفي ونقيضه، لأن بعض المنكرين يعتبر استعمال اللفظ في غير ما وضع له معناه نفي للوضع الأول، ولكنا نقول بأن المجاز غير موضوع، وإنما هو مجرد استعمال اللفظ في معنى غير المعنى الذي وضعه العرب له، ومعرفة هذا المعنى لا تتوقف على كونه مجازا، بل متوقفة على معرفة الوضع الأول، وقد عرفنا من مواد اللغة ومن كثرة استعمال المادة في معنى معين.. حتى إن هذا المعنى يتبادر إلى الذهن عند إطلاق اللفظ أن استعمال اللفظ في هذا المعنى الثاني ليس علي طريق الحقيقة ومعرفة كونه مجازا لا تتوقف على معرفة كونه موضوعا وضعا ثانيا كما يدعي من ينكره ولزم منه الدور فإن علماء اللغة نقلوا عن أهل الوضع تفريقهم بين الحقيقة والمجاز، ولنا أن نمنع الدور بالتعرف على المجاز عن طريق أمارات أخرى ذكرى الآمدي بعضها منها ــ مثلا ــ أن معنى التجوز لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه.

يتبع إن شاء الله[/SIZE][/COLOR]

عبدالله الغالبي 18-04-06 05:57 PM

[COLOR="Blue"][SIZE="5"]أما كون رد المنكر ين للمجاز بأن تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية، والنطق به وحده، وحينئذ فيتبادر إلى الذهن منه الحقيقة عند التجرد، وهذا الفرض هو الذي أوقعنا في الوهم، فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق بها لا تفيد فائدة وإنما يفيد تركيبه مع غيره تركيبا إسناديا يصح السكوت عليه، وحينئذ فإنه يتبادر منه عند كل تركيب بحسب ما قيد به. فيتبادر منه هذا التركيب ما لا يتبادر منه هذا التركيب .

فجواب ذلك : أنه غير مسلّم فما زال المتكلمون بهذه اللغة يتلفظون بألفاظ عارية من القيود تدل على معان حقيقة، وتتبادر منها الحقيقة عند الإطلاق ومن منا ينكر أنه إذا سمع كلمة " الأرض" يتصور منها ذلك المركز السفلي المبسوط تحت قدميه وتلك حقيقتها التي وضعت لها ومن ينكر أنه إذا سمع كلمة " السماء" مطلقة هكذا من القرائن والقيود أنه يتصور منها هذه القبة الزرقاء المضروبة على العالم الأرض من أقصاه إلى أقصاه؟ !!

هل ينكر أحدنا أنه إذا سمع كلمة " ماء" أنه يتصور ذلك السائل المشروب الذي جعل الله سبحانه وتعالى فيه حياة للأجسام؟،

ثم إننا لو ألقينا نظرة على معاجم اللغة لوجدنا أنَّ كل الكلمات فيها استعملت استعمالاً مطلقاً، فعلماء وأئمة اللغة ما نقلوا لنا التراكيب وإنما نقلوا لنا المفردات، فهم يذكرون الكلمة الواحدة المطلقة ثم يتبعونها بمعناها،

ثانياً : بالنسبة لقول من ينكر المجاز : إن إفادة المعنى من الفظ إنما يكون مع قرينة التركيب كلام غير صحيح و إلا لما فهمت أزواج النبي ــ عليه الصلاة والسلام ــ المعنى الحقيقي لليد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( أسرعكن لحوقا أطولكن يدا ) [59] حتى أن بعضهن جعلت تقيس يدها لفهمها ذاك ـ ولا شك في أنهن كن عربيات فصيحات ــ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد المعنى المجازي ويتبين ذلك عندما توفيت أم المؤمنين زينب ــ رضي الله عنها ــ أول أزواجه ــ لحاقا به، وكانت كثيرة الصدقة.
يتبع[/SIZE][/COLOR]

عبدالله الغالبي 18-04-06 06:05 PM

[COLOR="Navy"][SIZE="5"]
أخي الكريم: إن مصطلحات البلاغيين في العلم الذي دونوه من حقيقة ومجاز وكناية واستعارة شبيهة بمصطلحات علم النحو من مبتدأ وخبر وفعل وفاعل ومفعول وظرف واستثناء ... الخ، كلها إنما جاءت بما كان العرب يستعملونه في كلامهم لو لا أنهم لم يضعوا للألفاظ التي يتلفظون بها هذه المسميات التي تميز بين لفظ وآخر، لأنهم كانوا يميزون بينها بسليقتهم، وما أظرف قول ذلك الأعرابي معرضا بالنحاة ــ وفي كلامه تأكيد لما نقول:

ولست بنحوي يلوك لسانه ولكن سليقى أقول iiفأعرب


وعندما اختلط الجنس العربي بغيره من أجناس الأمم أدى ذلك إلى ضعف اللسان العربي مما دفع إلى تلمس القواعد والأسس التي يحفظون بها لغتهم العربية، على أن العلوم الإسلامية جميعها ترجع إلى أصل واحد، وتنبع من منبع واحد ألا وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وكلها تخدم القرآن الكريم، وغاية جميعها إنما هي إظهار وجوه إعجاز القرآن الكريم، وسبل تيسير فهمه لجميع فئات الناس، والأخذ بأحكامه في جميع مجالات الحياة، .

تنبيه :
للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى مؤلف يقر فيه بالمجاز، ويحاول الاستشهاد عليه بالكثير من آيات القرآن الكريم ومؤلفه هذا هو الكتاب المسمى (( كتاب المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان)).

وليطالع المنصف شرحه لكلام صاحب المنازل في كتابه ((مدارج السالكين)) فإنه سيجد فيه عبارات من يقر بالمجاز لا من ينكره، ومن كثرة استعماله للأساليب الاستعارية والمجازية الشئ الكثير الذي قد لا يوجد في مؤلف آخر، ومثل ذلك يقال في كتابه (( الصواعق ))
بل حتى في مبحث إنكار المجاز في كتابه الصواعق
قال : كسر الطاغوت الثالث المجاز لننظر في هذا التعبير .. تسميته المجاز طاغوتا مجاز، فقد وقع في المجاز في نفس هذه الترجمة التي أراد بها إبطال المجاز، ثم عبر عن رد المجاز بالكسر وذلك أيضا مجاز، فقد وقع فيما فر منه رحمة الله عليه أ. هـ.[/SIZE][/COLOR]

يتبع إن شاء الله

عبدالله الغالبي 18-04-06 06:12 PM

[SIZE="5"]
إن للمجاز وأشكال استخدامه أكبر الأثر في إنجاز عملية التطور الدلالي في اللغة العربية عبر التاريخ، و ذلك من خلال عدد من السبل يسلكها المجاز، فيبني ويجدد ويغني. من ذلك:( إن استعمال اللفظ في معنى مجازي، يصبح لطول العهد به حقيقياً، فلا يذكر معه المعنى الأصلي إلا بالرجوع إلى قواميس اللغة، أو المتخصصين من علمائها. ومن أمثلة ذلك أنظر إلى هذه الكلمات مثل: المجد، الوغى، الظعينة، العقيقة.. فالمعنى الأصلي الحقيقي الذي كانت تستعمل فيه كلمة (المجد) هو: (امتلاء بطن الدابة بالعلف)، وبعد تقدم العرب استعمل في معنى مجازي هو السمو والرفعة، بعلاقة المشابهة في الامتلاء، وقد كثر استعمال لفظ (المجد) في هذا المعنى الجديد حتى نُسي معناه القديم.
و(الوغى) معناه الحقيقي: (اختلاط الأصوات في الحرب) ثم أُطلق على الحرب نفسها على سبيل المجاز من باب إطلاق الجزء على الكل، وشاع استعماله فيها.
و (الظعينة) أُطلق قديماً على المرأة في الهودج، ثم نقل إلى الهودج تارة وإلى البعير الذي يحمله تارة أخرى، وقد غلب الاستعمال المجازي بعلاقة المجاوزة المكانية.
و (العقيقة) هي في الأصل الشعر الذي يخرج على الولد من بطن أمه، ثم نقل إلى الذبيحة التي تنحر عند حلق ذلك الشعر على سبيل المجاز بعلاقة المجاوزة الزمانية.
وهناك المجاز الفني، وهو الأساس في العمل المجازي اللغوي المتضمن استعارات وكنايات وتشبيهات متنوعة، من ذلك: مأتم الشمس، كبد الأفق، الدمعة الحمراء، غادة الليل، أثواب الفجر، أنامل الظلام.. مما يكثر وروده في الشعر خاصة ويشكل عملية تجديد لغوي مستمر ومتواصل.
والحقيقة أن اللغة العربية تمتلك طاقة مجازية هائلة وتكاد تنفرد بهذه السمة بين اللغات الأخرى، فكل لغة تعتمد في دلالاتها على قدر مما يعرف بالكليات وقدر آخر من الخصوصيات.

[COLOR="Blue"]وخذ أيضاً من الأمثلة :


1 - الانتقال من الدلالة الحسية إلى الدلالة المجردة: مثال ذلك فعل (لحا) بمعنى شتم وقرَّع بشدة، وتلاحى الرجلان: تشاتما، وأما أصل الاستعمال فهو قشر جذوع الأشجار، فكأن الفعل (لحا) أي قشر جذع الشجرة، قد انتقل إلى معنى تجريد الآخرين من سماتهم المحمودة، وإظهار معايبهم.
وفعل (أُغريَ) به إغراءً، إذا أولع بالشيء ولزمه، وأصل الفعل مستمد من الدلالة الحسية، من (الغراء) وهو الصمغ الذي يكون عالقاً بالشجرة، ثم استعمل في القرب والمجاورة، إلى أن تحول إلى معنى الهوى والولع المجردين.
وفعل (صرم) والصريمة بمعنى القطيعة والخصام، والسيف صارم أي قاطع، فهذا مجرد.
2 - التعميم: وذلك في مثل كلمة (المطية) بمعنى الناقة، وأصلها (المطا) أي الظهر، لأن الناقة يُركب على ظهرها، ثم توسعت دلالة الكلمة لتشير إلى الناقة كلها، لا إلى جزء من جسمها فقط.
وفعل (ذاد) تطورت دلالته لتشمل معنى دفع كل إنسان وعدو عن الأرض والعرض والممتلكات وما يخص صاحب الحق. وكان الفعل في الأصل مخصوصاً في معنى دفع الإبل والغنم عن حوض الماء ومنعها من الشرب إلى حين.
أما أصل عبارة (رفع عقيرته) فيعود إلى محارب عقرت رجله في المعركة، أي قطعت، فرفعها وجعل يصيح، فقيل بعدئذ في كل من رفع صوته عالياً: رفع عقيرته.
3 - التخصيص: وذلك في مثل كلمة (النضار) الدالة على الذهب، وهي في الأصل كانت تدل على الخالص النقي من كل شيء، ثم حُددت بمادة بعينها وهي الذهب.
وأنظر إلى قول المتنبي:
لم تحك نائلك السحاب، وإنما
حمت فصبيبها الرُّخصاء
فهو يدعي ان السحاب قد اصابته الحمى، من الغيرة من كرم الممدوح فانصب منه العرق، وما هذا الماء الذي يتصبب منه العرق، وما هذا الماء الذي يتصبب منه إلا ذلك العرق المنصب من شدة غيرته.
والرخصاء العرق يكون أثر الحمى.[/COLOR]

[COLOR="Red"]أخيراً أعتذر لكم جميعاً عن التطويل والقصد الفائدة وجزى الله أخي عبدالمعز خير الجزاء على هذه المداخلات الماتعة وللعلم فقد استفدت من بحوث عديدة لجمع من العلماء فجزاهم الله خيراً[/COLOR][/SIZE]

أبو عبد المعز 18-04-06 07:22 PM

أخي عبد الله الغالبي...بارك الله فيك وأحسن إليك....
معظم ما أشرت إليه تناولته في بحثي....ولا أحب ان أكرر نفسي.....لكن عندي بعض الملاحظات :
-القول بأن ابن القيم يقول بالمجاز باطل....لكن لا بد من تحرير محل النزاع.....فلا ينكر ابن القيم ولا غيره.....جاء الأسد.....لكن ينكر فهم المجازيين للتعبير...... يزعمون أننا شبهنا الاسد بالانسان وبالغنا في التشبيه حتى اصبح الانسان والاسد داخلين في جنس واحد.......ولما حصل ذلك التماهي استعرنا من الاسد اسمه ونقلناه إلى الانسان.......فأصبح عندنا أسدان: حقيقي وادعائي.......

ابن القيم يقول كل هذا تمحل وكذب فهل خطر كل هذا في ذهن العربي البدوي ......أم هو الرجم بالغيب.....والأمر- أخي- لا علاقة له بالسرعة والبطء بل بمأخذ الكلام.
-ابن القيم ليس له كتاب بالعنوان والموضوع الذي ذكرت...... - الفوائد المشوق لعلوم القرآن وعلم البيان المنسوب خطأ لابن القيم ، هو مقدمة تفسير ابن النقيب –غير محقق –
وهذا الكتاب عندي......وهو أبعد في روحه واسلوبه عما عهدناه في كتابات ابن القيم....أما من حيث المادة العلمية فهو مجرد تذكرة وجمع لأبواب البلاغة كما في الكتب المدرسية لا تحقيق فيها ولا استدلال.....بل هو ضعيف جدا بالمقارنة مع المصنفات البلاغية وشروحها المتأخرة......
-أمثلتك على المجاز معتبرة......لكن لا ننسى أن المجاز شقيق الكذب.....وأخ الادعاء...
وصنو المبالغة.....فهل ترضى للقرآن أن يشتمل على هذه الأمور....لك فقط ان تبرهن أن المجاز بريء من الكذب والادعاء والمبالغة.....لكن دون ذلك خرط القتاد...فالمجاز إن انفك عنها لن يبقى مجازا مع الأسف.........
-يفهم من كلامك -أخي - أنه لا يمكن انتاج كلام أو تذوقه بعيدا عن المجاز.....وقد قاله المطعني أيضا فزعم أن نفاة المجاز يستعملون المجاز ولا ينفكون عنه.فهم متناقضون...
وستكون لي معه وقفات إن شاء الله.وحسبي الآن أن
أضع بين يديك كلمات كنت علقتها على مجالس الشنقيطي في التفسير.....لترى كيف تصرف مع ما يدعونه مجازا....وجاء تفسيره ممتعا للغاية....وهذا برهان عملي على عكس ما ادعاه السيوطي رحمه الله من أن القرآن لو خلا من المجاز لخلا من شطر الحسن.......
وليس حقيقة الجمال إلا جمال الحقيقة.

مجالس الشنقيطي في التفسير:عذب نمير لا فيه مجاز للتعكير.

صدرت قديما رسالة الإمام الشنقيطي-رحمه الله- "منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز".
وصدرت حديثا أحاديثه في التفسير تحت عنوان : العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير بعناية الشيخ خالد السبت –حفظه الله-.
و هذا الإصدارالأخير قد يثير فضولا علميا-عندي على الأقل- من قبيل :كيف سيكون صنيع الشيخ-وهو المنكر للمجاز- أمام تفسير آيات يذهب في شأنها المفسرون إلى أن المجاز فيها ضربة لازب ؟ وكيف سينفذ الشيخ عمليا في "مجالسه التفسيرية " ما تقرر عنده نظريا في "منع جواز المجاز".؟
وقد رافقت الشيخ الإمام عبر رحلته التفسيرية فما وجدته –قط- يعرج على المجاز أو يستظل به فضلا عن أن يرفع له شأنا أو يأبه لمن يدعي أن إنكار المجاز مكابرة وأن تفسير القرآن بدونه لا يستقيم.....فقد استقام التفسير للشيخ وأمتعنا به أي إمتاع ووردناه عذبا نميرا وما كان المجاز إلا للتنحي غيرة على هذا الورد من التعكير.
ولعل استقراء المواضع كلها غير متاح , لكن لا ضير... فحسبنا أن نضرب أمثالا ونعتبر المذكور دليلا على المطوي :

1- تحليل الشنقيطي المعجمي ل"القتل" انطلاقا من تفسير قوله تعالى :"فاقتلوا أنفسكم":

قال-رحمه الله-(وقوله "فاقتلوا أنفسكم"كأنهم قالوا : بم نتوب إلى بارئنا توبة يقبلها منا؟ قيل لهم :"فاقتلوا أنفسكم"أو الفاء للتعقيب,لأن هذا القتل عقب الذنب هو الذي حصلت به التوبة.
وأصل "القتل " في لغة العرب :إزهاق الروح بشرط أن يكون من فعل فاعل ,كالطعن,والضرب,والخنق, وما جرى مجرى ذلك,أما إزهاق الروح بلا سبب من ضرب أو نحوه فهو موت وهلاك لا قتل.
وقد تطلق العرب مادة القاف والتاء واللام على غير إزهاق الروح, فتطلقه على التذليل, فالتقتيل : التذليل, وتطلق القتل أيضا على إضعاف الشدة , فمن إطلاق التقتيل على التذليل قول امريء القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي***بسهميك في أعشار قلب مقتل.
أي مذلل.وقول زهير:
كأن عيني في غربي مقتلة***من النواضح تسقي جنة سحقا.
وكذلك يطلق القتل على كسر الشدة , ومنه قتل الخمرة بالماء,أي : كسر شدتها بالماء,كما قال حسان رضي الله عنه:
إن التى ناولتني فرددتها***قتلت قتلت فهاتها لم تقتل.
يعني بقتلها :إضعاف شدتها بمزجها بالماء.)
ص95

يذكر الشيخ من معاني القتل ثلاثة:
- القتل بمعنى عام إزهاق الروح.
- القتل بمعنى عام هو إضعاف الشدة (التذليل صورة منه).
- القتل بالمعنى السابق لكنه خاص بالخمرة (اضعاف قوتها بالماء).
وقبل تحرير مسلك الشيخ نذكر ما يقرره أهل المجاز في مثل هذه الحالة تمهيدا للمقارنة بين التوجيهين :
سيقولون : القتل وضع لإزهاق الروح فقط.....
فإذا استعمل في غير أو أقل أو أكثر من إزهاق الروح فذالكم مجاز.وهكذا ف"القلب المقتل"عند امريء القيس مجاز حيث شبهت حالة الذل بحالة القتل وشبه المذل –بالكسر-بالقاتل.
والخمرة عند حسان "قتلت" ولما كان القتل لم يوضع إلا لزهق الروح كان التعبير بالخمرة المقتولة مجازا لا محالة : فالخمرة القوية التي ضعفت شدتها بالماء شبهت بالجسد الحي القوي المتحرك الذي نزعت منه الروح فأصبح خامدا خاملا.وهكذا يسلكون مع كل الاستعمالات الأخرى.....
تحت هذا التوجيه تكمن مسلمتان :
- القول بالأصل والفرع :
أي أن الألفاظ تنتظم في اللغة على شكل مشجر : أصل واحد هو المعنى الوضعي وفروع كثيرة هي المجازات....ولا نعني بالتفرع هنا أن المعنى المجازي مشتق من المعنى الوضعي-كما قد يوهم التشبيه بالشجرة- بل نعني فقط وجوب لحاظ أو استحضار المعنى الوضعي كلما قلنا هذا مجاز....وهذا ما يعبر عنه البيانيون باشتراط العلاقة في الدلالة المجازية...فلو فرضنا وجود سبع مجازات فلا بد أن تكون لها كلها علاقة ما بمعنى وضعي وحيد .هذا ما أعنيه بالتشجير وهو قريب من عبارة القوم التي تنص على أن الحقيقة كالأصل للمجاز-ولا يقولون أصل-.
- القول بالسابق واللاحق:
أي أن هناك مسارا تاريخيا مرتبا :فقد حدث الوضع أولا ثم نشأ الاستعمال ثانيا, واختبار الاستعمال هو المحدد للمجاز: فإن استعملت اللفظة في المعنى الوضعي فهي حقيقة وإلا فهي مجاز.وهذا الترتيب لا بد منه فالبيانيون يقررون أن الكلمة بعد الوضع وقبل الاستعمال ليست حقيقة ولا مجازا.
من نافل القول أنه يكفي عدم التسليم بالمسلمتين السابقتين لنتخلص نهائيا من شبح المجاز....هذا ما فعله الشيخ-رحمه الله- وله في سبيل ذلك عبارات مختارة بعناية ودقة تنم عن احتراس شديد:
-فالشيخ يجتنب كلمة "الوضع" ومشتقاته, ويوظف كلمة "الإطلاق " ومشتقاتها فيقول:
1. وقد تطلق العرب مادة القاف والتاء واللام على غير إزهاق الروح...
2. فتطلقه على التذليل.....
3. فمن إطلاق التقتيل على التذليل قول امريء القيس...
4. وكذلك يطلق القتل على كسر الشدة ....
واضح أن الأمر لا يتعلق بتفضيل أسلوبي فالشيخ يريد بالاطلاق الاستعمال وشتان بين الوضع والاستعمال.

فإن قيل: الشيخ يقول بالأصل أيضا ألم تر قوله: وأصل "القتل " في لغة العرب :إزهاق الروح بشرط أن يكون من فعل فاعل..
قلنا ليس الأمر كذلك, ف"الأصل" هنا كما لا يخفى لا يراد به ما يبنى عليه غيره بل يريد به كثرة الاستعمال لا غير.....والدليل على ذلك قوله بعد ذلك:
( وقد تطلق العرب مادة القاف والتاء واللام على غير إزهاق الروح, فتطلقه على التذليل, فالتقتيل : التذليل, وتطلق القتل أيضا على إضعاف الشدة....)
وتصديره الكلام بعبارة "وقد" لا يفهم منه إلا التقليل أو التكثير ولا يفهم منه البتة ابتناء شيء على شيئ....
ويؤول تحليل الشيخ إلى القول بتعدد الأصول-بمعنى الاستعمال- بدلا من الأصل الوحيد –بمعنى الوضع-.وإذا شئنا الدقة أكثر تخلينا عن مفهوم "أصول" الموهم وبدلناه بمفهوم "التوازي"......ولهذا المفهوم الجديد المقترح رصيد عال من الدقة فمن أهم دلالاته تخطي مسلمتي أهل المجاز المذكورتين سابقا:
-فليس عند الشيخ انبناء شاقولي لمعاني الألفاظ.....كما في الصورة المشجرة....وإنما هو تواز أو تجاور عرضي أفقي.فلم توضع كلمة" قتل" جذرا بمعنى ازهاق الروح وأرجعت إليها الفروع بملاحظة علاقة ما ولكن العرب تكلمت بهذا وهذا وهذا.....ومن التحكم بمكان الادعاء أن هذا أصل وأن ذاك فرع.....مع أن الجميع وصل إلينا بالاستعمال...صحيح أن الاستعمال في معنى قد يكثر حسابيا بالمقارنة مع الاستعمال في معنى آخر لكن هذا لا يرتب المعنيين أصلا وفرعا....والمجازيون أنفسهم لا يجعلون الكثرة معيارا فهم يتحدثون عن وجود مجاز لم يستعمل في الحقيقة أبدا –ويزعمون أن اسم "الرحمن "منه- فضلا عما سيترتب عن معيار الكثرة من قتل للمجاز نفسه فكلما كثر المجاز أصبح حقيقة وكلما ندر التعبير الحقيقي أصبح مجازا وهذا خبط واضح...
-ومفهوم التوازي ينهي أيضا الرجم بالظن على الصعيد التاريخي.....فلا تعاقب ولكنه التزامن في الاستعمال....فقد استعملت العرب القتل بمعنى ازهاق الروح في تزامن مع استعمالها للقتل بمعنى التذليل وفي تزامن مع استعمالها له في كسر سورة الخمر.....وهي العرب تقول ما تشاء.....نعم , يجوز أن يسبق استعمال استعمالا آخر في الوجود لكن هذا لا يفيد شيئا ما دمنا لا نرد أحدهما إلى الآخر...-وقد أثبت البنيويون أنه من المتعين دراسة اللغة بالنظر إلى المحور التزامني الذي يسمونه السانكروني وقد لا يفيد اعتبار المحور التاريخي الذي يسمونه الدياكروني.-ثم قبل هذا وبعد هذا من يا ترى سيثبت تاريخيا أن هذا المعنى سبق في الاستعمال ذلك المعنى الأخر....إلا بضرب من الكهانة على حد تعبير شيخ الاسلام ابن تيمية-رحمه الله-.
2- الاحتراس المنهجي والحساسية المفرطة من التأويل:

قال الشيخ في تفسير قوله تعالى:{وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (48) سورة البقرة

والمراد باتقاء اليوم:اتقاء ما فيه من الأهوال والأوجال,لأن القرآن بلسان عربي مبين , والعرب تعبر بالأيام عما يقع فيها من الشدائد, ومنه "هذا يوم عصيب"[هود:88] لما فيه من الشدة, وهذا معنى قوله {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ...} (48) سورة البقرة.و(اليوم) مفعول به ل"اتقوا".وقيل المفعول محذوف,واليوم ظرف.أي : اتقوا العذاب يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا.
ص 68
لما فسر الشيخ "اتقاء" اليوم باتقاء ما فيه من الأهوال ذيل تفسيره بتعليلين أو –إذا تحرينا الدقة – بتعليل, وتعليل للتعليل.
-القرآن نزل بلسان عربي مبين.
-العرب تعبر بالأيام عما يقع فيها من الشدائد .
كل هذا "عادي" جدا لبادي الرأي ....ولكن النظرة الفاحصة لعارف بمنهج الشيخ في التفسير سيلمس تحت هذه الجمل العادية احتراسا منهجيا شديدا....:
قد يقال مثلا:
هل يستدعي المقام التذكير بحقيقة بدهية من نوع: القرآن نزل بلسان عربي مبين؟
ثم قوله( والمراد باتقاء اليوم:اتقاء ما فيه من الأهوال والأوجال) أهو من الغرابة بحيث يستدعي تعليلا؟
ومن هذا المعترض البياني المفترض الذي أحوج الشيخ إلى تعليل قوله السابق العادي: "لأن القرآن بلسان عربي مبين؟".
لا جواب على هذه الأسئلة إلا باستحضار الخيار المنهجي للمفسر.
فقد اختارالشيخ الشنقيطي –رحمه الله- منهج السلف الذي بني على قاعدة الموضوعية الصارمة أعني عدم الاسترواح إلى اعتبارات الذات من ذوق وهوى واستحسان...ومن هنا كان الشيخ –كأسلافه-مناوئا لكل تأويل .....ويأتي على رأس القائمة التأويلية : المجاز.فلما قال الشيخ : "والمراد باتقاء اليوم:اتقاء ما فيه من الأهوال والأوجال." استشعر – برهافة احتراسه المنهجي-أنه "ارتكب " ما يشبه المحظور,أووقع في شائبة التأويل –شبح المجاز بدأ يطفو-.فكأن المعترض البياني واجه الشيخ بالسؤال التالي:كيف يقول الله "اتقوا يوما" وتحرفه أنت إلى "اتقوا ما فيه"....أليس هذا من المجاز المرسل الذي تنكره بشدة : أطلق الظرف الزماني وأراد المظروف.ألم تقل في رسالتك المانعة للمجاز:"وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقا في نفس الأمر, فتقول لمن قال : رأيت أسدا يرمي ...ليس هو بأسد..وإنما هو رجل شجاع......فيلزم على القول بأن في القرآن مجازا أن في القرىن ما يجوز نفيه.."
أليس النفي ممكنا في تفسيرك , فيقال ليس هو باتقاء اليوم وإنما اتقاء ما فيه.....؟؟
للرد على كل هذا ومثله قال الشيخ الإمام :" والعرب تعبر بالأيام عما يقع فيها من الشدائد."
بمعنى أن "اليوم" دال بالقوة على معنيين :
-الظرف
-والمظروف.
والسياق هو الذي يظهر المعنى المراد بالفعل.ولما كان القرآن نازلا بلسان العرب جاز له ان يفهم أن المراد ب"اتقوا يوما" اتقوا ما فيه من أوجال.
3-ثنائية :الدلالة بالقوة والدلالة بالفعل.

يستهل الشيخ تحليله المعجمي للكلمات على وتيرة واحدة...فهو يشير إلى بعض معاني الكلمة أو التعبير في القرآن الكريم أو اللسان العربي, ثم يقف عند المعنى الذي يراه هو المقصود في الآية...وقد يسلك عكس هذا الترتيب ...وله هنا تعابير أثيرة متكررة منها(اقتصرنا على الاختيارمن بضع صفحات من تفسيره لسورة الانعام من المجالس):
-معروف في القرآن و في لغة العرب ......[أن الفعل يسند إلى المجموع والمراد
بعض المجموع لا جميعهم.]
-[الهدى]..... يطلق في القرآن إطلاقين : عام وخاص.....
-ومن أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن:[أن الشيء إذا كان قليل الجدوى أطلق عليه :لا شيء]....
-وكثيرا ما يطلق القرآن اسم [الميت على الكفر]..
-[مادة الطيرانٍ] قد تطلقها العرب على...[ الإسراع بالرجلين].
-[الضلال ]جاء إطلاقه في القرآن وفي لغة العرب على [ثلاثة أنحاء متقاربة]

التحليل الأسلوبي للغة الشيخ يظهر:
- تفضيله لمادة [ط.ل.ق ]حيثما يستعمل غيره مادة [و.ض.ع.]
-اعتماد التعابير التي تدل على التعددية الدلالية لمدلول الكلمة .....ومن وسائله استعمال حرف"قد" العددية و"من" التبعيضية فضلا عن الصيغ والكلمات الدالة على الجمع والكثرة.

هذه الظاهرة الأسلوبية تدل على نظرية في اللغة يتبناها الشيخ من مفرداتها: الاستغناء عن المجاز في تفسير كلام العرب وبالتالي كلام الله تعالى....
فبدل القول : هذا اللفظ وضع لهذا المعنى واستعمل مجازا في معنى آخر....
فالشيخ يقول:هذا اللفظ يدل بالقوة -في اللغة-على كل المعاني الممكنة في الاستعمالات الصحيحة.....ويدل بالفعل –في الاستعمال -على هذا المعنى الخاص استنادا إلى قرائن السياق...
فكأن الشيخ رحمه الله جعل الدلالة بالقوة والدلالة بالفعل بديلا للدلالة الحقيقية والدلالة المجازية.
والله أعلم.

مصطفى المغربي 16-08-06 07:25 PM

السلام عليكم ورحمة الله
سدد الله خطاك ياشيخ ابو عبد المعز وشكر الله لأخينا الغالبي الذي اثار مكنون علمك لتتحفنا بدررك الغالية فلغة البيان بخير مادام فيها امثالكم يذودون عن حماها لتبقى الجوهرة المكنونة في صدف البيان المبين اما بالنسبة للكتاب المنسوب لابن القيم زورا فقد طبع منذ زمن في مكتبة الخانجي واليك البيان: مقدمة تفسير ابن النقيب : في علم البيان والمعاني والبديع وإعجاز القرآن / أبي عبد الله جمال الدين محمد بن سليمان البلخي المقدسي الحنفي الشهير بابن النقيب (698هـ) ; كشف عنها وعلق حواشيها زكريا سعيد علي. ‒ القاهرة : مكتبة الخانجي, 1415 (1995). ‒ 687 ص. ؛ 24 سم


--------------------------------------------------------------------------------

Note générale :
مطبوع خطأ بعنوان "الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان" لابن قيم الجوزية.


الساعة الآن 02:28 PM.

vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.