عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 18-09-05, 07:30 PM
محمد بن عبدالله محمد بن عبدالله غير متصل حالياً
السريّع
 
تاريخ التسجيل: 22-01-05
المشاركات: 3,226
افتراضي نفيسة : نصُّ البخاريِّ في حالِ من سكت عنهم في تاريخه الكبير

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد :

فهذا كلام جيد وقفت عليه في كتاب الشيخ د. خالد بن منصور الدريس : ( الحديث الحسن لذاته ولغيره .. دراسة استقرائية نقدية ) ، وأنقله هنا بطوله لأهميته ، وسأضع الهوامش بين معقوفين :

قال الشيخ خالد الدريس حفظه الله (1/406-415) :
" إذا ترجم البخاري في تاريخه الكبير لراوٍ ولم يذكر فيه جرحًا ، فإنه يكون عنده ممن يحتمل حديثُهُ ، قال الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي في آخر ترجمة عبد الكريم بن أبي المخارق : «قال الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي : بيّن مسلم جَرحَهُ في صدر كتابه ، وأما البخاري فلم يُنبّه من أمره على شيء ، فدل أنه عنده على الاحتمال ، لأنه قد قال في التاريخ : ( كل من لم أبين فيه جُرْحَةً فهو على الاحتمال ، وإذا قلت : فيه نظر ، فلا يحتمل )» [تهذيب الكمال : 18/265] ، وفي موضع آخر قال ابن يربوع في عثمان بن عمر التيمي : «هو على أصل البخاري محتمل» [السابق : 19/416] .
وابن يربوع الإشبيلي الذي نقل هذا النص من كلام البخاري في تاريخه ولد سنة 444هـ ، وتوفي سنة 522هـ ، وقد قال فيه تلميذه ابن بشكوال : «كان حافظًا للحديث وعلله ، عارفًا بأسماء رجاله ونَقَلَتِه ، يبصر المعدَّلين منهم والمجرّحين ، ضابطًا لما كتبه ، ثقةً فيما رواه ، وكتب بخطه علمًا كثيرًا ، وصحب أبا علي الغساني كثيرًا واختص به وانتفع بصحبته ، وكان أبو علي يكرمه ويفضله ، ويعرف حقه ، ويصفه بالمعرفة والذكاء ، وجمع أبو محمد هذا كتبًا حسانًا ، منها : كتاب الإقليد في بيان الأسانيد ، وكتاب تاج الحلية وسراج البغية في معرفة أسانيد الموطأ ، وكتاب لسان البيان عما في كتاب أبي نصر الكلاباذي من الإغفال والنقصان ، وكتاب المنهاج في رجال مسلم بن الحجاج ، وغير ذلك» [الصلة لابن بشكوال : 1/283] .
وقال ابن الأبار فيه : «الحافظ المحقق ... وله تواليف مفيدة ، وكان ظاهري المذهب» [المعجم لابن الأبار ، ص206] ، وقال الذهبي : «الأستاذ الحافظ المجوِّد الحجة» [النبلاء : 19/578] .
وفتشتُ عن مصنفاته في فهارس المخطوطات فلم أقف له على شيء موجود ، فيا للأسف والحسرة على ضياع مثلها .
وعلى أية حال ، أردت من ذكر كلام أهل العلم في الحافظ ابن يربوع أن أبيّن أنه من أهل الاعتناء الشديد بعلم الجرح والتعديل كما يظهر من كلام تلميذه ابن بشكوال ، ومن أسماء مصنفاته التي تدل دلالة واضحة على تخصصه في هذا الشأن ، فنقل مثل هذا الحافظ المحقق يعتد به إن شاء الله ، لعدم وجود طعن في صحة النقل ، وإن كان هذا النص غير موجود في كتاب التاريخ الكبير المطبوع ، فإني قرأته بأكمله ولم أقف على هذا النص ، ومن هنا أصبح من الملحِّ أن ننظر في بعض القرائن التي تجعل ثبوت ذلك النص ممكنًا وغير مدفوع ، فمن ذلك :

1- من الاحتمالات القوية جدًّا أن يكون ابن يربوع الإشبيلي نقل ذلك النص عن البخاري عن إحدى روايات التاريخ الكبير التي لم تعتمد في النسخة المطبوعة ، والأندلسيون يروون كتاب التاريخ الكبير من ثلاثة طرق عن البخاري [فهرسة ابن خير الإشبيلي ، ص204 ، 205] ، هي : رواية محمد بن عبد الرحمن بن الفضل الفسوي ، ورواية محمد بن سليمان بن فارس الدلال ، ورواية محمد بن سهل بن عبد الله المقرئ ، والمطبوع اعتمد في طبعه على عدة نسخ [انظر: التاريخ الكبير : 2/398-400 و 8/456 خاتمة الطبع] ، ولم يذكر المحققون له إلا رواية محمد بن سهل [انظر : التاريخ الكبير : 1/2 ، 3] .
ومما يؤكد اختلاف نسخ التاريخ الكبير ورواياته أنه في المطبوع ما صورته : «عبد الرحمن بن عائش الحميري» [التاريخ الكبير : 5/252] فقط ، ووجدت البيهقي يذكر بسنده إلى أبي أحمد محمد بن سليمان بن فارس قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري قال : «عبد الرحمن بن عائش الحضرمي ، له حديث واحد إلا أنهم يضطربون فيه» [الأسماء والصفات للبيهقي ، ص380] ، فهذه الزيادة المهمة وردت في رواية ابن فارس ولم ترد في المطبوع ، فإما سقطت من إحدى النسخ ، أو من رواية ابن سهل المقرئ ، أو يكون البخاري حذفها ، ولكن الشاهد أن هناك زيادات وإضافات في روايات أو نسخ التاريخ الكبير .......
وبما تقدم يقوى الظن بأن ما نقله ابن يربوع من كلامٍ للبخاري يكون وجده في رواية من روايات التاريخ الكبير أو في نسخة من نسخِهِ ، والرجل كما ذكروا عنه من أهل التحقيق والإتقان والشهرة بالضبط .

2- رأيت البخاري استعمل مصطلح ( الاحتمال ) الذي ذكره في كلمته السابقة ، فقد قال في ضعفائه الصغير في عبد الله بن أبي لبيد المدني : «وهو محتمل» [الضعفاء الصغير ، ص69] ، وعبد الملك بن أعين : «يحتمل في الحديث» [السابق ، ص76] ، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف : «ليس بالقوي عندهم ... وهو محتمل» [السابق ، ص80] ، ومُحِل بن محرز الضبي : «قال يحيى القطان : لم يكن بذاك ، قال ابن عيينة : لم يكن بالحافظ ، وهو محتمل» [السابق ، ص117] . ووجدته يقول في كتابه ( القراءة خلف الإمام ) في عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني : «وليس هو ممن يعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه ، وكان عبد الرحمن ممن يحتمل في بعض» [جزء القراءة ، ص38 ، 39] ، وقد قال عنه أيضًا في العلل الكبير للترمذي : «هو ثقة» [العلل الكبير ، ص179] ، وقال في التاريخ الكبير : «ربما وهم» [التاريخ الكبير : 5/258] .
فهذا الاصطلاح يستعمله البخاري ، ولا يعني به التوثيق المطلق كما ظهر لنا من النصوص الخمسة السابقة ، وإنما يقوله في حق الرجل الذي له أوهام ولا يسقط حديثه ويضعف مطلقًا ، وربما كانت قريبة الشبه بمرتبة ( صدوق يخطئ ) ، والله أعلم .
وعلى أية حال ، فإن استعمال البخاري للفظة ( الاحتمال ) مما يدل على أنْ ليس في النص الذي نقله ابن يربوع ما يستنكر أو يخالف منهج البخاري واستعمالاته للمصطلحات .

3- من خلال اطلاعي على كتاب التاريخ الكبير لاحظت أن نصوص البخاري في تعديل الرواة وتوثيقهم قليلة جدًا ، بل نادرة ، إذا ما قورنت بنصوصه التي ينتقد فيها الرواة بمثل قوله : «فيه نظر» و «منكر الحديث» و «لا يتابع عليه» و «لم يصح حديثه» ، ونحو هذه العبارات النقدية التي فيها طعن وجرح لبعض الرواة .
وكنت قبل أن أطلع على ما نقله ابن يربوع أسائل نفسي : لماذا يكثر البخاري من جرح الرواة ، ولا يكاد يوثق في تاريخه الكبير الكثير من ثقات المحدثين ومشاهيرهم ؟ فلما وقفت على كلامه تجلى لي منهجه وتبين الأمر .
ولعل في هذه الأمور ما يجعل القلب يركن إلى ثبوت الكلام الذي نقل عن البخاري في بيان منهجه في كتابه التاريخ الكبير .
ويظهر أن قول البخاري : «ومن لم أبين فيه جُرحةً فهو على الاحتمال» يدخل فيه الثقة ومتوسط الحفظ وكل راوٍ ضُعّف ولم يشتد ضعفه ، ويوضح الأمر أكثر ويفسر مقصوده أنه قد قال : «كل من لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه فلا أروي عنه» ، فغير المحتمل عنده من يترك هو الرواية عنه ، وكل من تميَّزَ صحيح حديثه من سقيمه فهو يروي عنه ، وهو المحتمل عنده فيما يظهر لي .
والقاعدة السابقة لم أر من نبه عليها ، وإنما رأيت لبعض المشتغلين بالحديث وهو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رسالة [مضمنة في تعليقه على كتاب الرفع والتكميل ، ص230-248 ، وعنوانها : ( سكوت المتكلمين في الرجال عن الراوي الذي لم يجرح ولم يأت بمتن منكر يعد توثيقًا )] يذهب فيها إلى أن الرجل إذا سكت عنه المتكلمون في الرجال كالبخاري وأبي حاتم وابن عدي يعد سكوتهم توثيقًا له ، وهذا كلام فيه نظر ، وقد تولى غير واحد من الباحثين الرد على الشيخ عبد الفتاح ، ولم أرَ أحدًا من الطرفين وقف على نص البخاري السابق ، وهو فيما أظن يحسم النزاع ، إذ إن لفظ الاحتمال لا يعني التوثيق المطلق ، بل هو - أعني النص السابق المروي عن البخاري - أشبه ما يكون بقول أبي داود في سننه : «وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته ، ومنه ما لا يصح سنده ، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح ، وبعضها أصح من بعض» [رسالة أبي داود لأهل مكة ، ص27 ، 28] .
ولا يخفى أن حديثنا عن البخاري فقط ، ولا يدخل ابن أبي حاتم أو غيره معنا هنا " .

انتهى كلام الشيخ خالد الدريس .

ولعلَّ من كان من الإخوة والمشايخ عنده تعقيبٌ أو تعقُّبٌ أو فائدة = أن يتحفَنا بذلك .
رد مع اقتباس