عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 17-04-06, 07:58 PM
عبدالله الغالبي عبدالله الغالبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-11-05
المشاركات: 46
افتراضي خطأ متابعة الإمام ابن تيمية في إنكار المجاز

بسم الله الرحمن الرحيم
وقفات فيها لفتات مع من أنكر المجاز:
وهي مختصرة من بعض كتب العلماء باختصار مفيد :

أخي مدرس اللغة العربية
ما كان ينبغي أن يخالف في وجود المجاز ووقوعه سواءً أكان في اللغة أم في القرآن الكريم، فإن شهرة المجاز أشهر من نار على علم، ووضوحه أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار، قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه اسرار البلاغة : " ومن قدح في المجاز، وهمَّ أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً، وتهدف لما لا يخفى". أ ـ هـ

وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام –، وقد قال به علماء كُثر في مختلف تخصصاتهم وتعدد الفنون التي برعوا فيها، منهم اللغويون والنحويون والمفسرون والمحدثون والأصوليون والأدباء والنقاد وأهل المنطق وعلماء البلاغة، وتداولته ألسنة وأقلام الكتاب قديماً وحديثاً، واستعملته العرب خلفاً عن سلف، .

وكان الفضل في اتساع البحث في المجاز يرجع إلى اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والاعجازيين أما مسائله وقضاياه ودقائقه فلم يحرر القول فيها إلا في مباحث البلاغيين بدءاً من الإمام عبدالقاهر الجرجاني إلى الخطيب القزويني ومن كان بينهما،

وإنكار المجاز – بعد التحقيق – لا يكاد يوجد، لأن من قال بإنكاره في القرآن لم يمنع وقوعه في اللغة، ، وثلاثة من العلماء أنكروه مطلقاً وهم الإمام أبواسحق الاسفرائيني والإمام ابن تيمية وابن القيم الجوزية،رحم الله الجميع وهم وإن أنكروه من جهة فقد أقرّوا به من جهات في كثير من كلامهم ولهذا يقال : إنَّ إنكار المجاز لا يكاد يوجد.

ولكن في الحقيقة أن الاسفرائيني ثبت أنه لم ينكر المجاز ونسبة إنكار المجاز إلى أبي إسحاق وإن ورد ذكرها في كثير من كتب الأصول وغيرها فإنها لم تسلم من القدح والتشكيك، فقد تعقب بعض العلماء هذه النسبة واستبعدوا صدورها من أبي إسحاق منهم إمام الحرمين أبو المعالي وحجة الإسلام الغزالي، ويؤيد رأي هؤلاء العلماء ذلك النص الذي حكاه الأمام ابن القيم عن الأستاذ في مسألة " العام إذا خصص هل يكون حقيقة فيما بقى أم مجازاً ؟" وفيه اعتراف صريح من الأستاذ الاسفرائيني بالمجاز، ونقل عنه إمام الحرمين أبو المعالي نصاً آخر في " البرهان" حول مسألة أصولية كذلك وهي: ما المراد بالظاهر عند علماء الأصول وفي ذلك يقول إمام الحرمين: " وقال الأستاذ أبو إسحق: الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى ، وله عنده وجه التأويل مسوغ، لا يبتدره الظن والفهم، ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز" فهذا كلام من يقر بالمجاز لا من ينكره. فلم يبق منكراً له مطلقاً إلا الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم.
وقد ألّف الدكتور عبد العظيم المطعني كتاب (المجاز في اللغة والقرآن الكريم) وهو بحث ممتع في جزئين في حوالي ألف ومائة وسبعين صفحة أقام الأدلة القاطعة على وجود المجاز في اللغة وفي القرآن (الناشر مكتبة وهبة).
وقد عقد الشيخ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن فصلا في كتابه (المحكم والمتشابه) ج2 ص 522 للرد على إنكارالإماتم ابن تيمية للمجاز ، وكذا رد عليه الدكتور على العماري بكتاب (المجاز) وكذا فضيلة الشيخ/ محمد العزازي كتب رداً عليه في ذلك وكذا في كتاب للشيخ منصور عويس. أما الدكتور/ عبد العظيم المطعني فكتابه المذكور موسوعة شاملة أثبت فيه أن المجاز هو مذهب الكثرة الكاثرة التي لا تحصى عدداً من علماء الأمة في كل التخصصات أي أنه يكاد أن يكون إجماعاً أو هو كذلك بالفعل، وأن المنكرين- بما فيهم ابن تيمية وابن القيم- لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين مع الشك الكبير في ثبوت هذا الإنكار عن بعضهم.
يقول الدكتور المطعني » ومن خلال قراءات متكررة ومتأنية للفصل الذي كتبه الإمام ابن تيمية بخصوص المجاز في كتابه » الإيمان « وجدناه قد اعتمد في إنكار المجاز في اللغة بعامة، وفي القرآن الكريم بخاصة على ما يأتي:
1- أن سلف الأمة لم يقولوا به مثل الخليل ومالك والشافعي وغيرهم من اللغويين والأصوليين وسائر الأئمة، فهو إذن قول حادث؟!
2- إنكار أن يكون للغة وضع أول تفرع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما يقول مجوزوا المجاز ؟!
3- إنكار التجريد والإطلاق في اللغة. حتى يقال أن الحقيقة ما دلت على معناها عند الإطلاق والخلو من القرائن، والمجاز ما دل على معناه بمعونة القيود والقرائن.
4- مناقشة النصوص التي استدل بها مجوزو المجاز على وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم « أ.هـ (المجاز) ج2 ص 644.
ثم ذكر الدكتور المطعني أن ابن تيمية له شبه أخرى ولكنها جزئيات تندرج تحت هذه الركائز الأربع، وسنذكر هذه الركائز مع الإشارة إلى ما يبطلها وغالبه من كلام د. المطعني.
الشبهة الأولى لابن تيمية:
وحاصـلها:النـفي البـات أن يكـون أحد من السلف قد قال بالمجاز إلا الإمام أحمد بن حنبل تقسيم الألفاظ إلى حقائق ومجازات لم يحدث إلا بعد المائة الثالثة – محط الإنكار هو على وجود لفظ (المجاز) دون معناه … واعترف خلال ذلك بأن أبا يعلى وابن عقيل وأبا الخطاب الحنابلة قائلون بالمجاز تبعا لإمامهم.
( هذا نص كلامه يقول : كما في كتاب "الإيمان":(( وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، بل أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم)) ودعوى بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي ، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة، فلقد ثبت أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة المجاز، فسيبويه ــ مثلا ــ وهو إمام النحاة يستعمل كلمة (التوسع) ففي الكتاب لسيبويه:( ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى:) واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها (إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا، ومثله ( بل مكر الليل والنهار) وإنما المعنى: بل مكركم في الليل والنهاروالأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف، والثاني جعلوه نوعا من المجاز العقلي، وغير سيبويه من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين.
ونواصل كلام المطعني
والرد على ذلك من كلام المطعني :
1- لفظ (المجاز) مجرد مصطلح والمصطلحات غالبا ما تتأخر في الظهور عن موضوع الفن نفسه وخاصة في عصور تدوين العلوم، وخير مثال على ذلك مصطلحات علمي النحو والصرف بل مصطلحات العلوم الشرعية نفسها من فقه وأصول فقه وحديث ومصطلح حديث وغير ذلك.
2- أن التأويل المجازي يصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر تدل عليه القرينة وله علاقة بالمعنى الظاهر، قد عرف منذ القرن الأول وكثر تطبيقه على آيات الذكر الحكيم عند الثقات من علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة- على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم – والتابعون وقبلهم جميعاً المعلم الأكبر r ومن تأويلاته المجازية: تأويله الخيطين الأبيض والأسود بالنهار والليل.
3- أن سلف الأمة يفهمون معنى المجاز ويستعملونه وإن لم يذكر بعضهم اسمه المصطلح (المجاز) لعدم انتشاره في البداية بل كان بعضهم يطلق عليه (الاتساع في اللغة) كما ورد عن سيبويه (ت قبل 190 هـ) والشافعي (ت 205هـ) وها هو الإمام الشافعي يقول في (الرسالة) عن ألفاظ القرآن: » وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره « فهو بذلك قد عرّف المجاز وبين نوعي القرينة: اللفظية التي لها ذكر في الكلام، والمعنوية التي تفهم من الأحوال وليس لها صورة في الكلام.
4- ذكر بعض السلف ممن عاشوا في القرنين الثاني والثالث (المجاز) بمعناه الفني الاصطلاحي بلفظه وبمعناه وكذا (الاستعارة) وهي أظهر أنواع المجاز. نقل ذلك عنهم من النصف الأول للقرن الثاني الهجري. وإليك ستة نماذج لذلك:
الأول: أبو عمر زبان بن العلاء (ت 154 هـ) أحد القراء السبعة، ذكر (الاستعارة) نصاً على ما هو استعارة فعلاً.
الثاني: أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي (ت 170هـ) ذكر مصطلح (المجاز) وشرحه ونصَّ على وجوده في اللغة وفي القرآن الكريم وضرب لذلك أمثله من القرآن ومن أشعار العرب كامرئ القيس وغيره.
الثالث: أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 209هـ) ذكر تخريجات مجازية عديدة في كتابه (مجاز القرآن) وهذه الصور المجازية لا تنطبق إلا على المجاز الذي هو قسيم الحقيقة، كما نقل عنه القول بالاستعارة في التعليق على شعر جرير ورد ذلك في كتاب (النقائض بين جرير والفردق).
الرابع: أبو عبد الله بن زياد ابن الأعرابي (ت 231هـ) شرح الاستعارة الموجودة في بيت شعر ونقل ذلك ابن رشيق في كتابه (العمدة).
الخامس: أحمد بن يحيى المعروف بـ (ثعلب) (ت 291هـ) أكثر من ذكر الاستعارة في كتابه (قواعد الشعر) محللا لها ومشيراً إلى المعنى الأصلي الخارجة عنه.
السادس: أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 231 هـ) الشاعر المشهور قال:
لقد تركتني كأسها وحقيقيتي مجاز وصبح من يقيني كالظن
قال الدكتور العماري تعليقا على هذا البيت:
» وأستطيع أن أؤكد أن هذا الاصطلاح: (المجاز) كان معروفا من زمن بعيد، ذلك أن الشعراء ليسوا من أرباب وضع المصطلحات، كما لا يمكن أن يقولوا ما ليس معروفا عند الناس. فلابد أن تكون كلمة (مجاز) المقابلة للحقيقة معروفة مشهورة حتى يستعملها شاعر لم يعرف عنه أنه عني بالدراسات النحوية التي كانت سائدة في عصره « أ.هـ (المجاز) للدكتور العماري ص 25، (المجاز) للدكتور المطعني ص 714 يقول د. المطعني بعد أن بين خطأ الركيزة الأولى لابن تيمية:
» ها نحن أولاء قد فرغنا من الرد على الإمام ابن تيمية في الشبهة الأولى من مجموع الشبه التي بني عليها رأيه في نفي المجاز عن اللغة، وعن القرآن الكريم، وهي: أن أحداً من سلف الأمة لم يقل به؟ قد واجهناه بنقيض دعواه. وبينا أن ثلاثة من الأئمة الفقهاء، وهم الإمام الشافعي، والإمام أبو حنيفة، ومعه صاحباه، والإمام أحمد ابن حنبل قد روى الرواة الثقات أنهم قالوا بالمجاز، وتكرر ذلك منهم، والإمام ابن تيمية يعترف بما ورد عن الإمام أحمد، ولكنه سلك فيه مسلكين:
أحدهما: تضعيف الرواية القوية، وتقوية الرواية الضعيفة الموافقة لمذهبه.
الثاني: تأويل قول الإمام بما يخرجه عن الاحتجاج به عليه على فرض صحته عنده.
كما رأينا كثيراً من اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والبلاغيين والإعجازيين،والمفسرين والمحدثين، والأصوليين والفقهاء قد قالوا بالمجاز، وتوسع بعضهم فيه، ونقلنا عن أبي عبيدة، وابن الأعرابي وأبي عمرو بن العلاء وثعلب نصوصا صريحة تدفع دعواه هو في نفي المجاز « أ.هـ (المجاز) ص 715.
الشبهة الثانية للإمام ابن تيمية:
أنكر ابن تيمية أن يكون للألفاظ وضع أول يدل على معنى معين لكل منها ثم استعملت الألفـاظ في معانيــها بعد ذلك ويذهب إلى أن كـل لفظ قـد استعمل ابتداء فما أريد منه دون أن يتقدم وضع سابق ثم حاول أن يقدم تفسيراً مقنعا لذلك فقال: أن أصل اللغة إلهام من الله سبحانه ثم كان النطق بالألفاظ مباشرة مستعملة فيما أريد منها.
كل ذلك لأنه رأى مجوزي المجاز يقولون: إن المجاز ما نقلت فيه الكلمة من المعنى الوضعي فاستعملت في المعنى غير الوضعي وهذا النقل هو أهم ركن من أركان المجاز.
والرد على ذلك:
1- أطبق علماء الأمة في كل زمان ومكان وفي كل فرع من فروع علم اللغة: قواعد وتطبيقات على أن جميع الألفاظ لكل منها وضع أول ويدل على معنى معين. وفكرة المعاجم اللغوية – كما يقول د. المطعني- إنما نشأت لجمع الألفاظ اللغوية والوقوف على مدلولاتها التي كان عليها الحال عند العرب الخلص … وهذه المفردات اللغوية ومعناها العام المتعارف هو ما عرف بالدلالة الوضعية.
2- أن البحث العلمي الحديث قد ضعّف تفسير نشأة اللغة بالإلهام ولم يوافق عليه. بل صفوة القول في ذلك أن هناك ثلاث نظريات تفسر نشأة اللغة:
أ ) التوقيف من الله سبحانه، واحتجوا بقوله سبحانه: } وعلّم آدم الأسماء كلها { .
ب) الاصطلاح والمواضعة، وفسروا الآية السابقة على أن الله أقدر آدم عليه السلام على وضع الأسماء.
ج) المحاكاة والتقليد يقول السيوطي »وذهب قوم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوى الريح وجنين الرعد وخرير الماء وشجيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد« ويعلق ابن جنى على هذا المذهب فيقول: »وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل « انظر المجاز للدكتور المطعني ص 735.
قلت: وفي قصة ابني آدم التي حكاها القرآن ما يشير إلى اعتماد هذا الطريق في التعليم }فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخية … { الآية 31 من سورة المائدة وهذه النظرية هي التي يكاد يجزم بصحتها الباحثون المعاصرون في علوم اللغة. وانظر ما ذكره د. علي عبد الواحد وافي في كتابيه: (علم اللغة)، (نشأة اللغة عند الإنسان والطفل).

يتبع إن شاء الله