عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 18-04-06, 04:54 AM
أبو عبد المعز أبو عبد المعز غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-03-02
المشاركات: 915
افتراضي

لماذا أنكر شيخ الاسلام المجاز فى اللغة؟
معظم الذين نقدوا رأي ابن تيمية ذهبوا الى ان شيخ الاسلام يصدر فى رأيه هذا من منطلقات عقدية....فيرون انكاره المجاز من باب سد الذريعة....فقط:فلما كان ابن تيمية لا يقبل تأويل الاسماء والصفات الالهية..فقد ضحى فى سبيل ذلك بالمجاز نفسه...بمعنى ان انكار المجاز ليس بالقصد الاول بل بالقصد الثاني.....
هذا الرأي فى نظري بعيد من الصواب....بل ان شيخ الاسلام كان يصدر من منطلقات لغوية....وفى نقاشه للمجاز..كان فى قلب البحث اللغوي...بغض النظر عن نتائجه العقدية...وهذا ما سنعرض له فى هذا البحث.....

اولا: رفض ابن تيمية لنظرية المجاز.....بسبب هشاشتها..وعدم وضوح مسلماتها...
نظرية المجاز رهينة بنظرية الوضع....فإن سلمت الاخيرة سلمت معها الاولى....لكن هيهات...فمسلمة "الوضع"تضرب فى اعماق الغيب....ولا يمكن الاستدلال عليها...وهذا القدر وحده يكفي للتشكيك فى مصداقية المجاز....عند علماء المناهج....وفقهاء العلم..وهذا بيان ذلك:
عرف صاحب الايضاح:الحقيقة الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب
......والمجاز وهو ما استعمل فيما لم يكن موضوعا له لا في اصطلاح به التخاطب ولا في غيره...
قال ابن جني في الخصائص : الحقيقة ما أُقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة والمجازُ : ما كان بضدّ ذلك......
يلاحظ ان مفهوم"الوضع"ضروري لقيام المجاز...واصل له...فلا يصبح المجاز ممكنا ..الا إذا ثبت وضع سابق.....لكن الوضع السابق هو مجرد دعوى....فكيف تصمد نظرية المجاز؟
فلنستمع الى الامام ابن القيم....وهو يقول:"...وهذا كله انما يصح إذا علم ان الالفاظ العربية وضعت اولا لمعان ثم استعملت فيها.....ثم وضعت لمعان اخر بعد الوضع الاول والاستعمال بعده...ولا تتم لكم دعوى المجاز الا بهذه المقامات الاربع......"
فالقول بأن"الاسد"يرادبه الانسان...مجاز........يفترض ما يلي:
وضع اول لكلمة "اسد"يراد بها الحيوان المعروف.....
استعمالها للدلالة عليه...دلالة حقيقية
وضع ثان لكلمة اسد يراد بها الانسان..
استعمالها للدلالة عليه...دلالة مجازية..
هذا الترتيب..لا يرتضيه ابن القيم...ويرى -عن حق-انه قول بلا علم..وهو حرام فى حق المخلوق فكيف فى كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم...فمن يمكنه من بني آدم ان يثبت ذلك؟
وقد ينكر الوضع الثاني...فيقال بل هنا وضع واحد واستعمالان...لكن هذا لا يغير من القضية شيئا...فالمشكلة فى الوضع الاول....
لكن لماذا كان "الوضع" مشكلا؟
لاننا مهما نظرنا الى الوضع...ومهما غيرنا ادوات الاستفهام...لا نجد جوابا قطعيا شافيا:
متى كان الوضع؟
من الواضع؟
كيف كان الوضع؟
اين تم الوضع؟
لا سبيل الا طرح دعاوى....والتيه فى نظريات ميتافزيقية...متكافئة...
فالواضع....هو الله تعالى فى نظرية.....وهو الانسان فى نظرية اخرى....وهو الالهام فى نظرية ثالثة...
كيف تم الوضع....قيل اتفقت مجموعة انسانية...على وضع الفاظ بعينها لمسميات بخصوصها...وهذا التعليل متهافت...لان كلمة "اتفقت"تفترض لغة سابقة...وهذا تناقض...
وقيل وضعت الالفاظ محاكاة لاصوات الحيوانات...وهذا غير مقبول...فالانسان ارقى من الحيوان...فلا يقلد الاعلى الادنى...فضلا على ان الاسلام لا يقبل ابدا مفهوم" الانسان البدائي..."فهذا المفهوم نشأ فى بيئة ملحدة...تقوم على خرافة التطور....وقيل وضعت الالفاظ محاكاة لاصوات الطبيعة...كما نجد فى بعض الفاظ العربية ما يحاكي اصوات الشيء المعبر عنه...من قبيل "عواء" و"مواء"و "قضم" و"حفيف".....لكن الكثرة الكاثرة من الالفاظ لا تقلد صوتا ولا صدى...بل ان لغويي اليوم يرون العلاقة اعتباطية بين الدال والمدلول....
ثم يأتي الاشكال الاكبر ....اين النقل الصحيح ؟؟؟لان مسألة المواضعة مسألة نقلية لا دخل للعقل فيها...
بعد هذا....الم يكن شيخ الاسلام اولى بالحصافة المنهجية من غيره...عندما رفض فكرة الوضع...وأبى ان يستخدمها فى نظريته اللغوية.....
ولكن ما الحل البديل لنظرية"الوضع"؟
لما كان مفهوم "الوضع" ظنيا لم يجز اعتماده لبناء نظرية لغوية سليمة....فأقصى من قبل ابن تيمية..واعتمد على مفهوم واضح اجرائي :"الاستعمال"
فإن كان من المجازفة ان نقول ان العرب وضعت اسم" الاسد" للحيوان اولا ثم استعمل بعد ذلك فى الانسان..فإنه من المؤكد انهم استعملوا اسم "الاسد" فى المعنيين...معا...وهذا يمكن التحقق منه بالرجوع الى كلامهم...
قال ابن تيمية فى الايمان الكبير:"والمقصود هنا أنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة فى اللغة ثم استعملوها بعد الوضع وانما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعانى فان ادعى مدع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل فان هذا لم ينقله أحد من الناس..."
وكأني بشيخ الاسلام هنا يطبق القاعدة الشرعية....اليقين لا يزول بشك....فلا يجوز لفرضية الوضع المشكوك فيها ان تشوش على" الاستعمال "المقطوع به ...
وينتج عن هذا الاعتبار....تساوي الاستعمالات...فليس استعمال "الاسد" فى الحيوان اولى من استعمال "الاسد" فى الانسان من حيث القيمة....وبطل بالتالي التصنيف الى اصل وفرع...
والى هذا المذهب...مال ابو اسحق الاسفراييني....كما عرضه د.لطفي عبد البديع..فى كتابه "فلسفة المجاز":
".....ومن اجل ما قدمنا.......كان ما ذهب اليه ابو اسحق الاسفراييني من انه لا مجاز فى لغة العرب وعمدته ان حد المجاز عند مثبتيه انه كل كلام تجوز به عن موضوعه الاصلي الى غير موضوعه الاصلي للنوع مقارنة بينهما فى الذات او فى المعنى...اما المقارنة فى المعنى فكوصف الشجاعة والبلادة.....واما فى الذات فكتسمية المطر سماء........وهذا يستدعي منقولا عنه متقدما ومنقولا اليه متاخرا...وليس فى لغة العرب تقديم وتاخير بل كل زمان قدر ان العرب قد نطقت فيه بالحقيقة فقد نطقت فيه بالمجاز..........والعرب نطقت بالحقيقة و المجاز على وجه واحد..فجعل هذا حقيقة وهذا مجازا ضرب من التحكم فان اسم السبع وضع للاسد كما وضع للرجل الشجاع..
وما قيل فى الجواب عن هذا من ان الجهل بتاريخ تقدم الحقيقة على المجاز لا يدل على عدم التقديم والتاخير منقوض بعدم وجود تاريخ لذلك ...الا ان هذا التاريخ مبني على افتراض التقديم والتاخير...وهو فى الترتيب الزمني بمنزلة الاصل والفرع فى الترتيب العقلي..وكلاهما لا وجه له فى الظاهرة اللغوية...وحسبنا ان نقول ان اللفظة الواحدة قد تتوارد على معان شتى دون
ان يعرف اي هذه المعاني مقدم على الآخر لانه لا سبليل الى ذلك....انتهى كلام عبد البديع.
ومن النتائج الجليلة...عن اعتبار الاستعمال لا الوضع..تغير تصورنا للغة...فلن تكون بعد هذا "مجموعة من "المفردات "المخزونة-المحنطة- فى المعاجم.....بل هي مجموعة من "الجمل"المتداولة فى الحياة....ولهذا التصور غور عظيم...
ان المتتبع لتراث شيخ الاسلام...سيجد عنده احتفاء قويا..بمبدأ الواقعية...وهو المعبر عنه ب"نفس الأمر"...وهو المقابل للتقدير الذهني...لذلك كان مناوئا لنهج المتكلمين..بسبب انبناء كثير من نظرياتهم على....مجرد تقديرات ذهنية....والعبرة عند ابن تيمية لا بما تقدر بذهنك....ولكن .. بما يوجد فى "نفس الامر"..اي فى الخارج...
هذا النزوع المنهجي الواقعي ..ظل ابن تيمية وفيا له...وطبقه بكل لوازمه فى نظريته اللغوية..
وهكذا....طوح بمفهوم "المواضعة"وسلكه فى سلك التقديرات الذهنية.....واعتبر ان جوهر اللغة..هي استعمال "فى نفس الأمر"....فأين ما وجهت وجهك ...لن تجد الا من يستعمل اللغة...وقد يقال على سبيل الاعتراض...فما بال هذه المصطلحات الجديدة...فى كل العلوم..أليست نتاج المواضعة...ثم اليس من الممكن..ان نخترع فى كل لحظة اعرافا لغوية...غير مسبوقة...هذا الاعتراض يبدو قويا(وهو عمدة من اعترض على ابن تيمية)...لان شيخ الاسلام لا يمكن ان يتغاضى..على انه فى كل علم....تولدت مصطلحات...بعضها مرتجل وبعضها منقول...
لكن قوة هذا الاعتراض لبادي الرأي فقط....لأن شيخ الاسلام سيزيحه بضربة واحدة..
ألم تستعمل اللغة فى هذه المواضعة....؟بلى...
إذن هذا الاعتراض يقوي نظرية ابن تيمية..ولا يقوضها....فالرجوع الى الخارج اي الى "نفس الامر"...لا نجد الا الاستعمال الذى نوظف به الكلمات" القديمة "ونضع به الكلمات" الجديدة"...اما الوضع السابق للاستعمال...فلا يشهد له الا التقدير الذهني.....وقد قلنا آنفا انه لا سبيل الى البرهنة عليه...
قال -رضي الله عنه-فى الايمان الكبير:نعم قد يضع الناس الاسم لما يحدث مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه كما يولد لأحدهم ولد فيسميه اسما إما منقولا واما مرتجلا وقد يكون المسمى واحدا لم يصطلح مع غيره وقد يستوون فيما يسمونه وكذلك قد يحدث للرجل آلة من صناعة أو يصنف كتابا أو يبنى مدينة ونحو ذلك فيسمى ذلك باسم لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم فى اللغة العامة....
فلا مجال للتشغيب عليه...فالرجل واع بامكان الاصطلاح بين الناس...ويقر به..ويقبله...وهذه الوظيفة اللغوية..هي التي سماها علماء اللغة المعاصرون.."الوظيفة الميتا لغوية "وادرجوها ضمن وظائف اخرى كالوظيفة الانفعالية والتعبيرية..واللغوية(بالسكون) والاحالية..(ينظر مثلا ما كتبه رومان ياكبسون..احد الشكلانيين البنيويين....)
انظر الى قوله:فيسميه اسما ...اي يستعمل اللغة ليفهم الناس ان ابنه منذ اليوم يسمى زيد..او بكر...
لكن اين هذا من ذاك ..فالوضع الاولي ثبتت به اللغة.. الوضع الميتالغوي ثبت باللغة ...فليتأمل..
والآن نصل الى منعرج حاسم في نظرية ابن تيمية اللغوية..فالجزم بالاستعمال...وحده...وعدم التعويل على فرضية الوضع....يفضي لا محالة...الى اعادة النظر فى طبيعة اللغة...فلن يعود تعريف ابن جني مقبولا عند ما قال:أمّا حدّها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم...
بل حتى القول بأنها كلمات...حد قاصر ...
وليس الصواب الا ان نقول "اللغة جمل....وتراكيب"
لماذا ذلك؟...
لان الناس فى استعمالهم اليومي....يتخاطبون بالتراكيب لا بالاصوات...
قال ابن القيم -رضي الله عنه-:
الوجه التاسع عشر:انكم فرقتم ايضا بينهما ان المجاز ما يتبادر غيره الى الذهن فالمدلول ان تبادر الى الذهن عند الاطلاق كان حقيقة وكان غيرالمتبادر مجازا..فإن الاسد اذا اطلق تبادر منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع...فهذا الفرق مبنى على دعوى باطلة وهو تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية والنطق به وحده..وحينئذ فيتبادر منه الحقيقة عند التجرد...وهذا الفرض هو الذي اوقعكم فى الوهم....فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الاصوات التي ينعق بها..لا تفيد فائدة وانما يفيد تركيبه مع غيره تركيبا اسناديا يصح السكوت عليه..."
لله دره...كأن ابن القيم تبعا لشيخه ...يقرر ان الوحدة الاولى فى اللغة هي الجملة..وما قبل الجملة...اصوات ينعق بها....ك"غاق"...فيكون المسلمون قد سبقوا "شومسكي" وامثاله....الى اعتبار اللغة...تراكيب وان القدرة اللغوية الانسانية هي قدرة على انتاج عدد لا نهائي من الجمل...
ومن ثم ظهر ضعف حد ابن جني..عندما ارجع اللغة الى الاصوات...
فمن المؤكد ان" حمحمة "الفرس..و"غاق" الغراب...ليس من قبيل اللغة...
فإن قيل...لكن تلك التراكيب أليست مكونة من "اصوات" و"كلمات"
...أليس البسيط متقدما على المركب؟؟
قلنا بلى....بشرط ان نتبنى التحليل المنطقي...ذلك التحليل المهووس بارجاع كل شيء الى الماهيات المجردة...وقد مر ان الشأن مناط ليس بتقدير المنطق الذهني بل...بما هو موجود فى الخارج..فلتكن الجمل من الكلمات ولتكن الكلمات من الاصوات ولكن الناس فى تدوالهم اليومي...لا يقولون..."عندى اصوات اريد ان اوصلها الى سمعك"
وحتى عندما يقولون "هل تسمح لى بكلمة"...فهم يقصدون "جملة"...
هذا الاعتراض على التصور المنطقي وجيه...فإن كان لا بد من ارجاع المركب الى البسيط.....فلم الوقوف عند حدود الصوت...اليس هو نفسه مركب....من تموجات وذبذبات...أفتكون اللغة فى نهاية المطاف..
ذرات والكترونات.....؟؟؟؟
بعد هذه الجولة القصيرة..بين المواضعة والاستعمال..وهما مفهومان لا لا بد من تصورهما لفهم المجاز...نعود الى ما بني على المواضعة من افتراض "المجاز"....فقد يقال..هب المواضعة مجرد افتراض..فهل هذا مدعاة الى انكار المجاز...لاننا نجد فى كل العلوم..مباديء ومسلمات...بعضها غير مبرهن عليها...فقد بنيت هندسة اقليدس مثلا على افتراض المكان مستويا...وبنى غيره هندسة اخرى على افتراض المكان مقعرا....فهلا تعاملتم مع انصار المجاز....كما تعامل "ريمان" و"لو باتشفسكي"مع اقليدس...لا احد ينكر على الآخر...قلنا هيهات...لان الشرط المعتبر عند فقهاء العلم هو انسجام النظرية الداخلي.....وهذا مفقود فى نظرية المجاز......واليكم التفصيل:
القول بالمجاز..فرع عن القول بالحقيقة...عند القائلين بالمجاز..:فقال بعضهم الحقيقة اصل للمجاز وقال بعضهم هي كالاصل للمجاز..ولكنهم اتفقوا جميعا على ثنائية حقيقة/مجاز...
لكن الكارثة...ان القول بالمجاز يلغي الحقيقة فى آخر المطاف...فيكر الفرع على الاصل بالابطال...
وبتعبير آخر يصبح المجاز"غولا"يلتهم كل اللغة...بحقائقها وغيرحقائقها...وممن انتبه الى هذه الآفة ابن جني ..فى كتابه الخصائص....مع التنبيه الى ان ما سميناه نحن "آفة" ليست عند ابن جني ..الا امرا طبيعيا..لذلك صرح بكل شجاعة..جل اللغة مجاز...ومع ان رأيه هذا لم يتابعه عليه احد...بل عده البيانيون رأيا متطرفا..كتطرف من ينفى المجاز اصلا...لكن الحقيقة ان رأي ابن جني لازم للجميع....شاؤوا ام ابوا....فلنقف بعض الوقفات مع هذا النص المشهور لابن جني -رحمه الله-:
اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة . وذلك عامة الأفعال نحو قام زيد وقعد عمرو وانطلق بشر وجاء الصيف وانهزم الشتاء . ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية فقولك : قام زيد معناه : كان منه القيام أي هذاجنس من الفعل ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام وكيف يكون ذلك وهو جنس والجنس يُطبق جميع الماضى وجميع الحاضر وجميع الآتى الكائنات مِن كل مَن وُجد منه القيام . ومعلوم أنه لا يجتمع لإنسان واحد ( في وقت واحد ) ولا في مائة ألف سنةٍ مضاعفةٍ القيام كله الداخل تحت الوهم هذا محال عند كل ذى لبّ . فإذا كان كذلك علمت أن ( قام زيد ) مجاز لا حقيقة وإنما هو على وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير . ويدل على انتظام ذلك لجميع جنسه أنك تُعمله في جميع أجزاء ذلك الفعل فتقول : قمت قومة وقومتين ومائة قومةٍ وقياما حسنا وقياما قبيحا . فإعمالك إياه في جميع أجزائه يدل على أنه موضوع عندهم على صلاحه لتناول جميعها . وإنما يعمل الفعل من المصادر فيما فيه عليه دليل ألا تراك لا تقول : قمت جلوسا ولا ذهبت مجيئا ولا نحو ذلك لما لم تكن فيه دلالة عليه ألا ترى إلى قوله :
( لعمرى لقد أحببتك الحبَّ كله ... وزدتِك حبَّا لم يكن قبل يعرف )
فانتظامه لجميعه يدل على وضعه على اغتراقه واستيعابه وكذلك قول الآخر :
( فقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا )
فقوله ( كل الظن ) يدل على صحة ما ذهبنا إليه . قال لى أبو علي : قولنا : قام زيد بمنزلة قولنا خرجت فإذا الأسد ومعناه أن قولهم : خرجت فإذا الأسد تعريفه هنا تعريف الجنس كقولك : الأسد أشد من الذئب وأنت لا تريد أنك ( خرجت وجميع الاسد ) التي يتناولها الوهم على الباب . هذا محال واعتقاده اختلال . وإنما أردت : خرجت فإذا واحد من هذا الجنس بالباب . فوضعت لفظ الجماعة على الواحد مجازا لما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه . أما الاتساع فإنك وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد . وأما التوكيد فلأنك عظمت قدر ذلك الواحد بأن جئت بلفظه على اللفظ المعتاد للجماعة . وأما التشبيه فلأنك شبهت الواحد بالجماعة لأن كل واحد منها مثله في كونه أسدا
وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر وانطلق محمد وجاء الليل وانصرم النهار . وكذلك أفعال القديم سبحانه نحو خلق الله السماء والأرض وما كان مثله ألا ترى - أنه عز اسمه - لم يكن منه بذلك خلق أفعالنا ولو كان حقيقة لا مجازا لكان خالقا للكفر والعدوان وغيرهما من أفعالنا عز وعلا . وكذلك علم الله قيام زيد مجاز أيضا لأنه ليست الحال التي علم
عليها قيام زيد هي الحال التي علم عليها قعود عمرو ..."انتهى كلامه.
(بعد نقل هذا الكلام بدا لى ان اصحح قولى ان" المجاز غول يلتهم اللغة كلها"مستدركا: والعقيدة ايضا.....)
قلت:ينبغي للمجازيين ان يتحملوا هذا النص رغم بشاعته...فالاكتفاء بوصفه "فيه غلو" لا يكفي...لانني لم ار من رد على حجج ابن جني...
ولا سبيل الى الرد عليه الا بقفل الباب الذى خرج منه الوحش...كما كان صنيع الاسفراييني...وداود الظاهري وابنه..والبلوطي..وجل الظاهرية....وخويز منداد وابن تيمية وابن القيم والشنقيطي...رحمهم الله جميع وعفا عن مخالفيهم...
ما يعجبني فى نص ابن جني ان صاحبه يقر بما يلزم عن القول بالمجاز...ويتبنى اللوازم..بدون مواربة...ويصل الى النتيجة التي يفر منها الآخرون:
انظر مثلا الى تحليله لمقولة" الفعل"من حيث الوضع والاستعمال....فالفعل ان وضع لا بد ان يوضع للمعنى المطلق....وان استعمل فلا بد ان يستعمل فى المعنى المقيد...اي لا بد ان يستعمل فى غير ما وضع له......وهذا هو المجاز فى تعريف الناس....ولو شئنا استعمال الفعل فى" الحقيقة" تعذرالامر....
"ضرب"يجب ان تكون موضوعة للضرب المطلق...ويستحيل ان تكون موضوعة لخصوصية كل ضرب...لكننا عندما نريد استعمال....هذا الفعل فإننا...نسنده الى فاعل خاص....ونعبر به عن ضرب مخصوص..وقع فى مكان وزمان مخصوصين....فتحتم المجاز...لاننا استعملنا ما وضع للعموم..للدلالة على الخصوص...او ما وضع للمطلق للدلالة على المقيد..فثبت فى كلتا الحالتين استعمال كلمة فى غير ما وضعت له....وهذا مشهور متداول عند اهل البيان...ويسمونه "المجاز المرسل"علاقته الاطلاق او التقييد..
ففي قولهم "مشفر الرجل"....يقترحون التأويل التالي:المشفر موضوع لشفة البعير....وهنا اسند الى الرجل....فمشفر مجاز...ثم يفصلون :ان كان المستعمل لهذا التعبير قد قصد تشبيه شفة الانسان بمشفر البعير...من حيث الغلظ ..والتشقق..فهنا استعارة تصريحية....وان لم يعتبر علاقة المشابهة...بل اراد الشفة..فعبر عن الجنس بالنوع......فسيكون عندنا مجاز مرسل.....
هذا هو تحليل ابن جني...لمقولة الفعل بدون فرق...فعنده الضرب موضوع للجنس فان استعملناه فى النوع او الافراد....فقد حصل المجاز...
بل يمكن ان نضيف الى تحليله امرا آخر.......فصيغة ضرب تدل على الماضي..والصيغ الصرفية عند المحققين من اهل البلاغة...موضوعة "بالوضع النوعي"...لا الشخصي...صيغة فعل-بالفتح-..تدل على مطلق الماضي...ونحن عندما نقول..كتب ..نقصد حيزا فى الماضي خاصا-وقوع الكتابة يوم الجمعة مثلا-فصرنا الى المجاز مرة اخرى....اي باعتبار المادة وباعتبار الصيغة...
ويأبى ابن جني..الا ان يطم المجازعلى كل مساحات اللغة فيقول اثر ما نقلناه عنه آنفا:
وكذلك قولك : ضربت عمرا مجاز أيضا من غير جهة التجوز في الفعل - وذلك أنك إنما فعلت بعض الضرب لا جميعه - ولكن من جهة أخرى وهو أنك إنما ضربت بعضه لا جميعه ألا تراك تقول : ضربت زيدا ولعلك إنما ضربت يده أو إصبعه أو ناحية من نواحى جسده ولهذا إذا احتاط الانسان واستظهر جاء ببدل البعض فقال : ضربت زيدا وجهه أو رأسه . نعم ثم إنه مع ذلك متجوز الا ( تراه قد يقول ) : ضربت زيدا رأسه فيبدل للاحتياط وهو إنما ضرب ناحية من رأسه لا رأسه كله . ولهذا ما يحتاط بعضهم في نحو هذا فيقول : ضربت زيدا جانب وجهه الأيمن أو ضربته أعلى رأسه الأسمق لأن أعلى رأسه قد تختلف أحواله فيكون بعضه أرفع من بعض..."انتهى.
باختصار يبدو انه لا سبيل الى الحقيقة..الا بتعيين عدد الخلايا..التي وقع عليها ذلك القسط من الضرب..مع تحديد عدد الذرات التى تلامست..
ووقع فيها الاحتكاك.وهذا فوق طاقة البشر كما لا يخفى.....
ويأبى ابن القيم الا ان يثخن من جراح المجاز...فيحول الانظار الى ما تبقى فى اللغة وهو الحروف....فيلزم المجازيين...بأمور قريبة مما...سبق مع ابن جني......فيقول فى الصواعق:وهذه الروابط-اي الحروف-لها دلالتها على معناها الافرادي مشروط بذكر متعلقاتها...وهو القرينة المبينة لمعناها...وذلك امارة المجاز عندهم..
فهم بين امرين...اما ان يدعوا ان الحروف كلها مجاز فهذا غلط..لو كان المجاز ثابتا فإنها لم يسبق لها موضوع غير موضوعها الذى هي مستعملة فيه...واما ان يقول ان توقف فهم معناها على القرينة لا يوجب لها ان تكون مجازا...(كذا فى النسخة التى انقل منها..ولعل الصواب يوجب لها ان تكون مجازا...او لا يوجب لها ان تكون حقيقة...والمعنى مفهوم بلا ريب )فيقال لهم : هكذا الاسماء والافعال التي لها دلالة عند الاقتران ودلالة عند التجرد لا يؤدي توقف فهم معناها عند الاقتران على القرينة ان تكون مجازا..وهل الفرق الا تحكم محض.؟
وعلى العموم فنظرية وضع الحروف....تخبط فيها اللغويون والاصوليون كثيرا......
هذه الاعتبارات كافية لاضعاف نظرية المجاز فى اللغة...لكن عندما ندخل فى حسباننا النصوص الشرعية...سيكون نفي المجاز واجبا شرعيا- ومن ثم اصبح البحث فى مسألة المجاز ليس من قبيل الترف او الرياضة الذهنية...بل هو مطلوب شرعا -...فالقول بأن "لا مجاز فى القرآن"يستجيب فى الحقيقة...لنوعين من الاكراه: اكراه عام...يتمثل فى اللوازم الباطلة من افتراض المجاز- وقد ذكرنا بعضها -واكراه خاص يتعلق...بمسلمات المؤمن بالقرآن.....من كونه لا يأتيه الباطل من اية جهة من الجهات...والمجاز يحمل فى طياته "الكذب"لذا يتعين ابعاده عن النصوص الشرعية بكل قوة....
وقبل الاستدلال على طبيعة المجاز من حيث الصدق والكذب...نورد ادلة من يرى المجاز موجودا فى القرآن:
عمدة هؤلاء....دليلان:
القرآن نزل بلغة العرب...والمجاز اسلوب موجود فى العربية....فلاضير من وجوده فى القرآن....
اما الدليل الثاني....فقد صاغه جلال الدين السيوطي فى "اتقانه "على الشكل التالي:
وأما المجاز فالجمهور أيضا على وقوعه فيه وأنكره جماعة منهم الظاهرية وابن القاص من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزه عنه وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير وذلك محال على الله تعالى
وهذه شبهة باطلة ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد إتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها..."
لقد تصدى الشيخ الامين الشنقيطي..للدليل الاول..فنقضه فى رسالته "منع جواز المجاز":
"فإن قيل كل ما جاز فى اللغة العربية جاز فى القرآن لانه بلسان عربي مبين.
فالجواب: ان هذه كلية لا تصدق الا جزئية....وقد اجمع النظار على ان المسورة تكذب لكذب سورها كما تكذب الموجهة لكذب جهتها.وايضاح هذا على طريقة المناظرة ان القائل به يقول المجاز جائز فى اللغة العربية فهو جائز فى القرآن..ينتج من الشكل الاول المجاز جائز فى القرآن .
فنقول : سلمنا المقدمة الصغرى تسليما جدليا لان الكلام على فرض صدقها وهي قولنا المجاز جائز فى اللغة العربية....ولكن لا نسلم الكبرى التى هى قوله: وكل جائز فى اللغة العربية جائز فى القرآن..بل نقول بنقيضها.....وهي قولنا بعض ما يجوز فى اللغة ليس بجائز فى القرآن فإذا تحقق صدق هذه الجزئية السالبة تحقق نفي الكلية الموجبة ...
فمن ذلك ما يسميه علماء البلاغة "الرجوع"وهو نوع من انواع البديع المعنوي.....وحده الناظم بقوله:
وسم نقض سابق بلاحق*******لسر الرجوع دوم ما حق
فإنه بديع المعنى فى اللغة عندهم وهو ممنوع فى القرآن العظيم لأن نقض السابق فيه باللاحق انما هو لاظهار المتكلم الوله والحيرة من امر كالحب مثلا ثم ظهر انه ثاب له عقله وراجع رشده فينقض كلامه الاول الذي قاله فى وقت حيرته غير مطابق للحق كقول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم.....بلى وغيرها الارواح والديم
يقصد الشنقيطي-رحمه الله-ان "الرجوع "يقوم على ارتكاب خطإ ما ثم الرجوع عليه بالتصحيح...ويرى ان مثل هذا لا يجوز فى القرآن ضرورة.وان استحسن فى كلام الشعراء..
ومن هذا المشرب ايضا...ما يسمى عندهم ب"حسن التعليل"ومعناه ايراد معنى وتفسيره تفسيرا طريفا شعريا مخالفا للواقع ولكنه مستحب للنفوس..وحسن التعليل هذا... انواع ضرب له الشنقيطى امثلة وحسبنا منها مثالا واحدا يبين المقصود..قول ابي هلال العسكري:
زعم البنفسج انه كعذاره
حسنا فسلوا من قفاه لسانه..
فعلل الشاعر خروج ورقة البنفسج الى الخلف..باعتباره عقوبة له على افترائه.. عندما زعم انه يشبه المحبوب المتغزل به...
ولا ريب ان هذا الكذب"الشعري" لا يجوز فى القرآن....
ومن هذا السبيل ايضا....ما سماه اهل البديع..ب"تجاهل العارف"ومعلوم انه لا يجوز فى القرآن لاستحالة التجاهل على الله تعالى..
وقد فطن الامام الشنقيطي الى ان السكاكي فطن لهذا فعدل عن لفظ التجاهل وسماه "سوق المعلوم مساق غيره لنكتة"ليدخل فيه مواضع من القرآن زعم انها منه...
وعبارة الجمهور بلفظ التجاهل ولا تخفى استحالته على الله تعالى...(الا تصل احيانا رغبة الانتصار للمذهب الى حدود الاقتراب من اقتراف الغش.. فهل كان المظنون عند السكاكي ان تغيير التسمية يكفي لتسويغ الباطل؟؟؟ )
ثم ساق الشنقيطى وجوها اخرى من البلاغة مطلوبة عند الشعراء والادباء..لكنها لا تقبل فى القرآن...فثبتت سقوط دعوى ان كل ما يجوز فى اللغة العربية جاز فى القرآن العظيم....
أما الدليل الثاني الذى اورده السيوطي...فلم اجد من رد عليه...لكن الحقيقة حجته ضعيفة جدا....فقوله:"وهذه شبهة باطلة ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن."هو نفسه شبهة باطلة...
ونرد عليه بما يلي:انت نفسك لا تنكر وجود الحقيقة فى القرآن...فيلزم على رأيك ان يكون فيه شطر غير حسن...وهذا هو مفهوم قوله بلا ريب...
ويلاحظ ايضا ان السيوطي -غفرالله له-تحاشى فى النص السابق الرد على من قال ان المجاز كذب...واورد شبهته تلك مع ضعفها...فبقيت دعوى الكذب قائمة...وان حاول غيره الرد عليها ولكن الحقيقة لم يأتوا بشيء....
تقسيم اللغة الى حقيقة ومجاز....يثير الشك فى المجاز بالنظر المجرد الى الاصطلاح....فهو قسيم اي مقابل للحقيقة....ومما يقابل الحقيقة...الباطل...والكذب...والبهرج..والزيف...فيكو ن المجاز..منتميا لا محالة الى هذا الحقل الدلالي...الذي ينفر منه الانسان السوي...ومن ثم يدرك تهافت تعبير السيوطي...السابق..عندما جعل المجاز مقترنا بالحسن....وهو فى الوقت ذاته ضد الحقيقة...الا ان يكون المجاز له وجه داخلي هو الباطل او الكذب....او اي معنى يقترح ضدا للحقيقة..ووجه خارجي هو الحسن والبلاغة والرونق الخ....فيكون وضع المجاز..قلق جدا...متنازع فيه اشد التنازع...فبينا هو من وجهة نظر اخلاقية..كذب ممجوج....اذا هو من وجهة نظر جمالية حسن منشود...والفصل بين وجهتي النظر هاتين....هو من شأن العلمانيين...
لا من ديدن المسلمين....ف"خضراء الدمن...."مستقبحة شرعا...رغم الاعتراف بلونها وظاهرها البهيج....وكذلك المجاز..يستحق ان يوصف ب"خضراء الدمن"....كما استحق من قبل اسم "الغول"...
ولكن علينا ان نثبت اولا ان المجاز كذب....
اولا :ان وضع المجاز فى مقابل الحقيقة....فيه اقرار بمعنى الكذب...والا فماهذا الذي يكون ضد الحق......ولهذا الامر انشغل البلاغيون...بمصطلح "حقيقة" لكنهم لم يوردوا كل معانيها..لحاجة فى انفسهم قال الخطيب فى الايضاح:"الحقيقة إما فعيل بمعنى مفعول من قولك حققت الشيء أحقه إذا أثبته أو فعيل بمعنى فاعل من قولك حق الشيء يحق إذا ثبت أي المثبتة أو الثابتة في موضعها الأصلي....."
فلاحظ ايها اللبيب..ان الخطيب جعل معنى الحق..هو الثبات..ولم يشر الى غيره...بينما صاحب اللسان...جاء تعريفه الاول لمادة[ ( حقق ) الحَقُّ نقيض الباطل وجمعه حُقوقٌ وحِقاقٌ وليس له بِناء أدنى عدَد وفي حديث التلبية لبَّيْك حَقّاً حقّاً أي غير باطل ]ثم ذكر من معانيه الثبات والصدق والوجوب..ونحن لا ننكر معنى الثبوت للحق ولكن نقول من عادة المصنفين من المحققين..عندما يتعرضون لمصطلح ان يشيروا الى جل معانيه فى اللغة....وليس هذا صنيع الخطيب...رحمه الله.
وافضل من صاحب اللسان....صاحب التاج.عندما بدأبقوله : الحَقُّ : من أسماء اللهِ تَعالَى أو من صفاتِه قالَ ابنُ الأثِيرِ : هو المَوجُودُ حقيقةً المُتحَققُ وجُودُه وإلهِيته وقال الراغِبُ : أصلُ الحَقِّ : المُطابقةُ والمُوافَقَة كمُطابَقَةِ رِجلِ الباب في حُقهِ لدَوَرانِه على الاستِقامَةِ والحَقًّ : يقالُ لمُوجدِ الشيءَ . بحَسَب ما تَقْتَضِيه الحِكمَةُ ولِذلِكَ يُقال : فِعلُ اللهٍ كُله حَق وللاعْتقادِ في الشيء التطابِقِ لما عَلَيه ذلِكَ الشَّيء في نَفْسِه..
والحَق : خِلاف الباطِل جَمعُه : حُقُوق وحقاقٌ وليسَ له بِناءُ أَدنَى عدَد..
والحَق : المَوْجُودُ الثابِتُ الذي لا يَسُوغُ إِنْكارُه......
وفي شَرْح العَقائدِ : الحَق عُرْفاً : الحُكْمُ المُطابِقُ للواقِع يُطلَقُ على الأقوالِ والعَقائدِ والأدْيانِ والمَذاهِبِ باعتِبار اشْتِمالِها عَلَى ذلِك ويُقابِلُه الباطِلُ وأَمَّا الصِّدْقُ فشاعَ في الأَقْوالِ فَقَط ويُقابِلُه الكَذِبُ وفُرِّقَ بينَهُما بأنَّ المُطابَقَةَ تُعْتَبَرُ في الحَقِّ من جانِبِ الواقِع وفي الصِّدق من جانِبِ الحُكْم فمَتَى صَدَق الحُكمُ صَدَقَ مطابَقَتُه للواقِع ومَعْنَى حَقِّيَّتِه : حَقِّيَّة مُطابَقَةِ الواقِع إيّاه . والحَقُّ : واحِدُ الحُقُوقِ والحَقَّةُ : أَخَص منه يُقالُ : هذِه حَقَّتِي أي : حَقِّي نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ . والحَقَّةُ أيْضاً : حَقِيقَة الأمْرِ يُقال : لمّا عَرَفَ الحَقَّةَ مِنِّي هَرَب نَقَله الجَوْهَرِي . وحَقِيقَةُ الأمْرِ : ما يَصيرُ إِليه حَقُّ الأمْرِ ووُجُوبُه يُقال : بَلَغَ حَقِيقَةَ الأمْرِ أي : يَقِينَ شَأنِه.انتهى بعض كلام الزبيدي رحمه الله....
ومما يستفاد من كلامه...ان الحقيقة هي المطابقة للواقع....فغيرها وهو المجاز غير مطابق للواقع فهو باطل...وليس من المجازيين من ينكر هذا الامر فهم يقولون...."الاسد"فى المجاز ليس اسدا حقيقيا...ففي الواقع لم يأتك اسد...ولكن اتاك غيره....وهذا هو الباطل....
اما إذا اعتبرنا...حيثية الاخبار عن الواقع....فالمجاز كذب...ولا يخلو المجاز من الوصفين....: باطل باعتبار مطابقة الوقائع...او كاذب باعتبار علاقة اللغة بالواقع..
وحتى عند التسليم...بان الحقيقة هي الثبات....نصطدم..بكون" كلمة حقيقة"لا تعبر حتى عن نفسها بهذا المعنى..فى ادبيات المجازيين...
قال الدكتور لطفى عبد البديع...فى كتابه "فلسفة المجاز بين البلاغة العربية والفكر الحديث":"فالمعول عليه عندهم فى المجاز النقل خلافا للحقيقة التي تقوم على الثبات...ولكن هل نجت الحقيقة من النقل الذي ظلوا يلاحقون به المجاز؟والجواب عن ذلك بالسلب...فظاهر صنيعهم فى تصور الحقيقة يؤخذ منه انها نقل ايضا على ما ذكره صاحب" الكشف "[يقصد البزدوي]إذ نقل اولا اللفظ الى الاعتقاد المطابق للواقع لأنه اولى بالثبوت من غيره ..ثم نقل منه الى القول المطابق لذلك الاعتقاد....ثم نقل منه الى ذلك المصطلح عليه...اي اللفظ المستعمل فى موضوعه الاصلي...قال:فظهر ان اطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف مجاز واقع فى المرتبة الثالثة بحسب اللغة...
ولا يملك المرء الا ان يتعجب من هذه المفارقة..فالحقيقة التي هي اصل المجاز...تحتاج الى المجاز نفسه لتسمي نفسها...
كان لا بد لأنصار ثبوت المجاز من التصدي....لهذه الدعوى الخطيرة...دعوى ان المجاز اخو الكذب...لأنها ان سلمت...اصبح القرآن بريئا من المجاز...وفاقا...
بل السنة ايضا...لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفي عن الانبياء ان تكون لهم خائنة الاعين فضلا عن الكذب....
لكن مهمة البلاغيين صعبة جدا....لان بنية المجاز الداخلية مبنية على الادعاء....والادعاء شكل من اشكال الكذب لا ريب...فكيف يقول مسلم..ان الله سبحانه ادعى ...ان الصبح يتنفس....وان الجدار يريد ان ينقض..وان القرية لها سمع ووعي... ؟؟؟
فلننظر اولا ..الى اعتراف المجازيين .....بدخول الادعاء فى قلب المجاز..وخاصة الاستعارة منه....:
قال الخطيب القزويبي فى الايضاح:

"وقيل الاستعارة مجاز عقلي بمعنى أن التصرف فيها في أمر عقلي لا لغوي لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به. لأن نقل الاسم وحده لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر استعارة .ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة لأنه لا بلاغة في إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه ولما صح أن يقال لمن قال رأيت أسدا يعني زيدا أنه جعله أسدا كما لا يقال لمن سمى ولده أسدا إنه جعله أسدا لأن جعل إذا تعدى إلى مفعولين كان بمعنى صير فأفاد إثبات صفة للشيء فلا تقول جعلته أميرا إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة "
جاء هذا النص فى سياق اختلاف البيانيين فى طبيعة الاستعارة...أهي مجاز لغوي..ام عقلي..
فمعنى ان تكون الاستعارة مجازا لغويا......هو ان التصرف الذى حصل لغوي بحت...فالاسم الذى اعطي للسبع..."اسد"استعير منه...وسمي به انسان..فنكون قد اخذنا لفظا من جهة ما....وجعلناه لجهة اخرى..فمادة التعامل هنا هي اللفظ اي اللغة...فالاستعارة اذن مجاز لغوي..
لكن هذا التصور للاستعارة لم يرض الفريق الآخر...واحتجوا...بما اورده الخطيب القزويني..من الزام:فمن سمىولده "سيفا" او" فهدا" او " شمسا".....
فقد استعار....فهذه الاعلام مجاز على مذهبكم....ولا تقولون به..وهذا تناقض...
وقالوا بل الاستعارة مجاز عقلي....ومعنى ذلك....ان عقولنا تصرفت بالقدرة التخييلية....فتوهمت ان هذا الانسان الماثل امامنا...ليس انسانا...بل دخل فى جنس السباع...فأطلقنا عليه اسم "اسد" بعد ذلك....وليست البلاغة فى استعارة الفاظ ...بل فى استعارة المعاني...والمعاني عقلية ...فثبت ان الاستعارة مجاز عقلي وهذا هو المطلوب...
ورد الفريق الاول:لكن اسم "اسد" وضع فى الاصل للسبع...واستعمل هنا فى غير ما وضع له...والوضع والاستعمال امور لغوية...
لكن الامر الحرج فى اعتبار الاستعارة مجازا عقليا..هوخروج الاستعارة الى الحقيقة...فلن تعود مجازا..
قال ابن يعقوب المغربي....فى "مواهب الفتاح"وهو احد شراح التلخيص...وهو يعلق على تعريف الحقيقة عند السكاكي..باعتبارها "الكلمة المستعملة فيما وضعت له":
"ولما كانت الاستعارة موضوعة قطعا على كل قول وانما الخلاف فى انها مجاز لغوي أو عقلي على ما تقدم بيانه...(في شرحه )...فعلى انها مجاز عقلي فهي حقيقة لغوية لا يصح اخراجها[يقصد اخراجها من تعريف الحقيقة...]وانما يخرج المجاز المرسل..وعلى انها مجاز لغوي يحتاج الى اخراجها إذ لا تخرج بالوضع للاتفاق على وضعها لكن وضعها للمشبه بتأويل اي ادعاء انه من جنس المشبه به الذي وضع له اللفظ أصالة احتاج الى زيادة قيد لاخراجها إذ هي مجاز لغوي على هذا وذلك القيد هو ان وضع الحقيقة لا تأويل فيه ولا ادعاء ووضع الاستعارة فيه تأويل وادعاء لذلك زاد قيد قوله(من غير تأويل فى الوضع)...انتهى.
وهكذا يلاحظ..ان الادعاء لازم لمعنى الاستعارة...سواء أتبنينا التصور الاول ...ام الثاني....مع ان جل البيانيين...يذهبون الى المجاز اللغوي....فى تعريف الاستعارة......لان القول بالمجاز العقلي قد يلحق الاستعارة بالحقيقة...ويفقد المجاز رافدا هاما جدا هو الاستعارة...
قال ابن يعقوب:
(على اصح القولين) وهو القول بأن الاستعارة مجاز لغوي كما ذكرنا لأنها- ولو بولغ فى التشبيه فيها حتى ادعي دخول المشبه فى جنس المشبه به على ما تقدم-لا يقتضي ذلك كونها مستعملة فيما وضعت له حقيقة وانما استعملت فى غير ما وضعت له بالاصالة فاحتيج الى الاحتراز عنها كما بيننا لتخرج إذ هي مجاز لغوي فلو دخلت فى الحقيقة فسد حدها وأما ان بنينا على القول بأنها حقيقة لغوية بناء على انها استعملت فيما وضعت له حقيقة لأن التصرف وقع اولا في أمر عقلي بأن جعل المشبه نفس المشبه به فلما جعل نفسه أطلق اللفظ على ذلك المشبه لا على انه مشبه بل على انه نفس المشبه به فقد استعملت فى معناها الاصلي فكانت حقيقة لغوية.."
القاريء غير المختص سيشعر عند فراغه من نص ابن يعقوب...ان هناك "أزمة" ما... تتعلق بتصور الاستعارة...لكنه قد لا يعي جذور الازمة....فلا بد من توضيح....(يستغني عنه المهتمون بالبلاغة):
القول الاول ...الذي ينص على ان الاستعارة مجاز عقلي...يصر على اننا لم نطلق اسم اسد على الفرد...الا بعد ان جعلناه بأذهاننا اسدا....لأن نقل الاسم بدون صورة الاسد ليس بليغا...كما لو سميت ابنك "اسد"...فيكون الاسم علما محضا لا استعارة باتفاق...
إذن جاءت التسمية بعد ان اعتبر العقل الشخص اسدا....وهنا تأتي المفاجأة:لا مجاز هنا...لاننا استعملنا الكلمة فيما وضعت له...فهي حقيقة.....
وهذا مثال يوضح ذلك...:الطفلة الصغيرة عندما تسمي دميتها عروس...لا تستعمل المجاز..كلا ..فالدمية فى نظرها عروس حقيقية...وليس مجرد شيء مشبه بالعروس...فقد تخيلت الدمية عروسا..وسمتها كذلك...فالدمية فى تصورها ليست خشبا او بلاستيك تمثل العروس..بل هي عروس..لا اقل ولا اكثر...
وجاء القول الثاني للبيانيين...لإنقاذ الاستعارة...فرأوا ان ذلك الادعاء لتوحد المشبه والمشبه به...لا يقتضي الحقيقة...لإن "اسد" وضع للاسد الحقيقي لا للاسد الادعائي.....ونقله من الاول الى الثاني استعارة لغوية..
وقد حاول بعض البلاغيين التوفيق بين التصورين..فقال مثلا محقق كتاب "كتاب جامع العبارات فى تحقيق الاستعارات"د.محمد رمضان الجربي:
"والظاهر فى نظري ان الخلاف لفظي..فمن نظر الى الاصل ونفس الامر....جعلها مجازا لغويا..ومن نظر الى الادعاء جعلها مجازا عقليا..وفى عروس الافراح مع شروح التلخيص:"وهذا الادعاء لا ينكره من جعله لغويا...وكون اللفظ اطلق على غير معناه الحقيقي لا ينكره من جعله عقليا..وانما النزاع فى انه هل يسمى بالاول نظرا للاطلاق على غير المعنى الاصلي ..او بالثاني..نظرا لذلك الادعاء ... فصار الخلاف لفظيا اصطلاحيا...[انتهى كلام صاحب العروس وكلام حاشية المحقق..]
تلخيص الشارح جيد..وفق فيه بين المتنازعين...واستفدنا منه نحن ان الادعاء ...مجمع عليه فى تصور الاستعارة.....
وبقيت مسألة الادعاء هل هي كذب ام لا....
تقوم الاستعارة على مقومين اساسين لا تتصور الاستعارة بدونهما:
الادعاء .
المبالغة.
وقد تكلمنا من قبل عن مفهوم الادعاء..وانه يقول به كل البيانيين على المذهبين معا:مذهب من يرى الاستعارة مجازا لغويا..ومذهب من يراها مجازا عقليا..وقد لخص الامام يحيى العلوي فى كتابه "الطراز"
تلخيصا جامعا وجهة نظر الفريقين فقال:"قولكم فى حد المجاز انه "ما افاد معنى غير مصطلح عليه فى اصل تلك المواضعة "يؤدى الى خروج الاستعارة عن حد المجاز وبيانه انا اذا قلنا على جهة الاستعارة رأيت اسدا فالتعظيم والمبالغة الحاصلان من هذه اللفظة المستعارة ليس لانا سميناه باسم الاسد ولهذا فإنه لو جعلناه علما لم يحصل التعظيم والمبالغة بذلك بل انما حصلا لأنا قدرنا فى ذلك الشخص صيرورته فى نفسه على حقيقة الاسد لبلوغه فى الشجاعة التي هي خاصة الاسد الغاية القصوى ومتى قدرنا حصوله على صفة الاسدية وحقيقتها اطلقنا عليه الاسم وبهذا التقدير يكون اسم الاسد مستعملا فى نفس موضوعه الاصلي ويبطل المجاز...
والجواب....انه يكفي فى حصول المبالغة والتعظيم ان يُقدر انه حصل له من القوة ما كان للاسد وعلى هذا يكون استعمال لفظ الاسد فى معنى يخالف موضوعه الاصلي وبهذا التقرير يحسن وجه الاستعارة وتتضح حثيقة المجاز....."
ويستفاد من هذا النص..المقوم الآخر للاستعارة وهو المبالغة....فبدون المبالغة...تصبح الاستعارة "باردة"لا يحتاج اليها...لأن فى الحقيقة غنى عنها حينئذ ...وما ادخلت الاستعارة فى سلك البلاغة الا لذلك القدر الزائد من المعنى الذي تضيفه الى الحقيقة...
قال الدسوقي فى حاشيته على السعد:
(قوله ولما كانت الاستعارة ابلغ من الحقيقة) أي انه يلزم لو لم تراع المبالغة المقتضية لادخال المشبه فى جنس المشبه به الذي بني عليه كون الاستعارة مجازا عقليا ان لا تكون الاستعارة ابلغ من الحقيقة بل تكون مساوية له مع انهم جازمون بأ ن الاستعارة ابلغ من الحقيقة (قوله اذ لا مبالغة فى اطلاق الاسم المجرد)اي عن الادعاء وقوله عاريا عن معناه اي الحقيقي ولو بحسب الادعاء والمعنى ان الاسم إذا نقل الى معنى ولم يصحبه اعتبار معناه الاصلي فى ذلك المعنى المنقول اليه لم يكن فى اطلاق ذلك الاسم على ذلك المعنى المنقول اليه مبالغة فى جعله كصاحب ذلك الاسم كما فى الحقيقة المشتركة والمنقولة فإنه لما لم يصحبها معناها الاصلي انتفت المبالغة فى الحاق المعنى المنقول اليه بالغير..(شروح التلخيص المجلد 4 ص61)..
الآن...لا بد للبحث ان ينتقل الى الصعيد العقدي والفقهي....فالقول بأن فى القرآن استعارة...معناه ان فى القرآن...مبالغة.....والمبالغة زيادة وتضخيم للواقع...
فهل يليق هذا بالقرآن...؟
هل يتصور ان يقدم القرآن الكريم شيئا فيه زيادة او نقصان عن حقيقته...؟
وتمسك المتمسكين بأن القرآن قد نزل على المعهود من كلام العرب واساليبها لا يعد تبريرا لأن يكون فى القرآن باطل..كما استدل على ذلك الشيخ الشنقيطي رحمه الله..
وعلى فرض ان المجاز موجود ومستحب ..فهذا يليق بالشعر......ولا يليق بالقرآن..لأن الشعر ينبني على مقولة "أعذب الكلام أكذبه"حيث يغتفر فيه الكذب والمبالغات والادعاءات والمحالات...لكن القرآن...مبني على قاعدة:{وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ }الطارق.14.وعلى قاعدة تنزيه كلام الله ان يشبه كلام الشعراء:{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ }الحاقة41.
وفى الحقيقة...ان الانسان الممؤمن ليجد حرجا عقديا كبيرا عندما يقول.....ان الله سبحانه "يبالغ"عندما يقول كذا وكذا...او عندما يقول ان النبى صلى الله عليه وسلم..."زاد على الحقيقة" عندما قال...كيت وكيت....ولكن لم لا يتحرجون من القول بوجود الاستعارة فى كلام الله ورسوله...مع انهم يرون الاستعارة لا تنفصل عن المبالغة بشهادة البيانيين انفسهم؟؟والعبرة بالمعاني لا بالالفاظ...
فى الزوائد:

حدثنا العباس بن الفضل ثنا محمد بن عبد الله التميمي قال أخبرني الحسن بن عبيد الله قال حدثني من سمع النابغة الجعدي يقول : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فانشدته قولي ...
وانا لقوم ما نعود خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا ...
وننكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردها ... صحاحا ولا مستنكرا أن تعقرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وانا لنبغي فوق ذلك مظهرا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم الى أين قال قلت الى جنة قال نعم ان شاء الله ..
ولعل فى سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم الى اين.....معنى الانكار...من ظاهر مبالغة النابغة رضى الله عنه...فلما تبين ان الامر حقيقة....اقره صلى الله عليه وسلم...هذه والامر يتعلق بالشعر الذي يغتفر فيه ما يغتفر....فكيف يليق هذا بالنصوص الشرعية...
وعموما فان الاحاديث التى تنهى عن الاطراء والمدح اشهر من ان تذكر...
حاول الامام عبد القاهر الجرجاني التخفيف من حدة "أزمة المبالغة"فذهب الى ان المبالغة ليست زيادة فى المعنى بل زيادة فى تقرير المعنى فى نفوس السامعين...ويمكن ان نصوغ رايه على النحو التالي......: ليست المبالغة اثبات الزيادة بل زيادة الاثبات.....ولتفسير ذلك قال فى "دلائل الاعجاز ":

"أعلمْ أنَّ سبيلك أوّلاً أن تعلم أنْ ليستِ المزيّةُ التي تُثبتُها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهرِه والمبالغةُ التي تدَّعي لها في أنفسِ المعاني التي يقصدُ المتكلمُ إليها بخبرِه ولكنّها في طريق إثباتِه لها وتقريرِه إيّاها . تفسيرُ هذا أنْ ليس المعنى إذا قلنا : " إن الكنايَة أبلغُ منَ التَّصريح " أنّك لمّا كنيتَ عن المعنى زدتَ في ذاته بل المعنى أنّك زدتَ في إثباتهِ فجعلتَه أبلغَ وآكد وأشدَّ . فليستِ المزيّةُ في قولهم : " جمُّ الرماد " أنّهُ دلَّ على قِرًى أكثرَ بل المعنى أنك أثبتَّ له القِرى الكثيرَ من وجهٍ وهو أبلغُ . وأوجبْتَهُ إيجاباً هو أشدُّ وادَّعيته دعْوى أنتَ بها أنطقُ وبصحَّتها أوثق.وكذلك ليست المزيّةُ التي تراها لقولك : " رأيتُ أسداً " على قولك : " رأيتُ رجلاً لا يتميَّزُ منَ الأسد في شجاعته وجُرأته " أنّك قد أفدتَ بالأول زيادةً في مُساواته الأسدَ بل أنَّك أفدتَ تأكيداً وتشديداً وقوّة في إثباتك له هذه المساواةَ وفي تقريرِك لها . فليس تأثيرُ الاستعارةِ إذاً في ذاتِ المعنى وحقيقتِه بل في إيجابهِ والحكمِ به وهكذا قياسُ التّمثيل ترى المزيَّةَ أبداً في ذلك تقعُ في طريقِ إثباتِ المعنى دون امعنى نفسه . فإِذا سمعْتَهم يقولون : إنَّ من شأنِ هذه الأجناسِ أن تُكسِبَ المعاني نُبلاً وفضلاً وتوجِبَ لها شَرفاً وأن تفخمَها في نفوسِ السّامعين وترفَعَ أقدارَها عند المُخاطَبينَ فإِنّهم لا يُريدون الشَّجاعةَ والقِرى وأشباهَ ذلك من مَعاني الكلِم المُفردةِ وإنّما يَعْنون إثباتَ معاني هذه الكلِم لمَنْ تثبتُ له ويُخَبَّرُ بها عنه...."
لكن يبدو ان البلاغيين بعد الجرجاني لم يقتنعوا بهذا المسلك فتعقب الخطيب قول الجرجاني السابق قائلا:
ولقائل أن يقول قد تقدم أن الاستعارة أصلها التشبيه وأن الأصل في وجه الشبه أن يكون الشبه به أتم منه في المشبه وأظهر فقولنا رأيت أسدا يفيد للمرء شجاعة أتم مما يفيدها قولنا رأيت رجلا كالأسد لأن الأول يفيد شجاعة الأسد والثاني شجاعة دون شجاعة الأسد ويمكن أن يجاب بحمل كلام الشيخ على أن السبب في كل صورة ليس هو ذلك لا أن ذلك ليس بسبب في شيء من الصور أصلا ...
ويتلخص من كلام الخطيب ..ان المبالغة فى الاقناع والتأثير على المخاطب وان كانت واردة ومطلوبة فإنه لا ينبغي ان تخفي المبالغة الاخرى التى أنكرها الشيخ الجرجاني....وعلى هذا النهج سار ابن يعقوب المغربي عندما شرح كلام الخطيب المتعلق بالمفاضلة بين التشبيه والاستعارة فقال:"......فيستشعر من ذلك أنه بالغ فى التشبيه حتى سوى بينهما وصيرهما من جنس واحد بحيث يشملهما الاسم على ما تقدم فى الاستعارة ففهم من ذلك مساواتهما عند المتكلم فى الشجاعة الجامعة لهما فهنا مبالغة فى التسوية أفادها التعبير عن المشبه بلفظ المشبه به لأن ذلك يشعر باتحادهما وكونهما شيئا واحدا وهذه المبالغة لا توجد فى الحقيقة التي هي التشبيه كأن يقال زيد كالاسد لأن اصل التشبيه الاشعار بكون الوجه فى المشبه به أقوى فلا مساواة فقد ظهر أن الاستعارة تفيد المبالغة فى تسوية الشبيهين فى الوجه والمبالغة فى تقرير اللازم فى الذهن...."
ويستفاد من آخر كلام ابن يعقوب...ما تقرر عند الخطيب من ان المبالغة فى الاستعارة مزدوجة...مبالغة فى زيادة المعنى فى الخارج...وزيادة فى تقرير المعنى فى الذهن....فيعود الاشكال من جديد:
هل يمكن للنص الديني....ان يزيد على معاني الاشياء....فالاحمر الباهت مثلا هل يمكن ان ندعي فيه بأنه احمر قان....أليس هذا كذبا؟
وهذا اوان التفصيل فى مسألة الكذب هذه:
قال صاحب الايضاح:

اختلف الناس في انحصار الخبر في الصادق والكاذب فذهب الجمهور إلى أنه منحصر فيهما... ثم اختلفوا..
فقال الأكثر منهم صدقه مطابقة حكمه للواقع وكذبه عدم مطابقة حكمه له.. هذا هو المشهور وعليه التعويل.
وقال بعض الناس صدقه مطابقة حكمه الاعتقاد المخبر صوابا كان أو خطأ وكذبه عدم مطابقة حكمه له ..واحتج بوجهين أحدهما:أن من اعتقد أمرا فأخبره به ثم ظهر خبره بخلاف الواقع يقال ما كذب ولكنه أخطأ كما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت فيمن شأنه كذلك ما كذب ولكنه وهم.....
ورد بأن المنفي تعمد الكذب لا الكذب بدليل تكذيب الكافر كاليهودي إذا قال الإسلام باطل وتصديقه إذا قال الإسلام حق فقولها ما كذب متأول بما كذب عمدا.
الثاني قوله تعالى ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) كذبهم في قولهم إنك لرسول الله وإن كان مطابقا للواقع لأنهم لم يعتقدوه وأجيب عنه بوجوه
أحدها أن المعنى نشهد شهادة واطأت فيها قلوبنا ألسنتنا كما يترجم عنه أن واللام وكون الجملة اسمية في قولهم إنك لرسول الله فالتكذيب في قولهم نشهد وادعائهم فيه المواطأة لا في قولهم إنك لرسول الله
وثانيها أن التكذيب في تسميتهم إخبارهم شهادة لأن الإخبار إذ خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة.
وثالثها أن المعنى لكاذبون في قولهم إنك لرسول الله عند أنفسهم لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه المخبر عنه...
وأنكر الجاحظ انحصار الخبر في القسمين وزعم أنه ثلاثة أقسام صادق وكاذب وغير صادق ولا كاذب لأن الحكم إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر له أو عدمه وإما غير مطابق مع الاعتقاد أو عدمه: فالأول أي المطابق مع الاعتقاد هو الصادق... والثالث أي غير المطابق مع عدم الاعتقاد هو الكاذب..... والثاني والرابع أي المطابق مع عدم الاعتقاد وغير المطابق مع عدم الاعتقاد كل منهما ليس بصادق ولا كاذب فالصدق عنده مطابقة الحكم للواقع مع اعتقاده والكذب عدم مطابقته مع اعتقاده وغيرهما ضربان مطابقته مع عدم اعتقاده وعدم مطابقته مع عدم اعتقاده واحتج بقوله تعالى ( افترى على الله كذبا أم به جنة ) فإنهم حصروا دعوى النبي الرسالة في الافتراء والإخبار حال الجنون بمعنى امتناع الخلو وليس إخباره حال الجنون كذبا لجعلهم الافتراء في مقابلته ولا صدقا لأنهم لم يعتقدوا صدقه فثبت أن من ا لخبر ما ليس بصادق ولا كاذب...
وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد فهو نوع من الكذب فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب وهو الكذب لا عن عمد فيكون التقسيم للخبر الكاذب لا للخبر مطلقا والمعنى افترى أم لم يفتر وعبر عن الثاني بقوله أم به جنة لأن المجنون لا افتراء له....
وقد نقلت النص بطوله...لاننا سنعود اليه لاحقا لنثبت اضطرابهم فى تعريف الخبر الكاذب...وحسبنا الآن الاشارة الى ان عمدة المدافعين عن المجاز هو التأويل بنصب القرينة...وإلا فالمصير الى الكذب حتمي.

قال الصبان فى الرسالة البيانية:
الفرق بين المجاز أعني الكلام المشتمل عليه والكذب بالتاويل ..اي ارادة خلاف ظاهر اللفظ وبنصب القرينة على ان الظن الذى هو المعنى الحقيقي غير مراد فالمتجوز مؤول كلامه وناصب قرينة على ان الظن غير مراد له بخلاف الكاذب ...فإنه يدعي الظن ويريده ويصرف همته الىاثباته مع كونه غير ثابت فى نفس الامر ....مثلا إذا قال قائل :جاءني اسد مع ان الاسد الحقيقي لم يجيء اليه فإن لم يرد ظاهر اللفظ بل اراد الرجل الشجاع الذي يشبه الاسد الحقيقي ونصب على ذلك قرينة ..فالكلام استعارة وإذا اراد ظاهره ولم ينصب قرينة على خلافه فهو كذب ....كذا ذكره القوم ونظر فيه العصام فى رسالته الفارسية من وجوه:
أحدها:كما يشتبه المجاز بالكذب والفارق بينهما ما ذكر كذلك يشتبه المجاز بالخطأ كما اذا كان المجاز فى كلام طلبي مثل قول القائل آمرا الآخر فى مقام لا يتصور فيه الاسد الحقيقي "قاتل الاسد" فالاشتباه هنا ليس بالكذب لكون الكلام غير خبري بل بالخطأ لأن القائل لو اراد الظن كان مخطئا لأنه يكون آمرا بمحال فلا وجه للتخصيص بالكذب.
الثاني:
ان كلامهم هنا يشعر بان المجاز صدق دائما فإنهم قابلوه بالكذب ...وليس كذلك بل هو كسائر الاخبار فى احتمال الصدق والكذب. ..
الثالث:
ان كلامهم هذا يقتضي ان يكون اللفظ المجازي كاذبا باعتبار معناه الحقيقي البتة وليس كذلك إذ يجوز ان يجيء اليه الحيوان المفترس مثلا ايضا ...لكن مجيئه ليس مقصودا بالافادة من الكلام بل المقصود إفادة مجيء الرجل الشجاع ....
وأجاب "المولوي" عن الاول بأن الذي يجب تنزيه الكلام البليغ عن تهمة الاشتباه هو الكذب ولذلك خصوه بالذكر ....وعن الثاني بأن معنى كلامهم أن التأويل ونصب القرينة يدفعان عن المجاز كونه قطعي الكذب ..لا انهما يجعلانه قطعي الصدق..حتى يرد عليهم ما اورد........وعن الثالث بأن القوم إنما حكموا بأن قرينة المجاز إنما تمنع من ارادة المعنى الحقيقي من اللفظ أي تمنع السامع ان يذهب ذهنه الى المعنى الحقيقي ..هو مراد المتكلم من هذا اللفظ لا انها تمنع المعنى الحقيقي من ان يوجد جائيا فى نفس الامر ..فقولك :"يرمي" إنما يمنع ان يكون مراد المتكلم من الاسد الحيوان المفترس لا من يوجد جائيا للمتكلم فى نفس الامر...."
لا يخفى ان الجواب على الاعتراض الثالث ضعيف...فمن قال "جاء الاسد يرمي"فقد قصد الاخبار بخبر واحد يتضمن ثلاثة امور: اسد هو انسان...جاء منتقلا من مكان الى مكان....وهو فى حالة رمي...
وجواب المولوي يقتضي فصل الفعل عن الفاعل والحال عن صاحبها...وليس هذا مراد المتكلم أبدا...فذهن المستمع يدرك الجملة كلا...فيفهم ان رجلا شبه بالاسد جاء يرمي.....ولا يفهم ان اسدا حقيقيا جاء بسبب القرينة...ولكن لو ثبت ان الاسد الحقيقي هو الذي جاء بدل الشجاع من الناس لكان الخبر كذبا لا محالة....فلا يزول اعتراض العصام.... عندما قال : ان كلامهم هذا يقتضي ان يكون اللفظ المجازي كاذبا باعتبار معناه الحقيقي البتة وليس كذلك إذ يجوز ان يجيء اليه الحيوان المفترس مثلا ايضا.
ونزيد المسالة تفصيلا فنقول..:"جاء أسد يرمي"تعبير يلقيه المتكلم للمخاطب..وقصده ان ينصرف ذهن المتلقي عن الاسد الحقيقي...بقرينة الاستعارة التصريحية.. وهي فعل "يرمي"فكأن المتكلم قال : افهم أن اي شيء جاء جائز...لكن الاسد الحقيقي ممنوع من المجيء....وهذا صحيح على مذهبهم لانهم يزعمون ان القرينة مانعة لا معينة...لكن احتمال مجيء الاسد ممكن قطعا...فجاء اضطراب القوم....وقد تعمدنا الوقوف عند هذه النقطة من البحث..لما لها من ذيول فى مسالة الاسماء والصفات....فعندما يثبت الله لنفسه "يدا"يزعم المخالف ان هذا مجاز...ويقول فى اجرائه...لقد قامت القرينة العقلية وانتصبت لتعلن...ان اليد الحقيقية ممنوعة لرب العالمين...ولك مسلكان: ان تكتفي بالقرينة المانعة ولا تعين معنى وراء ذلك..وهذا هو التفويض..أو تجتهد لايجاد معنى يعادل اليد ويليق بالرب جل فى علاه.....اما الاتفاق على ان المعنى الحقيقي غير مراد فهو قطعي عند الفريقين....
ويقال للفريقين...ولكن الاسد الحقيقي يجوز ان يأتي....فلم لا يجوز للمعنى !الحقيقي لليد ان يكون مرادا ايضا....
وقد حاول الصبان ان يحوم حول الاشكال فقال:"لا يخفى ان هذا الجواب -يقصد جواب المولوي-لا يلاقي الاعتراض الثالث ولا يدفعه ..ويمكن دفعه بأن كلام القوم مفروض فيما إذا كان المعنى الحقيقي منتفيا بدليل قولهم فى التمثيل: إذا قال قائل:"جاءني اسد" مع ان الاسد الحقيقي لم يجىء اليه ..وبفرض ذلك يكون اللفظ المجازي كاذبا باعتبار معناه الحقيقي البتة فافهم..."
ولكن ماذا يفهم ؟
فقولهم "مع ان الاسد الحقيقي لم يجىء اليه.."هل عرفوه من قول القائل "جاءني اسد" ام من مصدر آخر......
فإن لم يفهم من الكلام ..كان الخطاب عبثا...سواء أكان حقيقة ام مجازا ولأصبح نصب القرينة لا معنى له لان القطع بعدم مجيء الاسد ثبت من غير كلام المتكلم...
وان فهم منه...بقي الاعتراض السابق...
فلم يأت الصبان بدافع....وللدكتور لطفى عبد البديع ان يعلق قائلا:"...فإن الاعتراض الثالث لا يقوم دونه شيء لأنه يضيق الخناق على كلام القوم بحيث يتهاوى معه ما قالوه فى بيان الفرق من أن المجاز يراد به خلاف الظاهر..لأن الظاهر فى اللفظ المجازي هو المعنى الحقيقي ..وهذا المعنى فى نفس الامر مما يصح له أن يثبت له المجيء وعدمه ...فإذا ثبت له المجيء فهل تكون ارادة الظاهر فى هذه الحالة الا الصدق؟؟؟
وقبل متابعة مسألة الكذب..نشير عرضا الى تمسكهم بمفهوم "القرينة" كفيصل بين ما يريد المتكلم وما لا يريد...فإن كانت القرينة عقلية...فالمرجع الى الكتاب العظيم لابن تيمية "درء التعارض بين العقل والنقل"وما احسب هذا الكتاب الا كتابا فى البلاغة أراد به شيخ الاسلام ..تفنيد دعوى القرينة العقلية...التى لهج بها مؤولو الاسماء والصفات...واعتبروها مانعة من ارادة المعنى الحقيقي ...ولعل الكلام فى هذا يطول..وحسبي ان ابين عيوب القرينة فى حالة كونها "لفظية" لنبقى داخل دائرة البلاغة فذلك هو مقصودنا الاصلي....
قال الطرودي التونسي المتوفى سنة1167ه فى شرحه "جامع العبارات فى تحقيق الاستعارات":
القرينة:ما يفصح عن المراد لا بالوضع..هذا التعريف ذكره الجامي وغيره فى اوائل المرفوعات..وعللوا بالتقييد بعدم الوضع بأنه لم يعهد ان يطلق على ما وضع بإزائه شيء أنه قرينة..فقوله : على المراد..اي مراد المتكلم بقرينة تعريفها أولا ....بما نصبه المتكلم للدلالة على قصده...واعلم ان نصب المتكلم وقصده مما لا يطلع عليه...فجعلوا قيام القرينة دليل النصب والاقامة عند انتفاء المانع من السهو..ولذا قالوا فى مقامات الحذف "لقيام قرينة" دون "إقامة قرينة"......(مانعة من ارادته) اي ارادة ما وضع له....وهذا تمام التعريف.....
وفى بعض مؤلفات الشارح لا بد من قيد آخر وهو ان تكون قرينة على المراد..فإنه لو لوحظ علاقة ونصب قرينة مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي ولم تنصب قريبة معينة للمعنى المستعمل فيه لا يكون مجازا...
إلا ان يناقش ويقال:القرينة المعينة شرط دلالة المجاز لا تحققه..انتهى قاله المحشي(يقصد حفيد العصام)
وفي شرح الشمسية للمحقق التفتازاني القرينة المانعة عن ارادة الموضوع له..وهي التي لا بد للمجاز منها وهي غير المعينة-بتشديد الياء مع كسرها-
وفى الرسالة الفارسية للشارح:واعلم ان المجاز يكفي فى تحققه القرينة المانعة عن ارادة المعنى الحقيقي وأما القرينة المعينة للمراد فليست شرطا فى التحقق بل فى استعماله وقبوله عند البلغاء..فإن فقدت كان مردودا الا ان يتعلق بعدم ذكر المعينة غرض ....كالتعميم لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فيكون مقبولا حسنا فليحرر......(انتهى كلام الطرودي بطوله واحالاته....)
هنا لا بد من سؤال: لماذا اصر جمهور البلاغيين......على ان القرينة مانعة فقط وليست معينة...ففى قولهم :أسد يرمي...يرون القرينة وظيفتها منع فهم الاسد ...وليس من وظيفتها تعيين الانسان الشجاع...فلو ان الانسان فهم ان الاسد غير مقصود ومع ذلك لم يستطع ان يفهم من هذا الذي جاء...فالاستعارة تحققت..ولو لم ندر من هذا الاسد المجازي.....
لا ارى الا جوابا واحدا مقنعا....لكنه مع الاسف يجعل الشك يحوم حول مصداقية علم البيان كله...على الاقل من الناحية الابستملوجية.....:
مرادهم الحقيقي...تصحيح مذهبي التفويض والتأويل ..وهما مذهبان معتبران معا عند الاشاعرة والماتريدية..وهم جل من اشتغل بالبلاغة...
فالمفوض يقول....يد الله ليست حقيقة قطعا....فإن قيل له وما المراد منها سكت وفوض...وفصل البلاغيون قاعدة القرينة ارضاء له....فالقرينة تمنع ولا تعين....وهذا هو التفويض...فلو انهم قالوا بوجوب تعيين القرينة للمعنى المراد لوقع المفوضون فى الحرج......
افيكون علم البيان علما تبريريا....واسمحوا لي باستعمال كلمات غريبة: هل البلاغة علم ام اديولوجيا؟
هل جاء هذا العلم ليفسر الظواهر اللغوية تفسيرا علميا موضوعيا ام جاء ليسند المذهب الاشعري؟
وعندي مثال آخر صارخ...قالوا يجوز ان يكون المجاز ولا حقيقة له.....ومع ان هذا الكلام اقرب الى المحال ...نصروه وأيدوه.....وتداولوه فيما بينهم لحاجة فى نفس يعقوب....قال ابن القيم فى مختصر الصواعق:"لو لم يكن المجاز مستلزما للحقيقة لعري وضع اللفظ للمعنى عن الفائدة..."
فما معنى ان يوضع اللفظ ولا يستعمل فى الحقيقة ابدا بل يستعمل فى المجاز فقط ؟؟
ثم ما الذي ورط البيانيين فى هذا وهم يقولون المجاز فرع عن الحقيقة...فكيف بفرع ولا اصل له؟؟
الجواب : ان هؤلاء كانوا يفكرون فى اسم الله "الرحمن"...فالرحمن على مذهبهم "مجاز"...لان الرحمة رقة تعتري الخ الخ.....ولكن هل استعمل الرحمن حقيقة؟ يعني هل وجد مخلوق انطبق عليه "رحمن" حقيقة...
الجواب لا....إذن فليكن المجاز ولا حقيقة له....وأضافوا الى هذا ما يشبه الخداع...فقالوا الدليل على ان المجاز قد لا يكون مسبوقا بالاستعمال الحقيقي...اسم الله "الرحمن"...فلبسوا الاسباب والنتائج...فأوهموا انهم خرجوا الاسم على القاعدة وما كان الا العكس اخترعوا القاعدة لتبرير الفهم الاشعري لاسم الله الرحمن....فكن على حذر...
بعد هذا الاستطراد..... نعود الى مسألة القرينة:

قالوا: "الاسد يرمي...."الاسد استعارة للانسان الشجاع..لمه؟لأن الرمي لا يناسب السبع...ويمنع فهم "الرمي"الا مسندا للانسان...لكن ماذا لو كانت قرينتكم "استعارة "اخرى....؟فهل يتسلسل الامر ام يدور؟
هذا الاعتراض ليس افتراضيا....بل هو حقيقي...فهم يقررونه ولا ينتبهون الى الدور فى استدلالهم كما سنأخذ من أقوالهم...

ملاحظة:

وقع في يدي مؤخرا كتاب الدكتور المطعني عن المجاز.....وهو كتاب ضخم جدا يشتمل على 1147 صفحة بدون احتساب الفهارس ...حشد فيه صاحبه كل ما وجده في طريقه من الفقهاء والمفسرين والأصوليين والبلاغيين.....وما ذلك بنافعه.........لأنه لم يحرر محل النزاع مع ابن تيمية.......فقد اعتقد أن شيخ الاسلام ينكر مثل قولنا:
رأيت أسدا يرمي.......
ويرميه بالتناقض.......لأن التعبير السابق عربي لا غبار عليه.....
ولو حرر الدكتور محل النزاع مع منكري المجاز لتخلى عن كتابه كله وأعاد البحث جذعا.

ومحل النزاع هو التالي:
عندما يسمع المستمع عبارة:رأيت أسدا يرمي.......

فماذا يحدث في ذهنه:
-هل يكتفي بالسياق اللفظي والحالي فيفهم أن المقصود رؤية رجل يرمي.
-أم لا بد من أن يستحضر صورة الأسد أولا ثم يفهم أن الأسد غير مقصود ثانيا ثم يصحح الفهم بملاحظة القرائن فيفهم أن المقصود رجل ثالثا.
أهل المجاز يقولون لا بد لفهم الجملة السابقة من المرور بالمراحل الثلاث.
ونحن نقول أن الأقرب هو الفرض الأول.....وندعي أن المرحلة الأخيرة كافية للفهم دون سابقتيها.

وقد رأيت الدكتور عبد العظيم المطعني قد أساء الأدب مع الامامين ابن القيم والامين الشنقيطي رحمهما الله.....وفي نيتي الرد على مطاعنه إن شاء الله.