عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 30-11-13, 03:59 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

الحديث المعلَّق تعريفه وحُكمه


تعريف الحديث المعلَّق
عَرَّفَ ابنُ الصلاح المعلَّقَ مِن الأحاديث بأنه هو([1]) «الذي حُذِفَ مِن مبتدإ إسناده واحدٌ أو أكثر». اهـ وعَرَّف ابنُ حجر التعليقَ الذي يأتي به البخاريُّ في كتابه بأنه هو([2]) «أن يَحذف مِن أوَّل الإسناد رجلاً فصاعدًا معبِّرًا بصيغةٍ لا تقتضي التصريح بالسماع، مثل: (قال) و (رَوَى) و (زاد) و (ذَكَرَ)، أو (يُروى) و (يُذكر) و (يُقال)، وما أشبه ذلك مِن صيغ الجزم والتمريض». اهـ وهو خاصٌّ بالمصنِّفين في كُتُبهم لا بالرواة القدماء، إذ لَمْ يُطلَق هذا الاصطلاحُ على أحدٍ قبلَ البخاري.

وعليه فيمكننا الاعتماد على تعريف ابن حجر فنقول: «الحديث المعلَّق هو الحديث الذي حَذَفَ المصنِّفُ مِن أوَّل إسناده رجلاً فصاعدًا معبِّرًا بصيغةٍ لا تقتضي السماع إمَّا بالجزم وإمَّا بالتمريض». فخرج بقولنا «المصنِّف» الراوي غير المصنِّف، وخرج بقولنا «مِن أوَّل إسناده» ما كان الانقطاع في أثنائه وآخره كالمدلَّس والمرسل، وخرج بقولنا «بصيغةٍ لا تقتضي السماع» ما رواه المصنِّف بصيغة «قال لنا» ونحوها لأنها صريحةٌ في الاتصال.

صاحب هذا الاصطلاح
أوَّل مَن أَطلق على هذا الصنيع اسمَ التعليق هو الدارقطني، فقد وَصَفَ به أحاديثَ أورَدَها البخاريُّ في صحيحه دون أن يُسندها عن رُواتها، فقال غيرَ مَرَّةٍ في كتاب التتبع([3]): «علَّقه البخاري». قال ابن حجر([4]): «فأمَّا تسمية هذا النوع بالتعليق فأَوَّلُ ما وُجد ذلك في عبارة الحافظ الأوحد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، وتَبِعَه عليه مَن بَعده». اهـ وقد تَبِعَه على هذا الاصطلاح أبو مسعود الدمشقي في أطرافه، فقد قال الحميدي في أحد الأحاديث([5]): «ذَكَرَ أبو مسعود أنَّ البخاري أخرجه في الدعوات تعليقًا مِن حديث أبي صالح عن أبي الدرداء». اهـ وأَكْثَرَ مِنه الحميديُّ في جَمْعِه بين الصحيحين بقوله([6]): «أخرجه البخاري تعليقًا». وكذلك فَعَلَ أبو علي الغساني في كتابه على الصحيحين، فقال في أحد الرواة([7]): «ذَكَرَ له البخاري حديثًا واحدًا معلَّقًا». اهـ ثم انتشر هذا الاصطلاح لدى المتأخرين، وأكثر ما يرتبط بصحيح البخاري.

سبب هذه التسمية
المعنى الذي قَصَدَه الدارقطنيُّ بلفظة التعليق قد يكون له ارتباطٌ بصورة العُلُوِّ والنزول في الإسناد، وذلك أنَّ السند في هذه الصورة كالحبل المتدلِّي مِن السقف. فإنْ كان الحبلُ قصيرًا بكون رجال السند قليلين، كان طرفُ الحبلِ عاليًا لِقُرْبِه مِن السقف. وإنْ كان الحبلُ طويلاً بكون رجال السند كثيرين، كان طرفُه نازلاً عندك وسَهُلَ عليك الإمساك به. ولذلك كان المحدِّثون الذين يطلبون عُلُوَّ الإسناد يتركون السهلَ إلى الصعب، لأنَّ الإسناد النازل في متناول كل أحد. هذا إنْ كنتَ ممسكًا بالحبل فاتصل سندك. أمَّا إذا لَمْ تمسك به ولم يتصل بك السند، فحينئذٍ صار ذلك الحبلُ المتدلِّي معلَّقًا في الهواء طَرَفُه ليس في يدك. فكذلك الحديث المعلَّق سندُه ليس متصلاً بك.

وقد حاول ابن الصلاح معرفة المعنى اللغوي المقصود مِن هذه التسمية، فقال([8]): «وكأنهم سَمَّوه تعليقًا أخذًا مِن تعليق العتق والطلاق وتعليق الجدار، لِمَا يشترك فيه الجميع مِن قَطْع الاتصال». اهـ والذي أراه أنَّ ذلك المعنى بعيد، لأنَّ التعليق الذي مَثَّلَ به ابنُ الصلاح هنا هو تعليق أمرٍ على أمر، وليس ذلك هو المقصود مِن تعليق السند. وقد اعتَرض بعضُهم على ابن الصلاح في هذا، وبعضهم دافع عنه([9]).

وهذا المعنى الذي ذكرتُه قبلُ لَمْ أَرَه عند أحدٍ مِن المؤلِّفين في الاصطلاح مِمَّن سَلَف، فإنهم قد اكتفوا بنقل كلام ابن الصلاح وبعضهم ذَكَرَ الاعتراض عليه. ولعلَّ أوَّل مَن تفطَّن إلى هذا المعنى مِن أهل عصرنا هو الشيخ نور الدين عتر، فقد قال([10]): «وقد سُمِّي هذا النوع مِن الحديث معلَّقًا لأنه بِحَذْفِ أَوَّلِه صار كالشيء المقطوع عن الأرض الموصول مِن الأعلى بالسقف مثلاً». اهـ فهذا المعنى هو الأشبه بمقصود الدارقطني مِن التعليق.

حُكم الحديث المعلَّق
التعليق باعتباره إسقاطًا لرواةٍ مِن الإسناد هو صورةٌ مِن صور الانقطاع، لأنَّ الإسناد على هذه الحال ليس متصلاً. قال ابن الصلاح([11]): «فإنَّ ما فيه مِن حَذْفِ رجلٍ أو رجلين أو أكثر مِن أوائل الإسناد قاطعٌ للاتصال لا محالة». اهـ وقال العراقي([12]): «التعليق منقطعٌ قطعًا». اهـ ففارَقَ الحديثُ المنقطعُ الحديثَ المسندَ في كونه ليس متصلاً. قال ابن حجر([13]): «والمعلَّق ليس بمسند». اهـ وعليه فالحديث المعلَّق ضعيفٌ لإخلاله بشرط الاتصال. أمَّا تعاليق البخاري خاصةً، فستقف فيما يلي على حقيقة الخلاف فيها مِن حيث الحُكم بالاتصال والحُكم بالصحة.

----------------------------------------
[1]- مقدمة ابن الصلاح ت عتـر ص24.
[2]- تغليق التعليق لابن حجر 2/7-8.
[3]- الإلزامات والتتبع للدارقطني ص125 و221.
[4]- تغليق التعليق 2/7.
[5]- الجمع بين الصحيحين للحميدي 1/466.
[6]- الجمع بين الصحيحين 2/19 وغيرها مِن المواضع التي يسهل الوصول إليها.
[7]- تقييد المهمل وتمييز المشكل للغساني 2/373.
[8]- صيانة صحيح مسلم ص76 ومقدمة ابن الصلاح ص70.
[9]- انظر: نكت الزركشي 2/55 ونكت ابن حجر 2/603.
[10]- منهج النقد في علوم الحديث ص375.
[11]- صيانة صحيح مسلم ص76.
[12]- التقييد والإيضاح للعراقي ص92.
[13]- هدى الساري لابن حجر ص346.
رد مع اقتباس