عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 30-11-13, 05:45 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

الفرق بيـن «قال» و «قال لنا»

استخدم البخاري في صحيحه كلتا الصيغتين وأضرابهما فيما رواه عن شيوخه، وبعض العلماء قد ساوى بينهما: إمَّا بجَعْل صيغة «قال لنا» في حُكم المعلَّقات، وإمَّا بجَعْل الصيغة المجرَّدة «قال» في حُكم المسندات. إلاَّ أنَّ هاتين الصيغتين ليستا متساويتين لا قوةً ولا حُكمًا، وصنيع البخاري في صحيحه دالٌّ على ذلك.

صيغة «قال لنا» عند البخاري
صيغة «قال لنا» وأضرابها هي صيغةٌ صريحةٌ في الاتصال وليست مِن التعليق في شيء، وإنما وقع الخلاف في تفسير استخدام البخاري لها في صحيحه. وأوَّل مَن وَجَدْتُه تكلَّم عليها هو ابن منده، فقد قال في جزءٍ له في اختلاف الأئمة في القراءة والسماع والمناولة والإجازة([1]): «أخرج البخاري في كتبه الصحيحة وغيرها: (قال لنا فلان) وهي إجازة». اهـ فجَعَلَ ابنُ منده عُدولَ البخاري عن صيغة التحديث إلى هذه الصيغة أنَّ البخاري يستخدمها فيما أخذه عن شيوخه إجازةً لا تحديثًا.

وقال ابن الصلاح في مَعرض كلامه على ما رواه البخاري عن شيوخه بصيغة «قال»([2]): «وبلغني عن بعض المتأخِّرين مِن أهل المغرب أنه جَعَلَه قسمًا مِن التعليق ثانيًا، وأضاف إليه قول البخاري في غير موضعٍ مِن كتابه (وقال لي فلان) (وزادنا فلان). فوَسَمَ كُلَّ ذلك بالتعليق المتصل مِن حيث الظاهر المنفصل مِن حيث المعنى، وقال: متى رأيت البخاري يقول (وقال لي) (وقال لنا)، فاعلم أنه إسنادٌ لَمْ يَذكره للاحتجاج به وإنما ذكره للاستشهاد به. وكثيرًا ما يعبِّر المحدِّثون بهذا اللفظ عَمَّا جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات، وأحاديث المذاكرة قَلَّما يحتجُّون بها». اهـ

إلاَّ أنَّ ابن الصلاح رَدَّ قولَ ذلك المغربي، ونَقَلَ عن أبي جعفر بن حمدان النيسابوري ووافَقَه أنَّ البخاري إنما يستخدم هذه الصيغة في العرض والمناولة. فقال: «وما ادَّعاه على البخاري مخالفٌ لِمَا قاله مَن هو أقدم مِنه وأعرف بالبخاري، وهو العبد الصالح أبو جعفر بن حمدان النيسابوري. فقد رُوِّينا عنه أنه قال: كُلُّ ما قال البخاري: (قال لي فلان) فهو عَرْضٌ ومناولة». اهـ فيؤخذ مِن كلام ابن الصلاح هنا أنه لَمْ يَجعل هذه الصيغة لِمَا أخذه البخاري في المذاكرة، بدليل أنه عارَضَ هذا القول بقول ابن حمدان النيسابوري.

على أنه في موضعٍ لاحقٍ قال في طُرُق التحمُّل([3]): «وأمَّا قوله([4]): (قال لنا فلان) أو (ذَكَرَ لنا فلان)، فهو مِن قبيل قوله: (حدَّثنا فلان). غير أنه لائقٌ بما سمعه مِنه في المذاكرة، وهو به أشبه مِن (حدَّثنا). وقد حكينا في فصل التعليق عقيب النوع الحادي عشر عن كثيرٍ مِن المحدِّثين استعمال ذلك معبِّرين به عَمَّا جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات». اهـ فأحالَ هنا على كلام ذلك المغربي الذي رَدَّه آنفاً! فكأنَّ ابن الصلاح يفرِّق في هذه الصيغة بين البخاري وغيره.

وقد فَنَّدَ ابنُ حجر كل ما قيل عن الإجازة والمذاكرة ونحو ذلك مِمَّا اعتمدوه في تفسير صنيع البخاري، فقال([5]): «وقد ادَّعى ابن منده أنَّ كل ما يقول البخاري فيه (قال لي) فهي إجازة. وهي دعوى مردودة، بدليل أني استقريت كثيرًا مِن المواضع التي يقول فيها في الجامع (قال لي)، فوجدته في غير الجامع يقول فيها (حدثنا). والبخاري لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث، فَدَلَّ على أنها عنده مِن المسموع. لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرِّق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ». اهـ
وقال في نكته على ابن الصلاح([6]): «وأمَّا ما حكاه عن أبي جعفر بن حمدان وأقرَّه أنَّ البخاري إنما يقول (قال لي) في العرض والمناولة، ففيه نظر. فقد رأيتُ في الصحيح عدَّة أحاديث قال فيها (قال لنا فلان) وأوردها في تصانيفه خارج الجامع بلفظ (حدثنا)، ووجدتُ في الصحيح عكس ذلك. وفيه دليلٌ على أنهما مترادفان. والذي تبيَّن لي بالاستقراء مِن صنيعه أنه لا يعبِّر في الصحيح بذلك إلاَّ في الأحاديث الموقوفة أو المستشهد بها، فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الكتاب. ومَن تأمَّل ذلك في كتابه وَجَدَه كذلك». اهـ

وقال في مقدمة التغليق([7]): «إذا قال البخاري: (قال لنا) أو (قال لي) أو (زادنا) أو (زادني) أو (ذَكَرَ لنا) أو (ذَكَرَ لي)، فهو وإنْ أَلْحَقَه بعضُ مَن صنَّف في الأطراف بالتعاليق فليس مِنها، بل هو متصلٌ صريحٌ في الاتصال. وإن كان أبو جعفر بن حمدان قد قال إنَّ ذلك عرضٌ ومناولة، وكذا قال ابن منده إنَّ (قال لنا) إجازة. فإنْ صحَّ ما قالاه، فحُكمه الاتصال أيضًا على رأي الجمهور، مع أنَّ بعض الأئمة ذَكَرَ أنَّ ذلك مِمَّا حمله عن شيخه في المذاكرة. والظاهر أنَّ كل ذلك تَحَكُّم، وإنما للبخاري مقصدٌ في هذه الصيغة وغيرها. فإنه لا يأتي بهذه الصيغة إلاَّ في المتابعات والشواهد أو في الأحاديث الموقوفة، فقد رأيته في كثيرٍ مِن المواضع التي يقول فيها في الصحيح (قال لنا) قد ساقها في تصانيفه بلفظ (حدثنا) وكذا بالعكس. فلو كان مِثل ذلك عنده إجازةً أو مناولةً أو مكاتبةً، لم يستجز إطلاق (حدثنا) فيه مِن غير بيان». اهـ

قلتُ: وما قاله ابن حجر هو الأشبه بالصواب، ولا علاقة لهذه الصيغة عند البخاري بطُرُق تحمُّله للحديث، وإنما يستخدمها فيما ليس على شرطه في كتابه. فهذه الأحاديث التي أخرجها بهذه الصيغة هي مِن مسموعاته، وإنما ساقها هكذا ليميِّزها عن سياق الأصول. وهو ما نَصَّ عليه ابن حجر في موضعٍ آخر بقوله([8]): «وهذه الصيغة يستعملها البخاري في الأحاديث الموقوفة وفي المرفوعة أيضًا إذا كان في إسنادها مَن لا يحتجُّ به عنده». اهـ وهذا كما تَرَى موافقٌ لقولِ ذلك المغربي الذي ذَكَرَه ابن الصلاح مِن قبل حين قال: «متى رأيت البخاري يقول (وقال لي) (وقال لنا)، فاعلم أنه إسنادٌ لَمْ يَذكره للاحتجاج به وإنما ذكره للاستشهاد به».

صيغة «قال» أضعف مِن سابقتها
وأمَّا صيغة «قال» فهي صيغةٌ ضعيفةٌ في الاتصال، بل هي لا تدلُّ عليه كما قال الذهبي([9]): «فصيغة (قال) لا تدلُّ على اتصال». اهـ ولذلك ذكروها في آخر ألفاظ الأداء، وهي أضْعَفُ حتَّى مِن العنعنة. قال الخطيب البغدادي([10]): «وأمَّا قول المحدِّث (قال فلان): فإن كان المعروفُ مِن حاله أنه لا يَروي إلاَّ ما سمعه, جُعل ذلك بمنزلةِ ما يقول فيه غيرُه: (ثنا). وإن كان قد يَروي سماعًا وغير سماع، لَمْ يُحْتَجَّ مِن رواياته إلاَّ بما بَيَّنَ الخبرَ فيه». اهـ قال ابن حجر([11]): «قال الخطيب وهو المرجوع إليه في الفن: "إنَّ (قال) لا تُحمل على السماع، إلاَّ مِمَّن عُرف مِن عادته أنه يأتي بها في موضع السماع، مثل حجاج بن محمد الأعور". فَعَلَى هذا ففارقَت العنعنةَ، فلا تُعطَى حُكمَها». اهـ

وقد نَصَّ ابن الصلاح على أنَّ هذه الصيغة أضعف في الاتصال مِن سابقتها، فقال([12]): «وأَوْضَعُ العبارات في ذلك أن يقول: (قال فلان) أو (ذَكَرَ فلان) مِن غير ذِكْرِ قوله (لي) و (لنا) ونحو ذلك». اهـ وقال الزركشي في صيغة «قال لنا»([13]): «والظاهر أنه نَصٌّ في الاتصال، بخلاف (قال فلان). وإنَّ تفرقة البخاري بين (قال لي) مقيدًا وبين قوله (قال) مطلقًا جديرةٌ بإرادةِ ما يتبادر إلى الذهن مِنها: مِن قوة الاتصال مع الإضافة، وضَعْفِها عند الحذف. أو لَعَلَّهُ حيث أَطلق أراد أنه قال له ولغيره في المذاكرة، فلمَّا لَمْ يَخُصَّه أَطلق ولَمْ يُقَيِّد». اهـ والاحتمال الذي أورده الزركشي عن الأخذ في المذاكرة مردودٌ كما سبق، وإنما القول هو ما ذَكَرَه مِن أنَّ البخاري حيث يستخدم هذه الصيغة المطلقة فهي ضيعفةٌ في الاتصال بخلاف الصيغة المقيَّدة.

ولذلك قال ابن حجر رَدًّا على قول المغربي الذي نقله ابن الصلاح في التسوية بين الصيغتين([14]): «لَمْ يُصِبْ هذا المغربيُّ في التسوية بين قوله (قال فلان) وبين قوله (قال لي فلان)، فإنَّ الفرق بينهما ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل. فإنَّ (قال لي) مثل التصريح في السماع، و (قال) المجردة ليست صريحةً أصلاً». اهـ فتبيَّنَ لك أنَّ البخاري إذا روى عن شيخه بصيغة «قال» يكون ذلك أضعفَ عنده مِن صيغة «قال لنا»، وتفريقُه بين هذه وتلك يدلُّ على أنَّ حُكْمَهما ليس واحدًا عنده. فإذا كان ما أخرجه بالصيغة الأقوى لَمْ يَبلغ شرطه، أَفَيَبلغه ما أخرجه بالصيغة الأضعف؟ وستعرف في الفصل الثاني أنَّ ابن حجر ناقَضَ نفسَه في هذه المسألة.

----------------------------------------
[1]- التقييد والإيضاح ص34.
[2]- مقدمة ابن الصلاح ص69-70.
[3]- السابق ص136.
[4]- يعني قول الراوي.
[5]- فتح الباري 1/156.
[6]- نكت ابن حجر 2/601.
[7]- تغليق التعليق 2/10.
[8]- هدى الساري ص399.
[9]- الموقظة للذهبي ص58.
[10]- الكفاية للخطيب البغدادي ص289.
[11]- فتح الباري 10/53.
[12]- مقدمة ابن الصلاح ص136.
[13]- نكت الزركشي 2/54.
[14]- نكت ابن حجر 2/601.
رد مع اقتباس