عرض مشاركة واحدة
  #17  
قديم 09-02-19, 07:19 PM
أبو عائشة السلامني أبو عائشة السلامني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-08-15
المشاركات: 79
افتراضي رد: إشكالات من كلام النحاة.

المزهر

النوع السابع عشرمعرفة تداخل اللغات
قال ابن جني في الخصائص: إذا اجتمع في الكلام الفصيح لغتان فصاعداً كقوله:
وأَشْرَبُ الماء ما بي نَحْوَهُ عَطَشٌ ... إلاَّ لأنّ عُيونُهْ سال واديها
فقال: نحوه بالإشباع، وعيونه بالإسكان، فينبغي أن يُتَأَمَّل حال كلامه، فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال، وكثرتهما واحدةٌ، فأخْلَق الأمر به أن تكونَ قبيلتُه تواضعت في ذلك المعنى على ذينك اللَّفظين، لأنّ العرب قد تفعلُ ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها، وسَعة تصرّف أقوالها، ويجوز أن تكون لغتُه في الأصل إحداهما، ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلةٍ أخرى، وطال بها عهدُه، وكثر استعماله لها، فلحقت - لطول المدّة، واتساع الاستعمال - بلغته الأولى، وإن كانت إحدى اللفظتين أكثرَ في كلامه من الأخرى، فأخْلَق الأمر به أن تكون القليلةُ الاستعمال هي الطارئة عليه، والكثيرةُ هي الأولى الأصلية. ويجوز أن تكونا مخالفتين له ولقبيلته، وإِنما قلَّت إحداهما في استعماله لضعفها في نفسه وشذوذها عن قياسه.
وإذا كثر على المعنى الواحد ألفاظٌ مختلفة، فسُمِعت في لغة إنسان واحد، فعلى ما ذكرناه، كما جاء عنهم في أسماء الأسد، والسيف، والخمر وغير ذلك، وكما تنْحَرف الصيغةُ واللفظ واحد، كقولهم: رَغْوة اللبن، ورُغْوته، ورِغاوته كذلك مثلثاً. وكقولهم: جئت من عَلِ، ومن عَلُ، ومن عَلاَ، ومن عُلْو، ومن عِلْو، ومن عَلْوُ، ومن عالٍ، ومن مُعالٍ، فكلُ ذلك لغات لجماعات، وقد تجتمع لإنسان واحد.
قال الأصمعي: اختلف رجلان في الصّقر، فقال أحدُهما: بالصاد، وقال الآخر: بالسين، فتراضَيا بأوَّل واردٍ عليهما، فحكيا له ما هما فيه، فقال: لا أقول كما قلتما، إنما هو الزّقْر، وعلى هذا يتخرَّج جميعُ ما ورد من التَّدَاخل، نحو قَلاَ يَقْلَى، وسَلَى يَسْلَى، وطهُر فهو طاهر، وشَعُر فهو شاعر، فكلُّ ذلك إنما هو لغاتٌ تداخلتْ فتركّبت بأن أُخِذ الماضي من لغةٍ والمضارعُ أو الوصفُ من أُخرى لا تَنْطقُ بالماضي كذلك، فحصل التداخل والجمع بين اللغتين، فإنّ من يقول قَلَى يقول في المضارع يَقْلِي، والذي يقول يَقْلَى يقول في الماضي قَلَِي، وكذا من يقول سَلا يقول في المضارع يَسْلو، من يقول فيه يَسْلَى يقول في الماضي سَلِي، فتلاقَى أصحابُ اللغتين، فسَمِع هذا لغةَ هذا، وهذا لغة هذا، فأخذَ كلُّ واحد من صاحبه ماضيَه إلى لغته فتركَّبَت هناك لغةٌ ثالثة، وكذا شاعر وطاهر إنما هو من شَعَر وطهَر بالفتح، وأما بالضّم فوصفُه على فعيل فالجمعُ بينهما من التداخل. انتهى كلامُ ابن جنّي.
وقال ابنُ دريد في الجمهرة : البُكا يمد ويُقْصر، فمن مدّه أخرجه مخرج الضُّغاء والرُّغاء، ومن قَصره أخرجه مخرج الآفة وما أشبهها مثل الضَّنى ونحوه.
وقال قومٌ من أهل اللغة: بل هما لغتان صحيحتان وأنشدوا بيت حسان :
بكَتْ عيني وحقّ لها بُكاها ... وما يُغْني البكاءُ ولا العَويلُ
وكان بعضُ مَن يُوثق به يَدفع هذا ويقول: لا يجمع عربيٌّ لفظين أحدهما ليس من لغته في بيت واحد. وقد جاء هذا في الشعر الفصيح كثيراً. انتهى.
وقال ثعلب في أماليه: يقال: فَضَل يفْضُل، وفَضِل يَفْضَل، وربما قالوا فَضِل يَفْضُل.
قال الفراء وغيرُه من أهل العربية: فَعِل يفعُل لا يجيء في الكلام إلا في هذين الحرفين: مِتّ تَمُوت في المعتل ودِمتَ تَدُوم، وفي السالم فَضِل يَفْضُل، أخذوا مِتّ من لغةِ مَنْ قال يفضَل، وأخذوا يموت مِن لغةِ مَنْ قال يفضُل، ولا يُنكر أن يؤخذ بعض اللغات من بعض ، وقال ابن درستويه في شرح الفصيح: يقال: حَسِبَ يَحْسَب نظير علم يعلم، لأنه من بابه، وهو ضدّه، فخرج على مِثاله، وأما يحسِب بالكسر في المستقبل فلغةٌ مثل وَرِم يَرِم، وَوَلِي يَلي.
وقال بعضهم: يقال حَسَب يَحْسِب على مثال ضرب يضرب، مخالفة للّغة الأخرى، فمن كسر الماضي والمستقبل فإنما أخذ الماضي من تلك اللغة، والمستقبل من هذه، فانكسر الماضي والمستقبل لذلك.
وقال في موضع آخر شملهم الأمر يشملهم لغات، فمن العرب قوم يقولون: شَمَل بفتح الميم من الماضي وضمها في المستقبل، ومنهم من يقول شَمِل بالكسر يَشْمَل بالفتح، ومنهم من يأخذ الماضي من هذا الباب والمستقبل من الأول، فيقول: شَمِل بالكسر يشمُل بالضم، و ليس ذلك بقياس، واللغتان الأوليان أجْوَد.
النوع الثامن عشرمعرفة توافق اللغات
قال الجمهور: ليس في كتاب اللَّه - سبحانه - شيءٌ بغير لغةِ العرب، لقوله تعالى: " إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبيّاً " ، وقوله تعالى: " بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبين " ، وادَّعى ناسٌ أن في القرآن ما ليس بلغةِ العرب، حتى ذكروا لغةَ الرّوم والقِبط والنَّبط.
قال أبو عبيدة: ومَن زعم ذلك فقد أكْبَرَ القول. قال: وقد يُوافق اللفظُ اللفظَ ويقاربه ومعناهما واحدٌ، وأحدهما بالعربية، والآخر بالفارسية أو غيرها. قال. فمن ذلك الإسْتَبْرَق، وهو الغليظُ من الدِّيباج، وهو استبره بالفارسية أو غيرها، قال: وأهلُ مكة يسمُّون المِسْح الذي يَجعَل فيه أصحاب الطعام البرّ البِلاَس وهو بالفارسية بلاس، فأمالوها وأعربوها فقاربت الفارسيةَ العربية في اللفْظ.
ثم ذكر أبو عبيدة البالِغاء وهي الأكارع، وذكر القَمَنْجَر الذي يُصلح القسيّ، وذكر الدَّسْت، والدَّشْت، والخِيم، والسَّخت. ثم قال: وذلك كلُّه من لغات العرب وإن وافَقه في لفظه ومعناه شيء من غير لغاتهم.
قال ابن فارس في فقه اللغة: وهذا كما قاله أبو عبيدة.
وقال الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه : ما وقع في القرآن من نحو المِشْكاة، والقِسْطاس، والإستبرق، والسجِّيل، لا نُسَلِّم أنها غيرُ عربية، بل غايتُه أن وَضْع العرب فيها وافق لغةً أخرى كالصابون، والتنّور، فإن اللغات فيها متفقة.
قلت: والفرق بين هذا النوع وبين المعَرَّب أن المعرَّب له اسم في لغة العرب غير اللفظ الأعجمي الذي استعملوه بخلاف هذا.
وفي الصحاح الدَّشْتُ: الصحراء قال الشاعر:
سُودِ نِعَاجٍ كَنِعَاجِ الدَّشْتِ
وهو فارسيٌ أو اتفاقٌ وقعَ بين اللغتين.
وقال ابنُ جنّي في الخصائص يقال: إن التنُّور لفظةٌ اشترَك فيها جميعُ اللغات من العرب وغيرهم، وإن كان كذلك فهو ظريف، وعلى كل حال فهو فَعوّل أو فعنول، لأنه جنسٌ، ولو كان أعجمياً لا غير جاز تمثيلُه لِكَوْنه جنساً ولاَحقاً بالمعرب، فكيف وهو أيضاً عربيّ، لكونه في لغة العرب غير منقول إليها، وإنما هو وِفاق وقع، ولو كان منقولاً إلى اللغة العربية من غيرها لوَجب أن يكون أيضاً وِفاقاً بين جميع اللغات غيرها، ومعلومٌ سعة اللغات غير العربية، فإن جاز أن يكون مشتركاً في جميع ما عدا العربية جاز أيضاً أن يكون وِفاقاً فيها.
قال: ويَبْعُدُ في نفسي أن يكون الأصلُ للغة واحدة، ثم نُقِل إلى جميع اللغات، لأنَّا لا نعرفُ له في ذلك نظيراً، وقد يجوزُ أيضاً أن يكون وِفاقاً وقع بين لغتين أو ثلاث أو نحو ذلك، ثم انْتَشر بالنَّقل في جميعها.
قال: وما أقرب هذا في نفسي، لأنا لا نعرفُ شيئاً من الكلام وقَع الاتفاقُ عليه في كل لغةٍ، وعند كل أمة، هذا كلُّه إذا كان في جميع اللغات هكذا، وإن لم يكن كذلك كان الخَطْبُ فيه أيسر. انتهى.
رد مع اقتباس