عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 08-09-19, 01:16 PM
سلطان فريح سلطان فريح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-11-14
المشاركات: 29
افتراضي رد: آيات الأحكام من سورة النحل

الآية الرابعة :
قال الله تعالى :
{ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ }


1- قال ابن جرير في التفسير(17/306) :
"فتأويل الكلام إذن : من كفر بالله من بعد إيمانه ، إلا من أكره على الكفر ، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ، موقن بحقيقته ، صحيح عليه عزمه ، غير مفسوح الصدر بالكفر ، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان ، وباح به طائعا ، فعليهم غضب من الله ، ولهم عذاب عظيم " اهـ فالآية بهذا تحذير و(من) هنا شرطية وإن قلنا (من) موصولة فالمراد نفر ممن حصل لهم ذلك قال الطاهر بن عاشور في التفسير (16/294):
واعلم أن الآية - إن كانت تشير إلى نفر كفروا بعد إسلامهم - كانت ( من ) موصولة ، وهي مبتدأ ، والخبر فعليهم غضب من الله ، وقرن الخبر بالفاء ; لأن في المبتدأ شبها بأداة الشرط ، وقد يعامل الموصول معاملة الشرط ، ووقع في القرآن في غير موضع ، ومنه قوله تعالى إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ، وقوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة إلى قوله فبشرهم بعذاب أليم في سورة براءة ، وقيل : إن فريقا كفروا بعد إسلامهم ، كما روي في شأن جبر غلام ابن الحضرمي ، وهذا الوجه أليق بقوله تعالى أولئك الذين طبع الله على قلوبهم الآية " اهـ
ثم قال : "والتحذير حاصل على كلا المعنيين " اهـ

2-في سبب نزول ( إلا من أكره ) الآية ثلاثة أقوال :
قال القرطبي في التفسير ( 10/164):
"قوله تعالى : إلا من أكره هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ، في قول أهل التفسير ; لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه . قال ابن عباس : أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه [ ص: 164 ] سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ، وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة ، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال ; فقتلت وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين في الإسلام . وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئن بالإيمان . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فإن عادوا فعد " اهـ


3-قال القرطبي في التفسير (10/166) :
" لما سمح الله - عز وجل - بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم ; وبه جاء الأثر المشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه الحديث . والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء ; قاله القاضي أبو بكر بن العربي . وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح قال : وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع " اهـ

4-قال القرطبي في التفسير :
" أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل ، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر ; هذا قول مالك والكوفيين والشافعي ; غير محمد بن الحسن فإنه قال : إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر ، وفيما بينه وبين الله - تعالى - على الإسلام ، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ، ولا يرث أباه إن مات مسلما . وهذا قول يرده الكتاب والسنة اهـ
قلت : ونسبة ذلك إلى ابن الحسن يحتاج إلى تحرير
وأما الحنابلة فقالوا :
" (من أكره على الكفر فالأفضل له أن يصبر ) على ما أكره به ، ولا يجيب ( ولو أتى ذلك على نفسه ) بأن كان يؤدي ذلك إلى موته ( وإن لم يصبر وأجاب ) بكلمة الكفر ( ظاهرا لم يصر كافرا إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ) لقوله تعالى { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }
( ومتى زال الإكراه أمر بإظهار إسلامه ) لزوال العذر ( فإن أظهره ) فهو باق على إسلامه ( وإلا ) أي وإن لم يظهره بعد زوال الإكراه ( حكم بأنه كافر من حين نطق به ) أي بالكفر لأن ذلك قرينة على أنه لم يفعله لداعي الإكراه ، بل اختيارا ( وإن شهدت بينة أنه نطق بكلمة الكفر وكان محبوسا أو مقيدا عند الكفار في حالة خوف لم يحكم بردته ) لعدم طواعيته
( وإن شهدت ) البينة ( أنه كان آمنا في حال نطقه ) بكلمة الكفر ( حكم بردته ) لإتيانه بكلمة الكفر مختارا ، وإن شهدت عليه بينة أنه كفر فادعى الإكراه قبل قوله مع قرينته فقط ، وإن شهدت عليه بكلمة كفر فادعى الإكراه قبل مطلقا لأن تصديقه ليس فيه تكذيب للبينة " اهـ ( كشاف القناع (6/186)
فرع :
قال ابن قدامة في المغني في باب الإكراه على الطلاق (8/260) :
"ومن شرط الإكراه ثلاثة أمور :
أحدها : أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه وحكي عن الشعبي إن أكرهه اللص لم يقع طلاقه وإن أكرهه السلطان وقع قال ابن عيينة : لأن اللص يقتله وعموم ما ذكرناه في دليل الإكراه يتناول الجميع والذين أكرهوا عمارا لم يكونوا لصوصا وقد [ قال النبي صلى الله عليه و سلم لعمار إن عادوا فعد ] ولأنه إكراه فمنع وقوع الطلاق كإكراه اللصوص
الثاني : أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه .
الثالث : أن يكون مما يستضر به ضررا كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين فأما الشتم والسب فليس بإكراه رواية واحدة وكذلك أخذ المال اليسير فأما الضرر اليسير فإن كان في حق من لا يبالي به فليس بإكراه وإن كان من ذوي المروءات على وجه يكون إخراقا بصاحبه وغضا له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غيره وإن توعد تعذيب ولده فقد قيل ليس بإكراه لأن الضرر لاحق بغيره والأولى أن يكون إكراها لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا " اهـ
فرع :
قال الخازن في التفسير (3/101) :
"وأجمعوا على أن من أكره على الكفر لا يجوز له أن يتلفظ بكلمة تصريحا بل يأتي بالمعاريض، وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان غير معتقد، ما يقوله من كلمة الكفر ولو صبر حتى قتل كان أفضل" اهـ



5-قال القرطبي (10/166) :
ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول ، وأما في الفعل فلا رخصة فيه ، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله أو الصلاة لغير القبلة ، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله ، أو الزنا وشرب الخمر وأكل الربا ; يروى هذا عن الحسن البصري ، - رضي الله عنه - . وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا ... واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود : ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به . فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل ، وهذا لا حجة فيه ; لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه
وقالت طائفة :
الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان . روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول ، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق " اهـ

فرع :
قال النووي في روضة الطالبين بكفر المكرِه بالكسر على الكفر

6- مسائل :
الأولى : قال القرطبي (10/167):
حكم الإكراه على القتل أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ، ويصبر على البلاء الذي نزل به ، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره ، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة "
وقال في الدر المختار :
"( ويقاد في ) القتل ( العمد المكره ) بالكسر لو مكلفا على ما في المبسوط خلافا لما في النهاية ( فقط ) لأن القاتل كالآلة وأوجبه الشافعي عليهما ونفاه أبو يوسف عنهما للشبهة " اهـ

فرع : حكم الإكراه على الزنا والزنا بالمد في لغة تميم وبالقصر عن الحجاز
قال القرطبي : (10/168) :
وقال ابن خويز منداد في أحكامه :
اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنا
فقال بعضهم : عليه الحد ; لأنه إنما يفعل ذلك باختياره .
وقال بعضهم : لا حد عليه . قال ابن خويز منداد : وهو الصحيح .
وقال أبو حنيفة : إن أكرهه غير السلطان حد ، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد ، ولكن أستحسن ألا يحد . وخالفه صاحباه فقالا : لا حد عليه في الوجهين ، ولم يراعوا الانتشار ، وقالوا : متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنا جاز أن ينتشر .
قال ابن المنذر : لا حد عليه ، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان " اهـ
وقال : " والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة " اهـ
قلت : وفي مذهب الحنابلة قال في شرح منتهى الإرادات (3/349) :
( أو ) زنى مكلف ( مكرها ) حد لأن وطء الرجل لا يكون إلا مع انتشار ، والإكراه ينافيه فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه ، كما لو أكره على غير الزنا فزنا ( أو ) زنى مكلف ( جاهلا بوجوب العقوبة ) على الزنى مع علم تحريمه ( حد ) لقصة ماعز وكذا لو زنى سكران أو أقر به في سكره " اهـ
وقال في كشاف القناع (6/98) : ( وعنه لا ) حد على الرجل المكره كالمرأة ( واختاره الموفق وجمع ) منهم الشارح ، ولعموم الخبر ولأن الإكراه شبهة وكما لو استدخلت ذكره وهو نائم .
( وإن أكره على إيلاج ذكره بإصبعه ) ففعل ( من غير انتشار ) فلا حد ( أو باشر المكره المكره ) بكسر الراء ( أو ) باشر ( مأموره ذلك ) أي إيلاج الذكر بالأصبع ( فلا حد عليه ) ; لأنه ليس في ذلك فعل اختياري ينسب إليه اهـ
ويكون إكراه المفعول به بـما قال في كشاف القناع :( وإن أكرهت المرأة على الزنا أو ) أكره ( المفعول به لواطا قهرا أو بالضرب أو بالمنع من طعام أو شراب اضطرارا إليه ونحوه ) كالدفء في الشتاء ولياليه الباردة ( فلا حد ) لقوله صلى الله عليه وسلم { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } رواه النسائي .
وعن عبد الله بن وائل عن أبيه { أن امرأة استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد } ورواه سعيد عن عمر ولأن هذا شبهة والحد يدرأ بها" اهـ

فرع :
حكم الإكراه على شرب الخمر
قال في شرح منتهى الإرادات ( 3/362) :
"فإن أكره عليه لم يحد ( لحله ) أي : المسكر ( لمكره ) على شربه بإلجاء أو وعيد من قادر لحديث { عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } ( وصبره ) أي : المكره على شرب مسكر ( على الأذى أفضل ) من شربها مكرها نصا ، وكذا كل ما جاز لمكره . ذكره القاضي وغيره وإن أكره بالقتل تعين عليه الفعل ولم يجز له التخلف لأنه إلقاء بنفسه إلى التهلكة " اهـ
وقال في الإقناع للحجاوي (4/266) :
"ولا يجوز شربه للذة ولا لتداو ولا عطش - بخلاف ماء تجس ولا غيره إلا لمكره أو مضطر إليه لدفع لقمة غص بها وليس عنده ما يسيغها ويقدم عليه بول ويقدم عليهما ماء نجس - وفي المغني "وغيره: إن شربها لعطش فإن كانت ممزوجة بما يروى من العطش أبيحت لدفعه عند الضرورة وإن شربها صرفا أو ممزوجة بشيء يسير لا يروي من العطش لم تبح وعليه الحد - انتهى"


الثانية :
قال القرطبي قي التفسير :
اختلف العلماء في طلاق المكره وعتاقه ; فقال الشافعي وأصحابه : لا يلزمه شيء . وذكر ابن وهب عن عمر وعلي وابن عباس أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئا . وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور .
وأجازت طائفة طلاقه ; روي ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي قلابة والزهري وقتادة ، وهو قول الكوفيين .
قال أبو حنيفة : طلاق المكره يلزم ; لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا ، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل . وهذا قياس باطل ; فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راض به ، والمكره غير راض ولا نية له في الطلاق ، وقد قال - عليه السلام - : إنما الأعمال بالنيات .
وفي البخاري : وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق : ليس بشيء ; وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن . وقال الشعبي : إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق ، وإن أكرهه السلطان فهو طلاق . وفسره ابن عيينة فقال : إن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله " اهـ
قلت : ذكر ابن قدامة في المغني أن الرواية لم تختلف عن أحمد : أنه لا يقع
وقال في المغني(8/260) :
ولا يكون مكرها حتى ينال بشيء من العذاب مثل الضرب أو الخنق أو عصر الساق وما أشبهه ولا يكون التواعد كرها ... فأما الوعيد بمفرده فعن أحمد فيه روايتان :
إحداهما : ليس بإكراه لأن الذي ورد الشرع بالرخصة معه هو ما ورد في حديث عمار وفيه [ إنهم أخذوك فغطوك في الماء ] فلا يثبت الحكم إلا فيما كان مثله
والرواية الثانية : أن الوعيد بمفرده إكراه قال في رواية ابن منصور : حد الإكراه إذا خاف القتل أو ضربا شديدا وهذا قول أكثر الفقهاء وبه يقول أبو حنيفة و الشافعي لأن الإكراه لا يكون إلا بالوعيد فإن الماضي من العقوبة لا يندفع بفعل ما أكره عليه ولا يخشى من وقوعه وإنما أبيح له فعل المكره عليه دفعا لما يتوعد به من العقوبة فيما بعد وهو في الموضعين واحد ولأنه متى بوعده بالقتل وعلم أنه يقتله فلم يبح له الفعل أفضى إلى قتله وإلقائه بيده إلى التهلكة ولا يفيد ثبوت الرخصة بالإكراه شيئا لأنه إذا طلق في هذه الحال وقع الطلاق فيصل المكره إلى مراده ويقع الضرر بالمكره وثبوت الإكراه في حق من نيل بشيء من العذاب لا ينفي ثبوته في حق غيره وقد روي عن عمر رضي الله عنه في الذي تدلى يشتار عسلا فوقفت امرأته على الحبل وقالت : طلقني ثلاثا وإلا قطعته فذكرها الله والإسلام فقالت : لتفعلن أو لأفعلن فطلقها ثلاثا فرده إليها رواه سعيد بإسناده وهذا كان وعيدا " اهـ

الثالثة :
نكاح المكره ; فقال سحنون : أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة ، وقالوا : لا يجوز المقام عليه ، لأنه لم ينعقد " اهـ القرطبي

الرابعة :
وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان .
الأولى : أن يبيع ماله في حق وجب عليه ; فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء ; لأنه يلزمه أداء الحق إلى ربه من غير المبيع ، فلما لم يفعل ذلك كان بيعه اختيارا منه فلزمه .
وأما بيع المكره ظلما أو قهرا فذلك بيع لا يجوز عليه ... قال سحنون : أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز . وقال الأبهري : إنه إجماع " تفسير القرطبي






الخامسة :
"إذا أكره الإنسان على إسلام أهله لما لم يحل أسلمها ، ولم يقتل نفسه دونها ولا احتمل أذية في تخليصها . والأصل في ذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هاجر إبراهيم - عليه السلام - بسارة ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فأرسل إليه أن أرسل بها إلي فأرسل بها فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي فقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي هذا الكافر فغط حتى ركض برجله . ودل هذا الحديث أيضا على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة ، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة ، ولا حد فيما هو أكبر من الخلوة . والله أعلم " القرطبي

السادسة :
قال القرطبي : "وأما يمين المكره فغير لازمة . عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء " اهـ
قال ابن تيمية في الفتاوى (35/12) : " كما أن جمهور العلماء يقولون : يمين المكره بغير حق لا ينعقد سواء كان بالله أو النذر أو الطلاق أو العتاق ; وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد " اهـ
وقيل : لازمة إذا كانت في طاعة ومثلوا بإكراهه على الحلف ألا يشرب خمرا أو ألا يغش أو في تأديب الوالد ولده
وقال أبو حنيفة : لازمة

السابعة :
" إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المكس وظلمة السعاة وأهل الاعتداء ; فقال مالك : لا تقية له في ذلك ، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا ماله . وقال ابن الماجشون : لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه . وقال ابن القاسم بقول مطرف ، ورواه عن مالك ، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ
قلت : قول ابن الماجشون صحيح ; لأن المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس ; وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وقال : كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ... " اهـ القرطبي



الثامنة :
قال القرطبي : " قال المحققون من العلماء : إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض ; فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ومتى لم يكن كذلك كان كافرا ; لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها . مثاله - أن يقال له : اكفر [ ص: 171 ] بالله فيقول باللاهي ; فيزيد الياء " اهـ وسبق نقل الخازن للإجماع على ذلك ولا يكون الإكراه عند الأحناف إلا بتهديد قطع أو قتل فإن كان وفعل وورى لم يكفر وبانت زوجته قضاء لا ديانة قال في الدر المختار في باب الإكراه ص135 :
( و ) إن أكره ( على الكفر ) بالله تعالى أو سب النبي صلى الله عليه وسلم مجمع ، وقدوري ( بقطع أو قتل رخص له أن يظهر ما أمر به ) على لسانه ، ويوري ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) ثم إن ورى لا يكفر وبانت امرأته قضاء لا ديانة وإن خطر بباله التورية ولم يور كفر ، وبانت ديانة وقضاء ، نوازل ، وجلالية ( ويؤجر لو صبر ) لتركه الإجراء المحرم ومثله سائر حقوقه تعالى كإفساد صوم وصلاة وقتل صيد حرم أو في إحرام وكل ما ثبتت فرضيته بالكتاب اختيار ( ولم يرخص ) الإجراء ( بغيرهما ) بغير القطع والقتل يعني بغير الملجئ ابن كمال إذ التكلم بكلمة الكفر لا يحل أبدا " اهـ


التاسعة :
أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة ." القرطبي

فرع : "واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له
فقال أصحاب مالك : الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة ، ذكره ابن حبيب وسحنون . وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير ; فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثما لأنه كالمضطر . وروى خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلت : ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون . فوصفه - صلى الله عليه وسلم - هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله ، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم . وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان "اهـ القرطبي
قال في الدر المختار للأحناف(ص134-135) :
(فإن أكره على أكل ميتة أو دم أو لحم خنزير أو شرب خمر بإكراه ) غير ملجئ ( بحبس أو ضرب أو قيد لم يحل ) إذ لا ضرورة في إكراه غير ملجئ . نعم لا يحد للشرب للشبهة
( و ) إن أكره بملجئ ( بقتل أو قطع ) عضو أو ضرب مبرح ابن كمال ( حل ) الفعل بل فرض ( فإن صبر فقتل أثم ) إلا إذا أراد مغايظة الكفار فلا بأس به وكذلك لو لم يعلم الإباحة بالإكراه لا يأثم لخفائه فيعذر بالجهل ، كالجهل بالخطاب في أول الإسلام أو في دار الحرب ( كما في المخمصة ) كما قدمناه في الحج " اهـ


العاشرة :
واختلف العلماء في حد الإكراه ; فروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته .
وقال ابن مسعود : ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به .
وقال الحسن : التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة ، إلا أن الله - تبارك وتعالى - ليس يجعل في القتل تقية .
وقال النخعي : القيد إكراه ، والسجن إكراه . [ ص: 173 ] وهذا قول مالك ، إلا أنه قال : والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به
وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت ، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب ، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره .
وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه .
وتناقض الكوفيون فلم يجعلوا السجن والقيد إكراها ما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس .
وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف ، ولا حنث عليه ; وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء " اهـ القرطبي

الحادية عشرة : قوله تعالى : ولكن من شرح بالكفر صدرا أي وسعه لقبول الكفر ، ولا يقدر أحد على ذلك إلا الله ; فهو يرد على القدرية . وصدرا نصب على المفعول " اهـ القرطبي
رد مع اقتباس