عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 02-02-06, 08:44 PM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 3,099
افتراضي

دفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم وسنّته المطهرة
وكشف تواطؤ عيسى الحميري ومحمود سعيد ممدوح على وضع الحديث

(تفنيد القطعة المكذوبة التي أخرجاها ونسباها لمصنف عبد الرزاق)

بقلم
محمد زياد بن عمر التُّكْلة
عُفي عنه



الكتابة الثانية
مزيدة ومنقحة
13 محرم 1427

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسوله.
أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى لما ختم الشرائع برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأتم نعمته علينا، ورضي الإسلام للناس دينا: لم يترك دينه هملاً، بل حفظ هذا الدين من التحريف والتبديل، فحفظ كلامه المنزل: القرآن الكريم، فلا يُزاد حرفٌ فيه ولا ينقص.
وحفظ سنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فجعل الكذب عليه من أعظم الموبقات، ففي الحديث المتواتر: (من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد).
وسخّر الله للسنّة عبر الأزمان نخبة الأمة في الديانة والعلم والعقل، تنفي عنها كذب الكاذبين، بل وأوهام الصادقين، فلا يمكن أن يسري حديثٌ يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت عنه إلا بيّنوه وحذروا منه، عبر قواعد متينة هي غاية ما بلغه العقل البشري من طرق التوثيق والتحقيق.
وما زال أهل الباطل على أنواعه يحاولون الدسّ في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنصرة أهوائهم الباطلة، أو لدعوة الناس للزندقة، فما أسرع أن ينكشفوا ويفضحهم الله عز وجل، وينقلب إليهم بصرهم خاسئا وهو حسير.
وقال سفيان الثوري: لو همّ رجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيت لأظهر الله عليه.
وروي معنى ذلك عن عبد الرحمن بن مهدي وابن معين وغيرهما.
وقال سفيان بن عيينة: ما ستر الله عز وجل أحداً يكذب في الحديث.
وثبت عن ابن المبارك رحمه الله أنه سئل: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة، ثم قرأ: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
* * *
واقتداء بمنهج أئمة الحديث في كشف الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ودفاعاً عن السُّنّة، ونُصحاً لعموم الأمة؛ كانت كتابة هذه الكلمات، مستعيناً بالله سبحانه، سائلاً إياه الأجر والمثوبة.
* * *
فقد صدر مؤخراً كتابٌ كُتب عليه: "الجزء الأول من المصنف للحافظ الكبير أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني"، بتحقيق عيسى بن عبد الله بن محمد بن مانع الحميري، وتقديم محمود سعيد ممدوح، الطبعة الأولى 1425هـ-2005م، دون ذكر للناشر، في مجيليد في 105 صفحات، منها 44 صفحة لمتن الكتاب.
وبتأمل الكتاب يتبيّن جلياً أنه كتاب مكذوب مفترى؛ أُلصق زوراً وبهتاناً بالحافظ عبد الرزاق رحمه الله، وإنما افتُعل ونُشر لما في متونه من آراء منحرفة وأباطيل مدسوسة، مثل إثبات أولية النور المحمدي، وجملة خرافات أخرى.
أما الأسانيد فقد رُكِّبت كيفما اتفق لتبدو كأنها من رواية عبد الرزاق فعلا، ولكن الممارس لكتب الحديث يعلم بطلانها وتركيبها بمجرد النظر، كيف إذا قرن معها المتون المنكرة ذات المخالفات الشرعية والتراكيب الأعجمية؟ ودرس النسخة المزعومة للكتاب؟
وإزاء ذلك فقد وجب كشف هذا الكذب الصراح؛ الذي فيه تشويه صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والدسّ في دينه ما ليس منه، والله المستعان.
مع العلم بأن جميع من عرفتُه علم بالكتاب جزم بوضعه، مثل الشيخ سعد الحميّد، والشيخ عبد القدوس محمد نذير، والشيخ خالد الدريس، والشيخ عمر الحفيان، والشيخ بندر الشويقي، والشيخ صالح العصيمي، والشيخ أحمد عاشور، والشيخ سعد السعدان، والشيخ عبد الوهاب الزيد، وغيرهم.
* * *
وقد كنتُ كتبتُ كتابة أولية عن هذا الكتاب المزعوم في ملتقى أهل الحديث على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، وكانت تلك الكتابة خلال يومين لغرض سرعة تحذير الناس من الكتاب أول نزوله الأسواق، اعتمدت فيها على القرائن المبينة لكذب الكتاب، وقسمتُ الكتابة إلى قسمين رئيسين: نقد المخطوط المزعوم وما يتعلق به، ونقد متون وأسانيد الجزء.

• ثم كانت هذه الكتابة الثانية بعد أن وصلتني معلومات مهمة عن ملابسات خروج الكتاب من أحد القريبين للقائمين عليه، وإفادات وملاحظات أخرى من غيره، فكانت كتابتي هذه مزيدة ومحررة، ناسخة للأولى، وسأبقى أزيد وأنقح فيها -إن شاء الله- ما زادت لديّ المعلومات والفوائد حول الموضوع، وأدعو الغيورين على السُّنّة للمشاركة والمساهمة في الكشف عن هذه الجريمة؛ لا حرمهم الله الأجر والمثوبة.
كما أنني أشكر جميع المشايخ الذين أفادوني ببعض الفوائد المتعلقة بالموضوع، سائلا الله أن يجزيهم الخير على نًصرتهم لسُنّة الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه.
اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك الصالحين.

وكتبه محمد زياد التكلة
حامداً مصلياً مسلّماً
الرياض، ليلة الأحد 13 المحرم 1427

الكلام على الأصل المخطوط
قصة هذا المخطوط:
إن مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني -المتوفى سنة (211) رحمه الله تعالى- من أهم وأقدم وأكبر مصادر السنّة النبوية، ويحتوي على عدد كبير من الأحاديث المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وعدد أكبر من الآثار عن الصحابة والتابعين.
وقد طُبع هذا المصنف كاملاً بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي عن عدة نسخ خطية، وهي بمجموعها تكمّل الكتاب إلا قليلا من أوله ووسطه، فيبدأ الكتاب من باب غسل الذراعين من كتاب الطهارة، ويظهر أن السقط أول الكتاب لا يتعدى الورقة أو الورقتين، وفرح أهل العلم عامة، وأهل الحديث خاصة: بظهور هذا الكتاب العظيم للاستفادة منه.
أما غيرهم من أهل الأهواء فكان يهمهم من خروج الكتاب شيء آخر! ألا وهو البحث عن حديث مكذوب عُزي خطأً لمصنف عبد الرزاق، ألا وهو حديث: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر" بطوله، فظنّوا -لجهلهم بالسُّنّة وكتبها- أنه يُمكن أن يكون الحديث في المصنّف فعلا! وبالطبع فلم يجدوه فيه!
ولما لاحظوا وجود السقط اليسير في أول المصنف المطبوع، تعلقوا بالأماني وأن يكون حديثهم في القدر الساقط من المصنف! وكأن حديثهم سيكون في أبواب الطهارة وإزالة الحدث! وبحثوا عنه في شتى خزائن المخطوطات العالمية دون جدوى.

• من هنا ارتأى بعض من هانت عليه نفسه من أهل الأهواء أن يستغل وجود النقص، ويكمله بما يناسب هواه! وكان من ذلك: الحديث المكذوب المذكور آنفا، فدسّه وغيره من الأباطيل في الكتاب على أن ذلك من القدر الساقط منه!
ولما فرغ من وضعه أعطاه لمن يروج عنده ذلك الكذب والهوى، ألا وهو عيسى مانع الحميري(1)، فما أسرع أن انطلى عليه وتبنّاه، وكان ذاك الحديث الموضوع هو السبب في إخراج الحميري للكتاب!
-----------------
تعليق(1): هذا الرجل جهمي قبوري خرافي جلد، تولى إدارة الأوقاف في دُبَيّ مدة من الزمن، وسخّر جهودها وأموالها في عهده لمحاربة السنّة والعقيدة السلفية الصافية، وجمّع حوله عدداً من أهل الأهواء والبدع في سبيل هذا الغرض، تاركاً ما يراه من فساد أخلاقي متزايد في دبي! وأُلِّفتْ باسمه مجموعة من الرسائل كلها في نصرة الهوى، مثل: "تصحيح المفاهيم العقدية في الصفات الإلهية، أو الفتح المبين في براءة الموحدين من عقائد المشبهين"، و"التأمل في حقيقة التوسل"، و"البدعة أصل من أصول التشريع"!! وغير ذلك، وفي كتبه هجوم مسف على أئمة السنّة وأعلامها قديماً وحديثاً، ثم أُخرج من الأوقاف، وبقي مدرّساً في كلية الإمام مالك، وما زال على محاربته للسنّة، بدليل آخر إنتاجه!
------------------
فقال أول مقدمته (ص5 و6): "فقد كثر الجدل حول صحة حديث جابر، ذلك الحديث الذي ضمنه كثير من أهل السير كتبهم وعزوه إلى مصنف عبد الرزاق مجرداً عن الإسناد، وقد اجتهد ساداتنا أهل العلم.. في البحث عن حديث جابر في مظانه المختلفة".
وذكر أنه كلّف أناساً بالبحث عن تتمة الكتاب في مكتبات تركيا، كما بحث الباحثون في اليمن؛ دون جدوى، ثم قال (ص6 و7): "وقد بات هذا الأمر شغلي الشاغل، أبحث عنه هنا وهناك، مع الدعاء المتواصل في الأيام المباركات، وفي مهابط الرحمات، مع عباد الله الصالحين، وبالأخص عند النبي الكريم، صلى الله عليه وآله وسلم في الروضة المباركة، والمواجهة الشريفة، حتى أتحفنا الله بالعثور على تلك النسخة اليتيمة، أو بالأحرى الجزء الأول والثاني من مصنف عبد الرزاق، على يد أحد الصالحين من بلاد الهند، وهو أخونا في الله الفاضل الدكتور السيد محمد أمين بركاتي قادري حفظه الله".
ثم قال: "ومن توفيق الله عز وجل أننا عثرنا في هذه النسخة على حديث جابر مسنداً.. وتبين لنا بعد ذلك صحة الحديث الذي يرويه عبد الرزاق عن معمر عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سألت رسول الله عن أول شيء خلقه الله تعالى، فقال: هو نور نبيك يا جابر.. الحديث.
فثبت لدينا بأن سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول مخلوق في العالم (!) أي أول روح مخلوقة، وآدم أول شبحية مخلوقة، إذ أن آدم مظهر من مظاهره صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بد للجوهر أن يتقدمه مظهر، فكان آدم متقدما بالظهور في عالم التصوير والتدبير، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مقدما في عالم الأمر والتقدير، لأنه حقيقة الحقائق، وسراج المشارق في كل المغارب! وما حديث جابر إلا تفسير لآية المشكاة..."! انتهى كلام الحميري.
فأقول: لما عُرف السبب بطل العجب! وهكذا مدخل الاتحاديين، فمحمد صلى الله عليه وسلم (عندهم) هو النور الأولي المخلوق، وهو نور كل شيء؛ ومن ذلك السماوات والأرض، وهو تفسير آية المشكاة (الله نور السماوات والأرض)!! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً.
وحاول الحميري أن يضفي الثقة على نسخته، مادحاً لها أنها أدق من المطبوع، وساق على ذلك بعض الأمثلة.
الحاصل أن المعلومات المذكورة في مقدمته والتي تهمنا عن المخطوط هي ما يلي:
1) أن المخطوط وُجد في الهند على يد أحد مشايخ القادرية (البريلوية) المعاصرين.
2) وأن الحميري تملك هذه النسخة، وأن محمود سعيد ممدوح رآها في خزانته.
3) وأنه كُتب عليها أنها نُسخت ببغداد سنة 938 على يد إسحاق بن عبد الرحمن السليماني.
4) وأن الناسخ متقن، بدليل زعم الحميري أن نسخته أدق من المطبوعة.
5) وأن الحميري قارن بين خطها وخطوط القرن العاشر ودقق وحقق فوجدها مطابقة لها.
6) وأنه لا سماعات ولا إسناد على النسخة.
7) وأن في المخطوط زيادة عشرة أبواب عن المطبوع في أوله، وهي: باب في تخليق نور محمد صلى الله عليه وسلم، وتسعة أبواب في الوضوء.
هذا ما أفاده الحميري عن نسخته، ولكن هناك أشياء كتمها عمداً، وكشفها الله على يد أحد عارفيه، كما سيأتي.

شهادة ذهبية من الشيخ الكَمَداني:
الشيخ أديب الكَمَداني أحد المشتغلين بعلم الحديث ومخطوطاته في دمشق، وله رسائل وتحقيقات حديثية، وهو أبرز أصحاب الشيخ فريد الباجي التونسي، انتقل منذ سنوات للعمل باحثاً شرعياً في أوقاف دبي، وإماماً وخطيباً في بعض مساجدها، فكانت له صلة عمل مباشرة مع الحميري قبل أن يُطرد الأخير من رئاسة أوقاف دبي.
وكان وصلني عنه طرفٌ من أخبار المخطوط عبر أحد أصحابه وأصحابنا من طلبة العلم البارزين في دمشق، ثم يسّر الله التحدث معه مطولاً عبر الهاتف من منـزل صاحبنا المشار إليه، وكان في المجلس غيرهما من طلبة العلم، وذلك ليلة الجمعة 11 محرم 1427.
فحدثني الشيخ أديب عن المخطوط، وكان مما أخبرني (وروايتي بالمعنى): نظراً لشغف الحميري وولعه الشديد بحديث النور، وسؤاله عن مخطوطات مصنف عبد الرزاق؛ أحب بعض من لا خلاق له من بريلوية الهند أن يُتحفه به، فزوّر المخطوط، وأرسل له مجلدين منه، ولما وصل المخطوط من الهند فرح الحميري به فرحاً شديداً، وأولم لأجله وليمة كبيرة!
وعرض الحميري المخطوط على الكمداني ومحمود سعيد ممدوح، فأصر الأول على أنه مفترى، وقال إنه موضوع حديثاً جداً بالنظر لورقه وخطه، فضلا عن المتون التي فيه بتلك الأسانيد، وقال لي الشيخ أديب: إنني لا أعطي للمخطوط عمراً أكثر من سنتين أو نحو ذلك! وكان الحميري مصراً على استبعاد مسألة الوضع، أما ممدوح فكان يحاول إرضاء الاثنين والتوفيق بينهما!
وقال لي الشيخ أديب إنه طلب من الحميري أن يقوم بفحص المخطوط في مركز جمعة الماجد في دبي لتأكيد حكمه بالتزوير، ونظراً لحداثة كتابة المخطوط فقد طالب الحميري أيضاً أن يطلب ممن أحضر له المخطوط أن يذكر له الأصل المنسوخ منه، فلما سئل أجاب: إن مخطوطه نُسخ من مكتبة في الاتحاد السوفييتي، واحترقت المكتبة في الحرب!!(2) ثم طالبهم بتكملة المصنف الذي أرسلوا منه مجلدين فقط، فلم يردوا عليه! وطلب الشيخ أديب من الحميري صورة من المخطوط فأبى الحميري!
----------------------------
تعليق (2): قارن بين هذا الكلام وبين ما كُتب آخر النسخة المزعومة أنها نُسخت ببغداد سنة 933! وتأمل هذا مع إلحاح الحميري في مقدمته أنها من خطوط القرن العاشر، وكتمانه لأمر نسخة الاتحاد السوفييتي وحداثة النسخ منها!
وهكذا يُكتشف الكاذب من تضارب أقواله!

-----------------------------
وقال الشيخ أديب إن هذا الكلام كان سنة 2001 بتقويم النصارى تقريباً، وبعدها أُخرج الحميري من الأوقاف، فلم يلتق معه بعدها إلا مرتين أو ثلاثة، وأرسل له أخباراً في أن يقوم بتخريج الكتاب له، وقابلها بالرفض، ثم رأى الكتاب مطبوعاً سنة 2005م.
ويرى الشيخ أديب أن الحميري ليس له علاقة مباشرة في تزوير المخطوط، وأنه كان يجهل وضعه ذلك الوقت، بخلاف محمود سعيد ممدوح!
وقلت للشيخ أديب: هل تأذن لي بنقل هذا الكلام عنك، وهل تخشى أن يصيبك حرج في ذلك؟ فقال: أنا مسؤول عن كلامي هذا، ولا مانع من نقله عني، وإن شئت كتبتُ لك إفادتي خطياً، لأن التحرير أضبط في العبارة من المذاكرة.
فهذا ما ذكره لي الشيخ أديب، جزاه الله خيرا على موقفه الشجاع هذا وإفادته وإبرائه لذمته، وأسأل الله أن يسدده ويوفقه لما يحب ويرضى.

هل كان الحميري ومن معه يجهلون حال الكتاب؟
هذا سؤال مهم بعد معرفة ما سبق، وما يلحق من كلام على أسانيد ومتون الكتاب، ووجود جماعة من أهل العلم من أيام السيوطي إلى يومنا صرّحوا أن حديث جابر في النور (على الأقل) لا إسناد له، بل هو كذب مفترى.
لقد حاول الشيخ الكمداني كثيراً ثني الحميري ومن معه عن إخراج الكتاب، وأعلمهم بحاله، ولكن الحميري أبى إلا أن يخرجه، فماذا يسمى هذا؟
نعم، أفاد الشيخ الكمداني أن الحميري كان يجهل حال الكتاب وقت وصوله إليه، فهل استمر ذلك الجهل عند الحميري من ذلك الوقت إلى خروج الكتاب، وهو أربع سنوات على الأقل؟
يظهر لي بجلاء أن الجواب: لا! لماذا؟
لأن الحميري لو كان جاهلا به لأخرجه كما هو، دون مقدمة كلها إصرار متعمد على تمشية الكتاب، ولذكر ما له وما عليه في الكلام على حديث النور، وهو يعلم كلام أسياده الغماريين عن الحديث! لكنه كتم كل ما يشوش عليه أمره، بل ردَّ على من تكلم على حديث النور! ولبّس في ذلك ودلّس.
فأقول بصراحة إن الحميري شريك في جريمة وضع الكتاب، لأنه علم أن الكتاب منسوخ حديثاً، وأنه مستنسخ عن نسخة في الاتحاد السوفييتي السابق فيما زُعم، ومع ذلك لم يذكر هذا في مقدمته مطلقا، مع أن الناسخ كتب أنه نسخ الكتاب سنة 933 من الهجرة! وهذا كافٍ لوحده في كشف تزوير النسخة وإسقاطها، وإسقاط من عَلِم بذلك ودلّسه على الناس، بل ذهب الحميري أمراً أبعد من ذلك في سبيل تسوية أمر النسخة، فمع علمه بما سبق أخذ يدلّس ويزعم في مقدمته أن المخطوط من خطوط القرن العاشر فعلا، ويعقد المقارنة الفاشلة بين مخطوطه المزور وغيره من نماذج خطوط ذلك القرن! فمعنى ذلك أنه عالمٌ بأمر النسخة وعيوبها الفاضحة لها، وإلا لما احتاج أن يتستر على تلك العيوب ويكتمها عمداً، ثم يدلّس ويسوّي أمر النسخة.
ولا فرق عند علماء الحديث بين من وضع ابتداء، وبين من سرق هذا الموضوع وروّجه عالماً به، فكلاهما يحكمون بأنه كذاب!
حتى لو لم يكن يعلم الحميري بتزوير الكتاب (وهو عالم!) فواجبه أن يتثبت في نشر الحديث، للأمر النبوي والوعيد الشديد فيه، أما أن يُعرَّى حال الكتاب أمامه ويُعلَّم ويُلَقَّن كيف يفحص المخطوط، ثم يعاكس ذلك كله فهذا الصنيع أخو الكذب والوضع الأصلي، وهو تواطؤ مع الواضع.
إن أمامَنا تسلسل في عملية التدليس والتلبيس بحال الكتاب قبل إخراجه، بدأت من وجوده عند طائفة متهمة وهي البريلوية(3)، وليس في مكتبة معروفة، وفي بلد تتبع فيها مشايخها المعتنين بالحديث نسخ
------------------------------
تعليق (3): ومن شاء أن يعرف مدى انحراف هذه الطائفة فليطالع كتاب البريلوية للشيخ الشهيد -إن شاء الله- إحسان إلهي ظهير، وترجمة رأس طائفتهم أحمد رضا خان البريلوي للعلامة عبد الحي الحسني وابنه مجيزنا أبي الحسن الندوي في نزهة الخواطر (8/49-52)، فذُكر عنه العجائب في تكفير مخالفيه من أئمة الديوبندية وغيرهم، وغلوه البالغ في جناب المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى سُمّي: (عبد المصطفى)! وكذلك غلوه في القبورية والخرافات!
وقد رأيتُ بنفسي في الهند ما يسميه أتباعه أعياد القبور أو (أعراس القبور!)، وكنت أشاهد الزحام الشديد في القطارات أيامها لزيارة القبور من عوام البريلوية والهندوس معاً! والجميع يتوسل وينذر ويشرك بهذه القبور، وحصل بيني وبين أحد الأطباء الهندوس نقاش هناك حول الإسلام، فقال لي: لا فرق بيننا وبين المسلمين، كثير من مقدساتنا مشترك، وعباداتنا عند القبور واحدة، وعاداتنا متشابهة، وكان كل كلامه منصباً على البريلوية!
ولا عجب أن يكون عوام البريلوية هكذا إذا كان علماؤهم -بل مثل من وصفه الحميري بالشيخ الصالح الفاضل! محمد أمين بركاتي قادري- يكذبون ويفترون على رسول اله صلى الله عليه وسلم!
اللهم اهد ضال المسلمين، وادفع شرور المضلين والمفسدين.

------------------------------
الكتاب منذ زمن أنور الكشميري إلى تلميذه الأعظمي (كما في مقدمة المصنف الحقيقي!)، ثم تملك الحميري الكتاب المزور، وإعلامه بتزوير المخطوط وكذب ما فيه، وثبوت ذلك بعد قليل من السؤال (عبر قصة نسخه من مكتبة احترقت في الاتحاد السوفييتي، بينما كُتب أنه نُسخ سنة 933!)، ومع هذا حاول الحميري جاهداً صرف النظر عن عوار النسخة بأمور لا تنطلي إلا على أمثاله، وطوّل النقول (وغالبها عن الغماريين) في مقدمته (ص36-50) في أن غرابة المتون وركاكتها لا تقتضي الوضع والنكارة، بعد ذلك تهيأ للحميري تصحيح موضوعات الجزء، وقد فعل، فصحح؛ واستدل؛ واعتقد؛ ونشر؛ ودعا!!
وما دام أن الحميري ناشر هذا الكذب؛ ومُخرجه للناس؛ والملبّس عليهم بصحته؛ فهو يتحمل تبعته، ويجده في صحيفته إن شاء الله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
فلا يُستغرب أن كتب الحميري على غلافه الداخلي: "جميع الحقوق محفوظة للمؤلف"، فهل مؤلفه صاحب الحقوق عبد الرزاق أم ...؟!

• ومن صور تدليس الحميري أن يكتب على غلاف الكتاب الداخلي أنه طُبع سنة 1425هـ ويؤكده بالتاريخ النصراني 2005م، والواقع أن الكتاب طُبع حديثاً آخر سنة 1426، بدليل مقدمة ممدوح المؤرخة في 22 ربيع الآخر سنة 1426!! وتاريخ نزول الكتاب للأسواق!

تواطؤ محمود سعيد ممدوح في الجريمة:
إن أعمال الحميري في إخراج الكتاب تذكرنا بالمثل (كاد المريب أن يقول خذوني)، فاحتاج إلى من يتابعه حتى لا ينفرد بالجناية، ولم يجد لهذا الأمر المهين سوى محمود سعيد ممدوح المصري، فكتب هذا مقدمة للكتاب (ص3-4)، الشاهد منها هو قوله إن صاحبه الحميري: "تحصّل على القسم المفقود من المصنف، وقد رأيتُه في مكتبته مخطوطاً، وقد وصف الشيخ المخطوط في تحقيقه بما يُثبت الثقة فيه.. فجزاه الله تعالى خيراً وأحسن إليه، وشرح صدره لكل عمل صالح، وهو جهدٌ يُشكر عليه، فلله درّه".
متابعة تامة في إثبات النسبة لعبد الرزاق، وأن المخطوط المزور ثبتت الثقة فيه، وأن عمل الحميري جهدٌ مشكور يُوافقه عليه! ولله درّه!!
من الممكن تصديق أن الحميري جاهل بالحديث ولا أسهل من انطلاء كتاب موضوع عليه، أما محمود سعيد ممدوح؟ فلا وربّي إن مثل ذلك لا يخفى عليه، كيف وهو يقدّس ويغلو في أشياخه الغماريين وآثارهم، وهناك رسالة مستقلة لشيخه عبد الله الغماري في إبطال حديث جابر في النور المحمدي، وأن نسبته لمصنف عبد الرزاق كذب؟!
كان على ممدوح أن ينأى بنفسه عن إسقاط نفسه وترويج هذا الكذب الصراح ونسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم -فضلا عن عبد الرزاق- مقابل ارتزاق دريهمات من ربِّه في العمل!!
وقد قال الإمام الشافعي -الذي يزعم ممدوح تقليده- عن حديث "من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين": إذا حدّثت بالحديث فيكون عندك كذبا ثم تحدّث به فأنت أحد الكاذبين في المأثم.
ولا يخفى ممدوح(4) ما هو مأثم الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا صاحبُه الحميري، ولكنه الهوى المُردي والإغراق في الضلال، والعياذ بالله.
نسأل الله أن يعصمنا من الهوى والضلالة، وأن يحفظنا من الموبقات والمهلكات، وأن يرزقنا اتباع السنّة والعمل بها ونصرتها، إنه سميع مجيب.
-----------------------------------
تعليق (4): ونعوذ بالله من الحور بعد الكور، فبعد أن كان محمود سعيد ممدوح متتلمذاً مستفيداً من كتب الإمام الألباني، مُشتغلا بالسنة: بدأ معه الانحراف لغلوه في الغماريين، ثم زاد معه الانحراف، إلى أن صار يتملق لشتى أهل الأهواء، حتى أصبح ظهيراً للقبوريين والخرافيين والشيعة، ومن آخر ذلك هذا المصنف مع سيده الحميري، وكتابه (غاية التبجيل) الذي ألّفه نفاقاً لبعض المنتسبين لآل البيت، وخلص فيه لتفضيل علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر رضي الله عن الجميع! نسأل الله الهداية والعافية.
-----------------------------------

كشف علل المخطوط على ضوء ما ذكره الحميري نفسه:
كنتُ قد بيّنتُ كذب المحطوط عبر القرائن في كتابتي الأولى، وذلك قبل علمي بالمعلومات المفصّلة من الشيخ الكمداني التي فيها النص والتصريح بحاله، ومع ذلك فأرى من الضرورة إثبات القرائن التي ذكرتُها مع بعض التنقيح، لأنني لا آمن من مجرمين مثل الحميري وممدوح أن يكذّبا الشيخ أديب فيما ذكره، ويستخدما شتى ضروب التلبيس والتدليس في دعم جريمتهما، فمن استحل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواطأ عليه فلا يُستبعد عليه إطلاقا الكذب على الناس، وقد رأيتُ بعض ذلك من محمود سعيد ممدوح -على الأقل- في بعض حواراته في شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، فهذه القرائن ذكرتُها على ضوء ما أورده الحميري نفسه في كتابه!
أقول مستعينا بالله:

أولاً:
إن تفرد نسخة الكتاب ما بين قادرية الهند والحميري كافٍ للتشكيك بمصداقية الكتاب، لأن طائفة القادرية هناك (وهي البريلوية) من غلاة الطرقية الذين يعتقدون ويدعون لأولية النور المحمدي، ولما عرضتُ الكتاب على الشيخ المحدّث المحقق عبد القدوس محمد نذير الهندي قال: ما دام الكتاب خرج من عند قادرية الهند فلا شك أنه من عمل أيديهم، فهم يمتحنون الناس في هذه المسألة عندنا، وهي من أسس دعوتهم واعتقادهم، ومن أبرز ما يخالفون فيه، هم وأصحاب الطريقة الجشتية.
قلت: هذا الاعتقاد الردي يشاركهم فيه الحميري، فقد سوّد كتاباً مستقلاً في هذا الشأن أحال عليه في مقدمة الكتاب وتعليقاته المظلمة مراراً، بل صرّح أنه لم يدفعه لإخراج الكتاب إلا هذه المسألة.
ومن العجب تتبعه لهذا الحديث مع تضافر أسياده قبل غيرهم على أنه كذب!
وصدق شعبة إذ قال: لا يجيء الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ.
وإنني أؤيد كلام الشيخ عبد القدوس في أن واضعه هندي معاصر، لما سيأتي.

ثانياً:
إن المخطوط مزور، وليس من كتابات القرن العاشر -وإن كُتب عليه ذلك، وجاهد الحميري لتثبيته- فمن الواضح للعارف أن كاتبه خطاط معاصر هندي، وخطه من جنس خطوط الطبعات الحجرية في القرن الماضي في الهند، وطريقة كتابة الحروف تؤكد ذلك، مثل الياء آخر الكلمة (مثل كلمة الزهري)، وكلمة (الطاؤس)، و(الملئكة)، هذا في الصفحة الأولى التي أوردها الحميري (ص18) ويمكن النظر فيها في النموذج المرفق.
وفي الصفحة الأخيرة التي أوردها الحميري (ص22): تلاحظ كتابة الهاء آخر الكلمة (مثل: مثله، الآية، عليه)، والحاء المقطوعة آخر (نجيح)، والغين المقطوعة آخر (الفراغ)، وهذه هي الطريقة الشائعة في الكتابة عند الهنود، ومن عنده مصحف من تلك المصاحف الباكستانية والهندية التي كانت منتشرة قبل اشتهار نسخة عثمان طه سيشاهد الخط نفسه، وقال لي الشيخ عبد القدوس نذير الهندي لما رأى الخط: هذا خط هندي معاصر. وكذلك قال لي الشيخ عمر بن سليمان الحفيان -وهو درس ماجستير علم المخطوطات في معهد المخطوطات في القاهرة- وغيرهما.
أما الحميري فأراد صرف النظر عن ذلك بالتأكيد أن ذلك الخط هو خط القرن العاشر، وأورد ثلاث نماذج لذلك، ولا يسلّم له ذلك إطلاقا، فالمخطوط كُتب بخط مقارب بين النسخي والثلث، وكاتبه خطاط، وغاية الأمر أن النماذج التي أوردها مكتوبة بخط نسخي وكتبها خطاطون أيضا، فلا غرابة أن تتشابه بعض طريقة الكتابة والخط مقارب على يد خطاطين يمشون على القاعدة، ولكن يرد عليه أن الخط النسخي قد استقرت قواعده على يد حمد الله الأماسي (ت922)، الذي قام بإدخال الإصلاحات النهائية على خطي النسخ والثلث فأضفى عليهما جمالاً باهرًا هو ما نشاهده هذه الأيام، ومع نهاية هذا القرن أصبح الخط مستقرًا، وعليه فإن خطوط القرن العاشر في النسخ والثلث لا تختلف عن خطوطنا نحن اليوم، فلماذا يتحكم الحميري في أن خط المخطوط هو خط القرن العاشر فقط؟
ثم لدينا نماذج كثيرة جدا من خطوط ذلك القرن ليست بالخط النسخي ولا الثلثي أصلا ولا تشبه الخط بتاتاً، فماذا يقول عنها؟
فكان على الحميري أن يكتفي بذكر تاريخ النسخة المثبت بآخرها ويسكت عن دعوى المقارنة ما دام أنه يثق في نسخته، إلا أن علمه بأن فيها ما يريب حمله على ما فعل!
• هذا ما كنتُ سطّرتُه في كتابتي الأولى، أما الآن فقد تبين أن المخطوط حديث النسخ، أفاد الشيخ الكمداني أنه رآه بورق حديث وخط طري! وأنه لما طولب واضعه الهندي بأصل نسخته أفاد أنه استنسخها من مكتبة بالاتحاد السوفييتي، وأنها احترقت! فبطل أمر المخطوط أصلاً، وبان كذب ما جاء فيها أنه نُسخت سنة 933 في بغداد!!
ويأتي مزيد أدلة على أن الواضع هندي عند الكلام على متون الكتاب.
وهذه صورة المخطوط المزعوم:



ثالثاً:
أما إتقان الناسخ فادعاء غير صحيح، ولا يصدَّق الحميري في زعمه ونقله بشكل عام؛ وفي هذا خصوصاً، وأمامنا من نسخته -التي زعمها متقنة- صفحتان مصورتان فقط، وأربعون حديثا هي عدد أحاديث المطبوع، وبغض النظر عن مسألة الكذب نجد في الحديث الأول أنه أخطأ في اسم الصحابي الشهير السائب بن يزيد رضي الله عنه، فكتبه ابن زيد، وفي الحديث الثاني قال ابن جريج (من أتباع التابعين): أخبرني البراء الصحابي! فأين الإتقان وهذه البداية؟
ومن أدلة قولي إن الحميري لا يصدّق في نقوله أنه يغيّر ما في المخطوط (المتقن بزعمه) من عنده! ففي الصفحة الأولى من المخطوطة التي أوردها (ص18): (فسجد خمس مرات، فعُبِّدت علينا تلك السجدات)، فكتبها الحميري في المتن (ص53): (خمس مرات، فصارت علينا)، ولم يُشر إلى تغييره! لعله إخفاء لعُجمة التركيب في الأصل! وعلى كل حال فهذه خيانة في التحقيق لم يظهر لنا منها إلا من القدر اليسير الذي أظهره، فكيف بما خفي علينا ولم يورده؟!
وفي حديث جابر في النور (رقم 18) غيّر من أصله المتقن (؟!) وأثبت من نقل قدوته وإمامه محيي الدين بن عربي الحاتمي للحديث!
وفي أول الكتاب وضع عنواناً من عنده: كتاب الإيمان! ولا أصل لذلك لا واقعاً ولا عقلاً، فمتى سمع الناس أن مصنفا يذكر (كتاباً) فيه (باب واحد) فقط، وهو باب تخليق نور النبي صلى الله عليه وسلم؟! ثم هذا محله لو كان يفهم في كتاب الشمائل، لا الإيمان!
كما أن الحميري أقل من أن يفهم معنى الإتقان، وهو يقول عن سند ابن جريج أخبرني البراء (ص55): ابن جريج حافظ ثقة، وكان يدلس، وقد صرّح هنا بالإخبار؟!
وله أمثلة أخرى من تعليقاته الصارخة بجهله في العلم، فأنَّى يصدَّق في ما يدّعيه؟ والنسخة إنما هي عنده وليست في مكتبة عامة؟ ورفض تصويرها لمن هو قريب منه، فكيف لأعدائه؟
فضلا أن القدر الضئيل الذي أخرجه من الكتاب مليء بالأخطاء في النص كما يذكر الحميري نفسه في تعليقاته! ولله في خلقه شؤون.

رابعاً:
ومما يدل على عدم الثقة في النسخة أنه لا سند لها ولا سماعات عليها، بخلاف المفترض لكتاب كهذا، مع أن الناسخ لما كتب الكتاب كتبه على الطريقة التي ينبغي فيها وجود سند، لأنه يقول عند كل حديث: عبد الرزاق، عن فلان وفلان، ولو كان نسخاً مجرداً للكتاب لما احتاج أن يذكر عبد الرزاق في كل إسناد.

• كما أن في النسخة تسمية الناسخ إسحاق بن عبد الرحمن السليماني، وأنه كتبه في بغداد سنة 933 من هجرة سيد المرسلين وأكمل الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم في بغداد المحروسة.
فأقول: لم تجر العادة بالنص على التأريخ الهجري إلا في آخر أيام الخلافة العثمانية، لما بدأ ينتشر تأريخ النصارى، وإلا فقد كان المعتاد أن يكتب التاريخ مجردا عن الإضافة للهجرة، ولهذا الموضوع كلام طويل نبّه عليه الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله، ومن بعده المشايخ: عبد الرحمن الباني، ومحمود شاكر المؤرخ، وبكر أبوزيد حفظهم الله، وغيرهم.

• وكذلك فإن من الغريب أن يُكتب المصنف ببغداد -في ذلك الزمان- وقد اندثر فيها علم الحديث وندر من يطلبه، بل وقد مضى ثلاثة قرون على ذهاب غالب مكتباتها على يد التتار، ومن المؤشرات على غرابة وجود المصنف في بغداد وقتها أن مسنِد بغداد السراج القزويني (ت750) في مشيخته الحافلة لم يذكر المصنَّف ضمن مروياته، وإنما ذكر روايته لسنن عبد الرزاق (ص412) من رواية الطبراني عن الدبري عنه، وهذه غير المصنف، بل هو كتاب من تأليف الطبراني كما في المنتخب من معجم شيوخ السمعاني (1/587)، ورواه القزويني بالإجازة لا بالسماع.
فإذا كان هذا حال المصنف ببغداد في القرن الثامن وفيها بقية اشتغال بالحديث، فكيف بالقرن العاشر؟
وغالب كتب السنة المتخصصة التي وصلتنا إنما نُسخت قبل ذلك الوقت، ولم تعد تُنسخ إلا نادراً.

• ثم هنا تساؤلات عن الناسخ، وأين ترجمته، وما حاله؟ كل ذلك لم نجد له جوابا إلا أنه غير متقن! ولو وجد الحميري ترجمة له لأتى بها، فإنه كان في أمس الحاجة إلى ذلك!

• ولنا وقفة في كون ناسخ هذا الكتاب المتخصص خطاطا! فالخطاطون كانوا يكتبون المصاحف ودواوين الشعر وكتب الأدب التي لها طابع شعبي ويهتم باقتنائها الأمراء والأغنياء عمومًا، لذا قد نجد نسخا مخطوطة من صحيح البخاري أو مسلم كتبها الخطاطون ومعروف اهتمام عامة الناس بالصحيحين، بل قد تُقتنى للبركة، أما كتب العلم المتخصصة مثل كتب أصول الفقه والحديث فلم يكن يكتبها إلا طلبة العلم، ولهم طريقة في الكتابة تختلف عن طريقة الخطاطين والوراقين، فقد كان «الخط يوصف بالجودة إذا خرج عن نمط الوراقين» [أدب الكتاب ص50]، وكذلك كانت نُسخ الخطاطين والوراقين تمتاز بأحجامها وتباعد أسطرها وكلماتها، بخلاف النسخ التي كتبها طلبة العلم والعلماء؛ إذ يُحرَص على تراكب الكلمات وتراص السطور كي لا يستطيع أحد أن يدس كلمة أو يعبث بالمخطوط (نحو علم مخطوطات عربي ص69).
إذا تقرر هذا نقول: إن هذا المخطوط كتبه خطاط بلا شك، وليس هو من المخطوطات التي يحرص الخطاطون والوراقون على استنساخها، بل ينسخها أهل الحديث المعنيون بها ولهم نمط في الخط طريقة في الكتابة يختلف عن غيرهم، وكل هذه الأمور لا نلحظها في هذه النسخة المُدعاة.

• وقد يقول قائل: ما ذكرتموه صحيح، ولكن ألا يمكن أن تكتب بعض المخطوطات على خلاف الأصول التي ذكرتموها؟
نقول: ممكن أن يقع الاستثناء في أمر أو أمرين، أما هنا فقد تضافرت أمور كثيرة من شأنها أن تضعف الثقة بهذا المخطوط المزعوم، وهي:
1- كتابة قيد الفراغ.
2- طريقة الكتابة.
3- نمط الخط.
4- جهالة الناسخ المزعوم (إن كان له وجود أصلاً).
5- تفرد بتأدية هذا المخطوط المزعوم إلينا رجل ينتسب إلى طائفة هندية منحرفة أشد الانحراف في مسألة الغلو بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى أن جل الأحاديث المنقولة فيه مما يؤيد بدعته وغلوه، والراوي عنه (الحميري) حاله قريب منه، فالإسناد مسلسل بِـ.....
6- أسانيد الأحاديث ومتونها، وتأتي.
فكل هذه قرائن تزيد من وهن الكتاب الخالي أصلا من أدنى مقومات التوثيق، وقضية التأريخ الهجري تجعلني اطمئن أكثر أنه وُضع في عصرنا الحالي(5).
----------------------------------
تعليق (5): هذا ما كنتُ كتبتُه أولاً، ثم تبيّن صدق حدسي بعد شهادة الشيخ الكمداني وفقه الله، وتبيّن أن النسخ المدعى كان ما بين الهند والاتحاد السوفييتي! ولا شأن لبغداد بذلك، ولا القرن العاشر!
-----------------------------------
خامساً:
بدأ الكتاب في هذه النسخة الموضوعة هكذا: باب في تخليق نور محمد صلى الله عليه وسلم، وأضاف الحميري قبله (كتاب الإيمان) من عنده، ثم بدأ كتاب الطهارة، فهل واقع مصنف عبد الرزاق كذلك في التبويبات؟
إن المعلومات التي لدينا تشير إلى أن الباب الأول مفترى جملة وتفصيلاً، فالظاهر أن المصنَّف (الحقيقي) يبتدئ بكتاب الطهارة، فقد نص في كشف الظنون أن الكتاب مرتب على أبواب كتب الفقه، وهي تبدأ بالطهارة، ولما نقل ابن خير الإشبيلي في فهرسته (ص129) عن الحافظ أبي علي الغساني تسمية أبواب المصنف في رواية ابن الأعرابي عن الدبري للكتاب بدأ بكتاب الطهارة، وسرد أبواب الكتاب، وليس فيها كتاب الإيمان ولا ما يمكن أن يدخل تحته باب تخليق نور النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أجد أحداً عزا هذين الباب أو الكتاب لعبد الرزاق على مدى الزمن.

سادساً:
صدّر الحميري الكتاب بقوله: "إسنادي إلى مصنف الإمام عبد الرزاق الصنعاني".
وساق سنده بالإجازة، وتصرفه هذا فيه إيهام من لا يعرف الشأن بأن الكتاب الذي بين أيدينا متصل السند، وفيه تغرير بثبوته، وليس كذلك! ولا سيما أن الكتاب موجه في الغالب إلى أمثال الحميري من عوام مشايخ الطرق الذين لا شأن لهم ولا بصر في الحديث.
ومع ذلك فقد وقع الحميري في عدد من الأخطاء والملاحظات في سنده، تدل على جهله حتى في هذا الرسم!
فقد ساق السند من طريق مجيزنا الشيخ عبدالفتاح أبوغدة رحمه الله عن الكوثري، عن عبد الحي الكتاني.
وهذا الحميري لعله يجهل أن شيحه يروي عن عبد الحي الكتاني بلا واسطة! لكنه الغرام بالكوثري إمامه في التلبيس والتدليس ومحاربة السنة!
ومن المشين أن يروي الكتاب عن الشيخ أبي غدة وهو ممن يرى وضع حديث النور! ورفض إخراج الأربعين العجلونية لوروده فيه!
كما روى الحميري عن مجيزنا الشيخ عبد العزيز بن الصديق رحمه الله ونسبَه حُسينياً! وهو حسني! عن عبد الحي بن عبد الكريم (!) الكتاني، وهو ابن عبد الكبير.
وجعل الرواية عن عبد الله بن سالم البصري على (كذا) الزيادي، وهو يريد: علي الزيادي، وبينهما مفاوز! وعليه فسند الحميري ضعيف لانقطاعه! فضلاً عن أوهام صاحبه.
وحرّف عبد الوهاب بن منده إلى ابن منك!
وجعل ابن منده (أو ابن منك في رواية الحميري!) يروي المصنف عن محمد بن عمر الكوكبي عن الطبراني، وهذا غير دقيق، فقد رواه ابن منده عن الكوكبي، وعن أبي بكر محمد بن محمد بن الحسن الفقيه، وعن أبي عثمان سهل بن محمد، سماعاً على ثلاثتهم ملفقاً، عن الطبراني.
أما مسألة تفصيل السماع من الإجازة، ومسألة تحديد روايات قطع محددة من المصنف لم تقع من رواية الدبري عن عبد الرزاق فهذه أمور لا يكلّف بها من هو في مستوى الحميري بالرواية، والله أعلم.
وإزاء عدم ثبوت هذا الجزء المنسوب لمصنف عبد الرزاق، وتفرد الحميري بروايته فينبغي أن يطلق عليه (مصنف الحميري)، والله أعلم.
* * *
وبعد الكلام على المخطوط المزعوم يأتي الكلام على أسانيد ومتون النسخة، والله المستعان، وعليه التكلان.
رد مع اقتباس