عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 02-02-06, 08:56 PM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 3,099
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي الشيخ عبد الرحمن الفقيه على تثبيت الموضوع..
الكلام على وضع متون وأسانيد النسخة


إن صاحب الحديث المتأمل في النسخة يراها جميعها ما بين إسناد مركب أو متن موضوع.
والواضع المجرم لم يأخذ في حسبانه مسألة هل تجيء الأسانيد كما ذكر؟ ولا مسألة التخريج والمتابعة، وفاته أنه لا يمكن أن يُروى حديث عن الزهري مالك ومعمر وأمثالهم؛ دون أن يكون مسطوراً معروفا في كتب السنة الأخرى، فضلا أن يتفرد عبد الرزاق في القرن الثالث بحديث فرد لا يرويه غيره، فضلا أن حديث عبد الرزاق منتشر مشتهر في الكتب، واستوعب حديثه أمثال الإمام أحمد والطبراني وغيرهما، وما علم أن الحافظ الثقة عبد الرزاق -أو غيره- لو كانت هذه الأسانيد والأحاديث من مروياته حقاً لحكم عليه الحفاظ بالكذب لا الثقة! وأن حديث النور لوحده لو ثبت عن عبد الرزاق لأسقط حديثه كله!
فركّب هذا الوضاع الجاهل الأسانيد كيفما اتفق، واكتفى بمجرد ظن المعاصرة، فكان كشف كذبه سهلا ميسورا ولله الحمد.
هذا عن الأحاديث المروية متونها، أما ما كان غيرها فقد تبيّن أن واضع النسخة أخذ ستة مواضع من الصلوات والأحزاب التي أوردها الجزولي في كتابه دلائل الخيرات، ووضع لها أسانيد عن الصحابة والتابعين وأتباعهم! ويأتي تفصيل ذلك.
وجاء الحميري ليتابع الواضع في كل مفترياته عمداً! ولم ينبه على شيء من ذلك لئلا يُفسد عليه نشوته ومقصوده بإخراج مصنفه المكذوب.
ولن أتتبع جميع أحاديث الكتاب الأربعين، لأنها كلها مركبة: إما الإسناد أو المتن، ولكن أكتفي بالأمثلة الواضحة على الوضع والكذب، وهي تدل على البقية من أخواتها.

اختلاق المتون:
وقبل الكلام عليها ينبغي التذكير أن هذا الحميري قد سوّد في مقدمته الصفحات مؤكدا أن النكارة والركاكة في المتن لا تقتضي وضع الحديث -لعلمه أن أحاديث نسخته كذلك!- محاولاً توعير الطريق على من سينقده ومصنَّفه الموضوع، وختم مقدمته بقوله (ص50): "فتحصل لنا أن الحكم على بعض الألفاظ بالنكارة صعبٌ للغاية، ولا يتأتى إلا للبزل من الرجال، فالصواب أن من استشكل لفظة فلا يسارع بإعلان النكارة، بل يتوقف ويسأل الله فإن فوق كل ذي علم عليم".
ويُجاب باختصار: ليس هذا عشك فادرجي! وليس جهلة الطرقية حجة ولا حكاما على أهل الحديث، ولو تُرك الأمر على ذوقهم وحسّهم للنكارة لما بقي حديث موضوع يوافقهم إلا صححوه! وأمامنا شواهد حية على ذلك في هذا الكتاب قبل غيره.

• وأولها الحديث الأول في النسخة: وهو عن معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، وهذه صورته من الكتاب:



قلت: لا شك أن المسلم العاقل يندهش عند رؤية هذا الهذيان والسُّخف منسوباً للنبي صلى الله عليه وسلم، نعم، لم تأت النسبة مرفوعة صراحة في الكتاب، لكنها مرفوعة حُكْماً، لذكر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة فيها، فلا يُقال إنها من الإسرائيليات، والصواب إنها من الهنديات! فالمتن بخيالاتهم وأدبياتهم أشبه، والركاكة والتراكيب الأعجمية واضحة جداً في المتن، وهذا الواضع الجاهل ما عرف كيبف يستر تأخره، وإلا لغيّر تسمية المهن المتأخرة، مثل الرمّاح، والسيّاف، والجلاد، والطرّاز!
وبالطبع فلم يعلّق عليه الحميري حرفاً واحداً، كذلك لم يخرّجه، لماذا؟ لأنه لا يمكن لبشر تخريج هذا الهراء أصلا! حتى من كتب الموضوعات في الحديث! ولو أراد لما وجد شاهداً إلا حديث عرق الخيل الذي لا يجهله الحميري الكوثري!
وقد وجدت الإشارة إلى مطلع هذا الحديث في بعض كتب الرافضة المتأخرة دون إسناد ولا ادعاء أنه حديث!
فهذا مثال لما يجب أن لا يَحكم بنكارته إلا البزل من الرجال؛ كما يقول الحميري! وهذا أول ما في النسخة التي أثبت هو ومتابعُه محمود سعيد ممدوح ثقتها!

• وهذا الحديث الرابع (ص56) هكذا: عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عباس قال: لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظل، ولم يقم مع شمس قط إلا غلب ضوؤه [في المطبوع: ضوءه، وهو يعكس المعنى!] ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قط إلا غلب ضوؤه [في المطبوع: ضوءه أيضا!] ضوء السراج.
قلت: هذا المتن ليس له أصل مرفوعاً، وإنما يذكره المتوسعون في كتب السيرة والخصائص المتأخرة التي يجمع مؤلفوها بين الثابت وما لا يثبت والموضوع وما لا أصل له!
وهذا السيوطي على سعة اطلاعه لم يجد له مخرجاً في الخصائص الكبرى (1/122 العلمية) سوى أن قال: أخرج الحكيم الترمذي من طريق عبد الرحمن بن قيس الزعفراني، عن عبد الملك بن عبد الله بن الوليد، عن ذكوان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرى له ظل في شمس ولا قمر ولا أثر قضاء حاجة.
فهذا غاية ما أُسند في الباب، وهو كعدمه، ففيه على إرساله عبد الرحمن الزعفراني، وقد كذّبه ابن مهدي وأبوزرعة وصالح جزرة، وتركه بقية الحفاظ، وشيخه لم أميّزه، وكذا ذكوان، فضلا عن جهالة الوسائط بين الحكيم الترمذي والزعفراني! بل يكفي أن الحكيم تفرد به ليكون غير ثابت حتى على مذهب السيوطي (كما في خطبة الجامع الكبير)، على تساهله المعروف في التضعيف!
فهذا أعلى ما في الباب، ثم يجيء في آخر الزمان من يضع له هذا الإسناد المرفوع الذي ظاهره السلامة؟!
وإنما قلت: ظاهره السلامة لأنه لم تثبت لنافع مولى ابن عمر رواية عن ابن عباس من وجه صحيح، بل ذلك من جملة التركيبات الإسنادية التي تميز بها مصنف الحميري.
أما الحميري هذا فما صدّق أن صحح إسناد كتابه الموضوع حتى بدأ يرد على (البزل من الرجال) ويفوح من فمه ما لا يُقال، فقال (ص57): "فتضعيف الألباني للرواية ليس بجيد، وتعليل الهراس تعليل ساقط يؤدي بالمرء إلى الكفر والعياذ بالله، عافنا (كذا) الله من سوء السرائر وظلمة الضمائر".
قلت: الذي قد يؤدي بالمرء إلى الكفر هو تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإصرار على ترويجه ودسّه بين الناس مع العلم به، عافانا الله من سوء السرائر وظلمة الضمائر!
علماً أن الحميري عزاه لموضع آخر في الخصائص الكبرى حيث لم يُبرز السيوطي إسناد الحكيم الترمذي، ولعل ذاك لئلا تظهر علل الإسناد! وهكذا يكون التدليس!

من التراكيب الأعجمية والمتأخرة، وهي داخلة في اختلاق المتون:
• الحديث رقم (7) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس وجها وأنورهم لوناً.
هذه الصيغة ليست عربية! فاسألوا عنها بريلوية الهند!
• ومثلها الحديث رقم (9) عن سالم بن عبد الله عن أم معبد أنها وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان أحلى الناس وأجمله من بعيد، وأجهر الناس، وأحسنه من قريب.
علما أن الوضاع لم ينتبه -وكذا من روّج له- إلى أن رواية سالم عن أم معبد تركيب لا يصح، بل لم يدرك سالم أم معبد أصلا.
وحديث أم معبد لا يُروى بهذا الإسناد، ومتن روايته المطولة: "أجمل الناس"، كما يعبّر العرب.
• وفي رقم (10) عن ابن جريج قال: كان البراء يكثر من قول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آله بحر أنوارك ومعدن أسرارك!
من الظاهر أن ثقافة الواضع متأثرة بالأحزاب والأوراد الصوفية المتأخرة، فهذا الحديث وما بعده أخذه الواضع من دلائل الخيرات للجزولي، كما سيأتي!
كما أن الصلاة على الآل غريبة عن الصحابة والصدر الأول خارج جلسة التشهد!
• وفي رقم (11): عن الحسن أنه قال: من يُكثر من قول "اللهم صلِّ على من تفتّقت من نوره الأزهار" زاد ماء وجهه!
لا شك أن واضعه الرقيع كان بحاجة إلى زيادة ماء وجهه فاخترع هذا الأثر!
• وفي رقم (12): عبد الرزاق أخبرني ابن عيينة عن مالك أنه كان يقول دائماً: اللهم صل على سيدنا محمد السابق للخلق نوره.
يلاحظ أن الواضع بدأ يندمج أكثر مع ثقافته في الأحزاب والأوراد، وتعبير (يقول دائما) و(سيدنا) غريبان عن الصدر الأول! أما قوله السابق للخلق نوره فهو تأييد للباطل الذي من أجله وُضع الكتاب وأُخرج!
• وفي رقم (13) عن سليمان بن يسار، قال: علمني أبوقلابة أن أقول بعد كل صلاة سبع مرات: اللهم صل على أفضل من طاب منه البخار (كذا في المخطوط المتقن! وصوبها الحميري إلى: النُّجار)، وسما به الفخار، واستنارت بنور جبينه الأقمار، وتضاءلت عند جنود (كذا، وجعلها الحميري: جود) يمينه الغمائم والبحار.
تركيبة تنادي على نفسها بالوضع!
• ومثلها رقم (14) عن ابن جريج: قال: قال لي زياد: لا تنس أن تقول بالغدوة والآصال: اللهم صلِّ على من منه انشقت الأنهار (؟!)، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم.
كأن زياد بن سعد هنا من فلاسفة الطرقية!
• وفي رقم (15) معمر عن ابن أبي زائدة عن ابن عون، قال: علمني شيخي أن أقول ليل نهار: اللهم صل على من خلقت من نوره كل شيء!
فضلا عن المعنى الفاسد الذي اخترع الكتاب لأجله ونُشر: فالواضع يظن ابن عون من قادرية الهند حتى يعبّر قائلا علمّني شيخي! ثم تأمل في عبارة (أقول ليل نهار) وانظر إن كنت تجد مثله في الصدر الأول!
وزعم الحميري في تعليقه أن ابن أبي زائدة هو يحيى -هكذا خبط عشواء- بينما الذي يروي عنه معمر هو زكريا والد يحيى!
• وفي رقم (16) عن سالم أنه قال: علمني سعيد بن أبي سعيد أن أقول دوماً: اللهم صل على كاشف الغمة، ومجلي الظلمة، ومولي النعمة، ومولي الرحمة.
لا جديد: سجعات المتأخرين! وطريقة طرقية العجم في التعليم: علمني أن أقول دوماً!
وغني عن الذكر أن الآثار من (10) إلى (16) لا أصل لها عن أصحابها، بل هي من تفردات مصنف الحميري الموضوع.
• وهنا مثال طريف بسند نظيف، بل قيل فيه إنه أصح الأسانيد! ففي رقم (17): معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه قال: رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم بعيني هاتين، وكان نورا كله، بل نورا من نور الله، من رآه بديهة هابه، ومن رآه مراراً أحبه أشد استحباب!
وهذا الهندي واضع الحديث أثَّرت عليه عجمته، وكأن لم يقرأ في القرآن العربي المبين: (والذين آمنوا أشدُّ حباً لله)!
أما الحميري فقال: إسناده صحيح!

حديث النور المحمدي

نأتي لموضع الشاهد الذي لأجله أتعب الوضاع نفسه وعرّضها لمقعد النار، وهو رقم (18): عن معمر، عن ابن المنكدر، عن جابر، قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول شيء خلقه



وهذا حديث باطل لا أصل له، لعن الله واضعه، وفيه ما هو مصادم لعدة نصوص صريحة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة في الخلق وغيره، وليس في شيء من كتب الإسلام مسنداً.

• وكان مبتدأ أمر الحديث عند متقدمي الإسماعيلية الباطنية، ففي كتبهم القديمة الكثير من الأحاديث المكذوبة في أن النبي صلى الله عليه وسلم وعليًّا من نور الله، وأن الشيعة (يقصدون أنفسهم) منهما. (انظر أصول الإسماعيلية للدكتور سليمان بن عبد الله السلومي 2/459)
وممن ذكر أصل الحديث قريباً منه علي بن محمد بن الوليد الإسماعيلي الباطني (ت612) في كتابه"تاج العقائد"(ص54 كما في رسالة العطايا) ولكن بلفظ آخر وهو: "إن الله تعالى خلقني وعليّ نوراً بين يدي العرش، نسبح الله ونقدسه قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما خلق آدم أسكننا في صلبه، ثم نقلنا من صلب طيب إلى باطن طاهر، لا تحتك فينا عاهة، حتى أسكننا صلب إبراهيم، ثم نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية، لا يمسنا عار الجاهلية، حتى أسكننا صلب عبد المطلب، ثم افترق النور من عبد المطلب ثلاثاً، ثلثان في عبد الله، وثلث في أبي طالب، فخرجتُ من ظهر عبد الله، وخرج عليٌّ من ظهر أبي طالب، ثم اجتمع النور مني ومن علي في فاطمة، فخرج منها الحسن والحسين، فهما نوران من نور رب العالمين"!
• ثم تلقف حديثَ الباطنية هذا: ابنُ عربي الحاتمي الأندلسي صاحب وحدة الوجود (ت638) -وهو باطني النظر في الاعتقادات كما قال تلميذه وبلديُّه الحافظ ابن مُسدي- وأورده بلفظه المطول في تلقيح الأذهان (كما في إرشاد الحائر، وخرّجه الحميري من مخطوطة التلقيح 128/أ) وفي الفتوحات المكية (1/119 كما في رسالة العطايا)، قال عبد الله الغماري في إصلاح أبيات البردة (75): "وأول من شهر هذا الحديث ابنُ العربي الحاتمي، فلا أدري عمّن تلقّاه! وهو ثقة(6)، فلا بدَّ أن أحد المتصوفة المتزهدين وضعه".
---------------------------
تعليق (6): كذا قال الغماري! ولا أدري من أين جاء بالتوثيق؟! فقد ترك الأئمةُ الرواية عن ابن عربي (كما ذكرتُ في كتابي فتح الجليل ص391)، وثبت أن سلطان العلماء العز ابن عبد السلام كذّبه، كما كذّبه جماعة من العلماء في ادعائه الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخراج كتابه (سرد فتاويهم التقي الفاسي)، وثبت كذب ابن عربي في ادعاء الرواية عن بعض شيوخه، مثل أبي الخير الطالقاني، واتُّهم في غيره، كأبي الحسن بن هُذيل، وعبد الحق بن عبدالرحمن الأزدي، والحافظ السِّلَفي، بل أبعد ابن عربي فادعى الإجازة من ابن عساكر -وقد توفي سنة 571 قبل السِّلفي- ومعلوم أن هذا متشدد في الإجازة، ولم نقف من إجازاته إلا على النادر جدا، وغالب مؤلفاته تُروى عنه بالسماع، ولذلك لم يُذكر أنه أجاز أهل عصره، وابن عربي ما رحل من الأندلس للمشرق إلا سنة 598 كما ذكر ابن النجار، فأنّى أخذ منه؟ ولهذا وغيره تُرجم ابن عربي في الميزان، واللسان.
ثم حديث النور هذا لم يُسبق إلى سياقه، وفيه اصطلاحات صوفية كما قال الغماري، فالظاهر أن ابن عربي علته دون غيره.

---------------------------
• ثم سرى الحديث في كتب التصوف والتشيع والسيرة المتأخرة دون إسناد طبعاً! وغاية الأمر أن أحد المتأخرين ممن لا تحقيق له في الحديث نسبه من رواية عبد الرزاق خطأ (على أحسن الظن)، وأقدم من وقفتُ عليه عزاه له: القسطلاني في المواهب اللدنية (1/46) -بينما ذكر الغماري أن السيوطي عزاه له في الخصائص، ولم أهتد له فيه- وسواء كان هذا أو ذاك، فهما توفيا في القرن العاشر، ولم يذكرا إسناد عبد الرزاق.
ثم جاء العجلوني في القرن الثاني عشر وعزاه في كشف الخفاء (1/311) وفي الأوائل الأربعين (19) لعبد الرزاق، ونصَّ في الأربعين أنه لم يقف على إسناده تبعاً للقسطلاني؛ الذي ذكره بلا سند.
ثم تناقل المتأخرون هذا العزو بعضهم من بعض دون نظر ولا تحقيق؛ حتى وصل الأمر إلى أسافل المجرمين فأحبوا أن يلفقوا جزءً يدسُّوه فيه وينسبوه للمصنف! فكان ذلك قصة ظهور مصنف الحميري هذا، والعياذ بالله.
علماً بأن بعض غلاة الطرقية سبقوا إخوانهم البريلوية في محاولة الخروج من هذا المأزق، فوضع أحد الشناقطة له إسناداً كما سيأتي! وجاء المدعو محمد البرهاني فعزاه في تبرئة الذمة (ص9 كما في رسالة العطايا) إلى عبد الرزاق في كتابه جنة الخلد!! ولا وجود لهذا الكتاب أصلاً!

• ولما صار الحديث متداولا في كتب السيرة وتلقفه غلاة المتصوفة والاتحادية؛ واعتقدوا ما فيه من الأباطيل: ألّف بعض أهل العلم محذرين من هذا الحديث المكذوب المصادم للنصوص، فمنهم:
الشيخ محمد أحمد بن عبد القادر الشنقيطي المدني في رسالته: تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق، وقد طُبعت بتقديم وموافقة سماحة الشيخ ابن باز.
ومنهم الشيخ عبد الله الغُماري -شيخ محمود سعيد ممدوح الذي قدّم لمصنف الحميري- فألّف رسالة بعنوان: مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر، وقال فيه: "وعزْوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ، لأنه لا يوجد في مصنفه، ولا جامعه، ولا تفسيره.. وهو حديث موضوع جزمًا، وفيه اصطلاحات المتصوفة، وبعض الشناقطة المعاصرين ركّب له إسنادًا! فذكر أن عبد الرزاق رواه من طريق ابن المنكدر عن جابر! وهذا كذب يأثم عليه. وبالجملة فالحديث منكر موضوع، لا أصل له في شىء من كتب السُّنّة".
وقال عبد الله الغماري في إصلاح أبيات البردة (75): "قال السيوطي في الحاوي: إنه غير ثابت. وهو تساهل قبيح، بل ظاهر الحديث الوضع، واضح النكارة، وفيه نَفَس صوفي، حيثُ يذكر مقام الهيبة ومقام الخشية، إلى آخر مصطلحات الصوفية.
والعجيب أن السيوطي عزاه إلى عبد الرزاق، مع أنه لا يوجد في مصنفه ولا تفسيره ولا جامعه، وأعجبُ من هذا أن بعض الشناقطة صدّق هذا العزو المخطئ، فركّب له إسناداً من عبد الرزاق إلى جابر، ويعلم الله أن هذا كله لا أصل له.
فجابرٌ رضي الله عنه بريء من رواية هذا الحديث، وعبد الرزاق لم يسمع به، وأول من شهَّر هذا الحديث ابنُ العربي الحاتمي، فلا أدري عمّن تلقّاه! وهو ثقة، فلا بدَّ أن أحد المتصوفة المتزهدين وَضَعه".
وقال عبد الله الغماري في إرشاد الطالب النجيب إلى ما في المولد النبوي من الأكاذيب (ص9 و10): "بيان الأحاديث المكذوبة، منها وهو أشهرها حديث: أول ما خلق الله نور نبيك من نوره يا جابر، عزاه السيوطي في الخصائص الكبرى لمصنف عبد الرزاق، وقال في الحاوي في سورة المدثر من الفتاوى القرآنية: ليس له إسناد يُعتمد عليه. وهذا تساهل كبير من السيوطي، كنتُ أنزهه عنه.
أما أولاً: فالحديث غير موجود في مصنف عبد الرزاق ولا في شيء من كتب الحديث.
أما ثانياً: فإن الحديث لا إسناد له أصلا.
وأما ثالثاً: فإنه ترك بقية الحديث، وهي مذكورة في تاريخ الخميس للديار بكري، ومن قرأها يجزم بأن الحديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجاء شخص فيلالي من ذرية الشيخ محمد بن ناصر الدرعي، فألف كتاباً سماه: (التوجيه والاعتبار إلى معرفة القدر والمقدار) وموضوعه الكلام على النور المحمدي، أتى فيه بطامة كبرى! حيث قال في أوله: ومن أدلة سبقيته وأصليته حديث الإمام عبد الرزاق في مصنفه الشهير، عن سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم أحد أعلام المدينة، عن محمد بن المنكدر شيخ الزهري، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء؟ قال: يا جابر! إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، وذكر بقية الحديث.
وقد تعجبت من وقاحة هذا الشخص وجرأته، حيث صنع هذا الإسناد الصحيح لحديث لا يوجد في مصنف عبد الرزاق ولا غيره من كتب الحديث المسندة! وهذه جرأة غريبة تشبه جرأة الخوارج في وضعهم أحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: (من كذب عليّ فليتبوأ مقعده في جهنم). فأجاب: نحن لا نكذب عليه، ولكن نكذب له؟! ولعل هذا الموريتاني يعتقد أنه كذب للنبي صلى الله عليه وسلم"!
فأقول: انظر إلى تضارب الكذابين، فذاك الشنقيطي اختلق له سنداً، وبينما وضع له الهندي صاحب الحميري سنداً آخر إلى ابن المنكدر! وكلا الكاذبين يصح عنه وصف الغماري بالوقاحة والجرأة!!
وللغماري كلام كثير في تكذيب الحديث، منها في رسالته رفع الإشكال (ص45)، وله مقالات وردود متعددة حول الحديث في مجلة الإسلام المصرية سنة 1353، وإنما أطلتُ في نقل أقواله لأنه شيخ محمود سعيد ممدوح، ومقدّس عنده وعند الحميري، والأول يعرف كلامه ربما أكثر من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأنا أتيقن أنه يعلم حال الحديث من شيخه على أقل الأحوال، لكنه كتم ذلك وتواطأ على ترويج الكذب نفاقاً ومداهنة لسيّده الحميري!
كذلك ألّف أبو عمر محمد العطايا رسالة موجزة عن الحديث.
• وأبطله قبلهم السيوطي في الحاوي في الفتاوي (الفتاوى القرآنية، آخر سورة المدثر 2/43 دار الكتاب العربي) وفي قوت المغتذي، ونص أنه لا سند له وأنه لا يثبت، ومعلوم سعة اطلاع السيوطي.
وضعّفه الشيخ ابن عجيبة المغربي في شرح الحكم العطائية (كما في تنبيه الحذاق)، وممن نص على بطلانه ووضعه وأنه لا أصل له: محمد رشيد رضا في الفتاوى (2/447)، وأحمد الغماري (المقدّس عند الحميري وممدوح) في مقدمة كتابه المغير (6 و7)، والعلامة الشقيري في السنن والمبتدعات (93)، وسماحة الشيخ ابن باز في مقدمته لتنبيه الحذاق، وفي مجموع فتاويه (25/130)، ومحدث العصر الإمام الألباني في السلسلة الصحيحة (1/207 و741 المكتب الإسلامي، 1/258 و820 المعارف)، وعبد العزيز السدحان في كتابه تحت المجهر (66)، وعداب الحمش في كتاب النور المحمدي، وغيرهم.
بل إن بعض رفقاء الحميري وممدوح في أصول الاعتقاد والخرافة يصرحون بكذب حديث النور، منهم عبد الله الحبشي الهرري، وحسن السقاف، والأخير ألف رسالة مفردة في إبطالها، وهي مطبوعة. (وشهد شاهد من أهله)!
كذلك حدثني الشيخ المطلع الثقة أحمد عاشور المكي ثم المدني -حفظه الله- أنه لما أراد أن يقرأ الأربعين العجلونية على مجيزنا الشيخ عبد الله التليدي المغربي (من كبار أصحاب أحمد الغماري) توقف التليدي عند الحديث المنسوب لعبد الرزاق فيه، ورفض قراءتها وغضب، وقال إنه مكذوب.
وأخبرني عن أحد التلاميذ المقربين من مجيزنا الشيخ عبد الفتاح أبوغدة، أنه قال له: سألت الشيخ عبد الفتاح: لماذا حققت الأوائل السنبلية ولم تحقق الأوائل (الأربعين) العجلونية، مع أن تلك شامية من بلدك؟ فقال: أنا لا أخرجها وقد أورد فيها ذاك الحديث الموضوع، يعني حديث جابر.
• ومن العجائب أن يستدل الحميري بكلامٍ لأحمد الغماري (في حديث آخر) في أن أي حديث يُستنكر لا ينبغي أن يُحكم عليه بالوضع لمجرد ركاكة ألفاظه وغرابته، بينما أحمد الغماري ينص في هذا الحديث بالذات أنه موضوع لا يُشك في وضعه، وأنه مشتمل على ألفاظ ركيكة ومعاني منكرة، فهكذا يكون الهوى المعتاد من الحميري وجماعته!
ومن العار أن يروي الحميري مصنفه من طريق الشيخ عبد الفتاح أوغدة، وهو يعتقد بطلانه ووضعه.
ومن باب تبكيت الحميري وأضرابه: فإن هذا المتن لو لم يكن فيه نكارة فالإسناد إليه لا يُسلَّم بصحته، وإن كان رجاله ثقات، فقد قال إمام الشأن البخاري: ما أعجب حديث معمر عن غير الزهري، فإنه لا يكاد يوجد فيه حديث صحيح!
رواه البيهقي في شعب الإيمان (9/109 رقم 4477 السلفية)

• وللتنبيه، فقد ذكر بعض الناس لهذا الحديث شاهداً!
وهو ما رواه البيهقي في دلائل النبوة (5/483)، فقال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن سِيْماء المقرئ، قدم علينا حاجاً، حدثنا أبوسعيد الخليل بن أحمد بن الخليل القاضي السِّجزي، أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.بلفظ: «لما خلق الله عز وجل آدم خيَّر لأدم بنيه، فجعل يرى فضائل بعضهم على بعض، قرآني نوراً ساطعاً في أسفلهم. فقال: يا رب! من هذا؟ قال: هذا ابنك أحمد، هو الأول، والآخر، وهو أول شافع».
وعزاه السيوطي في الخصائص الكبرى (1/67 العلمية) لابن عساكر أيضا.
قلت: إسناده ضعيف.
وفضالة فيه لين على صدقه، ونص ابن المديني أن له مناكير عن عبيد الله، وهو شيخه هنا، وتفرُّد فضالة بالحديث في طبقته ومرتبته وعزة مخرجه يوحي بأن هذا الحديث منها.
وشيخ البيهقي له ذكر في المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور (1249) ولم أجد فيه جرحاً ولا تعديلا.
وبقية رجاله ثقات معروفون.
هذا عن حال الحديث رواية، أما دراية فمعنى الأول والآخر في الحديث يُستدل عليه بما أخرجه البيهقي قبله، وفيه: نحن الآخرون الأولون، نحن آخر الأمم وأول من يحاسب.
فهذا معناه -على فرض ثبوته- لا ما يزعمه غلاة المتصوفة من أولية النور المحمدي! وأين هو من ذاك الحديث المكذوب الطويل ليكون شاهداً له؟!
والله تعالى أعلم.
* * *
هذا؛ وبالإمكان التفصيل أكثر في الكلام على متون مصنف الحميري لو تتبعتها كاملة، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق كما أسلفت، وهذا ما ظهر لي خلال مراجعات أيام قلائل، فسبحان من يسّر فضح الكذبة والوضاعين!

من موارد واضع الجزء:
هذه أربع مصادر رئيسية اعتمد عليها الوضاع في تأليف الجزء، ولو تسنى الدراسة المفصلة والتقصي لجميع الأحاديث لظهرت الموارد الأخرى، ولكن حسبنا كشف أهم ما ظهر منها:
أولاً: دلائل الخيرات للجزولي!
اقتطف الواضع منه ستة مواضيع، ثم جعلها آثاراً ذات أسانيد!
• ففي رقم (10): كان البراء يكثر من قول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آله بحر أنوارك ومعدن أسرارك.
وهذه الصيغة بحروفها مأخوذة من الدلائل، فصل في كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، الحزب الثاني، يوم الثلاثاء، (ص20)!
• وفي رقم (11) كان الحسن يُكثر من قولك اللهم صلِّ على نت تفتقت من نوره الأزهار!
وهي كذلك بحروفها (ص23) منه!
• وفي رقم (12): اللهم صل على سيدنا محمد السابق للخلق نوره.
وهي في الدلائل، الحزب الثالث، يوم الأربعاء (ص26)!
وفي رقم (13) اللهم صل على أفضل من طاب منه النجار، وسما به الفخار، واستنارت بنور جبينه الأقمار، وتضاءلت عند جود يمينه الغمائم والبحار.
وهي في الدلائل أيضا، الحزب السابع، يوم الأحد (ص52)!
• وفي رقم (14): اللهم صل على من منه انشقت الأنهار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم.
هكذا في مصنف الحميري المطبوع، وهي في الدلائل، الصلاة المشيشية (ص56) انشقت الأسرار بدل الأنهار، وعنده زيادة وهي: وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق!
وقد فاتت الناسخ فلم يكنمل عنده السجع!
• وفي رقم (16): اللهم صل على كاشف الغمة، ومجلي الظلمة، ومولي النعمة، ومولي الرحمة.
هكذا في طبعة الحميري، وهي في الدلائل، الاحزب الثاني، يوم الأربعاء، (ص22) بلفظ: ومؤتي الرحمة.
ولعل نسخة الوضاع من دلائل الخيرات ليست جيدة، أو لعل عجمة هذا الوضاع أوقعته في التصحيف!
ومن نافلة القول أن الحميري يعلم بوجود هذه المفتريات في دلائل الخيرات، فتجده يخرّج (؟!) منها ويصحح أخطاء نسخته التي زعم إتقانها، فهل يبقى له عذر في عدم معرفة حال أحاديث مصنفه؟
ثانياً: كتب ابن عربي الصوفي!
أخذ منه حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر، فابن عربي أقدم من عُزي الحديث إليه فيما نعم، دون إسناد طبعاً! وقد ساق نفس اللفظ.
ثالثاً: بعض كتب الشيعة المتأخرة:
يدل عليها الحديث الأول الذي مطلعه: إن الله تعالى خلق شجرة ولها أغصان فسماها شجرة اليقين، ثم خلق نور محمد صلى الله عليه وسلم في حجاب.
فذكر أغا بزرك الطهراني الشيعي في الذريعة إلى تصانيف الشيعة (5/163-164) من كتبهم: "695: الجنة والنار، لبعض الأصحاب، قال في أوله بعد الحمد المختصر: "إن الله خلق شجرة ولها أربعة أغصان سماها شجرة اليقين، ثم خلق نور محمد صلى الله عليه وآله في الحجاب" رأيتُ النسخة عند الشيخ عبد الكريم العطار آل الشيخ راضي الكاظمي في الكاظمية".
وجاء في مجلة تراثنا الشيعية (3/96) ضمن دليل مخطوطات مكتبة الحاج هدايتي في قم بإيران: مجموع فيه عدة رسائل كُتبت في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، فذكروا منها: "كتاب خلق الأشياء (حديث – عربي) تأليف: (؟) أبواب قصيرة تجمع الأحاديث المروية في خلق الإنسان والملائكة والجنة والنار والموت وما يتعلق بأحوال الإنسان ما بعد موته، أوله: "الحمد لله رب العالمين.. أما بعد: اعلم أن الله خلق شجرة ولها أربعة أغصان فيقال لها شجرة اليقين".
لاحظ أن كلا المصدرين نقلا صدر الحديث الذي في مصنف الحميري بحروفه، وكلاهما دون إسناد، فجاء الوضاع فتلقفه وركّب له إسناداً نظيفا!
علماً أن هذه حديث جابر المزعوم تناقلته مجموعة من كتب الشيعة بطوله مستدلين به على عقائدهم أيضا!
رابعاً: مصنف ابن أبي شيبة:
احتاج له الوضاع ليأخذ متون أحاديث الطهارة، بينما تبرع من عنده بتركيب الأسانيد، ومشّى الحميري جميع ذلك!
• فالحديث رقم (20) من الطهارة في التسمية للوضوء أخذ متنه وطرف سنده من مصنف ابن أبي شيبة (1/2 و3 السلفية) بحروفه، لكن سنده فيه من طريق كثير بن زيد، حدثني ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده.
فبعد أن أخذ الوضاع المتن من هناك احتاج لتأليف سند لهذا المتن، فجعله عن معمر، عن الزهري، عن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده.
هكذا فعل الوضاع الجاهل، لعله لعجمته ظن (ابن) بين عبد الرحمن وأبي سعيد الخدري: (عن)، فحذف ربيح بن عبد الرحمن، وجعل الزهري متابعا له، فوقع في خطأ مركّب! ويأتي مزيد تنبيه على ذلك.
• وهكذا الحديث رقم (21) أتى بلفظ ابن أبي شيبة لحديث سعيد بن زيد في التسمية حرفياً، لكن جعل له إسناداً من عنده لأبي هريرة، وهو بالطبع غير الأسانيد المروية عن أبي هريرة في الباب.
• وحديث رقم (22) جاء بلفظ ابن أبي شيبة (1/3) لحديث أبي سعيد الخدري في القول عند الفراغ من الوضوء، واخترع سندا من عنده.
وفات الوضاع أن عبد الرزاق رواه في مصنفه الحقيقي في موضعين (1/186 و3/378) ولكن بسند آخر عن أبي سعيد ولفظ مغاير!
• أما حديث رقم (23) فجاء كذلك بمتن أثر ابن أبي شيبة عن سالم أبي الجعد عن علي في القول عند الفراغ من الوضوء، أما السند فلعب فيه، والنقل حرفي!
علماً أن عبد الرزاق أخرج الأثر بلفظ وسند آخر عن سالم في مصنفه الحقيقي (1/186)!
• كذلك حديث (24) نقل المتن بحروفه من ابن أبي شيبة (1/4) لحديث عقبة بن عامر في الباب نفسه، أما السند فركبه عن الزهري عن عقبة بن عامر، وانشغل الحميري في الحاشية بالكلام عن إدراك الزهري لعقبة من عدمه!
وهكذا مجموعة من أحاديث الطهارة أُخذت متونها من مصنف ابن أبي شيبة حرفيا، مع أن بعضها رواه عبد الرزاق في مصنفه الحقيقي، ولكن بسند ولفظ مغايران! ولو كان الوضاع عنده بعض علم بالسنّة لنَقَل أسانيد عبد الرزاق وألفاظه، بيد أن حبل الكذب قصير! والكاذب يُحرم التوفيق!

الكلام على الأسانيد
أولا: الكذب الصراح فيها:
• من ذلك ما جاء في النسخة رقم (2) من قول ابن جريج: أخبرني البراء -الصحابي!
وهذا كذب، فابن جريج من أتباع التابعين، ومع هذا قال الحميري في تعليقه: ابن جريج حافظ ثقة، وكان يدلس، وقد صرح هنا بالإخبار!!
• ومنها ما جاء رقم (28) قال عبد الرزاق: أخبرني الزهري!
وهذا كذب! فعبد الرزاق لم يدرك الزهري أصلا!
فهذا مما جاء من الكذب البيّن في الأسانيد.

ثانياً: تركيب الأسانيد وتلفيقها:
ليس مجرد الثقة والمعاصرة كافيان في قبول الأسانيد بشكل مضطرد، فهناك تراكيب إسنادية لا تجيء ولا تنتظم ولو توفر فيها الأمران، وهذه التراكيب يدركها المحدّث اليقظ العارف الممارس للحديث وأسانيده، ومن يوفقه الله لاحتذاء حذوه، وبطبيعة الحال لا يدركها الطرقي ولا الخرافي!
فمن ذلك ما قاله أحد أئمة هؤلاء الأيقاظ الحافظ أبوحاتم الرازي: عكرمة عن أنس ليس له نظام. (العلل 1/273)
وقال أيضا (1/309): الحسن البصري عن سهل بن الحنظلية لا يجيء.
وقال أيضا (2/158): هذا حديث باطل ليس له أصل، الزهري عن أبي حازم لا يجيء.
وبالتأكيد فإن من هو في مستوى الواضع -ومن روّج له- لا يمكن له إدراك ذلك، فيكشفه الله ويفضحه كما كشف أسلافه من الكذابين والوضاعين.
• فمنها ما جاء رقم (13) من قول عبد الرزاق: أخبرني يحيى بن أبي زائدة.
وهذا تلفيق، فلم أجده من شيوخ عبد الرزاق في المصنف ولا في تهذيب الكمال!
• وفي رقم (22): أخبرني مالك عن يحيى بن أبي زائدة! فهنا روى عن يحيى بواسطة! ومالك لا يروي عن يحيى! ومثله رقم (34)، أما في رقم (15) فروى عن معمر عن ابن أبي زائدة!
• وفي رقم (10) جعل معمرا يروي عن ابن جريج.
وفي رقم (15) روّاه عن ابن أبي زائدة.
وفي رقم (19) روّاه عن سالم بن عبد الله.
وفي رقم (36) روّاه عن الليث، وكل ذلك كذب، فليسو من شيوخ معمر.
ومن ذلك رقم (19): معمر، عن سالم، عن أبي هريرة.
ففيه تركيبان: رواية معمر عن سالم، ورواية سالم عن أبي هريرة.
إلى غير ذلك من التركيبات التي لا تجيء!

ثالثاً: اختلاق المتابعات:
كثير من أحاديث أبواب الطهارة في نسخة الحميري عبارة عن أحاديث معروفة ولكن وردت بأسانيد لا تُعرف، ومن جهل الواضع ومن معه أنه افتعل لأسانيد هذه المتون متابعات موضوعة.
مثل الحديث رقم (20): وهو عن معمر، عن الزهري، عن أبي سعيد الخدري (كذا في النسخة التي زعم الحميري إتقانها!)، عن أبيه، عن جده أبي سعيد في التسمية عند الوضوء.
وراوي حديث التسمية هو حفيد الخدري، واسمه رُبيح بن عبد الرحمن (وليس رويبح كما قال الحميري!)، وهو معروف بهذا الحديث، وتفرد به عنه كثير بن زيد -كما أفاد الإمام أحمد ونص ابن عدي- فمن أين جاءت متابعة الزهري، وهو لا يروي عن ربيح أصلا؟ فهل جهلها الحفاظ متقدمهم ومتأخرهم وادُّخرت معرفتها للحميري ومحمود سعيد ممدوح؟ ومتابعة من؟ الزهري!

رابعاً: مخالفة الأسانيد للثابت من رواية عبد الرزاق:
تقدم على ذلك مثالان في الكلام على أخذ الوضاع المتون من مصنف ابن أبي شيبة، بينما هي في موجودة مصنف عبد الرزاق الحقيقي بلفظ مغاير، وسند آخر! وهكذا يشاء الله أن لا يدع منفذاً لهذا الوضاع إلا وافتضح! وإلا لجاء بمرويات عبد الرزاق كما هي!

أما تعليقات الحميري على الأحاديث:
فإنما تدل على جهله المطبق وتخليطه في السنّة، فتخريجاته لا قيمة لها البتة، يكون المتن في شيء فيخرج شيئا آخر من حديث آخر، لمجرد تشابه في طرف من المتن، أو أن يكون مقارباً لموضوعه، وحسبنا أنه يخرّج بعض الأحاديث من دلائل الخيرات للجزولي! ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، ولذلك أكتفي بما سبق نقده من غرائب تعليقاته، فليس هدفي إثبات جهله وخيانته العلمية، فذاك أمر متقرر قبل إخراجه لمصنفه هذا، إنما المقصود إثبات كذب مصنفه برمته، وتحذير الناس مما فيه.
والله من وراء القصد.

الخاتمة
ظهر فيما سبق أن مصنف الحميري بيّن الوضع والتزوير، وأن واضعه مكشوف أنّى اتجه، وأن الحميري استخدم في ترويج هذا الكذب شتى ضروب التدليس والتلبيس والغش والكتمان الخبيث، وتابعه محمود سعيد ممدوح وشكر للحميري صنيعه! وعلمنا أنه حصل التنبيه بحال المصنف قبل إخراج الكتاب، ولكن لا حياة لمن تنادي.
وظهر أن الحميري تواطأ في نشر هذا الكذب المفترى عبر كتم بعض المعلومات التي تكشف حال مخطوطه، وكذب على الناس في أنه من خط القرن العاشر، وهو يعلم أنه ليس كذلك، وتابعه على ذلك محمود سعيد ممدوح، مع علمه بحال الكتاب أيضا!
فتبين بذلك أنه لا يوثق بهما في دينهما ولا علمهما، ومن استحل الكذب ونشره عن النبي صلى الله عليه وسلم فماذا بقي فيه من خير؟ وليس هذا كذباً عادياً من جنس أكثر الأحاديث الموضوعة، بل فيه نسبة الضلالات والخرافات والأهواء الباطلة إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، إضلالا للمسلمين، ومحاربة للسنة وأهلها، وما ذلك عن أصحاب المصنف بغريب.
فعلى الناس الحذر من كل ما أخرج ويُخرج هذان، فقد أسقطا عدالتهما بأنفسهما، وظهر أنهما من شر دعاة الضلالة والهوى، الذين لا يتورعون عن الكذب وترويجه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى من اغتر بهما أن يعرف حال من يتبع، وإلى أي طريق يدعوان.

• وإنه من غرائب الموافقات أن يخرج مصنف الحميري في الوقت الذي يحارب فيه رسولنا الكريم ويُستهزأ بشخصه ودينه، وقبلها جرت محاولات تحريف القرآن الكريم باسم الفرقان الحق وغيره، نعم، إن تزامن ذلك مع محاولة جديدة من نوعها في تحريف السنة والدس فيها بحاجة إلى تأمل وتدبر، ووقفة ونصرة للسنّة، ولعله لذلك تعمّد تزوير تاريخ طبع الكتاب، وما ذلك ببعيد وقد علمنا أن مصنف الحميري كله مزوّر، والله المستعان.

• وليعلم القارئ أنني إن شددت العبارة مع هؤلاء المجرمين فما ذاك إلا لعظم جريمتهم، وردعاً أن يعودوا هم وأمثالهم لاختراع كتب باطلة ونسبتها للأئمة، فضلا عن الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله من وراء القصد.
اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكف عنا وعن المسلمين شرور المفسدين، والضالين المضلين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه أفقر العباد
محمد زياد بن عمر التكلة
رد مع اقتباس