عرض مشاركة واحدة
  #78  
قديم 11-04-12, 01:24 AM
ابو يعقوب العراقي ابو يعقوب العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-05-07
الدولة: في قلب كل محب
المشاركات: 2,252
افتراضي رد: علم المنطق في اصول الفقه

اليك هذه التطبيقات المنطقية في التفسير
الشرطية الاتفاقية والشرطية اللزومية .
قال الشنقيطي – رحمه الله – (4/162 – 163)(الكهف / 57) : (وقوله في هذه الآية الكريمة – أي قوله تعالى : ( وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً ) - ( إذا ) جزاء وجواب . فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبباً للاهتداء سبباً لانتفائه . لأن المعنى : فلن يهتدوا إذا دعوتهم ذكر هذا المعنى الزمخشري ، وتبعه أبو حيان في البحر . وهذا المعنى قد غلطا فيه ، وغلط فيه خلق لا يحصى كثرة من البلاغيين وغيرهم .
وإيضاح ذلك أن الزمخشري هنا وأبا حيان ظنا أن قوله : { عُذْراً } شرط وجزاء ، وأن الجزاء مرتب على الشرط كترتيب الجزاء على ما هو شرط فيه . ولذا ظنا أن الجزاء الذي هو عدم الاهتداء المعبر عنه في الآية بقوله : { فَلَنْ يَهْتَدُواْ } مرتب على الشرط الذي هو دعاؤه إياهم المعبر عنه في الآية بقوله : { وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى } المشار إليه أيضاً بقوله ( إذاً ) فصار دعاؤه إياهم سبب انتفاء اهتدائهم وهذا غلط . لأن هذه القضية الشرطية في هذه الآية الكريمة ليست شرطية لزومية ، حتى يكون بين شرطها وجزائها ارتباط ، بل هي شرطية اتفاقية ، والشرطية الاتفاقية لا ارتباط أصلاً بين طرفيها ، فليس أحدهما سبباً في الآخر ، ولا ملزوماً له ، كما لو قلت : إن كان الإنسان ناطقاً فالفرس صاهل فلا ربط بين الطرفين ، لأن الجزاء في الاتفاقية له سبب آخر غير مذكور ، كقولك : لو لم يخف الله لم يعصه ، لأن سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو الشرط ، بل هو شيء آخر غير مذكور ، وهو تعظيم الله جل وعلا ، ومحبته المانعة من معصيته . وكذلك قوله هنا : { فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً } سببه الحقيقي غير مذكور معه فليس هو قوله ( وإن تدعهم ) كما ظنه الزمخشري وأبو حيان وغيرهما . بل سببه هو إرادة الله جل وعلا انتفاء اهتدائهم على وفق ما سبق في علمه أزلاً .
ونظير هذه الآية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي الشرطية قوله تعالى : { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخر غير مذكور في الآية ، وهو ما سبق في علم الله من أن بروزهم إليها لا محالة واقع ، وليس سببه كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الآية . وكذلك قوله تعالى : { قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ } ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي : قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ } ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي :
... ( مقدم الشرطية المتصله ... مهما تكن صحبة ذاك التال له ) ... ... ( لموجب قد اقتضاها كسبب ... فهي اللزومية ثم إن ذهب ) ... ... ( موجب الاصطحاب ذا بينهما ... فالاتفاقية عند العلما ) ...
ومثال الشرطية المتصلة اللزومية قولك : كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً ، لظهور التلازم بين الطرفين ، ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية دون التلازم من الطرفين ، كقولك : كلما كان الشيء إنساناً كان حيواناً ، إذ لا يصدق عكسه .
فلو قلت : كلما كان الشيء حيواناً كان إنساناً لم يصدق ، لأن اللزوم في أحد الطرفين لا يقتضي الملازمة في كليهما ، ومطلق اللزوم تكون به الشرطية لزومية ، أما إذا عدم اللزوم من أصله بين طرفيها فهي اتفاقية . ومثالها : كلمة كان الإنسان ناطقاً كان الحمار ناهقاً . وبسبب عدم التنبه للفرق بين الشرطية اللزومية ، والشرطية الاتفاقية ارتبك خلق كثير من النحويين والبلاغيين في الكلام على معنى ( لو ) لأنهم أرادوا أن يجمعوا في المعنى بين قولك : لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجوداً . وبين قولك : لو لم يخف الله لم يعصه ، مع أن الشرط سبب في الجزاء في الأول ، لأنها شرطية لزومية ، ولا ربط بينهما في الثاني لأنها شرطية اتفاقية . ولا شك أن من أراد أن يجمع بين المفترتين ارتبك ، والعلم عند الله تعالى .)
وانظر أيضا (7/295)(الزخرف / 81) .
رد مع اقتباس